انعام كمونةتوظيف الحواس كرموز استعارية في الشعر أو النثر ظاهرة اسلوبية يعمد لها الشاعر كأداة بنائية بتشكيل فني انسانية التعبير لإيحاء مقصده بثراء دلالي، ونغمة حسية فاعلة بسياق نفسي، ولأن الشاعر المبدع من يستطيع ان يصور انفعالاته عبر تخييله بدمج الأحاسيس مع تجربته الشخصية أو تأثره النفسي او العاطفي وحتى من جوانبه العقلية عبر رموز أو علامات متكاملة الانسجام، واستخدام الحواس مجازا من العناصر المؤثرة في تشكيل القصيد حين يكون الانفعال النفسي والتأثر الحسي مركز الرؤى بمشاعر وجدانية صادقة، سينهمر الإلهام الرائع تنسجه خبرة توثق الأبداع بمفارقات تأسر القارئ، لما لها من تبادل يثري الفكرة ويزيد من سعة الدلالة وجمال الصور ببراعة لغة الشاعر....

 - العنوان

 - للعنوان أهمية في القصيدة الحديثة، فهو من ضمن العتبات النصية الموازية لمتن النص، له تركيبته ونسجته البنائية يحمل من الدلالات الكاملة والضمنية وجزء لا يتجزأ عن النص الأصلي ان كان شعرا أو نثرا أو خطاب منه نستدل لفحوى متن النص، يذكر جيرار جينت في كتابه العتبات (أن النص الموازي هو الذي يجعل النص كتاب يقدم إلى القرَّاء بصفة خاصة والجمهور بصفة عامة)، والعنوان عتبة وسيطة لا يمكن الاستغناء عنها لها صلات وعلاقات مع عتبات متن النص الأخرى....

 - العنوان (أستأذنكم بهنيهة حزن) وحدة دلالية تشكيل فني لجملة فعلية ذاتية الشعور ببنية صوتية عاطفية الإيحاء لوجع انساني بما تكتم في رمزيتها من جدلية عقائدية بأبعاد حسية لمراسيم حداد وسيمائية تواصل بسياق اجتماعي لتعزية النفس بمشاركة الآخر باستذكار صوفي تستجلب حسية الآخر لوقفة قدسية بتأثر نفسي، احالة للتأبين ....

 - يتراءى المستوى الصوتي من ملامح معجمية (أستأذنكم)، فالفعل المضارع (استأذنُ)دال على إتكيت حضاري متعارف عليه لإستسماح الآخر، ودعوة مشاركة عرفانية بلغة أنيقة وسلوك اخلاقي يؤنس الروح، ويبدو من مصدر الفعل (الاستئذان) صيغة حركية الإيقاع انتقالية الزمن بدلالة خطاب تشي بالضمير المتكلم (الكاف) لمجموعة عامة أو خاصة من محيط الشاعر يلتمسهم لإقامة مراسيم حزن مما يعني ان العنوان يحمل في طياته المكان والزمان ....

 -  تضمن العنوان مساحة زمنية محددة ب (هنيهة حزن)، وهي فترة زمنية قليلة جدا تنضوي على اداء شعائر دينية برؤى مختلفة من تراث عقيدة لأخرى، تنسجم ذاتيا بدلالة ما لكل قارئ وتحيل حواسه لزمن غادر صفحات حياته بتجربة أو تستنفر خواطر الذات من وحي الاستذكار تتجلى بوقار روحي مراود لتأويلات تتماهى مع سعة التفاعل وعمق الأثر مما يخلق حركية الدلالة بإحالات نفسية تستأثر سؤال القارئ لالتماس بقية النص فيجيز الأبحار في جمالية النص وخباياه الوجدانية بتعدد الهنيهات ....

 -  وعلى المستوى الدلالي يبدو جمال الانزياح التركيبي في الصورة الشعرية للعنوان في المجاز (بهنيهة حزن)، من الجار والمجرور، فهو استهلال ظرفي بدلالة تأسي الذات برؤية خاصة تثير الحواس،، تشي بثنائية تضاد مستتر خلف وقفة اجلال موشحة بالحزن، فلا حياة بلا ومضات فرح ولا موت بلا حياة، احالة تأويلية لكيان الوجود...

 - النص

 - الحواس هي أداة الوصل لنقل المعرفة بين الكائن الحي والعالم الخارجي ووسيلة الأدراك بوظيفتها الطبيعية وسماتها المنطقية يقول ابن الأثير: ("الإحساس العلم بالحواس، وهي مشاعر الإنسان، كالعين، والأذن، والأنف، واللسان، واليد، وحواس الإنسان: المشاعر الخمسة، وهي: الطعم، والشم، والبصر، والسمع، واللمس".) لذا يستدعي الشاعر حاسة معينة بانعطاف وظيفتها العضوية لحاسة أخرى أو تعينها كمحسوس بتجاوز سيمائي لإنتاج نسيج لغوي بجمال الصور وبيان الإيحاء...

 - من أول عتبات النص نستدرك مونولوج مشاعر الحزن نابع من خلجات الروح بوجع الفراق، ورثاء متألم يبدو من ثنائية الضمائر (المتكلم والمخاطب) للحواس بوجدانية الاشتياق يرن بنغمات الأسى لصمت متنحي ....

 - النص:

 أنادي عيوني

 أعاتب دمعي:

 كفى نظرا للمرايا التي ألِفتْ وجهَها

 كل هذي السنين الطوال

 أقول لكَـفّي وأرجف:

 كفى عبَـثا في الخزانةْ

 - بمستوى صوتي استفتح الشاعر قصيدته بتشكيل لفظي حواري (أنادي، أعاتب) باستخدامه لهذه الأفعال المضارعة يشير لحميمية المناجاة لذاتية موضوع، بجرس صوتي للتنبيه عن المستوى الفعلي لحزنه بضمير الأنا، وهو اشارة تكثيفية لدلالة حالة انفعال مستمر لمشاعره النفسية المتألمة للفقد، فالمناداة لمن هو بعيد اما العتاب لمن هو قريب، وبهذا عبر الشاعر عن تجربته الشعورية بتجاور مختلف خلخل ذبذبات الصوت بتضاد متآلف وحد النغمات، فلنرى لمن ينادي ويعاتب ..؟...

 - نلاحظ اسلوب لغة الشاعر باستخدام تقنية الاستعارة لرموز الحواس للتعبير عن مضمار أعمق بتبادل الأداء الوظيفي بينهما، ففي المجاز التالي (أنادي عيوني/ أعاتب دمعي)، سياق لغوي غير معياري ببنيات صوتية تجلى فيه تراسل الحواس، وهي دينامية خصبة الإيحاء فنية الادوات بجمالية التركيب، مزج فيها صور الحواس بإحساس وجداني فالبس حاسة البصر سمة السمع والإصغاء، فنرى سمة الحضور الصوتي معبر من توظيف معانيها لدلالاتها العميقة ...

 - ولنلتفت لما يكتنزه الانزياح الاستبدالي بمشاعر مرهفة بالمناداة والمناجاة العذبة المعبرة عن دلالات الحرمان بإنسانية الحواس وهو تأكيد شعوري من تراكم الأسباب في الا وعي فتنبعث من مخيل الشاعر لتبدو برؤية أوسع للقارئ للتماهي بتأويله....

 - كما يبدو مستوى طبقي آخر للحوار الحسي بصوت الأنا، سمة مونولوج روحي، وبتكرار حرف الياء اللينة ما يؤكد التواصل النفسي مع كيان حيوي بتكثيف الشعور الحسي في (أنادي عيوني/ أعاتب دمعي/ أقول لكَـفّي، ...) نلاحظ وتيرة الصوت بضمير المتكلم في كل من الاستعارات لحاسة البصر واللمس، موحية بنبرات نغمية تومئ لدلالة ذات عاطفية متوترة نفسيا....

 - نسترسل بحواره مع الحواس فهل يستغني عن حزنه ويكتفي عن ملاحقة حواسه..؟ لنستبصر الرؤى بما تشي هذه المجازات الفنية (كفى نظرا/ كفى عبَـثا) بعلامات التكرار لمفردة (كفى) سمة التكثيف الصوتي تناغم داخلي بلغة شعرية متجانسة الإيقاع، ومنه يتراءى دلاليا للقارئ الصراع النفسي الذي يجتاح الشاعر بصدى الذكرى ....

 - وتناسب نغمي في صيغة اسلوبية أخرى بتكرار مفردتين كما في (ألِفتْ وجهَها /الى وجهها) فنجد الاستعارة برمز الوجه أداة جمالية فاعلية التعبير فالوجه بؤرة الحواس، استقصده الشاعر بخبرة شعرية معتقة لحيوية رمز يتشظى دلالات مشاعر، بسيمائية تأويل توحي بعزف استذكاري مؤطر بانفعالات الأنا وتخيلها بتكثيف يرفد المعنى العام لمضمون القصيد فيستسيغه القارئ بتداولية الرؤى، إحالة لعدم النسيان .....

 - ولمستوى صوتي للاستعارات البلاغية التي استعان بها الشاعر رموزا من وحي الطبيعة للتشبيه بأدوات تقنية التعبير وبنية جمالية لتبدو الدلالات مألوفة لبصيرة القارئ منها (كالطير/ كالجناحِ / كأحلامنا /شمسي(، وما لدوالها من وقع خيالي مألوف في نفسية و ذهن القارئ تأسر رؤاه جاذبية الدلائل بجرس الفاظها وعذوبة إيحاءها، وهي إحالة تأويلية سيمائية رمز المرأة ومخملية صفاتها ....

 -  ثم ينحى اسلوب الشاعر باستخلاص رموزا من مقتنيات الأنثى الحبيبة، وما تتحلى به من ميول فطرية للتزين، وإضفاء بنية تشكيلية جمالية بصور وصفية رائعة بمشاعر انسانية تنم عن الإخلاص والوفاء الروحي .نجده على أبواب خزانتها وأدوات زينتها الشخصية فيتقد حنينه باستشعار حضورها عبر محاكاة جميلة تبعث بإحساسه لزمن شخصيتها ب (عطر المليسيا / أثوابها / أزاهيرها/ السوارُ / فصّ عقدي)، بإحالة معبرة عن المعادل العاطفي للحنين والاحتياج، وهي لحظات تأبينية باستذكار حسي رومانسي، بدلالة تأويلية لتعزية النفس عاطفيا ....

 - ولمستوى توظيف الماديات كرموز أنسية بنغمات حسية شيقة بعدة مستويات في ::-

 وتلك مخدّتها لا تنام

 معبأةً أرَقاً مستدام

 -  وتناغم نسقي بجمال الانزياح يشير باسم الإشارة (تلك) لماديات تؤنسه في وحشته فيمنحها مشاعر معنوية انسية العواطف ب (النوم والأرق) تنوب دلاليا عن سكون جميع الحواس، برؤى تتزاحم أحاسيسا في اللاوعي فنراه يعبر بلسان حال كل جزء من تفاصيل حياة الحبيبة مواسية بمشاركته احزانه بمناجاة روحية بلهفة عاشق....

 -  وبجرس حزين النغمات نستدل منه أُلفة حوار تتقد من تفاصيل صغيرة متعددة برهافة حسية::-

 تلك أثوابها فقدتْ لونها

 أنهكتني أزاهيرها في القماشْ

 تريد رحيقا شميما

 وعطراً يشذّب أحزانها

 - بإشارة أنثوية لبعد المسافات نلاحظ اسم الإشارة (تلك) به يشير لبقايا مقتنيات رفيقة عمره التي تشاركه شعور الفقد والشكوى من الحرمان، فنستقرأ من التعبير الآتي (فقدتْ لونها)، فاللون ادراك بصري بمؤثر نفسي، احالة دلالية لغياب الحواس (المرأة)عن المحسوسات (المقتنيات)،، فمن أعماق اللاوعي يسرح بحواره مع تفاصيل دقيقة لمقتنياتها فتتمثل في أفق رؤياه بحواس إنسانية تستشعر حزنه وترثي لرثائه إحالة لتفاقم الوجع العاطفي باستذكار دائم....

 - ولننحو لدلالة الأفعال الحسية الآتية (فقدتْ وأنهكتني) توحي بمعاناة المشاعر إنسانية، ومن الأفعال الحسية التالية (تريد ويشذب) توحي بمشاعر الاحتياج العاطفي، احالة لدلالة خفية عن كل وظائف كل الحواس بإدراكات نفسية، فنستقرأ حالات شعورية متعددة الدلالة بلغة غير مؤتلفة باستعارة محسوسات من الطبيعة (اللون والأزاهير) فكيف تشاركه مأتم أحزانه ..؟ ...

 - واستعارة متمكنة بأداة تشبيه الحبيبة بمحسوسات شمية من كيميائية الطبيعة(الرحيق، العطر) بإيحاء دلالي عن امرأة تنعش الروح نفسيا فيتبخر الحزن، نلاحظ بناء تشكيلي فني رائع بجمال الانزياح في صورة شعرية مختزلة بنغمة التجاوز وبتبادل وظيفة الحواس بالمحسوس، سيميائية استعارة باذخة الإحساس، وأنسنة حية تتبدد منها طاقة تأويل بمغزى بلاغي، احالة لمشاركته مراسيم حزنه....

 - ولمستوى صوتي آخر بعزف حسي عذب الذكريات في::-

 يا لشمسي التي رحلت غيلةً

 وهل تهرم الشمس عند الممات؟

 وذا خيطها الضوء يبزغ رغم السبات

 يجدد فيَّ الحياة الزؤام .

 - بحرف النداء (يا) نستقرأ سمة الفراق المؤلم بنغمة مناداة لبعيد قريب يسكن العقل والقلب والروح، ونستقرأ من بنيته حرف الألف والياء بما تناسب مع ملامح الحزن والندب والرثاء، ثم يتبعه تشبيهه استعاري لأحد رموز الطبيعة في(يا لشمسي) جمال الوصف بتوهج المعنى بما تمتلك الشمس من قوة ايحاء دلالية للحبيبة برؤى القارئ، كما أن الشمس رمز أسطوري لآلهة الشمس عند كثير من الحضارات القديمة بقدسية صوفية وروحية، بإحالة رمزية لألوهية المرأة في حياة الشاعر، تشبيه متميز وراقي لمكانة الفقيدة، فنرى اسلوب نغمي تنامى مع بقية الأنساق إيقاعا ...

 - ثم نستكمل مستوى استفهامي تتكثف فيه مأساته بصوفية التفكر ومجهولية الإجابة عن دلائل الموت والحياة يلفت انتباه القارئ ليؤول دلالاته عن شغف معرفي بعقائد دينية أو معالم علمية بروحية الفضول في (وهل تهرم الشمس عند الممات؟)، سؤال بذهنية صوفي طالما استنفذ ذهنية المخلوق عن كنه الموت وماهية الخلق، ومنه نستدرك تناغم حسي لمادية الكون ومعنوية الوجود أو بالعكس فيطرب القارئ بفضوله للنفوذ إليه في دوامة المعرفة....

 - واستذكار زمني بتضاد استعاري لتشبيهها ب (الضوء) المتوهج كناية عن استمرار استذكاره لها ب(رغم السبات) ببيان الصورة تشبيه متمكن للموت بمعجمية حياتية لكائنات حية، تكتنزه الروح غربة عن هذا العالم يستشعر طعم الوحدة بتذوق مرارة فراق دائم، ينم عن حزن معطر بصوفية الحنين لرفيقة عمره بشعور مأساوي بالفقد....

 - ول نتوغل في لوعة المناجاة لخاتمة القصيد ::-

 " ضاع السوارُ وفصّ عقدي

 وبـقـيـتُ فـي بغـداد وحْــدي

 كــانــت صديــقـة خافِــقِــي

 أدراج مُــرتَــفَـعي ومجدي

 - ويتجلى مستوى صوتي ممزوج بأحاسيس حزن متراكمة في الخاتمة دفقة شعورية باذخة بإشارته الدلالية في التشبيه الاستعاري رموز أنثوية أخرى من حلي المرأة، توحي بعمق المغزى وجمال التعبير في (ضاع السوارُ وفصّ عقدي)، وهي إحالة تأويلية لسيمائية رمزية عن تبدد نسيج حياته بما توحي بالسوار والعقد كحلقة الوصل بالحياة الشخصية والعامة وشعوره بالوحدة فهي صديقة دربه بتلاحمهم الروحي....

 ما ضـرّ لـو مُـتْــنـا مَـعـــاً

 إلْـفان واشْـتَـركـا بِــلِـحْـــدِ

 وحدي أيؤنسني الأسـى؟

 عمرٌ بفقدكِ كيف يجدي

 - دفقة شعورية صوفية الدلالة بإيقاع عاطفي متناغم تستنفز أنا الشاعر بالتضحية، مكتنزة بالتضاد الصوفي المتواري خلف انزياحات الصور بحوار خطابي عن جدلية وجود (الموت والحياة) و(الغائب والحاضر) بضمير تضادي بين (المفرد والمثنى)

 تتنوع الدلالات ببعض إنشائية العبارات ومجازات صور بمأتم رومانسي ينعي الشاعر نفسه والحبيبة التي غيبها الموت بمأساوية الشعور النفسي، وما ترك من أثر سيكولوجي لتمنيه الموت معها ليؤنس وحشته الائتلاف كما في الحياة، هي صورة تعبيرية فائقة الروعة في العطاء والتفاني والإخلاص، بإحالة تأويلية عن مشاعر جياشة تجسد أقصى التضافر الروحي مع الحبيبة....

 - الخلاصة

 - رؤية شعرية عن كينونة الوجود صوفية الصور روحية التأمل بمنولوج روحي جسد فيها ذروة الجانب النفسي عن الفقد بمضامين انسانية شفيفة التعبير عميقة الدلالات توالت برموز الحواس وإيحاء بكيان الأحاسيس والمشاعر، أثرى النص بتبادل الحاس والمحسوس، بلغة ايقاعية وأصوات حميمية تحاكي عاطفة القارئ وتستدرجه للبحث والتنقيب عما خلف المفردات ودواخل العلامات وباطن الإشارات، ببنية السهل الممتنع وأسلوب سلس بنسجة فنية وتشكيل جمالي بترابط الأنساق وتناغم الأصوات، اسلوب انسيابي بهمس وجداني نبيل من تداعيات الشعور بترددات حزينة تتوافد من مأتم رومانسي ونعي غزلي، فأجاد الشاعر بإيصال الفكرة بحسب قول فلوبير(اذا كنت تعرف ما تريد ان تقوله بالضبط فسوف تقوله بصورة جديدة، وذلك نبض الأبداع الذي يستمد ديمومته من الانفعال الصادق والقدرة على صياغته بأسلوب ملائم).

 

 قراءة / إنعام كمونة

......................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

أستأذنكم بهنيهةِ حزن / جواد غلوم

 

 

تبدأ رواية "ارض اليمبوس" لـ إلياس فركوح، بالتنبؤ عن حرب الخليج الثانية قبل وقوعها " أوشك جحيم الخليج على الوصول – ص17"، وتنتهي بعد انتهائها، وما بينهما تتداخل أزمنة الراوي في السرد، فتزدحم: بالحكايات، بالمدن، بالأشخاص، بالنساء، بالحروب، ويبقى الشخصية الرئيسة محصور بين ماضي مأزوم وحاضر يؤدي الى التيه، ولكنه يظل موشوماً بالمرأة والحرب، وبما ان النشاط الإنساني (= الممارسة الحياتية) هو الذي يشكل الاستمرار الوحيد للماضي او بالعكس، بمعنى أن باستطاعة المؤلف/ القارئ الكشف عن الحاضر بتفسير الماضي او الكشف عن الماضي بتفسير الحاضر، عملية متعاكسة تعطي النتيجة ذاتها، هنا ومن هذه الرؤية يصبح بمقدورنا ان نستخلص أسئلة ثلاثية هي: ماذا يعرف؟ ماذا يستطيع؟ وماذا يكون؟ وانه أثناء التساؤل يتشكل بعدين أساسيين للأسئلة ذاتها، دون اختزال او تقاطع مع بعضها، لانها مرتبطة أساساً الواحدة بالأخرى، بعّد مجازي/ المعرفة-السلطة-الذات، وبعّد وجودي/النص-الواقع-المبدع، ومن الممكن ان يتداخل البعدين في بعضهما ليكونا بعداً واحداً هكذا: المعرفة/النص، السلطة/الواقع، الذات/المبدع.

 ولو عرفنا ان المعرفة في "جوهرها عمل زماني"(1) كما يقول غاستون باشلار، وان السلطة "تكوّن كل المجتمعات"(2) كما يصرح رولان بارت، وان الإنسان "فكرة تاريخية"(3) حسب تعبير موريس ميرلوبونتي، فالكل اذن أصبح مرتبطاً باللحظة التاريخية المؤدية الى تكوين الوعي التاريخي، لانه في هذه الصلة ايضاً يكوّن الوعي الذاتي، وبالتالي فان النشاط الإنساني هو الذي يقرر الوعي التاريخي والوعي الذاتي.

 واستناداً على الأبعاد الأساسية نحصل على الإجابة بعد ان تكون قراءتنا قراءة تأويلية. لان هدفنا هو تأويل "ارض اليمبوس" الرواية، واستثمار كل الإمكانيات لتفعيل النص، واثرائه دلالياً، ولكي تتطابق حالة الوعي الذاتي للقارئ بماهية الرواية، لعلاقاتها مع الواقع أي الوعي التاريخي، لوضعها مع الأشكال الجديدة عند كل مستوى: اللغة، الأسلوب، البنية، التقنية، وكل ذلك يؤدي الى الكشف عن علاقات جديدة، وبان الإنسان يحفر وجوده بالفعل في الذاكر التاريخية-الذاتية.

 عمل إلياس فركوح على تقسيم روايته الى ثلاثة أقسام كل قسم يتألف من تمهيد/مدخل، ومقاطع/فصول، واطلق على كل قسم اسماً: السفينة-الاسماء-اليمبوس.

 في المداخل نقرأ أو نرى إنساناً مريضاً، راقداً في غرفته بالمستشفى يحدق في لوحة معلقة على الحائط بجانب النافذة، تمثل سفينة "تغرق في بحر خضرة متوحشة-ص13"، داخلاً في حوارٍ مع ذاته، حول الرواية التي سـ يكتبها، وحول وجوده، والآخر، والعالم، ولكن "لاشيء يكتمل-ص179"، وتبقى الأشياء دائماً وبالاخص الجميلة والمسّرة ناقصة لاتكتمل، كما في جملة ابيه المارة التي يكررها دائماً.

 ولكن تظل الكتابة عنده "حقيقة تاريخ الإنسان"(4)، وكلما نتوغل في المداخل/العتبات، نعثر على العلاقة الجدلية بين تاريخية النص ونصية السيرة وجوهرها السردي، ففي الكتابة يقهر الفناء، وذلك بالبقاء في الذاكرة "اكتب لتكتشف ابديتك – ص15"، اكتب لتخوض المغامرة ولتكتشف حقيقتك، اكتب لكي تقتحم غمار عالم بلا حدود، و "اقتحام لعبة الرواية – ص63" ونحن بدورنا نتساءل كما تساءل محمود جنداري في قصته :زو-العصفور، الصاعقة": هل الكتابة علامة(5)؟ ام هي "عملية حذف واضافة تنتج عن وعي حاد ص19-74"، فالكتابة تعني تثبيت خلود الإنسان و "تنظيم العالم"(6) وترتيبه، والقبض على اللحظة، رغم ان الكتابة جزء من اللحظة لانه "ليس للزمن من واقع الا في اللحظة"(7)، وفيها تتكدس الأسئلة وتتكوم اكثر بكثير من الأجوبة، الأسئلة المتناسلة فينا، والمزدحمة فيّه، حيث يكاد يغص بها: "ماذا ترى؟ ماذا تقول؟ ماذا تكتب؟ ص172".

 فالكتابة عن ارض اليمبوس، معناه الكتابة عن الإنسان المحاط بالريبة والشك، معناه الإنسان الذي وضعه الآخرون على الهامش، وفي عمق الاغتراب الإنساني:

- لست منا، فلماذا تكون معنا؟

- لست منهم، فكيف تكون معهم؟ ص174.

وعندها! ... انتمى لنفسه، والتجأ الى ارض اللااحد، ارض الحرام، الارض المنزوعة من الافتراس، ارض ليست جنةً وليست جحيماً، ارض يشرف منها على الآخرين ذاتهم وعلى العالم، وعلى مأساة إنسانه القابع فيّه.

لقد منح إلياس فركوح لعنوان روايته معنىً اضافياً، الا وهو المعنى الايديولوجي بجانب المعنى اللاهوتي، المستفاد منه رمزاً ودلالة في تشظياته، وانزيحاته المفتوحة، بحيث جعله في موضع المخاتلة والالتباس عند القارئ، وهذا ما اراده وما قصده الروائي.

والمثير عنده ايضاً، انه وحّد الكتابة والجسد بشكل متفرد ومتميز، فمثلاً جعل الكتابة والأصابع-التي هي جزء من الجسد-تذهب حرة وبعيدة داخل الدهاليز السرية لاكتشاف جوهرها في الاعماق المبللة بالرغبة والتوحد: "فالأصابع، كما الجسد بكلّه، تدخل لتتحسس.. وبالكتابة نذهب عميقاً –ص170"، فالنص "يتكلم من خلال الطرف الاخر، أي المؤول، ومن خلال المؤول فقط، تتحول العلامات المكتوبة الى علامات ذات معنى"(8)، لان الغاية من التأويل ليس تفسير النص، بل هو الكشف عن النظام الذي يسمح بإنتاج النص السردي، ويمكن للقارئ/الناقد ذو الكفاءة من اكتشاف معانيها المتعددة، بل هو يمثل أجوبة سيمائية لأسئلة يثيرها النص، بمعنى آخر مغاير، ان الذاكرة والجسد هما كتابة في الكتابة.

إن إلياس فركوح، اشتغل على خلق (=نحّت) رواية، التي يتشكل زمنها داخل النص بواسطة تعاقب السرد واللحظات الشعرية، اما القارئ للرواية. فقد اشتغل على إعادة الخلق الخاص بالقراءة، لان الزمن يتكون خارج النص الروائي بفعل القراءة وإعادة خلق النص ذاته، على الشكل التالي:

المؤلف = السرد    ←    الزمن داخل النص   }   القاسم المشترك

القارئ = القراءة     ←  الزمان خارج النص  }    بينهم الرواية

أي ان المؤلف يكتب من الذاكرة، بينما القارئ يؤول المكتوب، ويعيد صياغته، حسب عمق الرؤية، وفي هذه العملية يختلط الحلم بالحقيقة، والواقع بالذاكرة، والجسد بالزمن، وإبراز العلامات التي يتسم بها النص، الضاجة به، إلا وهي المرأة التي تمثل: الانبعاث، الولادة، أي الجسد. والحرب التي تمثل: الخراب، القتل، الموت، أي الابادة - وفيهما كانت الشخصية الرئيسة، المقتبس اسمه من معجم القديسين، والذي كان اسمه لا يطابق مواصفات القديس المسمى به، وبعيداً عن أساطيره وكراماته، فهو ليس "سوى بشري، ضعيف غالباً.. دائماً –ص69" حيث يدفعه ذلك للتشكيك في اسمه الحامل له، ومن "يتلبس الآخر، الاسم ام حامل الاسم؟ -69" ونذر ابيه المنفذ بحذافيره عندما اراد ان لا يقص شعره الا في كنيسة مار الياس المسمى باسمه الياس! وان معاني الأسماء لا تنطبق على المسميات دائماً- فهو لم يستطع التنصل منهما: المرأة والحرب، ولا الابتعاد عنهما، بل بقى للأخير بينهما، موشوماً بهما من الداخل والخارج، لا انفصال ولا انفكاك، فهما محورا حياته، ومحورا النص.

 بالمرأة نضيء ذاتنا، بالمرأة تكتمل حياتنا، وبالآخر نحقق وجودنا، وعبارة "لاشيء يكتمل!" تغير مسارها هنا، ولن نكون: انا-انت "خارج الجسد" ابداً، بل علينا ان نكون داخل الجسد، وان نخوض التجربة، فلا متعة بدون التجربة، لذا علينا ان لا نقمع الجسد، بل نحرره، ولكن لن نتخلص "من كومة الأسئلة" و "لن تكتمل الاجابة –ص23".

 ان التجربة الأولى هي جزء من طبيعتها الشمولية: "ميتة من الخوف" قالت هذا بعد أسبوع واحد فقط على تحسسنا لجسدنا عند زاوية الدرّج، وقد تملكتنا بسبب ذلك، رغبة الاكتشاف. حافظنا على بكارتنا مكتفين بمعاينة أعضاء جسدينا الحميمة. كنا نجسُّها بالأصابع والأكف، وكنا نرتجف طوال الوقت-ص51". ان تفكيك التجربة واعادتها الى مصادرها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ومعرفة مرتكزها يؤدي الى تعميق وتوضيح الخصوصية للتجربة. والانطلاق في تجربة اللحظة الجمالية، بوصفها مفتوحة للمعرفة(9)، والاندماج بالعمل الادبي وبالعالم، ونتيجة لهذا النشاط الاندماجي تكون معرفتنا بذاتنا-انا، انت، نحن-وبالعالم ذاته، وان تفكيك التجربة "المعنى" في الكتابة لا علاقة له بتاتا بالماورائيات، بل بالإنسان، رغم ان الإنسان "نسّاءُ متآكل الذاكرة-ص87".

 يتساءل يوسف ضمرة في جريدة الحياة اللندنية: هل ثمة علاقة بين الجنس والحرب؟ كما تساءل المسمى بأسماء القديسين: عما جمع بين المرأة والحرب في تجاربه كلها؟:

"غسلتك وحممتك كأنك ولدت من رحمها للتو من رحمها هي.

دعكت جسدك بالليفة والصابون (كانما هي امك ايام زمان) وكنتما في حمام فقير. انت تجلس على كرسي واطئ، وهي تقف خلفك تدلق ماءً فاتراً، بينما الحرب تبتعد وتنأى لتنبعث في اغانٍ تتجدد بين حين وحين.

ثم طال الحين وامتد فصار سنين كبرت عبر مسالكها، ونضجت في ايامها جمراتٌ وحروب اخرى، لتؤكد لك انك الابن الموشوم بها، ومنذ الولادة.

ولدتُ في سنة النكبة! خرجت من رحمها! تحت برج الحوت كانت ولادتي، والحوت ابتلع بلاداً اسمها فلسطين-ص29، 30".

 اذاً نشأ وهو يدين بالولاء لمدن ضائعة، ونساء مختلفة، فتلك كانت قضيته، والحرب لعنته، التي وشمّت جلده كله، متصاعدة دخان حرائقها من مساماته، يتنفس عبيق نسائه، ومحتفظاً ببوابات مدنه السحرية في الذاكرة عميقاً، ان هذه التوصيلات الواقعية ذات الدلالات الرمزية، تضم الحقيقة التاريخية والسياسية والثقافية عند المتلقي، وبالقراءة يعمل على تفكيكها ثم اعادة تركيبها، ومن جهة اخرى، ان النص الروائي "هو جزء من الحياة الفكرية للمؤلف في شموليتها، أي انه ينبغي فهم النص انطلاقاً من النص نفسه"(10)، لانه لاحدود فاصلة بين النص والمقروئية التفسيرية لمحتواه، فالتواصل يجب ان يكون قائماً ما بين النص والمتلقي / القارئ.

 ان رواية ارض اليمبوس، هي البحث عن الهوية الضائعة والمفقودة في متاهات الذات اللاواعية، وعن الانتماء الحقيقي للإنسان، ان ذلك النوع من معرفة الذات "مهمة تقتضي الامكانيات الذاتية والموضوعية معاً، انه نوع من قراءة الذات يدخل في الاعتبار اشكالنا التقليدية للنظام، اعني تقاليد لاقوانين الهية منزلة"(11)، فالذاكرة والتراث وحدها لاتشكل الهوية او تحديد الذات بهما فقط، بل بالتفاعل بين المجتمع وعناصره الثقافية ذاتها ومع العالم، ومع الاخر، عندئذ تبدأ عملية ادراك الذات واكتشافها: لن تتخلص من كومة الأسئلة، مثلما لن اتخلص منها بدوري. غير ان سؤالاً يبقى يلح علينا ولن نعثر على جواب له. اما نحن، ففي الوسط. لسنا هنا ولسنا هناك. لسنا في الجنة، ولسنا في الجحيم. افي ارض الحرام نحن؟ ص232".

 أمن حق القارئ ان يتساءل، هل ان لغة إلياس فركوح مكتفية فعلاً، لانها "تغوص في الميثولوجيا الشخصية والسرية للمؤلف" كما يقول بارت في "الكتابة في درجة الصفر"، لا اعتقد ذلك ابداً، لانها تغوص فينا جميعاً ايضاً، تغوص في أفكارنا، في حكاياتنا، في تاريخنا، في تجربتنا، في مدننا، في حروبنا، في رؤيتنا المختلفة للعالم، أي انها تغوص في حياتنا وموتنا (ص170-200)، ولانها ميثولوجيا جمعّية، انها خوفنا من المجهول، فنحاول ان نكسره بالحكايات، كما يفعل خضر الشاويش، صانع الطبول وبائع الفخار، الشخصية الروائية التي تحكي فقط، تحكي الحكايات التاريخية عن الإنسان المغترب المهجّر، المنزوع من جذوره، المترحل في ذاته، والمدن الغائمة المبحرة في داخله، ولان "الكتابة ليست هي الحكاية –ص100" فانه يعتبر الصوت الموازي لصوت الراوي في القسم الثاني / الأسماء، ففي "الحكايات يحضر خضر، وفي كتابتها تحضر انت، فماذا قال خضر؟ وماذا كتبت انت؟ -103"، لقد حكى عن مأساة الإنسان العربي الفلسطيني، وكتبت عن الإنسان العربي المغترب، والإنسان فيه كادويسيوس التائه في لعنة الآلهة، والمحّقون بالأوهام الدونكيشوتية، والخاسر الأبدي، منذ الكتابة الأولى، وبالأخص منذ النكبة، والعدوان الثلاثي، وهزيمة الأيام الستة، والعبور، والخليج الثانية واخيراً عاصفة الصحراء، ستة حروب بالتمام والكمال، مرت عليه، انسلت اليه، ملكته لولا المرأة، وكانت كلها...! فعندما يستحضر الحرب تحضر المرأة، وبالعكس، انهما الحياة / المرأة، والموت / الحرب، وهو في عمق المأساة، يسخر منها بمرارة، ويستهزئ بها، كما في المقطع التالي، عند مقارنته بين رامبو الشاعر الفرنسي، ورامبو القاتل الامريكي في الافلام:

اليوم بلغت الخمسين، وبحسب إشارتك عن التواريخ: "عبرتُ ست حروب ابيض خلالها شعري" الخرنوبي !" ظلت صامته تنصت إليك بصبر، كنت احمد بمعنى ما، بكيفية ما، على نحو ليس لائقاً لرجل مثلك، في الخمسين. لم تحدثها عن رامبو الا قليلاً. بل سخرت عندما أشرت الى انه ليس رامبو الامريكي صاحب البطولات الخارقة والعضلات الفولاذية. قاتل الأشرار ومهلك الفيتناميين الاقزام – ص209".

ليس هذا فحسب، بل العمل على اكتشاف معنى التاريخ في السيرة وفي ذاكرة النص، الذي يخترقنا في كافة الاتجاهات، ولذا علينا الخضوع والاستجابة الى المعنى العميق المكتشف، بقصدية ايضاح امكانية تأويل التاريخ، أي باختصار البحث عن العلاقة الجدلية بين النص/التاريخ، وعن مدى عمق التفاعل بينهما، وعن موقعهما عند المتلقي.

 فالراوي ينبش الذاكرة، متخذاً في الوقت ذاته، من هذه الذاكرة شكل نص، متحدياً بها سلطة الزمن، وسلطة المنفى، وسلطة القوة المفروضة.

 ولعل القارئ يتساءل عند انتهائه من قراءة "ارض اليمبوس" بفضول شديد، يكتنفه الريبة والغموض، مع اندهاش، لماذا إلياس فركوح تناول المرأة بهذا التكثيف وبهذا الشكل؟ سؤال يفضي الى سؤال آخر، والشخصية الرئيسية تطرح ذلك ولكن بطريقة مغايرة في الرؤية: هل يريد ان يمتلك كل النساء دفعة واحدة؟ ام يحاول ان يختزلهنَّ في امرأة واحدة؟ تَسَاءل مليء باللاعقلانية المناقضة للمنطق والمألوف والطبيعي، واين تكمن العلاقة التبادلية بين امرأة التخييل وامرأة الواقع؟ تساؤلات كثيرة، وإجابات مدفونة في ثنايا النص، او مختفية فيه، ام مستعارة بواسطة التأويل، لانه لا يوجد "شيء أكثر رعباً من غياب الجواب-باختين": "تفتش فيَّ عن امرأة نموذج تكتب عنها، تعريني كي تعريها بحذق في الكتابة. أنت تبحث عن موضوع، ولا تسعى وراء حب. أنت ذكري، لكنك مخصي باهت، وتغفل عن حضني الذي ضمّك-ص185".

 او تكون عنده، صانعة الحياة. مانحة الرعشة، المعلم الأول في فتح منافذ الرغبة: "بات عاجزاً، عن حسم من اجزل عطاءه للآخر: هو أم النساء عبر السنين؟ اهو الذي أعطى، ام الذي اخذ؟ قال. "تعالي لي" فجاءت المرأة الغريبة، لتعلمه معنى الحنين ولذعته اللاعجة-ص137".

 لقد تفرد إلياس فركوح في أسلوبه، وتميز في سرده لامتلاكه لغة شعرية ساحرة، مكثفة، صعبة الترويض، فتكون عند الراوي، فصحى، متحكمة، صلبة بشفافية، مرنة كحد النصل، مشعة، اما عند خضر الشاويش فتكون بالعامية، بسيطة، سهلة الاختراق:

- ولو! معقول انكم بترفعوا اكثر مني وانا بغلبكم؟ طيب انا بارفع زيادة عن اللي بترفعوه-ص105.

ومستخدماً تقنية متنوعة في السرد، كالحوار الذاتي، لذا فان لا مألوفية الحوار الذاتي تفيد من الحقيقة القائلة انه حين يتعلق الأمر بالأفكار الخاصة بالذاتية، فان الصورة المجازية تصبح الوسيلة الممكنة الوحيدة في التعبير. والسرد المتداخل، والعودة بالزمن الى الوراء بالتزامن مع اللحظة المسرودة، كحكاية موت داوود، فلقد استخدم إلياس فركوح الفتنازيا لتوكيد تشظي الإدراك المألوف لإلغاء الإحساس المتعارف عليه، وللتوكيد بان المنطق والمعقول هما بحد ذاتهما فنتازيا، وتسليط الضوء على التناقض المتواجد بين الخوري سليمان راعي كنيسة الروم الارثوذكس والمبشر الامريكي البروتستانتي، وحيرة داوود المتعاظمة بينهما، لجهله بالأسباب، وعدم معرفته بان الحياة لا تشكل لديه اية معنى أو إحساس، رغم انه "لم يزن، او يشتهي امرأة قريبة-ص79". فان الروائي هنا "ميتافيزيقي مثقف يتقصى المنطق عن طريق الفنتازيا"(12)، كما قال البروفسور ت.ي.ابتر عن بورخس:

" اعترف يا بُني إذن. الرب يمنحك الرجاء"

بماذا يعترف هذا الداوود؟

"تذكرت يا ابونا تذكرتُ"

"ها؟ ماذا تذكرت!"

كانت لهفة الخوري سليمان أشبه بمن ظفر ضالته المنشودة بعد لاي

"لقد كذبت عندما تحججت بالورشة لاغيب عن قداس الاحد"

"وبمذا انشغلت من توافه الدنيا يا داوود؟ اعترف"

تفتحت مسامات الخوري سليمان

"كنت احضر صلاة القسيس ويتمان"

عندها افلت الخوري سليمان توبيخة الغاضب

"تصلي مع الامركاني المتجدد، يادوود!" ص79-80.

 كل ذلك انتج خطاباً روائياً، فذا، متقناً، مغاير عن الخطابات الروائية العربية، انها أي الرواية أصبحت كنار بروميثيوس، تعري المسكوت عنه، وتدخل الأراضي المحرمة، وتنتهك التابوات، وتنتزع ورقة التوت المدعوكة عن الذات المقموعة، الضائعة، المسجونة في الداخل والخارج، وفيها اثبت إلياس فركوح ان "الرؤية للصفوة والغيبة للعامة" كما قال النفري.

 

أسامة غانم

.............................

الهوامش والاحالات

1- غاستون باشلار-حدس اللحظة. تعريب/رضا عزوز وعبد العزيز زمزم. دار الشؤون الثقافية. بغداد الدار التونسية 1986 ص24.

2- رولان بارت- نقد وحقيقة ت/ د.منذر عياشي. مركز الانماء الحضاري دمشق ص47.

3- برانكستر- حول الهوية السردية. ترجمة عبد الله راضي حسين. مجلة الثقافة الاجنبية العدد 1/2009 ص132.

4- جورج لوكاش- التاريخ والوعي الطبقي. ت/ د. حنا الشاعر. دار الاندلس ط2 بيروت 1982 ص163.

5- محمود جنداري- زو العصفور الصاعقة: مجلة الاقلام العدد 11-12/1988 بغداد.

6- بارت – نقد وحقيقة ص59.

7- غاستون باشلار- حدس اللحظة – ص19.

8- هـ.ج غادامير- اللغة وسيلة للتجربة التأويلية. ترجمة/ علي حاكم صالح وحسن ناصر مجلة مسارات العدد 4 شتاء/2006 بغداد ص19.

9- امبرتو ايكو – في أصول الخطاب النقدي الجديد- ترجمة / احمد المديني. دار الشؤون الثقافية بغداد 1987 ص85.

10- هـ. ج. غادامير- فلسفة التأويل. ترجمة/ محمد شوقي الزين. منشورات الاختلاف- المركز الثقافي العربي ط2 2006 ص120.

11- اداورد سعيد – المنّع. التجنّب. التعرّف. دار بدايات دمشق 2008 ص38.

12- ت. ي. ابتر- ادب الفنتازيا. ترجمة صبار سعدون الصبار دار المأمون بغداد 1989 ص191.

* إلياس فركوح – ارض اليبموس. دار ازمنة ط2 عمان 2008.

 

احمد فاضلمدخل أول لقراءة القصيدة

من يقرأ للشابندر أعماله الومضية الثمان الحديثة، يجدها مربكة، صادمة، تقفز كحد فاصل بين النزوع للحرية كمنهج حياتي، وبين الخنوع، هذا الأخير لم يكن من السهل للشاعر الوصول لاستنتاجه، فقد توقف أمام شائكتين هما – قمع الإسكات – واستعادة – صوت الحرية -، فهو حينما يقول في ومضته الأولى:

تعارفنا... وظلي

.........

إنما يعطي صوتاً لصورة أصبحت باهتة، لكنه فضل من خلالها البقاء معها إلى الأبد، إن حواس الشاعر وروح الدعابة السوداء تغازل خيالات عزلته المفروضة عليه كما في ومضته الثانية، هنا هو القلب الوصفي للقصيدة،

مسراتُ العزلة

الجنون فكرةً....

.........

في هذه المرحلة من الحجر الصحي للفيروس التاجي الذي طوقنا ، ربما نفهم منظوره جيداً، بينما نتحسر على حرياتنا المفقودة، فإننا نختار قضاء معظم حياتنا خلالها داخل منازلنا، إنما هو يتحدى فهمنا، هنا يقدم العلماء بالطبع الكثير من النظريات حول عزلة الشاعر، بالنسبة لي، فإن الحجة الأكثر إقناعاً هي :

إذا كانت الشاعرة الأمريكية الشهيرة إيميلي ديكنسون قد عاشت الحياة الاجتماعية التقليدية لامرأة من الطبقة العليا في القرن التاسع عشر، لما كان لديها الوقت أو الطاقة لإنتاج 1789 قصيدة .

وعندما نكون على أعتاب ومضته الثالثة، فإننا سنتوقف عند سؤاله فيها :

في الحجر الحجري ما الذي يمكن

أن يطرأ... سوى قلب يتمرن قفز الموانع

في سوح ميدان الصمت والفراغ .

.........

وعلى الرغم من أننا لا نحتاج بالضرورة إلى صنع ما قامت به ديكنسون، فقد نجد حياتنا غنية - أثناء الحجر الصحي وخارجه على حدٍ سواء - باستخدام وتيرتنا البطيئة حديثاً للانتباه إلى التفاصيل في الوقت الحالي ، فهي اتخذت قراراً غير عادي بالعزل الذاتي من أجل تحرير نفسها لتكون شاعرة، في حين أن معظمنا لن يختار عن طيب خاطر الحجر الصحي كأسلوب حياة دائم، فإن الهزة التي يسببها هذا التغيير الجذري قد تقودنا إلى التفكير في اختياراتنا ما هو الأكثر أهمية وأهم بالنسبة لنا وما هو غير ذلك ؟ ماذا نريد حقا أن نفعل بالوقت الذي أعُطي لنا على هذه الأرض – الصمت والفراغ - ؟

إنه مجرد منعطف، لرغبة في الحرية، كما قالها الشاعر في ومضته الرابعة :

سماء الرغبة

طائرتي ألورقية....!

.........

هذه الرغبة في الحرية لم يمنعها الحجر بالاشتياق إلى الانعتاق حتى عن المرايا الموهومة التي أسرت وجوهنا ، كما عبر عنها الشاعر في ومضته الخامسة، وصولاً إلى حلمه في التجوال حتى وإن كان صامتاً، فالمطر كان ولا يزال وحده الذي يتجول بحرية :

الحجر الحجري

مرايا في معتقل الوقت

اشتقت وجهي...!؟

...............

تجوال أن ترسو صامتا

وحده المطر يتجول......

وعندما ينظر الشاعر بعيداً لارتحالاته وهو لا يزال في حلمه داخل محجره، يتذكر عجزه وإيمانه أن عكازه هو ساقه الوحيد بإمكانه تحقيق كل تلك النبوءات :

عكازُ.... ذاك هو الساقْ

...............

ويبقى السؤال ونحن نأتي ختام ومضاته الثمان، أننا ووسط هذا الحجر نبقى في زنزانة السؤال ؟ محجورين لأن كورونا صلبتنا على عمودها، ولن تغادرنا بسهولة ..

سألني مرة والى الابد

في زنزانة السؤال...؟

..............

كُورونا... صلبت العالم على عمودِها....!؟

مدخل أخير /

" مؤبد العزلة " عنوان لثمان قطع شعرية قصيرة، أو ما يطلق عليها بالومضة، كتبت برمزية الشابندر العالية، والتي أرى من خلال مكنوناتها أنها ذات طابع فلسفي، فرضته كورونا على الشاعر وهو يعيش في معتزله الحجري، ومع أننا :

نعلم جميعاً أنه وفقاً لسقراط وأفلاطون، كان هناك شجار طويل بين الفلسفة والشعر، ومع ذلك، في السنوات الأخيرة تبنى الفلاسفة الأدب بطرق لم يكن من الممكن تصورها قبل جيل واحد فقط، قام الفلاسفة الأخلاقيون باستخراج الروايات الكبرى وليست العظيمة للأساتذة لما يجب أن يقولوه حول الأمور الأخلاقية والمعنوية، وقد أظهر فلاسفة اللغة والمنطق تفضيلاً لتوضيح حججهم بالأعمال الخيالية، من بين أنواع الأدب، كان البعض أكثر تفضيلاً من البعض الآخر، والشعر ليس من بينهم، معظم العمل في فلسفة الأدب، واستخدام الأدب في مجالات فلسفية أخرى، تم القيام به بالإشارة إلى أعمال الخيال، معظمها روايات، قد يؤدي التحول إلى الشعر إلى إعادة النظر في التعميمات حول الأدب، وربما تعديله، أو التخلي عنه في بعض الحالات، لذلك هناك أسباب كثيرة للفلسفة لإلقاء نظرة فاحصة على الشعر، يدعي الناقد الإنكليزي جون جيبسون في كتابه المعروف " فلسفة الشعر "، أن الشعر هو آخر حدود الجماليات التحليلية، وتهدف مجموعته المكونة من أحد عشر مقالة أصلية إلى استكشاف هذه المنطقة الجديدة والمطالبة بها، ومع ذلك، فهو ليس المستكشف الأول لها.

في السنوات الأخيرة، أنتج الفلاسفة كتباً مهمة حول جميع الفنون الرئيسية تقريباً: الرواية والرسم والموسيقى والمسرح والرقص والهندسة المعمارية والفن المفاهيمي وحتى البستنة، الشعر هو الاستثناء الوحيد، هذا إغفال مذهل، واحدة ستصححها هذه المجموعة من المقالات الأصلية، إذا كانت الفلسفة المعاصرة لا تزال تعتبر الاستعارات مثل `` Juliet is the sun '' مشكلة خطيرة، فإن المرء لديه إحساس حاد بمدى استعداده لإضفاء إحساس فلسفي وجمالي للقصائد مثل WB Yeats's 'The Second Coming'، سيلفيا بلاث 'Daddy "أو" Todesfuge "لبول سيلان، تجمع فلسفة الشعر بين فلاسفة الفن واللغة والعقل لفضح ومعالجة مجموعة المشاكل التي يثيرها الشعر للفلسفة، من خلال القيام بذلك، فإنه يضع الأساس لفلسفة مناسبة من الشعر، وتحديد مختلف الألغاز والمفارقات التي يجب على العمل المستقبلي في الميدان معالجتها، نظراً لاتساع نطاق مقاربته، فإن كتاب جيبسون لا يتعلق بالجماليات فحسب، بل بجميع مجالات الفلسفة المعنية بالمعنى والحقيقة والسلطات التواصلية والتعبيرية للغة بشكل عام، الشعر هو آخر جبهة غير مستكشفة في الجماليات التحليلية المعاصرة، حيث يقدم هذا الكتاب عرضاً قوياً لكيفية أن يكون الشعر مركزاً مهما في الفلسفة ، الشابندر حقق ذلك ..

 

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

مؤبد ألعزلة / فلاح الشابندر

 

كتابة / أحمد فاضل

 

عدنان عباستقدّم الكاتبة ساهرة سعيد "مسلسلًا" قصصيًّا جديدًا بعنوان (برج العقرب) على صفحتها في الفيسبوك، بعد أنْ أغنتها ب"مسلسلات" (بريكفست)، و(تراخوما)، و(الآنسة كوفد 19). تشحن في فضاء هذا "البرج" دفقًا حيويًّا من الأحداث والمتغيّرات العائليّة والاجتماعيّة، وتختار شخصيّاته بعناية، وتحرّكها في أماكن مثقلة بمعاناتها الإنسانيّة وفقرها ورثاثتها وأسرارها واعتقاداتها، و"تمرح" في بيوتها الطينيّة ذات السقوف المرصوفة بالسعف، عقارب وأفاعٍ، بما في ذلك في برج أحد بيوتها القديمة. يمكن أنْ تشير كلمة "العقرب" في هذه الحالة إلى الفقر والرثاثة، كما يمكن أنْ تقودنا إلى تصوّر بعض ما يُقال عن صفات مواليد هذا البرج بشكل غير مباشر، ك"الهدوء والغيرة والحزم والوفاء والإرادة القويّة والصدق والجدّيّة، والغضب والعصبيّة وعدم النسيان، إلخ". يعكس عنوان حلقات "البرج" بلا شكّ دلالات رمزيّة أسوة بعناوين نصوصها الأخرى، ويحفل فضاء متونها بأفكار ومغازٍ غير قليلة.

يبدو العمل في حلقاته الثلاث والثلاثين، غير الصادر في كتاب مستقلّ بعدُ، رواية اجتماعيّة تسجيليّة أو سيرة لحيّ شعبي. هو عمل ذو اتّجاه واقعي، بلْ ويحمل ملامح المدرسة الواقعيّة الاشتراكيّة وإرهاصاتها، فزمانه ومكانه وحدثه وشخصيّاته، ولغته وأفكاره وانحيازه وفضاءاته تشير إلى ذلك، مثلما يعطي انطباعًا بأنّ الكاتبة تعرف معالم أحيائه الشعبيّة ومجتمعاتها "الجنوبيّة" وعاداتها، فضلًا عن تعاطفها مع هموم شخصيّاتها الاجتماعيّة.

من جانب آخر، لاحظت بعض التقارب بين (برج العقرب) ورواية (خلف السدّة) للقاصّ عبد الله صخي، الصادرة سنة 2008، ويتعلّق هذا التقارب النسبي بأحوال المجتمع وطبيعة المكان أو بعض الشخصيات، أو بينهما كعملين سرديين "تسجيليين"، وعلى الرغم من ذلك فقد خلت حلقات (برج العقرب) من أيّة أحداث سياسيّة، إذا ما قورنت برواية (خلف السدّة)، فالكاتبة تركّز فيها على الجانب الاجتماعي كثيرًا، ولاسيّما قاع المجتمع. هناك أيضًا فرق في زمن العملين، ووجود بعض التشوّش في تحديد المكان والمصطلح المرتبط به في "البرج" كالحيّ والمحلّة، بخلاف رواية (خلف السدّة).

1631  ساهرة سعيدلقد أثار انتباهي كثيرًا في حلقات (برج العقرب) رؤية المؤلّفة للشخصيّات وتركيزها الكبير على علاقتها بصنع الحدث وزمانه، ومكانه بمستوياته المختلفة، ولذلك سأقوم بالتركيز في قراءتي النقديّة هذه على شخصيّات "البرج"، ولاسيّما النسائيّة الرئيسة التي كانت بارزة فيه، بهدف إعطاء صورة مفصّلة لها، ومنها صفاتها وبعداها الاجتماعي والسيكولوجي، ودورها في حركة الأحداث أيضًا، فالشخصيّة بشكل عامّ، تتمتّع مثلما هو معروف، بمكانة مهمّة جدًّا في الأعمال السرديّة، سواء من حيث بنيتها وأنواعها وصفاتها ووظائفها وأبعادها، أو من حيث طاقاتها غير القليلة التي شحن المتن بالأفكار والرؤى.

ترتبط الشخصيّات بعنصر سردي مهمّ هو المكان، وتصفه الكاتبة في (برج العقرب) كحيّ شعبي تقليدي في مدينة بغداد، وتسمّيه "حارة" (تشير "الموسوعة الحرّة" إلى أنّ الحيّ يتكوّن من محلّتين أو أكثر بحسب التصنيف الإداري العراقي، وتعتبر كلمة "محلّة"، أكثر شيوعًا في الاستعمال من كلمة "حارة" في العراق)، على الرغم من شكوك تراودني من أنْ يكون حي الفضل "وليس محلّة الفضل"، جزءًا من حيّ الصرائف، خصوصًا عند تحديده من قبل الكاتبة كمكان في الحلقات الإحدى عشرة الأولى. يتّصف هذا الحيّ بأنّه فقير ومتواضع جدًّا وصاخب ومزدحم بساكنيه، وأكثر بيوت شخصيّاته مؤجّرة أو مشتركة، ومبنيّة بالطين وسعف النخيل (صرائف)، وتنتشر فيها الديدان، ويقع برج للطيور وآخر للعقارب في أحدها، وقد عوّض عن هذه الصرائف بمدينة الثورة التي بناها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم للفقراء. يشير تاريخ العراق الحديث إلى أنّ الهجرات الفلاحية الأولى بدأت من جنوب العراق، ولاسيّما من العمارة إلى بغداد، بعد الحرب العالميّة الثانية بسبب ظلم الإقطاع للقلّاحين، واستقرّ القادمون في مكان خلف السدة أول الأمر، ومن ثمّ في مدينة الثورة وسواها. تدور أحداث "البرج" في أمكنة ثلاثة، ابتداءً من حيّ الفضل، مرورًا بحيّ الطوبجي، وانتهاءً بالحيّ الجديد المبني بدور حديثة (أحد أحياء مدينة الثورة) بعد التجريف الأوّل للصرائف. وحيّ الفضل الذي ورد ذكره كمكان في الجزء الزمني الأوّل من "البرج" هو بحسب "الموسوعة الحرّة"، "حيّ بغدادي قديم جدًّا يقع في منطقة الرصافة"، ويتكوّن من محلّات العَزّة والجوبة وسيّد عبد الله، وتقع في أطرافه ما سُمّي بمحلّة "المعدان"، وقد تكون الكاتبة تعني بالمحلّة الأخيرة، المكان الذي تتحرّك فيه أحداث "البرج" الأولى. وبقدر ما تقدّم الكاتبة المكان بأشكاله الثلاثة أعلاه كأحياء يعشعش فيها الفقر والعقارب والأفاعي، أحدهما قديم يحتوي على صرائف، وآخران يضمّان دورًا جديدة بعد تحديث بغداد، فإنّها تقوم بوصفها من الداخل - بيوتها وأبوابها وغرفها وطرقها والأسواق التي تجاورها، وأعمال شخصيّاتها ورثاثتها وكوابيسها وأحلامها، وتثير انتباه القارئ إلى الفروق النسبيّة، ولاسيّما بين الحيّ القديم (أطراف حيّ الفضل) والحيّ الجديد (أطراف مدينة الثورة). تتراوح مستويات الأماكن في "البرج" بين الألفة والتواضع والضيق والحشر وكثرة الروائح الكريهة، فضلًا عن الغموض والرهبة والخوف فيما يتعلّق ببيت الدرويش أو الساحر المشعوذ أبي جودة، وبيت صبيحة.

يتحدّد الزمان، مثلما تذكر المؤلّفة في أوّل حلقة من (برج العقرب) بفترة ما "قبل السبعينات بعشر سنوات" من القرن الماضي، وتستمرّ على امتداد الحلقات الإحدى عشرة الأولى، أيْ تستدعي فيه زمنًا مضطربًا وحافلًا بالمتغيّرات (ولا أدري ما هي العبرة في عدم ذكر الكاتبة فترة العقد الأوّل من القرن العشرين بشكل مباشر - "الستّينات")، وتتواصل أحداث "البرج" في العقد الثاني من سبعينات القرن الماضي في متون ما تبقّى من الحلقات. تسترجع الكاتبة أيضًا زمنًا آخر، يتمثّل بسيادة الإقطاع في العهد الملكي بالعراق قبل قيام النظام الجمهوري.

أمّا الحدث فتعرّج الكاتبة فيه على الحالة الاجتماعيّة لمجتمع حيّ ما قبل التجريف، وحيّ ما بعده، حيث معاناة الوافدين الفقراء والفلّاحين إلى بغداد من مناطق العراق الجنوبيّة الريفيّة وغيرها، ويرتبط هذا الحدث بمشهدي التقارب والتباعد في التفكير بين جيلين، وبمنظومة من القيم والفضائح والأسرار والمواقف والتصرّفات، وبمظاهر وظواهر شعبيّة عراقيّة تتوزّع بين الأعراف التي جلبها القادمون معهم، ومدى تفاعلهم مع المجتمع البغدادي، وأحوال "البرج" الداخليّة وعلاقاتها بما يحدث خارجه. توصّف الكاتبة الأحداث التي مرّت بها بطلات وأبطال الحيّين، وكذلك حيّ الطوبجي، وتخوض غمار أحوال متشابكة كثيرة، فتراها تفصّل هنا وتختصر هناك، معالجة في الآن ذاته طبيعتها وحركتها الاجتماعيّة ومعاناة شخصيّاتها، وتشكيل كياناتها الخاصّة بها، أو انصهارها في بوتقة العالم الجديد (بغداد). تركّز كذلك على حدث ما بعينه يتعلّق بهذه الشخصيّة أو تلك، بدون أنْ تغفل الشريط الجامع للأحداث، مثلما تشير إلى التباين بين الأحداث بسبب جهل وبساطة الشخصيّات من جهة، أو وعيها ودخولها إلى مؤسّسات العالم الجديد بالعمل والتعليم المدرسي والأكاديمي من جهة أخرى.

تفصّل المؤلّفة في لغة الحلقات، ولا تخلو بعضها من هفوات لا يُستثنى أيّ عمل منها، وخصوصًا في منشورات الفيسبوك، أمّا أسلوبها فمثير للمتابعة، تتحاشى فيه العرض السياسي من أجل التفصيل في الحدث الشعبي العراقي الاجتماعي وصورة شخصيّاته البسيطة، معتمدة على الوصف والاسترسال والتكثيف أكثر من الحوار، ومستخدمة في هذا المفصل أو ذاك أساليب، مثل المفارقة والمفاجأة والسخرية والمقارنة والتساؤل، ومستفيدة من بعض التفاعلات النصّيّة بالأقوال السائرة والأمثال والاعتقادات التراثيّة، على الرغم من أنّ بعض الصياغات الأسلوبيّة جاءت ضعيفة من حيث التقديم والتأخير والتكرار.

تعتبر الشخصيّات في (برج العقرب) شعبيّة وكادحة فقيرة، تنحدر من الريف أو المدن الصغيرة وتستقرّ في بغداد، تعاني الجهل والتخلّف، وبعضها من القاع الاجتماعي، ويؤمن بعضها الآخر بالسحر والشعوذة، وتتّسم هذه الشخصيّات بأبعاد متنوّعة، تفرزها الحالة أو الحدث فتتشكّل عندئذٍ الصورة النهائيّة لها. تعتني الكاتبة باختيار أسماء الشخصيّات في (برج العقرب)، بما توحي به دلالاتها الواقعيّة الشعبيّة، النسائيّة منها كهاشميّة وشكريّة وجاسبيّة وبدريّة وصبريّة وحرّيّة، والرجاليّة كحمدان وغسّان ونعيم وأبي جودة، وأسماء الجيل الجديد التي يميل بعضها إلى العصريّة قليلًا كهناء ونجاة وصفيّة وسنيّة وزكيّة وأشواق. تتّضح معالم هذه الشخصيّات الشعبيّة كذلك من خلال لهجتها واعتقاداتها وزينتها ولباسها ك"الدشداشة" وغطاء الرأس "اليشماغ" للرجال البالغين (الذي لا يستخدمه البغداديّون كثيرًا، باعتقادي)، و"العباءة" وغطاء الرأس للنساء البالغات، بما فيها التجميل الذي يقمن به بمكياج صارخ، والملابس غير التقليديّة بحكم التأثير المدني للعاصمة أو درجة الانصهار الاجتماعي والثقافي في المجتمع البغدادي، بينما تظهر أزياء الأطفال والشباب على وفق ما هو معروف في الأوساط الجديدة اجتماعيًّا أو مدرسيًّا.

تعكس حرف الشخصيّات الرجاليّة في "البرج" حياة الطبقة الكادحة والمرهقة، مثل الحمالة وبيع الشاي وعمل الخبز والحدادة وجرف الأراضي والسياقة، ووظائف حكوميّة، في الوقت الذي تتفشّى البطالة في أوساط النساء إلّا قيامهنّ بأعمال البيت وتربية الأطفال والاهتمام بالأزواج، ويعمل أو يدرس قسم من الفتيات، ويتعلّم بعض التلميذات في المدارس.

يبرز في حلقات "البرج" أيضًا صراع بين الماضي والحاضر، التريّف والمدنيّة، صراع يقوى ويضعف بجدليّة الخير والشرّ، والانطواء على الماضي والانفتاح على الحاضر، وبتناغم العلاقات بين الشخصيّات أو التقاطع فيما بينها. يبرز هذا الصراع طبقيًّا بشكل غير مباشر، وهو أيضًا صراع بين جيلين (قديم وجديد) متفاوتي الطموح والإمكانيّات، بين أفكار الجيل القديم القادم من الجنوب وأفكار الجيل المولود في بغداد من خلال مجاراتهما متطلّبات الحياة الجديدة أو رفضهما لها، ولو أنّ السمة الغالبة للجيل القديم لم تتغيّر كثيرًا، مثلما لم تتغيّر حالته المعيشيّة البائسة.

تضفي الأحداث والصراع الدائر فيها عل الشخصيّة بعدًا اجتماعيًّا وآخر سيكولوجيًّا، ويتّسم البعد الاجتماعي والطبقي بأهمّية كبيرة في تصويرها في "البرج"، فهو يتشكّل بمعاناة الفقراء الفلاحين الهاربين من الاضطهاد الإقطاعي، والقسوة والعنف اللذين كانا سائدين في مجتمعهم القديم وانعكاسات ذلك على أوضاعهم في المجتمع الجديد، وحياتهم بعد أحداث ما بعد الحكم الجمهوري عام 1958. يرافق ذلك بعد ثقافي يرتبط بالقيم القديمة الموروثة والاعتقادات والجهل والثأر والعلاقات العشائريّة، وقيم المجتمع الجديد بعد الاستقرار، وبعد بغدادي يحاول الجيل الجديد الانخراط فيه، وما يترتّب عليه من توجّه إلى التعليم الأوّلي والجامعي، وممارسة أعمال جديدة، والبحث عن وظائف مدنيّة وعسكريّة، ومن استعانة بلباس ومظاهر مدنيّة متنوّعة التشكيلات، إلخ.

يفرز البعد الاجتماعي للشخصيّة في "البرج" أيضًا بعدًا سيكولوجيًّا، سواء فيما يتعلّق مثلًا بالشكوك التي حامت حول حمدان وتناقضاته، أو حول ما تقوم به الغجريّة والساحر "الجنّي"، والصراع النفسي الذي تعيشه شكريّة وهاشميّة، وتوجّسهما وريبتهما من جاسبيّة، على الرغم من استغلاله لها، والشكوك اللاحقة المتعلّقة بأبوّة صالح ومراد. تعكس تصرّفات الساحرة" صبيحة وتدخّلات أمّ جاسم مثلًا واقعًا نفسيًّا يثير ريبة وألم هناء وعائلتها، وأوضاع صالح وأبيه وغسّان وعنبر واقعًا يحفّز إلى الألم والشفقة، وحالة المحبّين أشواق ومراد وزكيّة وشمخي دافعًا إلى التعاطف، ونموّ وعي هناء وأشواق مع الزمن وتطوّرهما من الناحيتين التعليميّة والثقافيّة أمرًا يثير الانتباه والاهتمام معًا. يترك قرار تحديث بغداد أيضًا أثرًا على الشخصيّة، يحوم حول الشكّ ممّا يمكن أنْ يؤدّي ذلك العمل إلى تشرّد أهل الحيّ، كما أنّ استدعاء حوادث مأساويّة من أيّام الإقطاع والعبوديّة، مثل الاضطهاد وغسل العار والثأر له تداعياته النفسيّة على الشخصيّات.

ترسم الكاتبة صورة عدد من الشخصيّات الرجاليّة وفقًا لعلاقتها بالحدث والشخصيّات النسائيّة، فشخصيّة حمدان – زوج هاشميّة  تظهر بشكل محوري في أوّل حلقة من (برج العقرب)، وتضفي الكاتبة عليها صفات عديدة، فهو قصير القامة وحمّال و"مطيرجي" منشغل ببرج طيوره من ناحية، وكثير الغضب والاستياء والتذمّر، وعدم الرحمة والقسوة وانشغاله ب"اللهو ومطاردة ذكور القطط"، وإثارة العجب من ناحية أخرى. يتشكّل البعد الاجتماعي لحمدان في ضوء قسوة عاشها في الماضي، أثّرت على مجريات حياتها لاحقًا، وعبر حالته الكادحة من أجل سدّ رمق العيش، عاكسًا بذلك بعدًا سيكولوجيًّا لشخصيّته، جامعًا النقيضين "الماء والنار"، أي الرقّة والشدّة، الهدوء والغضب، فحمدان، مثلما تقدّمه الكاتبة "أخذ عن الطيور طبعها الحرّ وحبّها اللامشروط، ولكنّه تعلّم قسوة الجلّادين من القطط الجائعة"، وتستعين بأسلوب المفارقة، إذ بقدر ما "تفقّس فيه بيوض حمائمه، يزداد تعطش القطط لدماء أفراخه"، كما تحوم الشكوك حول علاقته المريبة بجاسبيّة "اللعوب"، وخصوصًا من قبل زوجته هاشميّة. تتخلّل الحلقات بعض الحيوانات المرافقة للشخصيّات الإنسانيّة، كطيور "حمام" حمدان "المدلّلة"، والقطط "المشاكسة... سليلات الضواري"، والفئران، والعقارب والثعابين، وبعض الأسلحة التي يستخدمها حمدان في "حربه القاتلة" ضدّ القطط. ينطلق بعدا شخصيّة حمدان من طبيعة الحدث المتعلّق في أحد جوانبه بعمله أوّلًا، وتصرّفاته ثانيًا، التي تشير إليها الكاتبة بأنّها "غريبة ومضحكة"، ومنها "جريمة قتله لآخر قطّ تجرّأ على أكل طيوره"، واسترقاقه النظر من فوق سطح المنزل لمتابعة "خصوصيّات عاطفيّة بين أزواج وزوجات" الحيّ. يغيب حمدان بعد ذلك كثيرًا من المشهد أسوة بزوجته، ليعودا بهذا الشكل أو ذاك في حلقات قليلة أخرى، حيث تصف الكاتبة حمدان وهاشميّة في إحدى الحلقات المتأخّرة عند زيارتهما لعائلة أخيه غسّان، بأنّهما يظهران بمظهر من يعاني "شظف العيش" والبؤس والهم"، و"الخنوع لجبروت الزمن"، ثمّ يعود حمدان مرّة أخرى إلى المشهد السردي، عند مرضه بالسرطان ورقوده في المستشفى، واهتمامه بما تضمره جاسبيّة لكلّ من زوجته وصديقتها شكريّة، واستعداده للانتقام منها. يرسم البعد الاجتماعي هنا صورتي الفقر والمرض اللتين حلّتا بحمدان وعائلته، بما في ذلك حالة الصريفة الرثّة التي تسكن فيها هذه العائلة، أمّا البعد النفسي فيتمثّل باندفاع حمدان والخشية من وفاته. يعكس هذا الحدث سلوكًا حمله حمدان معه من بيئته السابقة، يقوم على الثأر، ويبرز بتهديده لأمّ جاسم، و"قتله المومس جاسبيّة التي كان يعاشرها".

تشير الكاتبة في "البرج" إلى شقيقه غسّان - زوج شكريّة إلى إنّه مقعد وعاطل عن العمل، وعليل، وتختلف طباعه عن طباع أخيه حمدان، ويتّسم بالغضب من زوجته بسبب عدم إنجابها صبيًّا، وتأليب أمّه المسنّة له على زوجته بسبب ذلك، وبمعاناته المرضيّة التي انتهت بوفاته لاحقًا. تقدّم الكاتبة كذلك نعيم الخبّاز ككادح يعيل أمّه وزوجته بدريّة وأطفالها، ومرهق في عمله ليلًا وعدم شعوره بالراحة نهارًا بسبب ضجيج حمدان وطيوره وصراخ الأطفال"،  و"في الوقت الذي كان فيه حمدان مرحاً ونزقاً وقاتلاً للقطط، كان الخباز نعيم مسالماً يميل إلى الكآبة، والانطواء والحزن"، مثلما تكتب المؤلّفة. تبرز شخصيّة رجاليّة مؤثّرة أخرى في "البرج"، أيْ أبو جودة (الدرويش)، شخصيّة تتّصف بالشعوذة والطلبات الكثيرة من شكريّة وهاشميّة اللتين قامتا بزيارته في كوخه لمساعدتهما في إنجاب الصبيان عن طريق "الجنّي" الذي يدّعيه، ويفرز هذا البعد الاجتماعي حالات نفسيّة تتمثّل بالابتزاز والتصرّفات المثيرة للريبة والرذيلة لديه، وبالشكوك التي حامت حول أبوّة ولدي شكريّة (صالح ومراد) بعد فترة من هذه الزيارة.

تتشكّل شخصيّة صالح "المشكوك بأبوّته" من قبل جاسبيّة والذي التحق بالجيش وخدم فيه ثمّ سُرّح منه لأسباب صحيّة، من خلال الآفاق التي انفتحت أمامه بالخدمة العسكريّة من جانب، وبالاعتلال من جانب آخر، فأمّه (شكريّة) التي تعتقد بأنّها قادرة على علاجه بحليب السخلة والبقرة، لم تفده، إذْ تضغط "نوبات الفزع"، التي ""تنتابه" في أثناء نومه" على مزاجه كثيرًا، تاركة وراءها سيلًا من الهواجس والوساوس. يظهر عنصر آخر في حياته هو الزواج الذي تقترحه أمّ جاسم لعلاجه، بدون أنْ تهمل الدور الذي يمكن أنْ تلعبه السخلة في توفير الحليب في هذا العلاج، وينعكس هذا الأمر بشكل سيّئ على نفسيّته، يتمثّل بالقلق والاشمئزاز والتوجّس والتخوّف والابتعاد عن أمّ جاسم خشية من مرضها، وممّا تضمره بالاقتراب منه. أمّا شقيقه شارد الفكر، مراد الشاب الصغير "الوسيم جدًّا"، فتتّضح صورته عبر حبّه لزميلته أشواق - ابنة جاسبيّة في قسم "فنّ التمثيل" بأكاديميّة الفنون الجميلة"، وعلى الرغم من فقره، فإنّ البعد الاجتماعي يتشكّل ب"مظهره الذي يلفت النظر، بملابسه الأنيقة ورشاقته، وجمال وجهه، وحركاته الدراميّة المفتعلة والطريفة أحياناً"، وتميّزه الذي يثير انتباه زملائه و"إعجاب الفتيات"، مثلما تذكر الكاتبة، ويرتبط هذا البعد أيضًا بالإشاعات المتعلٌّقة بجاسبيّة وأختها المتّهمتين بأنّهما كانتا "من مومسات حيّ الفضل الشهيرات"، وبموقف أحد المدرّسين في زرع الشقاق بينه وبين حبيبته أشواق، وتلميحات عائلة مراد التي عمّقت هذه الشكوك أيضًا وأثّرت على نفسيّته بشكل سلبي، من حيث ارتكابه وقلقه وغضبه وحزنه وذهوله، على الرغم من استمراره في حبّه لأشواق واهتمامه بنشاطاتها الفنّيّة. تظهر في الحلقات شخصيّات رجاليّة أخرى، ثانويّة أو عابرة، مثل سائق الجرّافة، وصاحب عربة بيع النفط وشمخي حبيب زكيّة، والأستاذ الأرمل الأناني، وزوج جاسبيّة، وحسين فتى أحلام هناء، وصاحب ابن جاسبيّة "المشكوك بأبوّته"، إلخ.

من جانب آخر، تولي الكاتبة اهتمامًا كبيرًا للشخصيّات النسائيّة - هاشميّة وشكريّة وجاسبيّة وأمّ جاسم وهناء في "البرج"، إذا ما قيست بالشخصيّات الرجاليّة، وتركّز بشكل أكبر على شكريّة وبناتها، وخصوصًا هناء. تتوقّف عند شخصيّات الجيل القديم، فتشير إلى هاشميّة زوجة حمدان، وترسم شخصيّتها في المشهد عبر علاقتها اليوميّة بصديقتها شكريّة الساكنة معها في بيت مؤجّر واحد، والحافظة أسرارها والمتقاسمة وإيّاها التنظيف اليومي والثرثرة الصباحيّة، وزيارة الدرويش من أجل المساعدة في إنجاب الصبيان. تستعرض الكاتبة الحالة الاجتماعيّة المزرية لها ولعائلتها بسبب التجريف الأوّل الذي تعرّض له حيّها القديم، وانتقالها إلى غرفة بائسة في حيّ الطوبجي، بعد أنْ قامت إحدى النساء بالإشفاق عليها بتوفير صريفة لها ولعائلتها، والمأساة التي حلّت بها لاحقًا عند وفاة زوجها حمدان بالسرطان. لم تستحوذ هاشميّة على المشهد كثيرًا بخلاف شكريّة التي تلعب دورًا واضحًا في أحداث (برج العقرب)، سواء من حيث علاقتها بهاشميّة، أو من حيث الريبة والتوجّس من مواقف وتصرّفات كلّ من جاسبيّة التي أغرتهما بزيارة الدرويش الساحر، وأمّ جاسم التي تحاول التقرّب من ابنها صالح والتدخّل في شؤون عائلتها، وصبيحة الساحرة التي تفرض إرادتها على صفيّة. تصف الكاتبة بنات شكريّة التي تحاول إنجاب صبي، فتكتب: كان بعض من هؤلاء البنات الجميلات المهجّنات من تزاوج أبوين لا يمتّان لبعضهما بقرابة"، وتصف إحداهنّ ب"النحيفة الشقراء" والأخرى ب"السمينة السمراء"، أمّا البكر فقد تركت الدراسة المتوسطة و"التحقت بالعمل ككاتبة في إحدى دوائر الدولة" من أجل مساعدة أبيها غسّان. يرتبط أحد الجوانب الاجتماعيّة لشخصيّتي شكريّة وهاشميّة بشماتة جاسبيّة، وابتزاز المشعوذ لهما، ليعكس بذلك بعدًا نفسيًّا يستند إلى إحساس الصديقتين بالريبة والصدمة والخوف من الابتزاز والفضيحة، والاعتقاد بأنّ جاسبيّة تريد الإيقاع بهما عبر دفعهما إلى زيارة الساحر، ردًّا على وصف الاثنتين لها ب"المومس". تفاجئنا الكاتبة بولادة ابنين لشكريّة، هما (صالح ومراد)، وإشاعات جاسبيّة حول التشكيك بأبوّتهما، والإشارة إلى دور الدرويش في الإنجاب. تبدو شكريّة من الناحية الاجتماعيّة كثيرة الاهتمام بعائلتها على الرغم من عدم تعلّمها، ولاسيّما بعد توجّه بناتها وابنيها إلى بعض المؤسّسات البغداديّة للدراسة أو العمل أو الخدمة، وبعد وفاة زوجها واعتلال صالح، وقيام هناء وزكيّة بمساعدة العائلة، إلّا أنّ الفقر وثقل الحياة على شكريّة تركا وراءهما قلقًا وحسرة وألمّا، وحدّة مزاج وعصبيّة، الأمر الذي أدّى إلى اختلاق شكريّة للمشكلات، وتحوّلها من "أم رؤوم خانعة إلى امرأة ذات قلب حجريّ، تسوق بناتها بعصاً غليظة"، ولكن أيضًا إلى عزيمة بتجاوز المصاعب وطرد شرور أمّ جاسم وجاسبيّة وصبيحة عن حياة أفراد العائلة.

أمّا جاسبيّة فتصفها الكاتبة بأنّها شابّة في الثلاثين من عمرها، وجميلة بشكل "كافر"، ملابسها "زاهية" وعطرها "فوّاح"، وذات سنّين ذهبيين، وزينة وجهها صارخة بالمساحيق، يرتبط البعد الاجتماعي بسمعة جاسبيّة السيّئة، والإشاعات التي تدور حول علاقتها بالرجال الغرباء الذين يزورونها، والكلام عن "معاشرة حمدان" لها، ومقتلها على يده، أمّا البعد النفسي فيتحدّد بسلوكها المستند إلى "التفنّن" بالمجاملة، وتصّرفاتها المريبة المثيرة للخوف. تدخل أمّ جاسم كذلك في المشهد عبر حشر أنفها في حياة عائلة شكريّة، ومحاولة التقرّب من صالح العليل، وإقامة حلف بينها وبين جاسبيّة ضدّ شكريّة، لينتهي بها المآل إلى الطرد على يد حمدان.

ومن الشخصيّات النسائيّة الأخرى المثيرة للاهتمام حرّيّة، وتصفها الكاتبة بالسمراء "ذات الملامح الفاتنة"، و"الأسمال الباليّة" المتّسخة، و"الرائحة العطنة"، و"المعتوهة" و"المظلومة"، وأنّها "ابنة عائلة فلاحيّة، غادرت ريف مدينة العمارة، هروبًا من عبوديّة الإقطاع"، وجاورت هاشميّة وبدريّة وشكريّة في الحيّ، كما "تزوّجت من صاحب دكّان صغير لبيع السكائر والحلويّات". تصف الكاتبة كذلك ابنها القتيل جبّار ب"الشاب الوسيم والطالب حادّ الذكاء"، وتتوقّف عند ابنتها الشابّة التي "قتلت ببربرية على يد مجرمي عشيرتها"، بعد هروبها "مع عشيقها تخلّصًا من زوجها المسنّ، تاركة وراءها أربعة أطفال "يفترشون الشوارع". يدور الحدث إذًا حول معاناة حرّيّة وزوجها، واستمرار معاناتهما في الأوضاع الجديدة، وتعكس مأساتها الاجتماعيّة وفقرها بعدًا نفسيًّا مؤلمًا، بسبب فجيعتها وفجيعة زوجها بمقتل ابنتها وابنها جبّار، وتعرّضها إلى صدمة سابقة، بقيام زوجها بالزواج من امرأة أخرى، ودورانها في الحارات على غير هدًى، و"سخرية الأطفال" منها. أمّا صبريّة فتصفها الكاتبة بأنّها "فاتنة وسمراء فارعة ممتلئة"، و"عطرة برائحة الحنّاء والمسك" وذات "ضحكة ترتعش لها فرائص الرجال"، الأمر الذي يجعلهم يقعون في "شراكها"، بينما تمرّ مرورًا عابرًا أو ثانويًّا على شخصيّات نسائيّة أخرى، مثل بدريّة زوجة نعيم، والمرأة الأرملة التي قامت بتأجير بيتها إلى عائلتي حمدان وغسّان، والعجوز المسنّة التي تملأ البيت برائحة تبوّلها "العطنة"، وأمّ صبيحة الساحرة، والساحرة مساعدة الدرويش، وجدّة هناء، والغجريّة التي تقوم الكاتبة بتوصيف حالتها من خلال دورانها في الحي وضجيجها واحتيالها من أجل جمع المال، وذلك ب"الضرب في موضع الضعف من النساء"، وقراءتها للطالع وادّعائها بطرد الجنّ من ثياب العانسات، وإمكانيّاتها بتزويج البنات، والوقوف بوجه الضرائر.

تقدّم الكاتبة في (برج العقرب) أيضًا شخصيّات شابّة من الجيل الجديد، ومنها هناء على وجه الخصوص، عبر التوقّف في البداية عند درس الزمن "الأوّل الثمين" لهذه الفتاة اليافعة الذي ستصل مع الوقت إلى أجوبة لتساؤلاتها المتعلّقة بأشواق وأمّها جاسبيّة وأمور أخرى، وعبر عدم فاعليّتها في البداية باستثناء كونها "جاسوسة" لا يتجاوز دورها تقديم "المعلومات" لأمّها، إلّا أنّ موقفها يأخذ بالنمو والتطوّر بمرور الزمن، وإنْ كان ليس مرحليًّا، متفاعلة مع أختيها زكيّة وصفيّة، وأخويها صالح ومراد، وأمّها شكريّة وأبيها غسّان، فضلًا عن عمّها حمدان وزوجته هاشميّة. تتناول الكاتبة كذلك ولع هناء الطفولي بابن الأرملة "الحبيب حسين شقيق صديقتها نجاة"، ومواقفها الرافضة لصبيحة وأمّ جاسم وجاسبيّة، ثمّ تركّز على شخصيّتها الناضجة لاحقًا. ينعكس البعد الاجتماعي لهذه الشابّة على تصوّراتها وسيكولوجيّتها في الآن ذاته، وتستعرض الكاتبة الحدث المرتبط بنضجها ووعيها، وإنْ لم يكن مقنعًا تمامًا، ففي الوقت الذي تركّز على هذه الشخصيّة بأنّها "نضجت... على نار وقودها الفقر"، وعلى تساؤلاتها وقلقها على عائلتها – زكيّة وصالح من تصرّفات صبيحة وأمّ جاسم، وذكرياتها المرتبطة بالسخلة وحمليها، يشعر المتابع أنّ هذا النضج المتمثّل بالدراسة الجامعيّة و"الهوس" في "دراسة فلسفة الحياة" والمرجعيّة العائليّة في حل المشكلات، والعلاقة مع الأستاذ الجامعي، جاء سريعًا ومفاجئًا، بسبب القفز على الأحداث ووروده بدون مقدّمات. فهي، في الحلقات السابقة كانت على سبيل المثال مجرّد صبيّة مراقبة، وإذا بها تصبح في الحلقة الأخيرة "سفراً مشهوداً لعائلة نُحتت عليه بخط مسماري كل عواتي الزمن الذي أعطاها عمراً أكبر منها"، كما نجدها تطّلع "على جديد الكتب والإعلام والفن والسينما"، وتصبح رمزًا يسم "سحنتها بسمرة معجونة من طين دجلة ومسك أرض العراق". يظهر الوضع الاجتماعي الجديد لشخصيّة هناء بهذه الصورة المرسومة لها من قبل الكاتبة، أي الحياة الجامعيّة الجديدة، واهتماماتها العميقة، وتأثيرات الماضي على تصوّراتها الجديدة، لتتشكّل بذلك سيكولوجيّتها الجديدة، المتّسمة بالقلق على عائلتها وعزيمتها لحل مشكلاتها، وطموحها في إيجاد طريق ناجع لحياتها، وتعويض حنان الأبوّة بمعرفتها ب"مدرس جامعيّ أرمل وسيم يكبرها بأكثر من عشرين سنة"، ونسيانها الدور السلبي الذي قام به أستاذ جامعي آخر إزاء علاقة أخيها مراد بأشواق. تتابع الكاتبة حياة هناء بعد نضجها، عند التطرّق إلى الأحداث التي مرّت بعائلتها جرّاء وفاة أبيها ومرض أخيها صالح، وزفاف شقيقتيها زكيّة وصفيّة، ويسبغ هذا الأمر لونًا خاصًا على حياتها وعلاقاتها وذكرياتها، وتترك أحداث الحيين اللذين ترعرعت ونمت فيهما، آثارًا عميقة على حياتها العائليّة والشخصيّة والأكاديميّة، خصوصًا بعد أنْ أصبحت "مركز اهتمام عائلتها". وبقدر ما  تضعها الكاتبة في جوّ فلسفي ينطلق من الصراع بين الشكّ واليقين، وفي إطار ما تعكسه الكتب الفنّيّة والأدبيّة والأفلام الإيطاليّة على حياتها، فإنّها تتوقّف عند تساؤلاتها المتعلّقة ب"النقاء الروحي" الذي تبحث عنه نساء الرذيلة عبر تحوّلهن إلى راهبات في الأديرة. تتشكّل شخصيّة هناء إذًا من خلال صراع داخلي يمور في أعماقها، بين ظروف حياتها والأحداث العائليّة والشخصيّة وذكرياتها في الحيّ الفقير، وبين ظروف حياتها الجامعيّة الجديدة، واعتقاد زملائها بأنّها أرستقراطيّة. وقد خلّفت الأحداث في نفسها شعورًا بالحزن والألم والاكتئاب من جانب، والتأمّل والثقة بالنفس من جانب آخر. تنتهي الأحداث المتعلّقة بهناء على وقع هذا الصراع والتناقضات والذكريات والآلام التي تتجاذبها، ومضيّها "في طريق البحث عن الحقيقة"، وحبّذا لو كان تكثيف السرد حول هناء في خاتمة الحلقات قد جاء كذلك في حلقات سابقة أخرى، أيْ عبر متابعة تطوّرها كصبيّة مراقبة، ومن ثمّ شابّة متعلّمة ناضجة، فمثقّفة واعية وواثقة من نفسها.

تظهر في "البرج" كذلك شابّات أخريات، مثل نجاة والصبيّة العليلة عنبر أخت الساحرة صبيحة، وتأخذ الأخيرة دورًا واضحًا فيه، فهي، مثلما تصفها الكاتبة، امرأة شابّة نحيفة ذات "شعر مصفّف" بدون اعتناء أنثوي، و"ذات نظرات مخيفة" وغريبة الأطوار، وفضوليّة، وهي كذلك شاحبة، ولها "عيون متعبة دون أهداب"، و"أسنان صفراء". تظهر غرابة أطوار صبيحة عبر علاقتها بصفيّة وانقياد الثانية لها، وإقحام نفسها فيما لا يعنيها من أمور ترتبط بعائلة أمّ صالح، ولاسيّما مسألة خطبة صفيّة من قبل أحد الموظّفين. أمّا زكيّة ابنة شكريّة فيرتبط الحدث بخطبتها من شمخي ابن تاجر القماش وحبّ الأخير لها، وعدم اكتراثه بسنيّة المراهقة ابنة أمّ جاسم، بينما تبقى صفيّة ابنة شكريّة في "استلابها". تبرز في مشاهد "البرج" كذلك الشابّة أشواق ابنة جاسبيّة، وتصفها الكاتبة ب"الجميلة جدًّا" و"الفتاة ذات الشعر الطويل الفاحم والملفت للنظر"، وتمرّ على علاقتها بزميلها في أكاديميّة الفنون مراد، والحبّ المتعثّر بينهما بسبب ما أُشيع عن أمّها، وتدخّل أحد المدرّسين في قسم التمثيل بإفشال هذه العلاقة، مثلما ذكرنا سابقًا، كما تبرز أشواق في مشهد الخروج من مأساة مقتل أمّها لاحقًا بتطوير معارفها الفنّيّة وعرض أعمالها، واستخلاص الدروس من ألاعيب أمّها المقتولة. يبدو في النصّ أنّ أشواق غير مكترثة أو غير متفاجئة بهذا الحدث الذي أصاب أمّها "بعد أنْ عاشت معها في عوالم غريبة وموحشة"، بحيث أخذت الكاتبة تجد لها مخرجًا يساعدها على دراسة "الفنّ الحقيقي" انطلاقًا من هذا الواقع "لكي تبرع في تجسيد مآسي المرأة التي تتلقّفها طرق الرذيلة، بعد انغلاق أبواب الحياة الكريمة أمامها"، وبذلك تكون الكاتبة قد اختصرت مسافات غير قليلة، وقفزت على الأحداث لتضعنا في سرد متسارع أمام فنّانة تقيم نشاطات فنّيّة غير قليلة.

تعزّز الكاتبة الحدث وصورة الشخصيّات ببعض الأمثال الشعبيّة العراقيّة، والعادات والاعتقادات الموروثة في المحيط الاجتماعي الريفي والمدني، وتستعين بعض فئات مجتمع الأحياء الشعبيّة في "البرج"، وخصوصًا الجيل القديم، بموروثاته القديمة من عادات واعتقادات، على الرغم من تواصله بهذه الدرجة أو تلك مع الأوضاع الجديدة. تذكر الكاتبة، على سبيل المثال، عادة عراقيّة معروفة تتمثّل بالنوم على السطوح أيّام الصيف اللاهبة، وما يترتّب على ذلك من رفض اجتماعي لقيام بعض الرجال بالنظر إلى سطوح الجيران، وتكتب عن الأعراف المتّبعة في التكافل بين بعض الفئات الاجتماعيّة أو بين النساء الجارات، والعادات بين الشباب بالتخاطب عبر أسيجة المنازل بقصاصات ورقيّة، وعن الاعتقاد بالسحر والشعوذة من قبل عدد من النساء غير المتعلّمات بقراءة الطالع وزيارة الأضرحة وإعطاء النذور لجلب الحظوظ، وتجريب السحر. تشير الكاتبة كذلك إلى بعض العادات المعروفة التي يقوم بها المشعوذ والغجريّة مثلًا، وما يرتبط بذلك من زيّ وحلي فولكلوريّة وأبخرة وتحضير مزعوم للأرواح والجنّ، فضلًا عن عادات شعبيّة أخرى يميل أغلبها إلى الريفيّة منها شقّ النساء لعباءاتهنّ حزنًا على الميّت، والعويل واللطم على جثّته، بما في ذلك قيام بعض الرجال بلطم وجوههم، وتأنيب النفس عند ممارسة بعض الطقوس الدينيّة الحزينة. تستعين الكاتبة أيضًا باعتقادات مرتبطة بالأفاعي، حيث تذكر عند الحديث عن هناء أنّ "مرور الأفعى بالقرب منك دون أن تؤذيك، هو مؤشّر على أنّك ستنعمين بعمر طويل"، أو الاعتقاد ب"نعيق الغراب" كنذير شؤم، وحليب السخلة أو البقرة كقوّة مانحة للشفاء. تعكس هذه الاعتقادات اهتمام الشخصيّة البسيطة أو الجاهلة بالحكايات الخرافيّة، واستعانتها بسحر المشعوذين، خشية من الجنّ، ودفعًا للوساوس التي تراودها بسبب ما يُشاع حول ذلك.

لقد عكس (برج العقرب) في حلقات جزأيه الزمنيين كفاءة كتابيّة لمشروع أدبي محدّد، يصوّر الشخصيّات، ولاسيّما النسائيّة، وشكريّة وعائلتها على وجه الخصوص، واهتماماتها ومعاناتها، قياسًا بالشخصيّات الرجاليّة، التي مرّت هنا واختفت هناك كثيرًا، مثل حمدان وغسّان ونعيم، في الوقت الذي أخذت أسماء أخرى دورًا واضحًا في صنع الحدث، مثل أبي جودة "الدرويش" وصالح ومراد. تواترت أحداث "البرج" في ثلاثة أمكنة ببغداد، إلّا أنّها تبقى بحاجة إلى إزالة بعض الالتباس من الناحية الاصطلاحيّة، والتدقيق في رقعتها الجغرافيّة، سيّما إذا عرفنا أنّ المكان هنا ليس افتراضيًّا، وأنّ تحديده بشكل دقيق يمتلك أهمّيّة كبيرة في الأعمال الواقعيّة التسجيليّة. من ناحية أخرى، على الرغم من أنّ الكاتبة كانت واضحة في تحديد زمني الأحداث، وتخصيص ثلث حلقات "البرج" لستّينات القرن العشرين، وثلثيها للسبعينات منه، إلّا أنّها أبقت على الفترة الثانية مفتوحة، ولم تتّضح نهاية لها بشكل جلي. قدّمت الكاتبة شخصيّات "البرج" من خلال سرد واقعي مفصّل لأحداث شعبيّة في أكثر من حيّ شعبي جنوبي الانتماء مرتبط بها، يستقّر رويدًا رويدًا في المجتمع البغدادي، وإنْ بدت التأثيرات البغداديّة في الأوّل منها قليلة على وجه الخصوص، واغتنى العمل بأحداث دارت في أوقات استفادت من متغيّرات الواقع العراقي وتناقضاته.

عزّزت الكاتبة صورة الشخصيّات النسائيّة الرئيسة من "الجيل البالغ" فيه بشكل بارز، سواء من حيث علاقتها بشخصيّات رجاليّة ونسائيّة ثانويّة أو هامشيّة أو عابرة، وبشخصيّات من "الجيل الشابّ" وخصوصًا التلميذة هناء، عندما جعلتها شاهدًا غير فاعل على الأحداث، فواعية مثيرة للانتباه وصانعة لها مع مرور الوقت، كما أعطت الانطباع للدور الكبير الذي لعبته الشخصيّات في منظومة القيم والعادات والتراث الشعبي والديني، والتحديات التي واجهتها في الانخراط في الحركة اليوميّة للأحداث المتغيّرة. عبّرت نصوصها أيضًا عن إمكانيّة فنّيّة وتوثيق موضوعي "تسجيلي" لحياة حافلة بالمتناقضات، ولاسيّما بين واقع قديم بموروثه الشعبي وعاداته، وآخر بغدادي جديد يختلف مع سابقه في هذا المنحى أو ذاك، وإنّْ أخذ التأثير مجراه بشكل تفاعلي بين حياتي الريف والمدينة، الجنوب وبغداد، وتشابكت القيم هنا (وهو الأقلّ)، أو تنافرت هناك (وهو الأكثر).

هناك ملاحظات عامّة تتعلّق بالشخصيّات في حلقات (برج العقرب)، منها سيادة شخصيّة معيّنة وغياب شخصيّة أخرى بشكل مفاجئ على الرغم من أهمّيّة كلّ منهما، كالمرور على حمدان وغيابه فجأة ولفترة طويلة حتّى موته في الحلقة ما قبل الأخيرة، وبقاء زوجته هاشميّة متواصلة نسبيًّا، وإنْ كان ذلك في حلقات بعينها، وغيابها في حلقات أخرى أو المرور عليها بشكل عابر. هناك أيضًا تركيز على عنصر مهمّ ما مرتبط بالشخصيّة وغياب عنصر مهمّ آخر، بلْ و"نسيانه" لفترة غير قصيرة، أو "سكوت طويل" عن بعض الأحداث، ومنها الحدث المرتبط بأبوّة صالح ومراد المشكوك بها، واتّهام الدرويش أبي جودة بأنّه الأب الفعلي لهما، الأمر الذي انتظرت الكاتبة فترة غير قليلة للتذكير بهذا الحدث من جديد، وعودته بشكل مفاجئ بعد حلقات كثيرة. الأمر يسري أيضًا على هناء وعلاقتها ب"دورة الزمن" ومسألة تحوّلها من مراقبة على الحدث إلى فاعلة فيه، فهي أيضًا تغيب في حلقات، أو تكون هامشيّة في أخرى، وتصبح في نهاية الحلقات "مؤهّلة ومتعلّمة تعليمًا عاليًا وذات معارف كثيرة في حقول شتّى"، وكنت أتمنى لو أنّ الكاتبة قامت بتسليط الضوء عليها عبر متابعة تطوّر شخصيّتها وتأهيلها مرحليًّا لا "مفاجئًا"، وتبدو هذه الحالة شبيهة بحالة أشواق ولو بدرجة أقلّ.

لقد نجحت الكاتبة في رسم صورة لشخصيّاتها، وتقديمها إلى القارئ بحلّتها الشعبيّة العراقيّة، وإيصال أفكارها إلى القارئ بدقّة ويسر بشكل مباشر، كما برزت أهمّيّة الموضوع المطروق في الحلقات في تبصير القارئ بحياة هذه الشخصيّات والطبقات المسحوقة في أحياء فقيرة مسحوقة، بما في ذلك هواجسها وشكوكها بعد التجريف، والصراع بين ما حمله الفقراء القادمون من معتقدات وعادات معهم وبين الواقع البغدادي الجديد، وقد استخدمت الكاتبة عناصر من التراث الشعبي، وتفاعلات نصّيّة "تناصّات" لتعزيز تصوّراتها، وإنْ كان ذلك قليلًا.

لقد تحرّكت الكاتبة في حلقات "البرج" بثقة باستخدام سرد مفصّل لأحداث شعبيّة في أحياء شعبيّة، وبتأثيرات بغداديّة تبدو قليلة، وأحداث تدور في زمن يعود إلى التأثيرات الواقعيّة وانتشارها مستفيدة من إرهاصات التغيير بعد الحرب العالميّة الثانية، وتطوّر المدرسة الواقعيّة، ومنها الاشتراكيّة، وإنْ بقيت بعض النصوص بحاجة إلى التكثيف أكثر من السرد الميكانيكي. عبّرت حلقات "البرج" عن رؤية الكاتبة لمشروعها ذي الخاتمة المفتوحة، إذْ يبدو هذا الأسلوب وكأنّه يتعامل مع كلّ حلقة ككيان ذاتي نسبيًّا، على الرغم من وجود خيوط رابطة بين الشخصيّات، ويبدو أنّها حرصت أنْ تكون كذلك، متأثّرة بهذا النوع من الأساليب في الأعمال السرديّة العالميّة، فقد نجد أحداث حلقة ما وحركة شخصيّاتها لا تتواصل مع أخرى بشكل مباشر، كما أعتقد أنّ صدور العمل كرواية أو نصّ واحد سيعطي صورة أكثر وضوحًا لأسلوب الكتابة، كقصّة طويلة أو رواية.

من جانب آخر، أرى من المفيد أنْ تقوم الكاتبة بضبط الأسماء، وتنقية العمل من الشوائب المطبعيّة والإملائيّة واللغويّة، وإعادة صياغة بعض العبارات والجمل في الحلقات أسلوبيًّا، و"ترويض" اللغة الفصيحة كي تعكس حالة التباين بين قدرات المتحاورات والمتحاورين، وتحاشي الخطاب الإنشائي، وذلك من أجل النهوض بالعمل لأهمّيّته قبل نشره في كتاب واحد. يمكن القول أخيرًا، إنّ الكاتبة ساهرة سعيد، على الرغم من الملاحظات المذكورة أعلاه، قد استطاعت من إيصال أفكارها إلى القارئ بوعي معرفي يحترف الكتابة المنتجة بآليّات واضحة، ونجحت في صياغة مشروعها الإبداعي الجديد هذا بشكل سليم.

 

بقلم: عدنان عبّاس

.....................

* تُنظَر حلقات (برج العقرب) الثلاث والثلاثون على صفحة الكاتبة ساهرة سعيد في الفيسبوك.

أمان السيد

بطاقة تعريف

سورية الوطن، مقيمة في أستراليا.

أستاذة لغة عربية، قاصة، وشاعرة، وصحافية.

من نشاطاتها وأعمالها: تدريس اللغة العربية بين سورية، والإمارات، وأستراليا خلال مسيرة حياتها المهنية.

حاصلة على دبلوم في التأهيل التربوي من جامعة دمشق عام 1982، وإجازة في اللغة العربية من جامعة تشرين في اللاذقية عام 1980.

سبق لها أن عملت في إعداد وتقديم برنامج في إذاعة " صوت الوطن العربي الكبير" بعنوان

"من نشاطات القائد"، وبرامج ثقافية أخرى/ في ليبيا بين عامي 1983- 1984.

عضو في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات.

تتنوّع كتاباتها بين المقالات، والدراسات الأدبية، والشعر، والقصص القصيرة، وهي تنشر في المجلات، والصحف العربية، والإماراتية، والأسترالية، والمواقع الألكترونية المختلفة، منها: دبي الثقافية، والصّدى، وجريدة الرؤية، والخليج، والاتحاد في دولة الإمارات، والتلغراف، والمستقبل في أستراليا.

في أثناء إقامتها في الإمارات العربية المتحدة خصّص لها عمود في جريدة "الرؤية" في دبي حمل عنوان" نوافذ بحرية”.

لها أكثر من حوار أدبي، ولقاء تلفزيوني، وإذاعي ما بين المجلات العربية، والقنوات الفضائية في الإمارات، وإذاعة مونت كارلو في فرنسا.

شاركت، وتشارك في الملتقيات الثقافية والأدبية ما بين الإمارات وأستراليا.

أول أديبة سورية تقيم أمسية شعرية في أستراليا، وكان مقرّها قاعة بلدية "كانتبيري/ لاكمبا في سيدني عام 2016 وقد حملت الأمسية عنوان" غابات الفرلق" رتلت فيها الأديبة قصائد لوطنها المنكوب، ولمدينتها الساحلية.

فازت بالمركز الأول عن قصتها "عيون تنشد الأمان" كتقدير من مؤسسة "كلمة" في القاهرة، والقصة منشورة ضمن مجموعتها القصصية " ذكورة المنافي”.

كرّمت بدرع تقدري" كأفضل أديبة وقاصة سورية لعام 2010" ضمن مسابقة أقامتها مؤسسة "كلمة" في القاهرة، حملت عنوان "جائزة نجيب محفوظ للقصة القصيرة"، كما ذكر اسم الكاتبة ضمن ديوان خاص يحمل آثار عدد من المبدعين العرب المشاركين.

كرّمت عن " دائرة الثقافة والإعلام" في الشارقة ضمن إصدارات "كتاب الرافد" عن مؤلفها السردي "أبعد من القيامة".

 كرمت عن جريدة "الرؤية" في دبي ضمن حشد كبير عن مقالتها الأولى التي نشرت في الجريدة، والتي حملت عنوان " نمنمات إنسانية..

إصداراتها في السرد:

" قدري أن أولد أنثى" صدر عن في القاهرة/ الناشر شمس للنشر والتوزيع عام 2008

"سيراميك" صدر في القاهرة عن مؤسسة الكلمة عام 2010

"ذكورة المنافي" صدر في سورية/ اللاذقية عن دار الحوار للنشر والتوزيع عام 2011

" أبعد من القيامة" صدر ضمن " كتاب الرافد" عن حكومة الشارقة دائرة الثقافة والإعلام عام 2014

"نزلاء المنام" صدر في طرابلس/ لبنان عن دار جروس برس ناشرون عام 2019

للكاتبة قيد النشر:

عدد من الأعمال الأدبية بين الشعر والنثر.

مقدمة نقدية عامة

إطفاء المصابيح أُولى مراحل النوم المريح. لكن هناك مَن يحبون أن يناموا والمصابيح موقَدة؛ فالظلام حولهم... يضيء!.

إنه يضيء عتمة العيون، والنفوس، فتطمئن القلوب، وتستسلم للنوم العميق!.

هذه حال (أمان السيد) في افتتاح مجموعتها القصصية (نزلاء المنام):

(مَن يطفئ تلك المصابيح؟

من يعبث بالضوء حولي؟

 أوقدوا المصابيح، أريد أن أنام).

افتتاحية تُشكّل ومضة مكثفة فنيًّا ووجدانيًّا، كومضات قصيدة النثر، أو النثيرة. فأمان السيد شاعرة أيضًا.

لها مجموعات قصصية عديدة. ويحار القارئ والناقد في الاختيار: فالقارئ الشغفوف بفن القصة سيتمتع باختياراته من قصص المجموعات. والناقد سيتمتع بقراءاته ويُرهَق معًا؛ لأنه ابتُلِيَ بالقراءة النقدية الأكثر متعةً، وبلاءً، وابتلاءً.

والوقوف عند كل قصة من قصص أي مجموعة قصصية بشكل عام، يحتاج إلى وقت ليس بالقصير، وإلى معاناة أطول وأعمق، لاستنباط الدلالات الفكرية والوجدانية والفنية الأسلوبية، وفك شفرة الرموز المبهمة أحيانًا، أو الموحية بأطياف موشورية الأبعاد في بعض النصوص، وهذا يخالف النص المسطَّح الذي يشبه لوح الزجاج مما نراه في كثير من قصص هذا اليوم.

لكل إنتاج شعري أو قصصي، وحتى فني تشكيلي شخصيته المستقلة، وبصمته المتفرّدة، التي تعكس شخصية المبدع، ومواقفه المختلفة من قضايا النفس البشرية، وفلسفة الحياة، والعلاقات الاجتماعية والسياسية إلخ...

ولذلك سأقتصر في إضاءتي النقدية على بعض القصص المختارة من مجموعاتها. فأنا لا أحبذ الاستعراضات الصحفية العابرة في تناولي النقدي، وذلك وفق رؤيتي واجتهادي فقد أصيب، وقد أُخطئ. فإن أصبت في اجتهادي فلي حسنتان، وإن أخطأت فلي حسنة الاجتهاد. وفوق كل ذي علم عليم.

قد تكون القراءة النقدية كتابة ثانية للنص، وقد توافق رأي الكاتب، أو لا توافقه. وكذلك قد توافق أو لا توافق هوى الكثيرين من القراء الجادّين. وهذا دليل خصوبة النص نفسه، وغناه المتنوع الأبعاد، وطبيعة التكوين النفسي والفكري والثفافي للمبدع، أو للقارئ المثقف الذي قد يفوق الاثنين معًا في رؤيته المختلفة، بل المتناقضة أحيانًا. وهذا يصب في صالح النقد، والمبدع، وإنتاجه، والقارئ.

وهنا يحضرني المتنبي و(ابن جني). فقد كانا صديقين شامخين في مجاليهما المختلفين. كان ابن جني يشرح أحيانًا ديوان المتنبي بحضوره، وهي تجربة فريدة في النقد الشعري العالمي. أحيانًا يقف المتنبي عند بعض شروح أبياته بإعجاب، ويقول لابن جني: والله لم يدُرْ هذا في خَلَدي، لكنه حَسَنٌ.

 عند عملية إبداع الكاتب أو الشاعر لنصه فإنه يمارس نقدًا أوّليًّا، لكن قد تغيب عنه رؤى ودلالات كثيرة. ونقد الناقد هو نقد النقد الأوّلي كما ارتآه المبدع ثم اعتمده. لكنْ، ليس أي نص، بل النص العميق الرامز إلى الأغوار والأعماق الباطنية للنفس البشرية. إنه النص الموشوري وليس المُسطَّح كلوح الزجاج كما أشرت سابقًا.

عندما يولد النص من رحم المبدع يصبح ملكًا جماعيًا للقراء والنقاد على اختلاف مذاهبهم ورؤاهم. وعملية النقد ليست مجرد شطحات وهلوسات لا ترتكز على دعائم واضحة من اللغة والتحليل والتركيب والاستنتاج والحكم النقدي المعلّل، وأحيانًا الحكم التأثري؛ فالناقد له أيضًا رؤاه ومواقفه الذاتية والانفعالية أحيانًا، فهو ليس إنسانًا آليًّا، "روبوتًا" ينقد وفق برمجة علمية باردة كما في بعض المدارس البنيوية الشكلانية الصارمة ببياناتها وجداولها الإحصائية، رغم عظمة بعض الدراسات البنيوية ونقادها الأفذاذ.

كان الشعراء الرومانسيون: مثل بيرسي شيلي، وكولريدج... ينفرون من النقد الصارم البارد ويرونه مثل تشريح جثة في المشرحة دون رؤية الأسرار الخفية للجسد المُشرَّح التي ماتت بموت الجسد.

وهل نشرّح جناح الفراشة بحثًاعن أسرار مهرجان اللون والضوء في قوس قزح الجناح دون التمتع بأسرار الهندسة الجمالية فيه؟. العالِم يبحث عن الحقيقة العلمية الباردة في الجناح، وليس الأسرار الجمالية الكامنة فيه.

عملية النقد ترهق الناقد وتُمتّعه معًا، وقد ترهق القارئ الجاد وتمتّعه أيضًا. ولكلٍّ آراؤه ومواقفه.

وللناس في ما يعشقون مذاهبُ .

(1) التعادلية بين الجمالية الشعرية وجمالية السرد

قضية فنية محيِّرة عند أمان السيد، ولا تعم قصصها كلها، بل ظاهرة جلية في بعضها إن لم نقل في الكثير منها، وهي في رأيي طغيان الشعرية على السرد أو الحدث القصصي. وهذه ظاهرة فنية، بصمة أسلوب، تعبّر عن شخصية الكاتبة الفنية، وليست نقيصة، بأي شكل. فالأسلوب هو الرجل، كما يقول الكاتب الفرنسي جورج لويس لوكلير الشهير بالكونت دو بوفُّون، وهي عبارة شاعت وذاعت في النقد الأدبي، وحمّلها بعضم مدلولات سلبية.

من التعليقات السريعة المطبوعة على صفحة الغلاف الأخير لمجموعة " نزلاء المنام " نقرأ تعليقات فنية هامة لوديع سعادة، والمرحوم الفنان الأديب والشاعر غسان علم الدين، زوج كاتبتنا أمان السيد.

وديع سعادة: " ليست القصة لدى أمان السيد مجرد سرد لحدث. ليست القصة لديها مجرد قصة. إنها قصة ما وراء القصة... وعلى رأسها تاج الشعر".

غسان علم الدين:" الكاتبة لم تكتفِ باللجوء إلى كتابة القصة التي عمادها الخبرية، والسرد، والحدث المفقود، وإن وُجِد...بل اختارت الشعر فضاء ألقت فيه بذورَ مسِّها وحريقها الجواني..أمان السيد شاعرة الكتابة...".

وتوصيف غسان علم الدين لأمان بأنها "شاعرة الكتابة ينقصه توصيف نوع الكتابة هل هي الكتابة القصصية، أم الكتابة الإبداعية مطلقاً ؟ فنزار قباني في مقالاته، وليس في قصائده، شاعر كتابة. وكذلك غادة السمان، وأحلام مستغانمي، وأدونيس،...

لنأخذ مثالًا من (قصة) " محاصر بغابتيك" من مجوعتها القصصية " أبعد من القيامة ".

" غريبان في المنفى. قبالتي جالسٌ تحملق في الفراغ. أحتسي عينيكَ في فنجان قهوتي، وأهدأ. إذ في الفنجان لا تزال رشفة أُسَحِّبكَ معها في أوردتي ".

" موسيقى الجاز تعزف، والمغني يوَقِّع لنا لحننا الشغوف. أكثر الناس تلهفًا إلى الحب أولئك المحاصرون بالحب" . " أتذكَّر مدينة مطلية بالبحر... كم تشبهك تلك المدينة! عيناك غابتان من وحشية بملامح طيف نابع من عمق المستحيل. أجبني.. لو أن عينيك تلاقتا بعينين تتعبدان في صومعتك هل ستسمح للشعر بأن يبوح بالشعر؟ وهل ستغزل ريشتك لونًا عابثًا في زمرد البحور"؟

"عيناك الخريفان اللاهثان في فكرة تداري تمردي. في منفيين بينهما ينبت بيننا أكثر من حاجز، وأكثر من عابر يرشق فضوله ويدندن...من هنا عليها أن تسرح الأغنية."

تعابير جميلة جدًا بمعايير فنية عديدة. وهذه الأسطر تغلب عليها نفحة روحٍ سردية خافتة، تطل علينا من خلال الأفعال المضارعة الحركية المجسِّدة لحدث حاضر يجري. واسم الفاعل: جالس، يحمل الدلالة ذاتها.

من ذلك: جالس تحملق. أتذكَّر. لاتزال. أُسَجِّيك. تعزف. يدندن.

النفحات الشعرية- برأيي- هنا تطغى على السرد. عكس ما يراه وديع سعادة وغسان علم الدين.

لكن، شخصيًّا، لا تُشعرني هذه الكتابة بأنها سرد لحدث. هي نجوى، أو مناجاة وجدانية بليغة، فيها شعرية فنية جميلة التصوير، موحية اللغة بأجواء حميمية ذاتية. أو هي رسالة حب موجهة إلى المحاصَر بغابتيه مثل رسائل العشاق البلغاء.

لنقرأ هذه (القصيدة) للشاعر الفرنسي جاك بريفير بعنوان: وجبة الصباح) حيث تتعادل أو تتوازن الشعرية مع السرد :

" وضع القهوة في الفنجان. وضع الحليب في فنجان القهوة. وضع السكر في القهوة بالحليب. حرّكها بالملعقة الصغيرة. شرب القهوة بالحليب. وضع الفنجان دون أن يكلّمني. أشعل سيجارة. ونفث دوائر من دخانٍ. ألقى الرماد في المنفضة. دون أن يكلّمني، دون أن ينظر إليّ. نهض. وضع قبّعته على رأسه. ارتدى معطف الشتاء لأنّ المطر كان يهطل. وانصرف تحت زخّات المطر دون كلمة. دون أن ينظر إليّ. وأنا وضعتُ رأسي بين يديّ.. وبكيت"ُ.

هذه قصيدة شعر، لكن فيها التصوير السردي الحركي المجسَّد المتلاحق بما يجعلها تتعادل أو تتوازن تناظريًا بين الشعرية والسرد. بين جمالية السرد وجمالية الشعر. بل أرى أن السردية عند جاك بريفير غلبت الشعرية،

(والكاتب شاعر). وهذا عكس ما رأيناه عند أمان السيد حيث غلبت الشعريةُ السردَ (والكاتبة قاصّة) .

وأكرِّر: هذه ليست نقيصة ، بل ظاهرة فنية موضوعية استنتاجية، هي بصمة سرية للكاتبة. ولا توجد أصابع بلا بصمات.

(2) التعادلية بين الجمالية الشعرية وجمالية السرد

فن الشعر، فن النثر الشعري أو الشاعري، وفن الشعر النثري، قصيدة النثر، النثيرة... تسميات بينهاعلاقات فنية سرية ذات أطياف متموجة ومتدرجة. فالموسيقا الشعرية طيفٌ متناهي الألوان. والشعر قوس قزح في موسيقاه، أو تناغماته الإيقاعية.

في الشعر الموروث تكون الموسيقا ميزانًـا خليليـًا فراهيديًّا صارمًا على أوزان بحور الشعر الستة عشر، كما حصرها القدماء، والتي يسميها نزار قباني الأقفاص الستة عشر..

وقد تكون ميزانًا تفعيليًّا يستند إلى وحدة التفعيلة المتنوعة العدد والقوافي، كما في ما يسمونه شعر التفعيلة والذي عهدناه عند شعراء حركة الشعر الحديث: السياب، نازك الملائكة، صلاح عبد الصبور...

وقد تكون إيقاعـًا وتناغمًا(هارمونيًّا) مجردًا من أي وزن خاص صارم، أو تفعيلي حر. فالشعر مجرد نثر فني فيه إيقاع موسيقي يشعُّ في النص من سرّ اللغة الشعرية، أو الشاعرة بأنغامها، وتناغم حروفها، ومن دهشة الخيال أو التخييل، أو الصورة الفنية المبدعة، ومن الأفكار، ونبضات الوجدان، وومضات المعاني، ومن الخيال والتخييل، أو الأخيلة الإيحائية غير المألوفة والمثيرة للحاسة الجمالية ضمن تفاعلات كيميائة النص المتكاملة العناصر.

  هذا ما نجده عند شعراء الحداثة، وما بعد الحداثة، كما عند أدونيس وأنسي الحاج، ومنذر مصري، وآخرين...

رغم أنني، من خلال ممارساتي الشعرية وعشقي لكل تشكيلات الشعر الموسيقية بما في ذلك النثيرة، أميل إلى آراء، وممارسات شعرية، لنقاد وشعراء عالميين أفذاذ مثل كولردِج، وإليوت، وهما من أنصار موسيقا الشعر وأوزانه مع تعليل فني ونفسي ومعنوي من حيث العلاقة ما بين الموسيقا الشعرية والمعنى، والموسيقا الشعرية والحالة النفسية...

فالشاعر والناقد الإنجليزي كولردج يرى الوزن في الشعر توازناً بين الشعور واللاشعور، وبين العاطفة والعقل. وقد درس طبيعة الوزن الشعري المضطرب عند شخصيات شكسبير المسرحية المصابة بالجنون فوجد ترابطاً بين الوزن الشعري وهذيان الشخصية. فكولردج ربط بين الوزن والإيقاع والتعبيرعن المعنى. كذلك ربطهما بالخيال، فالإحساس بالمتعة الموسيقية هبة من الخيال. وربط بين الوزن واللغة. وشبّه الوزن بالخميرة التي لا فائدة منها بمفردها، فهي تكتسب أهميتها من مزجها بغيرها من العناصر الشعرية.

يقول إليوت: " موسيقا الشعر ليست منفصلة عن المعنى وإلا وجدنا شعرًا له جمال موسيقي دون أن يعني شيئًا. وبين معنى الشعر وموسيقاه ارتباط حيوي يضيع تماماً عند ترجمة الشعر إلى كلمات منثورة . فالمعنى في الشعر يتطلب موسيقا الشعر، وفي الترجمة يفقد الموسيقا والمعنى الكامل " .

طبعًا المعنى العام يبقى في الترجمة، ولا يفقد النص المترجَم المعنى الكامل، لكنك تشعر أنك أمام منظر جميل لقمر شعري مضيء، ولست أمام بدر شاعري يشعّ بالضياء. ولكُلٍّ جمالُه.

وهناك ظاهرة نفسية فنية تدل على أن الشعر أحيانًا هو الذي يكتب الشاعر في خلسة منه ويفرض عليه بحره أو إيقاعه الموسيقي الخاص وتشكيلاته القزحية الألوان. وكم من (نثيرة) فاقت في روعتها (قصيدة) خليلية أو تفعيلية. وكم من (قصيدة) موزونة على نغمات(السُّلم الموسيقي) بصرامة، وُلدت ميتة الروح!

  والشعرية أو الشاعرية، من بصمات فن القصة بأشكالها المتعددة: رواية. قصة قصيرة. أقصوصة.. وهذا غير القصة القصيدة، أو القصيدة القصة، بمعنى آخر ما نسميه: الشعر القصصي.

عند أمان السيد نجد في سردها القصصي، في كثير من السرديات، نفحات الروح الشعرية أو الشاعرية، وهي لا تنوي أصلاً كتابة الشعر خلال سرد الحدث(علمًا بأنها شاعرة أيضًا). لكنها تخضع بعفوية لروحه. فالشعر يكتبها رغمًا عنها. كما ففي افتتاحية مجموعتها القصصية نزلاء المنام(ذكرناها سابقًا) نقرأ:

" مَن يطفئ تلك المصابيح؟

من يعبث بالضوء حولي؟.

أوقِدوا المصابيح

أريد أن أنام ".

افتتاحية تُشكّل ومضة مكثفة فنيًا ووجدانيًا من ومضات قصيدة النثر، أو النثيرة . فهنا نجد موسيقا المعنى واللغة ، وإيقاع الصورة، وتناغم الوجدان والمشاعر مع الخيال أو التخييل...

 وفي مجموعتها: قدري أن أولد أنثى، وهي تسرد حدثًا قصصيـًّـا ولا تكتب شعرًا، نقرأ التالي في قصة : المطر وأشياء أخرى، بعد أن نسّقْتُ سردها النثري القصصي على نمط قصيدة النثر أو النثيرة :

" استنزفْني أيها المطر.

ألهِبْني غيوماً.

 بدِّدْني سكائبَ.

 اغمرني عشقًا وموجًا وصخرًا ورملًا.

إنه بقربي، لا شيء يفصلنا..."

 هذا المقطع يشكّل نبضة وجدانية غير سردية. فهو ينتمي إلى قصيدة النثر أو النثيرة بعناصر فنية متكاملة: من موسيقا المعنى، واللغة الشعرية - الشاعرية، بحروف همسها وجَهْرها وتكرار إيقاع فعل الأمر المنبث في الذات، وكذلك الصورة التخييلية، والمشاعر الدافئة...

لكنْ ما المفقود في هذه السردية (القصصية) الجميلة لتصبح شعرًا؟ إنه (الموسيقا الشعرية المعيارية) وفْق إيقاع خاص كما في الشعر الحر، بتنوع عدد التفعيلة، وهي الوحدة الموسيقية الشعرية المتنوعة النغمات كالسلم الموسيقي.

 في قصة " ذكورة المنافي" ، في المجموعة القصصية التي تحمل العنوان ذاته، نقرأ جملاً شاعرية اقتطفتُها من (السرد القصصي):

" توّهَني منفاك

في سكون الظلمة

راحت عيناك خفافيش تتناسل

في انطفاءات عينيك

لمحت أوطاناً تُذبج بمقاصل.

جلّادوها تجارُ ليلٍ

وفأس، وشعارات، ومزايدات

هناك التقينا. "

الروح الشعرية- الشاعرية الموحية بفنيتها الشفافة (هنا) تطغى على السرد القصصي وتيار الحدث، فتبدو كأنها شاعرة تكتب قصيدة نثر جميلة، لا قصة. ونذكِر بأن أمان السيد شاعرة متميزة.

وقد قمتُ بتجربة تطبيقية شعرية موسيقية معيارية، على نص قصصي بإنقاص (طفيف جدًا) لكلمة أو حرف أو زيادتهما لنحصل على مقطع من قصيدة تفعيلة كاملة.

أقتبس هنا حرفيًا من (قصة) عنوانها(رصاص أقلام)، وليس (أقلام رصاص)، عن الفنان محمد حسن:

 " يرسم بسلاسله سجنًا لا يترك مكانًا لنافذة تُنفِذ بعضَ الضوء الصالح لاستمرار الحياة. ينحت في جدران السجن الرطبة جسدًا تتدلى أطرافه، كلعبة ابتدعها مخرج. بقلم رصاص يرسم مشنقة يتدلى منها لسان. يعلمون أن تحت المشنقة امتدت ألسنة واجتمع بشر يتكاثرون في كل حدب وصوب".

 فلنضع هذا السرد القصصي في قالب من شعر التفعيلة على بحر المُحْدَث (أو الخَبَب) باعتماد تفعيلة (فاعلن) مع الجوازات المعروفة وبخاصة: فاْعِلُ/0 // ، بحذف النون، وفَعِلُنْ / / / 0

وفَعْلُن / 0 / 0 ، وفَعِلاْنْ/ / / 0 نْ مع التقاء الساكنين كما هو جائز في نهاية البيت أو الجملة الشعرية.

أولًا أصوغ هذه السردية - القصصية شعرًا وفق معيار شعر التفعيلة مع تعديل أو نحت لغوي طفيف، حتى نرى طغيان الشعرية على لغة السرد. وكما قلت سابقًا فإن هذه الظاهرة ليست سائدة كليًّا، بل غالبة، وليست نقيصة، بل سمة فنية لها جمالها:

" يرسمُ،

بسلاسله سجنًا

لا يترك نافذةً

 تُنفذُ بعضَ الضوءِ،

اَلصالح لاستمرار حيـاْةْ .

ينحت في جدران السجن الرطبةِ،

برصاص قلمْ

أو قلم رصاْصْ

جسدًا تتدلّى أطرافُهْ

لعبةّ مُخرِجْ

هي مشنقةٌ

يتدلّى منها طولُ لساْنْ

تحت المشنقة امتدّتْ ألسنةٌ

واجتمع أُناسٌ قد وفَدوا

من كلّ مكاْنْ ".

والآن نضع الوحدات الموسيقية بعد النحت اللغوي الطفيف جدًا لحرف أو كلمة:

" يرسمُ،

/0 / /

بسلاسله سجنًا

/ / / 0 ، / / / 0 ، / 0 / 0

لا يترك نافذةً ،

/ 0 / 0 ، / / / 0 ، / / / 0 ،

تنفذُ بعضَ الضوءِ،

 / 0 / / ، / 0 / 0 ، /0 / 0

ألصالح لاستمرار حيـاْةْ

/ 0 / 0 ، / / / 0 ، / 0 / 0 ، / / / 0 نْ

ينحت في جدران السجن الرطبةِ،

/ 0 / / ، / 0 / 0 ، / 0 / 0 ، / 0 / 0 ، / 0 / /

برصاص قلمْ

/ / / 0 ، / / / 0

أو قلم رصاْصْ

/ 0 / / ، / / / 0 نْ

جسدًا تتدلّى أطرافُهْ

/ / / 0 ، / / / 0 ، / 0 / 0 ، / 0 / 0

لعبةَ مُخرِجْ.

/ 0 / / ، / 0 / 0

هي مشنقةٌ

/ / / 0 ، / / / 0

يتدلّى منها طولُ لساْنْ

/ / / 0 ، / 0 / 0 ، / 0 / 0 ، / / /0 نْ

تحت المشنقة امتدّتْ ألسنةٌ

/ 0 / 0 ، / 0 / / ، / 0 / 0 ، / 0 / 0 ، / / / 0

واجتمع أُناسٌ قد وفَدوا

/ 0 / / ، / / / 0 ، / 0 / 0 ، / / / 0

من كلّ مكاْنْ.

/ 0 / 0 ، / / / 0 نْ

 قمنا ببعض النحت اللغوي، كما أسلفت، بإنقاص طفيف لكلمة أو حرف أو زيادتهما، لنحصل على (شعرية قصصية)، للتدليل على أن أسلوب السرد عند أمان السيد(دون تعميم) يتماهى مع الشعرية المنبثة في حنايا السرد. وأكرر أن هذه الظاهرة ليست نقيصة بل تمنح النص جمالية الشعرية وجمالية السرد معًا.

 صحيح أن لغة الفن القصصي: أقصوصة، قصة قصيرة، رواية تتماهى في كثير من المواقف السردية مع لغة الشعر وموسيقاه بأشكال مختلفة دون أن تكون بالضرورة منتمية إلى عالم التفعيلات أو الوحدات الموسيقية وفق معيار معين بل هي روح التوقيع أو الإيقاع اللغوي الموسيقي والحساسية الفنية الجمالية عند المبدع.

لكن، وفق رأيي وذوقي، وللناقد ذوقه المعلَّل لا بد من تعادلية خفيَّة، وتوازن مدروس بعناية، بين جمالية الشعرية، وجمالية الحدث السردي أو السرد الحدثي، حتى لا يكون الحدث مفقودًا أو مخبوءًا خلف غلالة شفّافة من الجمالية الشعرية، فتطغى بذلك الشعرية على السردية، في حضور السرد. والجماليتان مطلوبتان فنيًّا وجماليًّا.

أمينة المجنونة في “نزلاء المنام”

الرمز في الأدب فن تعبيري وظيفي، وليس هلوسات غامضة قصدًا، بهدف تعالي الكاتب على القارئ وإيهامه بأنه أمام نص عميق الدلالة يتحداه. والرمز قد يكون خدعة فنية أو حيلة من الكاتب للهروب من الرقابة الفكرية التي غالبًا ما تكون أقل مستوى من المبدع في فهم مراميه البعيدة. وهذا ما جعل نجيب محفوظ يهجر الكتابة الصحفية ويلجأ إلى الفن القصصي مسوّغًا هذا بأن فن القصة فن (مراوغ) يستعصي أحيانًا على الرقيب الفكري ومقصه الذي يقص الورق واللسان والرقاب.

في قصة (ماؤه المقدس) مثلًا، كما سنناقشها لاحقًا، سنجد أمان السيد تعتمد الرمز المتحدي للإدراك السريع بدلالات غامضة متروكة لخيال القارئ. وهو في غالبه رمز تجريدي موحٍ بالعناصر الفنية المعروفة للقصة.

في قصة (أمينة المجنونة) يتداخل الرمز مع مكان الحدث القصصي، أو البيئة الجغرافية، والاجتماعية والسياسية...

فأما من جهة بيئة الحدث فنحن نعرفها واقعيًّا(منطقة الحفة) باللاذقية التي تنتمي الكاتبة وأمينة إليها. والشخصيات واقعية: الكاتبة- الراوية وهي طفلة، وأترابها، والجدة، وسكان الحفة

" العامّة المشدوهة " .

ومن جهة أخرى هناك رموز أو كنايات وإشارات بلاغية واضحة التسمية لكنها توحي بمدلولات أخرى مثل:

رجل ضخم أسمر وسيم الملامح. فراعين السلطة. الزعيم. نعيق العريس: جمال عبد الناصر زمن الوحدة مع سورية وقد زار منطقة الحفة وخطاباته الجماهيرية التي تشبه النعيق!.،

ومثل: العامّة المشدوهة: الغوغائيون أو الجماهير الغائبة عن الوعي. الترانزِستور والمذياع. بوق أمينة المعقوف: وسائل الإعلام الرسمية التي كانت تلهب حماس الجماهير، وانشداهها الأزلي برموز السلطة وفراعينها. وأخيراً السد.

كانت الكاتبة الطفلة، في سرد خاطف من سيرة ذاتية، تعابث أمينة مع أترابها بمطاردتها في الحارة هاتفين باسمها. وتنفرد الكاتبة الراوية، وهي طفلة، بإطلاق اسم المجنونة على أمينة. وتحدث المطاردة إلى بيت الجدة، ويعلو صراخ أمينة الهائجة...

نصف الصفحة الأولى من القصة تقريباً تغطي هذا الحدث.

ثم تبدأ مرحلة أخرى من مراحل السرد القصصي بمستوى أعمق فتحكي الكاتبة عن سر تسمية أمينة بالمجنونة:

" احتاروا في تفسير إصابة أمينة بالجنون، فمن النسوة من تغامزن بحكاية طريفة أنها فقدت عقلها في ليلة دخلتها حين خلع العريس ثيابه فنفر منه ما أفزعها، وأصيبت من ساعتها باللوثة".

ونجد تفسيرًا آخر يحتج به الناس على جنونها وهو لباسها الغريب، وفستانها المزركش وقد دلّت منه حمّالات صدر عديدة حصلت عليها من نسوة البيوت بعد انتزاعها منهن انتزاعًا. مع صورة غمرت من أمينة مغظم ثوبها لتبتلع من حذائها طويل الساقين المعقود على رجليها بشرائط متصالبة، وكانت الصورة لرجل ضخم أسمر وسيم الملامح(تقصد صورة جمال عبد الناصر).

تبدو أمينة بهذا الثوب مثل شخصية الدرويش في قصص نجيب محفوظ مثلًا بالعصا والمبخرة والثياب المرقعة... لكن درويش نجيب- وغيره من الدراويش- ينطق بأسرار الكاتب، إذ يُنطِقه بما يوحي بالجنون، لكنه جنون العاقل العارف بالخفايا. وهذه الشخصية مثل الجوقة في المسرح الإغريقي أو الكلاسيكي وبعض المسرح الحديث، وهو الكورس الذي يعلِّق على الأحداث ويكشف بعض الخفايا للجمهور. لكن شخصية أمينة شخصية صامتة تنطق بثيابها المزركشة، مثل ثياب الدرواويش وصورة زعيمها العريس.

وهكذا كان تفسير جنون أمينة: تفسيراً جنسياً ، وآخر سياسياً قومياً.

أما عن التفسير الجنسي فيثير قضية اجتماعية انتقادية لتقاليد بالية إذ تدخل العذراء على عريسها أو يدخل عليها، وهي جاهلة بعالم الجنس قبل الزواج ، أقصد لا تمهيدَ علميًا جنسيًا للبنت قبل الدخول بها، وهذا عند العامّة، من باب العيب والعار وتفتيح وعي البنات على عالم سري يجب ألا يعرفنه إلا ليلة الدخلة. من هنا كان جنون أمينة ضحية الجهل والعيب والخجل والحرام...

وهنا أُحيل القارئ إلى روايتَيْ خضراء كالمستنقعات، وخضراء كالحقول، للدكتور هاني الراهب في معالجته الصريحة جداً لهذه القضية، مع عمق نفسي وفلسفي وفكري وجنسي واجتماعي وأخلاقي... لم أجد له نظيرًا، في حدود اطلاعي، إلا عند رائعة الطيب صالح في روايته العجيبة: موسم الهجرة إلى الشمال. فقد تبدو معالجة الروائيين لمشكلة الجنس إباحية، من نوع الأدب المكشوف لمن لا يدرك مرامي الكاتبَين.

أما عن التفسير السياسي القومي لجنون أمينة فمسألة فيها نظر! بل وجهات نظر متنوعة ومتناقضة بتنوع وتناقض المواقف العربية، أفرادًا وشعوبًا وزعامات، من فكرة الوحدة والقومية الشوفينية! والزعامة الاستبدادية، وانشداه العامة برموز السلطة وفراعينها...

هل يا ترى ترمز أمينة إلى فكرة العروبة أو القومية العربية؟ وإلى الجماهير الغوغائية الغائبة أو المغيَّبة عن الوعي؟

وهل " السد " رمز آخر للحاجز الذي وقف مانعًا في وجه الترويج لنجاح الفكرة القومية، وتوحيد أمتنا كتلةً واحدة قوية في عالم التكتلات الكبرى، حيث لا وجود للكيانات الشظايا الصغرى المفككة المتناحرة في عالمنا المعاصر؟.

فأمينة وُجدت جثةً هامدة قرب" السد" معانقة صورة الزعيم الأسمر. وأمينة، رمز الفكر السياسي القومي الغوغائي، ماتت. و" السد" وقف حائلاً دون انتصار هذه الفكرة. وماتت الزعامة المستبدة، وانشداه العامة الأزلي برموز السلطة وفراعينها.

هنا أتذكر خليل مطران في قصيدته عن نيرون، وهو رمز لكل الطغاة عبر التاريخ إذ ينتقد الشعب الذي يؤلِّه الطغاة:

ذلك الشعبُ الذي أوْلاهُ نصرا

هو بالسُّبّة من نيرونَ أحرى

" عندما عثروا بها ميتة قرب السد... كانوا يرددون: إنها مجنونة، والمجانين أحرار في أن يصلوا بمشاعرهم إلى من يحبون ويهوون مهما علت بهم المناصب والكراسي".

رحمك الله يا أمينة المجنونة – العاقلة . ننتظر قيامتك، لكنْ من دون رموز السلطة وجنرالاتها وفراعينها وطغيانهم، ودون لوثة الغوغاء!

ليت أمتنا، مثل أمينة، تصبح " مجنونة حرة " في جنونها وتحلم بتحطيم " السد " بل السدود كافة، وتحقق كيانها القوي تحت أي شعار، أوتسميات للكيانات المتكاملة القوية: فِدرالية, كونفدرالية، وحتى لو تحت زعامة الشيطان!

وأختم نقدي بمداخلة خارج النص ومن وحيه:

الجامعة العربية مُفَرِّقة لا (جامعة)! ومجالسها المتنوعة متاحف شمع: من مجلس الدفاع العربي المشترك، إلى التعليم والثقافة، والتربية، والزراعة... لم ينجح من مجالسها سوى مجلس وزراء الداخلية!!

لا ريب في أن الوحدة مع مصر كان لها سلبيات كبرى وانتكاسات وثغرات على مستويات متعددة. نعم كانت دولة الوحدة مريضة. والمريض نعالجه ليشفى...لا نقتله !

اليوم سورية صارت شظايا مع التوابع. اليمن فُتات مع اللواحق. وكذلك ليبيا. العراق . السودان. والبقية تأتي...

غاريبالدي ، بسمارك، ماو تسي تونغ، إبراهام لينكولن... وحّدوا بلادهم كتلة واحدة، قوةً عظمى في عالم لايرحم الضعفاء المشتتين. لكن هذا حرام، بل مُحرَّم علينا

 

بقلم الشاعر والناقد السوري

 أ. مصطفى سليمان

...........................

* جزء من دراسة نقدية مطولة

 

وليد العرفي للشَّاعر: عدنان الظَّاهر

تبحث عنّي تشكيل ينمّ على قصيدة لوحة، فإذا كان الشاعر المرحوم: نزار قباني عدَّ الشعر رسماً بالكلمات ؛ فإنَّ اللون من أهم عناصر البناء الفني للرسم، وأمام قصيدة: (تبحث عنّي فيها) ثمَّة لوحة يرسمها الشاعر مرّة بلون من ألوان الطيف السبعة، ومرّات بألوان لا مرئية، إنما هي ألوان مضمرة، وسأُبين تلك التمازجات التي لجأ الشاعر: الظاهر إلى تقنية استخدامها ؛ ففي العنوان لجأ الشاعر إلى إضمار الذات والأخرى التي تبحث عنه بالضمير (الياء) في (عني) العائدة على ذاته، والهاء في حرف الجر فيها العائدة على المخاطبة، وبهذا يبدو العنوان مفتاحاً الولوج إلى المضمرات الأخرى في القصيدة .

يبدأ الشاعر لوحته بالزمن الماضي، وهذا الفعل من حيث الدلالة يبعث على الخوف، وحالة المباغتة ‘ أي إنه يُحيل على لون العتمة (الأسود) ذلك أنَّ اللونَ الأسودَ " أبو الألوان وسيّد ها، إذْ تمتدُّ رمزية مجاله فضاءً واسعاً بدلالته، فهو: " لون كل الأشياء المفزعة والأفكار السوداء والسنوات السوداء " [1] ؛ لأنَّه رمز لكل الشرور والمخاوف، و هو فأل الحظ السيء، فاللون الذي أُضمِر جاء متّسقاً هنا مع حمولات الفعل بدلالاته البعيدة يقول:

خَطفوني ..

بَحَثتْ عنّي رقْماً ما بين الأوراقِ الصُفْرِ

أَحرَقتْ الأخضرَ واليابسَ عَدّتْ أسطولا

ضاءتْ قنديلَ البحرِ سيوفا

مهْلاً مَهْلا ..

وهنا يبدو فعل التيه، أو الضياع حدثاً حاملاً لوناً آخر من ألوان العتمة، فالتيه لون من ألوان الحيرة، ؛ لتكون عملية البحث معادلةً لماهية الشاعر، وكينونته التي يصفها بأنها رقم من بين الأرقام، وللرقم رمزيته هنا التي تُفيد عدم خصوصية، واستقلالية للشخصية ؛ فحسب علماء الاجتماع الإنسان فرد ورقم، لا يتخذ شخصيته وتفرده إلا بشعوره بتميزه من الآخرين، وهو ما يبدو أنه غير مُنجز في نظر الباحثة عمَّن تبحث عنه، وهو هنا يظهر باللون المُعلن والمُسمّى صراحةً، لا إضماراً في التركيب الوصفي الأوراق الصفر، وما تُحيل عليه من مرجعية قارّة في الذهن بأن الورق الأصفر يُشير إلى القدم والتاريخ السحيق، وهو ما يُعبّر عنه الشاعر في قوله :

زمنٌ أعطبني منّي ما أبقى

مرَّ وخفّفَ من وزني

أبعدني عن سالفِ أجدادي شِبْراً شِبْرا

جرّدني من وَسْمِ الرَسمِ الباقي في عَظمي

أقعَدَني في دربٍ صدَّ ومدَّ وأخلفَ وعدا

ما ردَّ وأفرطَ في خَلْقِ الندِّ

بينما يبدو انمحاء اللون الأخضر بفعل الحرق إشارة إلى مضادّه الأصفر في التركيب العطفي

(الأخضر و اليابس) ففيما ينتمي اللون الأخضر إلى مجموعة: " الألوان المحبوبة ذات الإيحاء والمُبهجة كاللون الأبيض، إذْ يبدو أنه استمدَّ معانيه من ارتباطه بأشياء مُهمة في الطبيعة كالنبات، وبعض الأحجار الكريمة كالزمرد والزبرجد " [2] كان يقتضي السياق ذكر مُضادّه اللون الأصفر، بيدَ أنَّ الشاعر لجأ إلى المقولة الشائعة في أسلوب تعبيري مُضمراً دلالة اللون باسم الفاعل: (اليابس) ليؤكّد الفاعلية في الذبول والمحو، ويُفيد الثبات بدلالته الاسمية .

يتبدّى هنا تحوّلات اللون بإشعاراتها المضمرة فثمة بُعد في الزمن يعني في حالته الاستتارية تغيير في البنية واللون والقوّة، وهي تغييرات حاصلة بفعل مرور الزمن، وآثاره الفاعلة في الإنسان، وهذا الزمن هو ما جعل الشاعر مفرداً بعيداً عن صلات القربى التي جاءت بظهور لغوي دال على فنّ الرسم الذي جاء في التركيب الإضافي: (وسم الرسم) بما يكتنز به هذا التركيب من رمز دال وإيحاء مُعبّرين:

هذا تسجيلُ رقيمٍ مؤودِ:

أَفَلمْ تسهرْ أو تغلي

أغلي وأُغالي

أسهرُ لكني في حِلٍّ من أمري ...

قاومتُ أشعّةَ نورِ خيوطِ الفجرِ

أخشاها .. أخشى أيامَ صِباها

ممشاها والشجرَ المُلتفَّ يُعانقُ شوقَ الأحداقِ

لو غلّقتْ الأبوابَ وعلَّقت الأجراسَ رؤوساً

صفّتْ حلقاتِ كؤوسِ الأُنسِ رفوفاً

السامرُ سورُ الأسرار

لتأتي الخاتمة بألوان صريحة: (أشعة، الفجر) وأخرى مضمرة: (الشجر الملتفُّ) بدلالته على اللون القاتم .

تبدو الصور في نص شاعرنا:عدنان الظاهر صوراً منزاحة، وهنا تكمن جمالية الأبعاد التي يتوسم الشاعر رسمها، والآفاق التي يرودها، ولنلاحظ كيف تبدّت اللغة بتوصيف اسم الإشارة، ليفيد تحقّق الماهية، ثمَّ أردف ذلك بتصغير رقم إمعاناً في ذلك التحوّل وإيضاح تأثيره وجاء موصوفاً بالموت أي حالة خفاء أضمرت حالة إظهار لهذا الرقيم، وهنا تبدأ الأسئلة التي لا تتطلب إجابات ؛ لأنها جاءت اسئلة إقرار، لا اسئلة استفسار، لتنهض وفق مستوى الحقيقة والواقع الذي يعلن اعترافه بلون الزوال الذي بدّل حالةً نفسيةً متمنّاة بحالة نفسية فرضت اشتراطاتها على الشاعر بحكم الزمن، وتغيراته التي جاءت في اللون والحيوية على حدّ سواء، ولذلك يأتي التمني لما هو غير ممكن بالحرف لو الذي كما جاء في المأثور يفتح عمل الشيطان أمام منظر باعث على تفجّر الطاقة والرغبة، وحالة قوّة زمانية مانعة تحجم رغبة الشاعر عن القيام بالفعل .

وعلى ذلك فقد تجلّت جمالية توظيف اللون عنصراً من عناصر اشتغال الشاعر برسم لوحته التي مازج فيها بين الألوان البائنة والمضمرة، لكنّها كانت ألواناً قابلة للتأويل، وليست ألواناً مبهمة، وهذا التأويل هو الباعث على جمالية العنوان الذي حقّق كذلك ثنائية المضمر والجلي من خلال جعله ذاته مختفية فيمن تبحث عنه .

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

تبحثُ عنّي فيها / د. عدنان الظاهر

د. وليد العرفي

..................

[1]ــ يُنظّر: جماليات اللون في القصيدة العربية، : محمد حافظ دياب: مجلة الفصول , مج5، ع2، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1980 م، ص 44 .

[2] ــ يُنظر: اللغة واللون، أحمد مختار عمر، عالم الكتب، القاهرة، ط2، 1979 م، ص 211 .

 

 

توفيق النصاريالهايكو شعر يابانيّ عريق ضاربٌ جذوره في عمق التاريخ الحضاري لليابان. يتكوَّن الهايكو من ثلاثة أسطر تشكِّل في مجموعها سبعةَ عشرَ مقطعًا صوتيًا، خمسة مقاطع للسطر الأول وسبعة للثاني وخمسة للثالث. يميل الهايكو إلى الاختصار والاختزال ويبتعد عن الحشو والزوائد ولا يقوم على التخيّل الذهني بل على التيقّظ وتركيز الذِّهن في الحياة لاكتشاف حدثٍ جديد ولإلتقاط صورة واضحة وجلية لايلاحظها الناس لشدة بديهيتها. وأهم ميزات الهايكو هي: المشهدية والتكثيف وبساطة اللغة، والآنية والتنحي، والرقة، والعفوية.

في منتصف القرن العشرين استطاع الهايكو أن يتجاوز حدود اليابان ويقتحم آدابًا وثقافات كثيرة عبر الترجمة إلى لغات العالم الحية فصار شعرًا عالميًا وأصبحت مختلف الشعريات العالمية تتميز بهذا المكون الشعري. وأهم عامل ساعد على انتشار الهايكو في العالم هو الحاجة إلى التعبير عن روح العصر وهو عصر الإيجاز.

مع ظهور المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الإجتماعي أخذ الهايكو بالانتشار السريع في الوطن العربي وأصبح يجذب الكثير من الشعراء ومجموعات الهايكو والترجمات أصبحت تزداد يومًا بعد يوم إلا إن عدم وجود معرفة حقيقة بخلفية الهايكو والثقافة والتراث الياباني أدّى إلى حدوث فوضى عارمة فاختلطت الصورة والرؤية عند بعض الشعراء والمترجمين بين القصائد النثرية القصيرة والهايكو.

إن هذا الفن له خصائص ومعايير معينة مثل القطع والآنية والتكثيف واجتناب المجاز على المترجم الالتزام بها ولكن بعض المترجمين دون أن يتقنوا هذه الخصائص تقربوا إلى الهايكو وقدموا ترجمات ضعيفة وهنا تكمن خطورة الانحراف والفهم الخاطئ حيث يصعب جدًا تصحيح المسار.

صدر كتاب "صوت الماء: مختارات من الهايكو الياباني" سنة 2016 ضمن سلسلة كتاب مجلة الفيصل. ترجم فيه حسن الصلهبي[1] عددا من قصائد الهايكو لأشهر شعراء اليابان امثال: ماتسو باشا، ويوسا بوسون، وايسا، بالإضافة الى شعراء آخرين من اللغة الإنجليزية إلى العربية. وهذه القصائد قد كتبت في أكثر من حقبة زمنية. واستهل الصهلبي الكتاب بمقدمة جيدة، أوضح فيها الخصائص الفنية والجمالية التي يتكئ عليها شعر الهايكو.

وكان لي ان قرأت الكتاب وقد بدت لي أثناء القراءة ملاحظات على بعض الترجمات، خاصة وأني مطلّع على الكثير من نصوص رواد الهايكو الياباني، باشو، وبوسون وإيسا، من خلال ترجمات متفرقة قام بها مترجمون عرب وفرس، فسجلت بعض التعليقات، واخترت منها مايناسب المحاور التالية:

1- عدم انتقاء كلمات تلائم الصورة:

الكلمة هي حجر الزاوية في النص الشعري؛ والهايكو نص شعري قصير يتكوّن من ست أو سبع كلمات فعلى المترجم أن يختار الكلمات بعناية لاستدراج ذهن القارئ لفضاء النص، ترجم الصلهبي هايكو الضفدع لباشو[2] على النحو التالي:

«بحيرةٌ قديمةٌ

يغطس فيها ضفدعٌ

صوت المياه»[3]

صورة صغيرة تتكون من 7 مفردات، ضفدع يقفز في الماء فيتردد الصوت! يتطلب هذا النص كلمات مناسبة تلائم الحدث! البحيرة تفتح ذهن القارئ على صورة كبيرة أو واسعة! أقترح كلمة البركة للترجمة! وهي الكلمة الواردة في النص الانجليزي:

an ancient pond

a frog jumps in

the splash of water

فكلمة " pond " تعني بالانجليزية: بِرْكَة ؛ مُسْتَنْقَع[4]. ثم أن فعل "يغطس" يبدو لي غير مناسب، والأصح أو الأليق أن يقال "يقفز" لأن الغطس لايحيط بمعنى الطفرة! فالنص يتطلب حركة وحدث يزلزل النص! لأن الضفدع كان ثابتًا على صخرة ثم يقفز في الماء! وإذا نتابع معنى " jump" في اللغة الانجليزية نراه یدل على المعاني التالية: طَفْرَة ؛ قَفْزَة ؛ وَثْبَة[5]. فباشو يريد أن يقول أن الأشياء العظيمة الساكنةَ تتأثرُ بحركةِ الأشياءِ الصغيرة . أما بخصوص کلمة "مياه" فهي جمع للماء، وغالبا ما تطلق عند تعدده، فقديما كانوا يقولون" ماء من مياه فلان قبيلة" أي هناك عدة مياه لهذه القبيلة! واليوم يقولون: مياه صالحة للشرب، ومياه غير صالحة للشرب؛ لذا أقترح کلمة "ماء" وهي اسم جنس تطلق على القليل والكثير مثل :فضة وذهب وإلخ. فاترجم النص وفقًا لنسخة مؤلف الكتاب على النحو التالي:

بركة عتيقة

يقفز فيها ضفدعٌ

صوت الماء

2- نقل الخطأ من اللغة الوسيطة:

لست ضد ترجمة المترجم! قد نضطر أحيانًا لترجمة النصوص عبر لغة وسيطة لأسباب كثيرة لست بصدد ذكرها هنا، ولكن يجب النظر في النص الأصلي أيضًا من خلال الاستفادة من خبرة شخص آخر أو عبر استعمال بعض البرامج نستطيع كشف صياغة وترتيب الكلمات بالنص الأصلي! ثم مقارنته مع النص الوسيط. ترجم الصلهبي هايكو مشط الزوجة لبوسون[6] على النحو التالي:

«في غرفة النوم،

يؤلمني أن أدوس

على مشط زوجتي الميتة»[7].

كتب بوسون هذا الهايكو بعد أن داس على مشط زوجه! فالأصح أن يستخدم الفعل الماضي لا المضارع والآنية تتحقق في الحدث بأكمله. وهذا الهايكو تُرجم بأشكال مختلفة؛ على سبيل المثال ترجمه محمد الصاري[8] عن الفرنسية على النحو التالي:

«يا للألم

مشيت فوق مشط زوجتي

المتوفيه»[9]

وقد ترجمه علي مطوريان[10] عن الانجليزية على النحو التالي:

«برد قارس،

في غرفة المنام أدوس على

مشط زوجتي المتوفاة»[11].

القارئ لترجمة مطوريان يشعر بأن الحدث وقع في جوٍ باردٍ قارس! وهو قد ترجم النسخة الإنجليزية التالية:

this piercing cold

in the bedroom, I have stepped

on my dead wife's comb

والحقيقة أن الشاعر لا يقصد الألم ولا البرد القارس وإنما القُشَعريرة وهي « رعشة، رجفة من خوفٍ أو رهبةٍ أو اضطراب " أخذَتْهُ قُشَعْرِيرَة من شِدّةِ البَرْد..."»[12]. ترجم محمد عضيمة[13] هذا النص مباشرة عن اليابانية على النحو التالي:

«اِقشعرَّ بدني

لما دَعستُ في غُرفة النَّوم

على مشط زوجتی الراحلة»[14].

3- الترهل التعبيري

الهایكو يبتعد عن الترهل والثرثرة، فالتكثيف هو أهم عناصر هذا النمط الشعري ويعتمد عليه كركن أساسي، فالهايكو لابد أن يكون مُكثفا؛ والمراد بالتكثيف هو الاختصار غير المخل الذي يوحي بالمعاني المقصودة بحيث لا نستطيع حذف أية كلمة منه. هذا العنصر يجعل معنى الفكرة محصورًا في أقل الكلمات ويأتي للتشذيب وحذف الكلمات الزائدة والحشو. ترجم الصلهبي هايكو حشائش الصيف لباشو على النحو التالي:

«أعشاب الصيف:

كل ما يتبقى من

أحلام القادة العظماء الكبيرة»[15]

كتب باشو هذا الهايكو عندما كان جالسًا يبكي بالقرب من أنقاض قلعة تاكاداته المغطاة بالحشيش (مقر قبيلة فوجي وارا) حيث دارت هناك معركة طاحنة بين زعيمي عشيرتين متخاصمين. لقد ظلا يقتتلان من الفجر حتى المساء. ومع غياب الشمس في ذلك اليوم كان المحاربان قد سقطا قتيلين. وهذا الهايكو هو يقابل بين خلود الطبيعة وزوال أعمال البشر.

النص باليابانية هو[16]: 夏草や兵どもが夢の跡

ومن خلال وضع النص في "غوغل ترجمة" وترجمته كلمة كلمة عرفت بأن باشو يريد "المحاربين" (兵ど). وأن "كل ما يتبقى" وردت في النص الاصلي: آثار، أطلال، بقايا (の跡). قد ترجم محمد عضيمة هذا النص من اليابانية إلى العربية على النحو التالي:

«يا لحشائش الصيفِ

فوقَ أطلالِ أحلامِ

المُحَاربينَ»[17]

کما ترون ان ترجمة عضيمة مکثفة مضغوظة غير مترهلة، والآنية في هذا الهايكو تتحقق في المشهد البصري "أعشاب الصيف" فهو ينظر إليها ثم يعلق أو يستكمل الهايكو بما يدور في داخله. ويبدو أن الشاعر محمود درويش قد تأثر بهذا الهايكو فكتب:

وتذكر قلاعًا صليبية

قضمتها حشائش نيسان

بعد رحيل الجنود

4- عدم مراعاة الوقفة الطبيعية أو الكايرجي في الترجمة

الكيرجي (kireji) ويمكن تسميته عربيًا بـ«الوقفة» هو صمت زمَنيّ يقسمُ الهايكو إلى زمنَين وهو في الهايكو الياباني عبارة عن حرف مثل ya أو kana أو keri أو ramu أو tsu وغيرها من الحروف؛ وبما أنّ اللغات الأخرى كالعربية والفارسية والانجليزية وغيرها لا تحتوي على هذه الحروف، فلذلك يترجم الكايريجي kireji بعلامات ترقيم توحي بالصمت، وعلامات الترقيم التي تُستخدَم هي (،) أو (…) أو (-) أو (/). الكايرجي يمنحُ بُنيَةَ الهايكو تماسُكًا كبيرًا ويدعو القارئ للتأمل. وكل قصيدة هايكو تحتوي على وقفة طبيعية واحدة، قد تأتي في السطر الأول أو الثاني أو الثالث. ترجم الصلهبي هايكو الزوجة المتذمرة على النحو التالي:

زوجتي المتذمّرة

لو كانت هنا،

قمر هذه الليلة …[18]

یتكون هذا النص من صورة " القمر في الليل" وتعليق ذاتي عليها، فيستحسن أن تأتي الصورة أولًا وبعدها الوقفة الطبيعية لتقسّم النص إلى قسمين ولكن المترجم قد استخدم وقفتين في الترجمة مما أخل بتماسك النص. لقد رأى الشاعر (ايسا) القمر في السماء وكان حينها وحيدًا فتمنی بحسرة وجود زوجه ترافقه. عجز المترجم – كما يبدو لي- من نقل الحسرة الملتهبة الكامنة قلب إيسا. ترجم جمال مصطفى[19] نفس الهايكو على نحو التالي:

«يالهُ من قمر/

آه لـو أن زوجتي المتَـذمِـرّة

الآن معي»[20]

جاءت الوقفة الطبيعية في السطر الأول وقد استخدم الشاعر علامة الفاصلة (/) لاعطاء فرصة للقارئ كي يتأمل في الصورة ويتهيأ للدخول في الجزء الثاني الذي هو عبارة عن انفعال الشاعر. لقد ذكرني هذا الهايكو بنص ترجمته لعباس كيا رستمي، ورُبما قد تأثر رستمي بنص الياباني:

ما أصعبَ

مشاهدة البدر

على انفراد[21]

 

توفيق النصّاري

....................

الهوامش:

[1] حسن الصلهبي شاعر ومترجم سعودي معاصر ولد عام 1972م في الظبية بمنطقة جازان جنوب غرب المملكة العربية السعودية. حاصل على بكالوريوس اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

[2] باشو (1644-1694 م) شاعر ياباني معروف.

[3] حسن الصلهبي، صوت الماء، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1437 هـ.ق، 26.

[4] A.farah,m.said,r,n,karim,s.k.eduard:the dictionary English-arabic,dar al-kotob al-ilmiyah,Beirut-lebanon,2004 ، 572

[5] روحي البعلبكي، المورد: قاموس عربي – انكليزي، ط 7، بيروت، دار العلم للملايين، 1995م، 869.

[6] بوسون أو يوسا بوسون (1716-1784 م) شاعر هايكو ورسام ياباني.

[7] حسن الصلهبي، 1437 هـ.ق، 53.

[8] شاعر هايكو سُوري.

[9] محمد الصاري،مجموعة عشاق الهايكو،

 https://m.facebook.com/groups/164445723573272?view=permalink&id=1205487772802390

نُشر بتأریخ: ۱۷ مارس ۲۰۱۶

[10] شاعر هايكو أهوازي من مدينة المحمرة.

[11] علي مطوريان، مجموعة الهايكو سوريا،

 https://m.facebook.com/groups/352036658229196?view=permalink&id=699795786786613

نُشر بتأريخ: ۱۹ دیسمبر ۲۰۱۵

[12] أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، ط1، القاهرة، عالم الكتاب، 2008م، 2/1817

[13] شاعر سوري مقيم باليابان ولد في قرية (رويست العجل) على الساحل السوري. حصل على شهادة في اللغة العربية من جامعة دمشق ثم اتسع ولعه ذاك ليشمل الفنون الكبرى للغة الشعر والنقد والترجمة. شد الرحال إلى فرنسا وأقام ودرس في عاصمتها حتى حصل على الدكتوراه. ذهب إلى اليابان سنة 1990 كأستاذ لتدريس اللغة العربية لطلاب جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية وقد استقر به المقام هناك .

[14] محمد عضيمة وكوتا كاريا، كتاب الهايكو الياباني، دمشق، دار التكوين، 2016، 56.

[15] حسن الصلهبي، 1437 هـ.ق، 34.

[16] https://www.bunshun.co.jp/mag/ooruyomimono/hosomichi/haiku/ichinoseki.html

[17] محمد عضيمة وكوتا كاريا، 2016 م، 33.

[18] حسن الصلهبي، 1437 هـ.ق، 79.

[19] شاعر عراقي من البصرة يقيم في الدنمارك.

[20] جمال مصطفى، ألـف هـايـكـو وهـايـكـو (3)، صحيفة المثقف، http://ns1.almothaqaf.com/b/c1d-3/902078

[21] توفيق النصاري، مختارات من الهايكو الفارسي، ط 2، طهران، آذرفر، 1396 هـ.ش، 37.

 

 

امجد نجم الزيديقراءة في المجموعة الشعرية (سماوات النص الغائم) للشاعر عمار كشيش

تمثل المتعاليات النصية والعتبات مداخل اجرائية، يمكن لنا الاستعانة بها في قراءة المدونات الكتابية في اي من ضروب الكتابة شعرا كانت ام نثرا، حيث تشكل عدة تصورات لدى القارئ ربما يسقطها على النص، وفق مؤشرين لا يغيبان عن ذهن اي قارئ، وهما أولاً: ان هذه العتبات موظفة بصورة قصدية واعية من قبل الكاتب، او انها تخفي غرضا ما من ذلك التوظيف، والذي ربما سيلاحق نص القراءة ويزاحمه في تشكيل تلك الدلالات المفترضة، وثانيا: ان هناك هيمنة لاواعية على الكاتب تفرضها تلك العتبات او ربما اختيارها -على اقل تقدير- والتي ستهيمن لاحقا على لاوعي القارئ ايضا عندما سيتقلد وظيفة بناء الدلالات واحالتها في نص القراءة، والعلاقة بين هذين المؤشرين او المسارين الافتراضيين، ستبني تصوراتنا كقراء عن هذا الكتاب او النص، وفق علاقة تبادلية تساهم فيها تلك المتعاليات انطلاقا من غلاف الكتاب و الاستهلال الموظف، ان كان اقتباسا ما او مقدمة نقدية او تبريرا او اي شكل من اشكال الاستهلال الذي تفتتح فيه عادة الكتب، مرورا بمتن الكتاب وانتهاء بالملاحق او الخاتمة او اي شيء اخر يوظف في نهاية الكتاب.

وبقراءة المجموعة الشعرية (سماوات النص الغائم) للشاعر عمار كشيش، نلاحظ انه قد وظف مجموعة من المتعاليات النصية او العتبات انطلاقا من غلاف المجموعة الى العتبتين الاستهلاليتين، وهما لوحة تخطيطية للفنان فيصل لعيبي ونص قصير للشاعر عقيل علي، مرورا بمتن المجموعة المتكون من ثلاثة اقسام الى الخاتمة التي تمثلت بلوحة تخطيطية ثانية للفنان فيصل لعيبي.

ونلاحظ ان هذه العتبات او المتعاليات قد بنيت على وفق تشكيلة ثلاثية، فالغلاف مثلا يتكون من ثلاث وحدات هي لوحة الغلاف والتي تظهر امرأة تلف جسدها بعباءة سوداء، وتغطي رأسها غيمة بيضاء كبيرة، وعنوان الكتاب المتكون من ثلاث كلمات بألوان مختلفة هي (سماوات) باللون الاسود، و (النص) باللون الاحمر، و(الغائم) باللون الابيض، بالاضافة الى اسم الشاعر، حيث تبرز تلك العلاقات من خلال المقابلة بين لوحة الغلاف وعنوان المجموعة وفق الترسيمة التالية: المرأة= النص، الغيمة= السماوات+ التعاليم والانساق التي تأتي بمراتب علوية التي تحجب رأس النص، الغائم= العباءة التي تلف النص والمتمثلة بتلك التعاليم والانساق، واسم الشاعر، ثم العتبة الاستهلالية الاولى وهي لوحة فيصل لعيبي؛ حيث نرى ثلاث وحدات دلالية هي الملاك المقيد والعائلة والحيوان، ثم العتبة الاستهلالية الثانية وهي نص الشاعر عقيل علي (على دفاتري/ ارسم حجراً/ أرسم تاجاً/ أرسم طفولة مخطوفة/ وأخط اسمك.)، حيث نرى ان دلالات النص تتمحور حول ثلاث وحدات هي (على دفاتري/ انا) و (أرسم) و (أخط اسمك)، ثم يأتي متن المجموعة الذي يقسم الى ثلاثة اقسام، وانتهاء باللوحة التخطيطية الثانية في نهاية المجموعة لفيصل لعيبي حيث يمكننا ان نحدد ثلاث وحدات دلالية متوزعة بين الوشاح والمرأة والحراب.

وتحتوي هذه البنى الثلاثية التي اظهرناها على ثلاثيات اخرى، فالغلاف مثلا يبنى العنوان فيه على جملة من ثلاث كلمات مكتوبة بثلاث الوان مختلفة، واللوحة التخطيطية الاولى تكون فيها العائلة متكونة من ثلاثة افراد، ونص عقيل علي يحتوي على تكرار لنفس الفعل لثلاث مرات وهو الفعل (ارسم)، بينما نصوص المجموعة تغيب عنها هذه العلاقات الثلاثية الفرعية المباشرة، حيث انها تظهر في مواضع قليلة ومتفرقة، ولا تشكل تأثيرا يمكن لنا ان نشخصها او ان نبرزها كعلاقات بنائية داخل النصوص، وانما هو ظهور عابر وقليل، لذلك يمكننا الاستنتاج ان هذه العلاقات الثلاثية التي شكلتها العتبات، تنصهر داخل النصوص، لتبني لها انساقا او وحدات دلالية مضمرة، لا تنحصر بأي من الدلالات الثابته، والتي يمكن لنا ان نجعلها دلالات مهيمنة، ونحاول ان نحصيها داخل متن النصوص، لذلك فهذه الترسيمة الثلاثية المضمرة، تأخذ لها اشكالا ودلالات مختلفة ومتنوعة، ربما تتماس احيانا مع الدلالات التي اجترحناها للعتبات التي اسلفنا ذكرها، وربما تتعارض او تفترق عنها، فهي عبارة عن وحدات نصية تأخذ شكلا ثلاثيا، اي ثلاث وحدات دلالية، وهذا الاضمار، والاظهار لهذه الوحدات في متن النصوص يرجع ربما الى طبيعة تكوين كل منها، حيث تميل العتبات مثلا الى الاختزال، لذلك تبرز بنيتها الشكلية بصورة واضحة، عكس النصوص التي تتسع فيها مساحة الدلالات وفضاءاتها، ليمكنها ان تراوغ الوضوح والظهور على سطح النص، حيث غابت تلك التشكيلة الثلاثية المباشرة في جميع النصوص، الا في مواضع قليلة جدا، وفي مقاطع مجتزءة، كقول الشاعر في نص (تراتيل في باب الريف) ص11.

الرسام

يلمس السماء يلمس جسدك

في آن واحد يلمس اللوحة

يمسك التفاحة ويرسم نهرك.

حيث نرى هيمنة الدلالات الثلاثية على هذا المقطع، بين اولاً (يلمس السماء)، وثانيا (يلمس جسدك)، وثالثاً (يلمس اللوحة)، والتي يمكن ان نجد لها تناغماً ضمنيا مع دلالات بارزة أخرى، اجترحناها في تلك المتعاليات النصية او العتبات، وخاصة عتبة العنوان ان اعتبرنا صفة (الغائم) في العنوان، هي تشكيل لوني للوحة النص، يقابل لوحة المقطع (يلمس اللوحة) بالإضافة الى علاقة ثلاثية اخرى في هذا المقطع، وهي بين الافعال (يلمس) و(يمسك) و(يرسم)، ويمكننا ان نجترح تأويلا دلاليا لها من خلال الكشف عن التناصات والاحالات التي تحيل اليها، حيث فعل اللمس، يتناص مع تفصيل في لوحة مايكل انجلو (قصة الخلق) والذي يمثل الوجود او الخلق، مسك التفاحة تتناص مع قصة ادم وحواء، ورسم النهر يحيل الى شق مجرى الحياة او الوجود من خلال الاحالات الدلالية التي تحملها دلالة النهر.

وهناك علاقات ثلاثية بارزة اخرى في نص (سماء لبخار الطفولة) ص13، (سماوات القرية تمشط شعورنا وتعقد الضفائر/ اراجيح الاحلام)، حيث يمكننا تأشير العلاقات الدلالية المتوزعة بين (سماوات القرية)، وضمير (نحن النساء) المضمر، والافعال (تمشط وتعقد)، اما دلالاتها فيمكن اجتراح تأويل لها استنادا الى الاحالات الدلالية، اذ ان تزاوج السماوات والقرية ربما يحيلنا الى ان هذه السماوات هي وصايا القرية، او انساقها وتعاليمها التي تصفف، او تنظم الـ(نحن/ شعورنا/ الضفائر/ الاحلام)، وفق هذه الوصايا او السماوات،.. وهكذا وفق هذا الاجراء يمكننا ربما ايجاد هذه العلاقات الثلاثية في اجزاء اخرى من النصوص.

لذا يمكننا ان ننسج من الترسيمة الثلاثية التي بنيناها لتلك المتعاليات النصية، وافترضنا وجودها الفاعل داخل المجموعة، مجموعة من العلاقات، التي تساعدنا في تأويل البنية الشكلية التي رصدناها سابقا، حيث يمكن ان نقابل كل دلالة من هذه الدلالات الثلاثة مع احد اطراف البنية الشكلية التي اجترحناها لعتبات المجموعة، حيث ستكون هذه الدلالات بؤر دلالية متوزعة بصورة غير متساوية بين الاقسام الثلاثة للمجموعة، والتي لا يمكننا القول بان القسم الاول مثلا، تهيمن عليه دلالة ما، وان القسم الثاني تهيمن عليه دلالة اخرى وهكذا دواليك، وانما ان دلالات هذه الاقسام وتركيزها داخل النصوص؛ غير معني بهذا التقسيم الثلاثي للمجموعة.

 

أمجد نجم الزيدي

 

 

لقد  تشعب وتعدد أوجه الحياة في عصرنا الرقمي وبدوره لم يعد تعريف الاشياء  كما كان في السابق، فهل تغير الاشياء في المضامين؟ أم تم تجديد مفاهيم الناس وفقا للتغيرات الحاصلة علی أشكال الحياة ومستجدات الحضارة البشرية ووفقا لدوامة التأثيرات الخارجية التي تفرض نفسها علی الافراد؟

 نعم ان الانسان بدوره ککائن اجتماعي يتلائم مع الاجواء الجديدة بسرعة متفاوتة، وخاصة عندما نتكلم علی المتغيرات الحياتية بدلا من الثوابت، فأن الثوابت لا تتغير بتغير الزمان والمكان وهذا ما أتفق عليه معظم طوابع الناس قديما وحديثا كثنائيات الصدق والكذب، الامانة والخيانة، الحب والبغض...الخ.

 فاما اذا تحدثنا عن الادب وفروعه فلا زيادة ولا نقصان تهيمن نفسها علی الاطر العامة للأنواع الادبية، فهناك تعاريف مختلفة ومتقاربة لكل نوع من الانواع الادبية کالشعر والقصة والنثر والرواية والمسرح ونحو ذلك، لكن مفاهيم الناس سيطرأ عليه تغيرات وفقا للحركة الحضارية الی الأمام غالبا وأحيان أخری الی الوراء  بسبب الكوارث والحروب والاوبئة الخ... فلو  أخذنا في الحسبان وعلی سبيل المثال نوع محدد من الأدب كالشعر وقارناه بالازمنة الغابرة فهل نستطيع مقارنتها وتشبيهها بالواقع الشعري الحالي؟ ربما سيكون الجواب صعبا شيئا ما للغاية، لكن في النهاية سنصل الی النتيجة السالفة ذكرها بأن الخطوط العريضة ستبقی کما هي، لكن التفاصيل تختلف اختلافا تاما ومتباعدة ، خاصة اذا نظرنا الی الادب وتعاملنا معه کنتاج لسلوك وعقل بشري بلغة العصر وكل ما يتضمنه الواقع الحياتي السائد، صحيح ان الحضارة البشرية لا تنفي الآخر بل تبني علی ما مضی، حتی ولو ماتت وآندثرت حضارة ما کالدورة الحياتية للأنسان كما يسميه الفيلسوف اليوناني أرسطو، لکنه سينتهي ببداية حقبة أخری ودورة جديدة مستعينا بالتجارب السابقة والاختراعات التي اکتشفوها اسلافهم، فستضاف اليها لاحقا حصيلة قطوف ثمار  تقدم الزمكاني للبشرية في مرحلة أخری لمسيرة الحياة بما يتضمنها من الايجابيات والمستجدات العصرية، مثل الاختراعات الشتی کضرورة  حياتية في المجالات المختلفة كالعلوم الطبية والفيزيكية والاجهزة التكنلوجية الحديثة للاتصالات وجعلها العالم بمثابة قرية صغيرة  تربطها بالبعض عن طريق الشبكة العنكبوتية وسيٶدي هذا  التطور بدوره في تقارب الامم والشعوب من البعض  ويعتبر هذا من ثمار العولمة، ولو ان البعض يراها کنقطة سلبية نحو ذوبان البعض في البعض، أي بما معناه سيطرة الاقوی علی الضعيف في مقومات الحياة وقد استخدم هربرت سبنسر (١) هذه العبارة لأول مرة  بعد قراءة تشارلز داروين عن أصل الأنواع  في مبادئه للبيولوجيا (1864) ، حيث قارن نظرياته الاقتصادية، بالنظريات البيولوجية لداروين، لكن السٶال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا السياق : أين نحن في هذه المعادلة الكونية ومقومات البقاء للأنسب؟ ما دورنا وأين تکمن تأثيره علينا؟ هل نستطيع انكار مبدأ الاخذ والعطاء علی نطاق الافراد والمجتمعات؟ وتری من سيتحكم بهذه التفاعلات، هل هو شخص ما أم الحركة الحضارية مجتمعة؟ 

فلو رجعنا الی الشعر مرة اخری لکونه لغة خاصة  لروح الانسان  في کل العصور، ممتزجة بموجات الحياة الخارجية ومشاعر وقناعات الشاعر الداخلي واخذنا علی سبيل المثال  شکله ومضمونه في منطقة ما في اقصی الشرق مع جهة معاکسة لها تماما في اقصی الغرب، وقمنا بمقارنة بينهما لمعرفة النقاط التشابه والتفاوت بينهما، ثم لو قارننا هذه الموجة العارمة ککل، بأشکال ومضامين الاشعار للعصور السابقة، فسنصل في النهاية الی التعرف وتحديد الثوابت والمتغيرات في هذا النوع من الادب علی سبيل المثال، فکل متغير يعتبر فرعا وکل ثابت يعتبر أصلا، لکن في النهاية  وكما يراها أصحاب النظرية الانطباعية (٢) فأن النص لکونه ينبع من داخل النفس البشري معتمدا علی جزء من الواقع والطبيعة الخارجة فأن المشاهد أو القاريء هو من يتحكم عليه بالقبول أو الرفض و‌هذا ما ذهب اليه دريدا (٣) والحرکة المابعد البنوية بالاشارة الی دور القاريء المنتج کحلقة وصل بين النص والمٶلف، ويعطي القارئ دوره الفعال بوصفه استراتيجية حاسمة في توليد الدلالة، وكونه منتجاً للنص ثم  قدرته على استعادة ذاكرة النص اختلافاً  ليصل إلى تبيان التباعد بين النصوص الذي يخلقه مفهوم الفضاء النصيّ . اذا بقدر جودة الشعر يأتي دور القاريء المتفاعل مع النص حسب مستواه وفهمه للشعر، يكفيني ان أذكر في هذا الصدد ما قاله ناقد يوما ما حينما أشار الی امكانية کتابة صفحات من النقد الأدبي حول نص ضعيف ما، بأن يستعرض ويناقش فيه أسباب ضعفه علی سبيل المثال، لأن هنالك عناصر عدة يتداخل في البعض ويولد في النهاية نصا ادبيا.

 

بقلم: سوران محمد

...................

الهوامش:

1- البقاء للأصلح. (Survival of the fittest)‏

Impressionism -2  

3- اسم الحركة مستمد من عنوان لوحة کلود مونية الفرنسي انطباع شروق الشمس ١٨٧٢

(٣)   جاك دريدا (١٥ يوليو ١٩٣٠ ، ولد في مدينة البيار، الجزائر - ٩ أكتوبر ٢٠٠٤ باريس، فرنسا) فيلسوف فرنسي وناقد أدبي، يعد دريدا أول من استخدم مفهوم التفكيك بمعناه الجديد في الفلسفة.

 

توفيق الشيخ حسينللشاعر عبد الزهرة لازم شباري

يمشي في دروب الشعر عبر محطات أبت أن لا تفيق، ويعيش الآهات التي تمضي به على درب الأشواك  في متاهات العمر، مع وجع يشبه الموت عندما تسري في مرايا الصمت لجسد نحيل، يصرخ الجرح ويكابر كوحش يزرع حزنا ً ويعدوا وحيدا ً في دروب الأسى حاملا ً ما تبقى من قلبه الشفيف، موحشة تلك الأيام التي ترتشف الدفء من في ّ النخيل، يحمل مدية الموت عندما يبوح القلب بتنهداته التي تستظل بابتهالات الصدور ..

في دروب كانت الأشواك

مرآة من الآلام تسبر من

صباحات أبت ألا تناغي

الليل في دفق الدموع

في دروب ..

آه ما أشقى دروبي

وهي تسري في مرايا الصمت

عن مؤسسة يسطرون للطباعة والنشر والتوزيع / القاهرة صدرت للشاعر عبد الزهرة لازم شباري المجموعة الشعرية " تجليات عين الشمس / 2018 "، وتتضمن (47 ) قصيدة .. يعبر فيها عن وضوح الصورة الشعرية والتي تعتبر نقطة جذب للقارىء والمعتمدة على مهارة الشاعر وكما يقول " سي .دي . لويس "

(الصورة الشعرية رسم قوامه الكلمات)

من هنا أمتلك الشاعر عبدالزهرة سيطرة كاملة على اللغة حيث أستهل في مقدمة المجموعة عن "كون الشعر بوح وفيض من الوجدان، وعبق من الضمير، وهو أذ ينطلق يلامس القلب ويدلف الى مسارب النفس فيعانق ما تهيم به من الفضاءات اللامتناهية من الهموم والتطلعات والرؤى " .

يقول الأستاذ الدكتور سوادي فرج مكلف / جامعة البصرة في مقدمته للمجموعة الشعرية" عندما يتأمل القارىء في هذه النصوص الشعرية ويجيل فيها نظره يجد إنه أزاء موهبة أدبية تتفجر كالنبع المترقرق خيالا ً وصورا ً ولغة شعرية تلامس شغاف القلب " .

قصائد حملت أثير العمر من رحم الزلال، قلق يباغت السكون الذي ينزف دما ً من دفق الحياة، غضب يطرق في حده الموت ويرتدي ثوب الفراق، مع وجع ينقر في ثنايا الروح  وقصائد تذيب العمر في سبخ الحياة، الأرض تندى من جراح الموت وتصرخ ياعراق !! يمشي بلا دليل ويطوي الخطى متعثرا ً في محنته ويهيم بين المواجع والأحزان، تغرس الروح وترنو الى وطن يندب المراثي خلف مزمار الجنوب ..

آه .. وآه

لكنه وجع يراق ْ !!

إن قل بوحي للعراق،

فمآذن الشطآن تهتف

يا عراق،

إن قل بوحي للعراق

فبكل سارية أراك

على البراق !

وبكل مفردة تفجر في

دمي أحلى العناق !

 

يقول الكاتب "رمضان الصباغ ":

"إن التجربة الشعرية إذ تضرب بجذورها في أعماق الذات الشاعرة معتمدة على الطاقة الهائلة المختزنة في أعماقها، والقدرة الفائقة على التوصيل والتفاعل، فأنها أيضا ً وثيقة الصلة بالواقع، بكل ما فيه من غموض والتباس، وكل ما يطبعه على ذهن الشاعر من سمات، وما يجذرّه في أعماقه من رؤى" .

وبناء ً على ذلك نجد أن الشاعر "عبدالزهرة لازم" يقدم بعملية الأبداع من خلال ما تقدمه له الخبرة والتجربة والأنطباعات التي تقدمها له الحياة، فأصبح يعبر عن الحياة اليومية بكل تفاصيلها ومفرداتها من خلال موقف فكري عميق عبر أشكاليات الحياة والموت ووجع الوطن وجراحاته .

نخل حزين ومطر تحدّر من سحاب، وأسئلة تجثوا على صدره، ممتشقا ً صهيل الصمت من نجيع الدم في رحم التجلي، مع دموع فوق هامات الجراح التي أدمنتها العيون، يمشي حاملا ً قزح الثريا في فضاءات فوق هامات من الماضي الكئيب، يلم مواجع الآهات ويبحث عنها في صهيل الذكريات، ويطير بعيدا ً يحلق في فضاء العتمة التي تهطل مطرا ً أسودا ً على لحاء الأرض ..

أشرعة الدبق الوالهة

بالخطايا

لا يهمها الأنين المنبعث

من بين جذاذات

الأحياء والأموات

والروائح المنبعثة

من مشارط البياض

في المقابر الموبؤة،

لا تعطى معنى للحيوات !!

يذيب كل دفاتره كالشهد في مطر الشتاء، يبكي للشمس حاملا ً آيات المغيب، وعلى صدى نغمات صوته يمضي مع خيال المتعبين، يدفن كل مواجعه بعطر الأرض التي أدمنت منها الشظايا والحروب .

الليل علمّه ُ البكاء فوق أرصفة القهر، ويكتب مواويل لمدينته البصرة عن إناس عاشوا على وهم بلا ذكرى تؤرق نومهم، يمشون في دروب النخل وأفواه النوارس التي تفترش الظلال .

لكن للبصرة قلبا ً

يلم حكايا الأولين ..

وينفرج كأنفراج الطلع ..

والحناء في قلب حنين،

ولي في سطور القوافي ..

مذابح للرؤيا ..

وبراكين تعربد في دمي ..

وتختلج من صبوات الرؤى

أرق آيات البنفسج،،

والياسمين،

همسات تهجد من لهاث الروح، وارتعاشات خوف وموت متعب بالآه المعبأ بشجون الليل، يبحث عن مواويل إذا ما الشعر راوده في ساعة النجوى، يختلج الرؤى ويلوذ ما بين الدمع والصمت حاملا ً نص القصيدة في متاهات أحتضاره، لا يهمه الأنين المنبعث من بين تجاويف الأرض المسحوقة ..

وأنا المسكون في،،

بئر كثيف

وبأي أشرعة سأبحر

ساريا ً فوق السحاب،

أنى يعيد الشعر شجوا ً

على أنوار سارية العتاب،

وترى نزيف الشعر

يرقد في دمي،

ويعيد أسفارا ً تضج حروفها

وصنوفها جملا ً ..

في عالم يسرق ضوء الألق الكوني، ويطير بعيدا ً فوق سفوح الريح يستظل بهواجس الليل كالغيم في سفر السحاب، يلثم وحدته بين مواجع حملت فصول الصمت وتاهت في زوايا النبض عندها يعزف من قيثارة الآهات الحانا ً، كي تمضي سنين الخوف عبر مدارات التوجع والآلام في زمن الضياع ..

لا ضوء يوصلني

إذا ما الليل غادر مفرقي

ومضى يعربد في مهب الريح

يعوي بالعراء،

هلا يغادرني المساء ؟

وشذى نسيم الصبح ..

يقضي بانحراف سفينتي

الثكلى على الآهات ..

والصمت الرهيب،

أنين صمت الروح يختلج الرؤى ويبكي حاملا ً للشمس آيات المغيب، يرتشف الآه من وحي الحياة ويتكأ على فصول العمر في درب النهايات الأليمة، يتعلل في منافي الروح حيث المرايا تلعق الأشواك من شفق الشظايا والسديم، يبوح وجع القصيدة وهي تأسر القلوب وتهمس في سكون الليل وتجمع من قتام الضوء أروقة المساء ..

 

بقلم : توفيق الشيخ حسين

 

 

عبد الرزاق اسطيطوتسرد لنا رواية "ساق البامبو" للكاتب الروائي سعود السنعوسي الحائزة على جائزة البوكر للرواية العربية عبر أجزائها المختلفة معاناة شاب فليبيني اسمه عيسى (جوزيه/هوزيه) مابين الفلبين، والكويت في محاولة لإثبات نسبه لأسرة كويتية بعد وفاة والده .

وقد اختار الروائي  لروايته هذه اسم "ساق البامبو"  بشكل مقصود  نظرا لغناه البلاغي والدلالي فهو يحيلنا على شجرة الخيزران "البامبو" التي يمكن زراعتها في أي مكان إلا أنها هذه المرة باءت زراعتها في صحراء الكويت بالفشل. فالعنوان ساق البامبو يومئ إلى بطل الرواية "عيسى" الذي حاول أن يزرع نفسه كساق البامبو في تربة ورمال أرض الكويت، وذلك في محاولة لإثبات نسبه لأسرة والده؛ بعد أن تزوجت أمه الخادمة الفلبينية من شاب كويتي اسمه "راشد" ينتمي لأسرة الطاروف الثرية، وهو شاب مثقف، كاتب وعاشق للرواية، يحلم بكتابة روايته الأولى. هذا الزواج رفضته جدته الكويتية "غنيمة"، بل أكثر من ذلك حرمته، وذلك غداة اكتشاف حمل أمه الذي يمثل بداية معاناتها، وبداية تتوير وتأزيم أحداث الرواية . وهو الحمل الذي رفضه والده في البداية مما اعتبرته أمه جوزافين (الخادمة الفلبينية ) - رغم حبها - مؤشرا على هشاشة هذا الزواج ونظرت إليه على أساس أنه نزوة ومتعة عابرة وليس زواجا حقيقيا، وقد اعترف به والده بعد أن اتهمت جدته أمه بالفساد، وفي دفاع والده عن أمه دلالة على حبه وإنسانيته، وتعلقه بها غير أن جدته"غنيمة" وهي أرملة، متطيرة، وعصبية المزاج  اعتبرت زواجه والده (راشد) من أمه (الخادمة الفلبينية) نذير شؤم يهدد بخراب بيتها، وتوقف زواج بناتها. فخيرت والده بين البقاء في البيت وبين التخلي عنه، وعن أمه.

وتحت ضغط جدته طلق والده (راشد) أمه (جوزافين) وقام بترحيلها إلى الفلبين واعدا إياها بعودتها إلى الكويت هي وابنها بعد تحسن الظروف، وعاش الإبن عيسى معاناة حقيقية في محاولة لإثبات نسبه إلى أسرة أبيه، وفي اختيار الكاتب لإسم عيسى لبطل روايته دلالة على تشابه معاناة البطل عيسى (هوزيه) بمعاناة النبي عيسى وأمه مريم وهويبلغ رسالته مبشرا بنبوته داعيا إلى الإيمان به.

كشف لنا السارد  (عيسى) بضمير المتكلم العليم بكل شيء مسار حياته، في ظل أسرة والدته بالفلبين، وأسرة والده بالكويت. وما هيمن على هذه الحياة من ظروف قاسية، من خلال ما تسرده له أمه قائلا" لم أكن الوحيد في الفلبين الذي ولد من أب كويتي، لأبناء الفلبينيات من آباء كويتيين خليجيين، وعرب وغيرهم كثر"ص18

فرواية "ساق البامبو" تعكس كالمرآة بتعبير ستاندال هموم ومعاناة عيسى، وأمه مابين (الفلبين) ووطن أبيه (الكويت). حيث ينتقد من خلال أحداثها، وسردها، وشخصياتها، ولغتها، واقع الوطنين معافي علاقتهما بالعمالة الفلبينية.

هذا الواقع المظلم، والجارح لنفسية، وآمال عيسى تمثله أولا أسرة أمه في شخص جده العسكري المتقاعد الذي شارك في حرب الفيتنام، الأقرب منه للجنون إلى العقل، والذي زاد من فقر أسرته، وعمق جراحها بسبب تبذيره للمال بشرائه للديوك المصارعة ورهانه الخاسرعليها. الشيء الذي دفع ببناته بطريقة غير مباشرة إلى الدعارة، والإدمان على المخدرات وتحويل أم البطل "جوزافين " إلى خادمة، وكل ذلك نتيجة استهتاره، ولا مسؤوليته، وأنانيته .مما جعل بطل الرواية عيسى يتمنى موته لأنه عمق من جراحه ومعاناته ومعاناة أمه، وهذا ما عبر عنه صراحة بقوله :"كنت عندما كبرت أكره جدي بشكل فظيع وأتمنى له الموت رغم تبريرات أمي" ص61  وتمثله ثانيا أسرة والده "أسرة الطاروف"، وعلى رأسها جدته "غنيمة "التي لم تكتف برفض وجوده، وإنما حاربته وضيقت عليه الخناق من أجل الرحيل عن أرض الكويت والعودة إلى الفلبين.

فرواية "ساق البامبو" في بعدها الإنساني تنتقد واقعين، واقع الفقربالفلبين، وما ترتب عنه من استغلال بشع، وحط بكرامة الإنسان. وواقع الخادمات الفلبينيات في الكويت بكل مافيه من تمييز، وعنصرية، واستغلال. وتمثله أم عيسى تلك الفتاة الفلبينية الفقيرة التي  كانت تدمن قراءة الروايات وتحلم بوظيفة محترمة تنقذها من الفقر.إلا أنها وتحت قهر، وسلطة، وجبروت الفقر تحولت إلى خادمة في بيت غنيمة بالكويت.

ولد  عيسى أو "جوزيه/هوزيه" في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وقد ساقت الظروف والدته إلى الاشتغال في الكويت كخادمة عند أسرة والده. مع توالي السرد، وما تحكيه له أمه يكشف لنا السارد عن اسم والدته" جوزافين" وظروفها الأسرية القاسية بالفلبين وهي فتاة حالمة لم تكن تتخيل أبدا أنها سوف تشتغل كخادمة يوما ما. ثم تظهر على مسرح الأحداث خالة البطل آيدا التي تدرجت في حياتها من نادلة إلى راقصة ثم بعدها إلى عاهرة. وفي ذلك فضح للمآسي التي تلحق بفتيات الأسر الفقيرة بالفلبين سواء هاجرت أو ظلت في الفلبين فالمآل واحد وهو الاستغلال الجسدي بكل أشكاله بما فيه الدعارة. وآيدا خالة السارد أنجبت نتيجة الدعارة بنتا سمتها ميرلا. وفي ظل الصراع بين أفراد أسرة البطل يظهر ضحايا آخرون وهم اللقطاء الذين يصبحون ضحايا جدد لفساد، وفقر المجتمع، وتخلفه حيث تظهر الرواية في أبعادها الإنسانية مآسي العمالة الفلبينية. ليس فقط  بدول الخليج وإنما كذلك بالفلبين من خلال ما تحكيه أم البطل لإبنها السارد، وهي مآسي إنسانية قاسية، ومدمرة، تتجلى في متاجرة الأسر بأجساد بناتها في الدعارة، أو في  دفعها إلى الاشتغال في البيوت كخادمات من أجل لقمة العيش والسقوط في فخ الديون من أجل الهجرة . تقول آيدا محتجة على والدها في شكل واضح يبرز تمزق وانفصام العلاقة الأسرية:  "ألم تكتفي ببيعي  للرجال " ص 24.

وفي محاولة لنسيان الواقع المرعب ترتمي آيدا وابنتها ميرلا في أحضان المخدرات.

اعتمد الكاتب في بناء روايته" ساق البامبو" على أساليب ومكونات سردية تقليدية مواكبة للأحداث في تواليها، وتسلسلها. كما عملت  بوصفها، وتحليلها، ونقدها، وسخرية لغتها أحيانا على تسليط الضوء على الواقع المتردي، والمؤلم الذي يعاني منه المجتمع الفقير بالفلبين، وما يفرزه من ضحايا ومعاناة وظواهر اجتماعية تحط من قيمة وكرامة الإنسان كالبطالة، والهجرة، والاستغلال البشع للإنسان وإذلاله، والتخلف، والجنون،  والمخدرات، والدعارة، وإنجاب اللقطاء، والعقدالنفسية، العنف... كما لو أن هذا الواقع في بعده الدرامي، ومآسيه الإنسانية هوبطل الرواية وليس الشخصيتين المحوريتين عيسى وأمه بحيث نكتشف أثناء القراءة على أن كل مكونات النص الروائي بمافيها الشخصيات عملت على إضاءة هذا الواقع وفضحه والسخرية منه.  كما اعتمدت الرواية في أسلوبها على الوقفات التأملية الاسترجاعية المشوبة بالحزن، وألم الظلم، والتمييز، والفراق، والغربة من خلال ماكانت تحكيه جوزافين لابنها عيسى عن أسرتها، وأسرة والده بالكويت. أو من خلال ما كان يحكيه عيسى بنفسه، حيث كانت هذه الوقفات  تعمل على تعرية، وإضاءة واقع العمالة الفلبينية، ومعاناتها بالكويت . وواقع الأسرالفلبينية الفقيرة، قبل أن تتحول فتياتها نتيجة الفقرإلى خادمات، وعاهرات.

وماانتقادالرواية، وفضحها لهذا الواقع إلا محاولة من الكاتب عبر السارد لتشكيل وعي  لدى المتلقي بخطورة هذا الواقع الكائن وبضرورة هدمه، واستبداله بواقع ممكن يسوده الاعتراف بإنسانية الإنسان، وصيانة كرامته وحقوقه وحريته. وما بين هذين الواقعين تزداد معاناة عيسى وأمه باستشهاد والده أثناء اجتياح الجيش العراقي لأرض الكويت، وتوقف حوالاته المالية التي كان يرسلهاإليهم، مما تظطر معه الأم إلى الإشتغال  كخادمة في البيوت، والزواج مرة أخرى . وتنزف جراح البطل أكثر، ويشتد ألمه معها برفض خالته آيدا فكرة زواجه من ابنتها ميرلا باعتبارميرلا كاثوليكية، وهو مسلم.  قائلة له بسخرية جارحة :"عد إلى بلاد أبيك وتزوج  من جدتك إن أردت " ص110  .

بعد هذه الصدمة يشد البطل الرحال إلى الكويت بمساعدة غسان صديق والده، وهنا تزداد أحداث الرواية تشويقا، وتعقيدا، ومتعة حيث رفضت جدته "غنيمة "وجوده، والاعتراف به، وبعد تدخل أخته من أبيه "خولة الطاروف "التي ظهرت في نهاية الأحداث سيستقر  عيسى بالجناح الخلفي  لبيت جدته كواحد من الخدم حيث ظل وجوده سرامن الأسرار،  كشف عيسى عنه لأصدقائه أثناء الحملة الإنتخابية لعمته "هند الطاروف " حيث أخبرهم بأنه واحد من أسرة الطاروف المشهورة. مما جعل العلاقة بجدته تعود إلى نقطة البداية، بعد أن تحسنت، وصارت أقرب إلى الحب، والاعتراف به مما عجل برحيله. يقول بطل الرواية عيسى، وهو يعقد مقارنة بين حياته في الفلبين، وحياته في الكويت "في بلاد أمي كنت لا أملك شيئا سوى عائلة، في بلاد أبي أملك كل شيء سوى عائلة" ص 303.

وهكذا وبموت سلحفاته ماتت أحلامه في البقاء بالكويت، وإثباث نسبه إلى أسرة الطاروف، والانتصارعلى واقعه المرير. وبعد أن وجد نفسه وحيدا تعيسا ومنبوذا قرر في النهاية الرحيل من جديد إلى الفلبين تحت ضغط عماته وجدته.  وقبل أن يحزم حقائبه يقرروبتشجيع من أخته خوض تجربة الكتابة الروائية كملجأ للهروب من المعاناة، ومتنفسا للألم، وأداة لفضح الظلم، والتمييز، والدفاع عن حقه المسلوب كمواطن كويتي من أم فليبينية ينظر إليها بدونية على اعتبار أنها خادمة مهاجرة، وفي ذلك إكمال لمشروع كتابة الرواية الذي بدأه والده ولم يكمله، وهذا يذكرنا بنهايات بعض روايات منيف وببطولتها التناوبية كرواية "الشرق المتوسط " الذي اختار فيها البطل رجب كتابة الرواية كوسيلة وأداة للفضح وتعرية الواقع من أجل تغييره نحو واقع أفضل تسوده الديقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية.

وفي النهاية  ودع عيسى "جوزيه/هوزيه" الكويت حالما بالعودة إليها أو الكتابة عنها مرددا بسخط وألم : " لم أكن أحمل لهذا المكان سوى الحب، ولكنكم ولسبب أجهله، حلتم بيني وبين أن أحب هذا المكان الذي ولدت فيه " ص 368 .

 

عبد الرزاق اسطيطو

.............................

هامش:

رواية "ساق البامبو" سعود السنعوسي

الدار العربية للعلوم ناشرون

الطبعة الاولى 2012

 

 

وليد العرفي تسعى هذه المقاربة إلى استكناه المقولات الكونيَّة الكبرى في شعر د. ريكان  إبراهيم التي وجدنا أنها تتمحور في المقولات التالية:  القيامة، الموت، الزمان والمكان والحب، وهي تقوم على تسلسل ذات نسق تصاعدي يتدرج وفق قانون الحياة ونواميس التخلق، إذ تسلم كل مقولة إلى أخرى، وهو ما سيكون محور هذه الدراسة التي ستتبع النصوص في مسارها الأفقي والعمودي بعيداً عن ارتباطها بالارتهان الزمني، ذلك أنَّ قضية الزمن ربما تكون حالة عابرة غير مرتبطة بحقيقتها الواعية للظرفية التي يقولها الشاعر، إذْ كثيراً ما يقفز الشاعر فوق ليتجاوز الزمن بمقولاته، ومن هنا تظهر أهمية البحث في هذه المقولة بعيداً عن التأريخ، وإحالاته المرجعية التي تكشف عن ظرفية إبداع القصيدة وآنيتها

المقولة الأولى: مقولة القيامة:  

تُحيل على مرجعية ترتبط بالفكر الديني الإسلامي الذي يرى أنَّ القيامة تحقيق لعدالة مفتقدة في الحياة الدنيا، وعلى هذا يؤسّس الشاعر مقولته التي بدت بظهوراتها اللغوية عبر تكرار تركيب فعلي جاء في الزمن المضارع: (أحبُّ القيامة) ما شكّل لازمة أفادت التأكيد من حيث اللغة بوقوع الحدث، وكشفت عن توق الشاعر إلى تحقّق ذلك المشهد الذي يصوّر مشاهده كما وقرت في الذاكرة الدينية التي جاءت في توصيف القرآن الكريم لمواقفها في غير آية يقول: 

على هولِها..

أُحِبُّ مَشاهدَ يومِ القيامة

أُحِبُّ الجِبالَ إذا سُيِّرتْ

وشمْساً إذا كُوِّرتْ

أُحِبُّ العِشارَ إذا عُطِّلتْ

أُحِبُّ انكدارَ النجوم...

فيومُ القيامةِ عُرْسُ الإلهِ

على اليابسةْ

وفي آخِرِ العُرسِ تنطفئُ الأضويةْ

ويخلَعُ عُرسانُهُ الأرديةْ

وفي المقطع الثاني يرد الشاعر على تساؤل يفترضه لماذا تحب القيامة على هولها؛ فيأتي الجواب مُعلّلاً ذلك الحب بـ:

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ القيامةَ حَقٌّ تحقّقَ،

يعني: انتَصرْ

وقد عِشتُ عُمْراً ولم أرَ حقّاً

على باطلٍ ينتَصرْ

إن تطلع الشاعر إلى انتصار الحق سبب من تلك الأسباب

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ الجِبالَ التي أفحمتْني بقاماتِها

ولمْ تَحْنِ هاماتِها

أراها تسيرُ أمامي ذليلةْ

وقد أعْدمتها النهايةُ كُلَّ وسيلةْ

فما عادَ فيها الشموخُ ولن تدّعي الكبرياءْ

وما من قويٍّ أمام القضاءْ

ورغبة الشاعر في رؤية الجبارين، وممن رأوا في أنفسهم العظمة التي لا نهاية لها سيخضعون رقابهم سبب آخر لتلك الرغبة في مشاهدة القيامة

وهكذا تتوالى تلك الأسباب عبر متواليات إشارية تربط بين الرغبة، والسبب وفق المتواليات الآتية:

الحبُّ ــــــــــــــــــــــ تكوير الشمس

أُحِبُّ القيامةْ

ففيها أرى الشمسَ قد كُوِّرتْ

وكانتْ إذا أشرقَتْ أحرَقتْ

وقدْ أحرقتْ لي ثيابي

ولكنّها اليومَ باردةٌ مثلَ خَمْرِ

الخوابي

تُفتِّشُ عن كُوّةٍ من ضياءْ

وعن آمِنٍ من مكانْ

لتخلَعَ عن قُرْصِها العُنفوانْ

الحبُّ ـــــــــــــــــــــــــــ تعطيل العشار

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ العِشارَ بها عُطِّلتْ

وكانت إذا ولَدتْ تَلِدُ الفاجرينْ

فيزدادَ كُفْرٌ

ويُزهِرَ عُهْرٌ

وتزدحِمَ الأرضُ بالساقطينْ

الحبُّ ــــــــــــــــــــــــــ تغيير طبيعة الكون

أُحِبُّ القيامةْ

ففيها يُغادِرُ تلكَ النجومَ الضياءْ

ويَسودُّ وجهُ السَماءْ

ويعتذرُ البدْرُ عن نورهِ

ويُطفئُ مِصباحَهُ في حَياءْ

الحبُّ ـــــــــــــــــــــــــ إحقاق العدل

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ القيامةَ  عُرْسٌ لكلِّ مُعذَّبْ

ويومٌ به يأخذُ الضُعفَاءُ

جميعَ الحقوقِ من الأقوياءْ

ويحبو به الظُلمُ حَبْوَ الرضيعِ

أمام الفَناءْ

الحبُّ ـــــــــــــــــــ الخلاص

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ القيامةَ تَعني القيامَ

من الذُلِّ في كبْوةِ الصادقينْ

الحبُّ ــــــــــــ حقيقة

أحِبُّ القيامةْ

لأنَّ قيامَ القيامةْ

دليلٌ بأنَّ هناكَ قيامةْ

وإلّا فلن ينتهي العُهْرُ يوماً

ولن يكتسي فاجِرٌ بالندامةْ

وهكذا تتبدّى مقولة القيامة لدى الشاعر بوصفها إحدى المقولات الكبرى في مصير الإنسانيَّة والكون .

مقولات: الزمان والمكان والحب

تُشكّل مقولة الحب محور العلاقة الإنسانية التي تربط الإنسان ببني جنسه من جهة، وبالأشياء المحيطة به من جهة أخرى، وعلى هذا التأسيس المحور يكون الحب نقطة ارتكاز الكائن البشري في تعامله مع الواقع المحيط، وهو ما يبدأ الشاعر عليه نصه الذي يبدأ بإحالته المكانية بالجار والمجرور الذي يجعل من الحب بوابة لاستجذاب المكان الذي يحبُّ:

في الحُبِّ يتّخِذُ المكانُ له مكاناً مُستطابْ

حيث الغيابُ له حضورٌ والحُضور بلا غيابْ

وتدورُ فوق رؤوس ِ مخمورينَ فاكهةُ المكان

وإذا كانت العلاقة العاطفية بالمكان غير منتهية ؛ فإنها تمثل ظاهرة أزلية منذ أن عرف الإنسان الحل والارتحال في مفازاته، فالحبُّ ارتباط وارتهانٌ للمكان الوجود، وهذا الوجود لا يُمكن أن يكون خالياً من دون علاقته بالزمن الذي يجعل للمكان ماهية واستقلالية، وإن تغيَّرت فيه المعالم، أو تبدّلت فيه الأشياء، وما الوقفة الطللية التي اشتغل عليه الشعر القديم غير إشارة إلى ذلك الارتباط، وتلك الحقيقة التي جعلت من المكان شيئاً من الفردية والذاتية التي تبقى حبيسة انغلاق في المكان مهما ابتعدت عنه:

والحُبُّ ظاهرة لها بَدءٌ وآخِر كُلِّ ذي بدءٍ

مسافاتٌ يُقاُسُ بها الزمانْ

هو كائن ٌ حيُّ اذن، وسفينةُ الزمكانِ

مبحرةٌ به نحو الشموخِ أو الهوانْ

قد كان قبلَ الآنَ لا موجٌّ يهيد ولا شواطئٌ تقترِبْ

لكنهُ زمنٌ مضى، والأمنياتُ كما يحِبْ

وعليه، مهما اعتلَّ مٍمّا فيهِ، أنْ يجدَ الطريقَ الى المكانْ

مَنْ يقتدي بمنِ ألمكانُ أم الزمانْ؟

فأنا حضرتُ وأنتَ لم تحضَرْ

فعاتبني الغيابُ على حضوري

وأعارني ثوباً لأستُرَ سَوْءتي

وأخيطَ فتْقاً في ضميري

يا حُبُّ أيُّ المِيتَتيْنِ تُحِّبُها

موتي أمِ الزمكان في هذا السعيرِ

يبدو السؤال هنا بحثاً عن حقيقة ثالوث المكان الزمان الحب، تلك المفهومات التي قد نعي ألفاظها من دون أن ندرك حقيقة ماهيتها بالنسبة إلينا ما دامت فينا مسكونة إلا أن افتقاد أي منها يجعلنا في حالة انكسار وبحث عنها:

لا شيءَ أرقى في الحياةِ من أمتلاءِ

فراغِ كأسِكَ بالبياضْ

إنَّ البياضَ بدون ألوانٍ هو الألوانُ

أجمعُها وسَيّدُ كُلِّ أزهارِ الرياضْ

وفراغُ كأسِكَ صُورةٌ غنّاءُ من صُورِ المكانْ

بل لوحةٌ تحكي لياليكَ المِلاحَ

وتستعين على ضياعِكَ بالزمانْ

هذا هو الزمكانُ،فاحذرْ أنْ تُحِّبَ

وأنتَ خارجَهُ فتخسَرَ في

الرِهانْ؟

وأمام عدم يقين الشاعر من إكمال تعريفه لذلك الثالوث يستعين بالتمثيل في محاولة إضافية لتجسيد المعنى، وتعميق الدلالة، إذْ يُدخل عنصر الرسم باستخدام أحد عناصره البارزة (اللون الأبيض)الذي يُشير إلى "استثارة ذكريات ضائعة مع الإحساس يكون اللون عندئذ قوَّة رمزيَّة"1.

واللون الأبيض في المعرفة السائدة رمز النقاء والصدق، وهو  يُمثّل البداية في مقابل النهاية، والألف في مقابل الياء" 2 .

وبإحالته الرمزية يتبدّى الشاعر رسّام لوحة يتخلّق فيها الوجود في لحظة العدم والعطالة إلا من التأمل الميتافيزيقي في طبيعة الخلق ؛ فالفراغ هنا ليس الفراغ الخالي، إنه فراغ الامتلاء، وهو لحظة عابرة الفكر إلى اللافكر، والانعتاق من الحالة الجسمانية إلى الحالة الروحية التي ربّما تتحقّق بفعل مادي يستغوي الشاعر فيه هذا التحليق ؛ ليعيش حريته في لحظة متجاوزة عابرة للزمان والمكان، ولكنها قابضة على جمرة الحب رغم آلامها .

أتُريدُ مِنّي أنْ أُلخِّصَ ما أقولْ؟

حسناً ...أقولُ لكلِّ حُبِّ، كي يُسمّى الحُبَّ

شرطٌ في الزمانْ،

حُبٌ أتاكَ مُبكِّراً طفلٌ رضيعٌ لا يُحصِّنُه وقارْ

واذا أتى متأخراً يبدو كساقطةِ الخريفِ من الثِمارْ

ولكي يُسّمى الحُبُّ حُباً فهو يختارُ القلّوبَ له مكانْ

الحُبُّ مثلُ قصيدتي هاذي، بَدتْ في صدرِها

سوداءَ مُعتِمةً ومبهمةَ البيانْ

لكنّها في ذيلها فرُجتْ، كذاك الحُبُّ يبدأ معتماً ليصيرَ

آخِرُهُ جميلاً في النوايا والعبارةِ واللسانْ

وفيما يبدو أنه استدراك من الشاعر في يقينه أنَّ ذلك الثالوث لم يصل في حدوده المعرفية إلى المتلقي يضع الشاعر خاتمة ونتيجة لما قدَّم ؛ فيبين أن الحبَّ لا زمان لمقدمه، وهو في كل حالات قدومه مرتهن بالزمان، وله اشتراط العمر، وهو من دون شك حالات وظروف عابرة بين إحباط ويأس إلى أمل وفرح يرى الشاعر أنَّه نهاية الحبّ، وهنا أودُّ أن أشير إلى أمرين: الأول: فرض الشاعر على متلقيه قانونه الذي ير أنَّ نتيجة الحب هي تحقيق الانفراج في الخاتمة، وهنا أسأل هل كل حبٍّ يودي إلى هذا المصير، وتلك المآلات ؟ وكم من قصّة حبٍّ قديمٍ ومعاصر انتهت بالمأساة؟  مع إدراكي أنَّ الشاعر قصد الحب بمفهومه العام،لا الحب العاطفي غير أنَّ الحبَّ العاطفي الذي أعنيه هو أكثر تأثيراً في النفس من غيره من أنواع الحبّ الأخرى على قدرتها وتأثيرها في النفس .

الأمر الثاني وهذا أمر  كنت أتمنَّى على الشاعر: ريكان إبراهيم، وهو العارف لو أنه تخلَّى عن التعليل الأخير بتحديد موقع الحب بأنه في القلوب، إذْ لا مكان للحب إلا القلب،فقوله:

(ولكي يُسّمى الحُبُّ حُباً فهو يختارُ القلّوبَ له مكانْ)

يبدو هذا التعليل إضافةً غير مبرّرة، وكأنَّ هذا السطر قد جاء مُقحماً يُمكن حذفه من غير أن يتأثَّر السياق بتجاوزه، علاوةً على أنًّه جاء شعريّاً أقل من السياق الوارد فيه ما جعل ريشته المُعلّلة التي بدأت بلكي الثقيلة لغةً وتفسيراً تُضعف تحليق النص، وتهبط بجمالهِ الفنيّ .

مقولة الموت

لا بدَّ أنَّ التفكير بالموت من أكثر الموضوعات بُعداً عن النفس على الرغم من أنه حق، وأنه كأس دائرة على كلِّ إنسان، وهو ما أكَّده البيان الإلهي في كتابه الكريم كل نفس ذائقة الموت، مثلما عبّر عن تلك الحقيقة كعب بن زهير  بقوله:

كلُّ ابنِ أُنْثى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ           يوماً على آلَةٍ حَدْباءَ مَحْمولُ3

والسؤال الذي يجد المرء هنا أمامه لماذا يتطرق الشاعر إلى موضوعة الموت، وما أسباب رثاء الذات لدى الشاعر المعاصر؟ وللإجابة عن مثل هذخ الأسئلة لا بدَّ من معرفة السيرة الذاتية التي دفعت الشاعر إلى هذا النوع من الموضوعات من مرض عارض، أو حالة نفسية عابرة، ولأننا نجهل تلك العلاقة ؛فإنني سأتجاوز ذلك إلى يقينياتي الكبرى التي هي قواسم مشتركة لتماثل الواقع والموقف بين البلدان العربية، وحالاتها المأساوية فيما آلت إليه أمور البلاد والعباد ما يدفع إلى التفكير برثاء الذات التي تعيش الموت وتراه حقيقة ملموسة، وواقعاً معيشاً في كل يومٍ في مسلسلٍ دموي يكاد لا تنتهي حلقات دراميته في استنزاف طاقات الإنسان الذي يجد نفسه لا حول ولا قوّة إزاء مجريات الأحداث وتسارع  حوادثها  يقول شاعرنا ريكان إبراهيم متسائلاً:

لمن باق؟ وقد عز البقاء

            وأصبح أنجع الحل الفناء

تغزل بالذي ولى وجهز

              لآ تيك الرثاء كما يشاء

كفى بك موريات القدح عزما

           وحسبك أن يخلّدَك العطاء

على متنيك قد رقصت هموم

         وامحل عارض وزها شقاء

يبدو الشاعر بحدسه الفطري أنه استشعر ذلك السؤال فراح يجيبنا عن دوافع هذه المرثية التي يوضّح أسبابها ما بين أسباب ذاتية وأخرى موضوعية تشعَّبتْ بدورها ما بين المادية والروحية:

وفي عينيك من سهر الليالي

         قذى وبريق شمعتك انطفاء

بمثلك كان لا يأتي خريف

          ويخجل من رعونته الشتاء

كأن الكون أجمعه ربيع

          وهل بعد الربيع يطيب ماء

إنها معادلة الحياة التي إنْ تساوت في ميزان إنسانها الأشياء الجميلة والقبيحة فقدت معانيها، وكأني بالشاعر هنا يستدعي قول المتنبي في تمثّل تلك الحقيقة مع إضافات للشاعر يربطها بالبعد الديني حين لا يكون من وسيلة لدى المرء إلا الدعاء والتضرّع إلى الله:

وَمَا انْتِفَـاعُ أخـي الدّنْيَـا بِنَاظِـرِهِ     إذا اسْتَوَتْ عِنْـدَهُ الأنْـوارُ وَالظُّلَـمُ4

 واجهض بارق الحلم المساء

  فدعها مثلما ولدتك تأتي

      ولا تلحف اذا استعصى دعاء

كما يستدعي النص القرآني لتمثل الحالة وإسباغ العبرة بأبعادها الدينية ؛ لما للمعتقد الديني من مكانة مهمة واعتبار في تحقيق الغاية بالإقناع للفكرة التي يريد الشاعر إبلاغها:

أتذكر يوم قد آنست نارا

        وحين بلغت خادعك الضياء

على شفة العطاش أدرت راحا

         لمن سألوا وهم جدب ظماء

وفكرة الدواء من جنس الداء تحيل الذهن إلى قول أبي نواس:

                     ودَاوني بالّتي كانَتْ هيَ الدّاءُ 5 

فصرت اليوم وحدك تتقيها

            وداؤك في مآسيها الدواء

اذن صعر اذا جارت، خدودا

             فقد تعني التكبر  كبرياء

لمن باق؟ فلا ساقٌ لأنثى

            ولا ساقٍ فيدركك انتشاء

وبينك والسراب حسبت ماءً

               ملائكة العذاب الأنقياء

وأمام هذا الواقع يتراءى للشاعر أنه لا بدَّ من الزهد في هذه الدنيا الفانية كيف لا؟ وها هو يكشف عن افتقاد جماليات الحياة فيها، فلا أنثى تبهج بوجودها وجه الحياة العابس، ولا كأس يُسلي الهموم، ويُفرّج الغموم،إنها مجرّد توهمات رؤية تبين وجود الفرح، وهو بعيد المنال، وإذا كان ليس بالإمكان تغيير الحال؛ فإنه لابدَّ من التوافق والتكيّف مع الواقع، وهو من دلائل الذكاء الطبيعي التي تُوجب على الإنسان أن يتكيّف مع الظروف المحيطة به . ولهذا نجد دعوة الشاعر التي جاءت بصيغة توجيه وأمر يُرشد الآخر إلى ضرورة القناعة بما هي فيه، لا كما يريد ويتمنَّى:

لقد كانت كما شاءت فكنها

           كما قد شئت يملؤك الإباء

ولا تخصف فقد بانت فهانت

           وما من عورة ستر الحياء

ويا ذاتي رثيتك قبل موتي

           فبعد الموت مالي أصدقاء

وهكذا يمازج الشاعر في نصّه الرثائي بين الذات والآخر، فكانت مرثيته مرثية عامَّةً لم تنغلق على حدودها الذاتية، بلْ كانت مرثية بمعناها الشمولي العام رثاء واقع وحالة عامّة من رثاء الذات . 

 

د. وليد العرفي

.....................

1-  الفن والشعور الإبداعي: غراهام كولبير  تر: منير صبحي الأصبحي، وزارة الثقافة، دمشق،  1983 م، ص 250 .

 2- ينظر: اللغة واللون،  أحمد عمر مختار، عالم الكتب،  القاهرة، ط 2، 1997 م، ص   186 .

 3-  كعب بن زهير (الديوان) اللام .

4-  أبو الطيب المتنبي: أحمد بن الحسين (الديوان) قافية الميم .

5-  أبو نواس  الحسن بن هانىء (الديوان) الهمزة 

 

 

عبير خالد يحيىدراسة ذرائعية مستقطعة لرواية (حارسة الموتى) للأديبة المصريّة عزّة دياب

مقدمة:

الأدب- برأيي المتواضع- مختبر لغوي كبير، يتمّ فيه إخضاع الكثير من الظواهر الاجتماعيّة والنّفسيّة  والسياسية والاقتصادية وغيرها للبحث والاستقصاء، وهو إنجاز إجرائي ومحصّلة لتجارب كثيرة، منها ما تفكّك الظاهرة إلى عناصرها الأوليّة، أي تستقصي عن جذورها وأصولها المخبوءة، وأخرى تدرس النتائج الحاصلة من اجتماع عدّة الظواهر في بيئة واحدة، أي تدرس آثارها الظاهرة، فهناك دراسة تفصيليّة ودراسة شموليّة، بقالب أدبي بليغ، وعلى هذا الاعتبار ينبغي أن يتقمّص الأديب إلى حدّ ما دور الباحث، وأن يمتلك أدواته وبعض مقدراته، وأن يوسّع دائرة معارفه في جميع الأصعدة، من غير أن يكون مجبرًا عن تقديم الحلول. وهذا ما فعلته الأديبة عزّة دياب في هذا العمل الذي ترصد فيه تطوّر ظواهر اجتماعيّة وأخلاقيّة واقتصاديّة فاسدة جدًّا، زُرعتْ بذورَها وجذّرتها عبر حيوات شخصيّاتها، وأطلقتها في محيط بيئي صغير موائم، خلال فترة زمنيّة مواتية وطويلة، ثمّ عرضت علينا النتائج المحتومة، وآثارها التي وصلت حدّ القتل.

الكاتبة في سطور :

عزة مصطفى علي دياب

مواليد مدينة رشيد محافظة البحيرة

عضو اتحاد كتاب مصر، عضو نادي القصة.

- (شاطئ الحنين) مجموعة قصصية صادرة عن دار السندباد للعام 2009

- (الأجنحة الورقية) مجموعة قصصية من مركز نهر النيل 2008

- (مجنون الحي) عن دار غراب 2014، وطبعة ثانية من دار جولد بوك 2018

- (لقاء) رواية عن دار الكتب خان 2015

- (روزيتا) عن كيان للنشر والتوزيع 2016

- (جدران شفافة) مجموعة قصص قصيرة جدًّا عن روافد 2017

- (حارسة الموتى) رواية فائزة بالمركز الأول في جائزة راشد بن حمد للإبداع 2019 فئة رواية للكبار

التبئير الفكري:

من يقرأ هذا العمل للأديبة عزة دياب، سيجد أنها أديبة كتبت عن مجتمعها المحلي الصغير، والذي كان جزءًا مكرّرًا من كل مجتمعها الكبير، وهي لم تغفل الإشارة إلى ذلك، بإسقاطات تلقيها لمن يتقن فن المقاربة، هي لم تتوانَ عن الغوص إلى قاع هذا المجتمع، والكشف عمّن يعيشون في مستنقعاته التي أخفت تحت نتانة سطحها صراع أجسادهم المغموسة بالرذائل، وأبقت رؤوسهم خارجها ليكونوا على قيد الظهور، فقامت بعملها كباحثة اجتماعية، تدرس ظاهرة الطفو والغمر، لمجموعة منتقاة من الناس ألقتهم الحياة في مكان واحد (مقبرة في مدينة صغيرة ذات طابع ريفي)، في زمن واحد (عهد الانفتاح في فترة رئاسة السادات)، تجمعهم رغائب جامحة ومصالح شخصية، غير مشروعة، رصدت الكاتبة تطورهم وصراعهم ببواطنهم النفسية وظواهرهم السلوكية، درست ظروف تحوّلهم إلى طفرة شاذة، ومن ثمّ إلى ظاهرة اجتماعية ممجوجة، لكنها موجودة ومعترف بها، وتبحث عن مكتسباتها، ولو عن طريق الجريمة، حينما أتيح لها أن تتوسّع في بسط نفوذها،

والبؤرة الفكرية للنص كانت حول الحيثية (الانحدار الأخلاقي) حينما يتوفر له بيئة سياسية واقتصادية حاضنة، وهي النتيجة التي انتهت إليها كلّ الظواهر المتمثّلة بالجهل والأمية والدجل والظلم والقهر والحرمان، الانحطاط الأخلاقي الذي يجعل من الاعتداء على الآخر منهجًا وموردًا للعيش حتى ولو كان هذا الآخر ميتًا أو ابنًا، حمدية حارسة القبور لم تتوانى عن هتك حرمة الموت بالدجل والجهل بدسّ الأحجبة الشيطانية في الأكفان والقبور، والاعتداء على الموتى بسرقة مقتنياتهم حتى ولو كانت تاجًا ذهبيًّا لسن من أسنانهم، أو خاتمًا بإصبع طفل رضيع ميت، تعجز عن إخراجه فتقلع الإصبع بما فيه، وبنفس الانحدار الأخلاقي تمارس الجنس مع الأستاذ عبده، ومع العفريت مسعود، وتشجّع ابنها على تعاطي المخدرات، وتسكت حينما تراه يمارس اللواط .

الانهيار الأخلاقي الذي يلغي الشعور الوطني، ويجعل تراث الوطن وآثاره نهبة بيد أبنائه الذين أفادوا على الظروف الاقتصادية والسياسية التي أتاحت لهم الوصول إلى مراكز حساسة استغلوها أبشع استغلال ليجنوا ثروات طائلة من بيع الوطن، وآخرون أغرقوا أبناء الوطن بالمخدرات تعاطيًا واتجارًا.

ومن خلال ذلك رصدت الكاتبة أيضًا ظروف التحوّل السياسي والاقتصادي للمجتمع المصري من النظام الاشتراكي في عهد جمال عبد الناصر الذي تحالف مع الاتحاد السوفييتي إلى النظام الرأسمالي عبر تحالف السادات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وما رافق ذلك من إزالة لكل رموز العهد السابق، وأشعل الحرب العربية الاسرائيلية الرابعة (أكتوبر) وحرب الاستنزاف التي لحقت بها حتى قيام السادات بزيارة اسرائيل وعقد الصلح معها، وكان لهذا الاتفاق (كامب ديفيد) تحديدًا الكثير من التغيرات على المجتمع المصري، ساهمت بتغيير هويته ومعالمه.

والبؤرة الفكرية للنص كانت حول النتائج الكارثية لسياسة الانفتاح في عهد السادات وما بعده.

وقد نجحت الكاتبة في تأسيس ديباجة العمل CITATION))، ووازنت بين التماسكCOHESION  والترابط COHERENCEبين أجزاء النص، فولد العمل متكاملًا في بنائه الفني، ولم تعر اهتمامًا كبيرًا للبناء الجمالي مرتكزة في أسلوبهاعلى المباشرة والإخبار.

تجنيس العمل: رواية واقعيّة مجتمعيّة تتبع مدرسة الفن للمجتمع.

المستوى البصري:

الغلاف كعتبة بصرية أولى:

مجموعة من الأذرع والأيديالهزيلة، جلودها مختلفة الألوان، كأنها شجيرات مزروعة، مرفوعة باتجاه عَتَمة سماء يجلّيها قمر في طور بدر، يكشف ضوءه تحليق عدد من الخفافيش، مكوّن صوري يكشف الستارة عن ديكور مسرح أحداث الرواية، أي مكانها بكلّ متعلقاته، من بقايا أشخاص، وأزمان (القمر البدر هو وقت السحر والشعوذة)، وملحقاته (الخفافيش سكّان الخرائب). طبعًا الغلاف من تصميم دار راشد للنشر وهي دار تابعة لجائزة راشد بن حمد الشرقي للإبداع، والتي طبعت هذه الرواية الفائزة بالمركز الأول للعام 2019، وهو مناسب لموضوع العمل.

من العنوان (حارسة الموتى) لعبت الأديبة على وتر التشويق، هل يحتاح الموتى إلى حراسة؟ وإن احتاجوا فلماذا حارسة وليس حارس؟ تحرسهم من ماذا؟ ومن هي حارسة الموتى؟ وما هي قصتها؟

في الميثولوجيا المصرية يُعتبر (أنوبيس-Anubis) إله الموتى والمقبرة والتحنيط، يتم تصويره على شكل رجل برأس ابن آوى الأفريقي، يتولّى أدوارًا مختلفة من ضمها (حامي المقابر) إضافة لكونه مسؤولًا عن التحنيط، ومرشد الأرواح في الحياة الآخرة. إلى الدور الأول تشير الكاتبة، لكنها لا تغفل الإشارة إلى الأساطير والميثولوجيا المصرية عبر الحديث عن سرقة الآثار المصرية وعبر بعض طقوس الدفن التي مازالت موجودة إلى الآن في بعض البيئات المصرية، والتي يُدفن فيها الميت مع بعض مقتنياته الثمينة، لذلك كان الموتى بحاجة إلى حراسة من لصوص المقابر، والأحرى أن يكون حارسًا وليس حارسة، لكن الكاتبة اختارتها حارسة لبثّ عنصر التشويق.

العمل مقسّم إلى ستّة فصول، الفصل الأوّل والثّاني سرد بلسان الراوي العليم، لا يتجاوز الفصل منهما الأربع صفحات، بعنوانين مثيرَين ومترابطَين (الموتى خارج القبور- الليلة السابقة لخروج الموتى )  والأربع فصول الباقية سرد بلسان شخصيات مشاركة في الرواية (حمدية – الداهش- سعيد – أبو اسماعيل)

تعرضت الكاتبة لمواضيع عدّة منضوية تحت لواء الموضوع الأساسي، وهي الأميّة والتسرّب من التعليم، والدجل والشعوذة، والشذوذ الجنسي، وسرقة القبور، وسرقة وتهريب الآثار، والتزييف، وبيع أراضي الدولة، والترويج والاتجار بالمخدرات، والقتل، والمحسوبيّات، والآراء السياسية حول عبد الناصر والسادات.

المستوى المتحرّك:

من العنوان التهكّمي، والذي ينتمي للمثل المعروف (حاميها حراميها) تنطلق الكاتبة إلى مسمار أخر تعلّق عليه خيطًا من خيوط التشويق، وهو:

الاستهلال: الذي جاء على فقرة سردية نستنتج أنه حلم، وبعد الانتهاء من قراءة الرواية سنجد أنه حلم في حالة  غيبوبة أو احتضار، وفيه تلخيص ذكي لحياة (حمدية) بطلة الرواية، وبعض ضحاياها:

..... يجرفني التيار، أتشبّث بجلباب يبدو لغريق، تلتفت إلى من ترتديه، امرأة جميلة أشعر أني رأيتها من قبل، تقول : أخذتِ خاتمي، نزعتيه من أصبعي في ليلة دفني الأولى.

الزمكانية:

الزمان: على مدى فترة زمنية طويلة امتدت من بعد نكسة 1967 إلى ما بعد مقتل السادات بقليل، وخصوصًا فترة الانفتاح التي أعقبت معاهدة كامب ديفيد.

المكان:  مقبرة في مدينة صغيرة في محافظة البحيرة يغلب عليها الطابع الريفي، غالبًا هي مدينة رشيد حيث يلتقي أحد فروع النيل بالبحر المتوسط. وهناك أماكن أخرى تجوّلت فيها أحداث الرواية، منها تل المندور. ...

التشابك السردي:

ابتدأت الكاتبة من بعد العنوان روايتها من لحظة انفراج تلت العقدة، وهو مشهد الاحتضار الذي ساقته في الاستهلال، ثم عادت إلى الفصل الأول، الكاتبة اتبعت الطريقة الارتجاع الفني أو الخطف الخلفي[1]، حيث يبدأ الكاتب فيها بعرض الحدث في نهايته أو قبل نهايته بقليل، ثم رجعت للماضي لتسرد القصة كاملة، وهذه الطريقة متبعة في مجالات تعبيرية أخرى كالسينما، قبل أن تنتقل إلى الأدب القصصي، وهي موجودة في الرواية البوليسية أكثر من غيرها من الأجناس الأدبية.

الفصل الأول والمعنون ب  الموتى خارج القبور، عنوان فرعي مثير آخر، تثبّته الكاتبة مسمارًا ثالثًا على جدار التشويق، توتّر به المتلقي، وتسرد به حادثة غرائبية، لتكون أول حدث على محور التوليد في مثلث الانفراج العلوي، وليس في مثلث الصراع السفلي، ومنه ستتوالى الأحداث نزولًا إلى مثلث الصراع، وعلى ذات المحور (محور التوليد) مع بدء ظهور الشخصيات من قمّة المثلث السفلي باتجاه قاعدته، أول تلك الشخصيات كان (الداهش) الحوذي أو العربجي الذي ينقل بعربته الكارو النعش عادة من المقابر إلى بيت الميت، ثم ينقل الميت بعد تكفينه إلى المقبرة لدفنه، والحادثة تبدأ برؤية الداهش لميت شاب مات بأزمة قلبية ودفن بالأمس (هو أخو سعيد)، وجدوه ممدّدًا بكفنه في النعش، بعيدًا عن قبره المفتوح!، ثم يتهيّأ له وللفتى الذي يساعده أنّ القبور كلّها تُفتح والموتى يخرجون بأكفانهم، ومن هذه التهيؤات بنت الكاتبة أول لبنة في البناء الفني للرواية، الخرافة، أصل الحكاية، والتي ستُقدّم الكاتبة عبرها شخصيتها البطلة (حمدية) من خلال شهادة تعريفية للداهش على لسان الرواي العليم:

.... تنفض عنه جماعة، تلتف أخرى يحكي ويحكي، يسير وحماره يتبعه، تذكّر حمدية حارسة المقابر وهي ليست معيّنة من أي جهة لكنها متواجدة بشكل دائم على الأقل طوال النهار، فهي علامة من علامات المكان، طيّبة في التّعامل مع الناس، وتعرف كلّ شبر في المقابر، ولا بد أنّ عندها أصل الحكاية، أي حكاية الموتى ضاقوا بالقبور.

الفصل الثاني بعنوان: الليلة السّابقة لخروج الموتى

وهو الفصل الذي يحوي العقدة أو لحظة التأزّمالتي عادت إليها الكاتبة لترويها على لسان الراوي العليم أيضًا، العقدة التي حصلت في ليلة سبقت النهاية، هي حدث مداهمة بيت حمدية من قبل المخبر طنطاوي، بجريمة حيازة ممنوعات، لم تكشف الكاتبة عن طبيعة هذه الممنوعات في هذا الفصل، لوعيها التام لضرورة ألّا يضع الكاتب كلّ المعلومات في أوّل سلّة من سلال السرد، وهذا يدلّ على مقدرة الكاتبة على شدّ المتلقى بذريعة التشويق، في هذا الفصل تبدأ الكاتبة في إظهار أبعاد الشخصية الرئيسية (حمدية) عبر حوار طنطاوي معها، حيث يرفع الستر عن بعض أبعادها الاجتماعية:

ضحك الطنطاوي ساخرًا: لسه بتطبخي على وابور جاز!

وأيضًا أبعادها الثّقافية:

.... قال : خرزة زرقه خايفة من الحسد.

لم تكلّف نفسها عناء الرد، فالجميع يعرف أن قرطها الأزرق مضاد للسحر، لكنه سيصنفه من الدجل وقد يلصق بها تهمة غير التي جاء بها فلن تمنحه تهمًا مجانية.

عند هذا الفصل ينتهي دور السارد العليم، وبعدها ستترك الكاتبة لأربع شخصيات مشاركة مهمّة السرد بطريقة تمثيلية، للتتناص الكاتبة عزة دياب مع عملاق الأدب الواقعي نجيب محفوظ بهذه التقنية السردية في الكثير من رواياته، وأهمها أفراح القبة، ثرثرة فوق النيل، والقاهرة الجديدة وغيرها.

بدأ السرد بلسان السارد المشارك بالتسلسل : حمدية – الداهش- سعيد- أبو اسماعيل، ومن خلال ذلك السرد لحبك فرعية للشخصيات المشاركة، ستبني الكاتبة حبكتها الرئيسية:

الحبكة:

لم يكن هناك صراع درامي من بين الشخصيات المشاركة، وإنّما كان الصراع عبر حبك فرعية، بطلها الشخصية المشاركة التي تولّت مهمة السرد، فهناك صراع بين أبو اسماعيل تاجر السمك الصغير، ومن يُدعى عمران تاجر المخدرات الكبير، حول بضاعة حشيش أخذها أبو اسماعيل وخبأها في النهر، بينما خبّأ حصّة تخصّه شخصيًّا عند حمدية، يحاول أبو اسماعيل التخلّص من عمران بمحاولة قتل ويفشل، ما جعل كفّة الصراع تنقلب لصالح عمران الذي يخطف ابن  أبو اسماعيل ويهدّده بقتله إلى أن يحضر البضاعة خلال فترة زمنية محدّدة.

وهناك صراع بين سعيد (وهو الشخصية المكافحة الوحيدة التي حافظت على أخلاقياتها والذي قذفت به ظروف الانفتاح التي زادت فقر الفقراء إلى العراق ليعمل سبّاكًا)  وأخيه الأصغر، حيث استحل الأخ مال سعيد، يعود لبلده بعد سنين من الكدح، ليجد الأخ الأصغر وقد استأثر بكلّ شيء، حتى بالزواج من البنت الوحيدة التي كان يرغب بالزواج منها، الأخ يتنكر لفضل سعيد ويطرده، ينتهي الصراع بينهما بنهاية قدريّة، وهي موت فجائي للأخ، ودفنه ثم قيامه من قبره، وهو الحدث الذي ابتدأ منه الحكي.

هذه الحبك الفرعية تلتقي بالحبكة الرئيسية، والتي تكون فيها (حمدية) هي محور التكوين، الذي يجتمع عليه كل الشخصيات المساعدة والمشاركة حتى الأستاذ عبده لم يكن هناك صراع جدّي بين حمدية وبينه، حتى بعد أن انتهت علاقتهما الجنسية، وإن كان حقد عليها واتهمها بال (المخاوية) واتُهمت بقتله لكن ثبتت براءتها، وتورط أصدقائه(الذين كانوا يسهرون ويحشّشون معه) بمقتله طامعين ب (السبوبة) التي ظنوا أنه يملكها.

وحتى يقوم الصراع لا بدّ من وجود شخصية معارضة تتسيّد محور المعارضة، هذه الشخصية لم تظهرها الكاتبة بوضوح، وإنما أشارت إليها عبر سرد الشّخصيات المشاركة كما أسلفنا، وعلاقتها مع كل الشخصيات وتقاطعها في كل الحبك الفرعية، ثم أشارت إليها بقول الطنطاوي لرجب مجيبًا على سؤاله لماذا قتلتها؟ : صاحبك هو السبب.

هذه الشّخصيّة المعارضة، والتي دخلت بصراع خفي مع حمديّة، وهي الشّخصيّة الوحيدة التي لم تتح لها الكاتبة حريّة الحكي والتعبير عن نفسها، بل تركت تلك المهمّة لباقي الشّخصيات المرافقة التي جمعتهم بها الطفولة والسفر إلى العراق، حيث جاء ذكرها في العرض التمثيلي للشخصيات بما يمكّن المتلقي من تكوين فكرة كافية عن أبعادها الجسدية والنفسية والاجتماعية، وهي الشخصية الوحيدة التي مكّنها الانفتاح من النمو والاستمرار، حتى وصلت إلى شرفات النفوذ، وأهل السلطة والمال، كلّ تلك الإشارات تتقاطع، ليظهر (ماهر) في كلّ التّقاطعات، مهرّب الآثار، المتزوّج زيجات عديدة فاشلة مثيرة للتساؤل، وحدها حمدية وسعيد كانا يدركان السّبب وهو شذوذه الجنسي (مثلي).

الكاتبة جعلت المتلقي هو من يقوم برسم الحبكة الرئيسية، يلملم ما تناثر من أحداث مروية على لسان الشخصيات المشاركة، حيث أضافت كل شخصية حدثًا جديدًا خفيَ عن البقية، أو تفسيرًا لحدث، يضمّها المتلقي إلى الأحداث المروية على لسان السارد العليم، ليستنتج الحبكة كاملة.

لجأت الكاتبة لإدخال قصص غرائبية، كقصة الطيف مسعود، لم أجد لها مبرّرًا أو ذريعة إلّا لرغبتها بالتأكيد على أيديولوجيتها الفكرية، وبرصف أرضية أو ديباجة الرواية التي يختلط فيها الواقع الشاذ بالمتخيّل الميتافيزيقي،

النهاية: مفتوحة على تساؤلات يطرحها أبو اسماعيل الذي اضطر لتسليم البضاعة لعمران مقابل الإفراج عن ابنه:

أريد أن آخذ حمامًا ساخنًا وأنعزل عن الناس، وأفكر على رواقة في الصّخرة التي مرّ ماهر بجوارها. وماذا حدث لرجب وكيف ماتت حمدية؟!

الجواب على آخر تساؤلين ممكن أن يكون استنتاجًا سهلًا بعد استعراض حبكة السرد، والتي يرجح فيها أن ماهر هو من أوعز إلى طنطاوي بضرب حمدية حتى الموت، وهو من قام بدهس رجب، لكن الجواب على التساؤل الأول رمزي للغاية، ويعيدنا إلى المحور الفكري الأول الذي ثبّته عند الكاتبة(بعد أن أكّدت في الحبكة أن لا أحد غير حمدية ورجب يمكنهما الوصول إلى الكهف، فعند الصخرة تتخشّب أرجل أي من يحاول الوصول إلى الكهف بفعل السحر)، وهو أن السحر لا يطال هؤلاء المتنفّذين، لأن سلطتهم تُخضِع حتى العفاريت.

الأسلوب:

إخباري مباشر خالٍ من الانزياح نحو الجمال، مع انزياح طفيف نحو الرمز إذا أسقطنا بعض الأحداث على دلالات رمزية، كتشبيه ميتة الأستاذ عبده بميتة السادات، وتسلل وتغلغل ماهر رمزيًا لنشوء طبقة اللصوص البرلمانيين وغيرهم من السلطويين، ليكونوا فوق القانون.

الحوارات:

باللّهجة العاميّة، هي نقطة تُسجّل على الكاتبة، ولو أنها استخدمت الألفاظ الفصيحة والبسيطة كما فعلت بسرد الشخصيات المشاركة لكان أفضل، رغم أن ذلك السرد تخلّله بعض الألفاظ العامية، حوارات قصيرة خفّفت من سرعة السرد وتوتره، وكشفت بواطن الشخصيات والأحداث على حدّ سواء.

الوصف: اقتصر على الوصف المكاني بطريقة مباشرة من دون انزياح بلاغي أدبي.

في الختام:

نبارك للكاتبة فوزها بجائزة راشد عن هذا المؤلّف، والذي جمع بين البحث الاجتماعي والعمل الأدبي في إطاره الروائي متمنّين لها المزيد من النجاحات.

 

دراسة ذرائعية

بقلم: د. عبير خالد يحيي

...........................

[1] الذرائعية في التطبيق – طبعة مزيدة منقحة – تأليف عبد الرزاق عوده الغالبي – إصدار دار النابغة للنشر والتوزيع- صفحة 184

 

وليد العرفي بدايةً لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ اجتزاء الصورة بمعزل عن السياق النصي العام، إنما هو تشريح بحت للصورة، وهو ما يفقد النص جماليته على مستوى الوحدة الكلية والموضوعية التي تسم القصيدة الحديثة غير أن َّ مسوّغ هذا البتر يرجع إلى ضرورة الإشارة، وليس إلى التعبير عن تجربة كاملة، وهو ما سنحاول أن نشير إليه في صور مجتزأة من قصيدة الشاعر: ياسين الخراساني الموسومة بـ: "ظل الصنوبر"

يُعرّف علي البطل الصورة بأنها: "تشكيل لغوي يكونها خيال الفنَّان من معطيات متعددة يقف العالم المحسوس في مقدمتها" [1]، وفي هذه المقاربة سأحاول الكشف عن جماليات الصورة في شعر: ياسين الخراساني التي تبدو أنها عفوية تأتي في سياقها من غير تكلف أو إجبار: " فقيمة الصورة لا تبدو في قدرتها على عقد التماثل الخارجي بين الأشياء، وإيجاد الصلات المنطقية بينها، وإنما في قدرتها على الكشف عن العالم النفسي للشاعر، والمزج بين عاطفته والطبيعة " [2]

تبدّت تقنيات الأسلوب البلاغي للشاعر: ياسين الخراساني في ثلاثة أنماط، وهي تقنيات: التشبيه والاستعارة والتشخيص .

أوَّلاً ــ تقنية التشبيه:

التشبيه  كما يرى القيرواني: "صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة أو من جهات كثيرة لا من جميع جهاته ؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه " [3]، وتتأتى جمالية التشبيه من كونه: " ينتقل بك من الشيء نفسه إلى شيء ظريف يشبهه، وصورة بارعة تمثله،وكلما كان هذا الانتقال بعيداً قليل الحضور بالبال، أو ممتزجاً بقليل أو كثير من الخيال كان التشبيه أروع للنفس وأدعى إلى إعجابها واهتزازها "[4].

وأمَّا من حيث صيغته فيتمثل بالمعادلة تركيب لغوي هو:  أهي ب  يُقارَن فيه بين شيئين من الواقع العيني والمحسوس،  أو الفكري والمعنوي [5]

من أنماط التشبيه

يعمد الشاعر في بناء اللغة على مقاربة بين مظاهر العالم المادي؛ فنجده يُقارِن المحسوس بالمحسوس، يقول: فأنت ككلبٍ شريدٍ رأى عَظْمة الحُبِّ،

أو ربّما سار في عَقِبِ الكلماتِ

تقوم بنية التشبيه هنا وفق الترسيمة التالية:

المشبه ( الشاعر) الذي جاء بصيغة الضمير أنت  ــــــــــــ الأداة (الكاف ) ـــــــــــ المشبه به (كلب)

وقد جاءت الأطراف مما يتصل بالعالم المادي المحسوس من خلال الإنسان والحيوان، وقد أردف ذلك بتقنية الاستعارة التي جاءت في التركيب الإضافي: "عظمة الحب" التي واءمت بين المحسوس عظمة، والمعنوي الحب مما منح الصورة بعدها الجمالي من حيث الطرافة والندرة في آن معاً، وفي موضع آخر يقول:

هل أنت في قُوّة العُمْرِ مثل مصارعِ وحشٍ

وحاملِ رُمحٍ؟ فسدِّدْ إلى جهة القلبِ،

تعرفه جيدا موضع الألم المُتَكَلِّسِ،

فقد جمع أركان الصورة من عالمه الحسي الذي قرن الإنسان والحيوان بجامع التعبير عن القوة،إنه الإبداع الذي يخرق المألوف، ويحرك الساكن، ويتجاوز المعهود، ولولا ذلك ما كان الإبداع .

وفي قوله " أنت كجَدْي الهضاب يُعيقُك صخرُ السفوحِ "

تبدو الصورة طريفة في حسن انتقائها لطرف التشبيه الجدي بما يحيل عليه من حيوية ونشاط وفوضوية وطفولية، وهي صورة لفتت انتباه جيل الشباب في مقارباتهم الصورة التشبيهية، وحركة الأفعال المتسارعة المتحدية، وهذا الميل نجده لدى الشاعر السوري د. ثائر زين الدين الذي يُقارب تلك الصورة بقوله يصف نفسه:

" أما زلْتَ ــ كالجدّي ــ تصعدُ تلاًّ، وتهبطُ  وهداً،وتسبحُ في غيمةٍ منْ حبور، وتسرحُ في موسمِ الخصبِ خلفَ المواشي؟

فتجمع أصحابكَ الأشقياء لدرسِ البراري، ويخفقُ قلبُكَ في مشهدِ الحبّ كالطَّيرِ تغلي دماك "[6]

نمط الأسلوب الاستعاري والكنائي في قوله:

في تُخومِ الضّياءِ أُعَرِّف نفسي على نفسِها:

لَونُها شاحبٌ من طباعِ السّماءِ،

كأن تَبزغَ الشمسُ في يومِ عيدٍ.

مازج الشاعر بين الأسلوبين: الاستعاري والكنائي، فقد زامن في الحواس باستخدام  حاسة البصر، (لونها شاحب)،  والأسلوب الكنائي في التعبير عن صفة الضيق التي تعكس الحالة النفسية التي يمرُّ بها الشاعر من خلال اللون .

" ولستُ طويلا ولكنّ ظِلي بطولِ الصنوبرِ،

تَسكنهُ عُقدة الإرتقاءِ. أراهُ يُحاسبني

إن أطَلْتُ المُكوثَ قريبًا من الشّمسِ

من قال لي أنَّ أجْنِحتي من شموع وطين؟"

وجاء الأسلوب الكنائي كذلك في التركيب الاستفهامي بقوله :

هل تعرف الظلَّ؟

أطول من عُمرنا هو أعلى من الأرضِ،

في يده يأكل الفَيْنقُ النورَ، يغسلُ

(ريش الأساطير)  الذي جمع بين طرفي تشبيه متباعدين وقرّب بينهما بصورة باعثة على التساؤل عن طبيعة تلك المشروعية في الجمع، لو كان في الشعر مجال لطرح مثل هذه الأسئلة التي لا يعترف بها الشعر، ولا يركن إليها قانون التجاوز والإبداع، والاستعارة في اللغة: " مأخوذة من العارية، وهي نقل الشيء من شخص إلى آخر حتى تصبح العارية من خصائص المُعار له، والعارية والعارة ما تداولوه بينهم، وقد أعار الشيء وأعاره منه وعاوره إياه، وهي شبه المداولة والتداول يكون بين اثنين . وتعور واستعار طلب العارية، واستعاره الشيء، واستعاره منه طلبه منه أن يعيره إياه"  [7]

وقد أعلى من شأنها الجرجاني الذي وجد أنه من خلالها: " ترى الجماد حياً ناطقاً، والأعجم فصيحاً، والأجسام الخُرَّس مبينةً، والمعاني الخفيّة باديةً جليَّة " [8]

ويلاحظ متأمل شعر:  الخراساني أن الاستعارة قد اتكأت على  الحقل الدلالي الخاص بالطبيعة، إذ تغلب على استعاراته عناصر البيئة على اختلاف مظاهرها في الطبيعة، من بشر وطير وحيوان ونبات، ومن ذلك قوله:

أشتهي اليومَ ظِلَّ الصنوبرِ.

ليس لِلَمْسِ الظِّلالِ حفيفٌ،

ولا يخْمُش الذّكرياتَ كما يفعلُ

الشّوكُ في حُمْرةِ الوردِ.

يَحمِلني.. أحملُ الضّوءَ عنهُ،

يسيرُ إلى بلْدتي في الشّتاءِ الأخيرِ.

أنا معهُ، لا أبارح ريحًا تداعبهُ.

هو في داخلي مثلَ حُب قديمٍ تَشَابكَ بالشَّعْرِ.

قلتُ أمشِّط أطرافَه بالرُّموشِ.

ولكنّ ظلَّ الصنوبرِ أعلى من الأرضِ...

كيف أعودُ إليَّ إذا طِرْتُ في نَشْوةِ الظلّ؟

أفادت بنية الصورة  من  الحقل الدلالي الخاص بألفاظ الطبيعة التي شكلت متنها  صنوبر، ورد، الظلال، وقد نهضت الاستعارة في هذا المقطع على تقنية التحويل الدلالي الذي أفاد من تقنية التشخيص، وهو: " إضفاء الخصال البشرية على أشياء، وكائنات غير إنسانية سواء أكانت حية، أم جامدة معنوية، أم غير معنوية . " [9] ؛ كما في خمش الذكريات، وريش الأساطير

وهكذا نُلاحظ أن الاستعارة شكَّلت حامل الصورة الفنية  في تلك الاشتغالات اللغوية  التي نهل فيها من منبع الطبيعة صوره، كما كانت مصدر وحي لجماليات الانتقاء التي أفاد منها في تجسيد صوره من خلال أطياف الطبيعة المختلفة بجمالياتها الفطرية

كما يعمد إلى تقنية تشخيص الجماد يقول:

أنا واحدٌ بكثيرٍ من الانزياحِ

ضعيفٌ على وزنِ هذي الحجارةِ.

ألمُسُ أرضي بخفّة قطٍ. أزيل الغبارَ عنِ الوهمِ

فالشاعر مفرد بانزياحه المفارق، إذ يمشي على الأرض بخفّة القط ، وهي صورة مخاتلة ومفارقة للتوقع، ومن هنا تتبدّى جمالية الصورة في شعر الخراساني الذي يُبدي اهتمامه اللافت في تشكيل صوره، واستعارات أبعاد طرفي التشابيه عنده، إنه يُجسّد حالة اشتغال راقية مع العناصر التي تتباعد لتقترب، وتقترب لتتباعد عن ذهنية السائد والمألوف، فالوهم يتجسّد بشيء يمسح عنه الغبار، وبذلك يمنح الوهم، وهو معطى ذهني مُتخيل حيزاً حسياً له مكان ووجود، ومن هنا يبدو انعتاق الشاعر الخراساني من نمطيات الذاكرة أمرأ يُحمَد له، ونقطة تُسجَّل له في مشواره الإبداعي الناهض بسرعة وانتقائية باعثة على الأمل والطموح المشروعين في تحقيق مشروعه المستقبلي بأن يحمل بصمته الشعرية بثقة واقتدار .

للاطلاع على قصيدة الشاعر في صحيفة المثقف

ظلال الصنوبر / ياسين الخراساني

 

د. وليد العرفي

..........................

[1] ــ علي البطل: (1981) م الصورة في الشعر العربي حتى أواخر القرن الثاني الهجري دراسة في أصولها وتطورها ط2، دار الأندلس، بيروت، ص 30.

[2] ــ عبد الحميد هيمة (2003) م الصورة الفنية في الخطاب الجزائري، دار اتحاد الكتاب الجزائريين، الجزائر، ط1،  ص 56.

[3] ــ العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده: (1996) م، ابن رشيق القيرواني (أبو علي الحسن ) قدم له وشرحه وفهرسه صلاح الدين الهواري وهدى عودة، ط1، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1996 م،  ص 455.

[4] ــ البيان فن الصورة: (1993) م: مصطفى الصاوي الجويني، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، ص 33 .

[5] ــ المكونات الشعرية وانسجامها في قصائد ثائر زين الدين مجموعة كتاب، ص 27 .

[6]ــ د. ثائر زين الدين: (1996 ) م، أناشيد السفر المنسي، وزارة الثقافة، دمشق، ط 1، قصيدة الثلاثون، ص 35 ــ 65.

[7] ــ لسان العرب مادة ع و ر

[8] ــ أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني( ت479 ) ه: (1978) م، أسرار البلاغة: تصحيح: السيد محمد رشيد رضا، عن نسخة الشيخ: محمد عبده، دار المعرفة، بيروت، أسرار البلاغة، ص 41.

[9] ــ جابر عصفور (9983) م  الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب :  دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت،  ط2، ص 84 .

 

عامر موسى الشيخيستدعي فهم ومعرفة الذات الانسانية أولا التعرّف على الآخر، ومن ثم تفاعل الذات مع هذا الآخر في الوجود، " فالآخرون هم أساساً، الأهم فينا، كي نتعرف على ذاتنا " كما يقول جان بول سارتر، وهو ما يمثل إحدى ضرورات الوجود، وفهم الانسان لذاته – نفسه -، وأيضا  معرفة الآخر لطبيعة هذه الذات المتجسدة في شكل وهيأة وطباع، للشريك الوجودي في الحياة .

تأتي الذات بعد (الأنا)، لأن (الأنا) موجودة منذ لحظة الولادة إن كانت واعية أو غير واعية، أما معرفة الذات ونمو وعيها فسيكون لاحقا عليها وتدريجيا وصولا إلى لحظات اكتشاف العالم عبر الزيادة بالمعارف، وتحسس الوجود، حينها سيكون هنالك لقاءٌ تعارفيٌّ بين الذات والأنا داخل النفس البشرية، لتكون الأنا الحلقة الرابطة بين الذات الداخلية والآخر الخارجي، وسبيلها لمعرفة المحيط والوجود .

يقودونا التصور السابق إلى مسألة شبه معقدة في الحديث عن الذات لدى الانسان الشاعر، وهي التمييز بين الذات الانسانية الكيان الموجود، والذات الشاعرة داخل تكوين هذا الانسان . لعل هذا التمييز يمكن فصله عبر عزل الكيان الانساني للشاعر عن نصه، فالذات الشاعرة يمكن معرفتها عن طريق تلقي النص ومعرفة عوالمه، فهي كامنة في فضاء النص الشعري ومحلقة مع الذوات الأخرى عبر الكلمات وكشف معانيها، ويأتي هذا عبر (الأنا) الواعية المدركة التي كتبت عوالم الذات شعرا، لتشكل منبعا صافيا من عمق (الذات) مرورا بخبرات (الأنا) وصولا إلى الآخر وهو المتلقي الذي سينتج معنى يحاول تأويل معاني الذات الشاعرة ..

تميز الشعر العربي، بأنه شعر نابع من الذات إلى الآخر، لكنه في الوقت نفسه يمثل صدى لأصوات هذا الآخر – الآخرين-، إذ أن أغلب الشعر العربي، هو تمثلات الآخر في النص، أي انه يأتي من خارج عوالم الشاعر، ومن ثم يقوم الشاعر بإعادة هذه التصورات شعرا، وهو ما يمثل حوارا مستمرا بين الشاعر والآخر المتلقي الباحث عن رغباته في النص، فالذات هنا تكون منتجة والآخر مستهلكاً ويأخذ منها ما يحقق له ذاته ويمنحه لذّة نصية على حد تعبير رولان بارت .

1622 ثوب من ماءثمة تجارب شعرية، تميزت عن غيرها، في عملية البوح الشعري، وتغاير التصور السابق، فيكون النص الشعري لديها هو صوت ذات الشاعر، ويكون النص فيها منطلقاً من الداخل إلى الخارج، وحاولت هذه التجارب تحويل منظومة سير العملية الإبداعية وتغيير طريقها، ليكون طريق البوح محصورا بين الذات و الأنا، فيما سيكون المتلقي هو المحطة الأخيرة الذي بدوره سيقوم بفعل فك شيفرة الحوار، لينطلق في تحليق خاص مع المعنى .

تمكنت هذه التجارب من تحديد مسار الخطاب الشعري بين الذات و المخاطب ومن ثم تأتي (الأنا) العارفة المدركة هامشية صغيرة منزوية، وتكون الذات هي الرقيب والحاكم والسجان (للأنا) بل تتحول الذات إلى جلاد للأنا ..

 يمكن تلمس التصورات السابقة في تجارب شعرية عديدة، ومنها تجربة الشاعر العراقي يحيى السماوي، لاسيما في دواوينه الأخيرة الصادرة بين 2010 و 2020، يجد المتلقي أن الشاعر السماوي، ونتجية للعزلة القسرية في المنفى الاختياري في استراليا، حيث يقيم، يقدم لنا كشفا ذاتيا عن سيرة عذاباته الشخصية فضلا عن مراقبته لتعاظم الخيبات في بلاده من هناك، إذ أتت نصوصه بصيغ تحاور ذاته وأناه ضمن دائرة بوح شبه مغلقة بينهما، لكنها متاحة ومفتوحة شعراً .

ننتخب لهذا المفهوم ديوان السماوي " ثوب من الماء لجسد من الجمر " الصادر في دمشق عن دار تموز (2016) ونجد أنه قد صاغ حوارات نفسية داخلية صريحة وتكشف اعترافات ذاتية، لا تمثل سيرته الشخصية، بل سيرة ذاته المضطربة واناه التي تحاول اللحاق بذاته، ويتضح هذا عند أول قصيدة من قصائد هذا الديوان ومن عنوانها الذي يمثل حوارا وتحذيرا وإعلانا ذاتياً تشهره الذات أمام الأنا، والعنوان كما هو :  " أخاف عليَّ مني "

فهذه صياغة ذاتية تكشف اعترافا يكاد يكون مُنهيا لصراع داخلي استمر طويلا، ذلك لأن الذات الشاعرة أقرّت بأنه يخاف من أناه، ونجد أن الشاعر قد باح لنا عن هذه الذات الخائفة من أناه، ذاته الحالمة التواقة لتغيير فجيعة العالم، وعبور الممنوعات والحدود الوضعية المفروضة على حرية الانسان، لكن أناه عادت للوقوف أمام ذاته واتخذت موقف الناصح و المعلم والموجه، وأخذت مساحة الوقوف بين (أخاف ...و... مني)، وتأخذه مع ندمه الذي يقرّه إلى مكان محايد وهو البحر وكأن البحر صار حائط اعتراف، وساحله قاعة محكمة كبيرة، ليكون البحر هو القاضي مستمعا  للبوح الذي يصرح به في البيت الأول من القصيدة : " ندمي مرير يا صديقي البحر

جئتك مستجيرا

حاملا كفني وكافوري

فكن

تابوت أسراري

وكاهنيَ الشهيد على اعترافاتي

فقد ثقلت ذنوبي " .

بعد احتدام الصراع بين الذات والأنا كما كشف العنوان، تم التفاهم والاهتداء إلى عقد هدنة مؤقتة بين الأطراف المتصارعة داخل عوالم الشاعر، ليكون البحر هو الشاهد على تاريخ الذات وأيضا على الاعترافات والصراعات والاضطرابات التي عاشتها ذات الشاعر، ولم يختر له في لحظة الاعتراف رفيقا آخر، فهو لا يحتاج إلى ذلك، لأن رفاق الاعتراف الذاتي يسدون الحاجة،، ليستقيم مشهد الإعتراف على أربعة أطراف - أربعة رفاق -، وهي شخص الشاعر ومن ثم ذاته و أناه ورفيقهم الجديد البحر .. وبعدها تنطلق عملية الاعتراف الذاتي امام تهميش الانا، ويكون الإعتراف منطلقا من الذات صافيا إلى المخاطب وهو البحر مع اشارات بسيطة للأنا يكشفها الخطاب الشعري، كما في المقطع الآتي من نفس القصيدة

" فأنا عدويّ يا صديقي البحر

بعت غدي بأمسي

واشتريت حديقة النائي البعيد

بجنة البستان والحقل القريبِ "

 هنا اقرار تام واعتراف صريح بقساوة الأنا على الذات " فأنا عدويّ" يقولها صراحة في حضرة الصديق الجديد القاضي الكبير البحر، ومن ثم تتوالى الاعترافات والخسارات والخيبات عبر بيع الغد بالأمس ومن ثم الاعتراف الكبير بخسارته الذاتية لبلده المتمثل بالبستان والحقل القريب من ذاته، وأبدلته أناه بحديقة النائي البعيد وهو المنفى، إلا أن ذلك كله حدث قسرا عبر مسيرة الشاعر التي حفلت بتعدد الهجرات والتنقلات والمطاردات ..

إلى أن تفصح الذات عن شبه قرار أخير، أو رغبة دفينة في نهاية مسيرة العذابات عبر صلب الشاعر لنفسه ، لكنه قرار محكوم بالمراجعات والتفكير الذاتي، الذاتي فقط من دون اعطاء مساحة لأناه بأن تفكر، كما يقول

" لو كان في صلبي خلاصي

ما خشيت

من الصليبِ

 

حاولت أنصحها

فقلت كفاك يا نفسي

من العسف الذي لا قيت

والخلِّ المريبِ " .

هذا كشف جديد لحوار قديم جرى بين الذات والأنا في نهيها عن الاستمرار في النزق والمغامرة من أجل تحقيق أشياء لا تتحقق في هذا العالم المرعب ويضيف خيبة أخرى غير التعسف، في أن الخل القديم كان مريبا ومخيبا للآمال، فلابد من نهاية لهذه العذابات المريرة، لوكان الصلب ينفع، لصلب نفسه، إلا أن الصلب غير نافع بالمرّة ..

يستمر الحوار بمكاشفات جديدة واعترافات أكثر صراحة من التي قبلها، فها هو الشاعر، يكرر خيبة ذاته من قبل أناه التي لم تستقر أبدا من الاضطرابات

" لكن نفسي لم تطع قولي

فصرت ضحيةً

لعناد نفسي والحبيبِ " .

إن سلمنا القول بأن البحر صار محكمة وقاضيا في الوقت نفسه، فإن الشاعر هنا يقرّ بتهمة أناه على ذاته بأنه كان ضحيتها وضحية الحبيب غير المبال لنقاوة وبراءة ذات الشاعر التي تورطت وصارت حبيسة الأنا والحبيب ..

يمكن للمتلقي أن يجد في هذه القصيدة استمرارية الاعتراف وتدفقها المستمر في مشهد متكامل قوامه الحوار المنبعث والذي هدفه تبرئة الذات من نزق الأنا، مثلا

" وأقول لي

الذنب ذنبك

كنت تعرف أنه

عصر الخطيئة والذنوبِ "

وفي موضع آخر يستعيد اجابة سابقة صدرت من أناه لذاته، إذ تقول :

" فتجيبني نفسي " ونجد أيضا " سأقيم مأدبتي على شرف اندحاري في حروبي "، وأيضا نجد " حرّضْتَني ضديّ .. فكنت ضَحِيَّتي "

وفي قصيدة آخرى من قصائد هذا الديوان، يتغير شكل الاعتراف، لكنه بقى ضمن دائرة الذات والأنا، لكن المخاطب هنا واضح عيني، ويقدم له القول مباشرا من الذات، مع تحذيرات المخاطب من أنا الشاعر، وهذا ما يكشفه العنوان " خبّئيكِ عني " يمثل هذا التركيب اعترافا صريحا صادرا من الذات إلى المخاطب مباشرة ؛ مع اعتراف ضمني من أن الشاعر لا يستطيع التصبر على أناه، التي أضمرها في التركيب، لكنه أشار لها في معنى التحذير عبر دعوة المخاطب إلى الاختباء عن أناه ..

وهكذا في قصائد أخرى ضمن هذا الديوان نجد أن مفهوم الذاتية وحواراتها الداخلية في تهميش الأنا جلي وواضح عبر عنوانات القصائد مثل " حديقة الجنون " و " كل ذنبي أنني دون ذنوب " و " تطهر " و " إن بعض الصدق إثم " وقصائد أخرى .. إلى أن يختم الشاعر هذا الديوان بقصيدة تريد نهاية لهذه الصراعات، وإن كانت نهاية مؤقتة، لكنها تبدو ختاما لعوالم ديوان " ثوب من الماء لجسد من الجمر " إذ تأتي القصيدة الختامية بطلب لحالة انسانية جسدية بيولوجية تريد إراحة هذا الجسد من احتدام صراع الذات والنفس والأنا وتراكم الخيبات، قصيدة أتت بعنوان طلبي يرجوه الشاعر ويطلبه من كل الاطراف المتصارعة، وأيضا هو طلب من الصديق الجديد و القاضي الأول الذي نصبه الشاعر لمحاكمة قضاياه الداخلية الكبرى وهو البحر، تأتي القصيدة الأخيرة والتي عنوانها " أريد أن أنام " خاتمة مسك ولكن مؤقتة، لأن النوم محكوم بالصحو المجدد، والعودة إلى الصراعات من جديد، لكن لابأس بطلب النوم الجسدي الذي سيعطل ولو بشكل مؤقت تراكم الصراعات والعذابات في محاولة للانتقال إلى عالم الاحلام لعله يجد مستقرا في الحلم يعزله عن فجائعية الوجود، وهذا ما أكده البيت الأخير من القصيدة، وهو خاتمة الديوان

" عسى أراني بشرا

في

جنة الأحلام " .

قد لا تكفي هذه اللمحة بالإحاطة التامة بهذا الديوان الغزير بالمفاهيم المغايرة، والتصورات الشعرية، إذ أن تجارب السماوي الأخيرة قد قدمت نفسها بمضامين جديدة تنبع من الداخل إلى الخارج في صياغات فهي من حيث المعنى حداثوية بامتياز، إلا أنها تمسكت بقوانين الشعر العربي من حيث الموسيقى والوزن والقافية، وهذا ما يحسب للسماوي، في أنه يعد في مصاف الشعراء العرب المعاصرين المجددين .

 

بقلم: عامر موسى الشيخ

 

عبد الستار نورعليكرّمتني (أ. د. بشرى البستاني) أستاذة الأدب والنقد الأدبي / كلية الآداب / جامعة الموصل بدراسة قيمة عن قصيدتي (الرواية الأولى) التي كتبتها عام 1971 ، والتي نشرتْ في حينها على صفحات مجلة (الثقافة) العراقية، وذلك تعليقاً (دراسة أكاديمية) عليها يوم نشرتُها في صحيفة (المثقف). فلها الشكر والعرفان والتقدير.

نصّ الدراسة:

سأتوقف ـ فقط ـ عند عنوان هذا النصّ الباذخ ـ (الرواية الأولى) ـ الذي يشكل جملةً اسميةً تتكوّن من مبتدأ وصفة، أما الخبر فهو النصّ، وبذلك تكون العلاقة بين العنوان والنصّ علاقة عضوية، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. فالنصُّ هو الذي سيحدِّد لنا كُنْهَ الرواية الأولى للشاعر، وبذلك (يكون للمبتدأ كينونة ووجود). أو إنّ العنوان ـ (الرواية الأولى)ـ خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه هي الرواية الأولى) . والحذف يضفي جمالاً على النصّ ويجذب انتباه المتلقي ويحثه للكشف عنه .

اما الصفة هنا فوظيفتها إزالة الإبهام عن العنوان والإيحاء بوجود روايات أخرى بعد الرواية الأولى.

هذا بالنسبة للبنية التركيبية للعنوان، فإذا جئنا للجانب الدلالي فسنجد أنّ الرواية لها مدلولان:

حسّي، ومجازي وأدبي.

فالمدلول الحسّي ينحصر بما يتصل بالماء من إناء يحمل فيه كالمزادة، ومن حيوان يُحمَل عليه كالبعير، ومن انسان يحمله مُستقياً او مُتعهِداً دابةَ السقاية. ومن مجاز هذا الحمل حملُ الديّات كقولهم (بنو فلان روايا الحمالات). ومن مجاز الحمل ايضاً حمل الأشعار، والأحاديث الشريفة، والقصص وروايتها.

وأرى هنا أنَّ من مجاز هذا الحمل أيضاً: هو حمل هموم الإنسان ومشاكله الوجودية، والتعبير عنها شعراً، ونصّاً إبداعياً كهذا النصّ لشاعرنا.  فالنصّ يروي مشكلة البحث عن الحقيقة. إنه يثير أسئلة كثيرة عن مشكلة الخَلْق الأولى التي أخرجت (آدم عليه السلام) من الجنة، فضلاً عن مشكلة الحياة والموت، والعدالة والظلم.

وأول مشكلة يعرضها لنا: هي مشكلة (الحبّ) الذي يُعدُّ اساسَ بناء الإنسان، ومن ثم المجتمع. لكنَّ الحبَّ هنا في أزمة، فللحبّ هاجرة، ورسوم العشق في صحراء ترابية، وهو يصطاد ريحاً بشِباك اشواقه بكلّ ما في الريح من دلالات العذاب والموت والشقاء. هكذا يروي لنا الشاعر عن الحبّ في شعرية مدهشة من خلال الاستعارات التي تفيض بالجمال والعذاب حتى نستطيع أنْ نقول أنَّ (الشعر هو استعارة كبرى).

فالحبّ في روايته ليس الحبّ الذي يتمنى، فهو عنده (رقيٌّ) وصعودٌ الى الأعلى حيث النور والعدل اللذان يُطفَئان في طريق البشرية، وفي كل زمان ومكان، فيُرمى النقاء (الأمل _ الأمنية) على رصيف الحياة رغبة مشاعة للدهس لكل عابر سبيل يحمل سوء الطوية ليُراق دمه  (النقاء).

وإذا كانت الرواية الأولى تحمل كل هذه المعاناة والشاعر في أوج شبابه (كتب القصيدة عام 1971)، والوطن ايضاً لايقلُّ عنه قوةً، فكيف ستكون الرواية الثانية بعد مرور هذه السنوات الطويلة وفي ظلِّ ظروفنا الحالية؟؟

أقول : لعلنا لسنا بحاجة الى رواية ثانية، فـ(الرواية الأولى)، بإسميتها ودلالتها على الثبوت، والتعالي على الزمن ـ عبّرتْ عن قحل الأيام ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، ولا فائدة من رواية المزيد إذ إنّنا لا نجد في زمننا هذا إلا الجفاف، وعدم الارتواء والانطفاء:

آه ياقصصَ الحناجر في التهامِ العشق،

هذا ابنُ المزامير صدى الواحات لم يروه نبعٌ

جفَّ في حلقه نبتُ العشقِ

وانطفأتْ شموسُ الرغبة الأولى

 

ولكنْ: هل الذاتُ الشاعرة تستسلم لليأس ..؟

أقول: لا.

فالعنوان بمعناه الحسّي الذي يتصلُ بالماء، وحامله بكلّ ما في الماء من رموز الحياة والنماء والخصوبة، سيلقي ظلاله على النصّ ومبدعه ويجرُّهما الى برّ الأمان ولو بعد حين .

الكلام يطول حول التعبير عن جمال هذا النصّ بلغته وايقاعه وصوره وطقوسِ روايته لآلام الإنسان، وعذاباته في كلّ زمان ومكان.

أ‌.       د. بشرى البستاني

صحيفة (المثقف) العدد 4347 الاثنين 30.7.2018 :

http://www.almothaqaf.com/b/c1d/929641

……………………

* من دواعي فخري واعتزازي حرص أستاذتنا الفاضلة على حضور مناقشة رسالة الماجستير للباحث "سرهد حسن نجم" بعنوان (بنية العنوان في قصائد عبد الستار نورعلي ـ دراسة سيميائية) التي قدمها الى جامعة صلاح الدين/ أربيل/كلية اللغات/ قسم اللغة العربية عام 2017 ، ومشاركتها في المناقشة ودعوتها الباحثين للأهتمام بدراسة شعري.

(عبد الستار)

نصُّ القصيدة:

الرواية الأولى:

وفي صمتٍ طويتُ البحرَ في عيني

وفي صمتٍ حملْتُ البيدَ في قلبي سرايا

نحو هاجرة الهوى ، رُحتُ أصلّي 

أرفعُ الراياتِ للعباس ، أستجلي

رسومَ العشقِ في صحراء أغنيةٍ ترابيهْ ،

رميتُ شِباكَ شوقي اصطدْتُ ريحاً

صرتُ أحصدُها ، مررْتُ أناملي فيها

تقصّيْتُ الحقيقةَ عنْ رؤىً في عِرقِ أمنيةٍ سرابيهْ ،

 

وتلكَ روايةٌ حمراءُ تروي قصةَ الماضين في رَهَبِ ،

صحارى تحملُ الواحاتِ انجيلاً من السَغَبِ ،

 

أتلك روايتي ؟

قالوا : نعم !

ولكنْ تلكمُ الراياتُ سودٌ ، والرماحُ لظىً ،

وخيلُ الشوقِ قد هُدّتْ أعنتُها ،

 

فهامَ الفارسُ الغافي على صوتِ الشجا يروي ملاحمَهُ

ويحكي قصةَ الانسانِ في حبِّ المرايا

يرتمي في نبضها يغفو على هزِّ الأراجيحِ

فتاهَ وما خيولُ الشوقِ عادتْ منْ حصارِ البيدِ ماعادتْ ،

 

يتصلّبُ الهواءُ على وقع سنابكِ الفارسِ المرميِّ في أحضانِ العشقِ المراقِ دمُهُ ، ينامُ على فراشِ الثعالبِ تحملُ أوزارَ الشوكِ النابتِ في قلبِ أمنيةٍ تلوحُ على راحةِ الليالي وتختفي في  أزقةِ النهارِ الجائع للمصابيح ،

أينَ دمُهُ ؟

الترابُ يمتصُّ الدمَ قانياً

يروي عطشَ الديدانِ في زوايا ممالك النملِ والعقارب،

 

وتلكَ روايةٌ عمياءُ عن حبٍّ يلوحُ على حبالِ مشانق الرغبةْ،

يموتُ الرسمُ فوق جدار حلمٍ راقصٍ في ساحةِ النشوةْ،

يذوبُ الصوتُ في وهجِ التراتيلِ

تلوحُ الرايةُ الخضراءُ في صمتِ المواويلِ

وتسقطُ في الهزيمةِ خنجراً يُدمي رواياتِ الأناجيلِ

عن الحبِّ، عن الصفعِ، عن الصفحِ،

عن الانسانِ في لغةِ السماحاتِ،

تموتُ دلالةُ الرؤيا، وترتفعُ التراتيلُ الصديديةْ

تنزُّ هوىً بطياتِ الحكايات الطفوليةْ

 عن العشاقِ هاموا في سماء الوجدِ مارجعوا صواباً

غيرَ أنَّ دماءَهم زُفّتْ عرائسَ في حشودِ الموجةِ الكبرى

إلى أرض المواعيدِ

فغابوا في حسابِ الخدعةِ العظمى، وغنوا جوقةً،

عادوا هياكلَ ترتوي طينا،

وتشربُ من كؤوس الخدعةِ الأولى،

 

ايا آدمْ،

سليلَ الطينِ، يأكلُ نسلُكَ الطينا،

أيا آدمْ،

لقد ضيَّعتْ فينا كلَّ أسرار الرسالاتِ

وأشبعتْ السلالاتِ

بكلِّ الحبِّ والتوقِ إلى دنيا المراراتِ،

أيا سُحُباً، ومدَّتْ ظلَّها الأجوفَ

في عينيكَ ياحبّي ويا سهري،

هذاكَ الخِصبُ في جسدِ العرايا ضلَّ صاحبُهُ

وجفَّ الغيثُ في قارورة اللهبِ،

 

وتلكَ روايةٌ هزّتْ أسانيدَ الأحاديثِ

 

وتلكَ روايتي!

قالوا : صدقْتَ.

 

غاب الصوتُ في الحلم الذائب في رجع الصدى القادم من بين السطور ، فأكل آدمُ التفاحةَ راضياً مرضيّاً ليضيع في متاهات المرئيِّ

 

منحتُ الفارسَ الغافي تعاويذي

أدارَ يديهِ في قُفلي فما فتحَتْ

فصارَ يطوفُ في شُهُبٍ على روحي

وألقى الرحلَ في لغةِ المراراتِ

وفي حِممِ الخطيئةِ راحَ لونُ الشمسِ منطفئاً،

فيا حواءُ، هذا ابنُكِ قد شُلّتْ بقاياهُ،

تعوّدْتِ الخطيئةَ في انطلاق النارِ منْ حَلْقِ الأباطيلِ

ومنْ وترِ الأضاليلِ،

رميتِ ابنكِ في الشارعِ ظلاً للخفايا

رُحْتِ تلتهمين فاكهةَ الخطايا

تحملينَ أجنّةَ الشيطانِ في الحشرِ

وتلتقطينَ نجمَ العشقِ تسليةً وتحتلمين بالبدرِ،

فلا كانتْ رياحُ العشقِ، لا كانتْ، ولا بقيتْ،

فمنذُ تآكلتْ روحُ البريّةِ منْ تماديها

فقد حالَ الرحيقُ العذبُ مُرّاً

تاهَ عزفُ النور في وترِ الأقاصيصِ ،

وهذا اسمُ الطريقِ تغرُّبٌ، صمتٌ على الأجيالِ يهبطُ ينشرُ الغفوةْ،

وهذا اسمُكَ، يا آدمُ، صنوُ القمةِ الشوهاءِ

في جبلِ الطحالبِ، في غروبِ الأمسِ واليومِ ونيرانِ الغدِ،

وهذا اسمُ الخطيئةِ في انحدار السفحِ نحو قرارةِ الوادي المشاعِ

لكلِّ ذي عينٍ تمجُّ اللونَ في خضرةِ أثمارِ

وتنفرُ من بذارِ السعدِ في رَحَمِ المسراتِ

 وفي سِفرِ الرسالاتِ،

 

أيا صوتَ الرغائبِ،

تلكَ ملحمةٌ تئنُّ على صراطِ القلبِ تروي ظلَّنا صمتاً

يداعبُ سمعَنا المشحونَ بالنومِ،

 

صُلِبَ الوجهُ على وجهِ الرصيفِ ومرّتِ العرباتُ وقرعُ الأقدامِ فوقه ... تصبّبَ  العرَقُ  في شعابِ العينين ... فشربتِ الشفتانِ كأسَ الملحِ ... تصلّبتا على شفيرِ الكأسِ ... سقطتا في مزالقِ التمنّي .....

 

أيا وجهاً رواهُ الحزنُ،

طافَ على ملامحهِ اصطخابُ الدهرِ بالأحلامِ والنشوةْ

رحلْتَ على عيونِ الآخرينَ شربتَ

منْ كأس المرارةِ رحلةَ الغصةْ

وعُدْتَ على بساطِ الجوعِ والعطشِ

تحمّلْتَ الشرائعَ فوق كاهلكَ

أخذتَ تهزُّ نشواناً على انشادِ سُمّار السلاطينِ

رجعْتَ مُسمَّرَ العينينِ والشفتينِ والأذنِ

وقد مسخوكَ أغنيةً ومرثيةْ

فتاه الصوتُ في الشفةِ الرماديةْ

وتاهَ عويلُ حزنكَ بين ضحْكاتِ الأباطيلِ،

أيا وجهاً رواهُ دمي ونزَّ عليهِ صوتي واقتحاماتي

وروّيْتُ الجفافَ على بقاعكَ خضرةً، خِصبا

ودُرْتُ على ميادينِ المغافلِ رؤيةَ الغاوي

وعشْتُ مع المغانم صورةً خرساءَ

لا لونٌ ولا أُطُرُ

فديسَتْ رحلةُ الأيامِ في حربِ المسافاتِ

وغابتْ طرقُ اللهفةِ في سيلِ الأحابيلِ

فقالوا، ثم زادوا :

آهِ يا قصصَ الحناجرِ في التهامِ العشقِ،

هذا ابنُ المزاميرِ صدى الواحاتِ لم يروِهِ نبعٌ

جفَّ في حلقهِ نبتُ العشقِ ،

وانطفأتْ شموسُ الرغبةِ الأولى ...

***

 

يحصل التقاطع والتداخل في النص الروائي، في صفحة مائة واثنين من رواية " اكتشاف الشهوة " للروائية الجزائرية فضيلة الفاروق، من حيث التقاطع في الازمنة والتداخل في السرد، فالنص يشتغل في مكانين مختلفين تماماً داخل الرواية، فالواقع الافتراضي الموجود في الاوراق يكون خارج واقع النص الروائي العام، لأن الافتراضي يعتمد اعتماداً كلياً على التخييل المنطلق من الهذيانات التي تكون خارج اســوار العقل وخارج متاريــس المنطق، وذلك عندما كانت بطلة الرواية باني بسـطانجي في مستشـفى قـسنطينة الجامعي في قـسـم الأمراض النفسـية، فـي غـيبوبة لمـدة ثلاث سـنوات، منقطعة عن العالم المحيط بها وعن ذاتها المتمثل في جسـدها، فالاوراق المسرود فيها، كانت نتيجة الهذيانات، ونتيجة عدم تواصل وعيها بذاتها وبالعالم، اي أن الـشخص المصاب بهذة الحالة يكون فاقداَ الاحساس بواقعه وبذاته، لاســباب قد تكون سوسيو- فكرية وثقافية، ولا يعتبر ميشيل فوكو هكذا شخص مريضاً، بل صاحب قضية انسانية يحاول نشرها، وليس هذا فحسب بل يكرس نفسه لفضح مواطن الخلل وتعرية اسـبابها في المجتمع،كما في خماسـية عبدالرحمن منيف " مـدن الملح "، وبالذات جزء التيه،الذي يخص متعب الهذال،الشخصية الروائية المركزية المختلة ذهنياً، التي تثور على سلطة المؤسسة القبلية الحاكمة وعلى الاحتلال الاجنبي المتواطيء مع المؤسسة القمعية في احتلال مدينته وادي العيون.

لقد تمكنت الروائية أن تحتوي التخييل وتقدمه وكأنه حقيقي،من خلال القدرة على التداخل ما بين عالم السرد الواقعي للنص الروائي وعالم السرد التخييلي للهذيانات / الاوراق،وأن هذا التنقل والتبادل بين العالمين،هو بؤرة التخييل،والاستراتيجية التواصلية، التي تستخدمها الروائية،لكي تصل- اي القدرة - الى القاريء،لانشأ تواصلاً مباشراً معه، هذا يحصل لأن التخيَل متداخل مع الفعل الانساني في جوهره وعمقه، بفضل احتفاظ الانسان بـ هويته ووجوده في الذاكرة التاريخية – السوسيولوجية .

ويعثر القاريء على الاختلاف الذي يصل الى حد التناقض مابين السرد في الاوراق وبين السرد في النص العام، في هذه الحالة يكون مسرود الاوراق تابعاً للسرد الروائي، وملحقاً به، ولكنه منفصلاً عنه، لان جميع شخصيات الاوراق لم تلتق معها نهائياً في حياتها الاعتيادية،بل لم تزر مدينة باريس بتاتاً المكان الذي تجري الاحداث فيه، وعندما تبدأ باني بالتساؤل بعد خروجها من الغيبوبة، ياتي الرد من قبل طبيبها خالد سليم،رداً ميتافيزيقياً، فانتازياً،لامعقول:

- هناك شيء في حكايتك يفوق الطبيعة، وأنا لم أتوصل اليه، سفرك اثناء غيبوبتك، تواصلك مع الأموات، الحياة الأخرى التي عشتها، كل شيء أصدقُه منك، لكني لاأجد تفسيراً لما حدث ص 109 الرواية .

اما بالنسبة لزمن الاوراق، فيكون زمناً مفتوحاً، غير خاضعاُ للتقسيم الثلاثي من حيث الماضي – الحاضر – المستقبل، بعكس زمن النص المغلق المحكوم بالتقسيمات الثلاثية .

وتعتبر باني بسطانجي بطل اشكالي، لانها تبحث عن قيم انسانية في عالم يعمل بقسوة مخيفة من اجل خنقها، او اغتيالها،او تشويها،لذا قامت الساردة / الروائية بالتمرد على الواقع المتواجدة فيه لاجل إعادة صياغته ولو بطريقة خيالية، بل شـمل تمرد باني كل أشـكال سـلطة المؤسسة: سلطة الزوج/ مؤسسة الأسرة،سلطة التشريع / مؤسسة الفقه، سلطة الأخر/مؤسسة المجتمع، سلطة الفكر/ مؤسسة الثقافة، بالاضافة الى ذلك قامت فضيلة الفاروق بتسليط الضوء على مجموع العلاقات التي بنتها باني في سردها لردم الفجوة بين الثنائيات:عقل/هذيانات،حقيقة /خيال، أنا/جسد، ففي هذه الثنائيات نسج تخييل النص .

تقول الناقدة فريال جبَوري غزَول في دراستها النقدية الموسومة " تجليات الجنس في الرواية العربية ": متى وكيف ولماذا أصبح الجنس تابو في الخطاب الأدبي عندنا بعد أن كان موضوعاً مباحاً في التراث العربي الاسلامي بدءاً من امرىء القيس ومروراً بأبي نؤاس والجاحظ وألف ليلة وليلة ؟ فهل هذا التابو أمر مسـتورد، أم كما يزعم الرقيب في عناد مغالط " ليس من ثوابتنا القومية وليس من تراثنا " وهل هذا التابو مرتبط بصعود الطبقة الوسـطى أم هو الوجه الاجتماعي للقمع السياسـي الذي نعاني منه )) 1، تساؤلات مشروعة، وبالاخص عندما تبدر من المرأة،لأن الجنس مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأبعاد:السوسيولوجية- السياسية- النفسية – التاريخية – الجسدية،المتحددة بالأطر الثقافية، وليس ذلك فحسب " بل أن التراث كانت له انتهاكات كبرى في مجال الجنسانية مثل الاستحواذ على مصادر الجنس واحتكارها من قبل الخلفاء والوزراء والولاة والقضاة، في حين كانت الجماهير تعيش بؤساً وحرماناً جنسيين، وتخضع لمراقبة ومعاقبة اذا قامت بسلوك جنسي يتناقض مع الأنظمة التي وضعتها السلطة، هذا الاختلال بحقل الجنسانية مكن خطاب الفقه من الخروج ببديل منهجي قائم على التحريم والتأثيم والتدنيس " 2، وذلك لالتقاء مصالحه – اي الخطاب الفقهي – مع الحاكم او الطبقة الحاكمة اوالمرجعية الدينية .

ونقرأ لـ فضيلة الفاروق في صحيفة السياسة بتاريخ 14/5 /2012،في مقابلة اجرتها سجا العبدلي ببيروت معها ما يلي: هناك حيلة نفعت على مدى قرون لجعل هذه المرأة تصبح شريكة في التخلي عن حقوقها حين يواجهها المجتمع بعبارة " هذا شرع الله ومخالفة الشرع كفر" . كل القوانين الجائرة تنسب للشرع، ولأن عندنا في مجتمعنا مناقشة الشرع (قد) تلحق بالمناقش أذىً كبيراً يصل الى حد التكفير والقتل، فأن المرأة تفضل ظلماً على ظلم، وهذا الفعل ينشيء ثقافة ذكورية تعمل على طمس والغاء حقيقة كون المرأة كائن انساني وأجتماعي،وفقدان التواصل بين المرأة والرجل، هذا ليس سببه الاختلاف البيولوجي، انما بسبب الالتباس الابستمولوجي المتمركز في الايديولوجية المركزية القضيبية، المنبثقة عن ايديولوجية تبريرية تستند الى وهم ميتافيزيقي كما يقول تيري ايجلتون .

أن فعل الاغتصاب هو محور الرواية،اغتصاب الزوج لزوجته،وشعورها بالاضطهاد والمهانة والذل، وبكراهية جسدها، وان لا قيمة له، نتيجة زواج قسري، مدعوم بمباركة الاهل، وعقد من ورق، عبارة عن صك لعبوديتها له، ليشمل ذلك ايضاً اغتصاب الروح وتلويثها: - وفي اليوم السابع جُنَ جنونه،حاصرني في المطبخ،ومزَق ثيابي،ثم طرحني أرضاً واخترقني بعضوه . لم يحاول أن يواجهني،لم يحاول أن يفهم شيئاً من لغة جسدي،أنهى العملية في دقائق ورمى بدم عذريتي مع ورق " الكلينكس " في الزبالة ص 8 الرواية .

هنا تتكشـف انوثة في جسـد مازال رهينة للقهر والعنف والاسـتلاب، من قبل زوج،يعود ثملاً يومياً، وقميصه ملطخ بحمرة نسائية، وثيابه الداخلية ملوثة بمنيه، ولكي يضاعف اغتصابه لها كان يقوم بمضاجعتها من دبرها (ص 12 – 52)، هذا كله يعيدها الى تعزيز رغبتها الاولى أن تصبح صبياً، ولكن باستحالة ذلك تتحول الى كائن لاأنثى ولاذكر، وتقع مابين الحلم والوهم: - كنتُ صبياً مشوهاً، يخلق عالمه الخاص في أزقة قسنطينة القديمة , تلك الأزقة الحجرية الضيَقة التي تفوح برائحة عقاقير العطارة , تلك الأزقة، أزقتي أنا، والتي كانت تشكل جزءاً من انطوائي ورفضي لمنطق الطبيعة ص 15 الرواية .

وهذا مما دفع بالبعض أن يقول بان فضيلة الفاروق " تركَز على الجسـد الأنثوي المشوه أوالمبهرج برغبات الذكورة .." 3، ويشبه عملية الاغتصاب بانها ليست " سوى محاولة اعداد وجبة طعام،بذوقية خاصة "، وبما انه قد تم الفعل في المطبخ، اذا يجب أن يتحول الجسـد الى وجبة طعام شهية، ويخلص الى القول بان بطلة فضيلة الفاروق ماهي الاعبارة عن " ديكور في الواجهة الشهرزادية "،كــ شهرزاد نفسها، و أولف كتاب " اكتشاف الشهوة " نتيجة غيضها من الذكر والمها من الأنثى وأن الفاروق قد فشلت في خطابها للذكر، عـندما ناشدته الى التغيير في الرؤية والموقف، ولكن هذا البعض لم يتطرق الى جوهر العلاقة، وماهي اسباب فشلها بينهما؟ عليه أن الرؤية لديهم لم تتجاوز حدود جسـد شهريار- هم - !

في رواية "زينب والعرش" لـ فتحي غانم الصادرة عام 1977، نعثر على مشاعر امرأة مغتصبة عند زينب الايوبي الشخصية المحورية، وهي نفس المشاعر التي تحملها باني بطلة " اكتشاف الشهوة "، تلتقي في الدلالات وتختلف في الفعل،فـ زينب امرأة مختونة، بمعنى انه قد قطع من جسـدها جزءاً، هذا القطع قد احدث تشوهً في نفسيتها،وعطلاً في الوظيفة الجنسية لديها، ومايعنينا هنا في دراستنا، أن الختان يتساوى مع الاغتصاب، وأن " المرأة المختونة امرأة مخصية " 4، ويصبح الاغتصاب اليومي لزينب الايوبي من قبل نور الدين بهنس موازاً للاستسلام المطلق، ثم ليتحول هذا الاستسلام (الانهزامية عند باني) الى مقاومة صامتة، مخنوقة، ولزيادة بشاعة الموقف، يضفي فتحي غانم صفات جسـدية واخلاقية مثيرة بقبحها على نور الدين فهو: ضخم الجثة،بدين،بطين نهم، بخيل، نتن، مقامر كبير، يقبل الرشوة، ويتمثل ذلك كله في ليلة زفافها التي تكون مشابهة ليوم ختانها:

" أخذها نور الدين الى حجرة دودو هانم التي اعدوها لليلة الدخلة، وهجم عليها وقد أرقدت على السرير،فأستسلمت له وهي تحدق في المصباح بسقف الغرفة وتذكرت العذاب الذي شعرت به وام اسماعيل تجري لها عملية الختان وظلت تحدق في السقف والمصباح، ونور الدين يجثم على صدرها ويعبث بجسدها ويلهث فوقها وقد خنقها بأنفاسه وهي تواجه هذا الكابوس بإحساس غامض بالشجاعة والكبرياء والاحتقار حتى همد نور الدين وانزاح عنها وهي مازالت تحدق في السقف، ولم تسمع مايقوله كانت عارية،ولايهمها أن تستر جسـدها – رواية زينب والعرش " وفي اسم نور الدين دلالة رمزية دينية اطلقت بقصدية وتعمد على هكذا شخص، فدناءة فعله وفكره يناقض رمزية اسمه،بل هو الظلام (= الموت) بالنسبة اليها .

وتنقلب حياة باني الرتيبة،المملة، مرة ثانية -فالاولى كانت يوم زواجها – في صباح يوم ماطر، حين هربت من مزاج زوجها السوداوي من اجل الهروب لاغير، وفي هذا الصباح تدرك معنى " أن نهرب من زوج وننطلق مع رجل آخر،معنى أن نقترب من بوابة الخيانة ونقرعه خلسة بقلب يعلن ثورة، ومعنى أن نكون في عالم رجل وندخل عالم رجل أخر ص 29 الرواية " وهذا الانقلاب يحدث بقبلة، قبلة منقوعة بماء المطر، المطر الشبق، المتواطىء مع شفاه إيس، المطر الذي يحولها الى لبوءة شبقة، وامرأة متبللة بماء إيس والمطر، القبلة التي تكتشف فيها الشهوة، فـقبلة إيس تحولها الى جمرة متقدة،ولكن رغم انها قبلة زلزال، تجعلنا نتساءل كما تساءلت باني / الساردة: - أمِنَ الممكن أن أُشفى منها، وهي التي جعلتني أكتشف الشهوة وأختار درب التجريب ص97 . وتصبح المغامرة رائدها، والمحاولة مرشدها، وخوض المجهول متعتها، والتجربة دربها، وبالتجربة يتكاثر العشاق، وتتكاثر القَبل لتكون لكل قبلة مذاقها الخاص لها، فقبلة شرف مطعمة بالتبغ والقهوة، وقبلة مود ميتة، أما قبلة إيس فهي مفتاح اكتشاف الشهوة .

أن الانغماس في الجنس احياناً قد يكون من اجل النسيان، ومن اجل معاقبة الجسـد،وذلك بتعهيره، ففي رواية " وليمة لاعشاب البحر " لـ حيدر حيدر5، نرى فلة العنابية تلجأ الى الجنس كوسيلة للنسيان،واحتجاج على الثورة الجزائرية لعـدم مكافأة خدماتها التي قـدمتها لجيـش التحريرالجزائري، ولقسوة ظروف الحياة والعـوز تلجأ الى المتاجرة بجسـدها، ورغم سـوء وضعها، فانها تسمح لمهيار الباهلي باسـتغلال جسـدها ونقودها، ورغم هذا كله فان لها طقوسها الحميمية في ممارستها للجنس ونظريتها الخاصة به فانها " بعد الليلة الاولى تطوقهم بخيوطها ثم تبدأ امتصاص دمهم بتأن اذ يهمدون تحت تاثير الطعنة الاولى للبظر الملتهب،ص 247 رواية وليمة لاعشاب البحر "، اما مهيار الباهلي الشيوعي العراقي المهزوم من منطقة الأهوار في جنوب العراق الى الجزائر، فانه قام باغراق نفسه في احضان فلة الشـبقة، يكون اكثر تطرفاً في النسيان واكثر قسـوة في معاقبة جسده عندما يقول: " اما وطني أنا فهذا البانسيون وهذا الجسـد،ص 249 " يقصد جسد فلة بوعناب، وهذة الحالة بذاتها تمر بها باني عندما تقوم بتعهير جسـدها، ولكن بالاضافة الى رفضها لوضعها الوجودي الذي تعيشه، ورفضها لجسـدها الذي تحمله، والاهم رفضها لـ زواجها الذي جعلها في وضع كهذا، حيث حول حياتها الى فوضى والى جحيم، لتصبح: " امرأة عصبية معطَلة الحواس، تتضايق من انوثتها المنتهكة، من منظرها في المرآة، من الخواتم، والاساور والاقراط، وأصابع الحمرة، وحمالات الصدر، ومن الصدر نفسه ومن الشق الذي أحمله بين فخذي ص 12 الرواية".

أن العلاقة التي بين النص والقاريء هو الجسـد الانساني للمرأة في رواية " اكتشاف الشهوة "، وهذة العلاقة تتكون أو تتشكل صيرورتها وتنبني عبر ’ فعل ’ القراءة، لأن السرد التخييلي الذي يدور حول تمظهرات واستيهامات جسـد باني لا يتحقق معناه الا بالقراءة، وهي عملية جدلية بين القاريء والنص،لذا لافهم بدون قراءة ولاتأويل بدون فهم، ولان " القراءة هي فهم ما قمنا بقراءته . هكذا تصبح القراءة بدورها تأويلاً لما تم التفكير فيه من قبل . فالقراءة اذاً، هي البنية الاساسية والمشتركة لكل تحققات المعنى " 6 كما يقول غادامير، فمن خلال بنية النص ذاتها يمكننا الوصول الى معرفة دور القاريء، بواسطة التحقق الذي يتم عبر القراءة والتأويل، باعتبار القراءة والتأويل هما التفعيل السيميائي لما يودَ النص التصريح به أو قوله، ضمن السياقات الثقافية كـ استراتيجية نصية، هذا الدور للقاريء الذي يقول عنه رولان بارت في كتابه س / ز فـي " جعل القاريء منتجاً للنص، وليس بَعدُ مسـتهلكا له " 7، أي اعطاءه دوراً اكثر فعالية لكي يشارك فعلاً في الابداع (= النص) ويساهم فيه .

بعد أن عرفنا أن المرجع الحقيقي للنص في اكتشاف الشهوة هو الجسـد، عليه سيكون هذا النص محكومأً بتاريخية الجسـد وتحولاته الوجودية، السوسيولوجية، الاقتصادية،السياسية، والاهم الرمزية، أما علاقة النص بالجسـد " فانها تكمن في البداية في ذلك التداخل اللساني والواقعي بين المتن والجسد، أي في العلاقة التكوينية التي ينسجها الجسد مع النص فيهبه كل معطياته الإدراكية تخييلياً ومتخيلاً . الجسـد اذا، موضوع النص ومنبع معطياته ومتلقيه في الآن نفسه . إنه يشد النص إلى مسألة الوجود، كي يصغي لها وينتجها تخييلياً " 8، لذا لايمكن فصل الجسد عن النص عند تناولنا لاي منهما، وتحت أي ظرف كان، فلقد أصبح الجسد = النص وبالعكس، واظهار النص كم كان خاضعاً للجسد بكل تمظهراته وانفتاحاته وانزياحاته، مع تبني النص لاشكاليات الجسد، ولكنه في الآن ذاته يبين لنا النص كم هو - أي الجسد - مقموع، ومظهد،ومسحوق،ومهمش، في داخل دائرة الذكورة البطرياركية الفقهية المتجذرة في العقلية الحاملة له، لذا فالنص هنا " مسكن تخييلي للجسد، فيه يتجسد ويحقق وجوده المتخيل " 9،ومن خلال معرفتنا باوجهه العلاقة التي بين النص والجسد،عندئذ يصبح بامكاننا معرفة كيف يصبح النص ايروتيكياً، وكيف تصبح الكتابة ايروتيكية .

ثم تاتي قبلة توفيق بسطانجي، لتكنس كل القبل التي قبلها،العائدة لمرحلة العماء الرمادي، انها قبلة تولد من الظلام وفيه، وذلك بعد عودتهما من الخارج الى شقتها الواقعة تحت شقته، اول ايام عيد الفطر، وعند البحث عن زر النور تحتويهما الرغبة الشبقة في اكتشاف مجاهل اللذة وعمقها لديهما، الرغبة المطعمة بنكهة قسنطينة في أن يفعلا مالم يستطيعا أن يفعله في النور/ المواجهة وبصمت مرهف متآمر مع الخطيئة المودعة عندهما تسقط اوراق التوت وقد كان يمكن للنور أن ينقذهما من خطيئتهما، ولكنها العتمة، التي دفعت توفيق لاجتياح باني سريعاً بتواطيء منها للسقوط في بئر الشهوة والاغتسال بسيول اللذة المنهمرة من جسده،هنا تكون العتمة = الظلام = الخطيئة = ممارسة الجنس / الانغمار بالماء / التوحد مع الماء / الماء= الحياة، ولكنها العتمة ايضاً التي تؤدي للخروج من معادلة الحشمة والعار، والانطلاق نحو بوابات " الجنس بلاعاطفة عنف نمارسه على انفسنا " كما تقول مقولة باولو كويلو المكتشفة متاخرا من قبل باني والمؤمنة بصدقها:

- اغتسلت في حمام توفيق كمن يغتسل من خطاياه حتى تحولتُ الى امرأة اخرى، كنت واثقة لحظتها أنني اهتديتُ الى الطريق .... ثم اتخذت قراري لأعود الى قسنطينة وأواجه العائلة بطلاقي من (مود) ص 83 الرواية .

ومن بين الحشمة والعار، يكون طلاقها من مود، طلاقها الذي سيكون مظللاً بالهمهمة في قسنطينة، ونظرات التساؤل والاستفهام التي ستلاحق بها:" مطلقة، تعني أكثر من أي شيء آخر تخلصت من جدار عذريتها الذي كان يمنعها من ممارسة الخطيئة، امرأة بدون ذلك الجدار امرأة مستباحة، أو عاهرة مع بعض التحفظ . ص 86 " هنا تتحقق جدلية السؤال / الجواب، ضمن السياقات التأويلية، للحصول على تأويلات مفتوحة باستمرار عندما نكون مطلعين على حثيثيات سرديات الرواية المؤدية الى ماهية النص وصيرورته، وفي هذة القراءة، سابقاً ولاحقاً، لا يمكننا بتر الوقائع عن تحولاتها السوسيو- رمزية، في إضفاء المعنى، وفي استخلاص الرؤية، ولكن علينا اولا أن نميز بين طريقتين في فك رموز النص باعتباره جسداً، وباعتبار الجسد نصاً، وباعتبار الجسـد هو الذي يكرس أو يثبت الهوية من خلال خصوصية التفرد، والعمل على تنمية وتوسع وانفتاح هذة الهوية مع الاخرين ومع العالم، وبواسطة التفاعل تتشكل نظرة الآخر، في بناء الجسـد، بعيداً عن القوانين الدلالية الثلاثة المتحكمة بالنص الجنساني: البسملي، الحكائي، الرمزي 10، لقد تجاوز النص الجنساني هذة القوانين منذ لحظة تشكيلها في القرون الوسطى كـ مسلمات جسدية، القوانين التي كان يمارسها البعض، البعض الثري فقط، لانه ليس باستطاعة الفقراء ممارسة هكذا قوانين تتصف بكونها، خاصة، محصورة، معدودة: " فتجربة الجسد تساهم في بناء العمل الادبي ..والكثير من المفاهيم التي تؤسس التحليل التقني الوظيفي للنص الأدبي الحكائي ترتكز على مقولات ذات مصدر جسـدي واضح، كالرؤية والحركة، أو لها علاقة مباشرة به كالكلام والفضاء والزمن ..وكل فصل بين حياة الجسد ومكونات النص يغدو عسفاً " 11 .

لقد كُتبت رواية " اكتشاف الشهوة " على ثلاث مراحل، الاولى الهذيانات / الاوراق: - كنتِ تعيشين حالة غيبوبة كاملة، لقد كتبتِ هذه الأوراق بين فترات متقطعة وكنتِ تخفينها عندي كلما شعرت بحالة الغياب وهي تقترب منك،ص 106 .

اما الثانية فهي التي كتبتها بعد خروجها من الغيبوبة: - انشغلتُ عنه برواية أروي فيها كل ماحدث لي أسميتها " اكتشاف الشهوة " لا لأصدم قارئاً تعوَد أن بجد الشهوة في الأزقة الممخنوعة ولكن كي أؤرَخ لحياة عشتها قد تستغني عنها الذاكرة إذا ما شاءت المخيلة أن نلعب مرة اخرى،ص 130 .

أما الثالثة كتبت من قبل الساردة – الروائية، يتناوب كل منهما مكان الآخر، أن لم يكن معاً، وضع سارد قادر على الاشتراك في التمثيلات، ووضع مؤلف واعٍ لغاياته وتقنياته، قادر على التأشير على الخلل .

كما قلنا،أن جميع الشخصيات المتواجدة في الاوراق، لم تلتق معها باني خارج الهذيانات، باستثناء توفيق بسطانجي، ولم تزر باريس ابداً، اذا من هذة الشخصيات؟ وهل لها شبيه خارج الاوراق ؟ واذ وجد هل هي متطابقة ؟ ....

نبدأ من إيس الشاعر العشيق اللعوب الذي تتعرف اليه من خلال ماري جارتها اللبنانية تقدمه لها مع تحذير بانه "نسوانجي" كبير لأن المرأة بالنسبة له " خيمة مستباحة "، هو الذي يقسم النساء الى صنفين الاول للمتعة والثاني للخدمة، يتبين بانه شاعر لبناني من أصل فلسطيني أغتيل بالخطا في بيروت، يؤمن بالشعر كقضية انسانية، ولكنه لايؤمن بانسانية قضية المرأة بل يشارك في نظرة " إن أغلب المثقفين العرب لاينظرون الى المرأة سوى أنها ثقب متعة ولذلك يناضلون من أجل الحرية الجنسية أكثر مما يناضلون من أجل إخراج المرأة من واقعها المزري، ص 61 " انها حقاً لمفارقة ماسأوية تكون متضاعفة كما تقول فضيلة الفاروق في احدى المقابلات عند " المثقف السكير الذي يتباهى بإستهتاره وبإعتقاده أن كل الكاتبات عاهرات "12

اما ماري جارة باني في باريس فهي بالنسبة لــ:

مود ليست أكثر من عاهرة .

توفيق، جارة لطيفة وعازفة بيانو من الطراز الرفيع .

لي، ماري مثل العم محيي الدين متمردة وطائشة وتحب الفن والحياة . ص 57 .

هذا في الاوراق، اما خارجها فهي:

عازفة بيانو لبنانية، وُجدت في شقتها في باريس منتحرة . أما مود زوجها، فيتبين بان أسمه مولود بلعربي، أعزب، قتل في باريس من قبل فرنسيين عنصريين عام 1999، وهو في الاربعين من عمره، اما زوجها الفعلي فهي لا تتذكره مطلقا، انه مهدي عجَاني، مهندس التحق بالشرطة السرية، مات مقتولاً من قبل الارهابيين وهي معه ولكنها لم تصب باذى، ورغم عمق ورعب " لعبة المخيلة "، يتبين بان مهدي صديق توفيق، وبان باني في الاوراق مطلقة وخارجها ارملة، وفي تساءل باني: المتناقض، اللامعقول، المليء بالمفارقة، تجعلنا امام حالة غريبة، فعندما نقوم بفتح باب يغلق باب في الآن ذاته، وتبقى التكهنات سيدة الموقف،وسيدة اللعبة، وسيدة الرؤية: كيف كنت أغادر واقعي، وأتسلل عبر ممرات غيبوبة قدرية لأصل الى عالم آخر، الى مدينة أخرى، إلى أناس لم أعرفهم في حياتي السابقة، أية قوة عجيبة تلك التي تحمل روحي لتلتقي بأرواح أخرى وتعيش في لفيف الحياة الأخرى بكل ذلك الانسجام، ص 112 " . ومن بين متاهة الأسئلة هذة، تبرز المخيَلة الماكرة التي تنسج لها قصة من أرشيف ماقرأت، مخيَلة تصنع الذاكرة، ولكنها وهمية، مزيفة، ويظل مهدي خارج ابواب الذاكرة الحقيقية والمزيفة، خارج ذاكرة البطلة – الساردة ولكنه يبقى داخل جسـدها جمرة غير مرئية، لأن قصتها " مع مهدي فيها الكثير من الحشمة والحياء، والاسرار الممنوعة من البوح، قصة حب عادية ونقية انتهت بالزواج، ص 129 " . ولكن مامعنى أن يترك لها مهدي مظروفاً مع والدته، وأن تعطيه لها اذا حدث له شيء، ولماذا ذلك؟! كان فيه صورة لمهدي وتوفيق معاً،ورسالة عبارة عن قصيدة غزلية موجهة لها من توفيق بسطانجي:

كوني طليقة كالغزالة، كوني فوق كل الرجال، حرري حناء ظفائرك، أريدك لي، يانجمة سرقت نور قلبي، لاشك أن اللعبة استهوتك، لكني لن أكون بعيداً إن ... أردتني ... ص 131، 133 "

هل الأمر هنا يحتاج الى تفسير أو تعليل، لا، لاننا سنعود تلقائياً الى جدلية السؤال / الجواب، الجدلية التي ستفتح امامنا تأويلات جمة لاحصر لها، في رؤيتنا تلك، وفي رؤية عائلة باني المتكونة من: الام –الاخت شاهي و الاب - الياس، اللذان يجعلان علاقتها مع الاخرين دائماُ مبتورة، ناقصة، لتكون لعبة غير مكتملة، لعبة الظهور والاختفاء، لعبة الايقاع والهروب، لدرجة الاشتهاء وممارسة العادة السرية على صورهم المتخيلة: " ربما فعلت ذلك انتقاماً من والدي وأخي إلياس، هما اللذان لا يزالان قابعين في داخلي ولم يختفيا أبداً من مبنى الخوف الذي شيداه في قلبي، ص 13 " . هنا تضعنا الروائية امام رمزية أسم إلياس في جعله يمثل الَيأسُ واللامل والقنوط، ويمثل كل انكسارات وخيبات وهزائم وتخلف الرجل الشرقي الحامل للعقلية الجاهلية، تجاه ذاته، وتجاه المرأة،وتجاه العالم، هذا كله يولد التمرد عند البطلة – الساردة، ويولد التحدي: " لم يسمح لي بمواصلة الكلام، صفعني حتى وقعتُ أرضاً، ثم امسكني من شعري وراح يزمجر: - ستعودين اليه في أقرب فرصة، وستركعين أمامه مثل كلبة، وستعيشين معه حتى تموتي، ص 87 " . أما الدلالة الرمزية للاب - الشرطي، فهو يمثل السلطة – القامعة في المجتمع لكل ماهو انساني، بل يمثل الهيمنة الذكورية القضيبية التي تلغي الانثى لتعمل على تحويلها الى ثقب شهوة، وخاصة في حالة امها التي تعاشر هذه الآلة القامعة المدمرة: - لي فضول أن أعرف كيف أنجبت والدتي هذا الكم الهائل من البنات، كيف تطيق الشرطي وهو يضاجعها بقسوته .ص 54 .

هنالك محوراً مهماً ليس من الممكن تجاوزه، في رواية اكتشاف الشهوة لـ فضيلة الفاروق، وهذا المحور قد عثرت عليه ايضا عند الروائية احلام مستغانمي في روايتها " ذاكرة الجسد "، هو استفحال عشـق المدن، لوثة لايمكن الخلاص منها، لانها متوحدة معهم بصوفية حلولية، مدينة قسنطينة تحكي اشياء كثيرة عبر اناسها وتاريخها وجغرافيتها وجسورها المعلقة، قسنطينة مدينة تسكن الاخرين،والآخرين مسكونيين بها: " أنَ خلف شـوارعها الواسعة تختبىءالأزقَة الضيقة الملتوية، وقصص الحب غير الشرعية، واللَذة التي تسرق عجل خلف باب ..وتحت ملاءتها السوداء الوقور، تنام الرغبة المكبوتة من قرون " 13 . أن المدن ..كالنساء، فـ باني في رواية " اكتشاف الشهوة " وحياة في رواية " ذاكرة الجسد "، هن كالمدن " لم تكوني امرأة .. كنت مدينة ص 141 ذاكرة الجسد "، مدينة تتماهى لتكون مساوية للذات الانسانية، كالمرأة بل كالأنثى " لن تفهم متى تحب، ومتى تكره،متى تحزن، ومتى تفرح، متى تحميك ومتى تخونك، متى تكون معك ومتى تكون ضدك، ومع هذا ستعرف مسبقاً أن الأمر حين يتعلق بالحب فلن تشفق عليك أبداً،ص 98 " . انها مدينة تتميز بانفتاح جسدها وشبقيتها المكبوتة، في افعالها وتصرفاتها وفي تفاعلها مع ذاتها: " الهرة (عقيق) تتشمس في السطح المقابل، وتحت السطح بقليل نافذة تتكدس عليها الثياب والأغطية ككل نوافذ المدينة تبصق صباحاً روائح الاكتظاظ والشبق المكبوت والجرائم الجنسية، ص 94 " .

فان المدينة التي عاشتها باني / الساردة كتجربة تقودنا الى نقطة مهمة في الكونية – الانثروبولوجية، فهي اداة فعالة، ولكن يصعب استعمالها. لأن مثل هذه المدينة تتيح لها استعادة التداخل الزمني من خلال صور المخيلة، وأن هذه المدينة تعمل على صياغة انسانها: - كل شيء في هذه المدينة يتحوَل إلى سؤال، ولكن سؤالها الأكبر هي من تكون ؟ولماذا تأخذ الأشكال كلها والأدوار كلها؟ من يفهم هذه المدينة ؟ من يفهم حريمها الظالم والمظلم؟ ص 101 .

وهذا التداخل مابين البطلة وقسنطينة نحس به يتعمق عـند مستغانمي، بحيث تختلط الرؤية والسرد لدي القاريء، ويبحث مستفهما عن الذي يخاطبه السارد، اهي المرأة ام المدينة ؟: يامرأة كساها حنيني جنوناً، وإذا بها تأخذ تدريجياً، ملامح مدينة وتضاريس امرأة . يا قسنطينية الأثواب .. يا قسنطينية الحب .. والأفراح والأحزان والأحباب . أجيبي أين تكونين الآن؟. هاهي ذي قسنطينة .. باردة الاطراف والاقدام . محمومة الشفاه، مجنونة الاطوار . هاهي ذي .. كم تشبهينها اليوم ايضاً .. لو تدرين، ص 13 ذاكرة الجسد . ولكن رغم ذلك فهي " المدينة ..القاتلة ص 133 ذاكرة الجسد "، حيث تجعلنا لا ندري " كيف نحب مدينة قاتلة، ص 124 الروية " .

في السرد النسائي، هنالك تقنيات تشتغل عليها الروائية، وهذه التقنيات تعتمد على المعاني التي تستند على وظيفة الشفرات السوسيو- ثقافية التي تخص المرأة وعلى المورث الميتافيزيقي وعلى الرؤية التاريخانية، وهذا يظهر واضحاً بعمق في العلاقة " مابين الجسد النصي والجسد الأنثوي علاقة محبوكة، مشفرة، يجعل المرأة فعلاً، وفاعلاً، ولغةً، وانموذجاً " 14، فالرواية لا توصل أو تنقل الهذيانات ببساطة، ولكنها تشكلها وتصيغها وتنمذجها، لأن المخيلة التي تنتج الذاكرة الثقافية تُنتج من خلال الاشياء، والصور، والتماثلات، بالاستناد الى الوقائع اليومية .

 

أسامة غانم

.....................

الهوامش والاحالات:

http://abdousim7529.arabblogs.com /archive/2009/5/87501.html1 -

2 – أسامة غانم – رواية " برهان العسل " قراءة سوسيوثقافية، جريدة الاديب الثقافية، بغداد،العدد190 في 14/12/2011 .

3- ابراهيم محمود – زئبق شهريار: جماليات الجسد المحظور في الرواية العربية، ضمن كتاب " جماليات الرواية العربية " مجموعة مولفين، دار الينابيع، دمشق 2009،ص 97 . وكل الاشارات في المتن تحيل الى هذة الطبعة .

4 – جورج طرابيشي – رمزية المرأة في الرواية العربية- دار الطليعة للطباعة والنشر،بيروت 1981،ص 153، وكل الاشارات في المتن تحيل الى هذة الطبعة .

5 – حيدر حيدر – وليمة لاعشاب البحر – دار ورد، دمشق، ط7 2000 . كل الاشارات في المتن تحيل الى هذة الطبعة .

6 – عبد الله بريمي – السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانس جورج غادامير وبول ريكور – اصدارات دائرة الثقافة والاعلام .الشارقة،2010،ص 135 .

7 – جيرار جينيت – خطاب الحكاية: بحث في المنهج – ت:محمد معتصم – عبد الجليل الأزدي – عمر حلي – المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة، ط2 1997، ص 281 .

8 – فريد الزاهي – النص والجسد والتأويل – دار افريقيا الشرق، الدار البيضاء، 2004، ص 19 .

9 – م.ن ص 25 .

10 – يحدد عبدالكريم الخطيبي ثلاثة قوانين دلالية تتحكم بالنصوص الجنسانية ( الروض العاطر في نزهة الخاطر ) للشيخ محمد النفزاوي وهي القانون الحمدلي، القانون الحكائي، القانون الرمزي، في كتابه الاسم العربي الجريح .

11 – فريد الزاهي - م . ن ص 34 .

12 – الروائية مها الحسن تحاور فضيلة الفاروق htt:// fadhilaelfarouk.com/elfarouk/?p=417

13 – أحلام مستغانمي – ذاكرة الجسد – منشورات احلام مستغانمي،ط 18، بيروت،2003، ص315 . كل الاشارات في المتن تحيل الى هذه الطبعة .

14 – الاخضر بن السائح- لذة السرد النسائي – مجلة نزوى، العدد 64 في 20 /10 / 2010 .

*فضيلة الفاروق- اكتشاف الشهوة – رياض الريس للكتب والنشر، بيروت،ط2، حزيران / 2006.

* نشرت في جريدة الاديب الثقافية العدد 190 في 14 / 12 / 2011 .

 

 

اسراء العكراويتخلق الإشارات التي تتقدم النصوص الأدبية توقعات يضمرها القارئ، ويظل باحثاً عنها وهو يتفحص المجموعة القصصية أو الشعرية، فمن منا لم يبحث عن ظلال العناوين في الكتب في محاولة لبلوغ الغور الذي يريد الكاتب اطلاعنا عليه بطريقته؟

وبين يدي مجموعة (روعة سنبل) القصصية (زوجة تنين أخضر وحكايات ملونة أخرى) لا أخفيكم سرّاً أني توقعت أن تحدثنا القاصة عن معاناة زوجة التنين الذي يشكل رمزاً مرعباً التصق بذاكرتنا ونحن صغار عبر مشاهدتنا لصورة هذا الكائن في أفلام الكارتون أو أفلام الخيال والأساطير، ولكن (روعة) أدهشتنا بكسر أفق التوقع بإضاءتها عالماً لم نفكر بوجوده، يكون فيه التنين المخيف ذو الرؤوس الثلاثة عاشقاً ومعشوقاً أيضاً، ويكون الفارس المخلّص قاتلا وغاصبا!

أما الجزء الثاني من العنوان وهو (وحكايات ملونة أخرى) فتوقعت أن الكاتبة تقصد ب(ملونة) منوعة، لكني فوجئت بهيمنة اللون على هيكلية المجموعة كلها وأن هذا العنوان لم يأتِ للتجميل بل للإيضاح كلافتة تشير إلى شيء أو مكان لا نتنبه له حتى لحظة وقوفنا عليه.

وقد احتفظ كل لون في المجموعة بخواصه التي يوحي بها والتي انطبعت على شكل حكايات ملونة تندرج ضمن خانة ألوان (اسود، احمر، اخضر، ازرق، ابيض) جاءت مشابهة لعناوين فصول داخل هذا الكتاب .

في سرد روعة سحر خاص فهي تجذبنا باحتفاظها بذهنية طفولية ربما، ترتسم فيها الأشكال والأشياء على نسق حكايا الجدّات التي تملأ خيال الأطفال بالصور، ولم تخفِ (روعة) ذلك إذ ظهر تعلقها بالرسوم المتحركة وما فيها من سحر باستحضارها لشخصيات من مثل (علاء الدين، وريبانزل)، وتتخذ من الأحلام جسراً لتمزج هذه الصور بالواقع فكثيرا ما كان (أبطال القصص) يعيشون أحلاما أو يسردونها علينا، واستطاعت عبر هذا الجسر أن تظهر الواقع جلياً، وتضع أصابعها على نقاط حرجة في ذهن كثير من البشر وحاجاتهم، إذ إن الأحلام في غالبها _كما يؤكد علماء النفس_  مرآة تعكس صورا في العقل اللاواعي للإنسان!!

لكنها ما أن تحملنا معها في كل حلم محلقين عاليا حتى تسقطنا على صخرة صلدة من صخور الواقع، فتفجر الصدمة أو تفتح ثغر الدهشة فينا بمنظر موجع هو الحقيقة التي يعيشها مواطن هذه الأرض، رجلاً، امرأة، طفلاً.

فحمّلت فنّها رسالة الم وحزن كتبتها بحروف مدوية كدوي القنابل وبانحناءات شاحبة كأوجه الجياع والضائعين.

بالنسبة لي كانت هذه الدهشة في قصص (زوجة تنين أخضر) مؤلمة جدا في البداية، لكنها كانت تضعف تدريجيا مع كل قصة لأني كنت أتوقع نهاية مؤلمة استلها من ارتجافٍ دفين يسكنني وأنا أتابع الأحداث والصور، فكل قصة ستنتهي بالتلاشي أو الموت حتماً، أو بما هو أكثر كسرا للتوقع بإثبات وهم السارد أو البطل وبانقلاب القصة رأسا على عقب.

ومع إن هذه المجموعة القصصية ناجحة جدا، وأسلوبها السردي من أكثر الأساليب تميزا وسلاسة وعمقا، إلا إني احمل عتبا للكاتبة نطقته عفوا وأنا اقرأ خاتمة قصة (بعيداً عن هذا البلد) التي أعدت قراءتها مرتين أملاً في أن تغير (روعة) رأيها وتبقي ذلك الكيان البريء حياً، لكنها وبكل مرارة وجرأة قتلت ذاك الطفل، فوجدتني أقول دون إرادة، (لمَ يا روعة ؟؟ّ!) وكشفت بفعلها هذا عن يأس عميق يسكنها، وكنت أتمنى أن يبقى الطفل ليكون رمزا للأمل/ الخيط الذي إن فلت من بين أصابعنا لن نستطيع الاستمرار في هذه الحياة، وبهذا النص حصراً وجدت أنها لم تفلح بتقنية خلق الدهشة بكسر أفق التوقع دون أن تمهد له.

في النهاية هل يمكن القول عن (زوجة تنين أخضر وحكايات ملونة أخرى) مدهشة؟ نعم، وبكل جدية فأسلوب الكاتبة وتنقلاتها بين الواقع والحلم أو بين الحلم والواقع، وبين ما يُرى ويُبصر، وبين الماضي والحاضر وبين الجزء والكل، أساليب رسمت الدهشة وأتقنتها بألوان طاغية.

 

د. إسراء العكراوي

 

وليد العرفي قصيدتا الشاعرين: الزويد وسرمد أنموذجاً

تهدف هذه المقاربة إلى دراسة دلالات المكان بما يحمله من إشارات رامزة ومضمرات تكشف عن القيم النفسية والرؤى الجمالية التي يكتنفها المكان في لغة الشعر، وسأتوقف بداية عند دلالة المكان في نص الشاعر: د. حسين يوسف الزويد الموسوم بـ: (مراجعة لهوى مقيم) وهو عنوان ينمُّ على تعلّق بإرثية المكان بما يعنيه من ذكريات وخصوصية ببعديه القريب والبعيد ؛ فالمكان ذاكرة وحياة، وعلى هذا يُؤسّس الشاعر بناء العنوان لهوى مقيم، فالبنية الاسمية التي جاءت في تركيبة العنوان إحالة على سكونية الموقع المذكور والثابت في وجدان الشاعر والقار في إحساسه المتنامي به .

يتوزع النص في نمطين تعبيريين من حيث الشكل ‘ إذ يبدأ النص بالشكل الحديث فيما يبدو أنه تأكيد لارتباط الشاعر بالزمن الحاضر وارتهانه للحظة الآنية، وهو ما يكشف عنه المطلع الاستهلالي الذي يُضمر فيه الزمن الذي يبدو مرتبطاً بالحالة العاطفية:

ذاتَ شوقٍ وانغماسٍ في متاهاتِ الحنينْ

حَلَّ في القلبِ صداعُ الوجدِ

و انداحَ اليقينْ

جَبلُ الغيمِ مِنَ التهيام أغوتْهُ الهُبُوبْ

من رياحٍ أغرَتِ السفّانَ في نشر الشراعْ

يُنشِدُ الضلِّيلَ من (توضِحَ) و(المقراةِ)

مِنْ أرضِ (دَمُونْ)

سارَ حادي السُفْنِ لا يلوي على

أيِّ ضياعْ

سادراً ينوي رُسُوَّاً عِنْدَ

شُطآنِ المتاعْ

لكنِ الأقدارَ شاءَتْ

غَسَقٌ بالجوِّ لاحْ

وعلى الأفقِ تمطّى من عَتيٍّ ورياحْ

عَبَثاً حاوَلْتُ تثبيتَ شِراعي

في عتوٍ في أقاصي الكونِ  صاحْ:

لا صدى بينَ يدينا

لا دواءً من جراحْ

ضاقَتِ الفكرةُ عندي

أينَ ذيَّاكَ (البسيطْ)؟

أنتَ بحري يا بسيطاً

وبه يعلو الصياحْ

يكشف المطلع عن عمق التعلق بالمكان الذي يتجلى بظهورات جغرافية حاولت الاتكاء على إرثية معلقة امرىء القيس فتوضح والمقراة أسماء أمكنة استثمر الشاعر إحالاتها القديمة في انعكاسها الدلالي لتشي بما يُعبّر عن الحال الحاضرة في قصيدة: الشاعر حسين يوسف الزويد التي تنفتح على جرح مفتوح، ونزيف مستمر لا يجد الشاعر من سبيل إلى التخلص من ألامه إلا باستعادة الشكل القديم الذي يرى فيه القدرة على إعادة الاعتبار للوقفة الطللية التي تتبدّى في وقفة الشاعر متأملاً ومُعتبراً، ومن هنا تتبدّى دلالات الفعل التي جاءت بصيغة الأمر الذي يعني في دلالته لفت انتباه الآخر الافتراضي، أو النفس المستنسخة بهيئة شخصٍ آخر بهدف اتخاذه موقفاً ما، وعلى هذا يبدو معنى دلالة التوقف أو استيقاف المخاطب، وطلب التأمل عبر ترداد فعلي قفْ، وانظرْ في مطلع النص العمودي:

قِفْ بالنمِّيصةِ  وانظرْ في روابيها

                عَمّا جرى من عذاباتٍ، سَترويها

يحضر المكان باسمه الدال النميصة، وهي مسقط رأس الشاعر، وكما جاء في التحديد الجغرافي لها أنها تطل على مقبرة، وبهذه الجغرافية تتحدد قيمة الوقفة الطللية في هذه التأملية القائمة على الاعتبار، واستعادة ذكريات الشباب والأيام الماضية:

إبّانَ كانَ الهوى في القلبِ مُضْطَرِماً

                 والنفسُ لا ترعوي، تبغي أمانيها

و كيفَ صبري ودُنيا الحسنِ دانيةٌ

            سكنى الدوارسِ هامت في مآقيها

قد عِيْلَ صبري ودُنيا الحسنِ دانيةٌ

               قـطـوفُـها وأنـا كالـطـفـلِ أبـغـيـهـا

لو أبصرَتْ ميتاً في التُربِ عاشقتي

                كأنـمـا ذاقَ  مـاءَ العيشِ مـن فيها

قد كانَ بَحر هواها لاطماً لَجِباً

              وكنتُ غُمْراً، تـجـاريـبـي تُماريـهـا

وتظهر المشاعر اللائبة في هذه الاستعادة لأيام الشباب عبر تشكيل في الأسلوب التعبيري الذي ينتقل فيه بين الخبر حيناً، والإنشاء حيناً آخر ما يشي بحالة الحيرة والقلق التي تسري في فكر الشاعر:

تجري السفينةُ لا يـنـتـابُها خللٌ:

                  ها قَدْ حَجَجْتُ الى أسوارِ واديها

وَ ذاتَ نَحْسٍ طَغَتْ في الأفقِ زوبعةٌ

                  وهاجَ في اليَمِّ شيءٌ من عواتيها

حاوَلْتُ أنْ أمنحَ الأحلامَ أشرِعَةً

              كي أُرسيَ النفسَ في أحلى مراميها

لكنَّها سَوْرةُ الأحزانِ قد هَطَلَتْ

               أرْخَتْ سدولاً وما أدرَكْتُ شاطيها

لكنني سوفَ أرقى للنجومِ وإنْ

              تأتِ العواصفُ قلبي، سوف يُدْميها

        وسوفَ أنشرُ فوقَ الغيمِ أجنحتي

               وسوفَ أقطفُ في الأحلامِ، عاليها

و سوفَ أنهضُ كالعنقاءِ مشتعلاً

                 من الرمادِ  ويحبوني المدى فيها

بينما تنهض القصيدة في أبيات الختام بنائياً على مستويين هما:

مستوى الحركة  ومستوى السكون ؛ ففي المستوى  الأول: تتكشف الحركة بالفعل الحاضر تجري السفينة، وهو ما يُحيل على حالة من الاستقرار، ومواءمة الحالة الخارجية للمشاعر النفسية التي تبدو في حالة من الرضى والارتياح التي سرعان ما تتعطّل بعارض خارجي الذي يظهر بتمظهراته اللغوية بألفاظ دالة: " نحس، زوبعة، هاج، نحس، عواتيها " وهي ألفاظ تشير إلى تغير مباغت في حركة المنحى المستقر للنص في سياقه المستوى الأول الذي يوصلنا إلى المستوى الثاني، وهو مستوى السكون الذي يحاول الشاعر أن ينعتق من خلاله من حالة الجغرافية الطبيعية للمكان إلى الحالة العاطفية التي يسعى  الشاعر إلى تأكيدها بتفاؤله الذي جاء تعبيراً عن رغبة في أن يتخلّص من واقعية الحالة و جغرافيتها المكانية الموضوعية ؛ ليعيش حالة التخييل الشاعرية التي يتمنَّى تحقيقها، وبلوغ جغرافية مكانه المأمول فيها .

تُحيل قصيدة:"مرثية سوق الصفارين"  للشاعر: د. جميل سرمد على المكان بما يحمله من خصوصية ؛ فهي مرثية بالمعنى الموضوعاتي، وإشهار حالة مهنة كانت تعنى بتكييف المعدن لذائقة الصانع، والسؤال الذي يقفز إلى الذهن لماذا يرثي الشاعر المعاصر مهنة ما، وما دلالة تلك المرثية، وهل للجماد من حياة لتموت؟

إنَّ هذه الأسئلة وغيرها التي قد تتفتّق في ذهن القارىء تجعل من مرثية د.جميل سرمد أنموذجاً للاستلاب الذي يشعر به الإنسان المعاصر نتيجة التحولات الكبيرة التي تعصف بكل ما هو موروث وإنساني بمعنى من المعاني، وهذه الثورة الصناعية التي تُبدّد تلك المهن اليدوية بما تحمله من رمزية وانتماء وتعبر عن خصوصية مجتمعها، وإزاء هذا الواقع المتغير يبدو الشاعر ابن مدينة عصفت بجماليات تراثها الشعبي المهني النهوض الصناعي، وقبل أن ألج النص، أود الإشارة إلى أن الشاعر قد اعتمد روي العين المكسورة في إشارة إلى مطاوعة الروي للسياق النفسي الدال على مشاعر الحزن لمآلات السوق المرثي في هذه القصيدة، فجاء الكسر تعبيراً عن المنحى العام والعاطفة الحزينة التي تبدأ نصياً بفعل التغيب الذي  قد طال مجمل مناحي الحس الجمالي لديه على مستوى السمع والبصر:

غابتْ مطارقُهم عنِ الأسماعِ

            والصمتُ رانَ على صدى الإيقاعِ

كانَ الضجيجُ الشاعريُّ ملاذَهم

         من صرخةِ الموتِ التي في الناعي!

لكأنما الإزميلُ ريشةُ عازفٍ

            نحتوا بها صَرْحَ الهوى المُتداعي

تتبدى جمالية الاستهلال بفعل غابت بكل ما يُشعر به من حالة افتقاد وما يعتمل في النفس من أسى على ذلك الفقد، إذ تتوالى ألفاظ حقل معجم الموت فنجد: الصمت، الموت، الناعي، المتداعي، وقد أسهمت الصورة الفنية القائمة على عنصر التشبيه بمدّ النص بزخم إضافي؛ لينهض بجماله على مستوى التعبير الذي يبدو غير متجانس من حيث تشكيله على مستوى المفردات غير أنه اكتسب جماليته من خلال تلك المباعدة بين طرفي التشبيه بجمع القسوة والمادية مع الليونة والمعنوية في جعله الإزميل ريشة عازف

وحَسِبتُهم من آلِ داؤودٍ؛ لهم

                   لانَ النحاسُ بشكلِهِ المِطواعِ

مالُوا على تلكَ الكؤوسِ لِيثمَلُوا

                   فَرَأَوْا وجوهَهُمُ ببطنِ القاعِ!

وهكذا تتنقل قصيدة الشاعر عبر مساقات التراث التي تسبغ عليها هالة من التقديس والجمال في آن معاً من خلال إسقاط رمزية داوود ومزاميره التي تقارب طرقات النحاسيين تلك الأناشيد، وهي صورة تبدو فريدة بمفارقتها المألوف، ومباعدتها بين الأطراف البانية للصورة التي يجعل الشاعر فيها الجماد كائناً حياً فيتجه إليه محاوراً وراثياً فدلة القهوة تشعر الألم العربي الذي طال كل مفاصل الحياة، والفناجين التي تشير إلى رمزية الكرم والقوة العربية قد انكسرت في صورة باعثة على عمق الفجيعة ومأساة الواقع الذي صار فيها الضباع أصحاب المجالس وشاربي القهوة

:يا دلَّةً عربيّةَ الأوجاعِ

                   كسَرَتْ فناجيني شِفاهُ ضِباعِ

خلَتِ الرفوفُ منَ الصحونِ فما ترى

                       إلّا طُيُوفَ بريقِها الخدَّاعِ

كانت لمعجزةِ النحاسِ حكايةٌ

                        تُتلى من الأجدادِ للأتباعِ

يُحكى بأنَّ العُمْيَ يوماً أبصروا

                     لمّا رَأَوا من وَمضِهِ اللمّاعِ

هذا الهدوءُ المُستفِزُّ سينتهي

               وبريدَ خيرٍ سوفَ يُلقي الساعي

ويُعيد الشاعر: د. عبد الله سرمد الجميل إلى الذهن أسطورة النحاس، وما وقر في الذهن حول شفائه العميان ؛ لينهي بتفاؤل أن المستقبل يحمل بشارة للمنتظر، وكأني بالشاعر أراد أن يمنح القارىء جرعة من التفاؤل، وهو الطبيب المعالج الذي لا بدَّ أن يكون متفائلاً بشفاء مريضه، ولو بافتراض الخيال، والممكن الشعري .

 

د. وليد العرفي

....................

للاطلاع على القصيدتين في صحيفة المثقف:

             

مُراجعةٌ لهوىً مقيم / د. حسين يوسف الزويد

 

مرثيَّةُ سوقِ الصفّارين / د. عبد الله سرمد الجميل

 

عبير خالد يحيىدراسة ذرائعيّة مستقطعة في رواية (الوجه الآخر للضّباب) للأديب العراقي د. كريم صبح

بداية: بعد قراءتي الصّفحات الأولى من هذا العمل السردي، خلت أنني سأقرأ رواية من الرّوايّات المغرّبة التي عمد بعض الكتّاب العرب مؤخّرًا إلى كتابتها، منبهرين بالأدب الرّوسي وتاريخه ومفكّريه، ومع متابعتي القراءة -إلى منتصف الرّواية تقريبًا- ترسّخ لدي بأنّ العمل رواية مكانيّة تاريخيّة، خلتُ أنّ المكان سيتسيّد الرّواية ليكون أهمّ من الشّخصيات والأحداث، وبعد أن انتهيت من قراءتها كاملة، اتّضح لي غرض الرّواية الأساسي، والحقيقة أنّ الكاتب نجح في نصب هذا الشرك المكاني ليموّه بؤرته الفكرية التي حفرها عميقًا في تربة الإنسانية.

 انطلاقا من المبدأ الذرائعي (الأدب عرّاب المجتمع) صار للسّرد المعاصر أغراضًا إنسانية كالأغراض الشّعريّة، حين سمح علم السّرد بعصرنة الرّواية، وأخرجها من النّطاق الكلاسيكي باتجاه الإسناد الاجتماعي، فصارت الرّواية متابِعًا لقضايا الإنسان ومعالجًا لجروحه التي أدماها المدّ الحديث بالانجراف نحو الظّلم وضرب الأنسنة عرض الحائط.

الغرض من وراء هذه الرواية يلهث خلفه الكاتب، هو غرض أنثروبولوجي يحاول فيه تناول أثر تغيّر البيئة على الإنسان، وازدواجية البيئة فيه، فالإنسان كينونة واحدة وإن تغيرت الزّمكانيّة عليه، لأنه كائن اجتماعي بطبعه الذي أقرّته العلوم الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والبيولوجية.

إغناء:

الأنثروبولوجيا هي دراسة الإنسان بشكل عام، تقسم إلى أنثروبولوجيا طبيعيّة( دراسة الإنسان في مظهره البيولوجي) وأنثروبولوجيا اجتماعية وثقافية( تعنى بالطريقة التي تطوّرت بها النّظم الاجتماعية والاقتصاديّة والسّياسيّة والّدينيّة والألسنيّة " اللّسانيّات" )[1] .

 السّيرة الذّاتيّة للكاتب

الدكتور كريم صبح، دكتوراه في التّاريخ من جامعة بغداد، عضو الاتحاد العام للكتّاب والأدباء في العراق.

مؤلفاته في التّاريخ:

- جمهوريّو الولايات المتّحدة الأمريكيّة ومحنة الانشقاق 1916-1909 ، بغداد 2010

- تفتيت حزب الفهد الأسود ومكتب التّحقيقات الفدرالي 1971- 1966، بغداد 2011

- التّاريخ السّياسي للصّراع العرقي في الولايات المتّحدة الأمريكية 1915- 1865 جزءان،

بغداد 2015

- الولايات المتحدة الأمريكية – دراسات في تاريخها الاجتماعي والسياسي، بغداد 2017

على الصعيد الأدبي:

- الغزل ليس حكرًا على الرجال، مجموعة قصصية، بغداد، 2016

- بائع الألم، مجموعة قصصيّة، بغداد، 2017

- فياجرا، مجموعة قصصّيّة، القاهرة 2018

- رأس للإيجار، مجموعة قصصّيّة، بيروت 2018

- همسٌ وجدبكِ المطر، خواطر، القاهرة 2018

- الوجه الآخر للضّباب، رواية، بغداد 2020

التبئير الفكري:

إنّ المعيار criteria الذي يبحث فيه النّاقد عن الغاية التي قصدها الكاتب في عمله الأدبي لتحديد الثيمة الفكرية للنّصّ هو :

بماذا سند هذا العمل المجتمع؟

وهذا يأخذنا إلى حقيقة مفادها أنّ السّرد المعاصر أصبح له أغراض كما للشّعر أغراض، والسّؤال:

هل المعيار السّردي هو نفس المعيار الشّعري؟ الجواب: تقريبًا، بل المعيار السّردي أوسع من المعيارّ الشعري، حيث يأخذ السّرد المعاصر أغراضًا كثيرة، أهمّها الأغراض النّفسيّة والسيّاسيّة والإنسانيّة والتّاريخية و و و، فبماذا سند به هذا العمل المجتمعَ؟ والجواب: نتيجة أو حقيقة أنثروبولوجية هي أنّ الإنسان واحد وإن اختلفت الزّمكانية بشكل كامل، يبقى الإنسان ذاته يحبّ ويكره، يأكل ويشرب، يتألّم ويفرح، ... فالإنسان يتطبّع بالمجتمع، وهذه نقطة أنثروبولوجية وقف عندها الكاتب فكريًّا وفرد لها صفحات العمل مناصفة بين مجتمعَين، لكن النّقطة الأنثروبولوجية الأخرى التي أكّد عليها هي التالية:

لماذا تؤثّر البيئة الحاضنة على الإنسان فيتشبّع بكلّ حمولاتها الفكريّة والاجتماعيّة، وإذا غادرها إلى بيئة أخرى يتقوقع فيها ؟ كما حدث مع ..... حينما انتقل من بلد المنشأ سوريا إلى روسيا، وكما حدث مع ابنته روزالين التي نشأت في روسيا وانتقلت إلى سوريا .

يحيلنا هذا السؤال إلى السوسيولوجيا ( علم الاجتماع)، لنحاول البحث عن الإجابة، الإنسان كائن حيّ مجتمعي، يستطيع التطبّع في المجتمع الجديد بدرجات متفاوتة، بينما الحيوانات لا تستطيع ذلك لأنّ مجتمعاتها تحكمها الغريزة، فلا تعيش الغزلان مع الأسود، بينما المجتمعات الإنسانية مجتمعات اختيارية يحكمها التطبّع الاجتماعي، لأنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، قادر على التكيّف في أيّ بيئة زمكانيّة بشريّة، لكن بدرجات متفاوتة، أدناها التّقوقع. يساعده تكوينه الحسّي على هذا التكيّف، لتحقيق غاية إنسانية نبيلة وهي البحث عن حياة أفضل له ولغيره بقصد الدّيمومة، مؤمّنة بكلّ معايير السّلامة والسّعادة، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

الوجه الآخر للضّباب يطرح سؤالًا أجبنا عليه، هل يختفي وجه الإنسان عندما يتغيّر مجتمعه ( روسي- سوري) ؟ لا .. الإنسانية واحدة ولو اختلفت المجتمعات أو البيئات.

وتجنيس العمل: رواية واقعية أنثروبولوجية ( سلوكية إنسانية) تتبع مدرسة الفن للمجتمع.

بعد تثبيت البؤرة الفكرية، وهي بؤرة إنسانيّة اجتماعيّة وسلوكية، ستكون منطلقًا ستاتيكيًّا إلى مستويات ديناميكية عديدة وهي:

أولًا- المستوى البصري External Level:

عنوان الرواية ( الوجه الآخر للضباب): أعطى ديباجة الرّوي citation المختصرة بشكل مكوّن نّصّي مشفّر.

الإهداء: كما ورد، يعزّز البؤرة الفكريّة التي ثبّتها، حيث كان إليها .. لا إلى المكان، وإنّما للبطلة الإنسانة التي تروي حكاية مغايرة، بلسان إنسانيّتها بكلّ تناقضاتها، تخبر عن حركة الشعّوب وحراكها باتجاه حريّتها لأعادة بناء مجتمعها وأمّتها الإنسانيّة.

إليها .. بطلة من حكاية لا تشبه الحكايات.. ملحمة جديدة ربّما بدأت وأنا أكتب سطوري هذه.

المتن السردي: مفروش على بياض 193 صفحة، يبدأ الفصل الأول فيها من الصفحة 104، والصفحات السابقة عناوين غير منضوية تحت فصل، كان الحديث فيها عن مستهل أحداث نشأة البطلة( إيفا أو روزالين) في روسيا، وسرد إخباري عن تاريخ عائلة جدّيها، وظروف التقاء والدها السوري بوالدتها الروسية، ولادتها والبيئة التي تربّت فيها حتى عمر العاشرة، موت أمّها، ثم انتقالها مع والدها سوريا، هذا كان هو النّصف الأول من الرواية، كما قلنا لا ينضوي تحت فصول، وإنّما معنون بعناوين اختلفت بين أسماء شخصيّاتها البارزة، مثل ( بوتين النّبي- اللّواء- روزالين- أندريه المشاكس)، وبين أحداث بارزة مثل ( نخب اتحادنا السوفييتي- شغف- إعادة وصل- طفولة – شتات- فقد- صلاة-اكتشاف متأخر).

 النصف الثاني من المتن الروائي، وهو المقسّم إلى أربعة عشر فصلًا، مع ملحق، وفصل إضافي ( بين بلاشفيا واللّاذقية)، لم تختلف عناوين الفصول عن التنسيق السّابق ( شخصيات- حدث).

 ثانيًا- المستوى النفسي Psychological Level :

- المدخل السلوكي:

التساؤلات المطروحة في العمل الرّوائي، أو التّساؤلات التي يثيرها العمل في ذهن المتلقّي:

وأبدأ من التّساؤلات التي يثيرها العمل في ذهن المتلقي، والبداية من العنوان: الوجه الآخر للضباب

فعلى مستوى العلامة السّيميائيّة، يحيلنا العنوان إلى ملمح حي ( الوجه) متواري ( الآخر) لظاهرة مرئيّة ( الضباب)، أخذ الكاتب الواقع الزّمكاني بين البيئتَين، فتكوّنت الضّبابيّة بسبب اختلاف الزّمكانيّتين، روسيا مجتمع ضبابي بالنّسبة للمواطن السّوري، وسوريا كذلك بالنّسبة للمواطن الرّوسي، والمواطن في كلّ منهما هو الإنسان، وهو واحد، فآدم وحوّاء لم يكونا رمزًا لمجتمع بعينه، كلّ رجل رمز لآدم، وكلّ امرأة رمز لحوّاء، ومادام آدم مجرّدًا عن الجنسيّة، وحوّاء كذلك، لذا فإن الإنسان واحد في كلّ البيئات، يتأثّر ببيئته، وينسجم ويتطبّع في أيّ بيئة أخرى يتواجد بها، فالإنسان واحد في كلّ البيئات، والضّبابيّة بين بيئتين، فهل تزول الضّبابيّة أم تبقى؟

 هذا سؤال جوابه ممتد على مساحة صفحات عديدة، ويتأرجح بين لا ونعم، وتحسمه الفطرة الإنسانيةّ التي يبدّد نورها الضّباب، وتمسح كلّ الحدود الجغرافيّة والحواجز الوضعيّة والعقائديّة بين كّل المجتمعات الإنسانية في بيئاتها المختلفة، وإصرار الإنسان بطبعه الاجتماعي على العيش والتكيّف في كلّ المجتمعات، تحت كلّ الظروف، تقول إيفا:

لم أستطع الإفلات من قبضة الوحدة، لكني لم أرضَ بالاستسلام، لم أقنع بالتّقوقع على النّفس، أصبحتُ تحت طائلة تحوّل خطير في آرائي بالحرب وفلسفتي لأسبابها، وهو تحوّل ألقاني وسط الحياة المضطربة وجعلني وطنيّة سوريّة متطرّفة، نعم هكذا ببساطة، ألم تغدُ سوريا وطني الأصيل بعد أن ظلّت لسنوات وطني البديل؟ .... صفحة 130

وعنوان آخر أيضًا مثير أو محفّز لتساؤل، هو عنوان في الاستهلال :

 (بوتين.. النّبي)، من هو المقصود؟ وهل هو نبي؟ ونبي ماذا ومَن؟ ومن نبّاه ؟، الجملة الابتدائية في الاستهلال: من خلال السياق نجد أن بوتين هو الرئيس الروسي ومن خلال تواصل إيفا عبر النت مع حبيب نفهم أنه ضابط طيار محاصر مع زملائه وجنودهم في قاعدتهم العسكرية في المطار، منذ أكثر من أربع سنوات، تذكر له أنّها تكره السياسة، لكنّها تأتي على ذكر نبيّها لأول مرّة في الصفحة 14:

باتت تحت رحمة واقع لا يعرف الرحمة .... لا تريد لأفكارها أن تصل بها إلى أسوء الاحتمالات ، حتى بعد دخول قوات " نبيّها" مسرح الحرب.

كيف تكره السياسة وتعتبرها (أكثر قذارة من التاريخ، وقد عقدا معًا حلفًا غير مقدّس، لا هدف له سوى إشعال الحروب) وتنبّي أو تقدّس زعيمًا سياسيًّا وتعتبره المخلّص الذي سيوقف الحرب ويمنع اقتسام سوريا؟! سؤال طرحه الكاتب على لسان السارد العليم، ولم يحصل على إجابة، إلا أن الكاتب أشار أيضًا على لسان السارد العليم أن هناك (تناقضات بين ما تكره وما تحب). فهي ترى في بوتين:" نبيّا من الأنبياء وكفى ، وأعشقه من الويد إلى الوريد"،

فهو إذًا نوع من اليوتوبيا والأيديولوجية، فكلمة أيديولوجية استُخدمت غالبًا كتوصيف سلبي للطّرق التي يضلل بها الناس أنفسهم وغيرهم من خلال معتقداتهم، واستخدمت اليوتوبيا استخدامين : باعتبارها مقابلًا للأيديولوجية، وبنفس الوقت باعتبارها مرادفًا لها، فعلى سبيل المثال: "عندما بدأت الشّيوعيّة – إحدى أهم أيديولوجيات القرن العشرين – في الانهيار، و كان كثيرًا ما يطلق على ذلك نهاية اليوتوبيا"[2]. فلا شكّ أن إيفا كانت من الأشخاص الخاضعين لتأثير هذه الظاهرة الفكريّة الاجتماعيّة.

سؤال آخر يتوارد إلى الذّهن، لماذا بوتين هو البطل(hero) في يوتوبيّة إيفا؟ لماذا لم يكن مثلًا جدّها الكولونيل الذي عُرف ب( ثقافته وحبّه للقراءة، وطنيّته المتطرّفة وشيوعيّته المفرطة، تفسّر وطنيّته وشيوعيّته إحدى هوايتيه: صنع مجسمات خشبيّة للزعيم الشيوعي لينين، وأخرى تشبه الدمية السوفييتية المشهورة " ماتريوشكا"....صفحة 21!

لأنها حكمت على جدّها بالديكتاتورية من موقفه من والدها حينما حرمه من أوّل حقّ له كأب، باختيار تسميتها، واستأثر لنفسه بمناداتها باسم دلع (روزاليتي) وحرّمه على غيره، فكان ديكتاتورًا بنظرها ولم تبرّر له دوافعه العاطفيّة، وهي تكره التّطرّف، حتى في الحبّ- رغم أنّها تطرّفت بحبّها لبوتين- كما أنّها كانت تراه ينتمي إلى حزب أيديولوجي مهزوم، لم يستطع الحفاظ على منجزاته، ولم يستطع عمليًّا أن يحقّق شعاراته على أرض الواقع، نظام تفتّت ومات، فهي تريد بطلًا حيًّا، يخطّط لإنجازات تراها – بنظرها- انتصارات مبهرة.

وأنتقل إلى التّساؤلات المطروحة طرحًا مباشرًا في هذا العمل:

تساؤلات دينيّة، تستعرض من خلالها صورة الشّاب الشّرقي المتزمّت والمتنمّر، وهي فعلًا عقليّة عفنة ما زالت موجودة في مجتمعاتنا العربيّة، رغم كلّ الانفتاح التّكنولوجي الذي كان سيفًا ذا حدّين أفادت منه الجهات المتطرّفة والمتنوّرة على حدّ سواء، تقول إيفا:

أخي الأكبر يسخر مني دائمًا ويقول: " أنتِ قبيحة ومسيحيّة، أنتِ صفراء!" أخي الأوسط ينعتني باليهوديّة، لا أدري لمَ هذا النعت وهو يعلم ديني الحقيقي؟ صفحة 111

لكن هناك وجه آخر سمح ومنفتح، تدين إيفا لمواقفه بالعرفان، والدها السّوري المسلم الذي ألحقها بمدرسة داخليّة تتبع الكنيسة الأرثذوكسية، حينما قدم بها إلى سوريا ولاحظ تقوقعها في مجتمعها الجديد، تقول :

قبول أبي، وهو المسلم، دراستي في مدرسة مسيحيّة سببه مفهوم ومنطقي، حاول ألّا ينتزعني من مجتمعي القديم بقوة، فأنا لا أجيد العربيّة، ولغتا الدّراسة في مدرستي الجديدة هما الانكليزيّة والعربيّة...ص 111

تساؤلات سياسيّة، تطرحها إيفا من وجهة نظرها:

موقفي من الرئيس بوتين وروسيا ربما لا يُفهم هنا على حقيقته، في الواقع نظرت إليهما من زاوية موقفهما من بلدي سوريا، ليس من باب حملي جنسيّة مزدوجة، وإذا ردّ عليّ أحدهم بالقول " إنّك تقصدين موقفهما من النّظام"، أقول له ليكن، الّا يمثّل النّظام شعبه السّوري؟

تحاول الإجابة باستدراك، لا تقصي فيه الجانب الآخر، ولا تعمّم التّوصيف:

ليس كلّ الشّعب طبعًا، أعترف بذلك، أنا نفسي أستخدم أحيانًا اسم " معارضة" للدّلالة على مَن وقف مع النّظام، لأنني أدرك أنّ هناك مَن لا يعترف بذلك التّمثيل أو يراه منقوصًا بشكل من الأشكال، لا أقصد النّوع هذا من المعارضة إذا اكتفى بالتّعبير عن نفسه سياسيًّا، وإنما أقصد أولئك الذين انخرطوا – تحت يافطة المعارضة- مع الإرهاب، لا أظنني غافلة عن بعض التّطلعات الحقّة للمعارضة المشروعة .... صفحة 153

- المدخل الاستنباطي:

تقوم نظرية الاستنتاج على مجال التقمّص الوجداني، حيث يقوم الناقد أو المتلقّي بدراسة سلوك الشّخصيّة ويربط سلوكه رمزيًّا بالحالة السيكولوجيّة الداخليّة، أي بمشاعره وعواطفه، يصبح لسلوكه الإنساني معنى يصبّ بمفهوم الذّات، ثمّ يتّصل بالآخرين ويلاحظ سلوكهم المادي، وعلى أساس تفسيراته السّابقة لسلوكه، يخرج باستنتاجات عن حالة الآخرين السيكولوجية[3] .

إنّ كلّ من شهد ويشهد الحرب في سوريا، وكيف تُركت نهبة في أيدي الأبعدين، على مرأى ومسمع من الأقربين، لا بدّ من أن تحضره الآية الكريمة التي ذكرتها إيفا وهي ترى سوريا، وتلوم الأقربين على تفريطهم وتقصيرهم بالحلّ السّلمي بين الطّوائف المتنازعة، تقول إيفا:

لا أعزو ذلك التّحوّل إلى الحرب ومآسيها وحدهما، ولا إلى الظّلم الذي رأيت سوريا عرضة له من أقربين قبل أبعدين، الأقربون الذين لم يعملوا بحكم الآية القرآنية التي تقول: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما.." .... ليس مهمًّا هنا ، مَن من الحكومة أو المعارضة على صواب ومن منهما على خطأ، المبدأ هو الأصل، وتحقيق المصالحة بين الطرفين......صفحة 131

 ثالثًا- المستوى الحركي في التّحليل Dynamic Level

تكلّمنا عن العنوان والاستهلال في المستوى النفسي وتحديدًا المدخل السلوكي للخصوصية السلوكية.

ونكمل في دراسة التّشابك السّردي:

قلنا أنّ الكاتب قسّم المتن السردي إلى نصفَين، النّصف الأوّل غير مقسّم إلى الفصول، بينما جعل النّصف الثّاني مقسّمًا إلى أربعة عشر فصل، مع إضافة ملحق وفصل أخير.

لماذا فعل الكاتب ذلك؟ فعل ذلك ليشير إلى أنّ الأحداث المنضوية تحت الفصول هي التي ستشكّل الحبكة الرئيسية للرواية، والتي تحمل الثيمة الفكريّة أو البؤرة التي يتمركز فيها موضوع الرّواية ومضمونها، وما النّصف الأوّل إلّا تمهيد زمكاني خامد بالمقارنة مع الانتقال الزّمكاني في النّصف الثّاني من الرّواية، حيث سنشهد تشكّل محور المعارضة -الذي كان غير موجود في النّصف الأوّل- بظهور أوّل الشّخصيّات المعارضة( ميساء زوجة الأب والأخوة الثّلاثة) التي ستشتبك مع الشّخصيّة البطلة ( إيفا) على محور التّكوين، من خلال أحداث ستتولّد على محور التّوليد لتصل ذروتها في العقدة، نقطة التقاء المحاور الثلاثة والتي سينقلب فيها الصراع باتّجاه الانفراج، والعقدة في هذه الرواية كانت الحرب التي قامت في سوريا على امتدادها الزمني الطويل والتي لم تنتهِ إلى الآن، تقول إيفا:

الحرب في أي بلد هي إشاعة للخراب والدمار والحزن والخوف من المصير المجهول، عاش السّوريّون في ظلّ كلّ هذا، بعد أن أصبحت سوريا " وطني البديل" ، وبعد أن أصبحتُ سوريّة بجنسيّتين، وَجَب عليّ أن أعيش ما يعيشون وأواجه ما يواجهون.... صفحة 125.

 تحديدًا من بعد العام 2015، الفترة التي شهدت الكثير من الأحداث، منها إصابة إيفا ووالدها إصابات بليغة جرّاء قذيفة سوّت بيتهم بالأرض، نجوَا من الموت بأعجوبة، والكثير من الانتقالات المكانية، بين دمشق وموسكو وبيروت( وكانت بيروت زمكانيّة جديدة مأزومة)، والكثير من التحوّلات والنّضج في الآراء، واتساع ووضوح الرؤية عند إيفا، فصارت ملمّة بتاريخ بلد مازال صامدًا جغرافيًّا، رغم أنها تكره التاريخ والسياسة :

أتحدّث عن الحرب ، بل حروب في بلد مازال- إلى حدٍّ ما – صامدًا جغرافيًّا: حرب الأخوة ، حرب الإنابة ، حرب الطوائف مدفوعة بالتّاريخ، حرب النفوذ، تعددت الحروب في بلادي وأنهكتها، حرب واحدة تكفي لتدمير وطن، فما بالك وقد تعدّدت الحروب على أراضيه؟

هي الحرب إذًا، التي طالت كلّ شيء، الحرب التي كانت ذروة الصراع، الذي ألمّ بحياة إيفا منذ موت والدتها، مبدّدة ضباب غربتها، لتقلب من بعدها صراعها بالحياة باتجاه الانفراج وتحديد الهدف، وجعل الغلبة للإنسانية، رغم أن إيفا لا تعتبر أنّ الحرب وحدها هي سبب هذا التّحوّل، فهي لم تورد الحرب بمعزل عن دوافعها الشّخصيّة، لأنها أرادت إبراز بطولتها الإنسانية التي لا بد أن تطفو على سطح الواقع حتى بدون محفّز واقعي، لتبدأ من بعد ذلك أحداث الانفراج، قرار التطوّع في منظمة اليونيسيف لمساعدة المواطنين المنكوبين كقرار أوّل في مثلث الانفراج:

أعزو الأمر إلى ذلك كلّه، ناهيك عن دوافعي الشّخصيّة بالطّبع، من حسن حظي أن فكرة العمل التطوّعي الإنساني لمعت في ذهني في وقت ملائم، بمساعدة من دبلوماسي عربي صديق، أقصد صديق افتراضي، تمّ تعييني في مكتب يتبع منظمة اليونيسيف..... صفحة 131

سيأتي القرار الثاني في مثلث الانفراج، بعد استقرار إيفا في اللّاذقية( أيضًا زمكانية جديدة) تعاملت معها إيفا بمنتهى الإيجابية،وشهدت حياةجديدة استقلّت فيها بمسكن عاشت فيه بمفردها، بعد أن غادر والدها وأخوتها وزوجة والدها إلى الإمارات، رفضت أن تترك وطنها، وأخذت على عاتقها كفالة ثلاث فتيات من الميتم يتّمتهنّ الحرب وشردتهن، فأصبحت أمًّا لهنّ وهي في العشرينات من عمرها دون أن تتزوّج، كان ذلك نهاية ما أوردته إيفا في مذكّرات مكتوبة سلّمتها لخالها أندريه، وهو يتلو المذكّرات على مسمع جدّتها بعد أن مات جدّها. تبع تلك النّهاية المفتوحة على احتمالات عديدة، فصل أخير أكّد فيه الكاتب على لسان الساردة أنّ الرّواية لن تنتهي شأنها شأن كلّ رواية ما زال أبطالها يتنفسّون الحياة، أقلّها أنّ البطلة ما زالت حيّة، كما أن الحرب السورية ما زالت مستمرّة...

أعقب ذلك الفصل الأخير بملحق، أصنّفه نقديًّا كعتبة الخلفيّة للرّواية، وهو ما يقابل الهامش في قصيدة النّثر الحديثة، وهي فعلًا هوامش زائدة عن الرّوايّة، وضعها الكاتب خارج أسوار الفصول التي تحمل الثيمة، وهي لاحقة زائدة لتفسير وشرح ما يفترض الكاتب أنّه خفيَ على القارئ، عبارة عن رسائل قصيرة من السّاردة إلى أسرتها، وخالها أندريه، وصديق افتراضي اتفقت معه على نشر الرّواية، وملحق آخر ملحق بالملحق عنونه ب (بين بلاشفيا واللّاذقية)، وهو أيضًا لاحقة زائدة لإشباع فضول القارئ، مشهد جامع بين نصفَي المتن السّردي، بين الزّمكانيّتين، أندريه وجدّتها الكونتيسة بمشهد درامي في بلاشفيا يبكيان (على سفر يشبه ملحمة أسطوريّة)، وإيفا في بيتها الواقع على مسار الطائرات الروسية تكتب مذكّرات جديدة، وما زلت متأكدة أنّ الضربات الروسية تدكّ معاقل الإرهابيين، وغير الإلرهابيّين من سكّان المناطق التي تطالها الضربات الصاروخيّة الروسيّة، وتؤكّد أنّها انساقت في مسار حياة اليتيمات وأنها...: " عدت إلى التّواصل مع الدّيبلوماسي العربي من جديد"

وكأنّها ترسل رسالة أنّها ستقع في حالة يوتوبيّة جديدة، هذه المرّة عربيّة الجنسيّة.

 طرحت الرّواية الكثير من المواضيع والقضايا، ولم تكن العاطفة ثانويًّة فيها، لكن فداحة القضايا الأخرى جعلتها تبدو كذلك، فكانت هناك قصة حبّ جدّي إيفا الكولونيل الشّيوعي الرّوسي والكونتيسة الألمانيّة، وقصّة حبّ كريستينا والدتها ووالدها الدكتور ثروت طوقان، وقصّة الحبّ الأسطوريّة التي ربطت بين إيفا والضّابط الطّيار السّوري المحاصر مع جنوده في مطار حلب العسكري عبر النّت لسنوات عديدة، وانتهت بموته بعد دخول القوات الروسية، تمّ فك الحصار لكن تمّ أيضًا إسقاط طائرته على يد الدّواعش. سنلاحظ أن إيفا لم ترتبط بعلاقة حبّ ملموسة، بل افتراضية، والعلاقة ذات العاطفة الملموسة (الأمومة) كانت مع الفتيات اليتيمات.

كما طرحت مواضيع اقتصاديّة ومعيشيّة يعانيها الشّعب السّوري تحت وطأة الحرب التي حارت فيها العقول:

تعمّدوا تدمير أنابيب النفط لخلق أزمة المازوت، وهي المادة التي نعتمد عليها في التدفئة، بلغ الأمر درجة أنّ الدول التي تدّعي التّحضّر فرضت عقوبات منعت توريد المشتقات النّفطيّة إلى بلدي، من بينها الغاز المنزلي والمازوت، حرمونا من وقود التّدفئة ومن غاز الطبخ، مَن دفع الثّمن؟ الشّعب....153

والكهرباء؟ ... قبل أشهر نسينا اختراعًا يدعى الكهرباء، المتحضّرون عاقبونا بمنع وصول إمدادات الوقود إلينا.... ص 155

طرحت أيضًا مواضيع ثقافية وتراثية بصيغة معلوماتية قام الحوار بحملها في مستهل الرواية، كما قام الوصف المباشر بحملها على لسان الساردة، نجد ذلك في وصف اللّاذقية وقد احتلّ حيّزًا كبيرًا من الفصل السّابع.

كما طرحت الرواية - من وجهة نظر السّاردة (إيفا)- رؤية متداولة من جانب طرَفي -وليس جمعي- عن أسباب وملابسات وبدايات الأحداث التي قادت سوريا إلى الحرب التي ما زالت قائمة إلى الآن، نجد ذلك كاملًا في الفصل السّادس (شرخ .. وعَفَن)، وليس للناقد أو المتلقي أن يناقش الكاتب بالأفكار والآراء التي يطرحها في نصّه، سيّما وأنه يطرحها عبر شخصيّة تتمثّل بفكر هذا الطّرف، ولن تكون مقنعة إن طرحت وجهة نظر أخرى (إيفا بنصفها الروسي)، التي لم ترَ القتال إلا بين الدواعش والجيش النظامي والروسي، ولم تلقِ بالًا للمليشيات الدّوليّة الخارجية الأخرى.

السرد: بدأ على لسان السارد العليم الذي وقف على منصّة الحكي على امتداد 103 صفحة، ليتخلّى بعدها عن الحكي للسّاردة البطلة إيفا، والتي اختار الكاتب أن يرقّم الفصول مع ابتدائها بالسرد.

سرديّة الحدث: الطريقة الحديثة، من العقدة ثم عودة نحو البداية ومتابعة إلى النهاية المفتوحة

التّقنيّات السّرديّة: كانت متنوّعة، حوارات خارجيّة وداخليّة، مذكّرات، رسائل نصّيّة.

الأسلوب: تناوب بين الأسلوب الواقعي الأدبي في أرقى أشكاله وهو السّهل الممتنع، والأسلوب الإخباري المباشر في السرد الحدثي.

 رابعًا- الخلفيّة الأخلاقيّة:

من يقرأ رواية (الوجه الآخر للضّباب) سيجد أنّها رواية ملتزمة بمنظومة الأخلاق العالميّة، فلم تخرج عن الأطر الأخلاقيّة لا بالألفاظ ولا بالمشاهد ولا بالأيولوجيات، بل كانت في غاية التّهذيب والرّصانة، رغم أنها تتكلّم عن شعبين وبيئتين، إحداهما في الغرب والأخرى في الشرق، فهي لم تتهجم ولم تتهكّم ولم تستخف بعادات وتقاليد وعقائد أيّ من المجتمعَين، وإن تعرّضت لبعض الأفكار المتدنيّة في كلا المجتمعين، فكانت بقصد الشّجب الإيجابي، ولم تعمّم، وتدعو إلى نبذ الطّائفيّة والعنصريّة، والحروب بكل ويلاتها، بغضّ النّظر عن مسبّباتها وأطرافها، رواية انتصرت فيها فطرة الخير الإنسانيّة، وأنتشت بذورها في الشّرق رغم أنّها اقتلعت من جذورها في الغرب.

وطني لقمة سائغة، دمشق- برمزيّتها المعنويةّ والسّياسيّة والحضاريّة- هي قلبه النابض، أصابها ما أصابه، عندما سيطرت تنظيمات مسلحة متناحرة على أحياء غير قليلة منها..... لا يخلو يوم من دون أن نسمع عن عمليات خطف واغتصاب وقتل على الهويّة، التفجير الذي يطال منطقة تسكنها طائفة، ينبغي أن تشهده منطقة تقطنها طائفة أخرى، والمفخّخة التي تنفجر في حيّ أغلبيّته سنّة، تنفجر واحدة مثلها في حيّ أغلبية قاطنيه من العلويين، دوّامة العنف وتغييب لغة العقل والحوار بلغا ذروتهما. ...صفحة 136-137

وختامًا:

نبارك للدكتور كريم صبح عمله الروائي الأوّل القيّم هذا، والذي تجاوز فيه عقدة الركاكة العمل الروائي الأول، فكان عميقًا في موضوعه، ومتمكنًا في تقنياته السرديّة، و بليغًا في أسلوبه الأدبي، بالإضافة إلى أنه كان دقيقًا في الوصف المكاني، رغم أنّه مواطن عراقيّ لم يزر لا روسيا ولا سوريا حتى الآن، وننتظر منه أعمالًا وروائع كثيرة في القادمات.

 

بقلم النّاقدة الذّرائعيّة السّوريّة: د. عبير خالد يحيي

الإسكندرية 25 حزيران 2020