عدنان الظاهر (كذّبتْ ثَمودُ بطغواها / سورة الشمس)

(طغواً على قلبي الضعيفِ الدامي / الشاعر سامي العامري)

إشكالية لغوية:

الشكر للشاعرالأستاذ سامي العامري فهو الذي فتح عيني على هذه المسألة التي لم تخطر على بالي قبلاً. وما علاقة السيد العامري بكلمة [طغواها]؟ العلاقة وثيقة بل وثقى. كيف؟ في قصيدة نشرها العامري أخيراً في موقع المثقف (العدد  بتأريخ) نحت من المصدر المعروف "طغيان" صيغة لغوية لا هي حال ولا تمييز ولا مفعول مطلق ! ما كان الأساس فيما اجتهد ثم استخدم في بعض شعره وما كان ذاك اللغز الذي حيّرني واقلقني؟ إستخدم الشاعر لفظة " طغواً " معتمداً فيما قال لي برسالة خاصة على قناعة لديه تأكدت برجوعه إلى ثلاثة معاجم مضمونها أنَّ الفعل طغا يطغو طغياناً وطغْواً وليس طغى يطغى. أنا لا أعرف مصدراً للفعل طغى إلاّ طغيان ولم أسمع قبلاً بالمصدر طغواً حيث الفعل الماضي طغا والحاضر يطغو وفي هذه الحالة يتوجب أنْ يكونَ المصدر طغوان ... واو المصدر من الفعل يطغو. مع السيد العامري بعض الحق في قوله [طغواً على قلبي الضعيفِ الدامي] لكنَّ هذا المصدر غير المألوف يُضعف البيت الشعري الذي هو ضعيف أساساً ! فما هو أساس هذا الحق ؟ إذا سلّمنا أنَّ الفعل هو طغا يطغو والمصدر طغيان وطغو مثل لغو وشجو[ كما أخبرته المعاجم الثلاثة التي استشارها وهي كما كتب لي : القاموس المحيط ومعجم الرائد والمعجم الغني] فيكون صحيحاً النص الوارد في الآية القرآنية من سورة الشمس كما يلي:

(كذّبتْ ثَمودُ بطغواها) ويعودُ حرف الهاء على قبيلة ثَمُود. هل سمع أحدنا بالمصدر طغواً ولماذا لا يكون منتهياً بالألف المقصورة طغوى مثل فتوى ودعوى وتقوى على أساس أنَّ فعليه هما طغى يطغى طغياناً وطغوى وطغواها بقلب الألف المقصورة إلى ألف ممدودة وهذا أمرٌ جائز ومعروف في اللغة العربية ؟ أرى تعليلأ أو تبريراً [لطغواها] التي وردت في الآية القرآنية : إنها قوة تأثير فعل السجع الإيقاعي الذي سيطرعلى كافة آيات هذه السورة. وسيطر أمرٌ آخرُ بشكل لم يسبق له مثيل في القرآن الكريم هوإستخدام ما فعله أبو العلاء المعري مع ديوانه الشعري الشهير [لزوم ما لا يلزم]. في كل آية من آيات سورة الشمس رويٌّ ثلاثيٌّ هو {آها}... ضُح ـ اها .... تل ـ اها .... جلّ ـ اها ..... يغش ـ اها .... بن ـ اها... كذّبتْ ثَمود بطغو ـ اها .... وهكذا باقي آيات هذه السورة (سورة الشمس) من مثل:

ونفسٍ وما سوّاها. فألهمها فجُورها وتقواها. قد أفلحَ مَنْ زكّاها. وقد خابَ مّنْ دسّاها. كذّبتْ ثَمُودُ بطغواها.

 مثال ما لزوميات المعري الثلاثية :

في اللاذقيةِ ضجّةٌ ما بينَ أحمدَ والمسيحْ

هذا بناقوسٍ يَدُقُّ وذا بمأذنةٍ يصيحْ

كلٌّ يُعززُ دينَهُ يا ليتَ شعري ما الصحيحْ

أمثلة أخرى من لزوميات المعري :

لا يُغبطنَّ أخو نُعمى بنعمتهِ

بئسَ الحياةُ حياةٌ بعدها شَجَبُ

 

والحسُّ أوقعَ حيّاً في مساءتهِ

وللزمانِ جيوشٌ ما لها لَجَبُ

 

لو تعلمُ الأرضُ ما أفعالُ ساكنها

لطالَ منها لما يؤتىي به العَجَبُ

واضح هنا الإلتزام بما يلزم لكنه هنا رويٌّ ثنائي: حرفا الجيم والباء.

 

عدنان الظاهر

10/ 5 / 2020

 

وليد العرفي قصيدة: "أنا وجمال والذئب"  للشاعر:حسين فاعور الساعدي أنموذجاً

مما لا شك فيه أن النص يحمل مفاتيح الولوج إليه، ومن هنا يبدو النص منفتحاً على الدلالة التي يريد المؤلف أن يوصلها؛ فالنص في نهاية المطاف إنما هو رسالة بين ذات المبدع ومتلق غير محدد، وفي هذه المقاربة لنص الشاعر حسين جميل الساعدي أحاول أن أقارب النص من زاوية اعتماد الكاتب على  أحد عناصر القص، وهو الحوار، والحوار عادة يكون في السرد القصصي أما أن يكون في الشعر فلا بد أن يحمل دلالات ويحيل على مرجعيات ومن نافل القول إن الحوار ليس تقنية جديدة في الشعر العربي قديمه وحديثه  منذ مغامرات امرىء القيس ومروراً بنرجسيات عمر بن أبي ربيعة وليس انتهاء بامرىء هذا العصر .

أولاً ــ النص

يبدأ الشاعر نصه بوصف ينم على حميمة العلاقة الجامعة بين الجد

(الشاعر) والحفيد (جمال) والاستهلال أشبه ما يكون بمحاولة تقديم صورة حسية مشحونة بعاطفة الحب الأبوي بين الشاعر وحفيده الذي يقدمه للقارىء بنمطيه الجسماني والنفسي فهو اسم على مسمى رمز  للجمال والحيوية والشفافية وحب المعرفة والاكتشاف يقول:

صديقي الوحيدُ الوفيُّ الذكيُّ الشجاعُ جمالْ

صديقي يا ابن الثلاثِ الطوالْ

جميلٌ كزهرةِ لوزِ

كطلّةِ صبحٍ

نديٍّ كنسمةِ صيفٍ

وعيناكَ عينا غزالْ

فيهما عالمان: شتاءٌ حزينٌ

وصيفُ أمانْ

أحِبّكَ يا ابنَ الثلاثِ الطوالْ

وأهوى سؤالَكَ حين يليه سؤالٌ

يليهِ سؤالْ

ليبدأ بعد هذا المشهد الوصفي الذي قام على بنية الصورة والتشبيه إذ توالت درجات التشبيه ما بين التشبيه البليغ والتام والمؤكد والمجمل، وبهذا كأنني بالشاعر يريد أن يحيط بالحفيد بصورة جمالية لا يترك مجالاً للتشبيه فيه إلا واستعار منه بعض وجوهه التي استند فيها الشاعر على ثنائية النبات والحيوان من عناصر البيئة والطبيعة البكر إذ نلحظ: (زهرة لوز، غزال) مثلما تظهر ثنائية الزمن: (شتاء، صيف)

لينتقل بعد ذلك إلى ثنائيات الحوار التي تُشكل معمار القصيدة كلها، كما تُبيّن  الثنائيات التي تتكشف وفق الصيغة الفعلية بين الطلب بصيغة الأمر والتلبية بفعل الحاضر: (احكِ عن الذئب) ـــــــــــــــ فأروي

تلوذُ بحضني وتهمسُ:

"احكي عن الذئبِ. جدي!"

فأروي الحكايةَ...

تُصغي بعينينِ جاحظتينِ

وتسألني بانفعالٍ:

ويُلاحظ بجلاء أن معمارية القصيدة تتسلسل وفق هندسة متوالية الثنائيات التي جاءت عبر الأسئلة المتوالية فالأسئلة التي جاءت مستفسرة عن شكل الذئب بنيت على الثنائيات أللذئبِ رأسٌ؟

أللذئبِ عينٌ؟

أللذئبِ أنفٌ كأنفكْ؟

أللذئبِ  فمٌّ؟

وكذلك الأسئلة التي جاءت مستفسرةً عن المجتمع الذي ينتمي إليه بصلات القرابة: أللذّئبِ عمٌّ؟

أللذّئب خالْ؟

والأمر نفسه يُقال عن الأسئلة التي استفسرت عن حالاته في الفرح والألم: هل الذئبُ يبكي؟

هل الذئبُ يضحكْ؟

ليعود الختام على الاستهلال إذ نلحظ عناية الشاعر بالصورة المشهدية التي عادت إلى التشبيه التي تتناوب في ثنائتي:

الحركة بين ثنائتي السرعة التي يمثلها الحفيد والبطء التي يمثلها الجد:

تسيرُ أماميَ كالشبلِ...

أمشي ورائك كالسلحفاةِ

فتصرخُ: أسرِعْ!

كما تتبدى من خلال قوة الحيوية التي تنبعث بدافع خارجي أحدثه صوت الحفيد في داخل الجد، إذ تبرز تلك الثنائية في تجدد الطاقة وحيوية الحركة المتبدية في الأفعى والظبي:

تعودُ الطفولةُ تَسْري بجسمي كأفعى

وأنت كظبيٍ صغيرٍ أماميَ تسعى

فأحبو وراكَ،

أعدّلُ ظهري

ويشتدُّ بين الضلوعِ الحراكْ

تغيبُ وراءَ الشجيراتِ،

تبعدُ عني،

أخافُ عليكَ الأفاعي

أنادي بصوتٍ أجشٍّ وكلي ارتباكْ:

تعال نعدْ...

كم أنا خائفٌ يا جمالْ!

فتصرخُ بي من بعيدٍ: "وماذا تخاف؟"

تعودُ وعيناك تقدح ناراً

وتُمطرني بالسؤالِ وراء سؤالْ:

هل الذئبُ خلفَ التلالْ؟

أم هنا خلفَ هذي الشجيراتِ،

حدّ الطريقِ هنا؟

هل الذئب يسكن في بيتنا؟

أم الذئبُ بين الجبال؟

وأتعبُ...

أخشى عليكَ

فأطلبُ منكَ:

تعال نعدْ... يا جمالْ

فتصرخُ بي باحتجاج شديدٍ:

لماذا تخافْ؟

سأضرِبُهُ بالعصا

ألستُ أنا من سيحمي الخراف؟؟

تبنى قصيدة أنا وجمال والذئب على ثنائيات  الإنسان ممثلة بشخصية الجد الذي يقوم بدور السارد الراوي،  وفي لغة القص الشعبي (الحكواتي) وشخصية الحفيد جمال ابن الثلاث سنوات،  وهنا تتكشف لنا ثنائيات الشخوص فشخصية الجد تتماهى بين: المجيب المعلّم بالمعنى التربوي، والرسام الذي يُشكّل صورة للذئب  أما الحفيد فيتبدى بثنائية الطفل الجاهل والطفل المستكشف، وهو ما يتجلى باستمطاره الأسئلة، والسؤال هو مفتاح المعرفة في علم النفس، وهو ما تُشير إليه نظريات التطور النمائي لدى الأطفال الذين غالباً ما يكون السؤال عندهم محاولة لاستكشاف العالم المحيط بهم، وهذه الأسئلة التي غالباً ما يضيق بها الأهل ذرعاً، وربما سببت لهم حرجاً ما في تقديم الإجابة في بعض الأحيان، ومن هذه الثنائية نصل إلى ثنائية  الذئب، وما تحيل عليه تلك الصورة بين واقعية الحيوان  المُشاهد في الحقيقة والذئب بدلالته الرامزة إلى كل فعل قائم على الغدر والمخاتلة سواء أكان هذا الفعل من قريب مجاور أم من بعيد ناء، وعلى هذه الثنائيات تتبدى البنية اللغوية التي ارتكزت على أسلوبي الكلام الذي تناوب بين الجمل الخبرية والجمل الإنشائية التي جاءت هنا بحمولات أسلوب الاستفهام بالهمزة  والهمزة وفق النحاة تستخدم وفق ثنائية التصديق أو التصور، وبناء على هذه الثنائية تتوضح دلالات النص  الأخرى بين ثنائية المقول والمسكوت عنه، فثمة ما هو معلن وآخر مختفٍ، وما بين القول والصمت ثمة إيحاءات ودلالات جاءت مرتدية ثنائية الوعظ والإرشاد من جهة، والتعليم والكشف من جهة أخرى

ولا بدّ من الإشارة أخيراً إلى ثنائية تتمثل في شخصية الطفل  بوضعه الراهن  (الآن) فهو مرافق للجد، ولكنه في المعتقد المتصوَّر ذهنياً هو من سيقوم بفعل حماية الخراف في المستقبل، وهو ما يُحيل في مراميه الأخيرة إلى ثنائية النضال لدى الشعب الفلسطيني الذي يتواصل من الأجداد إلى الأحفاد في حركة الحياة والعداء التي تتمثّل في ثنائية: الخراف والذئب في إحالة إلى فلسطين والكيان المحتل في دلالات النص الأخيرة .

 

 د. وليد العرفي

 

 

مادونا عسكرحيث يكون عقلك يكون كنزكَ. وبقدر ما يرتقي العقل ويتثقّف يتنقّى من شوائب مرض الجهل ويستقبل الصّور والأفكار بمنطق يعلو فوق الغرائز وفوق (ميكانيزمات) التّفكير المحدود فيكون الكنز المعرفة والغنى الفكريّ. لا ريب أنّ تثقيف العقل يحتاج إلى تدريب طويل وإرادة حقيقيّة عازمة على درء الجهل، وإلّا فكيف ترتقي الشّعوب وكيف ينتقل الشّخص من مشروع إنسان إلى إنسان؟

استكمالاً لمبدأ كيفيّة تلقّي القارئ للنّصوص الأدبيّة وخاصّة الشّعريّة منها، لا بدّ من رصد حالة القارئ في تلقي روح النّصّ الدّينيّ في النّصوص الشّعريّة. فقصائد كثيرة خلقت جدلّيات واسعة في ما يخصّ استخدام النّصّ الدّيني في القصيدة أو استدعاء "الله" في النّصّ الشّعريّ. قد ينفر بعض القرّاء من هذا النّصّ أو ذاك بحجّة التّعدّي على النّصّ الدّينيّ أو تحويل المعنى المقدّس لاستهلاكه في نصّ شعريّ. وقد يكفّر الشّاعر ويتّهمه بالإلحاد، معتبراً إيّاه عدوّاً للإيمان القويم، بل عدوّاً لله. ولمعالجة هذا النّوع من التّلقّي لا بدّ من أن يُفهم هذا النّوع من القرّاء لتمييز طريقة تفكيرهم ليكون بالإمكان الارتقاء بهم، فهدف الأدب الأساسيّ المرتبط به هو الارتقاء بالشّعوب وتحضّرها الفكريّ واستعدادها النّفسيّ لقبول الأفكار ومناقشتها واحترامها.

لا بدّ للقارئ من أن يعلم أوّلاً أنّ النّصّ الدّينيّ شيء والنّصّ الشّعريّ شيء آخر. ما يدعو إلى الفصل بين اللّاهوتيّ والشّعريّ، وبين دور النّصّ الدّينيّ ودور النّصّ الشّعريّ. إلّا أنّه لِفهم القارئ الممتعض من هذه النّصوص يلزم شرح (ميكانيزم) التّفكير المتديّن الواحد عند كلّ المتديّنين المتزمّتين. وهنا عليّ أنّ أفرّق بين المتديّن والمؤمن. فقد لا يكون المتديّن مؤمناً من ناحية الارتباط بالله، وإنّما قد يكون مرتبطاً بمنظومة الدّين الخائفة دائماً على العقيدة، وكأنّ العقيدة هشّة لدرجة أنّه يمكن لأيّ شيء أن يزعزعها. لذلك فهو يترصّد أيّ خلل يمكن أن يطرأ على المعنى النّصّيّ ظنّاً منه أنّه بتبدّل الحرف أو بإخراجه من الحرفيّة النّصّيّة تتبدّد العقيدة. كما يعتبر أنّ النّصّ الدّينيّ المقدّس لا ينبغي أن يخرج من الإطار الدّينيّ حتّى لا يتداخل مع أفكار أخرى تنزع عنه قدسيّته. يعتبر المتديّن المتزمّت أنّه يخدم النّصّ والحرف وليس العكس. إلّا أنّ النّصّ الدّينيّ حاضرلخدمة إنسانيّة الإنسان وليس سلاحاً في يد المتديّن يحارب به العقل والشّعور.

تختلف تقنيّات النّصّ الشّعريّ قطعاً عن تقنيّات الشّروحات الدّينيّة، والشّاعر حين يكتب قصيدة يستدعي روح المعنى المقدّس لأهمّيّته ولحضوره ولجلاله وقيمته الإنسانيّة أوّلاً نازعاً عنه قداسة الحرف، لأنّ قداسة المعنى أقوى. والشّاعر الحقيقيّ هو من تكتبه القصيدة، القصيدة الخارجة من اللّاوعي تتحكّم بالشّاعر وتفرض نفسها بقوّة. والقصيدة حالة شعوريّة قاسية لحظة انبعاثها، بل هي لحظة وحيٍ أو ما يشبه الوحي فيتمسّك بها الشّاعر لأنّها تعبّر عن أعماق أعماقه.

"إِلَهِي.. إِلَهِي، لِمَاذَا تَخَلَّيْتَ عَنِّي؟ لِمَاذَا تَزَوَّجْتَ مَرْيَمْ؟

لِمَاذَا وَعَدْتَ الجُنُودَ بِكَرْمِي الوَحِيدِ.. لِمَاذَا؟ أَنَا الأَرْمَلَهْ." (محمود درويش)

هل كان يسعى درويش إلى شرح المزمور الثّاني والعشرين من مزامير داوود، أم أنّه كان يستدعي الحالة الشّعوريّة المرتبطة برمزيّة هذا المزمور؟ في أعماق الشّاعر كما في عقله أسئلة وجوديّة تحتّم استخدام الرّمز لترتقي القصيدة إلى مقام الشّعر. فالشّعر أبعد من حالة تعبير عن الذّات والأفكار. الشّعر لحطة تزاوج الفكر بالمعنى، لحظة البحث غير الواعي. وهنا يحاكي لاوعي الشّاعر لاوعي القارئ فيستفزّ فيه المقصود بالمعنى، إلّا أنّ القارئ الضّيّق الأفق يعتبره تهجّماً على الدّين أو على الآية المقدّسة. وأعود لأقول إنّ الشّاعر مسّ أعمق نقطة في القارئ لذلك استنفر وجيّش ردّات فعله العشوائيّة وإلّا لعبر عن النّصّ دون أن يعتبر.

لو يعلم القارئ المتزّمّت مدى قسوة الحالة الّتي كان عليها أمل دنقل وهو يقول: "خصومة قلبي مع الله، ليس سواه!" ما اتّهمه بالإلحاد. فالقارئ المسكين تعامل مع هذا القول وكأنّه في يوم الحساب إذ نعت دنقل بالملحد. ولم يدرك حالة الأسى المضني والشّاق الّتي جعلت أعماقه مضطربة. (خصومة قلبي مع الله) حالة من الارتباك الشّعوريّ، من الصّدمة بين ما يُرى على أرض الواقع والفهم العام لله. إنّها خصومة القلب المتعب والمتألّم بل هي حالة أشدّ قسوة على الشّاعر ممّا يظنّ القارئ. لحظة خيبة استدعت الحزن والألم. من المهمّ أن يتنبّه القارئ إلى أنّ أمل دنقل قال خصومة قلبي ولم يقل خصومة عقلي، ما يجعله يستدلّ على قسوة الشّعور واضطراب القلب والنّفس.

إنّ القارئ المتزمّت المسكين المندفع للدّفاع عن النّصّ الدّيني في نصّ شعريّ يشعر في عمقه بتفلّت من نظام القطيع. كأنّه يخشى على نفسه من فقدان الحماية. هو يحتمي بفكر الجماعة ويعتبر أنّ أيّ مسّ لهذا الفكر تهديد لوجوده.

الشّاعر شاعر، واللّاهوتيّ وشارح النّصّ الدّينيّ يتّخذان سياقاً آخر لا دخل له في الشّعر ولا بالحالة الشّعوريّة. الشّاعر تكتبه القصيدة وهو أسيرها حتّى تكتبه قصيدة أخرى. وأمّا شارح النّصّ الدّينيّ فهو يعي ما يشرح مستدعياً مخزونه المعرفيّ الدّينيّ أيّاً كان منبعه. والشّاعر ليس معنيّاً بالشّرح العقائدي، كما أنّ القارئ ليس معنيّاً بتتبّع كفر الشّاعر من إيمانه. ما يعني القارئ المعنى الكامن في قلب الشّاعر إذا استطاع إليه سبيلاً. وإن لم يستطع فلا يصدرنّ الأحكام والإدانة وكأنّه موكّل من الله لمحاسبة النّاس. الشّاعر عقل حرّ يودّ التّفاعل مع عقل حرّ مثله حتّى تبلغ القصيدة كلّ المعنى. فإن كان عقل القارئ أسير الأفق الضّيّقة كان كنزه الجهل، وإذا كان عقله حرّاً كان كنزه المعرفة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

عبير خالد يحيىدراسة ذرائعية مستقطعة لرواية  قيامة البتول الأخيرة (الأناشيد السرية) للأديب السوري زياد كمال حمامي

إغناء: اخترت أن أبدأ دراستي  بمقدمة لبحث منشور في موقع maaber.org  بعنوان (باراديغم[11] الحرب العالمية الثالثة محاولة في تحديد مفهوم الإرهاب) كتبه /الفاهم محمد/، وهو باحث في قضايا الفكر الفلسفي من المغرب، في مقدّمة مقاله يستعرض القوانين  والقيم الأخلاقية التي كانت تحكم الحرب الكلاسيكية:

....ورغم أن الحرب كانت دومًا تمثل الخطر الأقصى الذي ينبغي دفعه واستبعاده عن الأمة، إلا أنها مع ذلك وفي حالة قيامها فهي تنبني على أخلاقيات صارمة، تتعلق مثلاً في حالة الإسلام باحترام العدو وعدم التنكيل بأطفاله ونسائه، كما تفرض أيضًا قيودًا صارمة بضرورة احترام الطبيعة  وعدم تسميمها، فالحرب ينبغي أن تتمَّ في نوع من الممارسة الفروسية النبيلة، والانتصار غير المستحق ليس انتصارًا شريفًا وإنما هو هزيمة مقنَّعة. إن المبدأ العام الذي كانت تقوم عليه معارك الماضي هو أن الهزيمة بشرف خير من الانتصار الغادر. كانت الحرب حتى في أبشع صورها أخلاقية لأنها لم تكن هدفًا في حد ذاتها، بل هي وسيلة من أجل وضع القانون وخلق نظام اجتماعي ما. غير أن المنعطف الذي تعرفه الألفية الثالثة بعيد كليًا عن هذا الأفق، فنحن لأول مرة في تاريخ البشرية نتجه نحو تأبيد الحرب وجعلها علامة مميزة للحضارة المعاصرة.

التبئير الفكري:

المتتبع لأعمال الأديب السوري زياد حمامي يجد أنه كاتب وطني، تعتصره آلام الوطن، وتتحشرج في   حنجرة قلمه غصّة قهر وهو يرى وطنه عرضة للسلب والنهب، يعيث فيه الفساد والفاسدون، يتآمر على حريته وكرامته كلّ من هبّ ودبّ، من الخارج والداخل، وطن كان حضنًا آمنًا لكلّ من وفد إليه، عدا عن أبنائه الذين نبتوا فيه، ولم يكن له نصيب كبير من الوفاء  لدى العديد منهم، خانه الكثيرون، وباعه العديدون بأبخس الأثمان، مقابل عرض دنيوي، وسرقه الطامعون.

 وعلى هؤلاء (السارقين والخونة) يركّز الكاتب عدسة قلمه،  ليكشف سرقاتهم وخياناتهم، على الذين يسرقون تاريخه وحضارته، ويزيّفون هويّته الثقافية والفنيّة، يسرقون آثاره، ويشير صراحة إليهم، في داخل الوطن وخارجه، ويكشف الستر عن منظمات عالمية ماسونية تخطط وتنفذ عبر أذرعها المشبوهة وهي عبارة عن تنظيمات سرية شاذّة داخل الوطن، لا تنفصل بالمعتقد الفكري والديانة عن القاعدة الماسونية، يهودٌ اختاروا البقاء في هذا الوطن الخيّر، فلم يلفظهم حين حاولت الوكالة الصهيونية استقطابهم  للقدوم إلى فلسطين في العام 1948، بل أمّنهم فيه وترك لهم حرية الاختيار، فكان جزاؤه منهم أنهم سرقوه بخديعة، وما كان بقاؤهم إلّا لهدف سرقته بطريقة ممنهجة، يعاونهم في ذلك الفاسدون المرتزقة من أهل البلد الجهلاء، الذين استباحوه حدّ الاغتصاب، تحجب جرائمَهم حربٌ عبثية لم ينتصر فيها أحد، ولم يكسب فيها إلّا تجّار الحروب من أهل النذالة والدونية. عالج الكاتب هذه الفكرة الخطيرة باستراتيجية قلقلة، فقد أعطى عنوانَين للرواية، فسار بطريق الإيهام، وبما أنّ روايته هي عمل واقعي فإن الإيهام كان سدًّا أمام المتلقي لإدراك بؤرة الكاتب وبؤرة النص عن طريق عتبة النص الأولى (العنوان)، فالعنوان الجيّد يجب أن يتّصف بصفتين، الأولى  قصر العنوان، والثانية: تركيز المحتوى في تكوينه، ليقود المتلقي نحو بؤرة النص الأساسية بشكل مباشر لا لفٌّ فيه ولا دوران، كما كانت ديباجة الرواية مبعثرة- وهذا أمر معذور فيه الكاتب- تعجّ بالمشاهد الباعثة على الشَّدَة والذهول من هول الواقع الذي فاق الخيال فعلًا، وذريعتي في ذلك اعتراف الكاتب نفسه، والذي قدّم به العمل، فقد دخل في منطقة كانت -وما تزال -  تُعدّ محظورة، خطيرة كحقل ألغام وأكثر، فكان شجاعًا يبتغي التحرّر، لكن أيضًا كان مضطربًا ويائسًا، استنجد بالخيال للتخفيف من حدّة الواقع، فخلط بين الواقع والخيال والتبس عليه الأمر بين صحوة الجرأة والإقدام وخَدَر التشاؤم واليأس. يقول في مقدمة الكتاب:

اعتراف

قد يكون الواقع أغرب من الخيال، وأشد وطأة، وقد يكون اللامعقول في غرائبيته هو الواقع نفسه، أو هو الحقبقة المخفية، وأعرف إذ ذاك، إن ما نخشى منه لا بدّ من الولوج فيه، والمغامرة من أجله، ولهذا، أردت أن يدرك المرء ما يخفى في نفسه، وفي محيطه، وما يصاغ في الأقبية السرية، وفي الحارات، والأزقة الشرقية، ويحاكيه، أو يحاكمه، بلا توجّس أو خوف أو خجل.....

الخلفية الأخلاقية للعمل:

 وهي جزء متمّم  من المستوى الأخلاقي، الذي يضم التبئير الفكري والخلفية الأخلاقية، مقدّم على شكل  صورة بهيئة مخطوط قديم، خُطّ ّعليها جزء من رسالة الإله بعل: إله البرق والعواصف والأمطار 5000 عام  قبل الميلاد.

"سورية بلدكم، أينما

كنتم. وهذا حقكم.

فحطّم سيفك، وتناول

معولك.

واتبعني لنزرع السلام

والمحبة:

أنت مركز الأرض"

وهي رسالة محبة وسلام واحتواء، اختارها الكاتب لتكون رسالته الإنسانية والأخلاقية والوجدانية، ترفد خلفيته الأخلاقية، وأيديولوجيته الوطنية والإنسانية، وفيها رفض واضح لكل الأيديولوجيات والنزعات الطائفية والعنصرية والعرقية، ودعوة للبناء والسمو بعيدًا عن الصراعات والحروب والنزاعات الطائفية والعقائدية التي لا تخلّف إلا الدمار والخراب والفناء للإنسانية.

 المستوى البصري:

العنوان كمكوّن نصي موازي:

لاحظت في البداية أن للعمل عنوانين، ولا يمكن أن يكون عنوانًا واحدًا طويلًا هكذا، أو عنوانًا رئيسيًّا وآخر فرعيًّا، حتى ولو كان  العنوان الثاني موضوعًا ضمن قوسين، وحسبت أن الكاتب لا يمكن أن يفعل ذلك غافلًا، وإنمّا عامدًا، فالعمل ليس أول عمل له، وله باع طويل في الأدب السردي والقصصي، وله خبراته ومهاراته ومعرفته الأدبية الكبيرة في هذا المضمار، فلابدّ أنه فعل ذلك قاصدًا، وفعلًا  كان ما حسبته صحيحًا، فالكاتب يضمّن عمله الروائي موضوعَين هامَّين، أحدهما ديباجة للآخر، لذلك وضع عنوانين، ولكني لم أجد ذريعة لتصرّفه الإجرائي هذا، فلا يوجد عنوانان لعمل أدبي، كما لا يوجد اسمَان لشخص واحد، وإنّما هناك اسم ولقب، سيّما وأن الكاتب قد استند على الواقع الإنساني والعلوم المرافقة، وهو يوجّه عمله نحو متلقٍّ يهمّه أن تكون اللغة أداة توصيل، طالما أن العمل مكتوبٌ وليس منطوقًا، فلو كان منطوقًا لتحقق التواصل عبر اللغة المحكية وليس المكتوبة، ولو أنّ الكاتب عطف العنوان الثاني على العنوان الأول بحرف العطف ( الواو) لكان أفضل، ولأعطى مدخلًا واسعًا يعبّد الطريق نحو فهم إنساني وعلمي للمحتويات السردية والبؤرة الأساسية للكاتب والنص، مع ملاحظة أن العنوان الطويل ليس محبّذا في أي عمل أدبي. 

 المستوى المتحرك والتجربة الأدبية الإبداعية للكاتب: 

اختار الكاتب أن يشيد بناء عمله فنيّا على الثنائيات، توحّدت في:

 الزمكانية:  فالزمان: زمن الحرب القائمة في سوريا وإلى الآن، وتحديدًا من العام 2013 حين انتقل أوار الحرب إلى حلب، هذا هو الزمن العام، أمّا زمن الحدث فهو خلال فترة هدنة بين الأطراف المتصارعة (الجيش النظامي والمعارضة المسلحة) مدّتها  48 ساعة، وما بعدها بقليل.  

والمكان: حارة اليهود أو حي البندرة.

الموضوع:

موضوعان، أحدهما مضمونه الحرب القائمة في سوريا، والثاني مضمونه سرقة التراث الثقافي والحضاري بمؤامرات سرية من منظمات ماسونية.

 الموضوع الأول:

يبدأ بحدث اغتصاب البتول مرارًا وتكرارًا على يد همجيين فاسدين طرحتهم الحرب في بدايتها، قتلوا والدها وتداولوا اغتصابها، والبتول هي أجمل بنات حارة اليهود: البندرة، شهد كل أهل الحي منظرها المريع بعد الاغتصاب، ولم تحتمل عار الاغتصاب، فألقت بنفسها من سطح البيت، لكن لم يُعثر على جثتها، فلم يجزم أحد بموتها، وجعلوا لها في مكان سقوطها المحتمل مقامًا، كانت هذه بداية الأحداث في هذا الموضوع.

ولقد صنع الكاتب من هذا الموضوع( الأول) ديباجةً لروايته الأصلية (الموضوع الثاني)، ليجذب القارئ،  وكأننا أمام شاشة عرض بانورامية شكّلت أرضية معقولة وبيئة منطقية للرواية، وهذا تكنيك يحسب للكاتب، حيث جعل الحبك الفرعية تصبّ في المجرى العام للحبكة الأصلية بذريعة التشويق، كمن يقدم طبقًا من طعام مع مقبلات ليداعب شهية الزبون، داعب الكاتب شهية المتلقي بتلك الديباجة.

التشابك السردي في الموضوع الثاني:

 شهدنا فيه مثلث صراع ومثلث انفراج ونهاية محسومة، البداية كانت من علاقة الحب التي بدأت قديمة بين عبد السلام الشاب المسلم والنحات، وبين ليزا الشابة اليهودية ابنة أبراهام فراحي الحارس السري للمعبد اليهودي في حي البندرة، قد تكون قصة الحبّ صادقة، لكن هناك إشارات يلقيها الكاتب من خلال تدفق تيار الوعي والذكريات عند عبد السلام تشكّك بذلك، لنجد أن كل الأمور حتى الحرب التي أرعبت كلّ أهل الحي، جاءت في مصلحة المهمة والمؤامرة التي كان أبراهام يخطط لها مع الوكالة الماسونية (أبناء الحليب) - والتي كانت ليزا من أهم أعضائها وتستعد لتتويجها ملكة فيها-  لسرقة تمثال (الإله حدد) من المتحف الوطني، تستخدم الوكالة بعض المرتزقة مثل أبو جمرة وجماعته، فيسرقون التمثال من المتحف مستغلين فوضى الحرب، بعد قتل الحارس، يستغل ابراهام حب عبد السلام لابنته ليزا، ويفاوضه على صور تظهره بأوضاع جنسية مع السائحة اليهودية سوزان، السائحة الكندية من أصول حلبية، والتي قضى معها ليلة في فندق البارون، وأرسلت له بعد سنوات صورة طفل ادعت أنه منه وعندما قامت الحرب أرسلت تطلب منه اعترافًا بنسب الطفل له، فاوض ابراهام عبد السلام على إخفاء هذا السر عن ليزا مقابل أن ينضم عبد السلام إلى جماعة أبناء الحليب التي رفض في السابق الانتماء لها رغم كل محاولات ليزا لإقناعه بها قائلة قولتها الشهيرة:

"إذا لم تستطع أن تغيّر العالم، غيّر نفسك، وكن من النخبة التي لا تستطيع أن تفعل ذلك"

ويكون أول مهامه أن ينقل التمثال المسروق من قبو منزل أبراهام إلى خارج المدينة، مستغلًا أيضًا الفوضى  الخلاقة بعد توقف الاشتباك بين المتحاربين، جيش النظام والجماعات القتالية المعارضة، على اعتبار أن عبد السلام نحّات معروف، وجود التمثال بحوزته أمر طبيعي، تمثال يدّعي أنه نحته، معتمدين على جهل العناصر الموضوعة على الحواجز، يتم إخراج التمثال في تابوت كان من المفترض أن يحوي جثمان (روز) زوجة أبراهام التي ماتت إثر نوبة اختناق بأزمة تنفسية، عندما أجبرها أبراهام هي وليزا على الاختباء في القبو الرطب العفن، يخرج عبد السلام بالتمثال، كما هو مخطّط، لكنه لا يتجه إلى خارج المدينة، وإنما يتجه إلى المتحف الوطني، يقتحمه وسط مخاطر إطلاق الرصاص عليه، وإصابته فعلًا، لكنه يصل المتحف ويعيد التمثال إلى مكانه محبطًا مؤامرة السرقة، ومغيّرًا نفسه، يستشهد، ليكون من النخبة التي استطاعت أن تغيّر نفسها، وتهب حياتها لفنّها ووطنها، طالما أن تغيير العالم غير ممكن، لأنه إنجاز فوق قدراتها.

استخدم الكاتب الطريقة الحديثة ببناء الحدث في موضوعه الأول (الحرب):  والتي تبدأ من التأزّم وعاد إلى الماضي flashback مستخدمًا التقنيات السردية الراجعة:

كتيار الوعي Stream of consciousness، والذكريات Memories.

ومن خلال تلك التقنيات، وبالإضافة إلى السرد الحدثي المباشر، عرّج الكاتب على الكثير من القضايا، أبرزها قضايا الفساد المجتمعي، والطغيان السلطوي الذي جعل للكثير من أصحاب السلطات أياد طويلة، تسرق وتنهب وتستولي، وتبطش وتروّع وتعتقل، وتكمّمم الأفواه، وتوزّع المناصب على غير الجديرين، قضية اغتصاب الفتيات الأحياء والأموات، وتزويج القاصرات، وحرق الدور وقصفها بالقذائف، وقتل الشرفاء، وكانت القضية الفلسطينية حاضرة بقوّة، والتغريبة والتهجير حكاية يرويها أبو الرمز، وكذلك القضية العراقية، أمّا قيام الكيان الصهيوني في فلسطين وبروتوكولات الماسونية العالمية لتجريد العالم العربي من جذوره التاريخية والحضارية، وطمس هويته الثقافية، وسرقة آثاره أو تقليدها- وهنا تأتي ثنائية تمثال الحرية الأموري السوري ونسخته المقلدة تمثال الحرية المريكي- فكانت موثّقة توثيقًا معلوماتيًّا في هذا العمل.

واستخدم الطريقة التقليدية التي تعتمد على التطور السببي المنطقي من البداية إلى العقدة ثم النهاية في موضوعه الرئيسي (سرقة التراث).

المكان السردي:

إن الحيّز المكاني في النصّ السّردي هو الفضاء الذي تتحدّد داخله مختلف المشاهد، والصور والمناظر، الدلالات والرموز، التي تشكّل العمود له، إذ يُعـــدّ الخلفية المشهدية للشخصية القصصية،  فهو مسرح الأحداث، والهواجس التي تصنعها الذاكرة التاريخية برموزها المتنوعة، مادامت  صيرورة النص ليست سوى جزء من صيرورة الواقع، وآليات المكان، ما هي إلاّ وسيلة من الوسائل الرئيسة لرصد الواقع على مستوى السرد، وما بعده أي على مستوى الموقف والرؤية.

 فالمكان يسم الأشخاص، والأحداث الروائية في العمق، وعلى حدّ قول /غالب هلسا/[22]: "فالمكان هو الذي يلد الأحداث قبل أن تلده، فيعطينا تصوّرًا لها وللأشخاص وللزمان".

هذا العنصر الفنّي الهام ( المكان)، وطريقة بنائه من قبل الكاتب، يضيف إلى تجربته الإبداعية نقاطًا مرتفعة، وكأنّه هندس المكان بخبرة مهندس ديكور بارع يعمل في استديوهات شهيرة، وأعود لأؤكد أن مهنته كسيناريست جعلته يهتم بذلك.  

المكان العام: كان حارة البندرة، مسرح الأحداث الرئيسي، وصفها بجماداتها وشخوصها وزمانها الحاضر كما يلي:

هذا الحي الذي نسيه الزمن، وأهملته الحكومات المتعاقبة، تقطنه مجموعة من من مختلف الطوائف والمذاهب والأديان...

 والمكان أيضًا في ذات الوقت يخطع لقانون الثنائيات البارادوكسية، وهي استراتيجية اعتمدها الكاتب، فهناك القبو والفناء، وهناك الفيللا والخرابة.

 وهناك القلعة وسورها وفندق البارون، والمعبد والمتحف، وحمّام الحارة الشعبي، ودور خاتون والخوجة عيشة وأبو النصر والهلالي وعبد السلام وأبو الرمز الفلسطيني وأكوب الأرمني،

ودكاكين مسماة بأسماء أصحابها،  والمستوصف،  وهي أماكن خاصة مغلقة جرت فيها أحداث الرواية.

استخدم الكاتب تقنية التخييل السردي على نطاق واسع، ما أدخله في المعاصرة من باب واسع، فأنسن الحيوانات، وجعلها من ضمن الشخصيات الفاعلة في مجرى الأحداث، مثال ذلك قطط "أم القطط" والتي بثّ من خلالها الكاتب العديد من الرسائل والمقاربات الساخرة، والكلب المخلص "ميمو"،  الذي بث الكاتب من خلاله العديد من الرسائل الوجدانية:

كما أنسن الجماد، فجعل القلعة أمّ المدينة، تسمع تنهدات سورها العظيم.

استخدم الكاتب أيضًا تقنية سردية يتقنها فقط النصّاص البارع، وهي:

 تقنية التدوير:

وهي تقنية مشهدية، يقوم فيها النصّاص باستهلال عمله بمشهد وصفي، يعود إليه في نهاية، وكأنه يدوّر النهاية على البداية. لنلاحظ بيان ذلك:

استهلال الرواية كان كما يلي:

ضربات إزميل ناعمة تتنزّل على الرأس..

تفتح حدودًا ضيقة، ومتاهات متشابكة، تتشكّل على جسد الكتلة الصخرية الصمّاء، تلك القطعة التي تشبه في أخاديدها وجه زهرة اللوتس التي تعيد تشكيل نفسها بنفسها، وتنبض بكلّ ما هو مدهش ومختلف ومذهل. تتوالى الضربات المتتالية من يد" عبد السلام" الرشيقة......

ثم في مثلث الانفراج، نجد عبد السلام يستمر في النحت فوق الحجر، يخبر أمه أن ما يحدث معه أقوى منه، ولم يكن أمامه إلّا أن ينحت، وها هو قد انتهى من نحت جناح تمثال حرّيته وانعتاقه:

يطرقب بإزميله على خطوط الجناح المتبقّي بغضب ظاهر، تتسارع لمساته، تتهافت. تدخل الثريا العمياء صامتة، تتلمّس ذاك الكرسي الخشبي العتيق، تجلس، تتابع الاستماع إلى صوت الإزميل وأنذاة الحجر، بينما تدور الأمّ مذهولة حول وحيدها.. تدور حول التمثال.. يستمر بمعزوفته على الحجر..

الأسلوب Style:

أسلوب أدبي سردي انزياحي خفيف، يشبه أسلوب السهل الممتنع في الشعر، اللمسة النزارية التي قلّما نفقدها عند الأدباء السوريين.  

المستوى النفسي  السلوكي:

 كان هناك تساؤلات سياسية مرمّزة  في حادثة اختفاء البتول، ساقها الكاتب برشاقة عبر أسلوب الكوميديا السوداء: 

.... جثة البتول " فص ملح وذاب" اختفت بلا أثر، بلا قبر، أو شاهدة، ولم يستطع أحد أن يؤكد أنها فارقت الحياة لعدم وجود الدليل القاطع، والإثبات بالبيّنة كحدّ السيف.

أين السيف؟! أوووه عفوًا: أين الجثة  والأرض الخراب؟! أين الدليل والمكان ليس هو المكان؟! والزمان هو كلّ الزمان؟! أين؟! وأين؟!

أسئلة فيها إشارات مضمرة إلى من يتحمّل المسؤولية عن الجرائم المرتكبة في مكان (البلد) أضحى خرابًا عبر كل أزمنة الطغيان السلطوي، لا يكاد ينهض ويزدهر حتى تدكّه مدكّات الظلم والفساد، فلماذا نبحث عن السيف؟! سؤال تهكمي يائس، ممنوع ومحظور من التداول، لكن السؤال الأكثر سخرية ويأسًا هو من يهتم بالبحث عن حامل السيف الجاني ؟! الجواب لا أحد ! فالكل مهتم بالبحث عن مكان الجثة، لأنه الممكن، أمّا البحث عن الجناة فرعب لا يجرؤ أحد من أفراد المجتمع على تحمّل نتائجه، لذلك ستضيع كل الحقوق في بلد ضاعت فيه القوانين إلا قانون الغاب:

كلّ الأسئلة متاحة ولكن لا أحد اهتمّ بسؤال واحد: من سيبحث عن السيّاف الجاني؟! أو عن الجناة ؟! أو عن الذي .. الذين قاموا باغتصابها؟!

سؤال آخر حائر يطرحه الكاتب حول ماهية هذه الحرب، ويضع فيه كل الأجوبة المقترحة التي تتبنّاها جهات عدّة من وجهات نظر مختلفة، وكلها تتفق على أنها حرب مؤلمة:

ماهذه الحرب المؤلمة؟ ! طرف يقول إنها ثورة، والطرف الآخر يصفها بالأزمة والفتنة، وطرف ثالث يعتنقها جهادًا، وآخر يعدّها احتلالًا، وأطراف أخرى تؤكّد أنها فوضى!

 

بقلم الناقدة الذرائعية د.عبير خالد يحيي

...........................

[1] Paradigm: النموذج الفكري أو النموذج الإدراكي أو الإطار النظري، ظهرت هذه الكلمة في أواخر الستينات من القرن العشرين بمفهوم جديد ليشير إلى أي نمط تفكيرضمن أي تخصص علمي أو موضوع متصل بنظرية المعرفة " الإبستيمولوجيا"  

[2] غالب هلسا: أديب ومفكر وناقد أردني، من  كتاب (المكان في الرواية العربية) صادر عن دار رشد بيروت العام 1981

 

جبار ماجد البهادليقراءةٌ نقدية في قصيدة: (أنا وحَقيبتي وخيباتُ الوًجعِ ) للشًّاعر يحيى السَّماوي

حين يُصبح العنوان انعكاسا نصيّا موازيا لنصّ الواقعة الشعرية، ويكون مؤديًا لوظائفه الأربع : (الإخبارية والدلالية والتأويلية والثقافية)، فإنه يكون عتبةً دلاليةً ومفتاحا رمزيا لثريا النصّ المُشعة بأفيائها الوارفة على ظلاله الداخلية. بيدَ أنّ هذا الأثر السيميائي لا يكفي إيقاعا ودلالة جمالية إذا لم تكن التجربة الشعرية حاضرةً بنفسها قبل وحي اللحظة الشعورية للواقعة الشعرية، وذلك من خلال تفاعل الذات الشّاعرية (الأنوية)، والعالم الخارجي الموثِّر في موضوع جمالي يُؤرخِنُ لحدث الواقعة الشعرية زمانيا ومكانيا. فزمانيا (الوقت مَشلولٌ) عاجز عن أداء وظيفته الزمنية المتتابعة لمسايرة الحدث، ومكانيا (المَحجَرُ الحَجَريُ أعمى) البصر وغير قادر على كشف الرؤية الحقيقية لكوامن الأشياء، فكلّ شيء عنده سِيّان، وقد استوت لديه مظاهر الأنوار وعتمة الظُلَم. وحتّى بصيص الأمل المنتظر الذي يطلّ علينا من ضياء النوافذ الكاشفة تَصيَّرَ أخرسَا أبكما لا ينطق صوتا أو يبعث نورا، بل يشتكي بصمته المطبق من هول الواقعة وأثرها (الزمكاني) . وبهذا التجديد اللّغوي لفنيّة التعبير التخليقي، تمكّن يحيى السَّماوي لغويا بأسلوبه المخيالي الإنزياحي من (أنسَنَةَ)هذه الجمادات الصورية والمعنوية الثلاث فنيّا وجماليا، والتقطَ لها بعدسات شعره النصيّة من خلال هذه الأرخنة الزمانية والمكانية صورا حيواتيةً جديدةً، لكنّها صورٌ معطّلةٌ تماما لا ماءٌ فيها ولا رواءٌ، سوى أثرها السلبي المؤثِّر بنكوصه على الواقعة الشعرية، كونها مغايرةً لدلالات صورها الحقيقية الفعلية المعروفة تداوليا . وتماهى وعيه شعوريا مع صور هذه المغايرة الدلالية القريبة والبعيدة وأسقط ظلالها الفنيّة على تضاريس الواقعة الحدثية، لإنتاج معانٍ ودلالاتٍ تركيبية جديدة شكلا ومضمونا :

الوقتُ مشلولٌ

وهذا المَحجَرُ الحَجَريُ أعمى

والنوافذُ تشتكي خَرَسَا

ليس غريبا على شعرية السَّماوي، ولا على مظاهر سمت خطابه الأسلوبي المعاصر أن يكتب تشعيرا قصصيّا حكائيّا يعمد فيه إلى تأثيث وبناء تركيب بنيته الشعرية وسردنتها دراميا بتراجيديا شعرية حزينةٍ أو كوميديا شعرية مُفرحةٍ  في حدود الواقعة الشعرية. ولا غرابة في الأمر حين نجوس خلال بنية هذه القصيدة أو غيرها من شعره ، فنجد أنفسنا أمام مشاهد شعرية صورية تقترب في إيقاعها الأسلوبي من مسرحة الشعر ولا تقع فيه وتوزع أصواته الرئيسة على فضاءاته النصيّة بدءاً بصوت الشاعر الظاهر والمُضمر قناعيا، ومرورا بصوت العسكري بنقطة التفتيش، فصوت سائق السيّارة مشفوعا بصوت (الحقيبة)دالة الحدث الأكبر ومهيمنة حياة الواقعة الموضوعية. ولكنّ الأغرب في الأمر أو اللافت للنظر في أسلوبية الشاعر السَّماوي في البنية النصية لهذه القصيدة المفرطة بتراجيديتها المؤلمة توظيفُ الشاعر لوحدته الموضوعية وتجسيد أحداث واقعتها الشعرية بلغة تفاصيل الحياة اليومية،أو ما يُسمّى في النقدية الشعرية الحديثة (قصيدة التفاصيل اليومية)، أي تشعير ما هو متداول حياتيا بلغة فنيّة مؤثّرة ومتأثّرة بالواقع اليومي الذي يلامس شغاف قلوب الناس ويعكس معاناتهم اليومية، وهذا الانحراف بحدّ ذاته يعدّ تحولا فنيّا وتجددا مباشرا في أسلوبية الشاعر المعجمية المبهرة في الميزان النقدي . وهذا اللون من التشكيل الأسلوبي لفنيّة التعبير التفصيلي المتداول لأنماط وقع لغة الحياة اليومية هو ما انماز به الشاعر اليوناني الشهير (يانيس ريتسوس) الذي برع فيه فنيّا وجماليا في تصوير الحياة التداولية، وقد تأثّر به شعراء الحداثة من العرب والعراقيين، واتّبعوا طريقته كمحمود درويش وسعدي يوسف،وغيرهما من الشعراء على سبيل المثل لا الحصر. ولا ضيرَ أن يُخلِّقَ شاعر مبدع مثل السَّماوي هذا (الماحول) المحيطي من التفاصيل ويؤرخنها صوريا بلغة إبداعية شفيفة يُعيد فيها إنتاج معانى الحياة ويترجمها فنيّا، فيكون التساؤل للوصول إلى المبتغى وسيلةً مؤجّلةً، ويكون الشعر غاية المنشود وسفينة النجاة إلى مراسي الحُلُمِ وضفاف الأمان، ولكنّ الآمال تتبدّدُ حين يكون اليأس عدما :

كيفَ الوصولُ إلى الضُّحى

واللّيلُ مَشدودٌ إلى جبلِ الدُّجى؟

 فإذا كان صوت الشاعر متعاليا واضحا بـ (كيفَ الوصولُ)، فإنه بعد وقوع الواقعة وتأثيرها أخذ يخفت متخفيا بالهمس من خلال ضمير الشاعرية المستتر بفعل المشاركة الاستمرارية الحالية (أمشي) للتعبير عن ذاته الشعورية المنكسرة الخطى، لا أمل له فيها يحقّقه ولا رجاء ينتظره بعد خيبات الانكسار :

 أمشي فَيرجعُني إلى حيث انطلقت الدربُ مُنكسِرُ الخٌطى

وتموت كل مفاتيح الرجاء وتقنط آمال الشاعر المعقودة على الانفراج، فلم يبقَ من صوته المتعالي نحو أفانين الرجاء إلّا (الحقيبةَ) رمز الحياة الشاعرية وإيقونتها السحرية المؤثّرة، كونها تمثّل في حقيقتها الدلالية السيميائية جوهر المعادل الموضوعي الشعري للواقعة الشعرية بكل أبعادها وتشكّلاتها الدلالية الفاعلة :

وحَقيبتي تَمشي ولا تَمشي

 فالشاعر هنا يؤنسن (الحقيبة) صورة هذا الجماد الرمزي ويمنحه دلالة روح الحياة وإكسيرها المتجدد القادر على الفعل الحركي (يَمشي)، حيث مسيرة مبتداها ومنطلقها الأول. فالفعلان ( تَمشي ولا تَمشي) مختلفان في هواهما ومسيرهما المحايث، ولعلّ هذه الصورة الانحرافية المخيالية المغايرة تذكرنا بصورة عروة بن حزام في وصف ناقته خلال رحلته الطويلة إلى ديار الحبيبة:

هوى ناقتي خًلفي وقُدَّامي الهًوى وإني وإياها لمُختلفانِ

ويمضي السَّماوي بسرد وقائع رحلته وتفاصيل حكايتها بعد أن نفدت آمال رجائه وتغشته سمادير الكدر والحزن والألم حين يأتيه صوت العسكري قاطعا عليه الطريق وسادّا كلَّ آمال الرجاء بوجهه، حيث لا سفر ولا بقاء إلّا الامتثال لأمر العودة القسرية:

يَقولُ العًسكريٌ بِنقطةِ التَّفتيشِ جِئتَ مُبَكِّرَا ..

عُدْ فَالصًباحُ رَبَاحُ

لا إركابَ هذا اليومَ فالصالاتُ مُغلِقةٌ

 وَلَستَ مٌخوَّلَا لتنامَ في " كَرفاننا"

لم نعهد في شعرية السَّماوي من قبل مثل هذا التسريد الشعري الذي يدخل منطقة نصّه زائرا شاخصا بتفاصيل الرحلة اليومية، وقد يكون مملولا رتيبا ممقوتا في هذه القصيدة لولا وراؤها هذا الجهد الكبير والروح الشعرية النقية المفعمة بالتفاعلات الحياتية الصافية المهمّة، والتي أوصلت القصيدة عند السَّماوي إلى هذه المنطقة الفنارية المضيئة اللامعة من الإشعاع الروحي الذي كرس فيه جُلَّ جهده الإبداعي الثرٍّ لمخاطبة الناس والأشياء بهذا النصّ الذي يمكن لنا أن نطلق عليه جماليا (قصيدة الحياة) التي نحسّ فيها هِزَةً حسيّة متدفقة من روح الشاعر، ورعشة حركية من قلبه المٌجهد بالألم، لذلك فإن القصيدة عند يحيى السَماوي قد تلامس شيئا من تخوم الغنائية الحزينة ولكن لا تنتمي إلى خطوط طولها أو عرضها ، وتقف عند أقانيم الوصفية الرائعة ولا تلِجُ إلى نفقها اللامتناهي، وتقترب من تسريد الشعر ولا تنغمس في تضاريسه الممحلة بأمطار السرد . وكأنّ القصيدة عند السَّماوي حالة ما (فوق الشعورية) متدفقةً يتوالدُ فيها خطّان شعريان جميلان، خطّ التوجّه التصويري الحسّي للأشياء المادية، وخطّ التفجّر الروحي النفسي التخييلي الرّحب بمداراته العميقة وأضوائه الكاشفة. ولولا نثيث روح التماهي الصوري الفنّي الذي تعاضدت فيه صورتان من الإزاحة اللغوية والمعنوية مع صورة الإزالة الجمالية التي تمثلت بظلال الواقعة الشعرية التداولية التي هي وحدة الموضوع ونقطته التحولية، لما كانت القصيدة ثورةً نفسيةً وردَّ فعلٍ قاسٍ عن الحياة بفرائدها اليومية وتجلياتها الروحية. وإن تكرار وَحْيِ الشاعر بصورة عفوية تلقائية لا قصدية أو تعمدية لموضوعة (الحقيبة) في أكثر من موضع أو  شاهد أو صورة شعرية في ثنايا القصيدة يمنحها رمزيا نقطة الإضاءة المركزية اللافتة بإضاءتها البلورية المشعة، ويجعلها دلاليا بؤرة العمل الفنية المحتشدة بطاقات إيحائية مكثفة من سُبُلِ حياة الناس:

أمشِي ولكنَّ الحقيبةَ لمْ تَعُدْ تَمشي

وأبعدُ من سماواتٍ عن القَدَمِ السَّماوةُ

كم هي عصية على قلب الشاعر تلك الرِّحلة الروحية التي شٌدّت بنياطه علائقَ لا تنفكُّ، ولا تعرف اليأس طريقا لهذه الحياة المتجددة. ومهما اختلطت على الشاعر وجهات بوصلته وتباينت رؤيتها فكريا وفنيّا، فإنه ظلَّ يرسم لوجه حقيبته الحياتية -رمز الهداية والحقيقة والخلاص- صورةً حسيّةً لعمق المتاهة ملازمةً لصورة (يوتوبيا) المكان أو اللامكان حين ينشطر الشاعر نصفين بينها كمن يُقسِّم جسمه وروحه في جسوم كثيرة ولا يجدها إلّا ضائعة، وكأنه يعيش حُلما لا واقعا محقّقا :

هًا أنا نِصفانِ نِصفٌ ضَائعٌ في اللامَكانِ

ونِصفي الثّاني يُجَرجْرُ بالّتي تَمشي ولا تَمشي

فَتأبى غَيرَ أن تَتًدَحرًجَا

وتفاصيل القصيدة بهذا الضياع الوجودي (أكون أو لا اكون )، وبهذه المتاهة المغلقة، تؤكّد أن الشاعر بتفاصيلة المتواترة لا يُريد أن يَهمُلَ أو يُهمّش أي صوت من أصوات رحلته المعراجية العسيرة، فهو حريص كلَّ الحرص على إبراز كُلِّ شخصية مؤثّرة فيها، ولعلّه هذه المرّة يُريد أن يجسد صوت السائق الشّهم الذي لم يُبارحه في أديم الصحراء اللاهبة، فيتسلل صوته هادئا مطمئنا عل لسان حاله :

نَمْ إن أردتَ فإنَّ وجهَكَ شَاحِبٌ

وأردفَ سَائقُ "التَكسِي" المُهَذَّبُ "أحمدُ بنُ سعيدِ لَفتةَ" فًالطَريقُ إلى السَّماوةِ آمنٌ فَدِعِ القَلقْ

فالشاعر بإيقاع أسلوبه المسترسل بالتداولية مهتمٌ وحريص كلّ الحرص على (أرخنة) مثل هذه التفاصيل البسيطة لا لجذب انتباه المتلقي وشدّه إليه فحسبَ، وإنّما ليعيش واقعية الواقعة الشعرية الحياتية وما يُحيط بها من تجليات ومآسٍ وأبعاد نفسية خطيرة . لذلك نراه يمنح صوت السائق فرصة أخرى للتعبير عما آلت إليه أمور واقع الحال وصور المحال. فبعد خيبة الرجوع إلى السَّماوة والوصول إليها بِخُفِّي اليأس والانكسار ينطلق صوت السّائق إيذانا بدخول البيت واصفا طبع (الحقيبة) وسلوكها الشكلي كيف تغيًّرَ مكانيا مع طبع المكان وقيمته التوافقية، فالحال الجديد غير الحال المكاني والزماني السابق الذي هو بالطبع حال تجربة الشاعر الحياتية:

أُدخُلْ.. وَصَلنا البيتَ .. لا تَقلَقْ

حًقيبتُكَ الّتي تًمشي ولا تَمشي تَغيَّرَ طَبعُهَا

صارتْ تَسيرُ كَمَا تَشاءُ عَلى مَلاطِ البًيتِ

تَعدُو كَالغزالِ إذا انطَلًقْ

هكذا يَهبُ الشاعر السَّماوي هذا الرمز الحياتي صورة نفسية أخرى مغايرة لواقعها المحلي المحيطي المألوف، لِيَخلُقَ منها روح الألفة الدائمة والتواشج المحايث بين الواقع النصّي الشعري الإبداعي والواقع الموضوعي للواقعة الحياتية. فينتج الشعور بالواقعة -حسيّا أو مخياليا- من العدم حياةً ومن الحياة عدما . وتعود خيبات الوجع ومعصرات مرارة الألم تجترُّ بدائرتها الفلكية ورحى قطبها السالب على طريق الشاعر مرّةً أخرى من حيث دورة (المُنتهى والمُنطلق)، وتُصبح الصورتان سِيّان في خلاص الحدث، بل يزداد تشاؤم الشاعر ويتضاعف يأسه من وقع هول أمطار الوجع التي لم تفتأْ أن تنفكّ عنه ولو لفرصة واحدة مؤاتية يرى فيها النور إشراقا بعد حلكة ذلك النهار وليلتة المدلهمة بخطبها المؤلم القاسي. وتتعاظم واقعة المصيبة من جدبد في مخيلة الشاعر وتأخذ انحرافا صوريا جماليا أخر حين بات من غشاوته الفكرية لا يُفرق بين صورتي الشفق الصباحي الذي يكسر بحمرته قيد الليل بالنهار، وصورة غسق الغروب المسائي الذي يُبدل ضوء النهار بالليل و يُبددُ أحلامة بهذه الطامة. ولم يتردّد وحي السَّماوي أبدا عندما جعل ختام القصيدة صورة حيّة ناطقة بالمطلع :

 الوقتُ مَشلولٌ

وهذا المَحجًر الحَجَريُ أعمَى

والنوافذُ تَشتَكِي خَرَسَا

فَمَا أدرِي

هل الشّفقُ الّذي خلفَ الجِدَارِ أم الغًسَق ؟

***

د. جبّار ماجد البهادلي

.........................

 

أنـا وحـقـيـبـتـي وخـيـبـات الـوجـع

(1)

الـوقـتُ مـشـلـولٌ

وأبـعَـدُ مـن سـمـاواتٍ عـن الـقـدَمِ الـمـكـانُ الـمُـرتـجـى

*

كـيـف الـوصـولُ الـى الـضـحـى

والـلـيـلُ مــشــدودٌ الـى جَـبَـلِ الــدُّجـى ؟

*

أمــشـي

فــيُــرجِـعُــنـي الـى حـيـثُ انـطـلـقـتُ الـدربُ

مُـنـكـسِـرَ الـخـطـى

وحـقـيـبـتـي تـمـشـي ولا تـمـشـي

يـقـولُ الـعـسـكـريُّ بـنـقـطـةِ الـتـفـتـيـشِ :

جِـئـتَ مُـبَـكِّـراً  ..

عُـدْ

فـالـصَّـبـاحُ ربـاحُ

لا إركـابَ هـذا الـيـومَ فـالـصـالاتُ مُـغـلـقـةٌ

ولـسـتُ مُـخَـوَّلاً لِـتـنـامَ فـي " كـرَفـانِـنـا  "  ..

نَـمْ حـيـثُ شِــئـتَ سـوى هـنـا

فـالأرضُ واسـعـةٌ  ..

ولا مـن فـنـدقٍ فـي هـذه الـصـحـراءِ

فـاطـلـبْ مـن ســوانـا لـلـمـتـاهـةِ مَـخـرَجـا

*

ــ هـل لـيْ بـإيـداعِ الـحـقـيـبـةِ عـنـدكـمْ حـتـى الـصـبـاحِ ؟

ــ أأنـتَ تـمـزحُ ؟ مـا نـقـولُ إذا رآهــا ضـابـطُ الـتـفـتـيـشِ ؟

خـذهـا والـتَـمِـسْ لـيْ مـنـكَ عـذراً  ..

أمْ تُـراكَ تـريـدُ لـيْ أمـراً  مُـهِــيـنـاً مُـحْـرِجـا ؟

....

.......

..........

 

أمـشـي

ولـكـنَّ الـحـقـيـبـةَ لا تـريـدُ الـمـشـيَ

هـا أنـذا تـوسَّـدتُ الـحـقـيـبـةَ أســتـحِـثُّ الـشـمـسَ

واسـعـةٌ هـي الـصـحـراءُ

لا مـاءٌ ولا شــجَـرٌ

سـوى قـمـرٍ خـجـولٍ خـلـفَ غـيـمـتِـهِ سَـجـا

*

مُـتـدَثِّـراً  بـمَـلاءةِ الـتـعَـبِ الـمُـذِلِّ غـفـوتُ  ..

أيـقـظـنـي رذاذٌ بـاردٌ

فـنـهـضـتُ  ..

نَـفَّـضْـتُ الـرمـالَ  ..

مـشـيـتُ  ..

لـكـنَّ الـحـقـيـبـةَ لـمْ تـعـدْ تـمـشـي

وأبـعَـدُ مـن سـمـاواتٍ عـن الـقـدَمِ الـسـمـاوةُ

هـا أنـا نـصـفـانِ

نـصـفٌ ضـائـعٌ فـي الـلامـكـانِ

ونـصـفـيَ الـثـانـي يُـجَـرجِـرُ بـالـتـي  تَــمـشـي ولا تــمـشـي

فـتـأبـى غـيـرَ أنْ تــتــدَحـرَجـا

***

(2)

نَـمْ إنْ أرَدتَ فـإنَّ وجـهَــكَ شــاحِـبٌ

ســأقـودُ فـي حَـذَرٍ

وأردفَ ـ سـائـقُ  " الـتـكـسـي " الـمـهـذّبُ " أحـمـدُ بـنُ سـعـيـدِ لـفـتـةَ " ـ (*)

فـالـطـريـقُ الـى الـسـمـاوةِ آمِـنٌ فـدَعِ الـقـلـقْ

*

ســأنـامُ ـ قـلـتُ لـهُ ـ ولـكـنَّ الأرقْ

*

يـأبـى مُـغـادرةَ الـحَـدَقْ

*

مـا حِـيـلـتـي ؟ فـالـريـحُ عـاتـيـةٌ

فـكـيـف يُـقـاومُ الـريـحَ الـورَقْ ؟

......

.........

...........

 

وغـفـوتُ بـعـدَ  " الـنـاصـريـةِ " ... ربَّــمـا " الـبـطـحـاءِ "  ...

لا أدري

فــقـد كـنـتُ الـغـريـقَ

ولـيـس سـهـلاً  أنْ أفَـسِّـرَ كـيـفَ فـاجـأنـي الـغَـرَقْ

***

(3)

أُدخُـلْ  .. وصَـلـنـا الـبـيـتَ .. لا تـقـلـقْ ..

حـقـيـبـتـكَ الـتـي تـمـشـي ولا تـمـشـي تـغـيَّـرَ طـبـعُـهـا

صـارتْ تـسـيـرُ كـمـا تـشـاءُ عـلـى مِـلاطِ الـبـيـتِ

تـعـدو كـالـغـزالِ إذا انـطـلـقْ

*

شـكـراً عـزيـزي أحـمـدَ بـنَ سـعـيـدِ لـفـتـةَ ـــ قـلـتُ  ـــ ..

غـادَرَنـي ..

وأغـلـقـتُ الـرتـاجَ  ..

رمَـيْـتُـنـي فـوق الـسـريـرِ مُـضَـرَّجـاً بـلـظـى الـرَّهَـقْ

*

الـوقـتُ مـشـلـولٌ

وهـذا الـمـحـجَـرُ الـحَـجَـريُّ أعـمـى

والـنـوافـذُ تـشـتـكـي خَـرَســاً

فـمـا أدري

هـل الــشــفَــقُ  الـذي خـلـفَ الـجـدارِ

أمِ الــغَــسَــقْ؟

***

 

..............................

(*) أحمد سعيد لفتة: هو سائق سيارة الأجرة الذي أقلّني  من بيتي في السماوة  الى مطار البصرة وأبى أن يتركني وحدي بعد انتصاف الليل حين  تعذّر علينا دخول المطار وتحتّم عليّ الإنتظار حتى الصباح  فقاسمني النوم في الصحراء، وفي الصباح  بعد التأكد من تأجيل الرحلة عاد بي الى السماوة ... كان شهماً نبيلا .. 

مطار البصرة / السماوة 19/4/2020

 

نبيل جميل ثمة دائماً نقطة انطلاق وفي أيّ عمل فني، وهو تقليد راسخ وأمر وطيد، من اجل الارتقاء بالعمل الى مستوى السّموّ بمصاف الأعمال القرينة له، نقطة الانطلاق والتي هي نواة البناء ستحدد الموقف، الأساس في الفهم العام، الموضوعي، الواقعي أو المتخيّل، المعرفة بأيّ فن عامة، ولأننا بصدد قراءة قصة قصيرة، فسوف نتحدث عن سرد، فالأسلوب الذي اتبعه القاص في صياغة الجمل، وتركيب الأحداث، هي من الخواص التي تميّز كل كاتب عن غيره، اذ لا يوجد متشابه بين كل الكتّاب في العالم، وكذلك الموضوع، فلكل أديب زاوية خاصة به يرقب منها ويعالج، وفق تقنيات ذهنية معمّقة، بتجربة وخبرة، وإلّا كيف يمكنه الغوص والكتابة في أيّ موضوع، دون المام عام به، وايجاد طرق معالجة موفقة، وكل هذا يصب في النهاية لصالح العمل الفني الناجح (الموهبة / اللغة / الفكرة / الاسلوب / المخيلة ..) كل هذه مجتمعة تنتج لنا اديباً يتقن عمله ولا يكون عالة على القارئ، الالتزام سند يعرف الأديب كيف ومتى يستخدمه .

بعد نيسان (2003) انتشرت الأسلحة النارية، وعمّ السّلب والنهب كل مرافق الحياة، لم تسلم حتى الأخلاق! فقد تغيرت وفق مفهوم الطيش والبطش، الاجتياح الأجنبي دمّر البنى التحتية، مجازر هنا وهناك، تصفيات سياسية وعشائرية، ثارات واغتيالات بالجملة، فأصبح مُطلقي العيارات النارية يحملون تسميات عدة، واشتهر القضاء بجملته المعتادة (مصادر مجهولة) .

في قصة (نورس بلون الشمس) للقاص عبد الرزاق السويراوي والمنشورة ضمن عدد مجلة الاقلام (2/ نيسان / حزيران 2015)، نكتشف من خلالها ثمة تصاعد في حمّى الحدث، وكشف عن الذين يريدون ايقاف عجلة الناس الأنقياء الأبرياء، والمنعم الله عليهم بالبحث عن عيش بسيط وهادئ، بعد ان كانوا يعانون من ظلم وقسوة نظام حزب البعث، اغلب العراقيين تخيلوا ان التغيير سوف يجعل البلد اجمل وأروع ويعم السلام والبناء، لكن هذا التصور لم يتحقق، وظل حبيس حوار النفس مع الطبيعة والذات الإلاهية، فضاعت كل مظاهر الفرح، وخيّم غراب الموت، منذ عام (2003) والى هذه اللحظة على جوّ بلدنا العراق . هل هو البحث عن (زمن مفقود) أم هو الحكم بالمطاردة والتخفي ؟ اسئلة داهمتني وأنا اقرأ قصة (نورس بلون الشمس)، وعن فحوى الرسالة التي اراد ان يوصلها القاص الى المتلقي، كما هو معروف فإن افلاطون يرى بأنّ الفن هو محاكاة للحقيقة المعيشية، بمعنى عدم محاكاة الفكرة المجردة وانما الظاهرة، وهذا ما عمل عليه القاص، حيث اجبر المتلقي على ايقاظ ما بداخله من واقعية تراكمية، حدث مدفون في الذاكرة أو ربما مرّ به ذات يوم، لكن هل ينتهي دور القاص في الايقاظ وانهاء الحكاية؟ أم ان لهُ هدفاً معيناً ؟ هل القصة مجرد مضمون وتعدد دلالات ؟ وشكل جاهز فَرض عليه القاص موضوعه ؟ اسئلة لابد من التوقف عندها وهي التي تهم القارئ (المتابع / الواعي)، تأكيداً، فالقارئ الغبي لاوجود له بيننا، وهنا يأتي دور القاص المتمرس، الواعي، صاحب الموقف، الذي يستطيع ان يقدم عمله الفني ببراعة، تاركاً في اذهاننا اثراً مدويّاً، فالقصة ليس ايقاد فكرة ما، يتمكن القاص من الوصول الى حل لغزها، أو ترك نهايتها مفتوحة، فهناك العشرات من القصص تتناول نفس الموضوع وللعديد من الكتّاب، لكن من يبدع في تقديمها بشكل ومضمون مميز يستحق وبجدارة ان نطلق عليه قاص مبدع، خاصة اذا ما اهتم بالجانب الانساني، النفسي، الهاجس، الحس، الاشباع، الرغبة في الاستمرار لمعرفة النهاية، الموقف، سحب القارئ دون اعطائه فرصة لرفع عينيه من الورقة، الشد، بالإصرار على مواصلة الدرب، من يصل قبل الآخر القاص أم القارئ ؟ (الخبّاز) أم (الرصاصة)، طائر (النورس) أم (بزوغ قرص الشمس)، ثنائية جميلة وليس مكررة بملل، ترسبات تجارب، ذكريات وأحلام، تداعي، استخراج ما في النفس من احداث، بدفق سردي دقيق، بعيداً عن الغموض، رسم شخصية (الخبّاز/ البطل) وكيفية حصوله على المخبز، بعد ان كان عاملاً فيه : (كان المخبز يعود لرجل ظل يديره لفترة، بمعونة ولديه اللذين ازدردهما وعلى التعاقب فم تنين، لحربين متعاقبتين، فلم يتحمل الرجل هاتين الصدمتين، بحيث داهمته الشيخوخة، قبل اوانها ليجد نفسه في النهاية، عاجزاً عن الاستمرار في العمل، ما اضطره وضعه الصحي المتعب، على بيع المخبز له .. انت أولى بالمخبز من أيّ شخص آخر لأنك طالما تعبت معنا فيه ..(، لكن الرجل لا يعلم بأن فم التنين ما يزال مفتوحاً وازدرد العامل الوفي ايضاً، (التنين / الموت)، (الأمل / الأمنية)، الأمنية تحققت لكنها الآن اضحت ضريحاً غارقاً في نهر دجلة : (يتواصل اندفاع الرصاص، الرؤية لديه تشوشت حتى انه أمسى غير متأكد من انه اصيب برصاصة في كتفه الأيسر، أم لا ؟؟ وكل الذي شعر به الآن هو ان حركة يديه ورجليه تباطأت، وان جسده بات يستسلم للأمواج وهي تحتضنه، بل تشده لتسحبه نحو قاع مجهول، تاركة بعض بقع دائرية حمراء لا حصر لها)(.

الموت في قصة (نورس بلون الشمس) هو ليس موتاً عادياً، مبتذلاً كأيّ موت نمر به اثناء القراءة لبعض القصص والروايات، الموت هنا مصحوب بهالة من الاصرار الذي لا يخلو من دهشة، اذ ربما يتساءل قارئ ما : " ترى لماذا لم يعد الخبّاز ادراجه لحين انتهاء عملية اطلاق النار ؟" تساؤل تشوبه عاطفة قارئ عادي، وأنا متأكد كوني كاتب قصة بأن (السويراوي) قد فكر بهذا الأمر، لا اقصد ما تساءل به القارئ، بل ما سوف يفكر به مثل هؤلاء القرّاء، انها لحظة التخيّل، الاشراك وعلى كافة المستويات من القراءة، القاص لاعب ماهر والقارئ ساحة مفتوحة من المشاعر، انها ليست عملية نجاة من الموت بل عملية استمرار في اتخاذ قرار، رغم ما مرّ به (البطل / الخبّاز) طوال سنيّ حياته، حروب، حصار، غلاء معيشة، دمار البنى التحتية، العوز الدائم لمظاهر العيش، انها حقائق تصل بنا لأعماق ذواتنا، تخبرنا بأن الأحداث هي من تتحكم فينا، واحياناً تنوب عنّا في رسم المصائر، مهما حدنا عنها، لكن الحياد لا يكفي للخلاص من المجهول .

خاتمة

(على مسافة غير بعيدة، ثمة اسراب لنوارس أخرى، راحت تحلّق عقب توقف اطلاق الرصاص وارتفاع قرص الشمس من الأفق الشرقي، وطفقت حركة المارة والسيارات تمارس ضجيجها اليومي)، ان هذا (المقطع / النهاية) يعطينا انطباعاً بالاستمرار، بريق أمل، درب حرية، طوق نجاة، بشرى وفرح.. لكن تبقى المخاطر تتحين الفرصة المناسبة للخروج، أماكن مغيّبة وبؤر معبّأة، هنا أو هناك، صور وافية عمّا جرى ويجري، كاميرا القاص هي من اعطت الوصف للمكان والزمان، وغاصت في الأعماق.. ذهنية الخبّاز، هواجس النورس، مطلقي الرصاص المجهولين، ولأنهم مجهولون فلم يحدد القاص تسميتهم، لذا فضّل ترك ذلك للقارئ فهو من يختار، اذ تعددت الأسماء والجرم واحد . ليظلّ حلم البحث عن برّ الأمان هو الهاجس المهيمن، والمهمة الشاقة، المليئة بالعقبات، حلم يراود كل انسان عراقي، تحولت حياته الى عملية هي اشبه بتقطيع سينمائي، ولا يدري في ايّة لحظة يتم فيها (قطع / حذف) (المشهد / الدور) الذي يظهر به .

 

نبيل جميل

..........................

القصة

نورسٌ بِلونِ الشمْسِ

عبدالرزاق السويراوي

لسنواتٍ عديدة، تعوّد النهوض مبكّراً مع أوّل ترنيمةٍ لأذان الفجر، تصْدحُ بها مئذنة المسجد القريب من بيته، بعدها، ببضعُ دقائق، وريثما يسْتبدل ملابسه، ينسلّ بجسده الناحل في فضاءات أزقّة محلته الغارقة في الظلمة، إلاّ من بعض مصابيح متناثرة، هنا وهناك، فيبدو شحوب ضوؤها، ناعساً، يحاكي نعاسَ عينيه، ما يضطرّهُ بين الوهلة والأخرى، لتمريرِ أطراف أنامله عليهما. شارف على الوصول الى نهاية الزقاق الأخير، والذي يتصالب عند أحد طرفيه مع الشارع الرئيسي الممتد بموازاة نهر دجلة. ينعطف في سيره، يساراً، حيث الجسر الذي يتحتّمُ عليه عبوره، كما دأبَ على ذلك، في رحلته اليومية فجر كل يوم، ليصل أخيراً الى مخبزه الكائن في الضفة الأخرى. كان يحرص كثيراً، على الوصول الى مخبزه، قدر الإمكان، قبيل شروق الشمس .

في السابق، كان جلّ اهتمامه، هو امتلاكه لنفس المخبز، بدلاً من العمل فيه بأجرٍ يومي مثلما عليه الحال، أيّام كان المخبز، يعود لرجلٍ ظلّ يديره لفترة، بمعونة ولديه الذين ازدردهما، وعلى التعاقب، فمُ تنّينِ، لِحرْبينِ متعاقبتين، فلم يتحمّل الرجل هاتين الصدمتين بحيث داهمته الشيخوخة قبل أوانها ليجد نفسه في النهاية، عاجزاً عن الاستمرار في العمل، مما اضطره وضعه الصحي المتعب، على بيع المخبز له... أنت أولى ببيع المخبز لك من أيّ شخص آخر، لأنك طالما تعبتَ معنا فيه... هكذا برّر الرجل، فإبتاع المخبز منه، منذ ذلك اليوم .

الشارع الرئيسي، ما زال خالياً من المارة، في مثل هذا الوقت، ومن السيارات أيضاً. لم يبقَ بينه وبين مقترب الجسر، سوى أمتار قليلة. شعر بمداعبة النسمات الربيعية لوجهَه بحنوّ فاستجاب لها جسدُهُ، إذْ تحرّرَ من بعض خمولِ ليلةٍ أرِقَ فيها كثيراً ولم ينلْ كفايته من النوم. واصلَ سيرَه. مصابيحُ أعمدة الإنارة، رغم خفوت ضوؤها النسبي، بدّدَتْ مساحات ممّا تبقّى من ظلمة الفجر الذي ما زال يفرش رداءه على معظم الموجودات. تنبّهَ لظلّه وهو يتعملق تدريجياً من أمامه، كلّما ابتعد حثيثاً عن عمود الكهرباء، ليتلاشى تماماً أو يكاد، وحين يقترب من عمود مصباح جديد، يعاود ظلُّهُ الالتصاق على أسفلت الشارع ولكن هذه المرة من خلفه.. تتكرّرُ عملية انعكاس ظلّه، من الأمام ومن الخلف، على التناوب، كلّما ابتعد، أو اقترب، من عمود كهربائي يحمل مصباحاً في أعلاه. في لحظة مباغتة، انطلقت رشقةُ رصاصٍ من الزوايا المشبّعة بالعتمة من الضفة الأخرى للنهر، مزّقتْ السكون المطبق فسمعَ موجَ النهر، يردّدُ صداها بوضوح، أعقبتها رشقةٌ أخرى، كأنها جاءتْ لتتناغم مع الرشقة الأولى، غير أنها انطلقت هذه المرة، من على يمينه، حيث تتوزع الكثير من البيوت. ارتبك فورَ سماعه لعلعة الرصاص، فشعر بقدميه يتسمّران فوق الشارع، لكن تزايد كثافة إطلاق الرصاص، ومن الجهتين، أعانَ قدميه على أنْ فكّ عقدة الارتباك منهما ليركض مسرعاً باتجاه مقترب الجسر، إذْ خمّنَ في لحظة وامضة، لم تأخذْ من تفكيره، عُشْرَ عشرٍ من أجزاء الثانية، فرأى أنْ لا خيار له للرجوع من حيث أتى، وينبغي عليه مضاعفة سرعة ركضه نحو مقترب الجسر، علّه يوفّر له ملاذاَ أكثر أماناً ليختبئ خلفه. وصل المقترب وهو يلهث بشدة، فيما نظراته القلقة تمسح كلَّ الاتجاهات دون التركيز على نقطة بعينها. حدّةُ الرصاص وكثافته آخذة بالازدياد ومن وجهتين متقابلتين. داهمه رعبٌ شديدٌ، خصوصاً حين أبصر لونَ الرصاص الجمري، فتخيّله مثل رزمٍ مبعثرة لعشرات من السجائر التي أُشْعلتْ في وقت واحد لتطرّزَ بحمرتها، ظلمةَ كلِّ الفجوات التي تمر بها، بعضها يصل مداها الى البيوت البعيدة نسبيا، فيصطدم بجدرانها ليرتد متقهقراً. خياراتٌ بعينها، باتتْ الآن تتقافز كفقاعاتٍ، أمام ذهنه الذي أوشك أنْ يفقد قدرته على التركيز، وأيقنَ بعبثيّة المكوث أطول حيث يختبئ الآن لصق الجدار الحديدي لمقترب الجسر، فثمة رصاصة، وربما أكثر، أصابتْ هذا الجدار. وبالرغم من تشوّش ذهنه، رجّحَ خيارَ القفز في ماء النهر... ولِمَ لا؟ وأنا الذي شهدَ لي كلّ أهل محلّتي، ببراعتي في السباحة منذ صباي.. فأنا ابن الماء، ابن دجلة!...

وهو يرمي بجسده في النهر، حسم أمر الإسراع بالسباحة والوصول الى الدعامة الكونكريتية الأولى للجسر، وليس أكثر من مرور دقائق، إنْ هو ضاعف جهده في السباحة، فسوف يصلها حتماً في الوقت المناسب. هكذا قدّر المسافة التي تفصله عن الدعامة الكونكريتية الاولى للجسر. أحسَّ ببرودة الماء تسري في جسده، فأكسبته نوعاً من اللذّةٍ لم يشعر بمثلها من قبل، لكنها كانت لذّة ممتزجة بالخوف، فالرصاص ما أنفكَّ يعاود الترتيلَ. اندفع بعزم أشد للوصول الى الجهة الشمالية من الدعامة الأولى. اقترب منها أكثر. تخيّلها مثل جبلٍ أسطوري وهي تجثم بجبروت فوق صدر النهر. كان يعوّل على وصوله الى الجهة الشمالية من الدعامة الأولى للجسر، بأنها ستجعله بمنأى عن وجهتي الرصاص النازف من الجهتين. رشقات جديدة أصاب بعضُها جزءاً من هيكل الدعامة، فأصابه القنوطُ، غير أنّ هاجساً لأملٍ في النجاة، دغدغ خيالَه، حين لمحَ انحساراً تدريجياً لخيوط ظلمة الفجر... لعلّهم، سيلوذون بالفرار حين يبزغ قرص الشمس، فالأفق الشرقي، أخذ يتسربل حثيثاً بجلبابِ حمرةِ خيوط الشمس التي أوشك قرصُها على أنْ يعتقَ نفسَه من قبضة سجن ظلام الليل.

وهو يسرع نحو الدعامة، حانتْ منه التفاتة، فأبصرَ الأمواجَ ترسم دوائرَ تتوالد من نقطة جسده الغاطس في الماء، فكانت تتّسع شيئاً فشيئاً كلما ابتعدت عنه، لتتلاشى، ومن ثمّ تتوالد أخرى غيرها من جديد، في حركة تراتبية بطيئة نوعاً ما. وصل الدعامة، لكن الرصاص هو الآخر، بات يصلها أكثر من ذي قبل، فلم يتمكن بعد، من العبور الى جهتها الشمالية. أيقن بتأزم الوضع وأنّ الخيارات أمامه، وصلتْ حدود الّلا خيار، أو أنها باتتْ متساوية في درجة انعدام جدوى أيّ خيار.. من بعيد، شاهد أوّل نورس وفدَ من الجهة الجنوبية.... قد يكون هو الآخر، تورّط مثلي، إذْ جازف بالتحليق.. لاحظ اصطباغ جناحيه البيضاويين بحمرة شمس الصباح، فأضفتْ على بياضهما نصوعاً أخّاذاً. لكنه ما زال بعيداً عنه بعض الشيء، فلربما توهّم في تقدير المسافة التي تفصل بينهما.

يتواصل اندفاع الرصاص. الرؤية لديه تشوّشتْ حتى أنّه أمسى غير متأكد من أنّه أصِيبَ برصاصة في كتفه الأيسر، أمْ لا؟ وكل الذي يشعر به الآن، هو أنّ حركة يديه ورجليه، تباطأت، وأنّ جسده بات يستسلم للأمواج وهي تحتضنه، بل تشده لتسحبه نحو قاع مجهولٍ، تاركة بعضَ بقعٍ دائرية حمراء، لا حصر لها، وثمة نورس، يترنح في طيرانه أوشك أنْ يسقط قريباً من مركز دوائر الأمواج الحمراء التي ابتلعته بالكامل، لكن النورس تمكّنَ بحركة ارتدادية، من استعادة توازنه فيواصل طيرانه ماراً بالقرب من الدعامة الأولى ومن ثم ليجتاز الجسر من الأسفل.

على مسافة غير بعيدة، ثمة اسراب لنوارس أخرى، راحتْ تحلّق عقب توقف إطلاق الرصاص وارتفاع قرص الشمس من الأفق الشرقي. وطفقتْ حركةُ المارة والسيارات تمارس ضجيجَها اليومي.

 

 

صالح الرزوقبقلم: سكوت هايمس*

ترجمة صالح الرزوق


ذكر الناقد الشكلاني الروسي فيكتور شكلوفسكي أن “القيمة الفنية لشيء ما، وعلاقتها بالشعر <بالتعارض مع النثر العادي> هي نتيجة حالة إدراكنا، وهي ليست ناجمة عن صفات نوعية خاصة”. وعليه دور الفن أن ينعش الإدراك، لأنه دائما بخطر التعرض للخمود، والدخول في دورات أوتوماتيكية عادية. وبتعريف شكلوفسكي الفن “أسلوب لاستعادة خبراتنا الواعية، والتحرر من العادات الميتة والميكانيكية في سلوكنا” بشكل عام.  وبتخليص الواقع العام من “ألفته” والاقتراب منه بطريقة غير روتينية، يخلصنا الفن من خمولنا ويذكرنا أن الإدراك مسألة متحركة. وأفضل طريقة لتحقيق هذا الهدف يكون بواسطة أعمال  تتطور طوعيا، وتقودنا إلى الدخول في طور الوعي، وبذلك تخفي تحسسنا من أساليبها ومادتها وأشكالها، وتضمن ذوبان “الطبعنة” الكسولة التي قد تحيط بطريقة تعرفنا على القوانين والتقاليد:

وبـ “تغريب” الموضوعات والأشكال المعقدة، يجعل الفن الإدراك مسألة تحتاج لوقت مطول و“متعب”. ويكون لطريقة الفهم هدف خاص به فقط وعليه أن يتوسع بأكبر قدر ممكن. إن الفن طريقة من طرق فهم وتجريب آليات الإبداع.  ويلعب الاحتكاك والكدح والسوداوية في كتابة المحكيات دورا جماليا تحرريا في نطاق الحدود المذكورة هذه. فالقراءة، وأن تكون على درجة من الوعي بعمل القراءة  نفسه، جانب مختلف من جوانب الإدراك الأدبي، ولا يكتفي بمعالجة الكلمات المستعملة والمتكررة (أتوماتيكيا، أي دون وعي) وكأنها كل “مضمون” الألفاظ. وانسجاما مع هذا المنطق يكون المستوى الفني الخاص بالكاتب مجرد “أثر منتزع عمدا من مجال الإدراك التلقائي”، ويعمل على تنبيهنا بجدواه فيما يتعلق بالتحوير الفني. ولكن هل يمكن للخطاب “الطبيعي” حقا أن يكون أساسا لمثل هذه الآثار؟. يقدم فريدريك جيمسون في صياغته لموقف الشكلانيين دعوة مفتوحة لنا لدراسة محكيات كيلمان وتأثيراتها وذلك بضوء “التغريب ostranit” الذي اقترحه شكلوفسكي. يقول عن ذلك: بدأ الشكلانيون بإثبات أن الخطاب الشعري من عدة جوانب يعادل لغة الكلام العادية وكأنه لهجة من اللهجات... واللغة الشعرية  لهجة تعمل على جذب الانتباه إليها، وهذا الانتباه يقود لإدراك متجدد يشمل نوعية المادة اللغوية نفسها.

لنقلب هذه الفكرة رأسا على عقبونتساءل: إذا كانت اللغة الأدبية “لهجة” من لغة عادية، هل إن كتابة اللهجة - حتى اللهجة “غير الشعرية” -  شيء له نفس التأثير،  ويجدد إدراكنا للألفاظ ببساطة، فقط  لأنها “كثيفة” مثل اللغة القياسية  أو  المكتوبة؟. هل إن كلمة “لا يعلم doesnay” لا تلفت الانتباه لها بنفس الطريقة التي سماها  شكلوفسكي “الحساسية الشعرية”، ومثل ”عادي natchril” و“ أكتر  mair” و“الاتنين baith”؟. ومثل “شعرية” شكلوفسكي إن كتابة المحكيات هي  إبداع “متعمد” يختاره الفنان بطريقة تدفع المتلقي، للتمهل خلال القراءة، والتفكير بالنص. وهكذا يمكن للعمل الأدبي أن يفرض أعمق نوع من أنواع التأثير الدائم. إن الأثر الغريب الذي نجده في اللهجات والمحكيات أو الأشكال غير القياسية - وهو ما يسميه دورا أحمد ببساطة (نقلا عن كين سارو - ويوا) “الإنكليزية الفاسدة” - قد بدأ يلعب  بسياق استاطيقا الكلام الجازم.  إن نصوص المحكيات، عوضا عن أن تكون “أكثر واقعية” من الفن، وبتجاوزها للدلالة وتقمص الطبيعانية والأصالة، أصبحت حجر الزاوية في الصيغ  الأدبية السائدة والتي تنتج عن احتكاك وتلامس يؤدي للفهم والوعي:

وكما يقول أرسطو، على اللغة الشعرية أن تكون لها خاصية شيء غريب، شيء متميز.. وفي النهاية نصل لتعريف الشعر على أنه لغة كلام محرف ومتحول. 

اللغة “المحلية” ببساطة هي نص “غريب”، وهو ما سمح لكيلمان بالنفاذ إلى نوع مزدوج وغريب من الاغتراب. وهو بذلك يحتل موقعا معاكسا  لما قال عنه شكلوفسكي “اللاأتمتة”  - الوعي الذاتي المنعش لإدراك الألفاظ - وعليه يمكن تأصيل “اللغة الطبيعية” التي لم تفسدها تقاليد المجتمع أو الضوابط الألسنية: لغة رومنسية معفاة من الأتمتة لأنه من المفترض أنها تنبع مباشرة من الطبيعة. ولمثل هذا التحفز تاريخ تجده في “اللغة البسيطة والمباشرة” التي تبناها وردزورث واقتبسها من “حياة القاع البطيئة” وفرضها على “القصائد المغناة “Lyrical Ballads ” بغاية تقريب الصيغ اللفظية (والذوق المتبدل” بسبب موت الأساليب) من عناصر الطبيعة. هذه “اللغة البشرية الحقيقية “تتقمص” عاطفة الإنسان.. وتندمج بالأشكال الجميلة والدائمة للطبيعة”، ومنها في النهاية تتطور تلك اللغة”.  وكما يقول أتريدج “بهذا الخصوص علينا أن نكبح الفكرة القديمة عن الشاعر والتي ترى أنه حرفي، لأن أي وعي حيال أي كلمة يخلق مسافة تفصل بين لغة الشاعر واللغة الحقيقية التي  تتطور ضمن ظروف عاطفية معينة”.   وعليه تحتل المحكيات مكانا إستاطيقيا على مسافة بعيدة أو قريبة من الحقيقي، فهي تدل على كل من الطبيعة نفسها والأداة الواعية. من ناحية غرابة المحكيات - المنحرفة عن”النفس”- تتضمن قراءة منهكة، ونصا يدرك نفسه و(حينما تكون بشكل لغة سردية) تبدو بشكل ظل على نافذة نرى منها ما فوق الخطاب الواقعي. من ناحية مقابلة، يتجنب كيلمان الصوت الرومنسي بإلقاء المحكيات إلى الخلف لتنطبق على نفسها. وهكذا لا يمكن السماح لغرابتها أن  تضاعف من دور المعايير الجديدة المنافسة، وأن تصنع سلطة خطاب مستقر (كموضوع - أو كميتا لغة)، أو أنها تساعد “ألفتنا بها” لتكون مثل أصل للغة ذات جذور.

وعليه إن كيلمان ليس نوعا عائما من الواقعية “المباشرة”، ومقاربته للغة،  بالرغم من من انتمائها للصحافة، ليست طبيعية. وليس هناك كلام “فعلي وحقيقي” في أعمال كيلمان، ولكن تحتل المساحة “موسيقا حقيقية فعلا” - فاللغة بعيدة عن روح الروتين وبرود القواعد وتلاحظ أنها سلسلة من المناسبات الشعرية المنعشة. وهذا التيار اللغوي المتدفق “حقيقي” مرتين: مرة لأنه يتجنب الارتباط بالتقاليد السائدة، ويحافظ على أصالته (يحتفظ بواقعيته بالمعنى الذي تجده في محطة MTV)، ومرة ثانية  لأنه يجعلنا واعين بالبروتوكولات الرومنسية “من أجل الاحتفاظ بروح الواقع” (حيل النص ليظهر حقيقيا)، ولكنه جزئيا يعمل على الغدر بها وخيانتها.

بتعبير آخر محكيات كيلمان هي تغريب للذات (تنحرف عن شكل لغة الأدب الإنكليزي الرسمي) وهي اغتراب ذاتي باعتبار أنها تبدل من ترتيب عضوية “الحضور” الصوتي الرومنسي. والمؤثر الثاني أكثر صعوبة على عين الملاحظ، لأنه لا يتم إدراكه إلا من داخل أشكال معروفة من الفن الشعبي الدارج  (سرد اللهجات). ولكن هذا لا يعمينا عن حقيقة أن التوتر الأساسي  في أعمال كيلمان موجود بين مساحة صوتية غامضة - جوهر الكلام الاجتماعي “المحلي” يكون صادقا بتطوره وإعادة إنتاجه - وبين الأسلوب الذي يضع “اللغة الحقيقية” على مسافة منك: إنه إضفاء جماليات نوعية على المألوف وهو ما يضمن لنا درجة من التحرر من المعطى والتجريبي، ويفتح الطريق لاحتمالات إبداعية في نشاط القراءة. إن كيلمان لا يكتشف فقط، على امتداد محور التجربة الألسنية، ما لحق  بالثقافة العضوية و“الطبيعية” من تصنيع وتكلف. ويمكن لنا أن نراه في روايته “النفور disaffection”  يربط هذه المشكلة الألسنية بأجندا إستاطيقية أوسع، ويفحص، بزوجين من الصور الأساسية، إمكانية الإستثنائيات الفنية - الموضوع “الغريب” الذي يجدد ويحرر الإدراك والفهم، بمواجهة خلفيات الروتين اليومي - وإمكانية سيادة فن شعبي له جذور في ما ينتجه المجتمع من “معطيات” وأشكال مألوفة.

 

.............................

* ناقد من اسكوتلاندا في مجال الأدب السياسي. أستاذ في جامعة ستيرلنغ البريطانية. المصدر مراسلات شخصية.

 

محمود محمد عليفي ظلّ الأجواء التي تخيّم على العالم جراء استفحال وباء فيروس كورونا تداول الكثير من القراء وعشاق السينما، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الكثير من الأعمال الروائية والسينمائية التي تناولت هذا الموضوع في سياق كلاسيكي لأوبئة وجوائح فتاكة عرفتها البشرية على مر تاريخها كالطاعون والكوليرا والسل، وأخرى ذات طابع خيالي تم تناول أغلبها في إطار وصف مجتمعات ديستوبية Dystopia مستقبلية تمثل لكتابها, وخصوصا منهم كتاب الخيال العلمي الغربيين، آخر مراحل التواجد البشري على الأرض.

لكل وباء أو كارثة أو مأساة كِتابها المفضل، ورواية “الطاعون”  La pest(1947) للأديب الفرنسي “الوجودي” ألبير كامو، من أشهر هذه الأعمال التي عرفت انتشاراً واسعاً في أدب الأوبئة والجوائج ؛ وقد جاز بها علي جائزة نوبل في الأدب، كما أن هذه الرواية تعد أول نجاح كبير للكاتب من حيث المبيعات (161000 نسخة في السنتين التي تلت النشر، وملايين النسخ منذ ذلك التاريخ).

ومع تفشي فيروس كورونا في عام 2020، كانت الرواية الأكثر مبيعًا، كما أشارت صحيفة البيان الإماراتيّة إلى أنَّ دار «بنغوين» للنشر أعادتْ طباعة الترجمة الإنجليزيّة للرواية تلبية للطلب المتزايدِ عليها، لاسيّما وقد نفدَ المخزون منها على موقع «أمازون» مع ارتفاع المبيعات في الأسبوع الأخير من فبراير بنسبة 150% عن نفس الفترة من عام 2019، وفي حين تصدَّرت الرواية قائمة المبيعات في إيطاليا، ارتفعت مبيعاتها في فرنسا أيضا بنسبة 300% عن العام السابق.

وذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن رواية “الطاعون” للفرنسي ألبير كامو عام 1947، و«العمى” للبرتغالي جوزيه ساراماجو عام 1995، شهدتا انتعاشا في المبيعات بمكتبات إيطاليا، منذ اندلاع الأزمة الصحية في العالم.

آمن ألبير كامو بالفن أداة لمواجهة عبثية الحياة و" لاجدواها"، وقال " الفن عكس الصمت"، ورفض فكرة الانتحار بعكس باقي رموز الوجودية من الكتاب والفلاسفة، وبالإضافة إلي " الغريب" و" أسطورة سيزيف"  و" المتمرد" ترك كامو العديد من المؤلفات الأخري،ومنها رواية " الطاعون"، التي تدور أحداثها في مدينة وهران الجزائرية، وتتناول فكرة القدر الفردي للإنسان ومواجهة سكان المدينة لقدرهم الجماعي التمثل في الموت بسبب الطاعون. وتسرد الرواية حالة من الرعب تقارب بشكل رمزى ما يحدث فى الواقع المعاصر، حيث يؤدى الغزو للبلد من قبل جماعات الجرذان، إلى ارتفاع نسبة حصاد الموت دون وضوح سبب الموت الجماعي في البداية.

والحقيقة أنّ رواية كامو حول الطاعون كانت جدّ ثريّة بالمعطيات النفسيّة والاجتماعيّة لردود فعل أهالي المدينة (وهران) تجاه حالة الوباء، إضافة إلى المعطيات الطبيّة الدقيقة حول أعراض الطاعون وكيفيّة تعامل الأطبّاء معه في عقد الأربعينات من القرن الماضي.

وقد قيل بأنه في هذه الرواية سرد ألبير كامو من خلالها قصة واقعية جرت عام 1940 م في الجزائر في مدينة وهران، وصف فيها طبيعة الشعب الجزائري وعاداته وتقاليده ونضاله في صراعه ضد الاستعمار وضد التخلف والجوع وضد الطاعون الذى حصد الآلاف من الضحايا، ويعلن المجلس البلدى أن الوباء قد زال، وأن أبواب المدينة ستظل مقفلة والتدابير الصحية ستبقى على سبيل الاحتياط والحذر تحسبًا من عودة المرض مرة أخرى.

وخلالَ الرواية وضعنا كامو حرفيًا في أجواء الوباء، حيث وصفَ لنا أعراضه وعواقبه، لكن البعض رأى أن الميكروب كما بدأ من خلال عدسة المؤلف لم يكنْ فسيولوجيًا بقدر ما كان اجتماعيًا، فكريًا وفلسفيًا. وعلى الرّغم من أن روايته تتعقب تطوُّر وباءِ مُعين في مدينةٍ وبلدٍ وإطارٍ زمنيّ محدد، فإن موضوع كامو الحقيقي يقع خارج الزمان والمكان، خارج الرُّقع الجغرافية والأعلام والعملات والأناشيد الوطنية؛  يقول كامو إنَّه ضعفٌ إنسانيّ عالميّ: “الجميع يعرف أنَّ الأوبئةَ لها طريقةٌ متكررة في العالم، ولكنْ بطريقة ما نجدُ أنَّه من الصّعب أنْ نعتقد في أنَّها قد تسقط علينا فجأةً من السماء “.

بعد هذه المقدّمات، أعود الآن إلى تفاصيل الرواية،  فهي تتحدّث عن طبيب فرنسي يدعى الدكتور برنارد رييو Bernard Rieux يعيش في وهران بالجزائر (ولكن كلّ الذين يتعامل معهم في المدينة هم من الفرنسيّين، في تغييب كامل للسكان العرب!) وتعاني زوجته الشابة من مرض عضال استوجب نقلها إلى مدينة أخرى خارج وهران حيث تتوفّر ظروف أفضل للعلاج. وفي الأثتاء قدمت أمّ الطبيب لتعيش مع ابنها وتساعده في شؤون البيت.

في مدينة وهران، بدأت آلاف الجرذان، التي لم ينتبه لها الاهالي في البداية، تموت في الشوارع. وبعد ذلك، أخذت تلك الهستيريا بالتنامي والازدياد، الامر الذي جعل الصحف المحلية تتناول هذا الحادث. وبعد استجابتها لضغوط الاهالي، تأمر السلطات بجمع الجرذان الميتة وحرقها، غير مدركة أن تلك المجموعة نفسها كانت العامل المحفز لانتشار الطاعون الدبلي.

ثم يسرد كامو أحداث الرواية التي تبدأ في صبيحة السادس عشر من أبريل على لسان شاهد غامض، حين يرى الطبيب «برنارد ريو» ذلك الجرذ اللعين ميتاً أمام عتبة البناء الذي يسكن فيه، لم يعره أدنى اهتمام حينها، حيث اكتفى بإلقاء نظرة عليه ثم قام بركنه جانباً، لكن وبعد تكرار حوادث موت الجرذان يبدأ الطبيب بالتساؤل «أمن المعقول أن يكون الطاعون...؟!».

وهنا لاحظ برنارد ريو في البداية موت الفئران في المدينة بطريقة لافتة، ثمّ أصاب مرض غامض بوّاب العمارة وأودى بحياته دون أن يتمكّن الطبيب من إنقاذه. ثمّ بدأ المرض ينتشر تدريجيّا، ممّا جعل الدكتور وبعض زملائه يقتنعون بأنّها من أعراض الطاعون. وبذلك دُفعت السلط الجهويّة إلى إغلاق المدينة كليّا ومنع السفر منها وإليها. وانطلقت إنذّاك معركة الدكتور الكبيرة ضدّ الطاعون، حيث بدأت أعداد المصابين تتكاثر إلى أن صارت تعدّ بالمآت كلّ أسبوع. وقد دعا الطبيب إلى عزل كلّ الأشخاص المصابين وإلى عزل كلّ الذين تعاملوا معهم… ولم يجد لديه أيّ دواء فعّال ضدّ الوباء فكان يستقبل المرضى في المستشفى ويحاول تطهير تقرّحاتهم ومدّهم بالأدوية المتاحة التي لم تظهر أيّ جدوى في مواجهة المرض. كانت الحمّى الشديدة تلمّ بالمرضى إلى جانب أعراض أخرى جلديّة وتنفّسيّة تزيد من معاناة المصاب وألمه وتؤدّي به في الأخير إلى الموت. وكان الموتى يُدفنون في البداية في مقبرة المدينة ثمّ ارتفع عددهم فصاروا يدفنون في مقابر جماعيّة وأخيرا  صارت جثثهم تحرق فلا يبقى منها إلاّ الرماد. وكما داهم الطاعون أبناء المدينة دون استئذان فإنّه غادرها بعد عشرة أشهر ليعيد إليها طمأنينتها إلى حين…

ولم يكن الدكتور ريو يواجه لوحده وباء الطاعون بل وجد مساندة من بعض المتطوّعين من المنتسبين إلى المجتمع المدني على غرار السيّد تارو  Tarrouوالقسّ بانلوPaneloux  والصحفي رمبارRambert  والقاضي أوتون  juge Othon ولكلّ واحد من هؤلاء قصّته..

أيام قليلة فقط ويبدأ الموت يدبّ إلى الناس أيضاً، وتزداد الوفيات يوماً بعد آخر، ولا أحد يجرؤ أن ينطق باسم ذلك الوباء المفجع، لكن حين تصل الوفيات إلى حدود اللا معقول، يعترف الناس بالحقيقة المفجعة أخيراً «المدينة مصابة بالطاعون»، وهنا تُسيّج المدينة، وتغلق منافذها تماماً، وتعزل عن العالم الخارجي.

ونعود إلى الدكتور “رييو” الذي صرّح في الفصل الأخير أنّه هو الراوي الحقيقي للأحداث وأنّه التزم التجرّد والحياد في نقلها، مستعيناَ أحياناَ بمذكّرات تارو، وصورة الطبيب في الرواية تمدّنا بشخص هادئ، مسؤول، مفعم بالنشاط، يحترم الآخرين ولا يعامل أحداً باستعلاء… نسّق هذا الطبيب إجراءات الوقاية والإسعاف والمرافقة للمصابين بالطاعون في مدينة وهران، وواكب عن قرب ما حصل في المدينة خلال إصابتها بالطاعون وقام بواجبه الطبّي والإنساني على أحسن وجه.

إن أكثر الشخصيات جدلاً فلسفياً هي شخصية الطبيب «ريو»، والذي يبدو أنه البطل الذي اختاره «كامو» لروايته، وذلك لدوره في مواجهة الطاعون، حتى في الحالات التي يتملّكه اليأس، ويبدو له أن ليس ثمة أمل بالنجاة، إذ يواصل «ريو» أبحاثه مدفوعاً بما يسمّيه بالواجب الأخلاقي، حيث يجسّد النموذج الذي سيحمل أعباء البشرية على عاتقه، ويكافح في سبيل تحقيق الخلاص الجماعي!

فالطبيب يمثّل مشاعر الثبات والعقلانية، وهو الشخص الذي يعلم خطورة الطاعون، ومع ذلك لا تزال مشاعره ثابتة؛ بسبب تعرّضه لأكثر من حالة مصابة يومياً، ومواجهته للهلع والخوف كل يوم، حتى أصبحت الحالة في المدينة لا تعنيه وإنما ينتظر الموت أو فناء المدينة بثبات؛ ويقول نقاد أن طاعون كامو في حقيقة الأمر ليس المرض نفسه وإنما النازية الألمانية التي احتلت أوروبا وأرادت إبادة البشر.

وفي رواية الطاعون ثمة إسقاط علي واقع البشرية التي واجهت حربين عالميتين مدمرتين، كما أنها ما تزال تواجخ أخطار الحروب والأمراض والفقر والجهل وغيرها من المآسي وفي أغلب أعمال كاموا يكون الحديث هو قدر مفاجئ تجد الشخصيات كلها مضطرة للتعامل معه وقبوله . فمرض الطاعون يظهر فجأة في المدينة التي تعزل فيما بعد عن العالم الخارجي كإجراء وقائي من قبل السلطات لضمان  عدم انتقال المرض، وهنا يبرع كامو في تصوير معاناة السكان الذين يتوقون للمساعدة الخارجية دون جدوي فيقول علي لسان بطل الرواية  الطبيب ريو:" إن الناس يتعبون من الشفقة إذا كانت الضفقة غير مجدية"، وفي ذلك اختصار لمضمون فلسفي عميق يشكل جزءً مما أراده كامو قوله في روايته؛ كما تطرح الرواية أسئلة حول ماهية القدر والوضعية الإنسانية. تغطى شخصيات القصة طبقات اجتماعية مختلفة من الطبيب إلى المطلوب لدى العدالة، ويصف وقع الوباء على الطبقة الشعبية.

رواية «الطاعون» هي تجسيد لفلسفة «ألبير كامو»، والتي تتمحور حول فكرتين أساسيتين هما «التمرّد والعبثية»، وهي في الوقت نفسها تطرح رؤية حول الموت والوجود، وأسئلة فلسفية تتعلق بماهية القدر والوضعية الإنسانية، إذ بعد عشرة أشهر قاسية ومرعبة يبدأ وباء الطاعون بالاختفاء بفضل تكاتف الجميع وسعيهم لتحقيق خلاصهم الجماعي، إذ نجح الطبيبان «ريو» و «كاستيل» بإنتاج مصل مضاد أعطى مفعولاً في وجه الطاعون، ليترقب «ريو» نشر الإحصاءات العامة التي كانت تذاع في مطلع كل أسبوع، فإذا هي تكشف عن نهاية الوباء.

حسب الصحيفة الفرنسية، فإنه “على مر العقود، أدى الطاعون إلى قراءات متعددة من زوايا مختلفة، إذ يصف النقاد رواية كامو، بتجسيد صراع المقاومة الأوروبية ضد النازية، والدليل على ذلك، أن هذا العدو الذي لم يكشف عن اسمه، اعترف به الجميع، وفي جميع بلدان أوروبا، لكن لا يمكن رؤيته بالعين المجردة”.

كما يناقش كامو قضية أخلاقية مهمة تتمثل في مسؤولية الانسان عن بقية البشر، والتشابك الغريب بين السعادة الفردية وبين الالتزام الأخلاقي تجاه الآخرين، ويصور كامو كيف أن من يسهمون في تخفيف المعاناة عن غيرهم، هم أكثر الناس سعادة وراحة، بينما الأشرار هم الأنانيون الذين لا ينظرون للوباء على أنه خطر مشترك.

يؤرخ العمل التفشي السريع والانحسار البطيء للطاعون بمدينة وهران الجزائرية الساحلية، في وقتٍ ما في أربعينات القرن الماضي، وبمجرد ما أعلن الوباء المتباطئ عن وصوله حتى خيّم على حياة وعقول أهل المدينة قرابة العام، حينئذ رحل مسرعاًَ وغير قابلٍ للتفسير، "تسلل خلسة عائدا إلى الجحر الغامض الذي انبثق منه".

كان هدفه من العمل هو تناول موضوع العدوى التي قد تباغت أي مجتمع على نحوٍ مجازي كالكوليرا والإنفلونزا الإسبانية والإيدز والسارس وكوفيد 19، وحتى الأيديولوجيات الهدامة كالفاشية والشمولية التي تصيب مجتمعات بأكملها. عندما كان كامو يكتب هذا العمل، رأى النازيين يقتحمون باريس في سنة 1940 خلال الحرب العالمية الثانية. تولى حينها رئاسة تحرير مجلة كومبات، المجلة السرية للمقاومة الفرنسية، التي كان من بين مساهميها أندريه مالرو، وجان بول سارتر، وريموند آرون، أبصر كامو حينئذ العلاقة المتأصلة بين العدوى النفسية والجسدية، واتضح هذا جليا بالعمل.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

محمد عرفات حجازيقراءة لفيلم "جُنون الشباب"

أمام النّموذج القيمي العربي السّائد قبل جائحة "كورونا"، والمُتوقّع عودته، وبقوة، بعد تلك الجائحة، يظهر فيلم "جُنون الشباب" (1975م)، لمُخرجه خليل شوقي، كأحد أبرز الأفلام التي عالجت مسألة السّعادة والثّورة على الموروث القيمي السّائد وتبنِّي نموذج مُغاير، باقتدار.

مجموعة من الشّباب يُعانون العديد من المشاكل الأسريّة، وبالتّالي فهُم ساخِطون على العادات والتّقاليد والقيم السّائدة والبالية، في نظرهم.

"سلوى" (ميرفت أمين)، تُعاني من أبّ كذّاب مُنافق، يعشق النساء ويهجر زوجته، وأمّ ضعيفة مُستسلمة أمام جنون الأبّ وأنانيته المُفرطة، وترغب تزويج ابنتها من ابن أختها بالطريقة التقليدية.. و"علاء" (أحمد رمزي) الذي يُعاني من أمّ برنسيسة تعشق الخمر وتتسكّع بين أسرّة الرجال، وأبّ فقير معدوم.. و"عصمت" (سناء يونس) المُنتمية لأسُرة مُعدمة، وأبّ لا يُمانع من مُخالطة بناته وزوجته للرجال وتقاسم الفراش؛ ما جعلها تكره الرجال أمام أخواتها اللاتي فقدن عُذريتهنّ.. وفتاة يُعاشر أبوها (الشغّالة) ما جعلها تفقد معايير الحلال والحرام.. وشاب يُعاني العُنف الأبويّ ومنعه من الحبّ.. وآخر ساخط على معايير الوظيفة الاجتماعية والرواتب.. وواحدة تنتقد معايير شرف الأنثى وبيت الطاعة وقانون التوظيف، ناهيك عن الحقد الطبقيّ وصراع الدول والحروب وموت العديد من الناس جراء الحروب... إلخ. لأجل ذلك، قرّر هؤلاء الشباب الحياة، ورفض الواقع السائد، ورفض الاستسلام ومواجهة تلك القيم البائسة، وإعادة بناء قيم خاصة بهم من جديد.

لقد تمرّد هؤلاء الشباب على العادات والتقاليد والحضارة الجوفاء المُزيّفة، وقرّروا التحرُّر والانطلاق، وآمنوا بالحرّية وبأسلوب حياة جديد: حياة تطغى عليها الحفلات الراقصة، حياة مليئة بالخلاعة والمُجون والتحرُّر الجنسي، حياة مغمورة بالخمور والمخدرات، حياة تسير وفقًا لمبادئ أفلاطون الشيوعية (شيوعية المال والنساء).. إنّها الحرية المنشودة!

وأمام سخط الأبناء يتساءل الآباء:

- لم نضرّ الأبناء.. فقط قدمنا لهم النصح ولم نسيطر عليهم.. نريد لهم السعادة والنجاح في حياتهم.

= بل فعلنا ما هو أخطر من الجلد والضرب! إنّ تذمُّرنا تجاه الأوضاع الحياتيّة ينعكس عليهم بالضيق واليأس والتمرُّد، ونظهر أمامهم بمظهر العجز..

- وهل الحلّ عندهم هدم كلّ شيء؟ كلّ ما بنيناه؟

= يمكن لأنّنا لم نستطع بناؤه!

- نحن نحاول قدر الإمكان أن نُوفّر لهم الراحة ونضمن لهم المستقبل!

= لكن لم نمنحهم ما هو أهمّ: المبادئ والأهداف.. رجال الفكر يملؤون الدنيا شعارات عن حق الشعوب الفقيرة المظلومة.. الحُكّام يُنادون بالسلام وهم مَن يشعلون الحرب في كل مكان، والشباب هم مَن يدفع الثمن وليس نحن؛ هم مَن يُحاربون ويموتون ويتشوّهون، وهم مَن يُعانون من الاستغلال والاحتكار والأزمات الاقتصادية.. لذلك يطالبون بتحطيم كلّ ما حرم الإنسان السلام والحبّ والسعادة..

- أولادنا على خطأ..

= ونحن أيضًا كذلك..

- ويبقى السؤال: كيف يمكننا تصحيح الخطأ؟!

لقد انفجرت "سلوى" في وجه طوفان العادات والتّقاليد التي أفسدت عليها حياتها، وقرّرت الحياة وفقًا لرغبتها وإرادتها، وانتحرت "عصمت" (المثلية) بعدما تخلّت عنها حبيبتها "داليا" (عزة الشريف) وقرّرت الارتباط بابن عمّها، وأمام انسحاب "داليا" من حياة "عصمت" وارتباطها بابن عمّها، ووقوع "عصمت" في مأزق الشعور بالوحدة والفراغ، اختارت الأخيرة العدم كخلاص وجوديّ.

ومع انتحار "عصمت" وقع المشاهد في جدل مع النفس: هل هي نهاية كانت تستحقّها لما كانت ترتكبه من ذنب؟ أم أنّها لم تستطع التعايش مع رفض المجتمع؟ أم هو فراق الحبيب أقوى من كلّ شيء؟ أسئلة عدة يطرحها الفيلم ويترك الجواب للمشاهد.

ربما هؤلاء الشباب ضحايا ولكنهم تحوّلوا لمجرمين، لقد جاء الانتحار بمثابة صفعة، ليست فقط على وجه المتمرّدين، بل كذلك، على وجه المشاهد ليتساءل مع المخرج عن طبيعة القيم التي ينبغي أن نتبنّاها وضرورة مُراجعة موروثنا الفكري والقيمي بكل دقّة وعُمق.

لقد استطاع الفيلم، بحبكته الدراميّة المُتماسكة ـ والتي جسدت ظاهريًا العلاقة بين مجموعة من الشباب المُتمرّد ضدّ القيم والعادات السّائدة ـ وفي ظلّ وجود شخصيات على قدرٍ عالٍ من التواضع الأدائيّ؛ ونجح في جذب اهتمام العالم وانتباهه لمدة أكثر من 120 دقيقة من عُمْر الزمن؛ لأنّه ابتعد عن اللغة الشعاراتية الخطابية، وقدّم حكايات مليئة بمشاعر الحبّ والألم والحلم المتقاطع، لقصص ذاتية وموضوعية في الوقت نفسه تجاوزت حدود الذّات، لتشمل وطنًا بكامله.

والسيناريو غير كئيب رغم كونه يسرد حكايات مؤلمة وقاسية، والمدهش فيه أنّنا نجد أنفسنا أمام شخصيات تعيش مرحلة انكسار ثمّ تقف وتستعيد نفسها مرة أخرى ولا تفرض نفسها كضحيّة إلى النهاية، شخصيات مُقاومة تحبّ الحياة برغم ما فيها من قسوة.

أزمة وجوديّة قِيميّة حقيقيّة عبّر عنها الفيلم باقتدار، وأثار حولها العديد من التساؤلات الحرجة، والتي نعتقد استمرارها، وتحدّيها الصارخ لنا، في لحظتنا الراهنة!

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة الأخلاق التطبيقية وعلوم المجتمع ـ مصر

 

الطيب النقرإنّ الشعر العذب الذي يشنَف الأسماع، ويُسكر الألباب، ويأخذ بمجامع القلوب، هو الشعر الذي يموج موجاً بالصور الشعرية الحافلة التي تشكلنواة القصيدة، فالشاعر المتصرف في فنون الشعر والذي يتسم شعره بدقة المعاني، ولطافة التخيل وملاحة الديباجة، هو الشاعر الذي يدمغشعره المهفهف في دخائل كل نفس، ويوطد دعائم أبياته المطهمة العتاق في مدارج كل حس، والأشعار التي تفتقر لهذه الصور البديعةيتخطفها الموت، ويكتنفها الظلام، ولا يترنم بها الناس في دروب الحياة ومتعرجاتها. لأجل ذلك أضحت الصورة الشعرية هي جوهر الشعروأساس الحكم عليه، ولقد اهتم النقاد بجانب التصوير منذ قديم الأزل، وقدموا جهودهم في هذا الصدد، وإن اقتصرت جهودهم على حدودالصور البلاغية كالتشبيه والمجاز ولم تتعدّها لتشمل الصور الذهنية، النفسية، الرمزية، والبلاغية، التي تتبلور وتتناغم في وجدان الشاعر. ولعل الحقيقة التي يجب عليّ بسطها هنا أن الصور التي يعدها أصحاب الحس المرهف أغلى من أقبية الديباج المخوص بالذهب ليست قاصرةعلى الشعر بل نجدها منثورة في حوايا النثر، والتفاتات أذهان كُتابه. معنى الصورة: عادة «تستعمل كلمة صورة للدلالة على كل ما له صلة بالتعبير الحسي، وتطلق، أحياناً، مرادفة للاستعمال الاستعاري للكلمات». والصورة في مجملها تعتبر وسيلة الشاعر أو الأديب» في نقل فكرته وعاطفته معاً إلى قرائه أو سامعيه. ويقاس نجاح الصورة بمدى قدرتها على تأدية هذه المهمة، كما إن حكمنا على جمالها أو دقتها يرجع إلى مدى ما استطاعت الصورة أن تحققه من تناسب بين حالة الفنان الداخلية وما يصوّره في الخارج تصويراً دقيقاً خالياً من الجفوة والتعقيد فيه روح الأديب وقلبه». نشأة الصورة كمفهوم وصلتها بالنقد الأدبي عند العرب: الصورة قبل أن تندرج كمفهوم تلوكه الألسن، وتتعاوره الأذهان في ميادين النقد الأدبي والنظرية النقدية، كانت قد استحوذت على اهتمام فلاسفة الغرب القدامى على شاكلة «افلاطون» التي ابتدأت في عهده، واستقام ذكرها مع «أرسطو» واعتبرها ركناً أساسياً في ثنائية الصورة أو المبدأ، والمبدأ أو الماهية و«هو أمر أفضى إلى ظهور نظرية العلل الأرسطية: الصورية والفاعلة والمادية والغائية.إذ تقف العلة المادية وحدها بإزاء، العلل الأخرى التي تندرج كلها في ضرب من الصور الخالصة، والبحث في هذه القضية، أدى إلى ظهور «مبدأ الفاعلية»، الذي أصبح، في القرون الوسطى، موضوعاً اشتغلت فيه وعليه، الفلسفة السكولانية الغربية. ثم استأثر الأمر، باهتمام »كانت» الذي بحث بعمق، في أمر التمييز بين:جوهر المعرفة ومادتها من جهة، وتجلياتها الصورية من جهة ثانية. وبذا انتقلت مقولة «الصورة» من حقل «الميتافيزيقيا» وما يتصل بها في الفلسفة القديمة، إلى حقل «المعرفة» وفي ضوء هذا التحديث، دخلت الصورة في صلب التفكير المعرفي في العصر الحديث. ووجد هذا «المفهوم» صداه في الدراسة الأدبية، سواء ما كان منها بلاغياً أو أسلوبياً، أم كان بنائياً أو دلالياً.. وكان النقاد العرب القدماء؛ مثل: الجاحظ وقدامة بن جعفر وعبدالقاهر الجرجاني وابن الأثير والقرطاجي، قد انصرف جزء كبير من اهتمامهم في أمر الصورة». إذن الصورة سقطت للعرب بمعناها الفلسفي عبر الفلسفة الإغريقية، «وبالذات الفلسفة الأرسطية. حيث دعم الفصل بين الصورة وهي الشكل والهيولي وهي المادة. فالمنضدة هيولاها الخشب والغراء، وصورتها هي التركيب المخصوص الذي تألف به الخشب والغراء حتى ظهرا على هذا الشكل. ونجد أن طائفة المعتزلة قد استسقت فلسفتها من الفكرة القائمة على الفصل بين اللفظ والمعنى في تفسير القرآن الكريم. وسرعان ما انتقل هذا الفصل بين اللفظ والمعنى إلى ميدان دراسة الشعر، الذي هو رافد من روافد تفسير القرآن. فلم يساووا بين التعبير الشعري والتعبير في غيره من الحديث فحسب، بل ساووا بين فن الشعر نفسه وبين أي صناعة من الصناعات اليدوية، تحت مثال «المنضدة» المشهور، الذي ضربه أرسطو مثلاً للفرق بين الصورة والهيولي». إنّ الشاعر حينما تتدفق شاعريته وتنثال عليه المعاني سهواً ورهواً ويبدأ في نظم القريض إنما يريد أنّ يعبر عن شيء قد استبدّ في ذهنه وربض في دواخله، ولأن الشاعر يتخير تعبيره وينتقي ألفاظه، ويتنزه بها عن التعابير الممجوجة التي يتفوه بها ملايين البشر، يأتي تعبيره مغايراً لتلك التعبيرات التي يجود بها الشخص العادي، تعبير أكبر من أن يتسامى في ابتداعه شخص ناضب القريحة، صلد الذهن، تعبير يبهر العيون، ويسحر الأفئدة، كلام فني انسجمت قطعه وحسُن توزيعه، وألفاظ اتأدت حركاتها، واتزنت كلماتها، جُمل مُرصّفة تضفى على النفس ما يضفيه شدو القيان، وهزج المزامير، جُمل مترعة بالصور الشعرية الخلابة، صور «تصور الانفعال وتنقل إحساس المعبّر وذبذبات نفسه نقلاً أميناً، وعلى الشاعر أن يُحسن اختيار صوره وعرضها بما يناسب طبائع الناس وأمزجتهم، وأن يجعل هدفه نقل العاطفة والفكرة في صوره لا أن يجعل همه إتقان شعره وجودة رصفه وإحكامه فليس الفن سوى التكافؤ الكامل بين العاطفة التي يحسها الفنان وبين الصورة التي يعبر بها عن هذه العاطفة». إذن فالشعر في كنهه صور تعبر عن مخاض عاشه الشاعر، فنحن حينما نعثر على صورة من تلك الصور، فإننا حتماً نعثر من خلالها على شرخ أدمى قلب الشاعر، أو لوعة أوهت كبده، أو حسرة سحّت جفونه، أو سعادة ردت له الروح، وجددت في أوصاله الحياة، «وترتبط لغة الشاعر بعمق التجربة التي يعيشها. فقد تأتي صريحة يرسم من خلالها الصورة، وقد تتفاوت في مواقع البلاغة، فتختلف بين الإيجاز والإطناب مما يجلب للقارئ اللذة أحياناً، والسآمة أحياناً أخرى». فالألم الذي يصلي الضلوع، ويضرم الأنفاس، شائع الآن، ومنغصات العيش، وغصص العمر، ومكدرات الحياة، طعنت بسيفها المصقول حتىمن لم يصدع بكلمة بعد، أو يتفوه بحرف، ولكن البوح عن الداء والشقاء أمر لا يتسنى إلا للشعراء الذين يجلون أبكار المعاني، ويروضونالقوافي الصعبة. و«يكمن الفن الحقيقي للشاعر في صنعته الشعرية في شقيها المعنوي واللفظي، والشاعر المحنك هو الذي يترك للألفاظعنان الزخرف والتنميق فتطغى على بقية عناصر صنعته الفنية، ولكن حاجته إلى هذه الزركشة تعد أمراً ضرورياً إذا ما نجح في استخدامهاعنصراً مساعداً، يساعده على خلق الصورة الشعرية، أو يزيد من تأثيرها في المتلقي». وللصور الشعرية أشكال متباينة، ونماذج متعددة،وهي تختلف من فترة إلى أخرى فلقد تطورت عبر القرون والحقب،» وفق التطور العام لنظرية الفن السائدة، ويظهر هذا التطور في علاقةطرفي الصورة، فقد تكون علاقة تهتم بالشكل الخارجي والعلاقات المنطقية بين الأشياء كما يقول الشاعر: أنظر إليه كزورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر فالعلاقة تهتم بالشكل الخارجي للقمر وتأتي بصورة شعرية تشابهه في المظهر. وقد تهتم الصورة الشعرية بعلاقة الانصهار بين طرفيها، وتنحت من الطرفين صورة واحدة يتجلى ذلك في علاقة التشخيص مثلاً كما يقول الشابي عن الشعر: أنت يا شعر فلذة من فؤادي تتغنى وقطعة من وجودي والصورة الشعرية الناجحة يتبادل طرفاها التأثير والتأثر حتى يخلق معنى جديداً ليس معنى كل طرف على حدة». الصورة الشعرية عند النقاد العرب القدامى: نحن إذا بحثنا عن هذا المصطلح في أمهات الكتب القديمة الجامعة لشتيت الفؤائد، وأمعنّا في البحث بكل ما تدخره قوانا هذا من جهد لذهب مجهودنا أدراج الرياح، وخرجنا صُفر اليدين نجرجر أذيال الخيبة، فمصطلح الصورة بهذه الصياغة الحديثة، لا وجود له في «الموروث البلاغي والنقدي عند العرب، ولكن المشكلات والقضايا التي يثيرها المصطلح الحديث ويطرحها موجودة في الموروث، وإن اختلفت طريقة العرض والتناول، أو تميزت جوانب التركيز ودرجات الاهتمام». ولعل أبرز النصوص التراثية التي يقترب مفهومها من مفهوم الصورة في عصرنا الحديث، هو النص الذي أدلى به أمير البيان، وعميد كُتاب الضاد على مر العصور، الجاحظ أمضى الكُتّاب سليقة، وأعذبهم لفظاً، وأغزرهم مادة، فلقد قال: «إنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير». فلقد قرن الجاحظ القصيدة في هذا النص بالصورة وهو تشبيه شائع في عصور مختلفة، منذ هوارس، حتى قيل: الرسم شعر صامت والشعر صورة ناطقة. ويبدو أن الجاحظ يقصد بالتصوير صياغة الألفاظ صياغة حاذقة تهدف إلى تقديم المعنى تقديماً حسياً وتشكيله على نحو صوري أو تصويري، ويعد تصوير الجاحظ خطوة نحو التحديد الدلالي لمصطلح الصورة لا سيّما أن الجاحظ لم يقرن مصطلحه بنصوص عملية تضيء دلالته فضلاً عن تعلق مفهومه بالثنائية الحادة التي شغلت نقادنا القدامى القائمة على المفاضلة بين اللفظ والمعنى طبقاً للمفهوم الصياغي، أو الصناعي، للشعر». و سعى الناقد أبو هلال العسكري الخبير في محاسن الكلام ومساوئه أن يحدد معالم الصورة ومكانتها في الصياغة الإبداعية بين اللفظ والمعنى، أو الصورة والمادة، ومن ثم الوصول إلى رؤية ثابتة في مقياس التمييز بين أساليب الصياغة الجمالية فرأى قدامة: «إن المعاني كلها معروضة للشاعر، وله أن يتكلم فيما أحب وآثر، من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه، إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة، من أنه لا بدّ فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصورة فيها، مثل الخشب للنجارة، والفضة للصياغة». «فالصورة، إذاً، طبقاً لتحديده، الوسيلة أو السبيل لتشكيل المادة وصوغها شأنها في ذلك شأن غيرها من الصناعات، وهي أيضاً نقل حرفي للمادة الموضوعة: المعنى، يحسنها ويزينها ويظهرها حلية تؤكد براعة الصائغ من دون أن يسهم في تغيير هذه المادة أو تجاوز صلاتها أو علائقها الوضعية المألوفة. وقيل إن هذا الفصل بين المادة والصورة ناشئ من تأثير الفلسفة اليونانية. وما حدده قدامة من مفهوم للصورة لا يخرج عن الإطار الذي وضعه الجاحظ بل يعتبر امتداداً له ولم يضف إليه ما يقربه من حدود المصطلح». إنّ النقاد العرب في حقيقة الأمر لم يكن جهدهم منصرفاً لوضع المصطلحات الأدبية، ولكن السعي لتأطير ذلك الفن الراقي بتقويم خطل الشعراء، وتبصيرهم بمواطن الزلل والهفوات في اشعارهم، ولكن النقاد القدامى الذين لا يصوبون سهام التجريح إلا لمن حاد عن المنهج الذي وضعوه، وافياً في موضوعه، مقنعاً في أدلته في ذلك العهد، نجد أننا الآن رغم إكبارنا إياهم، وهيامنا بمؤلفاتهم التي ما هانت أو ذلت يوماً علينا، رغم كل هذا الحب والتبجيل، نضعهم مكرهين خلف أقفاص الاتهام، ونوجه لهم التهم الفواجر تهمة تلو أخرى، رغم أن جلنا يود أن يعيش في سجية الماضي، أول هذه التهم هي تعطيلهم لخاصية الخيال الذي يسمو به العمل الفني ويحلق به في مدارات يستعصى العقاب الطرير في الوصول إليها،لقد كان أسلافنا قدامى النقاد لا يحفلون بالخيال ويسيئون الظن به،«إذ كانوا يعدونه صنعة من الصناعات ينبغي أن تخضع لقوانين العرض والطرب كأي سلعة أخرى، فراحوا يقيدونه بقوانين صارمة تضمن للشاعر عدم كساد سلعته، قال صاحب «البرهان في علوم القرآن» قدامة بن جعفر:«وينبغي لمن كان قوله الشعر تكسباً لا تأدباً أن يحمل إلى كل سوق ما ينفق فيها، ويخاطب كل مقصود بالشعر على مقدار فهمه، فإنه ربما قيل الشعر الجيد فيمن لا يفهمه فلا يحسن موقعه منه، وربما قيل الشعر الداعر لهذه الطبقة فثرت فائدة قائله لفهمهم إياه». ومن

الواضح مجافاة الفهم لروح الفن في الشعر، والنظر إليه من معيار أنه مصدر كسب لجلب المال

 

الطيب النقر

 

عدنان عباسبين الريح المتحفّزة بطاقات حركتها وجبروت عواصفها، والمتوثّبة بخراب يتسبّب بالهلاك وانتشار الأوبئة، وبين الريح المتناغمة مع الآخر بسلام والرقيقة في رهافتها عندما تتداخل مع الهواء لتحمل الصحّة والنقاهة، وبين الريح الحاضنة للموت والريح الحامية للحياة، يبدأ الشاعر هاتف مشوار قصيدته مع الريح في وظيفتيها في زمن جائحة كورونا وغيرها من أزمنة الشرور. ترتسم معالم طريق هذه القصيدة بـ “مسلسل" شعري استهلّه الشاعر بـ(محاكاة الطائر ...) في قصيدة سابقة نشرتُ عنها قراءة نقديّة مؤخّرًا، فقصيدة (أنا الريح) الحاليّة، وأعتقد أنّه قد يواصل خطابه الشعري بعنصر جديد من الطبيعة في قصيدة لاحقة. لعلّ ما يثير الإعجاب في هذه القصيدة كونيّة أفكارها، وحضورها الطاغي في زمن استثنائي، ولأنّها تترك انطباعًا بأنّ شاعرها يريد أنْ ينتقل بأفكارها من الخاصّ إلى العامّ، انطلاقًا من رؤيته الواعية في ما يدور من أحداث، وشفّافيّة وجدانه في التعاطي معها، وحرصه بأنْ يخرج نصّه معافًى في وقت مؤذٍ بالوباء ومحموم بآفات غير قليلة، فضلًا عن كون هذا النصّ يمتزج فيه المادّي بالروحي، ويرتقي بقبسات من الأمل بعالم سليم يقوم على أنقاض وباء مزلزل. يجيد هاتف تسخير مخيّلته في الدخول إلى "غواية" التجريب بالكشف والاكتشاف، والدربة المعرفيّة في التعامل مع احتقان المفردات وجدليّة المعاني وسرائر الريح، وحشرجات الخطر الماحق، كي تتشابك عناصر قصيدته بكيان مثمر كتشابك أغصان الشجرة المثمرة. يثري ذوقنا بجماليّة أخّاذة بالشجن، وعقلنا بأفكار تشرئبّ بمغازيها، تنقلها الريح بطاقة ضمير المتكلّم "أنا"، وصوت هريرها المختلط بحفيف الهواء، ويركّبها بثلاثة عناصر هي ذات الشاعر والريح وكورونا – القصيدة والطبيعة والحدث، ويرفد روحها بحركة انتقالات الأمكنة وتحوّلات الأزمنة، متفرّدًا بآليّة في بنيتها، تستند إلى تشكيل دقيق للصور ورسم مضيء للمشاهد وتنويع دلالي للرموز.

يصدمنا هاتف في قصيدته (أنا الريح) بحكايات تدور ثيماتها حول الموت والمبدعين والأحبّة والمودّعين، يبدو فيها وكأنّه يقوم بسرد قصّة "يروي" فيها بالتناصّ رحلة تتناوب مآلاتها بين مسرّات وفجائع مبدعين وناس ومدن، وتشرع مدياتها على الموت برحلة عبر كورونا، ورحلة من الموت إلى واقع مثخن بآلام الأحياء وأحزانهم، ورحلة تتحرّك بخطوات واثقة بالتقارب الاجتماعي وتنتهي بخطوات متعثّرة بالتباعد الإنساني خوفًا أو احتراسًا من الضرر. إنّها إحدى مفارقات الجائحة التي توفّر الظروف لاختزال الحياة بالرعب والاعتلال المأساوي، وفرض "الإلحاح" بإجراءات تحاشي التواصل خشية من العدوى، بحيث يبدو الإنسان مطاردًا بالخوف، والمدن مسكونة بالأشباح، والمدافن أرقامًا يصعب الوصول إليها في المجاهيل، ومع ذلك فإنّ الشاعر يبحث عن ضوء في نفق المأساة، وينير نصّه بإشعاع الأمل.

(أنا الريح) قصيدة مكثّفة ومتشابكة بالجدليّات التي تبدأ من صراع مع الذات فصراع مع الفكرة والصياغة، وصراع بينها وبين ما يدور حولها، هو أيضًا صراع بين قيم وعادات وأعراف، قصيدة تخترق أمكنة، وتختزل أزمنة، وتتوغّل في التاريخ وتغوص في الواقع، تكشف أسرار الطبيعة، ومصائر بشر وفجائع مدن، تستدعي أزمنة ميثولوجيّة وأخرى واقعيّة – أوروبيّة وشرقيّة، وتتفاعل فيها الثقافات والدلالات بالتناصّ. تتفاقم فيها أحوال الناس المفجوعين بشراهة كورونا، وتتّخذ موقفًا إنسانيًّا في ظروف الانفراج والانحباس، وتجعلنا نترقرق بالعبرات ونحن نفيض حزنًا إزاء انكسار المودّعين، ونتحسّر وجعًا لغياب الراحلين وحيدين في مدافن غير مطروقة، لا يبقى إلّا نتقاسم معهم القصيدة والترتيل والرواية عن بعد، وأنْ نتطارح الهموم مع الأحياء بالكلمة والوتر والأمل.

(أنا الريح) عنوان يعكس إصرارًا مفعمًا بالقوّة، ويشحن المتن بقوّة الريح وفرديّة المتكلّم، عنوان إيهامي، يوحي وكأنّ الشاعر يريد أنْ يقول إنّه المعني، وهو أيضًا رمز يدلّ على أنّ الريح ذات قدرة كبيرة على التأثير، وتمتلك خطابًا ذا حدّين، قاسيًا ورؤوفًا، تحمل بشاعات كورونا على جناحيها، وتشاطر ضحاياها الألم والمعاناة، ويرهف وجدانها كهواء حامل للحياة. يتفاوت تحرّكها في ضوء حجم طاقتها الذي تخزنه في هبوبها فتبطئ مرّة وهي تبحث عن موطئ قدم أو مستقرّ لها، وتزمجر مرّة أخرى، ويشتدّ هبوبها بإعصار فتتحوّل إلى ريح "صرصر عاتية". وإذا كان الهَوَاءُ غازًا يغلّف الأرض بالأوكسجين وسواه، فإنّ الريح تتحرّك به بشكل عنيف أو رقيق، مع أنّ هناك من يرى أنّ وظيفتها كمفردة تقوم على "التعذيب والتدمير"، بخلاف وظيفة جمعها (الرياح) التي تتّصف بـ"الرحمة". يرتهن العنوان المعرّف بمفردتيه بشخصيّة الريح القاهرة سلبيًّا أو شخصيّتها الكاريزميّة إيجابيًّا، ويؤنسنها الشاعر بضمير المتكلّم المعبّر عن "أنانيّة" ذات هذه الريح، ويقدّمه كمقطع تشخيصي أو كبطل محوري. يحاكي ضمير المتكلّم في هذا العنوان طبيعة "غير حيّة" بـ"شريان" الريح ومنطقها، ثم يتسرّب "دمها" إلى مفردات المتن ليمنحها الطاقة في استيعاب ملامح الظرف الوبائي ومعالم الخراب. يبدو لي أنّ هاتفًا ينطلق في اختيار هذا العنوان من عاملين، أوّلهما اهتمامه بثنائيّة العلاقة بين الريح وبينه كشاعر، وثانيهما ولعه في اختيار عنصر بهذا الحجم كالريح في زمن بهذا الحجم كزمن كورونا، كما يشير اختيار عنصر "الريح" بعد عنصر "الطائر" في القصيدة السابقة، إلى وشائج الشاعر  الروحيّة أو الصوفيّة مع الطبيعة، سواء في دخوله إلى الخفي منها بالتلميح، أو إلى الماثل من أفعالها بالتصريح، فضلًا عن وجود قاسم مشترك بين الطائر والريح تشخّصه نواميس الطبيعة، وإنْ تفاوتا من حيث منطق كلّ واحد منهما، ويتّضح كذلك أنّ هاتفًا كلّما تناول عنصرًا من الطبيعة جذبه عنصر آخر منها، وسيجذبه على الأرجح عنصر ثالث ورابع، إلخ.

قصيدة (أنا الريح) تتحدّى إشكاليّات زمن الجائحة بالإبداع، وتحيا بجدليّة تتراوح بين نضارة الحياة وجمالها وشحوب الموت وبشاعة فيروسه، باذخة بمدنها وأزمنتها الراهنة والمرتجعة، بشخصيّاتها المبدعة ورموزها وتشكيلاتها، وواقعيّة أحداثها وإكسير روحها، وخطابها المعبّر عن مآسي كورونا خصوصًا، والإنسانيّة عمومًا. يحرّك الشاعر مستويات هذه القصيدة وصورها ومشاهدها بالريح والهواء، ويتماهى فيها مع الهالة، ولكنّه يتقاطع مع الضباب في مدن منكوبة بناسها ومعالمها وإبداعاتها. تنتقل الأماكن فيها من "بريشا" إلى مقاطعة "لومبارديا" الإيطاليّتين، ومن مدريد الإسبانيّة إلى الأرجنتين وتشيلي، وتتنوّع أشكال تناصّاتها – "تفاعلاتها النصّيّة" بأسماء مبدعة ونتاجات رائدة، وبأساطير اليونان وحكايات الشرق وبغداد، وتنتصر البطولة بـ “عوليس" وعلاء الدين ومارده، وتنتكس بالخراب الذي يسبّبه "سربروس". تسرح مخيّلة هاتف بعيدًا في رمزيّة "عوليس" الدالّة على البحث عن مخرج من مأزق الإنسان ومأساته بالإصرار على الوصول إلى هدفه ظافرًا بمواجهة نقيضه المتمثّل برمزيّة "سربروس" الدالّة على الدمار والموت. يعبّر الشاعر في قصيدته عن مصائب البشريّة والبيئة، والموسيقار والشاعر والكاتب، ويتضامن وجدانيًّا مع الضحايا، ويتنفّس فيها بالزهور والتلال والعيون الدامعة والارتحال الحزين، ويفترق فيها مع الفيروس والقبح وشحوب التراب والكآبة. 

تحوز هندسة هذا النصّ لغويًّا وفضائيا على جاذبيّة تنظيميّة، ولم تأتِ هذه الهندسة اعتباطًا، إذْ عادة ما برع هاتف فيها في قصائده بشكل عامّ، انطلاقًا من تنظيم أفكاره وتصويرها في مشاهد لتتماثل وبوصلة الحالة التي يريد الوصول إليها في الفضاء. تتفاوت فضاءات هذه القصيدة من حيث اختلاف عدد أسطر وصور كل مقطع من مقاطعها، ويتمتّع المقطعان الرابع والتاسع على وجه الخصوص بتنظيم قائم على اتّساع المسافات في الرابع، وطول عدد الأسطر مع تكرار مفردتي الريح والهواء في التاسع. تبدو الفضاءات وكأنّها إفرازات سيكولوجيّة على مساحات متفاوتة، تتحرّك قليلًا أو كثيرًا مع الريح هنا وتتوقّف هناك حتّى بلوغ مقصدها،  وقد تتراسل الأفضية فيما بينها كتراسل حركات الريح الخفيفة والمتسارعة والسريعة، إلى أنْ تستقرّ بالسكون.

تبرز علاقة الشاعر مع الطبيعة (الريح) في هذه القصيدة في ضوء زمن كورونا، وينظّم لها مستويات من الأمكنة، علاوة على صفات تتوزّع بين القوّة والطاقة والتحدّي والاحتراس والحماية، ويشبعها بصور ومشاهد ورموز ومغازٍ، وتراسل مباشر أو مستنتج بين المحسوسات والمجرّدات، أو بين المتنافرات والمتشابهات، أو بين الألوان والأصوات والأعلام، ثمّ تتشكّل جميع هذه العناصر بجماليّة شعريّة تهب النصّ القوّة والألق. كثيرًا ما تميل صور الشاعر في هذه القصيدة إلى الاستعارة والأنسنة (التشخيص) والتشبيه والتجسيد، فالريح شخص محسوس غير مرئي ذو طاقات كبيرة، يستطيع تحديد اتّجاه مساراته ومسارات غيره، وترتيب الأولويّات، ونشر المرض، بلْ وملاحقته، سيّما وأنّ الشاعر يقدّم الريح بصيغة المتكلّم الأوّل (أنا)، ويسبغ عليها صفات متعدّدة. قصيدة هاتف وهي تستفيد من هذه الآليّات الحداثيّة وما بعد الحداثيّة لتشكيل الشعريّة تستعين بخطاب لغوي وأسلوبي واثق من أدواته، يحرص الشاعر على أنْ لا يأتي اعتباطًا أو للتزويق، وإنّما لينقل أفكاره وتجلّياته بشكل سليم. ينظّم مقاطع هذه القصيدة وكأنّها تحمل شيئًا من النثر فنّيًّا وشيئًا من إيقاعات شعريّة منظّمة أو متناثرة على وفق ما تعكسه رؤاه، وعلى مدى قوّة الفكرة التي يتناولها، والعلّة التي يفرزها هذا الزمن المريض، أو مدى تماثله أو تقاطعه وهو يخطو مع إيقاعات الريح وضربات العناصر الأخرى في الطبيعة، ويبدو أنّه لا يريد أنْ يفرض الشكل أو الإيقاع "سلطته القسريّة" عليه. يميل هاتف أيضًا إلى طرق مختلفة من السياق الإيقاعي، وذلك بالتوازن الجرسي لمخارج الحروف والمفردات ونهايات المقاطع والنبر والتفعيلة، بدون الالتزام بتفعيلة محدّدة، ويقوم بتشكيل إيقاع كل مقطع من مقاطع القصيدة على حدة بطريقة تتفاوت مع غيرها نسبيًّا، فيبدو كل مقطع بتفعيلة خاصّة به، كأنّ الشاعر بذلك يريد أنّ يجعلنا نحس بانتقالات الوجع الإنساني بتحرّك الريح وتنقّل الجائحة. قد يستأنس الشاعر ببعض الإيقاعات المتواترة بنوع من التفعيلات التي تشدّ القارئ إلى السياق في مقطع بعينه حتّى وإنْ لم تنتظم تمامًا، ثمّ يتدرّج في الارتقاء إيقاعيًّا، في الوقت الذي يصبح الخطاب بـ"أنا" منطلقًا لإيقاع بذاته يفرض نفسه بقوّة خطاب المتكلّم الذي تتراوح ضرباته النغميّة صعودًا وهبوطًا، سرعة أو بطئًا كخطاب الريح.

يمكن تفكيك هذه القصيدة وقراءتها نقديًّا في تسعة مقاطع مثلما جاءت مقسّمة بهذا الشكل، وأعتقد أنّ هذا التقسيم لم يأتِ اعتباطًا، فرقم تسعة رمز له دلالات غير قليلة في الثقافات العالميّة، مثل الحبّ والقداسة والعطاء والانبعاث والحياة. كلّ مقطع من هذه المقاطع له كيانه وفضاؤه ومشاهده وأفكاره ورسائله المشفّرة والمفتوحة، على الرغم من أنّها تتناسق فيما بينها في كيان واحد، يستند إلى ضوابط تنطلق من رؤية الشاعر وسعيه إلى تثوير طاقات المتن بشحنات العنوان، وسأتناول أدناه كل مقطع من هذه المقاطع على حدة، متوقّفًا في الوقت نفسه عند القاسم المشترك لها وفقًا لوحدة النصّ العضويّة.

 يترجم الشاعر هاتف في المقطع الأوّل همّه وهمّ الأحبّة الوجداني بسبب الأوضاع الوبائيّة التي خطفت الحياة وخرّبت المدن وفرضت التباعد وزرعت الرعب، ويشجن على إيقاع جائحة كورونا وسكون خطوات المودّعين للراحلين، وهم يتوشّحون بالأحزان. يوصّف حالتهم بالشكوى لعدم استطاعتهم توديع القريب و"تقبيل الحبيب" مثلما كان الأمر في الظروف الاعتياديّة. كلّ شيء ممنوع في هذا الزمن، لا قبلات ولا وداع من غادر إلى الأبد وكان قريبًا إلى القلب، لا مراسيم دفن تليق به ولا مواساة ولا تراتيل ولا زهور في قوله: "والتراتيل ودفنِ الراحلين كما يليقُ". الراحلون مهملون اليوم سواء فيما يتعلّق الأمر "بتنظيفهم" أو "إلباسهم حُلّةَ الغائبين" خشية من الفيروس والتزامًا بإجراءات التباعد القسري التي فُرضت للوقاية من انتشار الوباء. تبدو الضحايا كالصوت الذي لم يبق إلّا صداه في الوديان، يرجّعه المودّعون عن بعد: "يَغيبون مثلهم كالصوت في الوادي"، أو غرباء وكأنّهم لم يكونوا يومًا بيننا أو جمعتنا وإيّاهم الكلمة والمكان والنغم، يبدون "كما لو أنهم من المجهول جاءوا". يعكس هذا المعنى بلا ريب قسوة فيروس كورونا الذي دفع البشريّة إلى تقنين حياتها اليوميّة بالإلزام، الأحياء منها والأموات. يتحرّك هاتف بريح الفاجعة من أوّل مفردة إلى نهاية السياق في هذا المقطع، وهو يتقفّى المأساة في أحدى المدن الإيطاليّة وشجن زمنها، ليخرج منها إلى مدن الإنسانيّة المفجوعة بكورونا، يذكّرنا بعظم المصيبة التي حلّت بالبشر وعاداتهم وأعرافهم، وتأثير ذلك على أحوالهم ومشاعرهم. يصوّر الشاعر في هذا المقطع حالتي نزاع بين الابتعاد القسري والرغبة بالاقتراب، بمشهد تصوير ضمني لدفن لا يحلّ مثلما يجب في ظل المأساة، وخشية الناس من وداع الراحلين، ومشهد يصوّر العادات المعروفة بتنظيف الموتى وإلباسهم بما يضفي عليهم الحلّة والوقار، وانتفاء ذلك لتقوم المستشفيات بمهمّة "التخلّص" من جثّث الموتى بأيّة وسيلة بعيدًا عن عيون أهلهم وأحبّتهم، ومشهد يصوّر الشاعر فيه غياب الموتى من خلال تشبيههم بالصوت الذي يتلاشى صداه في الوادي، وآخر ضمني بتصوير الراحلين الأعزّاء وكأنّهم قادمون من "مجاهيل الفضاء".

يحتوي هذا المقطع على متوالية بالشكوى والتقبيل واللياقة، وأخرى بالدفن والتنظيف والإلباس والغياب والغربة، ويدلّ الفعلان "يشكون" و"يليق" على معاناة الحيّ، وعدم اللياقة في دفن الميّت بعد انقلاب الموازين الذي فرضته نواميس كورونا في هذا الشأن. يمكننا أنْ نستنبط من هذا السياق بعدًا نفسيًّا له علاقة بمنظومة من القيم والسلوك، وآخر بالنتائج التي تقود إلى إبراز الوجع في ظل الفجيعة. تتعزّز صورة المشاهد في هذا المقطع بطاقتي التشبيه ودلالة الزمن، حيث يشبّه الشاعر المحسوس العاقل (الإنسان – الميّت) بالمجرّد "الصوت" الذي يحوم في الوادي بصدًى خافت يختفي في لحظات، ولكي يضخّ طاقة في هذا التشبيه يستخدم "كما"، ثمّ يصف الراحلين وكأنّهم غرباء، بدلالات تشير إلى أنّ هذا الزمن قد غيّر التصرّفات، وأصاب رغبات الناس بعدوى زفير الفيروس، ثمّ يغدو المشهد متناهيًا بـ "مجاهيل الفضاء"، عندما يمضي الراحلون إلى الأبد.

يصوّر هاتف في مقطع نصّه الثاني أحزان المودّعين لأحبابهم الذين خطفهم الموت على يد هذا الزائر غير المرغوب به، ويعبّر عن ذلك بلغة وصفيّة – وصف قبّعات النساء وتناثر حبّات التراب، وانهمار الدموع، وبقدر ما يدل تتويج القبّعات النسائيّة على تقليد تقوم به النساء، ولاسيّما في أوروبا – إيطاليا، يتعلّق بـ"الأناقة" وترصيع قبّعاتهن للزينة، فإنّه يشير إلى أحزانهنّ الموشّحة بالسواد، والمتوجة" بانعكاسات الفيروس التاجي، جامعًا الشاعر بذلك بين "التتويج" ذي الألوان اللامعة و"الاسوداد"، وتاركًا لهذه الألوان أنْ تتراسل بالتنافر في ظروف وداع استثنائيّة: "نساءٌ بقبّعاتٍ مُتوّجةٍ بالسواد". هكذا يرحل المتضررون بالمأساة وحيدين بين أيدي غرباء بآلات لا يكترث إليهم أحد خوفًا من الإصابة بالفيروس أو خشية ممّا يقال أنّ الميّت ينقل العدوى، ولم يبق حينئذٍ إلّا البكاء عن بعد وذكرى أليمة، "تسّاقط" الدموع فيها بكثرة من منخل العيون على التراب: "دموعٌ تسّاقَطُ من منخل البُعْدِ". يترك انهمار الدموع وتناثر التراب انطباعًا وكأنّ الضحيّة غريبة لم تكن يومًا ما هنا، ووداعها لم يترك سوى صورة للخوف والرعب حتّى من قبل محبّيها، أو مجرّد دموع مسفوحة "فوقَ حبّات التراب" التي تذروها الرياح. مفردة "التراب" هنا توحي بأنّ الراحلين جاءوا من التراب بحبور الحياة، ورجعوا إليه بالمعاناة، وأنّهم يغادرون إلى مثواهم بصمت دون وداع قريب إلّا التراب، ولا يملك محبّوهم إلّا مناجاتهم باللوعة والحزن عن بعد.

يغدو كل شيء ذابلًا بالقحط ويبوسة اليباب، ويتأزّم تورّد الزهور بشحوب المأساة، وتتمدّد الحسرة في النفوس، فـ"الأزهار ها ذبلتْ قبل امتداد اليدين"، بالتنبيه بـ"ها" لهذا الذبول قبل أنْ تصل اليد إلى هذه الزهور ووضعها على القبور، والشاعر باستعانته بـ"ها" يريد أنْ يجعل المتلقّي متيقّظًا إزاء المأساة ومتفاعلًا مع هذا الأفول، كما يوحي المشهد من زاوية أخرى إلى أنّ الحياة المعطّرة برائحة الأزهار التي عاشها الأحبّة أمس لم تعد اليوم هكذا. بتكرار حرف العطف (الواو)، وبمشهد البكاء وعلامة الحزن للنساء المعتمرات قبّعات "متوّجة" باللون الأسود، ومشهد ذبول الأزهار، تتّضح فكرة التباعد بالتصوير والمأساة بالتوصيف، اللذين يكتملان بتراسل الألوان الدالّة على الكرب والشحوب، أي الأسود والترابي والأصفر، وكذلك الألوان المتنافرة فيما بينها، فضلًا عن التنقّل كالريح من حالة إلى أخرى في ضوء التقاطع بين الأمس واليوم، والتوازن بين الحسرات والدموع والأحزان.

يكثّف هاتف مقطع القصيدة الثالث بالتناصّات المركّبة، ويثريه بأبعاد ودلالات رمزيّة وإيحاءات وأفكار، يقدّمها بوجدان حزين ومشاعر فيّاضة متضامنة مع الإنسانيّة. يعطي فكرة عن الأسماء الواردة فيه وفي المقطع الذي يليه في هامش أسفل القصيدة، لتسهيل الأمر على القارئ. هو تفاعل نصّي مع مدن وشخصيّات، موسيقي وشاعر، ومدينة "بريشا" الإيطالية، التي "سمّاها الشاعر جوزويه كاردوتشي لبوة إيطاليا" كرمز يدلّ على القوّة الاقتصاديّة والثراء، وتقع هذه المدينة في "لومبارديا" – أوّل مقاطعة في إيطاليا هاجمها فيروس كورونا وحمل لها ولأهلها الأذى والعذاب والموت والسكونيّة. تبرز المأساة بالمفارقة بين الأمس واليوم، وتُثقل بزخم عدد الضحايا في إيطاليا وخارجها من مبدعين وناس ومدن. يوازن الشاعر بين عوليس – البطل الميثولوجي الإغريقي، والموسيقار الإيطالي كلاوديو مونتيفيردي المتوفّي في القرن السابع عشر، والذي يشبر إليه هاتف في الهامش بكونه "أحد مؤسّسي الأوبرا الإيطاليّة الذي اشتهر بقيادة جوقة التراتيل في كنيسة سان ماركو في البندقيّة، وكان عمله الأوبرالي المشهور هو: عودة عوليس"، ومات بالطاعون حينئذٍ مثلما يموت الناس اليوم بوباء كورونا. لقد عُرِف عن "عوليس" معاناته الكبيرة في رحلته الشاقّة إلى أنْ رجع منتصرًا وحقّق طموحه بالخلود، وقد ألهمت هذه السيرة عددًا من الكُتّاب والشعراء، ومنهم جيمس جويس في روايته بعنوان "يوليسيس – عوليس". أمّا مؤلّف أوبرا "عودة عوليس" فيرتحل إلى الأبد، مثلما يكتب الشاعر: "عوليسُ عاد ولم يعُدْ مونتيفيردي"، في الوقت الذي بقيت إنجازاته وريادته في ولادة الأوبرا الإيطاليّة  إلهامًا  للآخرين على مر السنين. التوازن بين عوليس ومونتيفيردي يعكس إرهاصًا تاريخيًّا يدخل اليوم في صلب المأساة الإنسانيّة والإبداعيّة على السواء، يقوم الشاعر بربطها بالأوضاع الجديدة، ويقارب بين عودة عوليس وعدم إمكانيّة عودة تلك التقاليد التي كانت تُعزَف فيها التراتيل الأوبراليّة الجنائزيّة، وذلك بسبب الممنوعات المرتبطة بالتجمّعات أو الاحتفالات. وبين فجيعة الإنسان اليوم وتاريخ الإبداع الموسيقي الذي عُرفت به إيطاليا، يستدعي الشاعر زمنين، يعكسان مفارقة إنسانيّة، وبما أنّ مقاطعة "لومبارديا" ومدينة "بريشا" قد تعرّضتا قبل غيرهما إلى هجوم جائحة كورونا، فإنّ عذاباتهما يعمّقان آلام الشاعر، في الوقت الذي يجعلنا نترقّب مع "بريشا" مجازيًّا روح الموسيقار الهائمة بأناشيد ستنبعث من جديد، وستبقى دائرة الضوء السماوي أو السحابة المكتنزة بالمطر "الهالة" تنتظر هذا القدوم، لأنّها محروسة بمرتفعات المدينة، التي تردّد مع الريح صدى قرون من التراتيل، فـ"في انتظاره هالة تحرسها قِمَمُ التلال". يرسم الشاعر هنا مشهدًا يستضيء بالنور الحارس للتلال في صورة تشخيصيّة، ويتفاعل نصّيًّا مع مدينة بريشا في مقاطعة لومبارديا، حيث التلال تحيط بها من كل جانب، وحيث الدمار الذي حلّ بها بسبب فيروس كورونا. اليوم كلّ شيء سادر في أحزانه في "لبوة البلاد"، و"التراتيل موحشة"، بما في ذلك الجنائزيّة ، إذْ لم تعد تنقلها الريح كي تصدح انطلاقًا من التقاليد العريقة لهذه المدينة.

من جانب آخر يربط الشاعر ما حصل في لومبارديا ومنها بريشا بالخراب من خلال رمزيّة الشر مشبّهًا فيروس كورونا بالكلب "سربروس" – حارس مملکة الجحيم أو الموت في الأساطير اليونانية، وقاتل رمز الخير والحياة، مشيرًا إلى "عوائه" كنذير شؤم، وهو يقف أمام بوّابة المدينة بعد خرابها لمنع الدخول إليها، في قوله: "سربروسُ مازال يعوي عند بوابّتها". وقد استخدم الشاعر بدر شاكر السيّاب هذا الرمز في قصيدته (سربروس في بابل) للدلالة على الصراع بين الخير والشر، وعلى خراب العراق، من خلال خراب بابل. تتفاعل في هذا المقطع إذًا ثقافتان، يجمع الشاعر فيهما بين دمار لومبارديا وبابل من ناحية، وإيطاليا والعراق من ناحية أخرى، هو قاسم مشترك أيضًا بين كورونا وسربروس كرمزين من رموز هذا الدمار. يربط كذلك بين التراتيل الأوبراليّة للموسيقار مونتيفيردي والمشهد التصويري للوحشة والسكون والقفر بسبب سطوة كورونا، ومشهد "كلمات" التراتيل التي تعكس الترديد بتساؤل لانتظار "سيحلّ"، ولكنّه لم يحلّ. تظهر الكلمات النازفة في الوجدان عبر تناصّات تتفاعل فيما بينها، وتنفث آلامًا "ملقاة على وجعِ السؤال". هكذا يسبر هاتف أعماق المأساة الإنسانيّة بهذه التفاعلات النصّيّة المكثّفة، ويتابع عذابات "عوليس" وهو يحاول الوصول إلى مبتغاه، مثلما يحدوه الأمل بعودة تراتيل الموسيقار. "عوليس" عاد منتصرًا، وخلّف وراءه أصحابه الذين انفرط عقدهم أو ماتوا، مثلما خلّف الموسيقار تراتيل تعذّر إنشادها في المدينة المنكوبة. وبقدر ما ترك الوباء وراءه ضحايا وأحزانًا وسكونًا، فإنّه أبان ما حقّقه هذا الموسيقار منذ قرون، من نتاج ما يزال يستنشق هواء الحياة ويتجدّد بالنور، فأعماله تبقى خالة كخلود المدينة التي تنزف اليوم من كورونا. يستقيم الجمع بين موسيقار وشاعر وبطل ومدينة ومقاطعة وكورونا باستدعاء زمن سابق إلى زمن لاحق، من زمن مكلّل بالمحبّة والترتيل والنغم والجمال، إلى آخر "متوّج" بالسواد والبشاعة، وبالتفاعل النصّي بين عوليس وسربروس يبقى الفضاء مفتوحًا بجدلية صراع بين البطولة والانتصار من ناحية، والشؤم والخراب من ناحية أخرى.

توحي هندسة الفضاء في المقطع الرابع بأنّ هناك مديات تنتقل كانتقال الريح في أماكن تتّسع مساحاتها لتصبح حدودًا فاصلة بين الحياة والحشرجة والموت، أو أخرى تتحرّك بالحفيف ما بين السمع والمناجاة، أو تغطّي أزيز خطوات كورونا التي تضيق بالسؤال، وتتّسع بالاستفهام باتّساع حالات الفجيعة. تبدو هندسة الفضاء في هذا المقطع أكثر وضوحًا بالاستفهام، الذي يشير هو أيضًا إلى سعة أوجاع المشهد الإنساني وزمنه، وآفاق صلوات التأمّل في أجواء الانكسار، اندفاعًا بأمل الانبعاث من جديد. 

يصوغ الشاعر خطاب الريح هذه المرّة بالاستفهام من خلال سؤال يرتبط بمارثيلو بيرالتا – هذا "الموسيقي وعازف الساكسفون الأرجنتيني الذي مات بفيروس كورونا في مدريد"، مثلما يكتب هاتف في هامش القصيدة، سؤال بحجم مناجاة هذا المبدع الذي حطّ به الرحال في إسبانيا ليلاقي مصيره المأساوي بفيروس الجائحة الخبيثة: "أتسمعني يا (مارثيلو بيرالتا) من أعماق هذا الظلام؟ يجمع الشاعر بين الاستفهام "الإنكاري" والظلام الذي غيّب هذا الشاعر، ثمّ يتفاعل مع مأساة لويسو سبولفيدا – هذا "الكاتب التشيلي الذي تمّ إنقاذه بصعوبة من غيبوبته" بعد إصابته بفيروس كورونا، ليقاضيه القدر لاحقّا بالموت، مثلما جاء في الهامش، موجّهًا له سؤالًا وجدانيًّا حزينًا "وأنت يا (لويس سيبولفيدا)"، ولم يكتفِ هاتف بذلك، بلْ ينوّه بعملين روائيين له، وهما (العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغراميّة) للدلالة على قوّة الحياة بالحبّ، و(مصباح علاء الدين السحري وحكايات أخرى) للدلالة على مخرج للانتصار على الفقر واستعادة الحرّيّة. يستدعي الشاعر أزمنة ضاربة في التاريخ الشرقي البغدادي بالتناصّ بحكاية (علاء الدين والمصباح السحري) المشهورة، وبرواية أخرى للعجوز الذي تناجيه الريح من خلال الشاعر في مشهد روحي للصلاة، داعيّا باستفهام "إنكاري" آخر أنْ يخرج الروائي الراحل كالمارد الطيّب من مصباح علاء الدين وتعود إليه الحياة: "أما يزال "العجوزُ الذي كان يقرأُ الرواياتِ الغرامية"، "يُصلّي كي تخرجَ من مصباحك السحري سريعا؟" يذكّرنا هاتف بهذه الأعمال الرائدة في زمن المأساة، ويلمّح لنا من طرف آخر بحكاية المصباح السحري، وانعتاق المارد الخارج منه، وحرّيّة الشاب الفقير علاء الدين وزواجه، وعودته إلى مدينته حرًّا وغنيًّا بفضل هذا المارد. الشاعر في تفاعله النصّي مع شاعر وروائي إنّما يناجيهما عاطفيًّا بلسان الريح التي تهبّ من هنا إلى هناك، من الشرق إلى إسبانيا وتشيلي، ويعبّر عن تضامنه مع هذا الرعيل الإنساني من المبدعين الذين فارقوا الحياة بشكل مأساوي، ويتجلّى مع الريح لو أنّهم تحرّكوا بالحياة، أو حقّق مصباح علاء الدين رغباته بنهوضهم من تحت ركام المأساة، ومن ثقل هذا الظلام الذي ينشره فيروس الشقاء. يمهّد هاتف الطريق بسؤال التوجّع إلى سؤال آخر للتوجّع أيضًا، لتعذّر رجوع الراحلين حتّى ولو بالتمنّيات، ويجمع بين التناصّات في هذا المقطع والمقطع السابق من خلال التمنّي المرتبط بالاستفهام بصورة مشاهد تثري السياق بالمشاعر والمعارف والمناجاة والاستحالة، على الرغم من أنّ الشاعر يصوّر أبطال المبدعين مجازيًّا وهم ينهضون من بين الصفحات، وأبصارهم شاخصة وصلواتهم سابحة بالدعوات روحيًّا لعودة من حرّك فيهم نبض الحياة وشحن طاقة التجدّد، ليتواصل بذلك وجودهم في التاريخ كأسماء تتردّد على كل لسان، ويُسمع صداها في الآفاق.

يستهلّ هاتف مقطع نصّه الخامس بالإنشاء الطلبي بصيغة الاستفهام للحال، ووحدة الفضاء شكليًّا، الذي تمتد فيه المسافة بفكرة لسؤال أوّل بثلاثة أسطر: "كيف للبُعدِ أنْ يُصغي .. لنبْض الحياة بين الشفتين .. كما اللحنُ يُصغي لنبض الوترِ؟"، وفكرة لسؤال ثانٍ بسطرين، يختتم فيه المقطع بـ"كيف تُطبقان على قُبلة ظامئة.. والوهادُ يملؤها الضبابُ؟". يبدو الشاعر في هذا المقطع الاستفهامي "الثنائي"، وكأنّه يريد أنْ ينكر ما يمكن إنكاره من تصوّرات توازن بين "البعد" المجرّد، و"اللحن" المحسوس، حيث يجسّد الشاعر حسًّا للبعد في الأول، ويصوّر اللحن وكأنّه يصغي لنبض الوتر في الثاني. وبقدر ما بين التجسيد والتشخيص "بعد يصغي" وللإنشاء الطلبي امتداد بـ"كيف"، تتجسّد حياة للوتر واللحن بدلالة "نبض"، أيْ صورة الحياة المرتسمة بمشهد الحركة النابضة، مثلما أنّ البعد واللحن يتراسلان أيضًا بين السكون المجرّد والمجرّد الصوتي. وبجواب للاستفهام يجمع الشاعر البعد مع اللحن عبر شفتين تطبقان بقبلة في ظرف ضبابي غير مؤاتٍ، فيتكوّن مشهد بتراسل صوتي بين السمع والنبض، واللحن والعزف، أو بين السبب والنتيجة، ويظهر فيه توازن بالإنشاء الطلبي من خلال المفارقة، ومشهد آخر لصورة الضباب في الوهاد. تعتبر النهايات في هذا المقطع مفتوحة على ما يمكن أنْ يتركه الشاعر لمتلقّي نصّه، سيّما وأنّه يستنهض الفكرة بتساؤل يجيب عليه بالإنكار. يكرّر الأداة (كيف) الحالية كلازمة بيانيّة للتوكيد مرّتين، ويرفقها بـ"كما"، وينير إضاءتين في المشهد الأوّل للبعد واللحن، ويطلق فكرته بالنبض الدال على الحياة، ولكنّه يعود ليتساءل عن إمكانيّة طبع "قبلة ظامئة" مشحونة بالحنين والشوق على جبين الراحل، أو أنْ تنبض حياة في هذه الظروف الموبوءة بالجائحة بدلالة التساؤل بـ"كيف" الثانية.

يقوم الشاعر بربط هذا التساؤل مع مشهد سابق لشفتين "تطبقان على قبلة ظامئة"، ومشهد لاحق ينفي ما سبقه، أو ينكره بمشهد "الضباب" الذي "يملأ الوهاد"، أي بإطباق الضباب على الجوّ مثل الدّخان الذي يغلّف الأبصار ويؤدّي إلى التعمية، فيخيّم على الأراضي المنخفضة بفعل ما تنقله الريح إلى هذا الوهاد. نستشفّ من المقطع أيضًا مقابلة بين زمن في المخيّلة عامر بالمحبّة، وآخر تتعقّد فيه رغبات الناس وأشواقهم ونواميس ما تعارفوا عليه، بين زمن تورق الطبيعة بناسها وجماليّة مشاهدها، وزمن فيروس كورونا وأوبئة أخرى خارجها، هذا الفيروس الذي يحاول شلّ حركة المحبّة والجمال والحياة. تبرز في هذا المقطع مشاهد البعد واللحن والقبلة والضباب، وتراسل الجامد "البعد" مع طبيعة غير حيّة "الضباب"، ومجرّد غير حيّ "اللحن" مع آخر مثله "القبلة". وما يقوّي أفكار التجسيد والتصوير في المشاهد هو هذا التقابل بين لمسات القبلة غير المتحقّقة وحركة الضباب في الأجواء، وطاقة هذا الاستفهام "الإنكاري" المكرّر مرّتين بتوكيد بياني بلازمة اسم استفهام لحالة لا تتحقٌّق بوجود الجائحة، وبأفكار يطلقها بالصراع بين الحبّ والموسيقى والقبلات من جانب، و"الضباب"– كورونا من جانب آخر.

الحديث في المقطع السادس عن الهاربين من الجائحة أو الراجعين وهم يتعثّرون بالصخور في تلال المدينة وجبالها الموبوءة – "العائدون أضلّهم وقعُ الصخور" يعكس خشيتهم من وداع الموتى عن قرب بسبب سياسة الابتعاد المفروضة خوفًا من هذه الجائحة، وهذا الضياع يوحي بأنّ هؤلاء الناس قد خرجوا إلى المرتفعات خشية من كورونا، أو عادوا دون أنْ يتحقّق وداعهم لأحبّتهم، وهم يتعثّرون بين الصخور. يرسم الشاعر صورة للدمار الذي يهدّد الأمكنة بمشهد الموت "الفيروس" الذي "يحوم" هنا وهناك في المدينة الإيطاليّة المذكورة، مشبّهًا هذا الفيروس بـ"المنجل الأعمى" وكأنّه يستعير صورة الموت من الثقافة الأوروبيّة التي تصوّره مكللا بالسواد بمنجل طويل، بينما يمضي هؤلاء الباحثون في أحزانهم وهم سادرون عند أطرف  المدينة المرتفعة، أملًا بالوصول إلى قبور من فارقوهم إلى الأبد، ولكن بدون جدوى. بين صخور هذه المدينة، وبرمزيّة "منجل" الموت الحاصد لأرواح الناس، يتعاطف الشاعر مع ضحايا المأساة، ويتناغم مع محبّيهم الأحياء الذين لم يعودوا يعرفون حتّى الطريق إلى مقابر موتاهم، راسمًا في الوقت نفسه صورة للفراق بثمالة الموت وبضرب كف القدر: "في البحث عمّنْ شربوا.. خمرة الفراق من كفّ المصير". تجتمع في هذا المقطع صورة خمرة الفراق "الرحيل – الموت"، وخلوّ المدينة من قبور الراحلين بكورونا: "لا قبور لهم" مع صورة الموت "المتوّج" بـ"المنجلِ الأعمى" –  كورونا الذي "يحوم في الحقول"، باستثناء يطلق الموت بأداة "سوى"، ومغزى كلمة "متوّج"، المكرّرة بعد ورودها في المقطع الأوّل، وهي مرصّعة بحبّات شبيهة بحبّات الفيروس التاجي  الحاصد للأرواح.

ينظّم الشاعر إذًا مشهدي الصورتين – الأحبّة الذي فقدوا بوصلة الوصول إلى قبور موتاهم بسبب الإجراءات والخشية من الفيروس، وانتشار الموت الذي يتنقّل كالريح في الحقول لاقتناص ضحايا جديدة  كمنجل الحصاد. أمّا الطريق غير السالك للعائدين الذين تاهوا فيه واصبح مقفرًا إلّا من الموت فيعكس نوعًا من التنازع  بين زمنين، زمن ممتلئ بالحبّ والحياة، وآخر خالٍ إلّا من فيروس الهلاك والشجن. الترابط بين الريح والموت والخشية يستمدّ قوّته من مشهد الضياع في المرتفعات كتعثّر أصحاب "عوليس" بين الصخور أو سقوطها عليهم وهم في طريق العودة التي لم يبلغوها، فضلًا عن مشهد الموت المتنقّل في الأرجاء، وخلوّها حتّى من مقابر للضحايا، وتعاظم خيبة المودّعين بسبب مأساة هذه المدينة الإيطاليّة، وأهلها المعذّبين الذين يرمزون إلى عذابات العالم اليوم.

يشكّل الشاعر صورة المقطع السابع بمشهدين، مشهد يعبّر عن الأمل واستمرار الحياة بدلالة "رحم الولادة" و"بسمة الوليد"، حيث سينتهي زمن ما خلّفته الجائحة من موت ودمار من خلال "بسْمة الرحمِ على شفة الوليد" التي ستلغي هذا "الرحيل المفاجئ"، إنّه مشهد يتكوّن من إضاءتين يعطيان الأمل بأنّ الحياة ستستمر بولادة جديدة، أيْ بخطاب الأمل في مواجهة اليأس، الأمل الناهض من المعاناة بولادة تتّسع لها الأرحام، على الرغم من أشباح الموت التي تخطف أرواح الناس والمبدعين، وتحوم بشرورها كي تكبر مصائب الناس، وتقفر المدينة من مقابر الراحلين. يأتي مشهد آخر للصورة يتمثّل بالزهور البيضاء الجميلة ذات الرائحة الزكيّة – الزنابق على "سفوح الجبال"، والتي يلعب الهواء في أوراقها في هذه المدينة المنكوبة، بقوله: "وتلك الزنابق عند سفوح الجبال"، وهي أيضًا رمز للأمل والجمال. يؤكّد الشاعر بأنّ الخروج من محنة كورونا سيأتي بالحياة التي ستزهر بورودها، وستتلاشى هذه المسافات بين الأفراد والمدن والطبيعة بولادة جديدة على أنقاض كورونا، هو أمل خارج من تحت الحطام، يستنير ببسمة الوليد، ويتورّد بزنابق متألّقة، ويقوى بقوّة الحياة والطبيعة، وإذا كان هناك دمار وموت وأحبّة راحلون، فإنّ هناك أملًا بالحياة، وأحبّة قادمين.

يضعنا هاتف في المقطع الثامن أمام صورتين للريح، فهي بقدر ما تكون قاسية، هي حنون ترفق بالضعفاء، وهي بقدر ما تكون ناقلة لفيروس كورونا والأعاصير والظواهر السيّئة، فهي أيضًا تتشابك مع الهواء في تخطّي الوباء بشهيق الأوكسجين. تستمر الريح في خطابها من خلال جدليّة التناوب أو التنازع بين الاقتلاع والتدمير والحماية والحنين، الشاعر يقوم بأنسنتها بالنواح الوجداني المتواصل: "أنوحُ كلّ لحظةٍ"، وبمشاعر "إنسانيّة" متألّمة لما تسبّبه للطائر بدلالة "انكسار الجناح" الذي يتعرّض لهوجها بدون أنْ تقصد ذلك، لأنّ "منطقها" يدفعها إلى هذا الأمر، تتناغم وجهد الطائر في بحثه عن الطعام لفراخه والرجوع إلى العشّ لأنّهم في انتظاره: "حيث ُالطائرُ يحمل للعشّ ..  في منقاره لقمةً للفراخ". انكسار الريح وألمها نابعان من أنّ الطبيعة تتفاعل بعناصرها، على الرغم ممّا يقوم به هذا العنصر بألم للآخر. وبمشهد الطائر وهو يحمل في منقاره لقمة ما يجتهد ويشقى في الحصول عليها من أجل سد رمق فراخه ومن ثمّ تعرّضه إلى أذى الريح، يكون الشاعر قد ربط بين فعل الطائر وتسبّب الريح في معاناته وآلامه.

يصوّر الشاعر بأداة الاستدراك للشخص الأوّل "لكنّني" مشهدًا تشخيصيًّا آخر للريح في من خلال منازعتها الشجرة وجذورها عند هبوبها: "أنازعُ الأشجارَ والجذور"، منطلقة من فطرتها المندفعة بالاقتلاع، ومتسلّحة بضدّها في الوقت نفسه: "لكنني أزيحُ ما تبقّى"، أيْ بفطرتها الأخرى القائمة على تنظيف ما يقع على البراعم "من ورق يابس" بعد أنْ تقوم بإزاحته من على الغصون، والعمل على حراستها كي تبقى مزهوّة بجمالها، في قوله: "على مفاتنِ الغصون". إنّهما مشهدان مرسومان بعناية من قبل الشاعر، حيث الريح تقوم بمهمّتين أو وظيفتين: المنازعة والإزاحة، وتتحرّك باتّجاهين، المناكدة والحراسة، هما مشهدان تتحرّك فيهما الريح بـ"منطقها" لـ"فرض" خيارها الغريزي، كما تتشابك الريح والشجرة مثلما تتشابك والطائر في صراع، وتشعر كذلك بالأسى ممّا تحدثه من أضرار لغيرها، فتعوّضه بأفعال مفيدة، أي إنّها بقدر ما تؤذي تتألّم، وبقدر ما تضرّ تنفع.

تتكرّر الريح مع الهواء في المقطع الأخير من هذه القصيدة، وتتعانق أنفاس هذين العنصرين المتشابكين، فالريح لا تموت، لأنّها حيويّة كالهواء الناقل لها، الريح تتناغم مع الهواء عبر الاستعانة بصيغة المتكلم بلسان الهواء المتحرّك بها، وتقتفي حركة الحياة به، بحيث يصوّر الشاعر في أحد المشاهد الهواء خارجًا من عمق المجهول من أجل تحريك نبض الحياة في هذه الطبيعة وبين بني البشر في تحدٍّ لكورونا ومآسيها: "أنا الهواءُ من المجهولِ أنبثقُ". الهواء – الرمز يتشكل في مشهد ثانٍ بالكشف الكبير لبواطن الكنز البشري "المطرّز" بالمحبّة والوجدان – القلوب المعبّر عنها بأفئدة ترقّ بالمشاعر وتحفظ الأسرار: "أكشفُ الكنزَ المطرّز بالقلوب". تعود الريح بعد التحدّي الأوّل بصيغة "أنا" للمتكلّم، إلى التعامل مع الهواء من خلال مقطع جديد للصورة، لتعلن عن توصيف جديد لها يتمثّل بانتشارها في أرجاء الطبيعة، من بحار وأنهار بعد أنْ تمرّ على الحقول والجبال والتلال والوهاد والأشجار. تخفق الريح محرّكة المراكب في مشهد جديد، بدلالة رفع الأشرعة: "أنا الريحُ التي ترفع الأشرعة"، ومشهد تالٍ تغدو الريح فيه سرّا من أسرار هذه الطبيعة، أيْ تصبح "السرّ الذي يأسر العاصفة". تتحوّل إلى كائن يستطيع أنْ يتحكّم بالعاصفة أو يأخذها كالأسير تحت جناحيه، ضابطًا اتّجاه سيرها وقوّتها المدمّرة، الريح قادرة على لجم أضرار الطبيعة، والوقوع في فخّها في الوقت نفسه. صورة الأسر تجعلنا نتحسّس مشهدًا للهواء المتشابك مع الريح بالخروج من المجهول إلى اكتشاف كنز الجمال والوجدان المشار إليه بالقلوب الإنسانيّة، ومشهدًا مجازيًّا آخر تنهض فيه الريح بتنظيم انطلاق المراكب والسفن عبر إدارة أشرعتها، أو رفعها من أجل أنْ تواكب حركة خفقانها حركة هذه الريح، ومشهدًا يعبّر عن السرّ في كبح جماح بعض مشتقّاتها المتمثّلة بالعاصفة. الريح والهواء هنا رمزان متشابكان، يتّصفان بالغموض والكشف والأسر، يندفعان بحركة آمنة بصوت هادئ، أو بحركة حانقة بصوت صاخب. ينتقل هاتف بعد ذلك إلى تقطيع "أوصال" مفردة الريح إلى أحياز أو فضاءات ثلاثة "الـر ... ي ... ح"، وكأنّما يريد أنْ يضعنا أمام حالات بتوقّفها برهة فتحرّكها وئيدًا حتّى وصولها إلى مقصدها، هو تحرّك متقطّع بحالات هنا وهناك، وهواء موزّع بالانتشار في هذه الناحية أو تلك. ومن خلال التشابك بين الهواء الذي يتحرّك بالريح، والريح التي تحيا بالهواء، يرتسم مشهد جديد للهواء الواهب الحياة، والباحث عن مستقر له، في قوله: "أنا الهواءُ الذي يبحث عن مأوى"، ولكنْ في الرئتين المعطوبتين بفيروس كورونا أو العليلتين التي يقوم الهواء بضخّ طاقاته لإنقاذهما: "في شهقة الرئتين". الصورة التي تشكّلت من مشهد الهواء الباحث عن مأوى، ومشهد "شهقة الرئتين"، تكتمل بدورة الحياة عبر ما يفعله الشهيق، وبذلك يتمّ التفاعل بين الرئة ومنقذها المتمثّل بأوكسجين السلامة. يختتم الشاعر نصّه بهذه "الشهقة" التي لم يستطع الهواء منحها لمن رحلوا بسبب سطوة كورونا على منفذ الحياة – الرئتين بالذات، وليؤكّد أيضًا بأنّ الريح المتحرّكة بالهواء تبقى عنصرًا يمنح الحياة بالمعافاة، بعد أنْ يصل الهواء المنقذ إلى مبتغاه "مأواه".

يمكن القول أخيرًا، إنّ وحدة قصيدة (أنا الريح) قد تشكّلت بوشيجة عناصر مقاطعها التسعة، في إطار موضوع وزمن رئيسين، كما عكست تكثيفًا وتشابكًا في الأفكار والدلالات، جعلنا الشاعر هاتف فيها نتفاعل مع وجدانه الفيّاض بالمشاعر الإنسانيّة المتضامنة مع الضحايا في هذه الأجواء المشحونة بالمآسي، مستخدمًا التناصّ الأوروبي، ومنه الإغريقي، والشرقي، ومنه البغدادي، ومارًّا على أعلام ونتاجات وحكايات وأساطير، ومستفيدًا من أسلوبي الاستفهام والتكرار، ومن صور ومشاهد ورموز ودلالات وتراسل وتوصيفات وتوازنات وتقاطعات. كان الشاعر موفّقًا جدًّا في انتقالاته من حالة إلى أخرى وصولًا إلى بلوغ الإطار الجامع للقصيدة، حيث تحرّك بالريح فيها بعد أنّ حاكى الطائر في قصيدته السابقة، وهو يتبصّر جدليّات تقوم بها الريح والهواء، ويحلّق بها هذا الطائر. كما حفّز نفوسنا إلى التعامل مع الواقع  المصدوم إبداعيًّا وإنسانيًّا، والمفجوع بجائحة كورونا البشعة، التي أصبحت وزمنها مادّتين لقصيدتين له. يبدو أنّ هاتفًا الإنسان والشاعر أراد الانطلاق في هذه القصيدة "الكونيّة" من حالات خاصّة إلى حالات عامّة، من "بريشا" إلى "لومبارديا" فإيطاليا والعالم، من كورونا إلى المساوئ الأخرى، من مأساة مبدعين مرّ عليهم في السياق إلى مأساة أقرانهم عالميًّا، من مأساة شعب إلى مأساة الإنسانيّة. تعاطف هاتف مع الضحايا بضمير الإبداع وأوجاع الكلمة المهمومة بالحزن والعواطف المنكسرة في ضوء صور موزّعة على مقاطع تسعة تتنقّل كالهواء، وتوقّف عند فجائع موزّعة بين الأنغام والكلمات والمدن والأشجار والتلال والجبال والزهور. لبست هذه القصيدة حلّة مرسومة بالمأساة، و"سفحت" شعريّتها بجماليّة، وتناثرت مشاهد صورها بآلام وأشجان، واحتبست أوتارها بتراتيل، وبانت ملامحها بألوان وأصوات، ولكنْ تحاشت الوقوع في هاوية اليأس والتشاؤم، وتألّقت بالاستدراك وهي تتجاوز أزمة هوس الزمن بقوّة الأمل. بين الشاعر والريح والمأساة في زمن كورونا يكون الشاعر قد خطا خطوة أخرى في تجريبه لتحديد موقف قصيدته ممّا يفرزه زمن الوباء. وبقدر ما مال إلى إجراء تفاوت في عدد أسطر كل فضاء من فضاءات مقاطع قصيدته، وركّز على هندسة فضاءي مقطعين كثيرًا إذا ما قورنا بغيرهما، ووزّع إيقاعات سياق النصّ بعيدًا عن الاستعانة بتفعيلة محدّدة، فإنّ ذلك كان مقصده وجرى وفقًا لمنظوره في تناول الحالة أو الفكرة، ومع ذلك كنت أود لو أنّ الشاعر كثّف قليلًا من إيقاعات التفعيلة لتتساوق مع إيقاعات الريح.

قصيدة الشاعر هاتف جنابي (أنا الريح)، حلقة من حلقات قصائد الطبيعة التي ربّما لا تنتهي بها في زمن الجائحة، هي قصيدة استثنائيّة بتحدّي الريح، ومركّبة ببنيتها وغنيّة بأفكارها، جاءت معافاة في زمن مريض، يعاني فيه مبدعوه وناسه ومدنه ودوله والبشريّة جمعاء كارثة وباء جامح وكوارث أخرى. هي قصيدة عكست تجلّيات شاعر مجرّب بعلاقته الخاصّة بالطبيعة والمكان، ولم تستسلم لليأس والظلام والخراب الذي ينشره فيروس كورونا والشرور، وتشبّثت بالأمل كطاقة محفّزة للإبداع، وانفتحت بالتفاؤل في أجواء المأساة، استمدّت نبضاتها من أنفاس الطبيعة، وتضامنت مع الإنسانيّة في ظروف الفجيعة، ويبقى هذا النوع من القصائد في النهاية مفتوحًا على إرهاصات الزمن.

......................

قصيدة (أنا الريح)

هاتف جنابي

يابوونّا (بولندا)، 12/04/ 2020

 

يشْكونَ من تقبيل الحبيب

ودفنِ الراحلين بما يليقُ

بتنظيفهم، وإلباسهم حُلّةَ الغائبين

يَغيبون مثلهم كالصوت في الوادي

كما لو أنهم من المجهول جاءوا 

 

نساءٌ بقبّعاتٍ مُتوّجةٍ بالسواد

دموعٌ تسّاقَطُ من منخل البُعْدِ

فوقَ حبات التراب

والأزهار ها ذبلتْ قبل امتداد اليدين

 

عوليسُ عاد ولم يعُدْ مونتيفيردي*

في انتظاره هالةٌ تحرسها قِمَمُ التلال

التراتيلُ موحشةٌ في لبوة البلاد**

سربروسُ مازال يعوي عند بوابّتها

والكلماتُ ملقاةٌ على وجعِ السؤال.

 

أتسمعني يا (مارثيلو بيرالتا) من أعماق هذا الظلام؟

وأنت يا (لويس سيبولفيدا) أما زال

"العجوزُ الذي كان يقرأُ الرواياتِ الغرامية"

يُصلّي كي تخرجَ من مصباحك السحري؟ 

 

كيف للبُعدِ أنْ يُصغي

لنبْض الحياة بين الشفتين

كما اللحنُ يُصغي لنبض الوترِ؟

كيف تُطبقان على قُبلة ظامئة

والوهادُ يملؤها الضبابُ؟

 

العائدون أضلّهم وقعُ الصخور

في البحث عمّنْ شربوا

خمرة الفراق من كفّ المصير

لا قبور لهم

سوى المتوّج بالمنجلِ الأعمى

يحومُ فوق الحقول

 

ستُلغي الرحيلَ المفاجئَ

بسْمةُ الرحمِ على شفة الوليد

وتلك الزنابقُ عند سفوح الجبال

 

أنوحُ كلّ لحظةٍ

لانكسار الجناحِ

حيث ُالطائرُ يحمل للعشّ

في منقاره لقمةً للفراخ

أنازعُ الأشجارَ والجذور

لكنني أزيحُ ما تبقّى

من ورق يابس

على مفاتنِ الغصون

 

أنا الهواءُ من المجهولِ أنبثقُ

أكشفُ الكنزَ المطرّزَ بالقلوب

أنا الريحُ التي ترفع الأشرعة

السرُّ الذي يأسرُ العاصفة

الر... ي ...ح

أنا الهواءُ الذي يبحث عن مأوى

في شهقة الرئتين.

***

بقلم: عدنان عبّاس

............................

* كلاوديو مونتيفيردي (1567-1643) أحد مؤسسي الأوبرا الإيطالية اشتهر بقيادته جوقة التراتيل في كنيسة سان ماركو في البندقية و"عودة عوليس" من بين أشهر أعماله الأوبرالية.

** بريشا - سمّاها الشاعر جوزويه كاردوتشي (1835-1907) "لبوة إيطاليا" وهي مدينة في إقليم لومبارديا الذي فتك به فايروس كورونا.

مارثيلو بيرالتا- Marcelo Peralta (مارس 1961- مارس 2020) - موسيقي وعازف ساكسفون أرجنتيني مات بفايروس كورونا في مدريد. لويسو سيبولفيدا - Luis Sepúlveda (1949-16 نيسان 2020) كاتب تشيلي أصيب بفايروس كورونا وتم إنقاذه بصعوبة من غيبوبته، لكنه توفي فيما بعد، ومن أعماله المعروفة: العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية"، و"مصباح علاء الدين السحري وحكايات أخرى...".  

 

نجيب طلالإشارة مكشوفة: مبدئيا تنطلق هاته المقاربة النقدية للنص المسرحي– الوباء- للشاعر والمبدع عبدالكريم العامري؛ من الوضعية الحالية التي تمر منها البشرية الآن؛ شرقا وغربا، دولا وقارات الكل يقاوم شيئا غيرُ مرئي؛ كل الأجهزة تسابق الزمن لمحو آثر- فيروس - وبائي: لا شكل له ولا لون له؛ كأنه شبح أوشئ من هذا القبيل؛ إنه ينتشر ويتفشى؛ بشكل مثير للغاية، مخلفا وراءه عشرات الآلاف من الوفيات والضحايا؛ غربا وجنوبا . نتيجة صعوبة مقاومته وعدم معرفة علاجه؛ وأي لُقاح يناسبه، وكذا عَدم الاستعداد لمواجهة لفيروس (كورونا) الذي يعتبر من مصاف الأوبئة الفتاكة (حاليا) .

وبناء عليه، كما أشرت بأن هاته القراءة مرتبطة جدليا بالوضع الكارثي/ الوبائي، الذي صنعه وباء فيروس كورونا؛ مما أشرت في العنوان- قراءة وبائية في رمزية الوباء- لأسباب ترتبط بالمظهر النفسي الذي نعيشه في ظل الحجر الصحي؛ وإن كان مقبولا كشرط احترازي؛ منطقي. ولكن كفعل له استيهامات مثيرة جدا؛ في عقلية ونفسية أغلب المواطنين؛ وخاصة أمام الأخبار التي تذيع وتنشر أرقاما مهولة للمصابين ولسقوط ضحايا هنا وهناك؛ علاوة على الأحداث الأسرية والعائلية في معاناتها ومشاكلها وصراعاتها بين الأفراد ولقمة عيش. و التي ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي؛ تقريبها للجميع.

قراءة وبائية:

فهل نص [- الوباء- L'épidémie-] له علاقة بذلك؟ طبعا لا علاقة له بناء على تاريخية الإنجاز(2018) وانتشار الوباء الكوروني (2020) ولكن هل له علاقة بإحدى نصوصنا التي تحمل نفس العنوان والمؤرخ في (2015) أم بنص الكاتب الإنجليزي - أوكتاف ميربو- والذي يحمل نفس العنوان (الوباء) والمؤرخ في (1904) إطلاقا؛ المسألة سوى تشابه العناوين؛ ليس إلا. ولكن وبالعَودة للنص نجد في مدخله أوفي الإرشاد العام يشير:

[زقاق قديم في مدينة ابتليت بالعمى وتكاد ان تكون مهجورة.. اظلام في العمق.. رجل 1 ورجل2 يمسكان ببعضهما ويمشيان حتى يصلا الى منتصف الزقاق] ومن خلال هذا الحوار:

رجل2: لست وحدك في هذا البلاء، كل الناس في المدينة اصيبوا بالعمى يقولون انه وباء.. رجل1: (مستغربا) وباء اصاب الجميع..؟ كيف..؟

رجل2: لا تسألني عن ذلك هو وباء وكفى.. هذا ما سمعته ممن بقي في المدينة..

يتضح لنا أن هناك فعلا (وباء) والمتمثل في (العَمى) الذي أصيبت به مدينة (مجهولة الاسم) مدينة مجردة/ متخيلة. ولكن ملامح المدينة شبه معلومة في ذهنية الكاتب؛ مادامت هنالك إشارة (لزقاق قديم) وإن كانت أغلب المدن تتوفرعليها .وبالتالي فمن خلال وباء العمى الذي يحمله نص الشاعر – عبدالكريم العامري- يفرض علينا أن نتساءل مرة أخرى : هل النص يحايث أو يتقاطع أو يتقابس ورواية (العمى) لجوزيه ساراماغو؟ بحيث هاته الرواية تتحدث عن وباء غامض يُصيب تقريباً كل السكان في مدينة مجهولة الاسم، وذلك بشكل مفاجئ ! بحيث أول من أصبح أعمى طبيب العيون عقب معالجته لإحدى مرضاه بالوباء الذي سيُسمى فيما بعد " المرض الأبيض "باستثناء زوجة الطبيب فهي الشخصية الوحيدة التي لم تفقد بصرها. وإن تظاهرت بالعمى كذبا على الأطباء؛ لكي لا تفارق زوجها ولو أنه في الحجر الصحي، مع بقية المصابين بالوباء. ونلامس بعضا منه تقريبا في الحوار التالي:

رجل1: لم أكن أشكو من أي مرض ولدي مناعة كافية كيف أصابني الوباء..؟

رجل2: يقولون ان هذا الوباء لن تمنعه اي مناعة ولن تستطيع ان تتفاديه حتى وان كنت

في صندوق مغلق..

رجل1: البارحة قبل أن أنام كنت أبصر..

فهاته الحوارات لا تعني إطلاقا أن هنالك تحويلا أو مقابسة لبعض ماورد في الرواية لصالح نص (الوباء- L'épidémie) فحتى وإن مارسنا التعَسف على النص؛ ومحاولة إقحامه فيما لا يقحم . تجاه الرواية الأولى (العمى) أو رواية [ بلد العميان ] لهربرت جورج ويلز. بحيث انتشر نوع غامض من التهاب العيون اجتاح سُكان وَادٍ مَعزول بَين الجبال مما، يَتسبَّب في فقدان أبصارهم؛ ليعيشوا على إيقاع العمى؛ بحيث لا توجد كلمة اسمها أرى أو أبصر أبدًا . والتي يحاول (نيونز) أن يدافع عنها باعتباره الشخصية الوحيدة التي ترى. وكان أهل الجبال يفسرون ذلك الوباء نتيجة انتشار الخطايا بينهم. بمعنى أن مرض العمى قدري ولعنة ربانية؛ نفس الرؤية منوجدة في نص (الوباء) للمسرحي والإعلامي- ع الكريم العامري:

رجل2: انا مثلك تماما.. ما أصابك أصابني واصاب كل الناس..

الطبال: حقا..؟ كل الناس عميان..! هل هي لعنة نزلت بنا..

رجل2: ليست لعنة.. هذا وباء..

وكما أشرت إن قمنا بنوع من التعسف اللآنقدي/ اللاقرائي؛ بين النص والروايتين؛ سنحسم أن هنالك تقاطعا أو مقابسة بمنظور تركيبي/ تحايلي . لكن أثناء التمعن في عمق الروايتين معا نستشف تلقائيا بأنهما أساسا مركّبين ومتعددي الأصوات والدلالات. حتى ولو تمت عملية الإختزال (العمى/ بلد العميان إلى الوباء) وبالتالي ما يمكن أن نستنتجه أن هناك تشبع قرائي للمبدع – العامري- وهذا التشبع له ارتباط بتعدد مساراته الإبداعية من شعر/ رواية/ مسرح/ وهذا التشبع يلغي أي تأويل بأن النص له مرجعيته الإحالية التي تكمن في الروايتين؛ بالعكس فالمرجعية الإحالية تكمن في الواقع كما يراه الكاتب المائز- ع الكريم-

رمزية الوباء:

كاتب النص – عراقي – الأصل والنسب؛ ويعلم كل واحد منا؛ ما آلت إليه الحياة العراقية سياسيا / ثقافيا / اجتماعيا / في براثين المأساة؛ والتطاحن على السلطة؛ ناهينا عن الخراب والانفجارات اليومية. مما تحول آمل وحلم كل العراقيين بما فيهم المبدعين والأدباء؛ إلى سراب ومعايشة تراجيديا السقوط؛ بدل أن يرفلوا في الأمل المشرق بمعالم الحرية والديمقراطية وتعدد الأصوات بدون خلفيات سياسية أو طائفية أو عشائرية. لكن واقع الحال العراقي، المأساوي ولا خلاف ولا مزايدات حول حياته السياسية والاقتصادية؛ و أغلب هاته وأكثر تتجسد الآن في عدة نصوص قصصية / روائية/ مسرحية/ شعرية / كرد فعل مجتمعي نفسي  ثقافي من أجل غد افضل إشراقة؛ وبالتالي فأغلبية ما اطلعت عليه من أعمال الإخوة والأساتذة والمبدعين العراقيين تميل وتنحو نحو الرمزية والتجريد كمنطلقات تعبيرية عن أفكار وإيديولوجيات ورؤى سياسية، قد يتعذر عليهم التصريح بها حاليا. لأسباب ليس مجالها هاهنا ونص الوباء ينتهج ذلك :

الطبال: انا أطبل للجميع.. الفن من أجل الجميع..

رجل2: ان لم يحدث الفن تغييرا فلا خير به..

الطبال: تقصد اننا معشر الطبالين سبب هذا البلاء..

رجل2: كلنا نشترك فيه.. كل ذي صاحب لسان ولم ينطق الحق مشترك في هذه البلوى..

يبدو ان هذا المقطع تجريدي؛ ينعكس على أي محيط؛ ولاسيما أن شخصية الطبال يرمز لها تحديدا (فنان) وهاته الصفة تشمل كل ممارس للفن؛ ولكن هل الفنان هو المسؤول المباشر عن سبب هذا (البلاء/ الوباء) ؟ ولكن في أي مدينة/ محيط يوجد ذاك الطبال ؟

فمن خلال استحضار ملحمة جلجامش و اختراقها – النص- بشكل ذكي؛ كإشارة دالة ميثولوجيا لبلاد الرافدين (العراق) القديمة؛ ونحن أمام نص ليس بقديم؛ جدليا نحن أمام محيط عراقي والطبال كذلك

رجل2: (ضاحكا) جميل جدا، سنعود الى أصولنا.. ربما ستكون أنت أنكيدو وأنا جلجامش..(يضحك)   رجل1: انت تسخر مني..   رجل2: بل قل يضحكني تفكيرك.. انا اتحدث مع رجل متعلم، انت مدرس تاريخ وكنت تحدثنا في جلساتنا عن عشبة الخلود التي ضيعها جلجامش وكنا نصدقك.. بربك، هل هناك عشبة في العالم تجعلك خالدا..؟

رجل1: هذا ما يقوله التاريخ وليس انا..

إذن فتوظيف ثلاث شخصيات (رجل 1- (مدرس تاريخ)/ رجل2 – (عادي)/ الطبال(فنان) أعطوا نكهة للعب ذي العلاقة بالعمى؛ وهذا يمكن تلمسه في العملية التداولية التي فرضها الخطابي (النصي) كمحاولة فنية / لغوية؛ للانزياح من الخروج من الدلالة الرمزية التي حصر نص- الوباء- نفسه فيها. باعتبار أن المعاني الرمزية، تكون لها مدلولات متعددة ومتضاربة في آن واحد. ووعيا من الكاتب بهذا الأمر؛ فإنه وظف أغلب الدلالات، للإحاطة بالسياق العام للوباء؛ إذ اعتبر أن الوباء مؤامرة؛ كحجية لما يتداول أمام أي معضلة داخلية:

رجل1: هذا ليس وباء.. هذه مؤامرة ..!

رجل2: (يضحك) دخلنا في العميق.. مؤامرة؟ اتقول مؤامرة..؟ لمصلحة من تلك المؤامرة..؟

رجل1: تعرفهم جيدا.. اولئك الذين لم يصبهم الوباء.. في بروجهم العالية يراقبوننا يتجسسون على افعالنا يحبسون عنا الهواء ويحاولون ان يقتادوننا حيثما شاؤوا..

فالذي يصرح أنها مؤامرة (رجل1: هويته الواقعية = رجل متعلم و مدرس تاريخ) ولا يمكن لأستاذ التاريخ أن يجازف بالقول: أن الوباء /المرض= مؤامرة؛ ولكن إشارة قبلية لتأطير رمزية الوباء . تلك الرمزية التي تتحدد في الآخر/الآخرون المشار إليهم ب

(اولئك الذين لم يصبهم الوباء.. في بروجهم العالية...)

إذن الجحيم هو الآخرون؛ حسب منطق سارتر. وهنا فالكاتب استعار الجحيم باعتباره صنيعة (مؤامرة) خارجية (الإمبريالية)وهذا معروف دوليا؛ ولكن قراءته تختلف. من هنا فكاتبنا قرأ الجحيم بمثابة (الوباء) الذي تعيشه المدينة (العراق) اليوم.

إذ الجميل في النص؛ أنه سعى أن ينبش في شتى مجالات تحيط بالوباء؛ ثقافيا / سياسيا / فنيا / دينيا / ونلاحظ عيانيا كيف حاولت سلطة الفقيه أن تؤطر وباء كورونا من الجانب العقائدي؛ ومن خلال النص إن حاولنا صياغة الجحيم بالمفهوم الديني (الوباء / العمى)= الجحيم/ العذاب/ مما تكون الصلاة والدعاء هي المخرج الوحيد للخلاص من (العذاب):

رجل2: ادعو ربك أن يبصرك.. ربما ينفعك الدعاء..

رجل1: وهل يصل الدعاء في مدينة كهذه..؟

رجل2: لم لا يصل..؟ ما بها هذه المدينة كل شوارعها نظيفة..

رجل1: وماذا عن النفوس الوسخة.. هل ينفع معها الدعاء..؟

هنا تنطرح إشكالية (النفوس الوسخة) من هي ؟ التي تلغي منظور المؤامرة (الخارجية) ليصبح الوباء/ الجحيم مؤامرة (داخلية) وطبيعي أن أي ممارسة تأمريه تكون لديها أطراف خارجية بإيعاز من أطراف داخلية؛ والعكس صائب كذلك. ونهاية المطاف تصبح الاطراف الداخلية / تابعة / ذيلية وهذا واقع سياسي / عربي؛ لكن المعضلة التي يعاني منها المجتمع العربي؛ أن المواطن يصبح ضحية؛ لسياسة أهواء الطرف الداخلي الذي يخضع لقرارات وتعليمات الطرف الخارجي (المتحكم في اللعبة) وبالتالي يتحول لديكتاتور ومستبد والتي رمز له النص ب (الجزار) هنا من صنع الجزار؟ النص يُحّمل الأمر والمسؤولية المباشرة للمواطن؛ ربما يقصد عملية الاختيار إبان الاقتراع الانتخابي؛ سواء الرئاسي/ البرلماني؛ هو الذي يحدد مصير الإنسان والوطن . أومن خلاله يتشكل الوباء/ الجحيم للوطن و الإنسان . وهذا ليس ببعيد؛ ومادام الوضع الوبائي جاثما على المدينة . فالاختيار الذي وقع عدة مرات لرجالات السلطة؛ اختيار خطأ وخاطئ من أساسه. والحوار التالي يوضح هذا الأمر؛ ولكن قبل أشير إليه؛ نجد في النص حوارا عميق الدلالة يتكلم به :

(رجل2): سمعت أن هناك رجلا في المدينة يحاول أن يخلصنا من هذا الوباء..

فهذا الحوار صورة للكلام العادي والمتداول في المجتمع بجميع أبعاده، و يشمل كذلك البعد الشاعري الذي يتحكم ديناميكيا في العلاقات الإنسانية. والمحددة في فعل (سمعتُ) (فعل/ ماض) والذي يتكرر عدة مرات والتي يحسمها كذلك

(رجل2): سمعتُ أيضا أنه صنع جهازا يعيدنا الى ما قبل الوباء..

هنا إشارة قوية لما وراء الحوار بأن المدينة عمليا تغرق في نفق مظلم وقاتم؛ وما يروج حول ذاك (الشخص) اختياره سيعيد المدينة لأفظع من الجحيم الذي هي فيه؛ والحوار التالي يكشف ولو رمزيا هاته الحقيقة؛ أي العودة للمدينة البوليسية/ الديكتاتورية :

رجل2: هو يعمل في دائرة الابحاث وعنده مفاتيح كل شيء..

وهذا ناتج عن فعل (سمعتُ) كمركب من (السماع/ المتكلم) فرأسيا يفرض تعدد المعاني والدلالات التي يمكن أن نؤطرها في خانة (الإشاعة / الدعاية/ الكذب/ التضليل/...) لأنه ناتج عن فعل لخطاب متكلمين كثر في الواقع والمحيط الإجتماعي. ومن ثمة فهو يُعبر عن خفايا النفس الإنسانية والكاتب – ع الكريم العامري- بدوره لا يخرج عن الأعراف الخطابية والإجتماعية للغة المتداولة؛ والتي بشكل أو أخر مساهمة في كتابة النص؛ اعتبارا أن المسرح في عموميته تجسيد حقيقي لما يحتويه الواقع من مظاهر إما خطابية وطبيعية واجتماعية و نفسية. وهذا يحيلنا للحوار صادق ومجسد للواقع، كيف يراه الكاتب

رجل2: مميزون بكل شيء.. بالكذب والنفاق والعمى أيضا..

الطبال: نحن لا نكذب ولا ننافق..

رجل2: لكنكم تطبلون لهذا وذاك...تطبلون لكل جزار..

الطبال: اللحوم الحمراء تغرينا.. لم لا نطبل للجزار وهو يشبعنا..

رجل2: يشبعكم ذلا وقهرا..

هنا نستنتج بأن الوباء ارتبط بالعمى، والعمى بالكذب والنفاق؛ كتخريجات عن هشاشة الأخلاق والمبادئ الإنسانية . مظهريا؛ ولكن عمليا هي تخريجة عن هشاشة سياسية صرفة؛ تلك الهشاشة هي سبب الجحيم الذي نعيشه؛ طبعا ناتج عن العمى/ الضلال/ الجهل في الاختيار. اختيار جزارين لديهم استعداد لممارسة الاستبداد والقتل والخيانة وارتكاب كافة الجرائم في حق الشعب من أجل البقاء؛ ورغم ذلك نطبل لهم ونبارك لهم؛ هنا النص سقط في شوفينية غير متوقعة؛ بحيث العمى أصاب الكل باستثناء ذاك (الرجل)الذي يعمل في دائرة الابحاث وعنده مفاتيح كل شيء. وهذا الاستثناء تم عن طريق (السماع) فلماذا حمَّل الكاتب سبب الوباء للطبال: الذي يؤشر عليه النص كما قلت سابقا ونضيف أنه: (شخصية عامة) و(مطرب) و(مبدع) و(كاتب) و(...)

رجل1: يبدو أنك أيها الطبال سبب بلائنا..

الطبال: (مستفزا) كنت صامتا طيلة الوقت وعندما نطقت تتهمني بالبلوى. انا مثلكما اصبت بالعمى ..

رجل1: ومن لم يصب به.. يبدو ان هذا الوباء لا يعرف الا الفقراء..

هنا ينتقل النص من الشوفينية إلى التخصيص والتفيء؛ بأن الوباء/ الجحيم لا يشمل أو يصيب إلا الفقراء؛ فهل القصد بالفقراء من الزاوية المادية أو الفكرية أو السياسية ؟

بما أن النص في كليته يحمل بعْدا فكري/ إيديولوجيا؛ وإن أغفل الجانب الجمالي؛ نتيجة البعد المضمر في ذهنية الكاتب والمتمثل في القلق الوجودي؛ حتى أنه أدخل (الطبال) عن طريق (رجل1/ أستاذ التاريخ) في قلق وجودي؛ الذي يعيشه :

رجل1: اي جمال تتحدث عنه..؟ لا أرى جمالا ولن أراه أبدا..

هذا وإن كانت أغلب حوارات (الطبال) تنم عن قلق حاد من العمى؟ وفي ظلها فالإشارة واضحة للفقراء (سياسيا) كفاعل في [الوباء = (العمى) = الجحيم ]:

رغم محاولة إقحام الدين مرة أخرى؛ في تركيب دلالي رهيب الدين/ السياسة وهذا ما عشناه في بداية اجتياح وباء (كورونا) أن الدين وسلطة الفقيه تدخلت في الوباء؛ واعتبرته بلاء إلهيا بحكم أن الفيروس جُند من جنود الله ولقد أرسله الله تعالى عقابا للدول (الكافرة / الفاجرة) لما ألت إليه الأمور من فساد وتسلط وابتعاد عن الطريق السوي؛ فهذا التصور حاضر في النص كما يشير: (ربما ينفعك الدعاء../ هذا القدر! / هل هي لعنة نزلت بنا../....) وإن كان هذا مطروحا فالنص يخالف هاته المنطلقات؛ محددا نفسه في سياق بعده سياسي صرف؛ وليس مسرحا سياسيا كما سيفهم

رجل2: حين يرى الرب ان لا فائدة من تلك الاعين يطمسها.. كنا نرى كل ما يغضبه ونرضى جلبنا لأنفسنا البلوى بأيدينا وصرنا نندب حظنا.. تركيب دلالي رهيب الدين/ السياسة

رجل1: الرب لا يطمس ما صنعه ما قلته ليس صحيحا..

فمعارضة (رجل1/ مدرس تاريخ) أمالت الكفة نحو السبب المباشر لاستفحال الوباء الذي تحول لجحيم قاتل ومدمر . وبالتالي فصرخات (رجل2) محاولة توعوية/ نضالية؛ للخروج من دائرة الجحيم الذي يعيشون فيه، وكذا إيمانا منه أن رؤية القلب بديل عن رؤية العين. ومن خلال هاته الرؤية؛ تجعل الإنسان حرا . والفقراء أحرار كذلك وبإمكانهم كسر الجحيم . فعَبر هذا الطرح . أين يكمن صوت الكاتب هل يتجسد في (الطبال)أم في (رجل)1 أم في (رجل2)

رجل2: جهلكم هذا جعل كل من هب ودب ان يسيطر على مصائركم..

الطبال: تقصد الحكومة..؟ ها.. الحكومة.. قلها ولا تستحي.. تريدني ان اشترك في تغيير الحكومة.. انقلاب يعني.. نذيع به البيان رقم 1 (يصمت قليلا) لماذا هو البيان رقم 1 لم لا يكون البيان رقم 5 لأننا شهدنا اربعة انقلابات من قبل ..؟

رجل2: لم تعد الانقلابات تنفع.. الرؤوس كثيرة ومن الصعب جمعها في سلة واحدة..

الطبال: بدأت اشك فيك أنت لست اعمى، انت مبصر وتريد ان تزحلقني للمعتقل..

رجل2: قبل ان ترى في عينيك أبصر في قلبك.. اجعله مجسا تستطيع ان ترى ما ينفع الناس..

فمن خلال التأمل في هاته الحوارات يمكن لقارئ لهاته القراءة المتواضعة أن يستشف أين يكمن صوت كاتبنا – عبد الكريم العامري.

 

نجيب طلال - فاس

 

حسن عبود النخيلة يستثير التأمل الميتامسرحي مجموعة من الاضداد لتحقيق ذاته التي تمثل المحور الثيمي البارز في النص، فكما ان الميتامسرح يقوم على التأمل الذاتي في تقديمه للمسرح المتأمل لذاته بوصفه موضوعاً لنفسه، ويتخذ من ادماج البعد النقدي مع الابداعي سبيلاً له، فهو ايضاً يقدم ما يعلو النص في تأمله وما يشكل كثافة النص الحية في مواضع تتميز عن سواها، فلو تفحصنا مستوى التضاد بين (الجبري والتحرري) فإن هناك ثنائية متضادة يمكن لمسها في مسرحية (آياس) لـ (سوفوكليس) وهي تدلل على تناغم غير منسجم – فتكون على الضد من المقولة الهيرقليطسية التي تشير إلى الانسجام في الأضداد – ففي المتضادين (الجبري) و(التحرري)، تفعيل للخاصية التأملية، إذ تبرز التحررية في مسرحية (آياس) مرتهنة بشخصية ألإلاهة (أرتميس) ابنة زيوس وتأتي التحررية من امتلاك عناصر القوة الكاملة، وإمكانات التنفيذ، في حين يكون مثال (الجبري) مرتبطاً بـ (آياس) الذي يكون أداة التنفيذ التي يستعين بها التحرري لإنتاج أفعال دموية مشوهة ومقززة وهذا ما يرجح علاقة الانفصال واللاتناغم بين الضدين :

(آياس: آه !آه !" آياس" ! من دار بخلده يوماً أن هذا الاسم يتناسب مع الشرور التي ابتليت بها؟ (......) أن ابنة زيوس ذات النظرة المتوحشة، هذه الإلاهة التي لا تُقهر قد جعلتني أتعثر، في اللحظة التي رفعت فيها ذراعي عليهم، بأن تعشش في قلبي غضبة جنونية أدت بي إلى أن اغمس يدي ّ في دم هذه الحيوانات، بينما هم يسخرون الآن منّي لأنهم أفلتوا منّي على الرغم مني واأسفاه لكن حين يريد الإله بك شراً، فإن اجبن الجبناء يفلت من أقوى الأقوياء)(1).

ولا تبقى فكرة الأضداد تدور في الفلك (الهيراقليطسي) وحده بل أنها تأخذ مداها عند (بارمنيدس) الذي ينظر إلى فكرة النسبية بمنظور جديد يقترن بمعطيات داخلية وليست خارجية - كما هي عند (هيراقليطس)- فإذا كان الأخير قد ارجع فكرة التغير الدائم وانعدام الصفات الثابتة في الأشياء إلى تركيبتها الذاتية، والى الأضداد المتنازعة فيها، فإن (بارمنيدس) نفى فكرة الحركة الدائمة وقال بالثبات، فما التغير المستمر لديه إلا محض وهم، كما أن (الكون لا يدور حقاً، على الإطلاق، وإنما هو ساكن سكوناً مطلقاً . إن التغير والحركة والتبدل لم تكن في نظره سوى أوهام مصدرها الحواس)(2).

وهكذا يُقرُّ أن منبع الحركة وتبدل الصفات يعود لمصدر داخلي هو الحواس الإنسانية التي تحاول أن تكيف الخارج بهيمنتها عليه، وبذلك تغيب حقيقته الأصيلة 

وبالتالي لا يعترف (بارمنيدس) إلا بما هو مدرك عقلياً، فكل ما تدركه الحواس هو وهم وخداع وهذا ما جعل فلسفته تتمركز في التمييز بين الحقيقة والوهم، والعقل والحواس وما ينتج عنهما من مركبات تترجم طبيعة كل منهما، حيث يمكن تثبيت العلاقة بين ثنائية (العقل /الحقيقة) - و (الحواس / الوهم) من خلال التركيبة التخطيطية الآتية، التي يُدرجها (غُنار سكيربك و نِلز غيلجي) :

(العقل/ الحواس = الوجود/ العدم = السكون / التغير = الوحدة / التعدد)(3).

إن هذه الثنائيات التي تعود في أصولها إلى ثنائيتين رئيستين هما (العقل) و(الحواس) واللتان يمكن حصرهما تبعاً للمخطط السالف بـ (العقل) = الوجود، السكون، الوحدة . و (الحواس) = العدم، التغير، التعدد . تعطيان تصوراً واضحاً عن متولدات الحقيقة ومتولدات الوهم من حيث أن الأولى ترتبط بـ(العقل) وان الثانية ترتبط (بالحواس) .

وبمراجعة مسرحية (آياس) سيكتشف القارئ بروز ثنائية العقل والحواس فيقدمهما (سوفوكليس) بطرح يشعر بالتوجه إلى الفصل بين الاثنين، وهذا ما يساند في تعزيز خاصية التأمل الميتامسرحي فـ(آياس) ينتج أفعاله عبر يقين عقلي يؤيد له مشروعيتها، ولكن حاسته البصرية كانت تريه ما هو وهم، وما هو متقاطع مع الفهم الذي بنى عليه المنطق العقلي قراراته، وبذلك يتحقق تصادم عنيف ما بين البصر الخادع وما بين المنطق العقلي المخدوع، ومن ثم يكون ما هو ساكن، متغير، إذ أن الصورة الحقيقية التي كانت تحيط بـ (آياس) هي صورة الحيوانات (وهي الصورة الساكنة العقلية) لكنها دخلت في نطاق المتغير بعد أن كساها الوهم بصورة الأعداء، أو أحلهم محلها، أولئك الذين كان يتحين (آياس) الفرصة للفتك بهم . وبعد أن يقع (آياس) فريسة لخداع الحواس يتكشف له مجدداً وضع (الساكن)، الذي هو في الأصل صورة الحيوانات التي أصبحت مجزرة أمام عينيه، وبذلك فانه ينتقل من الوجود إلى العدم . الوجود الطارئ الذي شكلته الأوهام البصرية، والعدم الذي هو انقشاع لتلكالصورة السابقة التي لم يعد لها وجود في الأصل .

والمُلاحظ، أن هذه الإزاحة المتبادلة بين الحسي والعقلي، وما يتولد عنهما من مركبات (الوجود_ العدم)،(السكون _ التغير)،(الوحدة – التعدد)، تعطي انطباعاً يشكل علامة ارتباط بالخاصية التأملية الميتامسرحية . والتي يتضح بروزها في نص مسرحيتي (آياس) و(أوديب ملكاً) لـ (سوفوكليس).

وبالإمكان رصد طرح فكري آخر لدى (بارمنيدس) يؤسس إلى ثنائية تأملية أخرى قوامها (الصورة) و(الفكر)، من باب أن الأولى معطى خارجي، وان الثاني معطى داخلي، فالثاني - (الفكر) - لدى (بارمنيدس) يتوجه إلى الأول (الصورة – الشئ) بقصد الاكتشاف والتعرف، ومن ثم يكون امتلاك الأول لمشروعية وجوده معتمداً على الثاني، وإلا سيظل في عداد الوهم المرتبط بالإدراك الحسي، يقول (بارمنيدس) بصدد ذلك (انك حين تفكر أو تتكلم، فأنت تفكر أو تتكلم عن شئ ما ويترتب على ذلك ضرورة وجود أشياء خارجية مستقلة تفكر فيها وتتكلم عنها . وهذا أمر يمكنك أن تقوم به في مناسبات مختلفة عديدة، ومن ثم فإن موضوعات الفكر أو الكلام ينبغي أن توجد دائماً)(4) . بهذا يؤسس (بارمنيدس) علاقة تبادلية وتفاعلية تلفت الانتباه إلى الفكر بوصفه مترجماً إلى مرجعياته الشيئية أو الصورية، ومن خلال العلاقة المتبادلة بين الفكر والشيء يتحقق الوجود الداعم الذي يساند الحقيقة ويزيح الوهم، وفي ضوء ذلك يضع (بارمنيدس) قانونه (القائل إن اللاوجود المطلق الخالي لا يمكن التفكير فيه على الإطلاق)(5).

في ضوء ذلك يكون الانفصام بين الصورة والفكر، علامة تأمل لهما، من حيث أن وجودهما على هذا النحو يكون عاملا جدلياً يسترعي الانتباه والتركيز، والمُلاحظ أن في المثال السابق لمسرحية (آياس) يتركز هذا الانفصام بشدة في العلاقة المتضادة الجامعة بين (الصورة – الفكر) وهو في الوقت نفسه يساند فكرة (الوجود – العدم)، وفكرة (الساكن – المتغير). فالفكر لا يقيم علاقته مع الصورة التي يُفترضُ أن يكون لها محل من الوجود، وبالتالي فانه علاقته تكون مع صورة استبدالية هي ليست الصورة التي يتوجه إليها، وبالتالي تدخل علاقة الارتباط الفكرية بهذه الصورة في مسار (المتغير والعدم) .

وقد تضامنت من زاوية أخرى أفكار الفيلسوف (ديمقريطس) مع بعض ما جاء به (بارمنيدس)

من أفكار، بصدد تمييزه بين (الوهمي والحقيقي) - الذي قدم له البحث أمثلة درامية -، فقد كانت (من أهم آرائه التمييز بين الأشياء كما هي عليه في حقيقتها، والأشياء كما تبدو لنا)(6). وأكد (ديمقرطيس) عبر مقولته هذه على التشكيك بالإمكانات البشرية في التوصل إلى فهم الحقائق، وهذه الاستحالة في التوصل إلى الحقائق تعود إلى المجهود البشري الذي ينصب على رؤية سطوح الأشياء في حين أن الحقيقة تغور في الأعماق، وهي ليست من اليسر أن يدركها احد، من هذا الباب يأتي قول (ديمقرطيس) (نحن لا نعلم شيئاً على انه حقيقي، لان الحقيقة تختبئ في الأعماق)(7).

وعلى صعيد آخر وفي المضمار نفسه الداعم للخاصية التأملية الميتامسرحية، هناك فكرة فلسفية لا تنشغل بتحديد المقاييس المتعلقة بالحقيقي والوهمي بل تسعى إلى رصد الأثر الفاعل الذي يتحدد من خلاله التمييز بين ثنائية المرئي واللامرئي، فالمرئي يدل على نفسه بنفسه، واللامرئي أثره من يدل عليه. هذه الفكرة لها تقريب وفهم خاص لدى الفيلسوف (لوكريتيس) الذي يثبت (إن أول الأشياء كلها هي قوة الرياح فهي عندما تثور تنقض على الموانئ وتقلب السفن الهائلة وتبعثر السحب (...) أن الرياح تزمجر بوحشية وهي تعوي بصوت أجش، وتغضب بزئير يهدد بالهول . فالريح إذن وهي قطعاً أجسام لا يمكن رؤيتها ... طالما نافست الأنهار الكبيرة التي هي أجسام يمكن رؤيتها، في أعمالها وأساليبها)(8).

وعبر ما يسوقه (لوكريتيس) من البراهين الدالة على تفوق اللامرئي وتمكنه من المرئي من خلال القرائن المثبتة للأثر الفاعل للامرئي – أي الاستدلال القائم على معاينة صورة الفعل التي هي علامة إحالة على منظومة الفاعل واستحضار له، وبرهنته على نفسه وتصريحه بحضوره وتمكنه، فيكون الأثر مزدوجاً - (اثر ملموس) قائم على سلطان الفعل (المُصَوّر)، و(اثر محسوس) يلمح ويلوح إلى جبروت الغائب (صورة الفاعل) – (غير المرئية)، ومن خلال الخاصية التأملية الناتجة عن هذه الثنائية، ومدى ما يمكنها تحقيقه من ارتباط مع الخاصية ذاتها التي يقوم عليها الميتامسرح، بوصف أن اللامرئي بحسب الممارسة الميتامسرحية يتخذ له بديلاً نيابياً عنه، وغالبا ما يلوح المرئي (النائب) إلى اللامرئي الذي يؤكد حضوره من خلاله .

ففي مسرحية (انتيجونا) لـ (سوفوكليس) تمثل الآلهة قوة (اللامرئي)، ولكن اثر فعلها يدلل عليها ويشير إلى تحديها للقوة الكامنة في المرئي - (كريون) وحاشيته . في ضوء ذلك تكون الرياح في مسرحية (انتيجونا) فعل من أفعال اللامرئي (الإلهي) الذي يُخضعُ المرئي لجبروته، - كما يتبدى ذلك في الوصف المروع الذي تقدمه شخصية (الحارس) لـ (كريون) مرتكب الآثم: (الحارس: ها أنا ذا أشرح لك . لما رجعت، وتحت طائلة تهديداتك المروّعة، كنسنا تماماً التراب الذي يُغطي الميّت، مسحنا قدر المستطاع الجثة التي تتحلل، ثم جلسنا على قمة الصخور، في مهب الريح، حتى لاتصل إلينا الرائحة الخبيثة التي تنبعث منها، وكل واحد منّا حرص على أن يكون جاره مستيقظاً، وانطلقت كلمات عالية ضد أولئك الذين يتأففون من هذه المهمة، وذلك حتى الساعة التي فيها يبلغ قرص ُالشمس كبد السماء ويشعل الجو . وفي هذه اللحظة هبت ريح عاتية فجاة فأثارت من الأرض خرطوماً من التراب، بليّة سماوية حقيقية غزت السهل وتخللت طُرق الغابة، وملأت السماء الشاسعة ببقاياها . وعانينا – وعيوننا مغلقة- المحنة التي أرسلتها الآلهة)(9).

كذلك يتجلى اثر اللامرئي باعتماده لبديل نيابي عنه، فينتج عن ذلك علامة تحيل إليه، والى علاقته بالمرئي، مما ينتج الخاصية التأملية، ويتضح هذا الأمر في (الغربان) التي تشكل انبعاثاً جديداً، ضمن رؤية جديدة، تؤيد حضور وسريان اللامرئي، فيصبح وجودها الدلالي متجاوزاً لذاتها متجهاً لاستحضار الآخر المختفي:

(تريسياس: (..) لقد كنت جالساً على مقعد العيافة القديم حيث استطيع أن ألاحظ كل فأل . فإذا اسمع اصواتاً مختلطة تصدر عن الطير التي كانت تصيح في نشاط مشئوم صيحات غامضة كأنها صيحات البرابرة (...) والمدينة تشقى بهذا الشؤم)(10).

كذلك الحال نفسه يتضح في مسرحية (ميديا) لـ (يوربيدس) حيث يتخذ اللامرئي (الإله) وسيطا له يتمظهر من خلاله، كما يتبدى في شخصية (ميديا) التي تكون كل أفعالها هي انعكاس لإرادة اللامرئي، والذي لا تكشف عن صورته إلا الخاتمة في هذه المسرحية، اي تلك اللحظة التي تكشف فيها القوى اللامرئية عن تدخلاتها جهرة عبر إرسالها لتلك العربة التي يسحبها التنين لتنقذ (ميديا) وتناصرها وهي في حالة الجرم الفادح .

وهذه الخاتمة تتضمن الخاصية النقدية الميتامسرحية، إذ يستغني (يوربيدس) عن الخطاب اللغوي الناقد ليستعيض عنه بالخطاب الصوري،الذي يمثل عمق الإشارة المُدينة للإله وارتباطه بالجريمة.

 

د. حسن عبود النخيلة

 

منذر الغزاليللكاتبة العراقية: ليلى عبد الواحد المرّاني

 مدخل: إذا كان الشعر نصّاً ذاتيّاً، منسلخاً عن واقعه، عماده التخييل، ولغته مخاتلة منزاحة ٌعن قواعدها، فإنّ النصّ السّرديّ –القصّة والرواية- هو نصٌّ موضوعيٌّ بالدرجة الأولى، يمتح مادّته من الواقع، عنصره التخييليّ يكمن في بنيته الكلّيّة، متمثّلاً في انثيال الأحداث ومصائر الشخصيات التي تحدّدها رؤية الكاتب.

والنصّ الأدبيّ على العموم نصٌّ متعدّد المستويات يستلزم، بالتالي، تعدّداً في مستويات القراءة. من هنا ستكون قراءتنا للمجموعة القصصيّة (رائحة الأمكنة)، للأديبة العراقيّة ليلى عبد الواحد المرّاني، في المستوى السرديّ، من حيث علاقته بالراوي من جهة، وعلاقته بالحدث من جهةٍ أخرى، وما يؤدّي إليه ذلك من إشاراتٍ إلى البنية الدلاليّة التي تمثّل غاية الحدث وجوهره.

بناء الحدث القصصيّ

يمكننا، منهجياًّ، تقسيم السرد إلى نمطين، حسب بنية النص والتقنيات التي استخدمها الكاتب، وهذا التقسيم منهجيٌّ بحت، لا يعبّر عن قيمةٍ، أو تفضيل أحد النمطبن على الآخر.

أولا: نمط السرد التقليديّ

حيث يتولّى فيه الراوي العالم بكلّ شيء سرْدَ الحكاية، متدخّلاً في كلّ تفاصيل النصّ السرديّ وجزئيّاته، يتصاعد فيه الحدث خطّيّاً من المقدّمة إلى الذروة، ثم النهاية وخاتمة القصة، ويهيمن فيه ضمير الغائب. وقد سيطر هذا الأسلوب على معظم نصوص المجموعة القصصية.

ثانياً: نمط السّرد الحداثي ّ

يتميّز الأسلوب الحداثيّ في السرد بظاهرة تعدّد الأصوات، سواءً بالحوار، أو المناجاة (المونولوج). وهذا النوع من السرد يمتاز بانزياح السّرد عن الوصف الخارجي متّجهاً إلى التراكم والزخم الداخليّين، ويقترن بالسّرد بضمير المتكلّم، الذي يسمّى الراوي المشارك، حيث تتولّى الشخصيّة الرئيسيّة سرْد الحكاية. نجد هذا النمط من السّرد في قصص: ساقطون، كريستال، نوارس تائهة، مطبّات...

بنية السرد

اتّخذ السرد في المجموعة القصصية (رائحة الأمكنة) مظاهر متعدّدةً تتوزّع بين السّرد المباشر الذي يَسِمُ أغلب القصص، والسّرد المشهديّ الذي يمهّد فضاء القصّ لحركة الشخصيات من خلال التركيز على العناصر الأساسيّة في الوصف المكانيّ أو الزماني، ويحدّد الملامح الاجتماعيّة والنفسية لشخصيّات الحكاية. ويمكننا تلمّس تلك المظاهر السرديّة على الأخصّ في نص "ضياع"، حيث استهلّت الكاتبة النصّ بتأثيثٍ زمانيٍّ- مكانيٍّ يدخِل القارئ ليس فقط إلى فضاء الحكاية وحال شخصياتها، إنما تتملّكه حالةٌ شعوريّةٌ يدخل معها، منذ مستهلّ القصة، إلى مسرح الحدث، يشعر بأنه يعايشها، ويفهم سلوكات شخوصها... "في ليلةٍ حالكة السواد، يزيدها وحشةً نباح كلابٍ سائبةٍ، يمزّق عتمة الليل الموحش... وبيوتٍ قديمة متهالكةٍ تحتضن بعضها كي لا تتهاوى، غارقةٍ في صمتٍ حزين".

وفي قصة نبتة شيطانية، أدخلتنا الكاتبة إلى مسرح الحكاية من خلال استهلال وصفيّ للمكان في غاية الروعة، إذ جعلتنا نقترب رويداً رويداً منه، كأننا نمشي رفقة  "الأستاذ ثابت" الذي تدخلنا أيضاّ في عالمه الغامض منذ الجمل الأولى، فهي لا تكتفي بالتأثيث المكانيّ للحكاية، إنما تشحن فضولنا في التعرّف على هذا الرجل الذي رافقناه منذ البداية، والذي ظلّ بالنسبة لعارفيه "الرجل الغامض"... "أصبح حضوره من الثوابت التي اعتاد عليها روّاد مقهى الواحة الذي يقع في نهاية شارعٍ طويل تحفّ يه أشجار الكالبتوس والدفلى، يخترق وسط المدينة منعطفاً إلى ساحةٍ ترابية واسعة اتخذها أولاد الحيّ ملعباً لكرة القدم. كان عليه أن يمرّ بهذه الساحة ويسمع تعليقات الصغار وضحكاتهم الصاخبة وهم يشيرون إليه...".

وتبلغ حداثة السّرد ذروتها الفنّيّة والجماليّة باستخدام نسق التضمين الحكائي، إذ يصبح السرد وحداتٍ سرديّةً متداخلةً في الوحدة السرديّة الأمّ، متعاضدةً معها ومرتبطةً بها ارتباطاً عضوياّ، دلاليّاً ووظيفيّاً، كما في قصّة "طوق الياسمين"، إذ تتداخل الحكايتان لتصبحا وجهين متقابلين متناقضين، يكملان قصد الكاتبة من النصّ انطلاقاٌ من مقولة الضدُّ يظهر حسنَه الضدُّ. فدوروثي، المرأة الإنكليزية التي تزورها بطلة القصة للعزاء بوفاة زوجها فلا تجد من مظاهر العزاء إلا صورةً صغيرة للزوج معلّقةً على جدار ضيّق يدلّ على إهمالٍ نفسيّ وعاطفي، بينما صور الكلب الكبيرة تحتلّ الجدران الأربعة. وعلى النقيض من ذلك، كانت خيريّة، بطلة الحكاية المقابلة، إذ "قصّت ضفيرتيها الطويلتين وهامت على وجهها تجوب الشوارع، تلاحقها اللعنات والإشاعات..." بعد موت زوجها.

أو نسق التضمين الذي يأخذ شكل الترصيع كما يسمّيه تودودورف حيث يتولّى التعبير عن محتوى الشخصية العميق وكوامنها النفسيّة أو رؤيتها للعالم، وقد اتّخذ هذا النسق السرديّ، في المجموعة القصصيّة، مظهر التضمين المرآوي على هيئاتٍ مختلفة، كهذيان بطلة القصة "ساقطون"... "انخلعت ذراعاي ونبت لي جناحان... تبخّر جسدي قطرةً قطرةً في الفضاء... أحلّق، عالياً أحلّق... ريحٌ عاتيةٌ تدفعني إلى الأعالي... أرى أبي محلّقاً يبتسم لي، يحيط به سرب طيورٍ ترفرف بأجنحةٍ كريستاليّةٍ شفيفة..."

وكذلك استخدامها تقنية المرآة معادلاً حسّيّا لأفكار البطلة في قصة "رقصة حبٍّ أخيرة"، حيث، وبمهارةٍ سرديّةٍ عالية استطاعت أن تتوارى خلف مرآة البطلة ومناجاتها الداخليّة لنقل رؤيتها الذاتيّة، دون أن ينكشف وجودها الخاصّ، أو تبدو دخيلةً على القصّة، فارضةً نفسها عليها وعلى القارئ.... "نعم، ماذا سيفعلون بها، هم يؤرشفون أيامهم وأعيادهم وحتى ضحكاتهم على أجهزتهم الذكيّة، لم يعد للصور الورقيّة حيّز في عالمهم الذي يلهث وراء كلّ جديد..."

وتتخذ تقنية الترصيع أشكالاٌ متعدّدةً في المجموعة القصصيّة رائحة الأمكنة، إذ يتمظهر بمظاهر شتّى، فإنّ الكاتبة، لا تني تبتدع تقنياتٍ سرديةً شبيهةً بالترصيع، غير أنّها ترصيعاتٌ مركّبةٌ، ذات أثرٍ تصويريٍّ عميق، متّخذةً من المهارة في الوصف واستثماره حتى الطاقة القصوى وسيلةً في بثّ رؤاها بأسلوبٍ ذكيّ، لا يقلّ جماله عن أهمّيّته الدلاليّة، حين تجمع بين صورتي المكان والشخصية في قصّة المهرّج... "عبر وصفٍ رائعٍ تظهر فيه ذات المهرّج نوراّ مشعّاً في عتمة غرفته، سعيدةً بالعطاء رغم تعبه، ممتلئةً بالناس رغم وحدته..."سعيدٌ هو لتلك السعادة الصغيرة التي يرسمها على وجوههم لزمنٍ قصير، حتّى وإن عاد بعدها وحيداً، متعباً إلى غرفته المعتمة... يقبّل وردة الصغير... ويقضم سندويشاً بارداً..."

بنية الزمن الحكائيّ

تنوّعت بنية الزمان في المجموعة القصصية بين البنية التقليدية، حيث يتصاعد الحدث في مسارٍ زمنيٍّ خطّيٍّ، وبنيةٍ حداثيّة، ينتقل فيه زمن الحكاية إلى نقطةٍ زمانيةٍ سابقة عبر استخدام تقنيّة الاسترجاع، كما في قصص ساقطون، نوارس تائهة... ، أو الاستباق إلى زمنٍ قادم عبر تقنية الاستشراف. في قصة المهرّج نقرأ: "سيخلع ملابس البهلوان، وسيعود ماشياً بتثاقل إلى غرفته الباردة...."

الزمن الحلزوني

تكشف بعض قصص رائحة الأمكنة عن مهارةٍ فنيّةٍ عالية لدى الكاتبة ليلى عبد الواحد المرّاني باعتمادها بنيةّ سرديّةً متطوّرةً فنّيّاً في استخدام تقنياتٍ سرديّةٍ عاليةٍ في بناء الحدث على مستوى بنية الزمن، حيث يخترق فيه القصّ فضاء الزمن الحاضر ليعود إلى زمنٍ آخر ماضٍ، ثمّ العودة إلى الزمن الحاضر... وهكذا يراوح زمن الحكاية بين حاضرٍ وماضٍ بحركةٍ صاعدةٍ- هابطة. نرى مثال ذلك جليّاً في قصة نوارس تائهة، حيث يراوح الزمن بين زمانين متداخلين، زمنٍ حاضرٍ محايثٍ للقصّة معاصرٍ لها، وزمنٍ ماضٍ. لكنّ روعة بناء الزمن القصصي تتكشّف بغاية الكمال في قصة ساقطون، حيث الانتقال الدؤوب بين طبقاتٍ زمنيّةٍ متفاوتةٍ في البعد عن زمن الحكي، زمنٍ راهنٍ محايثٍ للحكاية، وزمنٍ، أو أزمنةٍ ماضيةٍ تؤسّس لها، وتكشف بجملٍ قليلةٍ شخصيّة المحقّق المجهولة، وتدفع الحكاية خطوةً إضافية نحو التأزّم، يعود بعدها قليلاً للحاضر، ليرجع بعد سردٍ قصيرٍ إلى طبقةٍ زمنيّةٍ أخرى، كاشفاً عن عناصر جديدةٍ تضيف لشخصيّتي القصّة الرئيسيّتين، والرمزيّتين أيضاً، المحقّق والراوية، عناصر إضافيّة، موسّعاً بقعة الضوء الكاشفة لفضاء القصّة، ومضيفاً عناصر جديدة للرموز والإسقاطات الاجتماعيّة والسياسيّة التي تملكها تلك الرموز.

 تنوّع البؤر السردية

جمال السرد وروعته في (رائحة الأمكنة) تظهر أشدّ وضوحاً باعتماد الكاتبة بؤراً سرديّةً متعدّدة. فإلى جانب تمكّنها من الكشف عن عوالم شخصياتها عبر الحوار المباشر أو السرد الموضوعي والانطباعي في قصة ساقطون تتنوّع البؤر السرديّة بين الراوي العالم وبين الراوي المتكلّم، وبين العرض الحواريّ، وكذلك استخدام المناجاة (المونولوج) استخداماً يكشف للقارئ كوامن الشخصيّة ومعاناتها الداخليّة، دون أيّ تدخّلٍ من الخارج.

تبدأ قصة ساقطون بعرضٍ حواريٍّ قصير... "– كفى... أنزلوها"، ثمّ تنتقل بؤرة السّرد إلى الراوي العالم بكلّ شيء، لتعود إلى عرضٍ حواريٍّ طويلٍ نسبيّاً بين شخصيّة القصّة الرئيسيّة وشخصيّةٍ أخرى دعتها الكاتبة "رفيقتها المقرّبة" وظّفتها سرديّاً بشكلٍ مبهرٍ في عرض أفكار البطلة ومشاعرها؛ ثمّ يعود السرد إلى الراوي العالم، ليتناوب سرد الحكاية بين العرض الحواريّ والسّرد الموضوعيّ، لتدخل بعد ذلك الشخصية الرئيسية في هذيانها شارحةً حالتها الجسديّة ومعاناتها النفسيّة، في تبادلٍ مستمر لبؤرة السّرد حسب حاجة الكاتبة وقصدها ورؤيتها أيضاً، لندخل –قرّاءً- في حالة إيهامٍ عظيم بغياب الكاتبة وابتعادها عن حركة الشخوص، وبأننا إزاء عرضٍ حكائيٍ خالص، حتى نصل إلى  نهايتها التي تحمل رؤية الكاتبة وموقفها... "تلملم نزيف ريقها الناشف... تبصقه في وجهه دماً متخثّراً بالحقد والاحتقار...". نصل إليها معزّزين بقناعةٍ راسخة، بأنها النهاية الحتميّة، أو الوحيدة، من معايشتنا لحكايةٍ نابضةٍ بالحياة، متنوّعة البنى والأساليب السرديّة، استطاعت الكاتبة، وبمهارةٍ فنيّةٍ عالية، أن توهمنا بحياديّتها... ونجحت في ذلك أيّما نجاح.

البنية الدلاليّة

يلفت انتباه القارئ لنصوص المجموعة القصصيّة جماليّات الوصف وعمق الفضاءات والتصاقها بواقعٍ متخيَّلٍ يضيف للحدث أبعاداٌ غير ملموسة، وللشخصيّات عمقاً نفسياّ ووجدانيّاً، واللجوء إلى الترميز الذي تكشفه سيرورة الأحداث، أو تشير إليه. تلك الرموز التي حملتها بعض عناوين القصص ليكون العنوان مشاركاً أساسيّاً في عرض البنيّة الدلالية للنصوص، وهي بنيةٌ مأساويّةٌ في مجمل قصص المجموعة.

من تلك العناوين الموحية أشد الإيحاء، والحاملة لإسقاطات اجتماعية وأخلاقية على سبيل المثال لا الحصر: عفن، ساقطون، نوارس تائهة، صرخة قدم...

ويبلغ الترميز مداه في أنسنة الأشياء، بل وجعلها بطلة القصّة الوحيدة وراويتها، كما في قصّة كريستال، من خلال رصد حكاية صورةٍ مرسومةٍ على لوحةٍ من قماش، تتحكّم إرادة الفنانة بوجودها منذ البداية، ثمّ تملك قرار شكل هذا الوجود ومكانه، لننتظر، مع الصورة، وفي سردٍ شيّق، مسيرة هذا الوجود منذ لحظة الخلق الأولى حتى النهاية، في نصّ فلسفي يحكي حكاية وجودنا ذاته، وكيف تتحكّم بنا إرادةٌ أقوى من إرادتنا ورغباتنا وطموحاتنا، وتتقاذفنا صدفٌ متعاقبةٌ، لتقرّر مصيرنا صدفةٌ ما من بين احتمالات لا حدود لها، فنكون إمّا في صدر "صالةٍ كريستاليّة"، أو مرميّين في قبوٍ معتمٍ يأكله الغبار، وتحيط بنا عناصر أخرى رمتها صدفٌ أخرى حطاماً في الغرفة المعتمة، وكان لعربة الأطفال التي  جاورت اللوحة في مصيرها رمزيّةً كبيرة.

 إنّ هذا العالم التراجيدي الذي يطغى على فضاءات القصص، والنهايات المأساوية التي تحكم أغلب الشخصيّات، لا بدّ أنها اكتسبت ملامحها من تجربةٍ وجوديّةٍ وسيكولوجيّةٍ كامنةٍ في لا شعور الكاتبة، والمقصود بلاشعور الكاتبة هو اللاشعور الفردي والجمعيّ معاً. وبالتالي تكون نصوص المجموعة  صورةً لواقعٍ حكم التجربة الوجوديّة لمجتمعٍ واقعيٍّ عايشته الكاتبة في زمانٍ ومكانٍ واقعيّين، رسمته الكاتبة سرديّاً ببراعة فائقة، امتزج فيه الواقع بالخيال، بانسجامٍ تامٍّ، وتلاقحت في خضمّه الرؤى والبنى الفكريّة والنفسيّة بأسلوبٍ حكائيٍ متعدّد التقنيّات، من خلال شخصيّاتٍ مختلفةٍ، متباينةٍ من حيث موقعها الاجتماعي، وبنائها النفسيّ والفكريّ وميولها. لتنتج عن ذلك كلّه مجموعة قصصيّة ذات مبنىً حكائيٍّ بالغ التأثير.

 

منذر فالح الغزالي - ألمانيا

 

"لوسيفر الضمير السري للإنسان"

يتعمد الروائي العراقي محمد علي النصراوي في روايته " لوسيفر" الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت / عمان 2016، ان يثير اسئلة استفزازية، ملغومة، ملتبسة، اشكالية، هي من صميم الموروث الديني المشّكْل للذاكرة الجمعية، الذي يشتغل من خلال : الواقع / التخييل / الاسطوري، متلبسة برؤية مغالية " من قبل الروائي "، ومستندة على صوفية معتدلة " من قبل محي الدين القربائيلي "، والرواية مليئة بالشفرات والرموز والدلالات، وهذا يستدعي القيام بقراءة تدخل " غمار التأويل لتقتحم غمار نص بلا حدود، هو التناص، الكتابة المضاعفة، ما يسميه بارت (جيولوجيا كتابات) " 1، فألتناص هنا اصبح مفتاح قراءة لفك هذه الشفرات والرموز والدلالات، وذلك من خلال العودة الى المرجع – التناصي المضفور مع المتن السردي بانسيابية، عندئذ تتحقق القراءة المحترفة المتمكنة للنصَ، التي تكشف لنا ان سردية لوسيفر تحيلنا الى التخييل والى التاريخ بازدواجية اشتغالهما في السرد، وتبين لنا خلط الواقع بالخيال، وان التأويلية " تحتاج الى الخيال المتواصل في بحثها عن فائض المعنى " 2، بهذا يكون المتلقي قادراً على الاجابة عن التساؤلات التي تدور حول النص، لان الهدف من ما وراء الرواية هو لتعرية المسكوت عنه المتعلق بالمقدس الديني ومراجعة الاوضاع السوسيولوجية – السياسية اليومية التي تحدث والتي قد حدثت تحديداً، اما الازمنة فتكون فيها متداخلة في بعضها، بحيث لا يستطيع المتلقي ان يفرز الحاضر عن الماضي، ولا الماضي عن الحاضر، مما اعطى للتقنية السردية الحديثة المجال الواسع في استلهام اساطير الالهة كالاله " ديوس اوسيوس " و" سيدة النعم / باندورا "، مع تحوير طفيف في الاصل، هذا جعل العمل يقدم في خطاب سردي ابستمولوجي مكثف، قلما نجد مثله بذلك العمق والتنوع، وجعله كذلك كأن يمتلك وعياً ذاتياً بماهيته وصيرورته .

تتكون الرواية من ثلاثة اقسام، وكل قسم يحتوي على فصول، القسم الاول : ما جاء في منمنمات محي الدين القربائيلي / الصومعة – عقارب الليل – طلسم الكتابة – الرسيسة المقدسة – حامل الضياء – نشيد لوسيفر – ازقة المتاهة . القسم الثاني : توقيع الذات / الثغرة المظلمة – الجمرات السبع – الطاووس – المخاريق . القسم الثالث : تجليات محي الدين القربائيلي / استحضار باب القيامة – استحضار طيف – استحضار طيف شموس .

إن الرواية من بدايتها الى نهايتها تنحصر في نقطتين اثنتين هما :

- تقديس وتمجيد الكتابة والمعرفة . ان محمد علي النصراوي يفتتح الرواية بكلمات صوفية، تجتمع فيها الكتابة والمعرفة، يقول مخاطبا القارىء " إذا اردتَ أن تكون تلميذ معرفة، فما عليك إلا أنْ تدخل الكتابة عند مطلع الفجر .. فهي محرابك الذي يوصلك للخلود . "، لقد استعاض الروائي هنا عن عشبة كلكامش بـ الكتابة، فالكتابة = الخلود = الحياة، ليس هذا فحسب، بل تتصدر الفصول جمل مقتبسة او من وضع الروائي، تشيد وتبجل الذي يكتب على الورق، لكونه " اي الورق " يحفظ تاريخ الانسان والعالم، ويستعرض خلجات الانسان المختلفة، ففي التدوين يتحقق الخلود، " ان الادب يحمل لنا،عبر التاريخ، حقيقته، حقيقته الوحيدة : تلك التي تحمل اسم الكتابة " 3، وفي " طلسم الكتابة "، تصبح عملية الكتابة عنده تعويذة لطرد الشر عن الذي يمارسها " وقد سمي بطلسم الكتابة مهداة الى كل من يريد دخولها عند مطلع الفجر ومن يريد طرد الشر عنه – ص 27 الراية "، بل يصل بها الى الخلود في الذاكرة، لانها تقوم برفع النسيان عنه، واذا عرفنا ان كلمة طلسم : كلمة عربية صميمة، بموروثه الثقافي يحمل كل غامض مبهم مخيف مؤذي مخالف لشرع الله، ولكن هنا يشتغل عليها الروائي بمفهوم دلالي مختلف كليا عن مفهومها العام المتعارف عليه مرة، في احالتها الى ترياق، فالكتابة " على وفق هذا الطلسم ستكون البلسم الشافي لمن اراد دخولها – ص 25 الروية "، ومرة اخرى يضعها في سياقها العام، ولكن دون كلمة كتابة، حيث ينتشر الموت والخراب عندما يظهر بليعال " في وسط الطلسم ايذانا بسقوط قنابل عنقودية وهاونات وقاذفات فوق سوق شعبي في منطقة الشعب وحيِ الغزالية – ص 26 الرواية "، انه عصر ما قبل المعرفة، عليه ففي الكتابة سر البقاء .

- رواية اعتراف بانها رواية تكريس وتحقيق للذات والمكاشفة ازاء نفسها، وهذه تكون على شكل اسئلة استفهامية، في البداية قبل عنوان الفصل :

* صومعة الذات / هي الشكل الآخر لصحراء الروح . ص 9 الرواية.

* متى يمكن للإنسان ان يرى خريطة نفسه ..؟ ص 41 الرواية .

* متى يمكن للإنسان ان يكتشف ضميره السري ..؟ ص 53 الرواية.

* هل التدوين هو الوجه الآخر .. لعملية استدعاء الذات ازاء نفسها . ص 127 الرواية .

تبدأ الرواية، بقطع راس انسان، وتنتهي في مشاهدة حمامة بيضاء قد بنت عشها في الروزنة المفتوحة ما بين الغرفة وفناء الخان، معتمدة (اي الرواية) في السرد على تقنية المدوّنة او المخطوطة التي يعهد للراوي الكشف عنها، بعد ان اوكلت اليه مهمة " تحقيق مخطوطات ومنمنمات المولى الجليل محي الدين القربائيلي بعد ان وجدوه مقتولاً في صومعته التي اختارها بنفسه، والكائنة في خان الزوراء الذي يقع في وسط المدينة – ص 9 الرواية "، ويبقى سر مقتله غامضا، ملغزاً، الى ما قبل نهاية الرواية ببضعة سطور حينما يعلن الراوي عن سبب مقتله " قدم نفسه قربانا لمدينته المستباحة – ص 179 الرواية "، وهذا السبب لم يكن كافيا لقتله بل هنالك اسباب اخرى، سوف نكتشفها كلما توغلنا في المدوّنة، ومنذ البداية هنالك اشارة مشفرة ودلالة واضحة على ان احد اسباب قتله من قبل اصحاب الفؤوس والقامات الحادة، وطريقة القتل تدلل على ذلك، ونحن قد علمنا بان الراوي قد جعل الكتابة والمعرفة في منزلة التقديس، وخاصة الكتابة التي تبشر وتعمل على نشر الحرية ومحاربة الظلام باشكاله : الامية – المرض – الفقر – الجهل – استغلال الانسان لأخيه الانسان، لذا كان لابد ان يتبين" للجميع أ نَ الجناة قاموا بقطع رأس الضحية بسكين حاد النصل، وقد وضعوه على منضدة الكتابة المكتظة بالكتب القديمة والمخطوطات والاوراق المتناثرة ما جعل قسماً من تلك المخطوطات ملطخة بدم الراس – ص 9 الرواية "، وعليه منذ الان ولنهاية الرواية، سيكون حضور محي الدين القربائيلي من خلال مخطوطاته او من خلال العودة الى اقواله، والبطل المحوري فيها هو الراوي / السارد الذي يملا فراغات المدوّنة، رغم انه احيانا يعمل على ايهام المتلقي، مثل المدينة التي يروي فيها الوقائع والاحداث، لم يسميها بالاسم ولكن هي مدينة الروائي محمد علي النصراوي، مدينة كربلاء، التي اختار لها اسم قُربئيل الذي هو اسم كربلاء بالآرامية، حيث " قرب " تعني الحرم و" ايل " تعني الاله، فتصبح حرم الاله .

وللنهاية يبقى الراوي يتساءل مع نفسه مقحماً معه المتلقي في تساءله عن من هو الشيخ ؟، ففي السؤال يتجلى الاستحضار يتجلى الصوفي بالفاني " قل لي منْ أنت ايها الشيخ المدجج بالكلمات المتناسلة، التي تأكلها الوساوس، وأوهام الاحلام المتراكمة، لم تكنْ انت الوحيد في هذه الدنيا الفانية، سوف يأتي كثيرون غيرك، وربما يحملون الاسم ذاته، لكن اسمك هو مفتاحك الشخصي الذي تريد أنْ تبقيه سرا غامضا لدي الاخرين – ص 169 الرواية "، فــ محي الدين الكربلائي يمثل الانسان المطرود من السماء وذلك من خلال استعارة الراوي لأسطورة ديوس أوسيوس (المشابهة لــ اسطورة بروميثيوس / سارق النار)، وبهذا يعتبر الانسان قد خالف تعاليم الاله، عندها يقذف به الى الارض، ليترك وحيداً، ملعوناً، يواجه مصيره بمفرده، وحالما انفصل الاله عن الانسان اصبح يعرف باسم " ديوس أوسيوس " اله مقدس ومتعال في السماء، حسب استعارة الراوي، لكن المفارقة هنا هي في التحويل من آدم وبروميثيوس الى الشيخ، الذي يحاول بدوره التوحد مع الاله، والغاء المسافات التي بين الاله والانسان، من اجل الخلاص، ولكن المتلقي هنا يتساءل من خلال موروثه الديني المتراكم، اليس من قذف به الى الارض هو ادم؟! ففي النص المقذوف به هو محي الدين القربائيلي من قبل " ديوس اوسيوس " وليس الله؟، اذا، هل الشيخ امتدادا لــ ادم؟ تبقى الاجابة معلقة، ويبقى الحفر من قبل المتلقي في الذاكرة الدينية – الاسطورية - الثقافية الكونية من اجل معرفة البدائل الخيالية والواقعية .

اما " لوسيفر " الذي اصبح عنوانا للنص، والمحور الرئيس في العمل كله، نتعرف عليه من خلال مدونات ومخطوطات محي الدين القربائيلي، التي يستعرضها لنا الراوي/ المحقق، وعليه هنا لا يستطيع المتلقي ان يفكك ويؤول الرواية الا بالقيام بتفكيك اسم " لوسيفر "، عندئذ سوف تتكشف الشفرات والرموز له، ومعرفة الاسباب التي جعلت الروائي يذهب الى الاستعارة والتحوير والتناصّ في النصوص الاصلية للميثولوجيا وللأسطورة وللمعتقدات الدينية، ويعبر جوناثان كلر عن ذلك كالتالي: إن "التناص" يدفعنا الى تأمل النصوص السابقة بوصفها مُساهمة في شفرةٍ تجعل الآثار المتنوعة للمعاني امراً ممكناً . ان التناص بهذا يصبح أقل كاسم يطلق على علاقة عملٍ ما بالنصوص التي تسبقه منه كتعيين لمساهمته في الفضاء الخطابي لإحدى الثقافات : العلاقة بين أحد النصوص واللغات العديدة، او الممارسات الدالة لثقافةٍ ما،وعلاقته بتلك النصوص التي تربطه بإمكانات تلك الثقافة " 4، ومعنى هذا أن التناص / الاستعارة،هنا، ليس له سوى علاقة ضئيلة بــ لوسيفر، ولكن له علاقة أكبر واعمق بالطروحات الاخلاقية والدينية والسوسيولوجية والسياسية التي اراد طرحها الروائي في العمل، فان اسم " لوسيفر " كلمة لاتينية تعني (حامل الضوء)، ومصطلح فلكي روماني يشير الى " نجم الصباح " كوكب الزهرة المضيء، وهي ترجمة مباشرة للأصل الاغريقي الذي يعني (حامل الفجر)، اما في العبرية هيليل الذي يعني (المضيء – المتألق)، ويحمل نفس المعنى الميثولوجي لسارق النار (بروميثيوس)، لكنه تعرض لتبدل دلالي معرفي مع الزمن ليصبح من اسماء الشيطان، ورمزا للشر، ففي العقيدة المسيحية فان لوسيفر كان كبير الملائكة ولكن اخذه الغرور والكبرياء، فطرد من الجنة، ليتحول ويكون الشيطان . وفي سفر اشعياء 14 : 12 – 15 فان لوسيفر ملاك، ولكنه ارتكب خطيئة " كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح . كيف قطعت الى الارض يا قاهر الامم . وانت قلت في قلبك اصعد الى السموات . ارفع كرسي فوق كوكب الله . اصير مثل العلي . لكنك انحدرت الى الهاوية اسافل الجب "، اما في العقيدة الاسلامية فلا وجود لـــ لوسيفر، لان الشيطان هو من الجن وليس له علاقة بالملائكة كما في اليهودية والمسيحية، ولكنهم متفقون انه طرد من الجنة " واذا قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس كان من الجن ففسق عن امر ربه – الكهف : 50 "، هذا كله من جهة، واشتغال الروائي محمد علي النصراوي على اسم لوسيفر من جهة اخرى، كما جاء في مخطوطات ومنمنمات الشيخ محي الدين القربائيلي، حيث ما جاء به الشيخ عن لوسيفر يتوافق مع قول حزقيال النبي " انت الكروب المنبسط المظلل . انت خاتم الكمال , ملآن حكمة وكامل الجمال "، وهذا ما يدفعنا لمعرفة كيف يصف لوسيفر ذاته في احدى منمنمات الشيخ عن طريق الراوي :

" أنا " لوسيفر" وجه الملاك ابليس المتألق في السماء ..انا الجبار المتجبر في كل شيء، أنا الــ (لا) امام وجه كل النعم .. انا الخارج عن طوق الآلهة الذي يقف ضد الخنوع، أنا الإله الذي يخلخل أسس البناء، مخترقاً سياج الطمأنينة القابع في نفوسكم، وعندما تفيئون ستعرفون كم أنا امتلك تلك القوة الجبارة لأقودكم الى حتفكم متى شئت .. أنا " لوسيفر في داخل كل انسان – ص 51 الرواية "، والضمير السري المستتر .

هذا التداخل العميق ما بين لوسيفر والقربائيلي، يضعنا امام اشكالية ميتافيزيقية – دينية، يعبر عنه الشيخ مراد الهمايوني " فعرف نفسه وقال أنا الإنسان، وعندما عرف الخطيئة، قال (لا) عاليا امام القطيع، لكن القطيع قتلوه وقالوا هذا هو الشيطان – ص 73 الرواية "، وهذا يجعلنا نتساءل نحن بدورنا، من هو الانسان هنا لوسيفر ام القربائيلي؟ واذا كان المقتول هو القربائيلي فلماذا اطلق عليه اسم الشيطان وهو الِشيخ الجليل؟ ولماذا الكل يريد اصطياده " ص 23 "؟ .

ولعل المتلقي سوف يتساءل لماذا الروائي اوجد الشيخ الجليل مراد الهمايوني رغم اننا نطلع على ما يقوله القربائيلي من خلال مدونته التي يقرأها لنا الراوي ؟ هل هو الصوت الداخلي للقربائيلي؟ هل هو الداعم لا قوال الشيخ ؟وهو القائل عن نفسه اي الشيخ مراد الهمايوني:

انا زائر الملمات الصعبة اعرف حاجتك لي، لهذا قررت ان آتيك في هذا الوقت بالذات لأبين لك الأمر بشكل واضح، هل انك تستطيع الوقوف أمام محراب الكتابة وتصلي صلاتك الأبدية ..؟ إنَ (فرق الموت) ستقف لك بالمرصاد لتقبض روحك .. سوف ترسل شياطينها أنى ذهبت، ولكنها ستهرب منك وتخافك حينما تقف قبالة محراب الكتابة – ص43 " .

يتأسس جوهر رواية " لوسيفر " على منظومة اخلاقية وعلى رؤى مجتمعية وجودية تسعى نحو مجتمع مدني حر يمكن تصوره على صعيد المخيال الفردي، ثم ُيتركُ المتلقي ليقرّر اذا كان ثمة امكانية وجود مجتمع مثل الذي تحكي عنه الرواية او لا، ومدى امكانية تحقيقه مع الظروف التي يمر بها المجتمع، " غير أن التأكيد على الجانب التأويلي من جهة القارىء تجاه الرواية ما بعد الحداثية (على خلاف الحكاية المباشرة ذات الخاتمة والمثال الأخلاقي في الرواية الواقعية) له معنىَ عظيم الأهمية ينبع من أنّ جعل الرواية عملاً متطلباً وعصياً بعض الشيء على الفهم المباشر إنما يعمل على رفض الخواتيم والنهايات المقفلة المبسّطة للروايات الواقعية، الأمر الذي يتطلَب جهداً أكبر من جانب القارىء الذي غدا يلعب دوراً أساسياً في تقرير الغايات التي تبتغيها الرواية ما بعد الحداثية " 5، واننا لكي نكتشف المعاني الاصح والاعمق للنص، علينا ان نطبق المقولات كأدوات للتأويل،   ومثلا على ذلك عندما قام الروائي بتوظيف رقم الثاني عشر مع لوسيفر، فهو يضع المتلقي امام احتمالات متعددة، مختلفة، ولكل منها مدلول ومعنى ؟، فهل هو هنا اراد ان يربك المتلقي ام يعزز رؤيته ؟ ولماذا ركز على الرقم 12 ؟:

- خالقا نفسه بنفسه، إنَهُ حامل الضياء الاول في السماء ذلك الذي يبدد الظلام والعماء بنوره الازلي، ذلك الذي عُيِنّ له اثنا عشر وصياً . الرواية ص 49 .

- فيخرُ مجمع الآلهة الاثنى عشر بأجنحتهم العملاقة ساجدين أمامه . الرواية ص 55 .

- وهي التوراة مسطرة بنار سوداء على نار بيضاء منقوشة على اجنحة أوصيائه الاثنى عشر، الذين يحملون عرشه الذهبي الذي لا يدانيه أحد . الرواية ص 60 .

- خرج (لوسيفر) من عمق اللوحة وهو جالس على اثني عشر ضلعاً، نُقشت عليها اسماء أسباطه في تحقيق نواميسه الأرضية . الرواية ص 153 .

نحن نعلم ان في المعتقد الاسلامي، هنالك مقولة مفادها ان لكل نبي وصي، وبدورنا نتساءل لماذا عدد اوصياه اثنا عشر؟ وما دخل الآلهة الاثني عشر لكي يسجدوا له ؟ اذا علمنا ان وفقا للديانة الاغريقية القديمة والميثولوجيا هي ان الآلهة الاثني عشر هم من الآلهة الكبرى من مجموعة الآلهة، بينما في التوراة والقرآن هنالك اسباط وعددهم اثنا عشر وهم اولاد يعقوب بن اسحاق الذين اتت منهم طوائف اسرائيل، وهم ليس حّمْلة عرش، بالإضافة الى حواري السيد المسيح الاثني عشر، بالإضافة الى الائمة الاثني عشر في المعتقد الشيعي ...ما الذي اراده الروائي من طرحه للرقم 12 بتمثيله بــ : اوصياء " 6 " – آلهة – اسباط .

ولقد قام الروائي بالاشتغال على النص العجائبي الاسطوري الظاهر، وكان هو الواجهة للرواية، بينما في الحقيقة كان يشتغل على نص آخر مختفي وراء النص الظاهر، ومتوازي معه، نص يتميز بواقعية يومية، يستمد التاريخ العراقي المعاصر الذي مر به البلد، ومرت به مدينته كربلاء، يبدأ باحتلال العراق سنة 2003 والتي يسميها الواقعة " لقد وقعتْ الواقعة، ليس لوقعتها كاذبة – الرواية ص 42 " ونشوب الحروب الطائفية وانتشار فرق الموت التي اعدتها " أخوية السلام والعدالة "، ثم باستخدامه للتقنية السردية المتمثلة باستعارة التقطيع السينمائي والانتقال المفاجيء من مشهد الى آخر، يستعرض لنا فيه حرب الخليج الثانية / عاصفة الصحراء، ثم يستعرض لنا رايه من خلال الحوارات التي تدور بين الجنود حول صدام حسين الذي يطلق عليه ويعنون الفصل به اسم " الطاووس " الكابوس اليومي كما يسميه، وجعل قرينته سيدة النعم او باندورا وصندوقها الذي يضم كل شرور العالم 7، وما بين المد والجزر بين النصين، نطلع على عشرات الاسماء القديمة والحديثة لشخصيات واماكن (الجاحظ – مقهى حسن عجمي / الزهاوي / ام كلثوم – الالة كالي – الطائر زو – لينين – بروميثيوس – زيوس – نيتشه – جاك دريدا – ميشيل فوكو – هيجل – سقراط – افلاطون – بيكاسو – كاندنسكي – الحلاج)، بل حتى يستعير اسماء الكتب مقترنة بوضع البلد وما يمر به، وما وصل اليه حال الثقافة والفكر، والكتب المحروقة :

-وقع نظري على " جمرات التدوين "، راح الهواء يتلقفها بين اكوام النفايات، ثم رأيت " خريف البلدة " قد مزق غلافه وبقيت البلدة وحدها مهجورة، أما " سابع ايام الخلق " رايته مهملاً وقد تلطخ بدم الضحايا، بينما كانت " مدينة الزعفران " مركونة على رصيف المارة مهجورة هي الأخرى، ثم رأيت " جوائز السنة الكبيسة " تُعلن احتجاجها وهي غارقة في بركة من الطين 8 . الرواية ص 67 .

واخيراً اقول ان للرواية ما بعد الحداثية " تأكيد حقيقة أن الرواية نصّ إبداعي وليست شيئاً (حقيقياً)، إعادة استخدام أشكال اخرى من الكتابة، تأكيد دور القارىء في تأويل النص وتفسيره، إستبعاد النهايات المقفلة والخواتيم الحاسمة، تضمين اصوات المهمّشين الذين غالباً ما أستُبعِدوا من التيار الرئيسي للتاريخ وتمثّلاته المدوّنة " 9 .

 

أسامة غانم

...........................

الهوامش والاحالات

1 – تزفتيان تودوروف واخرون – في اصول الخطاب النقدي الجديد – ترجمة وتقديم احمد المديني، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1987، ص 6 التقديم .

2- بول ريكور – البلاغة والشعرية والهيرمينوطيقا، ترجمة : مصطفى النحال، مجلة فكر ونقد، الرباط، العدد16 / شباط / 1999 .

3 – في اصول الخطاب النقدي – المقتبس يعود لــ ستيفن نوردابل لاند،ص 60 .

4 – برندا مارشال – تعليم ما بعد الحداثة : المتخيل والنظرية، ترجمة وتقديم : السيد إمام، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2015، ص 166 .

5 – روبرت إيغلستون – الرواية المعاصرة : مقدّمة قصيرة جداً، ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي، دار المدى، بغداد 2017، ص 73 .

6 - لم يخبرنا القرآن الكريم أو الروايات أو التاريخ عن اسم كل وصي من أوصياء الأنبياء عليهم السلام، كما هو الحال في عدم الإخبار عن أسماء الانبياء جميعاً والذين يبلغون من بحسب الروايات مائة وأربعة وعشرين ألف نبي، إذ لم يذكر القرآن الكريم سوى أسماء عدد محدود من الأنبياء لا يبلغ الثلاثين...إلا أن المعلوم هو أسماء بعض الأوصياء لبعض الأنبياء ورد ذكرهم في الروايات مثل: يوشع بن نون وصي نبي الله موسى(ع)، وشمعون الصفا وصي النبي عيسى(ع)، وشيت بن آدم وصي أبيه النبي آدم(ع)، وسام بن نوح وصي أبيه النبي نوح(ع)، ويوحنا بن حنان وصي النبي هود (ع)، وإسحاق بن إبراهيم وصي النبي إبراهيم (ع) وآصف بن برخيا وصي النبي سليمان (ع)، وطبعا الامام علي عليه السلام وصي النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم .

7- قرر زيوس إعطاء البشر هبة أخرى من شأنها تغيير كل الخير الذى جلبته هبات بروميثيوس الأخرى .كانت هذه الهبة هي المرأة .أمر زيوس هيفاستوس أن يشكل مرأة جميلة من نيران مرجله، اعطاها هيفاستوس جسدها النارى والصوت أعتطها أثينا قوة التحمل والقدرة على الأبداع ثم أعتطها أفروديت آلهة الحب سحراً جذاباً حول رأسها وأعطاها هيرميس عقل صغير والسطحية فى التفكير . ثم سميت هذه المخلوقة الحسناء باندورا (التي منحت كل شيء) .أرسل زيوس باندورا الى ابيمثيوس شقيق بروميثيوس حامله صندوق مغلق مكتوب عيه ” لا تفتحه ” . كان ابيميثيوس حكيماً ولم يكن ليقبل هديه من الأوليمب وخاصه من زيوس، ولكن ما أن رأى باندورا حتى خلبت لبه وأصبح عاجزاً أمامها، لم يملك القدرة على مقاومة سحرها وتقبلها طائعاً راضياً وتزوجها .لكن ابيمثيوس رفض أن يفتح صندوق باندورا، لكن زوجته الحسناء أخذت تلح عليه أن يفعل من يدرى أية كنوز تختفى داخله .لقد صارت حياة باندورا جحيماً وهى تجلس طوال الليل الى جانب الصندوق تتخيل ما فيه . كانت هناك أصوات تناديها من داخله وتعدها بالسعادة المطلقة .كان الفضول يقتلها، وفي النهاية انتهزت باندورا فرصة غياب زوجها وفتحت الصندوق . وفجأة أظلم العالم وخرجت أرواح شريرة (الفقر، النفاق، المرض والجوع) من الصندوق، راحت المسكينة تدور حول نفسها فى ذعر محاوله اغلاق الصندوق فلم تستطع .في النهاية أغلقته ولكن بعد فوات الأوان، لقد ملأت الشرور العالم وتحولت جنة الأرض الى جحيم البشر، ولم يبق من الأرواح حبيساً فى الصندوق الا الأمل . ولذلك بقى الأمل فى قلوب البشر ليخفف عنهم الشرور والآثام التي تحيط بهم .بينما بروميثيوس معلقاً من قيوده على صخور جبل القوقاز، تحدث الى أوقيانوس وبناته، لقد كانوا جميعاً منزعجين من زيوس وأفعاله، الا أن بروميثيوس حذرهم من بطش زيوس وأوصاهم بالصبر فقريباً سنخلع زيوس من عرشه وما عليهم الا الانتظار .

8 – رواية " جمرات التدوين " مؤلفها محمد علي النصراوي، اما المجموعة القصصية " خريف البلدة " مؤلفها احمد خلف، ورواية " سابع ايام الخلق " مؤلفها عبد الخالق الركابي، وسيرة مدينة " مدينة الزعفران " مؤلفها عباس خلف، اما المجموعة الشعرية " جوائز السنة الكبيسة " فهي للشاعر رعد عبد القادر .

9 – الرواية المعاصرة : مقدمة قصيرة جداً – ص 74 .

 

 

حسين فاعور الساعديهذه القراءة لقصيدة  الشاعر الجزائري قدور رحماني غير مبنية على قاعدة نقدية مدعمة بنظريات تحليلية أكاديمية. وإنما هي ملاحظات قارئ عادي مبنية على ما فعلته به هذه القصيدة من ترددات وهزات جعلت قلبه يخفق، وعقله ينهض في جولة استطلاع ومشاهدة لركام ما نحن فيه.

منتصف الجرح هي المنطقة الأشد إيلاماً ما دام الجرح مفتوحاً وحتى بعد شفائه، وقد تكون مرحلة بعد البداية وقبل النهاية وأعتقد أن الشاعر قصد المعنى الأول والله اعلم.

أَحْرَقْـتُـمْ

قاموسَ الأفعال وقاموسَ الأسماء على شفتــي ..

وغَزَلْتُــمْ كم ســوطٍ مَسْمُـومٍ

يجلدنــي

ما بين غشاء النبض ومِحْبـَـرَتي ..

كلُّ الأطيار البِيضِ تُوَدِّعني ..

تتزاحم في ميناء الدمــع وتطعنني

بِرِمَـاحِ الشَّــدْوِ

فَـأَنْــثُــرُ ياقوتا ونجوما من عينيَّ وأوردتي ..

في ريش خوافيها وقوادمها

تبكي مدنٌ وقُــرًى

وجميعُ الألفاظ الـمَطْوِيَّــةِ في لغتــي ..

في هذه البداية التي لا لف ولا دوران فيها يخاطب الشاعر فاقدي الضمير الذين أحرقوا على شفتيه ما في اللغة من أسماء وأفعال وهو كل ما في اللغة بحيث لم يبق فيها شيء له دلالة.

في هذا الجزء من القصيدة يبدو جلياً أن الشاعر لا يحقد على طاعنيه ولا يكرههم لأنه مؤمن والمؤمن لا يكره، فقد خلط بين سهام الظالمين المسمومة وسياطهم المسمومة أيضاً وسهام الشدو المنبعثة من أجنحة الطيور البيضاء التي تحلق في ميناء دموعه...خلطها ونثر عليها لؤلؤاً من دموعه ودمه. لقد شعر بالتضامن مع هذه الطيور لأنها مثله تبكي ذات القرى وذات المدن والمطوي من لغته. الصور متزاحمة وكثيرة ومتشابكة كتشابك ألمه وشدو الطيور الذي حوّله الظالمون إلى بكاء.

أحرقتم في صدري كم قُــبَّــرَةٍ

كانت تتهيَّأ للطيرانْ ..

وسحبتم من دِيَـمِــي

كم ساقيةٍ كانت تتعــرَّى في نَهَــمِي

للــتَّــدْرُجِ والكَــرَوَانْ ..

أحرقتم جبة قلبي ..

يا قلبي تبكي وتوزع أدمعكَ الحـَـرَّى

مابين الإبـْـرَة والـخِيطانْ ..

أحرقتم رُمَّانا

يتكوَّر بين تنهد أوردتي الـمَسْكُوبَةِ والـخَفَقَانْ ..

وزرعتم كم من أغنيةٍ للـشُّــؤْمِ

تَـحُــومُ ، صباحَ مساءَ ، مع الغربانْ ..

الظالمون وقوى الشر لم يحرقوا اللغة، بأفعالها وأسمائها فقط وإنما حرقوا القُبّرة الساكنة قلب الشاعر. لماذا اختار القُبّرة لتسكن قلبه؟ القُبّرة طائر هادئ كما أعرفه وهو يفضل العيش في حقول القمح التي توفر له أفضل الظروف لبناء أعشاشه وللتكاثر. الشاعر لم يقل "تتأهب للطيران" من باب الصدفة أو لمقتضيات الوزن أو القافية أو ما شابه، وإنما لأنه فلاح، كما يبدو، ويعرف ككل ريفي يعيش في الطبيعة أن القبُّرة بطيئة الطيران إما للخداع أو لأنها لا تخاف من الإنسان فهي تطير في آخر لحظة وبعد أن نقترب منها كثيراً...هي فعلاً تتأهب للطيران ولا تطير مباشرة. والقبرة في رأيي هي رمز للحقول وبالذات لحقول القمح ونسميها في بلادنا "الزرعي". وهي طائر جميل وقريب للألفة.

القبرات التي في صدر الشاعر عندما احرقوها كانت تتأهب للطيران والقبرة عندما تطير تغرد وتغريدها جميل جداً وأقرب ما يكون للكلام. والشاعر هنا بواسطة التصوير الرائع يريد إبراز كبر الضرر الذي سببه له الأشرار. القُبّرة لم تكن ضحية الشر الوحيدة وإنما التَّدْرُج والكروان وهي من أجمل الطيور. هذا التحريض البارع على قوى الشر نجح لأن هذه القوى أحرقت أجمل ما يكون في حياة الشاعر.

الظالمون احرقوا "جبة قلب" أي قلب قلبه أو ما أحاط بقلبه من غطاء. هذه الصورة البارعة أضعفها البيتان اللذان جاءا بعد ذلك وكان بالإمكان الاستغناء عنهما في رأيي المتواضع:

(يا قلبي تبكي وتوزع أدمعكَ الحـَـرَّى

مابين الإبـْـرَة والـخِيطانْ ..)

هذان البيتان جميلان لوحدهما أما في سياق هذه القصيدة الغاضبة المنتفضة ذات الحشد والتركيز العالي فلا... وليت الشاعر استغنى عنهما.

الظالمون لعنهم الله وقبّحهم أحرقوا أيضاً ما تكور من رمان بين انسكاب شرايينه وخفقان قلبه. والله إن لطف الشاعر ورقته وإنسانيته لم تسمح له بالقول أنهم سفكوا دمائه وأحرقوها...يخجل عنهم وهم لا يخجلون. وليتهم اكتفوا بكل هذه الحرائق فقد زرعوا كم أغنية للشؤم لتظل كالنحس تحوم مع الغربان صباحَ مساء.

حولتم أضلاعي سفنا للغربة والمنفى

وسَلَالِـمَ للأحزانْ ..

وحضنتم بَيـْـضَ الدمـع وفيـضَ القمـع

وأعشاش الشيطانْ ..

جَفَّفْتُمْ كم نهــدٍ

بالشهد يُنَمِّــقُ خارطة الدنيا

ويـُـزَوِّقُ بيتَ الحب بنُــوَّار الـمَرجانْ ..

أحرقتم كم حقلٍ

يَتَطَاوَسُ فوق دمي .. يتحاور بالألوانْ ..

أحرقتم كل نِيَــاقِ حنيني .. كل رياحيني

ومَجَــرَّةَ أشواق تتزاحم في وَهَجِــي

كالنخل الـمُثمر في واحاتِ القِبلــة والغفــرانْ ..

في هذا المقطع الجميل والرائع كما في كل القصيدة تتوالى الصور التي يرسمها الشاعر بمهنية عالية وبألوان متناسقة وتتزاحم لتشكل لوحة صارخة ومدوية بما فيها من ظلال وأبعاد أو أعماق. الظالمون واصلوا حرائقهم اللئيمة فأحرقوا الحقل الجميل كالطاووس وأحرقوا الحنين الشديد في قلب الشاعر الذي يشبه حنين النوق وهو أشد أنواع الحنين. وأحرقوا، أحرقهم الله، كل الرياحين ومجرة أحلام الشاعر.

من بين هذا الركام ووسط هذه النيران يتبين لنا  أن الشاعر بفطرته الثورية لم ينتظر طويلاً وإنما رد على هؤلاء الظالمين وفي سياق القصيدة ذاتها مثبتاً لهم بالفعل لا بالقول أن قصدهم خاب وفشل فها هو ليس لم يكتف بالموجود من الأسماء والأفعال التي لم ينجح الظالمون في حرقها على شفتيه وإنما أقدم بجرأة وإبداع عل إثراء قاموس اللغة العربية بأفعال لم تستعمل من قبل اشتقها من أسماء متداولة وردت في القصيدة (يتطاوس من طاووس، تتعوسج من عوسج ويشرشفه من شرشف) هذه الأفعال السلسة وغير النابية لم أسمعها من قبل وقد دشن وروَّضَ قدور رحماني استعمالها لأول مرة في لغتنا العربية وهو في أتون ظلم الظالمين.

ما أجمل الصور في هذه الفقرة: أضلاعه سفينة وسلالم تحمل قلبه وما فيه من غربة ومنافي وأحزان. والحقول جميلة مزركشة كريش الطاووس. والدموع أعشاش مليئة بالبيض. وأشواقه مجرّات وحنينه حنين نوق حزينة.

في منتصف الجرح المفتوح أشمُّ بذورك ياوطني

تَتَفَتَّـقُ بين جذور النارِ ..

تُفَــرِّخُ أجراسا فوق الأحجارِ

وتنفخ في نبضي أغصانا داميةً

تتقاطر لاهثــةً

كشرايين الشفق المذبوح على الشطآنْ ..

تَتَعَوْسَجُ في حلقي..

تتعوسج في كتبي .. في أروقة النسيانْ ..

إني بجميع عروق القلبِ

أَسُــحُّ على هضباتك ياوطني

وأُقَـبِّل فوق سواحلك العطشى مُدُنا وأناملَ دامعــةً

كَبَقَايَا من عسلٍ تَتَلَعْثَمُ في الحيطانْ ..

أتذوَّق سُكَّرَ أمِّي

وَهْيَ تُـمَشِّطُ شَعري تحت ضفائــر داليــةٍ

وتـمد سواقيَ من ألحــان أصابعها

وصبايا أعمقَ في قلبي

من در الأنجــم في مــاء الأزمــانْ ..

في منتصف الجرح، وهي أشد المناطق إيلاماً، وفي وسط النيران المشتعلة يشم الشاعر ليس رائحة الحريق إنما بذور الوطن المتفتقة رغم كل المعيقات. هذه البذور تفرّخ فوق الصخور وتنفخ في العروق وتتعوسج في الحلق، وفي الكتب لتجعل الشاعر يذوب على هضبات الوطن ويقبّل مدنه الساحلية وكأنه يلعق العسل الذي يذكره بسكّر أمه وهي تمشطه تحت الدالية. مرة أخرى تزدحم اللوحات لتحول هذه القصيدة الرائعة إلى متحف يضاهي اللوفر بل ويتفوق عليه.

أستنشق في زهر الرمَّان حنينا

يَرْعُفُ داخلَ أوردتي كمصابيح الرُّهبانْ ..

وأقبِّل كم من داليةٍ في مئذنةٍ

تتدثّــر بالذكرى

وحنين  القمرِ الـمُغْــرَوْرِقِ في الأحضانْ ..

تبكي وتعانقني

وتـمد جدائلها المبحوحةَ فوق ظلال الوشم

زوابعَ من أَرَج  وَدَمٍ ..

تتسلَّق كالعُلَّيْـق أنين الأضلع والأجفــانْ ..

وطني ألقاك وتلقاني في منحدر المنفى

نتطاير مثلَ فَــرَاش النَّـزْفِ

يُشَرْشِفُه

بـرقٌ ودمــوعٌ  بين الخنجـر والشِّريانْ...

في هذه الفقرة الأخيرة وجدت ما يؤكد حدسي أن الشاعر القدير قدّور رحماني في هذه القصيدة لا ينطق عن هوى، وإنما يختار كلماته بقصد وعن سابق إصرار وترصّد وبعناية ودراية كاملة: فكلمة رمان مثلا لم ترد صدفه فللرمان دم يشبه دمنا والدليل على ذلك استعمال الشاعر لكلمة "يَرْعُف" التي تستعمل مع الإنسان عندما يسيل الدم من أنفه. ومتى يسيل الدم من الأنف؟ عادة في الحر الشديد أو في حالات الضغط المرتفع. ما هذا التكثيف؟ وما هذا الإبداع؟! كم هو جميل.

بعد كل هذه المعاناة وبعد كل هذه الحرائق التي يعيشها الشاعر، والتي أبى إلا أن يصفها بصور جميلة وعبارات تنقّط سمواً وأخلاقاً وذوقاً...وبعيداً عن الشتائم، ها هو الشاعر يلتقي بوطنه رغم أنف هؤلاء السفلة ولكن في منحدر المنفى في لقاء كلقاء الفراشات المشتاقة يشرشفه، أي يغطيه، برق اللقاء بين خنجر الحاقدين وشرايين الشاعر.

هذه القصيدة هي متحف من اللوحات المنسجمة والمتناسقة من يدخله يحتاج إلى ساعات طويلة ليستمتع وليشحن نفسه بالرغبة الجامحة لمحاربة الظلم والظالمين وليهب لنصرة المظلومين الشرفاء من ذوي القامات الشامخة كقامة قدور رحماني. تحية لهذا الشاعر الكبير أينما وجد وطالما وجد وبانتظار المزيد من درره.

 

حسين فاعور الساعدي

 

صلاح الدين اشرقيالأغراض الشعرية أنموذجا

مقدمة: لقد تعرض الشعر إلى مجموعة من التحولات بعد مجيء الإسلام، خاصة بالنسبة للشعراء المخضرمين الذين عاشوا فترتين شعريتين، فترة الشعر الجاهلي، وفترة الشعر الإسلامي، فقد كانوا في الجاهلية يمارسون نمطا شعريا معينا تَعوَّدُوا عليه، لكن لمَّا جاء الإسلام تغيرت بعض معطيات ومواضيع الشعر، وعلى الرغم من بقاء الكثير من مواضيع الشعر الجاهلي في الإسلام، إلا أن طريقة هذه المواضيع اختلفت، كما اختلف أيضا الهدف من هذه المواضيع، ومن الشعراء الذين نلمس لديهم هذا التحول في أشعارهم " حسان بن ثابت " الذي يعتبر شاعرا مخضرما، صنَّفه بن سلام الجمحي ضمن طبقات شعراء الجاهلية وبالضبط في شعراء القُرى العربية، وقد انطلق بن سلام في تصنيفه لحسان من الفترة التي بدأ فيها إبداع الشعر، وهي فترة الجاهلية.

غير أنه ما يَهمُّنا في هذا البحث هو شعر حسان الإسلامي والتحولات التي طرأت على مواضيعه، خاصة موضوعي (الهجاء والمدح) بوصفهما الأكثر اعتمادا من قِبل حسان في أشعاره الإسلامية، وقد اعتمدنا في تحليلنا لمظاهر التحول في شعر حسان الإسلامي على مستوى الأغراض الشعرية ـ وبشكل خاص غرضي المدح والهجاء ـ على قصيدة لحسان بن ثابت تُنسب إلى شعره الإسلامي، وهي قصيدة:

عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ                     إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلاَءُ

وقد قسَّمنا هذه القصيدة إلى ثلاثة مواضيع، موضوع تهديد حسان لقريش، وموضوع هجاء أبي سفيان، ثم مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يعني أن القصيدة تحتوي على هذه المواضيع فقط، وإنما هو تقسيمنا نحن بالنظر إلى طبيعة البحث، إذ ركزنا على المواضيع التي ظهر فيها التحول بشكل واضح، كما تطرقنا إلى الجدل الذي دار حول مقدمة هذه القصيدة بالدراسة والتحليل، بالاعتماد على بعض الآراء وكذلك بعض الأبيات الشعرية، وقد خلصنا في نهاية هذا التحليل إلى بعض النتائج العامة التي استنبطناها من تحليلنا لقصيدة حسان الإسلامية.

في تحليل مظاهر التحول

 بعد ظهور الإسلام أصاب الشعر تحولات على مستوى المواضيع الشعرية، إذ سيطرت بعض الأغراض الشعرية، وبالعودة إلى النموذج الذي نحن بصدد تحليله وهو شعر حسان بن ثابت، نلمس هذه النقلة في شعره الإسلامي بالمقارنة مع ما كان سائدا في شعره الجاهلي، حيث هيمنت على أشعار حسان مواضيع من أهمها (الهجاء وهو الأكثر ثم كذلك المدح)، وما يؤكد غلبة غرض الهجاء على شعر حسان الإسلامي ما جاء في طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي، إذ يقول: " وحدثني يزيد بن عياض بن جُعْدبة أن النبي لما قدم المدينة، تناولته قريش بالهجاء، فدعا حسان بن ثابت فقال: أهجهم، وائت أبا بكر يُخبرك ـ أي بِمعائِبِ القوم "، وقال بن جُعدبة في حديثه: " وأخرج حسان لسانه حتى ضرب به على صدره وقال: والله يا رسول الله، ما أحبُّ أنَّ لي مِقولاٌ في العرب، فصُبَّ على قريش منه شَآبِيبُ شرِّ، فقال رسول الله، أهجهم كأنك تنضحَهم بِالنَّبلِ" ، وفي هذا النموذج النصي تتبين لنا دعوة الرسول حسان بن ثابت التصدي لهجاء قريش تجاهه، أي تجاه الرسول بهجاء مضاد، وما يؤكد هذا المعطى أيضا القصيدة التي انتقيناها لتبيان مظاهر التحول في شعر حسان الإسلامي على مستوى الأغراض الشعرية، وهي القصيدة التي قالها يوم فتح مكة، وقد أُحيطَ بهذه القصيدة جدل كبير، وسببه مقدمة القصيدة التي يقول فيها حسان:

عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ                  إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلاَءُ

دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ                   تُعَفِّيهَا الرَّوَامِسُ وَالسَّمَاءُ

الخ، وهذه القصيدة كما نلاحظ تبدأ بمقدمة طللية تصل إلى عشرة أبيات تنتهي بوصف لمجلس من مجالس الخمر يشارك فيها حسان مشيدا بأثرها في شاربيها، متغنيا بما تحدثه في نفوسهم، وتبدأ كما قلنا من:

عَفَتْ ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ                   إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلاَءُ

وتنتهي هذه المقدمة عند قول حسان:

وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكاً                        وَأُسْداً مَا يُنَهْنِهُنَا الِّلقَاءُ

وقد تعددت الآراء في نسبة هذه المقدمة لأبيات القصيدة، فمن قائل بأن هذه المقدمة كان حسان قد نظمها في الجاهلية فلمَّا جاء الإسلام، وأراد حسان أن يَنظم قصيدة في مدح الرسول والدفاع عن الإسلام أكمل هذه المقدمة بالأبيات التي تلتها ، وحجتهم في ذلك، ما جاء في الخبر الذي يروي تَهجم حسان على فِتية من قومه، وجدهم يشربون الخمر وراح يُعيِّرهم بذلك، فقالوا: يا أبا الوليد، ما أخذنا هذا إلا منك، وإنا نَهِمُّ بتركها، ثم يمنعنا قولك:

وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكاً                    وَأُسْداً مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ

فرد حسان وقال: "هذا شيء قلته في الجاهلية والله ما شربتها منذ أسلمت " ، غير أنه لا يمكن التسليم بهذا الرأي، وعلى الرغم من تَخلي حسان عن شرب الخمر في الإسلام، إلا أنه لديه مجموعة من الأشعار التي تُنسب إلى شعره الإسلامي فيها ذكر للخمر، وبالمقابل يمكن إِغْنَاءُ هذا الجدل الذي دار بين النقاد ـ حول صحة هذه المقدمة من عدمها ـ بشاهد شعري لحسان بن ثابت من خلال إحدى قصائده التي تُنسب إلى الإسلام إذ يقول في هذه القصيدة:

هَلْ رَسْمُ دَارِسَةِ المَقَامِ يَبَابِ                مُتَكَلّمٌ لِمُسَائِلٍ بِجَوَابِ

قَفْرٌ عَفَا رِهَمُ السَّحَابِ رُسُومُهُ              وَهُبُوبُ كُلِّ مُطِلَّةٍ مِرْبَابِ

وَلَقَدْ رَأَيْتُ بِهَا الْحُلُولَ يَزِينُهُمْ             بِيضُ الْوُجُوهِ ثَوَاقِبُ الأَحْسَابِ

فَدَعِ الدِّيَارَ وَذِكْرَ كُلِّ خَرِيدَةٍ               بَيْضَاءَ آنِسَةِ الْحَدِيثِ كَعَابِ

وَاشْكُ الْهُمُومَ إِلَى الإِلَهِ وَمَا تَرَى          مِنْ مَعْشَرٍ مُتَأَلِّبِينَ غِضَابِ

وفي البيت الرابع من هذه القصيدة، كأن حسان يدعو الشعراء التخلّي عن المقدمات الطللية والتغزل بالنساء في نظم الشعر، وذلك في قوله فدع الديار وذكر كُلِّ خَرِيدَةٍ، والخريدة من النساء، هي البكر التي لم تُمس قط، حيث يَتضح لنا بأن حسان يحث على تَرك هذه المواضيع في نَظم الشعر، وبالمقابل التركيز على المعاني والمواضيع الجديدة التي أفرزها الدين الإسلامي، إلا أن هذه الطريقة مشهورة في كتابات الشعراء، فلا يمكن الأخذ بها كحجة يُعتمد عليها في عدم نسبة هذه المقدمة إلى قصيدة حسان، فهذا الأمر يحتاج إلى تمحيص دقيق لتفادي الأحكام المتسرعة، غير أنه يمكننا أن نُرجح نسبة هذه المقدمة إلى قصيدة حسان الإسلامية، ونقول بأنها قيلت في الإسلام، وذلك نظرا لضعف الحجج التي يقدمها القائلين بعدم صحة نسبة هذه المقدمة للقصيدة، وبالعودة إلى القصيدة النموذج التي انتقيناها للدراسة والتحليل، نجدها تبدأ ـ كما قلنا ـ بمقدمة طللية تَطرقنا إليها، والموضوع التالي لهذه المقدمة، هو تهديد حسان قريش بالغزو واقتحام مكة عليهم، ويبدأ هذا التهديد من قول حسان:

عَدِمْنَا خَيْلَنَا إِنْ لَمْ تَرَوْهَا                   تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ

وينتهي إلى قوله:

وَجِبْرِيلٌ أَمِينُ اللهِ فِينَا                      وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ

وقد لجأ حسان في هذه الأبيات ـ التي تصل إلى إحدى عشر بيتا ـ إلى لغة التهديد، وذلك إثر تصدي قريش للمسلمين الذين جاءوا لأداء العمرة، حيث توعد حسان قريش بالقتال بمختلف الطرق والأسلحة التي يمتلكونها لقهرهم في عقر دارهم، ويصف حسان في هذه الأبيات الحالة التي ستؤول إليها قريش عند غزو المسلمين لهم واقتحامهم مكة, وهي حالة فزع وهروب من أمام المسلمين، لكن على الرغم من تهديد حسان لقريش إلا أنه ترك لهم الفرصة للتفكير بالسماح للمسلمين دخول مكة، في قوله:

فَإِمَّا تُعْرِضُوا عَنَّا اعْتَمَرْنَا                  وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ

وقد واصل حسان تهديده قريش، لكن هذه المرة بسلاح أشد وأكثر فاعلية من الأسلحة الأخرى، وهو سلاح " جبريل عليه السلام " وتأييده للمسلمين، بما يأتي به من عون الله ومدده من الملائكة، ويظهر هذا في قول حسان:

وَجِبْرِيلٌ أَمِينُ اللهِ فِينَا                        وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ

وهذا السلاح يعتبر حاسما في الصراع بين قريش والمسلمين، لأنه ليس في حوزة قريش مما سيُرجح كِفَّة المسلمين عليهم، وقد خلص حسان في نهاية هذا التهديد إلى الإشادة بأنصار الرسول، بذكر شجاعتهم ودفاعهم عن الإسلام، أما الموضوع الثالث الذي تطرق إليه حسان في هذه القصيدة، فهو هجاء أبي سفيان بعد هجائه الرسول، ويبدأ هذا الهجاء من:

أَلاَ أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي                      فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ

إلى نهاية القصيدة التي يقول فيها حسان:

لِسَانِي صَارِمٌ لاَ عَيْبَ فِيهِ                   وَبَحْرِي لاَ تُكَدِّرُهُ الدِّلاَءُ

وقد انتقل حسان في هذه الأبيات الشعرية الأخيرة من القصيدة إلى غرض جديد، حيث بعد تهديده لقريش وتوعدهم بالفتح، تصدى حسان لهجاء أبي سفيان للرسول بهجاء أقوى وأشد أثرا، إذ قصد حسان من هذا الهجاء أن يكشف حقيقة أبي سفيان قائد قريش، فقد طعن حسان  صفة القيادة هذه التي مُنحت له فأبانه في موقف الضعيف الجبان المنهزم، بعد أن ادعى الشجاعة والزعامة، وقد عيَّر حسان أبا سفيان بحادثتين كان لهما أثر ووقع كبير في نفس أبي سفيان وكذلك قريش وهاتين الحادثتين هما:

حادثة فراره يوم بدر، وما لحقه من جرَّاء ذلك من جُبن وخِزِي ومذلة، ويظهر هذا في قول حسان ( بأن سيوفنا تركتك عبدا ) وهو ما حدث يوم بدر

ثم حادثة يوم أُحُدْ حين سقط حملة اللّواء من قريش، حتى آلت حمايته للنساء، حيث يقول حسان (وعبد الدار ساداتها الإماءُ)، وبعد هذا الطعن في مكانة أبي سفيان وزعامته، انتقل حسان إلى الطعن في قيمته الشعرية، فأهاجيه للرسول لن تصيب هدفا نظرا لدفاع حسان عن الرسول بأهاجي أقوى شاعرية وتأثيرا في النفس، وذلك ابتغاء الثواب من الله عز وجل، حيث يقول حسان:

هَجَوْتَ مُحَمَّداً فَأَجَبْتُ عَنْهُ                     وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ

ويتضح لنا من خلال هذا البيت مظهرا من مظاهر " تحول " غرض الهجاء في شعر حسان الإسلامي، بالمقارنة مع شعره الجاهلي، فتوظيف حسان للهجاء في الجاهلية كان ردّا على صراعات شخصية بين حسان وشاعر آخر، أو بين قبيلة حسان وهي الأوس، وبين قبيلة الخزرج، في حين أن هجائه في الإسلام اتخذ سياقا مغايرا إذ انتقل إلى دفاع عن الدين وعن حامل رسالة هذا الدين محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن الهجاء في شعر حسان الجاهلي كان " بالسَّب والشتم " الذي يصل إلى درجة هتك عِرض المَعني بالهجاء، كما اتسم أيضا بـ " الكذب " من خلال وصف المهجو بصفات ليست حقيقية وبأفعال لم يقم بها، أما في الإسلام فقد تخلَّى حسان ـ إلى حد كبير ـ عن هذا الأمر وتحلّى بالصدق في هجاء أعداء الدين والرسول، كما نلمح ذلك في القصيدة التي نحللها، حيث قام حسان بهجاء أبي سفيان بصفات حقيقية وبأفعال قام بها في الواقع، وما يؤكد التزام حسان الصدق في هجائه خصوم الدين والرسول في الإسلام، السؤال الذي طرحه عليه أحد الأشخاص، قائلا:

" لان شعرك أو هرم في الإسلام يا أبا حسان "، فأجابه حسان بقوله: " يا ابن أخي إن الإسلام يحجِز عن الكذب، وإن الشعر يُزينهُ "، ويريد بذلك ما يدخل الشعر من المغالاة وتجاوز الحقيقة، وهو ما يعارضه الإسلام ويتصدى له بكل السبل ، وقد تخللت هذه الأبيات الأخيرة التي يهجو فيها حسان بن ثابت أبا سفيان بيتا شعريا في غرض " المدح "، إذ يقول حسان في هذا البيت:

هَجَوْتَ مُبَارَكاً بَرّاً حَنِيفاً                        أَمِينَ اللهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ

وهذا النموذج النصي من القصيدة يُظهر لنا جليا تحول المدح في أشعار حسان الإسلامية، بالمقارنة مع المدح في شعره الجاهلي، ومن النماذج النصية التي تُظهر لنا المدح في شعر حسان الجاهلي، البيت الشعري المعروف لحسان، يمدح فيه بني جَفنة من غَسَّانْ ملوك الشام، حيث يقول حسان في هذا البيت:

يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ          بَرَدَى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

وقد قال بن سلام الجمحي عن هذا البيت، إنه من أجود وأروع ما قاله حسان في الشعر ، وإذا أجرينا مقارنة بين مدح حسان للرسول، ومدحه للغساسنة نجد هناك اختلاف، فمدحه للرسول يتركز حول القيم الأخلاقية والخصائل الحميدة التي يتسم بها النبي صلى الله عليه وسلم، مثل: (الأمانة والوفاء.... )، أما مدحه للغساسنة فالهدف منه هو، " التَّكسُّب " بالدرجة الأولى، ففي هذا البيت لجأ حسان إلى مدح الغساسنة بعد أن أكرموه وأغدقوا عليه النِّعم والعطايا، بمعنى أنه مدح من أجل نيل الأجر المادي، في حين لا يستقيم هذا الأمر مع مدح الرسول، فلا يمكن أن يمدح حسان النبي بهدف التَّكسُّب، وبذلك انتقل المدح من هدف نيل الأجر المادي (في شعره الجاهلي)، إلى هدف الحصول على الجزاء الإلهي (في شعره الإسلامي)، وعليه يظهر لنا جليا تحول غرض المدح في شعر حسان الإسلامي، بالمقارنة مع شعره الجاهلي، هذا التحول الذي اعتبره مجموعة من النقاد سببا رئيسيا في ضعف وليونة شعر حسان الإسلامي، وما يؤكد هذا الأمر ما نجده في " الموشح " للمرزباني، حيث جاء فيه ما نصه: حدثني عبد الله بن يحيى العسكري، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الصمد، قال: حدثنا الكرانيُّ، قال: حدثني العباس بن ميمون طابع، قال: حدثني الأصمعي، قال: " طريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لانَ، ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره في باب الخير ـ من مراثي النبي صلى الله عليه وسلم وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم ـ لانَ شعره "، فالأصمعي يرى أن سبب ليونة شعر حسان دخوله في باب الخير، لكن يجب أن نعرف ماذا قصد الأصمعي باللين، هل قصد به انتقال شعر حسان من الخشونة إلى اللَّطافَةِ، أم قصد به ضعف شعر حسان في الإسلام، وحتى لو قصد باللين " الضعف " فإن الحجة التي يُقدمها لا تمتلك القوة الكافية للأخذ بها، وقد تصدى لهذه الآراء القائلة بضعف شعر حسان بعد الإسلام مجموعة من النقاد، أمثال: شفيق عبد الرازق وآخرون في كتاب " من روائع الأدب الإسلامي "، حيث قالوا: إنه ليس صحيحا ما يُقال من أن شعر حسان ضعف ولان بعد إسلامه، لتأثره بمعاني القرآن، فمعاني القرآن أثرت تأثيرا بالغا في شعر حسان حيث أمدته بمعاني جديدة، لم تكن موجودة أو متداولة في الشعر الجاهلي ، فهم عكسوا هذا التصور القائل بضعف شعر حسان بعد مجيء الإسلام، واعتبروا أن المعاني الجديدة التي أفرزها الدين الإسلامي شكلت نقطة قوة لشعر حسان وليست نقطة ضعف، والنقاد القائلين بضعف شعر حسان في الإسلام ـ من بينهم نقد الأصمعي الذي عرضناه ـ ينطلقون من أحكام القيمة، فهم يصرحون بضعف شعره الإسلامي لكنهم لا يقدمون حججا منطقية تكشف لنا طبيعة هذا الضعف، هل من حيث الصياغة الفنية، أم من حيث المواضيع، أم من حيث المعجم، وهناك عناصر متعددة في القصيدة يمكن الانطلاق منها لإظهار الضعف في شعر حسان الإسلامي، لكن الشيء الوحيد الذي يمكن الاتفاق عليه، هو " وقوع التحول في شعر حسان الإسلامي " بالمقارنة مع شعره الجاهلي، من حيث الأغراض الشعرية على الأقل، وخاصة على مستوى غرضي ( الهجاء والمدح )، وعلى الأقل أيضا من حيث القصيدة التي حلَّلناها، لكن هل هذا التحول أدى إلى ضَعف أشعار حسان بن ثابت الإسلامية أم لا فهذا إشكال آخر يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل.

خاتمة

بعد هذا التحليل للقصيدة، يتضح لنا " تحول " مواضيع شعر حسان الإسلامي، وبالخصوص موضوعي الهجاء والمدح، وفي القصيدة لمحنا سيطرت مواضيع لها علاقة وطيدة بالدين الإسلامي، ومن هذه المواضيع توعد حسان قريش بالحرب والقتال بعد عدم سماحهم للمسلمين دخول مكة، وهذا الموضوع مأخوذ ـ طبعا ـ من الظروف التي عاشها حسان في الحياة الإسلامية الجديدة، كما لاحظنا أيضا حضور الهجاء بقوة في هذه القصيدة وقد جاء هذا الهجاء في سياق التصدي لهجاء أبي سفيان للرسول بهجاء أقوى وأشد، يعتمد بشكل كبير على الصدق في التعبير، حيث لجأ حسان إلى هجاء أبي سفيان بصفات يتحلَّى بها حقيقة، مثل: ( الجبن، الضعف، الانهزام.... )، ثم بأفعال قام بها في الواقع، وعليه تخلَّى حسان ـ إلى حد كبير ـ عن الاتهام الباطل الذي كان سائدا في هجائه لأعدائه في الجاهلية، كما حضر المدح في القصيدة، وقد رأينا كيف انتقل المدح من " التَّكسب " إلى وصف الأخلاق والشِّيم التي عُرفت على الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا كله دليل على غلبة مواضيع مأخوذة من البيئة الجديدة التي أفرزها الإسلام، كما أنه دليل أيضا على حدوث نقلة في غرضي المدح والهجاء في أشعار حسان الإسلامية، بالمقارنة مع أشعاره الجاهلية.

 

صلاح الدين أشرقي

باحث في سلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول

........................

الهامش

1) طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، السِّفر الأول، قرأه وشرحه، محمود محمد شاكر، ص: 215

2) ديوان حسان بن ثابت، الجزء الأول، حققه وعلق عليه، الدكتور وليد عرفات، دار صادر، بيروت، ص:65

3) طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، السِّفْرُ الأول، قرأه وشرحه، محمود محمد شاكر، ص: 217.

4) ديوان حسان بن ثابت، مصدر سابق، ص: 65.

5) نفسه: ص: 65

6) من روائع الأدب الإسلامي، شفيق عبد الرازق وآخرون، جامعة الأزهر، ص:77

7) أدب صدر الإسلام، محمد خضر، لبنان، الطبعة الأولى، 1981م، ص: 327

8) ديوان حسان بن ثابت، مصدر سابق، ص: 128

9) نفسه، ص: 66

10) نفسه، ص: 65

11) نفسه، ص: 66

12) نفسه، ص: 66

13) من روائع الأدب الإسلامي، شفيق عبد الرازق وآخرون، مرجع سابق، ص:94

14) ديوان حسان بن ثابت، مصدر سابق، ص: 66

15) ديوان حسان بن ثابت، تحقيق، سيد حنفي، ص: 27

نقلا من: من روائع الأدب الإسلامي، شفيق عبد الرازق وآخرون، ص: 74

16) نفسه، من روائع الأدب الإسلامي، ص: 74

17) ديوان حسان بن ثابت، مصدر سابق، ص: 66

18) طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، مصدر سابق، ص: 218

19) نفسه، ص: 218

20) الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر، للمرزباني، تحقيق، علي محمد البجاوي، نهضة مصر للطباعة والنشر، ص: 83

21) من روائع الأدب الإسلامي، شفيق عبد الرازق وآخرون، ص: 75

 

محمد سعيد محفوظ مقدمة: هذه الدراسة تُعد واحدة من الدراسات القلائل التى تسعى بدأب ما وسعها السعى لتجعل العلوم وحدة واحدة تخرج من مشكاة واحدة، تنبعث من منبع لا غير، ومأم ذلك الذكر والحذف، وعلى ذلك، نتلو عليكم ما تيسَّر من أهداف الدراسة:

تقوية العلاقة بين البلاغة والعلوم الأخرى ولفّهما بإسار واحد وبسوار وحيد، لا انفكاك بينهم.

علوم اللغة العربية تآزر واتفاق، لا تناحر وانشقاق .

الربط بين المصطلح البلاغى قديمه وحديثه، تليده وطريفه .

ربط المفهوم التنظيرى بالجانب التطبيقى العلمى .

منهج الدراسة:

المنهج التحليلى الوصفى:

حيث عماد وقوام هذا المنهج هو شرح وتوصيف وتحليل ظاهرة الذّكر والحذف.

حدود الدراسة: علاقة ظاهرة الذّكر والحذف –فقط دون سواها من علوم البلاغة العربية-بعلوم العربية.

الذكر والحذف: تأصيل وتقييم

أولاً- الذكر والحذف لغة واصطلاحاً:

الذكر:

يقال: ذكر الشىء ذِكْرا، وذُكْرا، وذِكْرى، وتَذْكارا، أى حفظه واستحضره وجرى على لسانه بعد نسيانه، وأعلمه ولم يضيعه وأظهره وأعلنه، ومنه الذاكرة، أى استذكار المعلوم فى الذهن(1) ومنه الذكرة أى ضد النسيان، والذكر: الصيت والثناء والتذكرة، ما تُستذكرُ به الحاجة(2)، على هذا الأساس دارت معانى الذكر، وتراوحت مرادفاته فهو، الإظهار والإعلان وهومدعاة للمحذوف، وبه يعلم ويعرف ويدرك المحذوف، فهو واسطة له وجسر له ودليل عليه ولا يبعد المعنى الاصطلاحى كثيرا عن المعنى اللغوى، فهو فى اصطلاح البلاغييين، ما تقوم عليه القرينة، وهو الأصل فى الكلام لما يضيفه من " تثبيت للمعنى وتوطيد له فى النفس، ويكون فى ذكره فضلا عن ذلك معان لا تستفاد إذا حذف "(3) هكذا اتفق المعنيان وتجاوبا معا.

الحذف:

يقال فى ذلك أيضاً: حذف الشىء أى قطعه من طرف، وحذف الشىء أى طرح من الكلام، والحِذفة: القطعة المحذوفة من الثوب ونحوه، وحذف الخطيب الكلام، أى هذبه وصفاه، وفى اصطلاح العروضيين، الجزء الذى سقط(4) و(حذف) الشىء إسقاطه(5) ويأتى المعنى الاصطلاحى ليؤكد المعنى اللغوى فهو اصطلاحيا، طى المسند أو المسند إليه وذلك فى البناء الظاهرى للجملة، ولكنه موجود فى ذهن السامع والمتلقى، كما هو موجود لدى المبدع وهو السكوت عنه شكليا، وتتسع مصطلحات الذكر والحذف اتساعا يستوعب كل المسميات والأطروحات التى ترامت وتسامعت بها الآذان فالذكر والحذف نعنى به الإظهار والإخفاء، الطى والجلى، الإعلان والإضمار، الكلام والصمت، الحضور والغياب، الأصل والفرع، المثالى والمنحرف، الملاء والخلاء، القوة الكلامية والقوة اللاكلامية، إلى غير ذلك من المفاهيم والعناوين التى تحمل مضمونا واحدا مؤداه، أن ثمة ذكرا هنا، وثمة حذفا هنالك، ولما كان الحذف خروجا على سمت المألوف من الكلام ولما كان الحذف جذبا للانتباه وإثارة له وتشويقا للسامع المتلقى، ولما كان الحذف- أيضا- اختصارا وتخفيفا وإيجازا كانت العرب إليه أميل وفيه أرغب، وقلما يخلو عمل أدبى منه، إذ هو للنفس أجذب.

والحذف " خلاف الأصل- الذكر- ومن شروط حسنه أنه متى أظهر المحذوف زال ما كان فى الكلام من البهجة والطلاوة، وضاع ما تشعر به من جمال "(6).

ثانياً- أهمية الذكر والحذف فى إيصال المعنى:

للذكر بلاغته، لذا يقتضى المعنى وجوده، وللحذف بلاغته، ومن ثم يتحتم وجوبه، وبين هذا وذاك قرائن ودلائل ملزمة على تمام المعنى وكماله وقد أقر البلاغيون ومعهم النحاة بأن الذكر ذو قيمة- أية قيمة- جليلة فى ترسيخ المعنى فهو إذ راح يؤتى به لزيادة تقرير المعنى وإيضاحه، كما فى قوله أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (البقرة:177)، كما أنه يزيد الكلام بسطة كما فى قوله وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا (طه:17)، كما أن ذلك يثبت المعنى فى نفس السامع ويؤكده ويقويه، حيث يقول عزَّ من قائل وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (الإسراء:85) والذكر أيضا آكد فى المعنى ولو فتشت فى أسباب الذكر لوجدتها منصبة ومركزة على وصول المعنى لدى السامع إذ هو محورها وعمودها الفقرى ومن ذلك، أن الذكر يأتى لداع خطير، إنه ضعف التعويل على القرينة، فالمبدع حينما يدرك أنه بحذفه وإسقاطه كلاما ما فإنه لاشك أدخل إبداعه ههنا دائرة الغموض والإلباس والتعمية بالتالى فلا مغنم ولا فائدة ترجى منه، فيقصد إلى الذكر ويذكر ما يخشى من عدم فهمه معنى ومبنى أضف إلى كل ما سبق وقيل، السياق، سياق المقام والحال، فالسياق وحده، وحده فقط يرغم المبدع على الذكر والحذف، فهناك سياق المدح والثناء والفخر والرثاء والإشارة بالمناقب والمآثر، لذا يكثر الذكر ويشتد، حتى تبدو المعانى واضحة جلية فى النفوس هذا عن الذكر. أما دواعى الحذف، فتأتى أيضا بغية الاختصار وبعداً عن الملل والسأم والثقل (السمعى)، وكراهية الإطالة والكلام الممجوج الذى لا غناء فيه، أى إن الحذف دوما للتركيز على المعنى المراد والرسالة المراد توصيلها لدى المتلقى المستمع ولولا هذا، لما أتى به، فالحذف والذكر وجهان لعملة واحدة كلاهما مبتغاه المعنى ومقصده وموئله ويأتى فيما يأتى- للبيان بعد الإبهام ومنه حذف مفعول المشيئة، كما فى قوله وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ (البقرة:20) ويأتى للعلم بالمحذوف، لوجود قرينة دالة عليه وهذا هو أساس الحذف، إذ لولا تلك القرينة لما جاء الحذف إذ لذهب الكلام وذهبت طلاوته ولفه الغموض واكتنفه الإلباس، وكأنى بالمبدع وهو يجنح إلى الحذف، فكأنما قصد الذكر، فالحذف ما هو إلا ذكر، ما دامت تلك القرائن موجودة ومقدرة سلفا لدى المرسل والمستقبل، ويأتى الحذف أيضا، للاحتراز عن العبث حيث يحذف ويسقط مالا ضرورة لذكره، وهو بالتالى يحاول التركيز على المعنى قدر الطاقة والبعد عن التشتيت، ومن دواعيه كذلك الإيضاح، ومن مقررات الحذف، نفى تعلق الغرض بغير المراد، حيث قد يوهم الذكر هنا بتعلق النفس بما لا يريد الكاتب التعلق به وترك المعنى المقصود والتحول عنه إلى معنى ثانوى، لا يدفع بمبتغى الأديب دفعا، ويركز على فكرة ربما لم يقصد إليها المرسل قصدا وأصبح الاثنان- المرسل والمستقبل- كل فى واد، وأخفقت الرسالة إخفاقا شديدا، وسقطت سقوطا، لا قيام بعده، وللسياق دور- أى دور- فى الحذف إذ نراه وقد راح يضبط ذلك وينظمه ويؤصله ويؤسسه وذلك فى قوله تعالى رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (البقرة:87) لأن قبلها: وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ (البقرة:86) فجاءت الأفعال هنا مبنية للمجهول لمناسبة السياق، وهناك أيضا ضيق المقام، ومن ثم خوف الإطالة والامتداد فى الكلام وبسطه، فالسياق هو الذى يمثل خلفية محددة دائما وهو الذى يقوم بدور القاعدة وافتراض أن الأسلوب يتخلق بالانحراف الداخلى عن هذا السياق الدائم، فالسياق هو التداعى وليس هو التوالى(7) على هذا، فالسياق هنا " نموذج لغوى ينكسر بعنصر غير متوقع "(8) وتأسيسا على ما سبق نرى أن الذكر والحذف كليهما دائر فى إيصال المعنى وإذا كان أحدهما أقوى من الآخر فى تركيز المعنى جىء به لا محالة، وإن كانت اللغة العربية، لغة الحذف، لكثرته كثرة هائلة. من هنا كانت عناية البلاغيين به أكبر بكثير من عناية النحاة الذين " لا يعنون بالتركيب عناية محمودة فى الفصل بين العبارات والحذف والتكرار والتقديم وسائر الهيئات التى يحدثها لك التأليف "(9) وعلى المبدع " إيصال المعنى بأوضح السبل وأحسنها وأجملها، وإذا لم يتحقق هذا الأمر فشل الكاتب وانعدم معه الأسلوب "(10) وإننى لأرى وجوب تنوع المبدع فى عمله، فلا يسير على وتيرة واحدة ونمط واحد، وإنما يتضافر الذكر والحذف معا، ما أمكن إلى ذلك سبيلا إيثارا لقوة المعنى " كلما تعددت المفاجآت فى الأسلوب زادت القوة الضاغطة، إن تكرار نفس الخاصية يفقدها كثيرا من قوة تأثيرها، لأن المتلقى يكون قد وصل إلى حالة التشبع لهذه الخاصية ولا يحسن وقوع التكرار النمطى إلا إذا اختلف بُعد ما بين الحيزين الذين وقع فيهما التكرار "(11) بل إن الحذف يُجلب لكسر الرتيب المألوف لظاهرة الذكر المترعة بها الجمل.

ثالثاً- دور الذكر والحذف فى بلاغة الجملة العربية:

يأتى الذكر والحذف ليدفع ببناء الجملة خطوات متلاحقة متسارعة فى بلاغتها وتحقيق مقاصدها، ومن ثم مقاصد المتكلم المبدع لتوثيق عرى العلاقة بينه وبين المتلقى، فما من شك فى أن الحذف- بالذات- هو العلاقة التى تربط بين هذا وذاك ولئن لجأ المبدع إلى الحذف، وجعله سبيلا لعمله، فهو فى جنوحه هذا قد استشعر المتلقى وفكر بدلا منه ووضع نفسه موضعه حيث دار فى خلده، أن هذا المحذوف المقدر سوف يهتدى إليه حتما، وإلا لما أضحى من سمات عمله، وما غدا من كينونة إبداعه، لقد جعل الحذف الاثنين فى واحد وزاد الالتحام بينهما، إيه أيها الحذف لقد فعلت ما لم يفعله بشر، لقد تحول المبدع إلى متلق، واستحال المتلقى مبدعا فى آن اللحظة،وتخيل الكل، الآخر، كل أولئك أوجبه وأوجده الحذف، لذا قال عنه عبد القاهر الجرجانى " هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر، أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن "(12) إنه تمام الجملة وفصاحتها وأقوى بيانا، ويؤكد عبد القاهر الجرجانى أنه أبدا لم يكن مغاليا فيما يرنو إليه ويذهب إليه، لذا تجده يعود بالقول، مؤكدا على آنف ذكره " ولا يعدو الذى يقع فى أول الخاطر أن الذى قلت فى شأن الحذف وفى تفخيم أمره، والتنويه بذكره، وأن مأخذه مأخذ يشبه السحر، ويبهر الفكر، كالذى قلت "(13)

ومدار الأمر، سواء أكان حذفا أم ذكرا، فإنما مرده، النفس ومدى تقبلها له " فما من اسم أو فعل تجده قد حذف، إلا وأنت تجد حذفه هناك أحسن من ذكره وترى إضماره فى النفس أولى وآنس من النطق به "(14).

وذات الشىء فى الذكر " إن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية كإعادة اللفظ فى قوله قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (الإخلاص:1،2) من الحسن والبهجة ومن الفخامة والنبل، وما لا يخفى موضعه على بصير ولو ترك فيه الإظهار إلى الإضمار، فقيل (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * هوَ الصَمَدُ) لعدمت الذى أنت واجده الآن "(15) وليس عبد القاهر الجرجانى فارساً هذا المضمار فحسب، من تلك الوجهة النفسية حيث قرعها قبله، الرمانى الذى كان قوله أكثر مضاء فى تلك الناحية فلم يأت الحذف عنده للاختصار فقط، بل هو أمر نفسى بحت، يجعل مجال الإحساس والشعور متسعا أمام السامع فيتوهم كثيرا من الأشياء التى يحتمل أن يحمل معانيها اللفظ المحذوف والمفهوم من الكلام فى آن واحد(16) وذات المعنى عند ابن جنى، إذ اعتبره وعده من شجاعة العربية " اعلم أن معظم ذلك، إنما هو الحذف، والزيادة، والتقديم والتأخير، الحمل على المعنى، والتحريف "(17) فعلى هذا السبيل، نرى أن الحذف يستلب صفة من صفات الإنسان ويدل عليها؛ إنها اقتحام الأهوال، بإقدام المبدع على التمرد على قوانين الجملة، من ذكر أركانها قاطبة، بل ذلك منه " إدلالا بقوة طبعه، ودلالة على شهامة نفسه "(18) فالخروج عن نطاق المألوف إلى " غيره المجازى الفنى الإبداعى يوظفه شجاعة المبدع من خلال الحذف والزيادة "(19) ويرى ابن خالويه أن الذكر يأتى، لعدم شياع المذكور، على الألسنة، ويرى أن دواعى الحذف تقتضى الإتيان به مراعاة لرءوس الآى، كقوله فى سورة الضحى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ (الضحى:8) أى فأغناك، وذلك موافقة رءوس الآى(20) وإن أنكرها غيره(21) ويرى سيبويه- ونحن معه- أن فصاحة الجملة تكمن فى " الحذف ولا تتم إلا به أما إذا كان الكلام تاما فلا فصاحة "(22) ويتراءى جمال الجملة وتستبين بلاغتها إذا أنت " حذفت أحد ركنى الجملة أو شيئا من متعلقاتها "(23) لقد حدد اللغويون العرب نظام الجملة وما يكون أساسيا من أجزائها، وما يمكن أن يكون ثانويا يجوز أن يستغنى عنه وتحدثوا فى ذلك عن قواعد الحذف، والأجزاء التى لا يجوز حذفها، وتلك التى يجوز أن تحذف والشروط التى يجب توافرها لجواز الحذف "(24) .

وبناء الجملة وكيفية تركيبه المنوط به الذكر والحذف فإذا " استدعى الكلام تقدير أسماء متضايفة، أو موصوف وصفة مضافة، أو جار ومجرور ومضمر عائد على ما يحتاج إلى الرابط، فلا يقدر ذلك دفعة واحدة بل على التدريج "(25) وعلى هذا، فما يقتضيه تركيب الجملة ويوجبه نرى المبدع يأتى به وما لا يقتضيه البناء والتركيب يستغنى عنه ويكون هباء منثورا ولا محل له من الإعراب وقد لقى حذف " المفعول اهتمام عبد القاهر بصفة عامة، مع ربط الحذف بالمعنى "(26) والحذف " يدخل البنية دائرة الكثافة، بحيث لا يخترقها إلا بعد معاناة فيكون اكتساب المعنى شبيها باكتساب التصور، فيزداد الكلام حسنا .... إن دراسة الحذف بمثابة ربط العنصر الفكرى بالبعد النفسى "(27) إن الحذف لهو بمثابة " الفارق بين مقررات النظام اللغوى وبين مطالب السياق الكلامى الاستعمالى "(28) بل إن جملا وأساليب كاملة لن يتم لها " حق الفهم الكامل إلا بمسرحة الكلام، والحذف جزء من ذلك "(29) والرائى للحذف، يدرك أن ثم أكثر من معنى " فمرجع المزية فى حذف المسند كامن فى تكاثر المعنى، نظرا لكثرة الوجوه التى تصلح لتقدير المحذوف"(30) إن علم المعانى وما يحتويه من مباحث الذكر والحذف، والتقديم والتأخير، إلى غير ذلك " يعنى بالأمرين- الجمالى والنفسى- ويقيم الحكم على التحسس بمواطن الكلام موظفا الذوق فى تقويم الكلام "(31) وتتمثل قيمة السياقات المحذوفة أوالفارغة فى أنها " تمثل إمكانية، إنها تعبر عن رابطة التساهم التى لم يتم إنشاؤها بين عاملين أو أكثر، إنها تشير إلى خاصية (التلاؤم اللازم) التى تعد أول خاصية من خواص السياق "(32) وبالنظر إلى مقولة الذكر والحذف، يمكن القول أن هناك " بنيتين، بنية سطحية يمثلها الذكر وهى وصف الصيغة الصوتية للجمل، وبنية عميقة يمثلها الحذف يحدد التفسير الدلالى للجمل "(33) إن هذه التغيرات التى تصيب الجملة- ومنها بالطبع الحذف- لتؤدى إلى حالات " تغيير لفظى ناجم عن الحذف والإضافة التامين "(34) ويأتى حذف التنوين ليزيد المعنى بهاء ووضوحا وذلك حين نقرأ قول الأحوص:

سلام الله يا مطرٌ عليها    وليس عليك يا مطرُ السلام

فتنوين (مطرٌ) فى الشطر الأول، يدخل فى " منطقة التجهيل والتنكير وعدم تنوينه فى الشطر الثانى وبناؤه على الضم، تأكد لنا هنا أن الشاعر متوجه إلى معروف مقصود "(35) إن الحذف ليس انحرافا عن " المعيار، بل انحراف عن المعنى "(36) واختلاف المعنى تال لاختلاف التقدير ومترتب عليه، كما فى قوله وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ (البقرة:220) فإن قدرت المحذوف ضميرا كان رفع (إخوانكم) أى: فهم إخوانكم، وإن نصبت كان صوابا كأن تقول: فإخوانكم تخالطون والمعنى " لابد أن يختلف باختلاف التقدير، ولكن الاختلاف هنا دقيق ولطيف غاية فى الدقة واللطف، فإذا كانت الجملة (فهم إخوانكم) فالمعنى أن هذا شىء ثابت مقرر ولا غضاضة فيه وإذا كانت (فإخوانكم تخالطون) فالمعنى أن لا بأس من استحداث هذه السنة الحميدة مع إخوانكم "(37) ويذهب بعض الباحثين مذهبا بعيدا فى دور الحذف فى بناء الجملة، إذ يراه يتجاوز ذلك إلى " بناء تشكيل تعبيرى مواز للنص الشعرى المنطوق، أو بمعنى آخر يساعد فى خلق فضاء يحيط بالنص، ثم يساعد فى إنشاء علاقة جدلية بينهما، ثم يقوم على إضافة كثير من عناصر التعبير الغائبة بالفعل أو بالقوة إلى الفضاء، ثم يرد إلى النص المنطوق كثيرا من الدلالات الفضائية، وبهذا نصبح أمام ثنائية نصية، طرفها الأول: ما يقوله النص بالفعل(الذكر) وطرفها الثانى: ما يقوله النص بالقوة (الحذف) والغائب هنا فى الفضاء يلعب دورا أساسيا فى إنتاج الصياغة وإن كان غير مباح له أن يظهر بشكل مباشر بأى حال من الأحوال "(38) ومن هنا فإن ثنائية الذكر والحذف لها عظيم الأثر فى بناء الجملة وبلاغتها ويعيد الأديب المبدع بناء الجملة على أساس من تلك الثنائية " لتتشابك مع حسه الشعورى واللاشعورى وتدخل فى التركيب اللغوى للجملة "(39).

ومهما يكن من أمر، فبعد هذه التطوافة نتلمس أثر الذكر والحذف فى بلاغة وفصاحة الجملة، أى أثر.

رابعاً- الحذف والاستغناء:

ويتلاقى الحذف والاستغناء؛ فإذا كان الحذف إسقاط وترك أحد ركنى الجملة اكتفاء بالآخر، فإن الاستغناء عدم الاحتياج إلى شىء اكتفاء بشىء آخر(40)، هو ترك لفظ من كلامهم ألبتة اكتفاء عنه بغيره، فيصير المستغنى عنه مطروحا من كلامهم أبدا بحيث لو " رام رائم إظهاره فى الكلام أتى بضرب من العبث الذى تتنزه عنه ساحة لغتنا العربية "(41) ومنه الاستغناء الاستعمالى، كجمع القلة والكثرة حيث يستغنون بأحدهما عن الآخر لمناسبة دعت إلى ذلك وتتجلى قيمة الاستغناء عند سيبويه بارتباطه بالمعنى " حيث لم ينتقص المعنى "(42) تماما كالحذف، حيث لا يخل بالمعنى وإلا لما وجد وشرع ويتأتى الاستغناء لسد شىء مسد المستغنى عنه، تماما كما فى خبر (لولا) حيث سد جواب (لولا) مسد خبره، كما فى قولنا: لولا زيد خرج على وكذلك سد جواب القسم مسد الخبر المحذوف (قسمى) كما فى قولك: لعمرك لأفعلن كذا، وكذلك فى سائر الحذف. إن المحذوف والمستغنى عنه يتفقان فى كون المعنى لا يتغير ولا يتبدل بذكرهما أوعدمهما وقد ذكر عبد القاهر الجرجانى ذلك فى دلائله حين قال " وذلك مثل قولهم: أكرمنى وأكرمت عبد الله " أردت " أكرمنى عبد الله وأكرمت عبد الله " ثم تركت ذكره فى الأول استغناء بذكره فى الثانى فهذا طريق معروف ومذهب ظاهر "(43) على أن ثم فارق بين نوعى الحذف والاستغناء، حيث يفترق معنى الحذف الوجوبى عن الاستغناء " فهو بعيد من ساحة الاستغناء، لأن المحذوف فيه غير مراد معناه، حيث يمتنع ذكر المتروك ويميز بأن معناه مراد بخلاف الحذف، أما الحذف الجوازى فإنه يلتقى مع الاستغناء فى أن محذوفه مراد، ولكنه يصح ذكره فلا يفسد اللفظ "(44) وجملة الأمر فإن الاستغناء والحذف يدوران حول إضمار وإخفاء أحد مكونات الجملة العربية ولو كانت الحاجة إليه أشد، لما أسقط وأهمل، وتمام الكلام من جهة المعنى هو أمارة الاستغناء وقد تكلم ابن جنى فى خصائصه عن ذلك فى باب إصلاح اللفظ وأن المبغى من ذلك كله هو الاحتياط للمعانى(45).

نتائج الدراسة

وبعد ......،،،

فلقد توصل البحث إلى نتيجة هامة أفرزتها هذه الدراسة، جاءت كالتالى:

الحذف ليس، كما يفهم من الوهلة الأولى أنه إسقاط وإخفاء وإضمار بل هو الغائب الحاضر، هو حذف باطنه ذكر وليس معدوما دوما.

توصيَّات الدّراسة:

1- ضرورة تناول أية ظاهرة بلاغية على ضوء علاقتها بالعلوم الأخرى؛ بُغية التكامل والتآزر.

2- التأكيد على أن يكون هذا التناول مستوعبًا فى إهابه التليد والقشيب.

3- إسقاط الحداثوية آن هذا التناول .

وأخيراً وليس بآخر نود القول بأن هذه الدراسة ربما أثارت سؤالا تجيب عنه قادم الأيام وقادم الصفحات مؤداه: هل يمكن لعلوم البلاغة الأخرى، كما الذكر والحذف أن تؤسس لوحدة معارفاتية تكاملية ؟ هذا، وعلى الله قصد السبيل.

 

د. محمد سعيد محفوظ عبد الله

...................

(1) المعجم الوسيط: مادة (ذكر) ص 133.

(2) مختار الصحاح: مادة ذكر ص 222.

(3)/ د/ أحمد بدوى – من بلاغة القرآن– دار نهضة مصر – سنة 1978م – ص 118.

(4) المعجم الوسيط: مادة (حذف) ص 162 – 163.

(5) مختار الصحاح: مادة (حذف) ص 127.

(6) – د/ عبد الرازق أبو زيد -علم المعانى بين النظرية والتطبيق– مكتبة الشباب – القاهرة – ط2 – سنة 1987م – ص101.

(7) انظر: – د/ صلاح فضل، علم الأسلوب – مبادئه وإجراءاته، دار الآفاق الجديدة، بيروت – سنة 1982م – ص 192.

(8) المصدر نفسه – ص 256.

(9) – د/ مصطفى ناصف- نظرية المعنى فى النقد العربى– دار الأندلس – بيروت – سنة 1965م – ص 15.

(10) – ريمون طحان- الألسنية العربية– بيروت – سنة 1972م – ص 117.

(11) نظرية المعنى فى النقد العربى – ص 241.

(12) دلائل الإعجاز – ص 146.

(13) المصدر نفسه – ص 171.

(14) المصدر نفسه – ص 153.

(15) دلائل الإعجاز – ص 170؛ وانظر الخصائص 3/56.

(16) انظر: – الرمانى -النكت فى إعجاز القرآن– تحقيق أ/ محمد خلف الله، د/ محمد زغلول سلام – دار المعارف – القاهرة – سنة 1970م – ص 70 – 71؛ وانظر: أثر النحاة فى البحث البلاغى – ص 253.

(17) الخصائص 2/ 362.

(18) المصدر نفسه 2/ 394.

(19) – د/ أحمد كشك- النحو ودوره فى الإبداع– دار غريب – سنة 2008م – ص 25.

(20) انظر: ابن خالويه -إعراب ثلاثين سورة– تحقيق/ عبد الرحيم محمود – دائرة المعارف العثمانية – سنة 1360ه – ص 121.

(21) انظر: فلسفة البلاغة بين التقنية والتطور – ص 78.

(22) الكتاب 1/ 279.

(23) المراغى -علوم البلاغة –– المكتبة المحمودية التجارية – القاهرة – سنة 1965م – ص 92.

(24) – د/ عبد الحكيم راضى- من آفاق الفكر البلاغى عند العرب– مكتبة الآداب – القاهرة – سنة 2006م – ص 28.

(25) – د/ نهاد الموسى- نظرية النحو العربى فى ضوء مناهج النظر اللغوى الحديث– دار البشير – سنة 1987م – ص 87.

(26) – د/ محمود سليمان ياقوت- علم الجمال اللغوى– دار المعرفة الجامعية – سنة 1995م – ص 310.

(27) – د/ محمد عبد المطلب البلاغة العربية – قراءة أخرى– الشركة المصرية العالمية للنشر – سنة 1997م – ص 221 – 223.

(28)– د/ تمام حسان- اللغة العربية معناها ومبناها– الهيئة المصرية العامة للكتاب – سنة 1987م – ص 298.

(29) – د/ أحمد كشك- اللغة والكلام أبحاث فى التداخل والتقريب– دار غريب – سنة 2004م – ص 18.

(30) – د/ محمد أبو موسى- خصائص التراكيب– مكتبة وهبة – سنة 1980م – ص 215.

(31)– د/ أحمد مطلوب- بحوث لغوية– دار الفكر – القاهرة – سنة 1987م – ص 106.

(32) – د/ وليد منير- جدلية اللغة والحدث فى الدراما الشعرية العربية الحديثة– الهيئة المصرية العامة للكتاب – سنة 1997م – ص 97.

(33) انظر: تشومسكى -البنى النحوية– ترجمة د/ يوئيل يوسف عزيز – بغداد سنة 1985م – ص 81 – 110؛ وانظر كذلك: من الأنماط التحويلية فى النحو العربى – د/ محمد حماسة – دار غريب – سنة 2006م – ص 14 وما بعدها.

(34)– د/ صلاح فضل- بلاغة الخطاب وعلم النص– عالم المعرفة – الكويت – سنة 1992م – ص 115.

(35) النحو ودوره فى الإبداع – ص 25، 26.

(36) – فولفجانج إيسر- فعل القراءة – نظرية فى الاستجابة الجمالية– ترجمة / عبد الوهاب علوب – المجلس الأعلى للثقافة – سنة 2000م – ص 98.

(37) د/ محمد حماسة – فتنة النص – بحوث ودراسات نصية –دار غريب – سنة 2008م – ص 178.

(38)– د/ محمد عبد المطلب قضية الحداثة عند عبد القاهر الجرجانى– الشركة المصرية العالمية للنشر – سنة 1995م – ص 116 – 119.

(39) فلسفة البلاغة بين التقنية والتطور – ص 79.

(40) اللسان: مادة (غنى).

(41) انظر: مجلة جامعة الأزهر للدراسات الإسلامية والعربية – المنصورة من مقال للدكتور / أبو المجد على حسن عمايرة بعنوان (دور الاستغناء فى تثقيف اللفظ العربى وعلاقته بالحذف – سنة 1992م- 1/ 874

(42) الكتاب 1/ 361.

(43) دلائل الإعجاز – ص 163.

(44) انظر: مجلة جامعة الأزهر 1/ 515.

(45) انظر: الخصائص 1/ 313 – 317.

 

يحشد الروائي السوري نبيل سليمان في روايته "اطياف العرش"* أبعاداً فلسفية – فكرية – سياسية، تشتغل على الواقعية – السحرية، والموروث الديني السوسيولوجي، وذلك من خلال الاتكاء على التاريخ، وتداخل الحلم بالواقع، نتيجة وطأة الحاضر وأسئلة الراهن الملحة، كل هذا منح الروائي حرية كبيرة في الاشتغال على تقنية سردية حديثة، في استلهام وتوظيف المعتقد الخرافي والبعد السياسي، للكشف والادانة، وتعرية المسكوت عنه فيها، وهذا لا يحصل الا عن طريقة اسلوب " البناء الما بعد حداثي: الاستدعاء التهكمي الساخر المتعمد للتاريخ بأشكاله البنائية والوظيفية " 1، بهذا يجعل بالإمكان ان نطلق على رواية "اطياف العرش" رواية ما وراء القص التاريخي، حيث تتميز " بالانعكاسية المكثفة والتناصية التهكمية " 2، متضمنة مفارقة عميقة وذكية، حيث أن تسخر لا يعني أن تشوه التاريخ، والتهكم يعني أن تحتفظ بالتاريخ على الحياد وان تحاكمه معاً، وهنا ليس من الممكن تفسير الحفر بعيداً في التأويل على أساس ما يقوله النصْ أو الأنساق المضمرة له، بل الحفر ايضاً بموقف الإنسان من الحقيقة والتاريخ والثقافة، من هذا المنظور، يُعَدّ التأويل " عمل الفكر الذي يقوم على تفكيك المعنى الكامن في المعنى الظاهر، وعلى نشر مُستويات الدلالة الكامنة في الدلالة الأدبية " 3.

تتكون الرواية من خمسة فصول: التحوَل – طيف لعرش – الحورية – طيف آخر لعرش آخر – المشنقة.

منذ بداية الفصل الاول، والمْعنَون "الحوَل "، يجعلنا السارد نطلع على حيثيات تحوَل طاهر عوانة، وهو منفي في الرقة، مرتعداً من عينا رملة الأرمنية، لينبعث منهما غريباً، متجاوزاً الاطوار كلها، بمساعدة الشيخ بركات – الذي سيصبح فيما بعد مساعده ومستشاره في الطويبة – وذلك عندما يشْيع بين الفقراء بان "طاهر عوانة" باركه ولي الله الخضر وتكلم معه، ومنحه الاذن ليكون وكيله في الارض، وليصبح " في غمضة عين: معجزةَ وبدعة – ص 10 الرواية "، ويطلق عليه لقب الطويبي من قبل صادق العروضي – مساعده ومستشاره الآخر-، حيث يقوم بتهجد اسمه وهو غير مصدق مع الذي يشاركه الجسد: " أنا الطويبي. هذا هو الطويبي. الطويبي يا طاهر عوانة – ص 17 الرواية " ، وكلما يتعمق الحوار بين الطويبي الذات الرئيسة التي تمثل الانبعاث، والقوة والمال ومغامرة السلطة والتسلط الى حد التأله ومحاربة الحكومة، وبين طاهر عوانة الذات التي تمثل الانكفاء، والبساطة والمسكنة والفقر واليتم والاصابة بالصَرعَ، تخف حدة ازدواجية الذاتين المتواجدتين في الجسد الواحد، ويخف حدة الصراع، وتبقى ذات طاهر عوانة في الظل الى الاخير، ومسيطر عليها، الى حين يسوقوا الطويبي الى الاعدام. إن التوسير يقول: " إن الذات وجودُ خاضعُ مُذعن لسلطة التكوين الاجتماعي، كما تتمثل في الأيديولوجيا كذات مطلقة. وتأخذ هذه الذات المطلقة في الاعتبار " تكاثر الذات الى ذوات " 4. وتْكون هذه الذات المطلقة في ثقافتنا الدينية – الاخلاقية في البداية بوصفها الإله، ثم يتم تكاثرها من خلال الاستعارة إلى أوجه مختلفة: المرشد الاعلى - الملك – الرئيس – زعيم الحزب – شيخ العشيرة، ففي هذا يتبين لنا إن الذات التي تنبثق من تأويلية الوعي التاريخي والتي تشبه شخصية الطويبي، ليس في استطاعتها أن تفهم نفسها من " خلال مَوْضعات المعنى في كُبريات " النصوص " الأدبية، والفلسفية، والدينية، التي آلت اليها عبر تاريخ البشرية " 5.

ازورَ الطويبي وردد: ماذا تنتظرون؟ هجم صوت عوانة من جسر على الفرات إلى صدر الغرفة: أن تعود إليَ. ازورَ متأوهاً: عمرك ما فرقتني. لا أنت قدرت ولا أنا. كنتُ ميتاً فيك وكنتَ حياً فيّ – ص 187 الرواية.

هذه الازدواجية " كنتُ ميتاً فيك وكنتَ حياً فيّ "، لو دققنا فيها قليلاً، لكنا علمنا لماذا قال الطويبي ذلك رغم رغبة طاهر في عودة الطويبي داخله، اي الغاء الانسلاخ، الغاء الانقسام، العودة الى التوحد، والتجلي في التفرد، ولكن بسبب المرجعيات الدينية – السوسيولوجية – الايديولوجية، يبقى الانشطار، وتبقى حواريات الصوت الواحد المنشطر، لأن الروائي " لا يستأصل نوايا الآخرين من لغة أعماله المتعدِدّة الأصوات، ولا يُحطم المنظورات والعوالم، والعوالم الصغيرة الاجتماعية – الإيديولوجية التي تكشف عن نفسها فيما وراء التعدد الصوتي: إنه يُدخلها إلى عمله "6.

مما يعني ذلك، انسلاخ الذات عن صاحبها ! أن طاهر عوانة بوضعه الحالي الجديد ليس هو طاهر عوانة الهارب من الخدمة العسكرية، والمنفي في الرقة، انه التحوّل في اعلى مراتبه السايكولوجية ! وهو ليس تبدلاً جسديا بل تبدلاً ذاتياً (وليس انفصاماً لان الشخصية المنفصمة لا تعلم بما تفعله الثانية)، تبدل الذات في التفاعل والاتصال مع الاخرين والعالم، مما يسفر أمكانية تواجد هذه الذات في حضور الذوات الاخرى،ولكن في اختلاف الرؤية والفعل.

نستطيع أن نتعرف على الكيفية التي تصغي بها ادراكات طاهر عوانة المتغيرة للذات وهو بجانب مرقد النبي يحي، عندما يصرخ به:

من أكون ؟ ص18 الرواية.

هذه الجملة، تجعل المتلقي يتسأل، لماذا لم يقل " أنا اكون " بدلاً من " من أكون "، رغم أن جملة " أنا أكون " فيها من العمق الابستمولوجي والسايكولوجي الشيء الكثير، لقد وردت في سفر الخروج، عندما خاطب الله النبي موسى " اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به " 4 / 12، وبهذا التفسير نستطيع أن نجمع، الجملتين، التأكيد المطمئن: " أنا أكون " والشك المؤلم: من أكون ؟ "، ولكن ما دامت الأنا في وضعية التيه، يبقى التساؤل مشروع، وتبقى الاجابة قائمة، ولأن وَهْم وعي الذات متشبث بـ الأنا، يكون التيه مصيرها كما قلنا، " إن الوعي، كما يقول التحليل النفسي، " يقاوم " فهم نفسه، وقد كان يرفض أن يعرف نفسه في هذا الرجل الذي كان هو ذاته يلعنه. فمعرفة النفس هي المأساة الحقيقية، وأما مأساة الوعي – مأساة الرفض والغضب – فتضاعف مأساة البدء، مأساة الكينونة أن يكون ما هو عليه " 7، وذلك لأن من شْكّل وعي هذه الشخصية هي المرجعية الدينية، التي كان يمثلها الشيخ بركات بكل تخلفها وتحجرها وقبحها، فقد نقل الشيخ بركات للصبي المصروع طاهر عوانة ما يعرفه من معلومات خرافية، اسطورية مظللة، وهي بالأساس تتسم بكونها متطرفة، متحجرة، مشوهة، لينبثق منها الطويبي، بعد أن ادعى اتصاله بالخضر، ومن ثم تقمصه للولي " ابو العباس الطويبي "، يبدأ بالتبشير بدين جديد، قائم على وعي مزيف ميتافيزيقي، ليس له اية علاقة بالواقع، مستخدماً الاوهام السابقة على المعرفة، ولكن لولا الشيخ بركات لما كانت هذه الشخصية، فهو المعلم له في الاول، والداعية / المْبشّر له الى الأخير، في دروس الشعوذة والاحتيال على الفقراء باسم الخطاب الديني:

" وبين شفاء وشفاء أخذت الطويبة تصدق الشيخ بركات:

طاهر عوانة يكلم سيدنا الخضر، سيدنا الخضر مسح على الجبين المحموم فطهّره وأبرأه. وعلى هون ألفَ طاهر عوانة أن يرى وجوهاً خائفة ومتلفعة لرجال ونساء آوته صغيراً أو أنكرته، تطوف بالبيت الذي تقدس، وترنو الى السقف – ص 8 الرواية ".

" ومثل عيني رملة يَصدُق الشيخ بركات: الماء ينقط من السقف، وربما اللبن. صوتُ جليل يهتف بالناس الذين تكوموا قبل طلوع الشمس: هذا هو الكوثر الذي توعدون – ص 9 ".

" ويقسم له أمام الناس أنه رأى سيدنا الخضر في المنام يطير بين الجبل والبحر هاتفاً: هذا رسولي اليكم – ص 9 الرواية ".

"أما الشيخ بركات فيبدل القربة التي أخفاها السقف بأخرى أكبر. وبدلاً من ثقب واحد للأولى يجعل للأخرى ثقبين – ص 12 الرواية".

بهذه الاحترافية في التدليس والخداع والغش والكذب على اهل الطويبة، امتلك الطويبي القوة والسلطة والاعوان، الذين يسميهم صادق العروضي " الأنوار "، ويكبر نفوذه ويتعاظم، مع دينه الجديد، فَيصبح خطراً على الدولة التي تحاول أن تأمن جانبه الى خروج الاحتلال الفرنسي، لتتبدل اللعبة.

لقد قام الروائي نبيل سليمان، في رسم شخصيات الرواية، في ادق التفاصيل الصغيرة، واظهارها على حقيقتها المخيفة، من خلال دلالة الاسماء التي لعب عليها، حيث جعل الدال عكس المدلول، اي ان يأتي فعل حامل الاسم عكس الاسم المحمول، في دلالة مقصودة محسوبة: طاهر- مدنس، بركات – لعنات، صادق – كاذب. هذه العملية شملت الاسماء القريبة من الطويبي فقط، اما بقية الاسماء الاخرى فجاءت اعتيادية، ففي هذه التقنية السردية الرمزية المتسمة بالتداخل النقدي- الابستمولوجي، تكشف للمتلقي عمق التمزق في الوعي والازدواجية الوجودية، وسيطرة المعتقدات الغيبية التي تدفع الناس البسطاء للخضوع المطلق للطويبي وتنفيذ كل ما يطلبه منهم.

تنحصر احداث الرواية، ما قبل الحرب العالمية الثانية، والى ما بعد انتهائها8، ويمكن تقسيم الأحداث المتوالية في " اطياف العرش " إلى أحداث جرت قبل الحرب وأحداث جرت بعدها، ولكن لاستحالة مطابقة الوقائع الموجودة في الرواية مع أحداث الزمان التاريخي الفعلي، ما يحدث هو العكس تماماً، لأن السارد وبقية الشخصيات الأخرى هم محض تخييل روائي، لذا " فإن جميع الإحالات إلى الأحداث التاريخية الواقعية مجردة من وظيفة تمثيل الماضي التاريخية، وهي موضوعة على قدم المساوة مع الأحداث اللاواقعية الأخرى، فالإحالة إلى الماضي، بعبارة ادق، ووظيفة التمثيل نفسها يتمّ إدراكهما ولكن على نحو تحييدي، مشابه للطريقة التي يصف بها هوسرل المتخيل ويحدد خصائصه، وبهذه الطريقة يمكن ايضاً إفراغ كامل نطاق الأدوات التي تفيد في علاقة الترميز أو التمثيل، واعتبارها عملاً من أعمال الخيال " 9.

إن الايديولوجية الدينية رغم اشتغالها بالأساس على الميتافيزيقيا واساطيرها وعلى تكريس الخرافة، ستبقى مترابطة، ومتحالفة، ومتداخلة مع السياسة التي تشتغل على الواقع، نتيجة لذلك تنشأ الأحزاب الدينية - السياسية المتطرفة، وهنا نرى أن لعبة الطويبي السياسية، قد تأثرت بازدواجية الشخصية الواقعة بين التمرد والخنوع، وبمواقف زوجته حورية، وبعض اعوانه، وموقفه الضبابي تجاه الحكومة والانتداب الفرنسي، وعدم استطاعته التوفيق في التعامل معهما، ادى به ذلك الى أن يخسر الاثنين ( ص 113،114، 124،125،135 )، مما جعلت القرارات السياسية المتخذة من قبله تقع بين الحماقة والحكمة والذكاء:

"قال المحافظ:

-فرنسا الآن ضعيفة ياطويبي. أظنك تعرف ما يجري في أوربة. وكل ذنب يغتفر مهما عظم إلا ذنب واحد، ما يضرّ بوحدة البلاد واستقلالها لا يغتفر. تذكّرْ ما انتهى إليه الآخرون حين كان لفرنسا قوتها، فكيف الآن وهي تشد الرحال ؟

سأل الطويبي لهفان:

-من قال إني ضد وحدة البلاد أو ضد استقلالها؟

قال عبد الحليم آغا:

-كفَ إذن عن اللعب مع الفرنسيين. كفَ عن التطاول على سلطة الحكومة من هنا إلى حدود تركيا - ص 117 الرواية ".

لقد عمل الروائي بقصدية على عدم استطاعة المتلقي، الاحاطة بأية شخصية، أو أخذ فكرة شاملة عنها، الا بعد قيام المتلقي بقراءة متمعنة،جدية، عميقة للنصْ كله، عندئذ تتضح الصورة وتتبلور، لأن الصورة التي تُستنتج من ذلك،هي تكامل وضوح الصورة للشخصية الروائية من كافة الابعاد: السوسيولوجية – السايكولوجية – السياسية – المعرفية، من هنا يجب " فهم الهُوية الإنسانية بوصفها هُوية سردية أساساً، إنَ نظرية السرد التاريخي، التي تطوّرت بعد الثمانينيات، ستسمح بتبنّي إجابة جديدة عن السؤال في كّل فلسفة تامّلية: من أنا " 10.

ومثال على ذلك، من الشخصيات التي كان لها حضوراً طاغياً في الرواية وفي مسار الطويبي، وفي مسار السرد المتخيل، هي حورية المرهج، زوجته الرابعة، اذ يفرد الروائي لها فصلاً كاملاً باسمها، وللنهاية نرى أن لحورية الكلمة المسموعة لدي زوجها،وتدخلها في اتخاذ القرارات المصيرية، والتصرف حسب اهواها دون الرجوع الى أحد في احيانا كثيرة (ص 126 – 127 – 128)، هي الحالمة القوية، بالإضافة الى بقائها عند الطويبي هي الاحب والافضل والمدللة، عكس زوجاته الثلاث الأخريات: رملة الارمنية، ناهي بنت ناصر ميمونة ‘ غزالة بنت الشيخ ناظر، اللواتي يضلن في الظل ولا أي دور لهن بتاتاً، مجرد زواج مصلحة في تحقيق مآرب الطويبي، و للتمتع بهن كما آمر دينه:

" بدأت تضيق بامتلاء وركيها ونفور حلمتيها. ولم تلبث أن تكومت، تحت اللوكس وفي لجة النهر، تنتظر الرجل الذي نزل الهويني محمحماً مثل حصانه ، وانقادت إلى كفّ لدنة حارقة، والحلمتان المنتصبتان تتعجلان شفتين وأسناناً. نادى الطويبي بالناس أن حورية هو، وهو هي، ولا يكاد يخلو لهما البيت حتى تهصره بين فخذيها القاسيين، وتطلق شهيقه، فيلفظ الروح على صدرها، وينام – ص 87 – 88 الرواية ".

ولكن حالما يختلف معها في الرؤية للوضع الذي هم فيه، واستسلامه للحكومة في تنفيذ الاقامة الجبرية في بيروت، تعلن العصيان والتمرد ضد سلطة الحكومة، وهذا هو السبب الذي يجعل فوكو يقول بأن كل علاقة سلطة يمكن أيضاً التحاور معها بصفتها إستراتيجية صراع، " إن كل إستراتيجية مواجهة تحلم بأن تصبح علاقة سلطة، وكل علاقة سلطة تميل نحو فكرة أنها يمكن أنها تصبح هي الإستراتيجية الرابحة، إذا ما تابعت خط تطورها الخاص في أن تكون معترضة بواسطة المواجهة المباشرة " 11، وخاصة إذا كانت المواجهة غير متكافئة بين الطرفين، مؤسسة حكومية تمتلك المال والاسلحة والعتاد والجيش مع فرد لا يمتلك غير الوهم والحلم، وُيبّشر بالميتا خرافة ويدعو لها !.

لقد كان القتل من نصيب مساعديه، وزوجتيه، فصادق العروضي، مهنته كانت: الحدادة والبيطرة وحارس في الطويبة، ثم الداعية، شخصية انتهازية،وصولية، جشعة، مخادعة، فهو الذي يدبر قتل الشيخ بركات خنقاً، لكي ينفرد بأموال الضرائب والإتاوات المفروضة على الفلاحين، ولكنه يقتل على يد الطويبي بعدما يعلم بأن من عاشر زوجته الصغرى شهلا هو صادق وليس الفتى الخادم، بعد أن قتل شهلا تنفيذاً لأمر الطويبي، وحورية تقتل بيد الطويبي الذي سيحكم بالإعدام.

لعل البعض يتسأل لماذا هذا القتل المجاني؟! هل هو تطهير لما اقترفوه؟ هل هي عقوبة؟ هل موتهم جاء تحصيل حاصل؟ " ولأن السرد التاريخي يمنح سلسلة من الأحداث الواقعية تلك المعاني الموجودة فقط في الأسطورة والأدب،ولذلك، بدلاً من النظر إلى كل سرد تاريخي على أنه ذو طبيعة أسطورية أو أيديولوجية، ينبغي أن نعتبره مجازياً، بمعنى أنه يقول شيئاً ويعني شيئاً آخر " 12، وهنا يأتي دور المتلقي في القراءة بين السطور، كي يكتشف الدلالات العميقة، وأن يجد لها أجوبة عن طريق التأويل المتعدد الحامل للمعاني المختلفة.

ولعل بعض القراء يتسأل، هل شخصية طاهر عوانة تمثل شخصيتين مستقلتين؟ أم شخصية واحدة؟ لقد اعتمد الروائي على المتخيل السردي في تركيب شخصية طاهر، اي على الواقعية السحرية التي تقوم على أساس مزج عناصر متقابلة في سياق العمل الأدبي، فتختلط الأوهام والمحاولات والتصورات الغريبة بسياق السرد، وهي بالأساس تستمد عناصرها من المتخيل، عليه تكون شخصية طاهر، شخصية واحدة، ولكن من خلال الحوار الداخلي، أو المنولوج، يظن المتلقي أن هنالك اثنتين، بينما السارد أو طاهر ذاته يعرف بأن الطويبي وطاهر هما واحد فعلياَ في شخصية واحدة، ولكن بسبب الصفات التي يتصف بها طاهر من احباط وتردد وضعف وعدم المواجهة، يرتدي قناع اسمه الطويبي والذي يتمتع بصفات بالضد من طاهر، عليه تكون هنالك ذات حقيقية / خاتلة وذات وهمية / بارزة، لذا يبقى طاهر متوارياً وراء الطويبي، " فليس هناك شخصيات خارج الفعل، ولا فعل مستقل عن الشخصيات " 13، شخصية واحدة وفعل واحد، لكن هناك صراع سايكولوجي ما بين النكوص والتغيير داخل الشخصية:

" قال طاهر:

-نفسي يا سيدي تنخلع من بدني مثل السيخ. الأرض تهتف بي يا سيدي: لا مرحباً بك ولا أهلاً. كنتَ أبغضَ من يمشي على ظهري، والآن وقد وليتك فانظرْ.

طوّح الطويبي به صارخاً:

-وعما قليل يوكل بروحك ثلاثماية شيطان ليس فيهم من لا يبصق في وجهك. عما قليل تطويك حفرتك حتى يخرق كل ضلع فيك أضلاعك كلها، وينفتح عليك باب للنار يهمي بقيحها ولهبها، وهذا أهون الجزاء.

نبحَ طاهر:

-أه يا سيدي. أعلم أعلم.

وزحف من الفراش إلى وسط الحصير منادياً:

أين أنت الآن يا طاهر عوانة؟

تربّع طاهر على طرف الحصير. سُرّ الطويبي وقال برقة:

-اقتربْ. لا تخفْ بعد الآن. ما زال الحساب بعيداً. ص 19 – 20 الرواية ".

انظر هنا بتمعن عندما يقول لقرينه " والآن قد وليتك فانظرْ "، ولاه على ماذا؟ يكشف هذا المقطع عن حوار يتسم بالمكاشفة والحساب، اي العمل على طمس فعل طاهر القديم، لاستحداث فعل مغاير مختلف.

ومن خلال قراءتنا لرواية "اطياف العرش"، نعثر على دلالات كثيرة فيها، تتنبأ بظهور التنظيمات الاسلامية المتطرفة، مثل داعش والنصرة.

 

أسامة غانم

......................

الهوامش والاحالات:

* رواية اطياف العرش " نبيل سليمان، منشورات الاختلاف / الجزائر، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت – لبنان، 2010.

1- ليندا هتشيون – ما وراء القص: السخرية والتناصْ مع التاريخ، ترجمة: آماني ابو رحمة، المجلة الثقافية الجزائرية 6 / 2011.

الدراسة فصل من كتاب " جماليات ما وراء القص: دراسات في رواية ما بعد الحداثة، مجموعة مؤلفين. ترجمة أماني ابو رحمة، دار نينوى للنشر والتوزيع.دمشق – سوريا، 2010.

2- م.ن.

3 – جان غروندان – التأويلية، ترجمة: جورج كتوره، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت - لبنان، 2017، ص 84.

4- برندا مارشال – تعليم ما بعد الحداثة: المتخيل والنظرية، ترجمة وتقدم: السيد إمام، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010، ص 117.

5- جان غروندان – التأويلية. ص 93.

6- ميخائيل باختين – الخطاب الرّوائي، ترجمة: د محمد برادة، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2009، ص 122.

7 – بول ريكور – صراع التأويلات: دراسات هيرمينوطيقية، ترجمة: منذر عياشي، مراجعة د، جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة،بيروت – لبنان، 2005، ص 195.

8- كانت الحرب العالمية الثانية قد ألقت بظلالها على العالم آنذاك، ودخلت قوات الحلفاء في حرب مع قوات المحور، وشهدت سوريا صراعا بين القوات الفرنسية التي كانت تابعة لحكومة فيشي (الموالية للألمان) وقوات حكومة الجنرال ديغول (المتحالفة مع الحلفاء) حيث تمكنت القوات المتحالفة من إخراج قوات فيشي من سوريا في يوليو/ تموز 1941، وعلى إثر ذلك أذاع (ديغول) بيانه الشهير الذي وعد فيه سوريا ولبنان بالاستقلال وحق تقرير المصير.

وبناء على ذلك، أجريت عام 1942 انتخابات نيابية فازت فيها الكتلة الوطنية، وفي أغسطس/ آب 1943 انتخب شكري القوتلي رئيسا للجمهورية السورية، وتألفت حكومة جديدة برئاسة سعد الله الجابري. ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، حاولت فرنسا أن تعيد سيطرتها الاستعمارية على سوريا، فاندلعت الاضطرابات في كافة أنحاء سوريا، وواجهت فرنسا الاحتجاجات بقوة مفرطة، مرتكبة مجازر ضد المدنيين.

ورغم توالي الأحداث صعودا وهبوطا، إلا أن القدر حمل لسوريا بأيدي أبنائها الكثير بعدها، حيث تتويجا لنضال طويل مليء بالتضحيات، خرج آخر جندي أجنبي من الأراضي السورية في 17 أبريل/ نيسان 1946.

9 – بول ريكور – الزمان والسرد: الزمان والسرد ج 3،، ترجمة: سعيد الغانمي، راجعه عن الفرنسية: الدكتور جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت – لبنان، 2006،ص 190- 191.

10 – جان غروندان – التأويلية، ص 92.

11- برندا مارشال – تعليم ما بعد الحداثة، ص 153.

12 – هايدن وايت – محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي، ترجمة د نايف الياسين، مراجعة د فتحي المسكيني، هيئة البحرين للثقافة والاثار، المنامة – البحرين، 2017، ص 120.

13- تزفيتان تودوروف – مفهوم الأدب، إعداد وترجمة: د. منذر عياشي، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق – سوريا،2017، ص 103.

 

حسني التهاميThe Essence of Haiku

للشاعر والناقد بروس روس (Bruce Ross)

ترجمة: حسني التهامي

ظهرت قيمٌ جديدةٌ على الهايكو الغربيِ المعاصرِ في عديدٍ من النقاشاتِ في الموتمرِ الثاني الذي عُقد بالسويد عام 2007 . ركزتْ إحدى المحاضراتِ لفوكمان السويدي على التحولاتِ التي طرأتْ على الهايكو، بينما تطرقتْ أخرى إلى الاستعارةِ الفريدةِ،والتي تولدُ نوعاً من العمقِ الناشئِ من تنافر المواضيع بالنص (ليدميلا بلبانوفا في بلغاريا)، فيما تناولَ (تاكاشي إيكاري الياباني) قضيةَ الغموضِ .

وكَمْ كان ممتعاً حديثُ فوكمان عن" الشعور المُتدرج"! فكثيرٌ من نصوص الهايكو الأمريكي المعاصرِ تحتوي على الطُرفةِ والتآلفِ البَراق  بين الصور .علاوة على ذلك، فإن تعبير الانفعالات الحشوية هو بمثابة تمثيل للمشاعر الشفافة وللتواصل الاجتماعي غير الهادف في وسائل الإعلام. فالنقاشات حول حالات الشعور وتأثير التحول في الهايكو ضرورةٌ لإحداثِ التوازنِ بين هذهِ الاتجاهات، وهي في الواقع،  تحافظ على جوهر الهايكو.  

 يبحثُ هذا المقالُ ويُدقق في قضايا متعلقةٍ بجوهرِ الهايكو مِثلَ: الخاص، المشاعر، التنحي، لحظة الهايكو، طبيعة وجمال الهايكو،الكمال. بدايةً سأناقشُ الاستعارةَ المُطلقة، وهي مصطلحٌ  صُغتُه كي أصفَ الهايكو المبنيَّ على العلاقةِ الوجوديةِ والبنائيةِ في مكوناتِ الهايكو. إن شعريةَ الهايكو تفتحَ المجالَ أمام قضايا أخرى في هذا المؤتمر الأوربي.

"في هذهِ الأشياءِ (المرتبطة بالطبيعة) يكمنُ معنىً عميقٌ،

لكن إذا هممنا بالتعبيرِ عنه، نسينا الكلمات."

تونماى.

1478 بروس روس

(1) الاستعارة المُطلقة The Absolute Metaphor

"الهايكو في الأساسِ نوعٌ من الشعر، مشتقٌ من المقطعِ الأولِ لقصيدةِ مشتركةٍ تسمى الرنجا ومؤخرا في التانكا (الواكا في الأصل)، وكلُ نوعٍ يحتوي على مقاطعَ نثرية من 5 و7 وحدات صوتية.

مثلَ كل النصوصِ الشعرية، يتميزُ الهايكو بالخيالِ، المحتوى العاطفي، والقيمةِ الصوتية واللغة التصويرية وهكذا . تتميز الأشكال الشعرية في اليابان بشكل عام بقصرها، وفي الواقع إن الهايكو هو أقصرُ النصوص وأكثرها اختزالاً في العالم . يتكونُ النص من 17 وحدة صوتية موزعة على هذا النحو: 5-7-5 في الهايكو الياباني الكلاسيكي . ذاتُ الأصوات نجدها في التانكا والرينجا، وهي بذلك تعكسُ طول الأسطر في الأغاني الصينية، وكذلك في صياغة الأغاني، وحتى في الثقافة اليابانية الأولى.

إن اللغة اليابانية لغةٌ غيرُ مضغوطة، والهايكو يعتمد على المحاكاة الصوتية وربما على الأحرفِ المتحركة التي تحدثُ في كل وحدةٍ صوتية، ولا تعتمدُ على القافية . فالعباراتُ المكونةُ من 5 و7 وحدات صوتية متكررةٌ عبر القرون في الأشكال الشعريةِ، وتساعدُ بدورها على اكتساب نوع من الإيقاع .

يتميز الخيالُ والمحتوى العاطفي في الهايكو بنوعٍ من التفرد . فإذا ما نظرنا إلى الهايكو الكلاسيكي نجده يشتمل على الكيغو(كلمة فصلية) أو الكيداي (موضوع فصلي) متضمنا الأحداثَ الإنسانيةَ المرتبطةَ عادة بدورةِ الطبيعة، كحصادِ الأرز . وعلى الأغلب فإن الهايكو الكلاسيكي يشتملُ على صورٍ حسيةٍ مستقاة من الطبيعةٍ ولا تتناول الإنسان . وهذا ما يوصلنا إلى تعريفِ الهايكو بأنه شعورٌ إنسانيٌ مرتبطٌ بالطبيعة.

إن الاهتمام  بجمالِ الطبيعةِ منبعُه الدينِ الأصلي،الشنتو، الذي يحملُ في طياتهِ تقديساً، بل وعبادةً للطبيعةِ لدى أُناسٍ كان كيانُهم الزراعي في فترةٍ مُبكرةٍ يتطلبُ اتصالاً دورياً ومستمراً مع هذه الطبيعة،وهذا لم يكن مُستغرباً. فالجمالُ الطبيعيُ والمحتوى العاطفيُ المتماثلُ والمحتفى بهما في الثقافة اليابانية هُما الدعامةُ الأساسيةُ للقصائدِ الغنائيةِ .

يحتوي الهايكو اليابانيُ الكلاسيكيُ على لغةٍ رمزيةٍ مثل البلاغةِ والتشبيهِ والمجازِ، تماماً كما كان مُستخدما في الشعرِ الغنائي . لكنَّ هذه الوسائلَ كانت تمثلُ عبئاً على هذه القصيدةِ القصيرةِ، ونالت من قيمتِها الجماليةِ كالاختزال،و الموسيقى والغموض . علاوةً على ذلك فالكيغو والكيداي بإيحاءاتِهما الموسميةِ أمدا الهايكو برموزٍ من الطبيعيةِ ودوراتِها . إذن يمكنُنا اعتبارُ الهايكو علاقةً حتميةً بين الخاصِ والعام .

فإذا كان المجازُ قوامَ الشعرِ، ذلكَ المجازُ الذي يتسم بقوةِ العاطفة والخيالِ، وهو عاملٌ أساسيٌ من عوامل نجاحِ النصِ الشعري، فإن الهايكو يعتمدُ على المجازِ المطلقِ للخاصِ الطبيعيِ والكوني . إن المقارنةَ الداخليةَ في الهايكو التقليديِ يمكنُ التحكم فيها عن طريق الكيريجي الذي هو واحدٌ من الحروفِ اليابانيةِ الكثيرةِ التي تقومُ بمهمةِ علاماتِ الترقيم في الانجليزية، لكي تسلطَ الضوءَ على المحتوى الانفعالي في جزئيةٍ واحدةٍ من الهايكو وعلاقتِه بالثاني، وتؤكدُ الاستعارة المُطلقة. فعلى سبيلِ المثالِ يشيرُ السطر ُالأولُ إلي الطقس، وفي الثاني والثالث يشكلُ الخيالُ طبيعةَ الموضوعِ الخاص . فالاستعارةُ المطلقةُ والكيرجي يطلقان الشرارة العاطفيةَ التي تربط الكوني بالخاص.

أمامنا هايكو معاصرٌ للشاعر ألينزا زورمان من سولفينيا يتحققُ فيه المجازُ المطلق:

عيدُ الاستقلال

مع الريحِ الحار، وشاحي

يلامسُ الغريب

فالمنحى الوجوديُ واضحٌ في القصيدة، حيث يتجاوبُ مع الحرية والإنسانية والفرح . فالعطلةُ تجسدُ الحدثَ التاريخي للحريةِ التي يحتفي بها كثيرٌ من الدول . والريحُ تبعثُ الراحةَ .إنها تقدمُ مثالاً نموذجياً للمعادلِ الموضوعيِ الذي يُنادي به الشاعرُ الأمريكي ت.إس إليوت . إنها صورةٌ شعريةٌ مأخوذة من العالم الواقعي الذي يمثلُ المشاعر الداخليةَ مجازياً.

يحتاج الهايكو عادةً إلى تركيبةٍ أقلَ خيالاً، وإلى الإحساسِ بالزمن . في النص يكمنُ هذا المجازُ المطلقُ في الوشاحِ الذي طيرتهُ الريح ولا مسَ شخصاً آخر غريباً تماماً، وهذه الريحُ تحول لحظةَ الاحتفالِ إلى لحظة إنسانيةٍ تتبادلُ فيها العاطفةُ عبرَ الخيالِ الحسي . فهناك حالةُ من التوحدِ والتلاقي بين الشاعرِ والغريب . ربما هناك شيء غامض بالنص يُمكنُ احساسُه عبر الكلماتِ ولا تستطيعُ الكلماتُ أن تبوح به." 

(2) الخاص: The Particular

لو ان هذا الشيءَ الغامضَ هو ظهورُ الكوني،  وهذا الظهورُ يُؤكد ذاتَه في الخاص. فإن الخاصَ ذاتَه لديه أيضا صفةٌ معينةٌ، وهي صفةُ الغموض . في النصوصِ الأكثرِ إبداعاً يكون غموضُ الخاصِ هو جوهرُه . وهذا الجوهرُ يكمنُ في الجندب في نصٍ من إبداعاتِ إيسا:

نسمةٌ باردةٌ

يُغني الجندب

بكلِ قواه

ما أسهلَ أن تستمع للجندب! فإيسا جعلَ للجندب خصوصيةً، وربما أنسنَ هذا الكائنَ. فليستْ كلُ الجنادب تمثل شبيهاتها في"التكوينة الجرادية" . في هذا الهايكو يبدو الكائن الوحيد ذاتَ صوتٍ حماسيٍ .. . في لحظةٍ معينةٍ وخاصةٍ يكون هذا الكائن مميزاً.  هذه الحيويةُ الواضحةُ لهذا الكائن تجعلُ حركاتهِ نبيلةً ومرحةً،  إنه ليس حشرةً عاديةً أو جندبا . إنه جندبٌ خاصٌ في مشهدٍ خاص.  

يعيشُ الهايكو لحظةً من الزمنِ ويعيشُ خصوصيتَها ومكوناتِها . ولابُد من وجودِ عنصرِ الصدقِ كأساسٍ في الهايكو .  لننظر إلي الحلزون في هذا الهايكو لديفيد كوب بانجلترا:

في الحديقةِ المظلمةِ

وميضٌ بعيدٌ

مسارُ الحلزون

يدلُ على الحلزون -أو حتى على غِيابِه – وميضٌ مضيءٌ ينيرُ  للحظةٍ طريقَ هذا الكائنِ. ربما كان يُلاحظ ُالشاعرُ العاصفة َالبعيدةَ في الحديقةِ ليلا. إنه الوحي: طريقُ الحلزون، هذا الممرُ الصغير، بقعةٌ،شيءٌ لامع . ربما انجذبَ الشاعرُ لبريقِ هذا المسارِ اللامعِ،أو ربما كان يرى الحلزونَ، وهذا الحلزون بطريقةٍ جديدةٍ، هو نوعٌ من الحضورِ في الغياب . وبصورةٍ شاملة يتواجدُ غموض خفيف كما لو يتراءى أمامك شبحٌ حي . فغموضُ مسارِ الحلزونِ أيضا يرتبطُ بغموضِ الضوءِ، كلاهُمَا يجلبانِ السُطوعَ والضوءَ إلى قلبِ الظلام.      

يخضعُ للصفصاف ِ

كلُ البغضاءِ والرغبةِ

في قلبِك

باشو 

(3) المشاعر والأحاسيس  Feeling and Emotion

أصبحَ الشعورُ العاطفيُ الناتجُ عن الاستعارةِ المطلقةِ مرتبطاً بأنواعٍ مختلفةٍ للقيمِ الجماليةِ للهايكو الكلاسيكي . Mono no aware (عشق الأشياء) هو مصطلحٌ شاملٌ يُظهرُ كيفيةَ تأثرِ الإنسانِ بالأشياء. هناكَ قيمٌ جماليةٌ أُخرى في الهايكو كالوابي (البساطة)، السابي (العزلةُ الغيبية) واليوجن (الغموض) . في كل حالةٍ من تلك الحالاتِ والقيمِ الجماليةِ يظلُ الشاعرُ تحت تأثيرِ شيءٍ ما في العالم .

خلافاً للشعريةِ الغربيةِ، فإنَ الشعرَ الشرقيَ يُركزُ على حالةِ الشعورِ العاطفي. فبدلاً من أن تكونَ الزهرةُ شيئاً لا معنى له، فإننا نجدُها تُعطى سياقاً يُشعُ بالمشاعرِ العاطفيةِ لشاعر الهايكو الياباني . هي ليست رمزاً، لكنَّ لها حضوراً وجودياً مُهماً. فهايكو باشو الذي أشرنا إليهِ من قبلُ يُظهر العلاقةَ الوجوديةَ لشاعرِ الهايكو بالكونِ والطبيعة، فالصفصافةُ مثلا في الرمزيةِ الغربيةِ تُشير إلى الحزنِ، وتبدو على عددٍ لا يُحصى من شواهدِ القبور، بينما تبدو صفصافةُ باشو كائناً في حدِ ذاته. هكذا يريدُ أن يقولَ لنا باشو مؤسسُ الهايكو الياباني: " لكي تتعلمَ عن شجرِ الصنوبرِ، اذهب إليه "، وكان يميل شيكي مؤسسُ الهايكو الياباني الحديث إلى رسمِ لوحاتٍ من الطبيعةِ متأثراً بالمدرسةِ الانطباعيةِ في الفن.

بالإضافةِ إلى ذلك، تجدرُ الإشارةُ إلى أن "الشُعور" في الهايكو لا يُقصد به المشاعرُ المباشرةُ في الشعر الغربي . لم يَعتد الهايكو أن يُعبرَ عن المشاعرِ الجياشةِ التي عادة ما تكون في التانكا. بدلاً من ذلك، فهي حالةٌ من الشُعورِ المُتبادلِ بين الشاعرِ ومادةِ الطبيعيةِ، حتى بالرغمِ من الجوِ العَاطفيِ الذي يكونُ غالباً انفعالياً ومُؤثرا، ويقومُ بعمليةِ توجيهِ علاقةِ الشاعرِ بمادةِ الطبيعية. فالهايكو الذي كتبه دانيال باي الفرنسي يعكسُ نظرةً ثاقبةً لطبيعةِ المشاعرِ بالهايكو:

اليومُ الذي تلى الألعابَ النارية

ومضاتٌ من العاصفة

في القصيدةِ تُمثلُ الألعابُ الناريةُ أشكالَ الإثارةِ التي تعْكسُ الخلفيةَ الثقافيةَ، وعادةً ما تثيرُ المشاعرَ الجياشة. فرُبما يكونُ وميضُ العاصفةُ الخاطفُ مُفاجئاً، ومؤكدٌ أنه حدثٌ طبيعيٌ يُثيرُ الرُعبَ في المُتأملِ .وأسلوبُ المؤلف إنعكاسيٌ،أكثر من كونه معبراً عن تلكَ المشاعرِ القوية. إنه يَخلقُ علاقةً مُفاجئةً بين حيويةِ الألعابِ الناريةِ بالأمسِ ووميضِ العاصفةِ في اللحظة الآنيةِ. في الواقعِ،إن الربطَ بين الوميضِ الطبيعيِ الناتجِ من العاصفةِ وبينَ اللألعابِ الناريةِ يُشكلُ الاستعارةَالمُطلقةَ التي تثيرُ الغموضَ المُطلقَ الناتجَ عن الانفجاراتِ الساطعةِ في السماءِ المظلمة.

"لا ينوي الإوز البري أن يعكس صورته

على صفحة الماءِ التي تأبى تلقيها."

من مقولات الزن

(4) التنحيSelflessness:

لو أن المفهومَ العاطفيَ يعكسُ مشاعرَ الهايكو، فإن مفهومَ التنحي غالبا ما يبينُ كيف يتواجدُ وعي الهايكو. لهذا السبب يفضل روبرت سبايز - الذي كان يعمل محرراً لمجلةِ الهايكو الحديث لفترة ٍطويلة من الزمن- مصطلحَ "الشعور" (الحواس المرتكزة على الطبيعة) على مصطلح " العاطفة"، (الشعور الذاتي الذي يرتكز على اللاعقلانية) في تناول شعرية الهايكو.

يُنكر الهايكو الأنا الذاتية، في الأساسِ الأنا الفرويدي وبنياتِها العقلية – أو ما يسمى بالعاطفة التي نجدها في في بعض تجارب الهايكو وتعتبر حائلاً يعترضُ مسار الهايكو .إن الإجراءات التجريبية والتفكير العقلاني الذي يشكلُ العقليةَ الغربية أيضا يمثل عقبة في هذا المسار . ففكرةُ العقلِ الفارغ في فلسفةِ الزن البوذية- الانفتاحُ على الظواهرِ- تؤدي إلى مناخٍ عقلانيٍ ملائم . تفسرُ تلك الحالةُ مقولةَ الزن " فكرٌ تلو فكر دون انقطاع. لكنْ إذا سمحتَ لهذه الأفكارِ أن تتشابك َ، فإنك تضعُ نفسك في العبودية. "

كيف لا يغرقُ المرء في تجربة ووعي الهايكو؟ هذا النصُ لكاي فوكمان يعطي لنا الجواب:

يتوقفُ المتزحلق

ليغادرَ الغرفةَ

إلى سكونِ الثلجِ

يصفُ أولُ سطرين من القصيدةِ ما يُسمى في فلسفةِ الزن بغيابِ " عقل القرد"، أي تدفقِ الفكرِ المستمر . ولا يمكنُ أن تحدثَ الاستنارةُ أو العقلُ الصافي، وضوحُ اللحظةِ الحاضرة للرؤية، حالَ حضورِ عقل القرد. في الواقع يجب على المرء أن يجعل عقلَه صافيا،ليسمحَ للأشياء أن تتحدثَ عن نفسها. فالظواهرُ في النص مثل توقف المتزلقِ، الثلجُ، سكونُه، يمكن أن تتحدثَ عن نفسها. هنا الأنا الذاتيةُ غائبةٌ تماما. فالشاعرُ، لا يوقف التزلقَ بإرادته، بينما يكونُ سكونُ الليلِ حاضرا . الأنا ليستْ ذاتَ أهمية. الأهمُ هنا هو سكونُ الثلج. فالتوقف هو مجردُ علامةٍ تشيرُ إلى سكون الثلج. من نواحٍ كثيرةٍ تُعتبر هذه القصيدةُ بمثابة نوعٍ من التجريب التنويري.

سأل راهب ليشان: ما معنى البوذية الآتية من الغرب؟

فرد عليه:"ليس هناك ثمة "ما""

لماذا؟؟

"فقط لأن الأشياء تكون كما هي" ؟ أجاب لي شان.

الزن

(5) لحظةُ الهايكو Haiku Moment:

يمكنُ تعريفُ لحظة الهايكو بأنها تزامنُ الخاصِ مع المطلقِ في لحظةٍ مُعينةٍ من الزمن. الهايكو إذن وعيٌ بالأشياء وبشكل أساسي هو رؤيةُ الأشياءِ على حالتها، كما يرى (ليشان بوذا)، أو كما يعتقدُ باشو في مقولته " تعلمْ كيف تستمعُ أثناءَ تحدثِ الأشياء لذاتِها .". ففي لحظةِ الهايكو لا يتدخلُ العقلُ مطلقاً في جوهر الأشياء. وتكمنُ عظمةُ الهايكو في إيحاءات الواقعِ كما هو بكلِ عجائبه وانطلاقاته .

من بينِ جميع الأشكالِ الشعريةِ يعكسُ الهايكو حالةً مؤقتةً، مزجاً مميزاً بين الخاصِ والمطلقِ في لحظة من الزمن . ينادي ادموند هيسرل بأن السمو يكمنُ في خصوصيةِ العمل الأدبي.

ذات مرة أخبرني واحد من أساتذة الأدب الياباني والرينكو أن الهايكو لحظةٌ عابرة. وفهمت من ذلك أنه تحدثَ عن القصيدةِ كشيءٍ مادي وكنوع أدبي . في جمالياتِ النصوصِ اليابانيةِ الكلاسيكية هناكَ لحظات ٌ استثنائية، لا يمكن تكرارُها بالمعنى الميتافيزيقي. ففي كلماتِ هيرقليطس " يمكنكَ أن تخطوَ في نفسِ النهر مرتين" فالنهرُ سيظلُ هناك، لكن طبيعتَه حتما ستتغير. ومع ذلك،ففي اليابان هناكَ أحجارٌ نُقشَ عليها نصوصُ الهايكو للقبضِ على تلك اللحظاتِ التي لا تتكررُ وللحفاظِ عليها.عندما نقرأُ هايكو معيناً للمبدعين اليابانيين القُدامى وحتى الأكثر حداثة، ربما نعيشُ لحظةَ شعورهم ضمنَ حدودنِا الثقافية، و نقتربُ من رؤيتِهم ونكملُ قوس الطاقة الذي يَصلُ الخاص بالمطلق. ولنتأملْ ذلك الهايكو الذي كتبه أكسينيا مخيلوفا البلغاري، والذي استطاعَ بطريقةٍ متقنةٍ أسْرَ لحظةِ الهايكو:

النافذةُ المفتوحةُ

الستارةُ القديمةُ

رتقتْها سحابةٌ رمادية

تمثلُ القصيدةُ لحظةً زمنيةً تلتقطُ الأشياءَ كما هي، فالنافذةُ مفتوحةٌ لتسمحَ بمرورِ الهواء المنعش. والستارةُ البالية التي تغطي النافذةَ بها فتحةٌ أو عدة فتحات . يتمتعُ هذا المشهدُ المميّز بخاصيةٍ مؤثرة من البساطةِ وفي تجاوبِ وتنامي الزمن مع أشياءٍ عادية مألوفة، ومع ذلك، بالصدفةِ، تتزامنُ لحظة الهايكو في النص، مع المشهد الذي تغطي فيه السحابةُ ثُقبَ الستارِ أو الثقوب المنتشرة بها.

يثيرُ هذا العمل بشكلٍ خاص شعورنَا تجاهَ البساطةِ الطبيعيةِ والغموضِ في النص. فالستارةُ لم يتمْ إصلاحُها على أرض الواقعِ،لكن هناك بالنص دلالةُ العلاقةِ الشعرية بين الإنسان والطبيعة، وبين الخاص والكوني. فالسحابةُ سوف تمرُ واللحظةُ ستنتهي، لكن في هذه اللحظة ترتقي البساطةُ بنوع من الفكاهة.

مفترشا حصيرة من القش في هذا الحقل

جلستُ وحدقتُ

في أزهار البرقوق .(بوسون).

(6) الطبيعةُ والجمالُ: Nature and Beauty

إن الجمالَ العاطفيَ للطبيعةِ موضوعٌ أساسيٌ في الهايكو الكلاسيكيِ الياباني. ولقد اضمحلت القضايا المتطابقةُ للشعورِ العاطفيِ والجمالِ كقضايا أكاديميةٍ منطقيةٍ في الجمالياتِ الغربيةِ في نهايةِ القرنِ العشرين. مع ذلك فكما ألمحَ شكسبير إلى أن" الوردة َتكونُ ذات رائحةٍ زكيةٍ حتى لو كان لها مُسمىً آخر" وكما نَّوه باشو في رحلتِه، وهو يتجولُ حول البِركةِ طوالَ الليلِ مُحدقاً في القمر. و هذه القضيةُ عالجَها رانسيتسو بالمثل في نَصِه:

أقحوان أبيض

أقحوان أصفر

أليس ثمة أسماء أخرى؟!

عَبَّر باشو عن موقفِه من الشعورِ العاطفي والجمالِ الطبيعي: فقد " كانَ مُطيعاً للطبيعةِ وللفصولِ الأربعة." لذا فإننا نجدُ الكيغو مُتصدراً المشهدَ في نصوصِ الهايكو الكلاسيكي، حتى في النصوصِ الشعريةِ التي كُتبت بشكلٍ جماعي كالرنجا نجدُها مُمتلئة بالزهورِ. وعلى الأغلبِ، فإن زهرةَ الكرزِ تكادُ تكونُ هي الوحيدةُ المعبرةُ عن الجمالِ والأكثرُ شيوعاً في اليابان. فعندما تُذكرُ كلمةُ " زهرة " في نصٍ ما، يُقصد بها زهرةُ الكَرز. وثمةَ علاقةٌ بين أزهارِ الكرز وأرواحِ آلهة الكامي والشنتو في اليابان قديماً، وهذه الزهرةُ تُعدُ معادلةً للهايكو في تجسيدِها للجمالِ الطبيعي. والنصُ الذي كتبه زوي سافينا الإغريقي يستكشفُ هذه المعادلة.

إزهارٌ مكتملٌ

في غيرِ وقتِه ومكانِه

أكاسيا تحت المطر

في الأساس تكونُ أشجارُ الأكاسيا استوائيةٌ ذاتَ مجموعاتٍ صغيرةٍ من زهورٍ صفراءَ أو بيضاءَ اللون.  يؤكد  الشاعرُ في نصهِ على الاستعارةِ المطلقةِ في لحظة الهايكو . فالأشجارُ لا تعكسُ الجمالَ فقط عبرَ الزهور. إن المطرَ يُظهرُ الجمالَ ويُبدى مفاتنَه  . وتسمو لحظة الهايكو بالجمال في القصيدةِ إلى درجةِ الخلود، كما هو جَلِّيٌ  في السطرِ الثاني. علاوةً على ذلك، يريدُ أن يتأكدَ الشاعرُ من وعيِ القارئ بطبيعةِ هذا الجمالِ السامي عبرَ التلميحِ في مطلعٍ النص إلى أن الأكاسيا تبقى كما هي لحظةَ الجمالِ الخاص.

كمْ أشتاقُ أن أرى

بين زهورِ الصباحِ

وجهَ الله!

"باشو"

(7) الكَمَال  Wholeness

تتضمنُ الاستعارةُ المطلقةُ في الهايكو حالةَ الكمالِ الذي من خلالهِ ننتقلُ من الخاصِ إلى المطلقِ. وهنا تعاودنا زهرةُ الكرزِ عند باشو، فهي تصنعُ معادلةَ الهايكو التي يتمُ فيها الكشفُ عن الإحساسِ الرُوحي المنشودِ في الجمالِ الطبيعي. وهذا الإحساسُ الروحيُ له مُكوناتٌ مختلفة. فعلى حدِ تعبيرِ الشاعرِ جاري سنايدر، الذي تدربَ كبوذيِ زن،"إن الوعي بالفراغِ يبعثُ قلبَ الشفقةِ" . وهذه الشفقةُ تجاهَ جميع الكائناتِ، - والتي تشكلُ أساسَ هذه النظرةِ الدينيةِ - مبنيةٌ على فكرةِ الفراغِ الكونيِ الذي تتقاسمُه جميعُ الأشكال.

"في الهايكو، يدعمُ مثلُ هذا السموُ في رؤيتِه لكل شيء الشعرَ المُرتَكِزَ على العاطفةِ تجاه الأشياء .فديانةُ الشِنْتُو تهبُ الصخورَ والأشجارَ والشلالاتِ نوعاً من القداسة.

من خلالِ مقولةِ الطاوي "ادخل السكون" يمكنُ للكمالِ أن يتحققَ في مثلِ هذه الحالةِ عبرَ التفاصيلِ الدقيقة للأشياءِ .لذا، ففي حالةِ السكونِ، سواء أكان في غابة جبلية نائية أو في مدينةٍ حديثةٍ مزدحمة، ستكشفُ الأشياء لك عن ذاتِها،وسينتجُ عن ذلك كلِه نوعٌ من البهجةِ والرهبةِ والاحتفاءِ والعَجبِ، وللحظةٍ ما، سَيتبدى لكَ الكمالُ. يُقدمُ Ion Codrescu الروماني هذهِ اللحظةَ من الكمالِ في نصِ هايكو:

بركةُ الحقلِ

يتوانى عبقُ الحصادِ

في الليلِ

في هذه القصيدةِ التأمليةِ تأثرَ الشاعرُ بمشهدِ البِركةِ في حَقْلِ المزرعةِ ليلاً. هُنا يركزُ النصُ بشكلٍ خاصٍ على حالةِ السُكونِ بلْ وعلى تجسيدِ السكونِ ذاتِه. فلا وجودَ لأيِ نشاطٍ يوميٍ في النص . فقد تمَ حصادُ الحقلِ. بينما يعززُ حالةَ السكونِ عبقُ الحصادِ والأرضِ الخاليةِ. ويصبحُ العبقُ "مجازًا عضويًا" للوحدةِ الخاصةِ والمُطلقةِ التي تَظْهرُ في الهايكو كنوعٍ من الكمال، وهي لحظةٌ رائعةٌ قد يصلُ إليها القارئُ أو المستمعُ. وذلك  المَعْنى السَامي للهايكو تؤكدُهُ مقولةُ الناقد الأدبي جورج شتاينر، "عندما يفرغُ الشاعرُ من كتابةِ نَصهِ، يُشرع ضوءٌ عظيمٌ في البُزوغ".

مختتمٌ:

من الضروري أن نُركزَ على جوهر الهايكو في هذه الحقبةِ من تاريخِ العالم. فالشعورُ والعاطفةُ يتمُ تهميشُهما في عصر ما بعد الحداثة. ونظرًا لأن الهايكو قائمٌ على الشعور، فإن قيم ما بعد الحداثة ستسلطُ الضوءَ على جوهر الهايكو من خلال الاهتمام بطبيعة الشعور. أيضا على المحك تطرح علاقة الهايكو بالطبيعة، لأن الطبيعة حاليا يبدو أنها في حالةِ تأزمٍ. فكلُنا نتوقُ إلى التواصلِ فيما بيننا وحتى مع العالمِ، في مسعىً مِنا إلى نوعٍ من الكمال. ويبدو حالياً أن الطبيعةَ والجمالَ ولحظةَ الهايكو، أو الالتفات للخاص أقلُ أهميةً في حياتِنا اليومية . ربما لهذا السبب، استحضر شوكان تاداشي كوندو الياباني ثورو عند مناقشة مشروعِه الذي يُشبه سايزيكي "72 عبارة سحر موسمية" في مؤتمر الهايكو الأوروبي الثاني، وأطلق على الهايكو "الشعر البيئي". قد تساهمُ استعارة الهايكو المطلقةُ على إنقاذِ مشاعرنِا وطبيعتِنا وجمالِنا. ويمكنُها أن تساعدَ في الحفاظ على إحساسِنا بالكمال - في عصرِ ما بعد الحداثة – أو ربما حتى في العالمِ ذاتهِ.

تذييل

بروس روس شاعرٌ وناقدٌ كندي، تولى رئاسةَ جمعية الهايكو الأمريكية، ودرَّس الهايكو الياباني من خلال ترجماتِه وألقى محاضراتٍ عن الهايكو في أمريكا وكندا واليابان ونيوزيلاندا ورومانيا . أصدرَ عام 2015  مجموعةً تحت عنوان " مختارات من الهايكو العالمي المعاصر. يعيشُ بروس روس حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية.