صدر عن دار الفرات للثقافة والاعلام في الحلة - محافظة بابل / العراق، مجموعة شعرية عنوانها (مرايا عشق) وقد اشير على الغلاف الخارج اشارة تعريفية مختصر هي (نصوص شعرية، 2019) و اما عدد صفحاتها فكانت (110) والمجموعة قد احتوت على الاهداء الذي اصبح حاضرا عند كل المؤلفين شعراء كانوا ام كتابا ام باحثين، وتقديم بعنوان الحلول الصوفي بين الذات والاخرين وكان بقلم الشاعر الحلي الكبير جبار الكواز، ثم ثلاث وستون نصا شعريا، وهي قصة على ضفاف الروح، عند الصباح، احلامي، طيف العشق، هو منهمك، الروح، تهجد، هل يعود الزمن، نافلة الصبر، رقصة مجنونة، بعدك، احبك، قلبي يوزع نبضه، سفير في اتجاه الصدى، شجون المساء، هذا الصباح، غياب، نور، باب ركن، اين الوجود، عشق ابدي، قلبي محطة عشق، اين كنت، صلوات، غريب، دمي،، ليلة ما، تمهل، انفاسك، رؤياك، امي، رايت عيسى، جنيم ينمو، طيف العشق، الى ابعد من اغوارك، عشق، شوق، عاشقة تمور، بقايا حب، انتظر العبور، دع نسائمك، دون ان ادري، عشق مسحور، قمري، اتبعثر، برق العشق، اسافر، تراتيل ملكة، حديقة عذراء، القدس، عشق شاعر، ان للقمر بابا، بكيت، اعرفك، ياعيد نصعد بها نحو الفجر، احبك لي وحدي، اترك يدي، مصير، احرفي عطرة، كدت اشقى، اياديكم، سحب ثملى، وجوه تختلف، في هذه المجموعة وكما راى الشاعر الكبير جبار الكوز ان نصوصا كثيرة فيها تحيل الى صفخات من التاويل الروحي المنطلق من ثنايا الجمل الشعرية(1) (مرايا عشق: 7) وهذه القراءة الواعية تلفت نظرنا الى الاتجاه الصوفي التي تتبناه الشاعرة رؤيا واسلوبا افرغت من خلاله شحناتها العاطفية في نصوص شعرية تجلت فيها التجربة الصوفية وصلا ووجدا بروح الرومانسية الذاتية الكاشفة عن خلجات النفس ودخائلها واسرارها، وممارسة الاستبطان الذاتي القابعة في مشاعرها و، الذي يدفع بها نحو قصيدة الرؤيا والانزياح (الحب الالهي في الشعر: نت)، وقبل الدخول الى فضاء المجموعة، نجد انفسنا امام ثريا النص، الذي هو مفتاح النصوص والذي من خلاله نستطيع الدخول والتعرف على ما تحفل به من رؤى ومتع، وهذه الثريا او المفتاح هي العتبة الاولى للمجموعة وهوعنوانها الذي اختارته الشاعرة لمجموعتها واسمته (مرايا عشق )، وهي باختيارها للعنوان تؤكد انتماءها الفكري والوجداني الى الصوفية، فالمتصوفون عرفوا باتخاذهم المراة عنصرا اساسيا في تراثهم الشعري، فهم يعتقدون بانهم يرون الحقائق التي تنزاح عنها الحجب كما يتطلعون الى المراة، وقد انشغل المفكرون والنقاد في البحث عن المراة واسرارها، فباراسيليوس يرى المرايا عبارة عن نفق بين عالمين، العالم المادي، والعالم الخفي، حيث تنفذ الينا من خلالها معلومات العوالم الاخرى، اما جابر عصفور فيرى ان للمراة دلالات واشارات الى القرين والظل والاخر والشبح، وكلها تقنيات يتكؤ عليها الشاعر في الرؤيا، اما رمزية المراة فهذه من الحقائق القديمة التي تبناها الباحثون، واعتمدها الشعراء، لاسيما شعراء عصرنا، الذين اولعوا بتوظفها في اشعارهم، وبثوا رؤاهم من خلالها. وهذه التجربة قد مكنت الشاعرة من التعبير عن عرفانيتها واحوالها الذوقية ومجاهداتها النفسية ومقاماتها الباطنية

ها قلبي يصحبني اليك خذني ....

حيث الروح والشغف......

ولما كان الشعر الصوفي شعروجداني روحي، فقد امتاز يخصائصه الذاتية ورمزه المعبرة عن احواله التي تعبر عنها الشاعرة، وهي توجه الخطاب الى معشوقها برمزيته الصوفية فتقول له:

تبتلت حتى صرت منك

ضجيج عشق ...

على ضفاف روحي

اسكب قلبي شوقا

انفذ الى دمي

ومن خصائصه انه يبث روح الطمانينة في نفس السالك بحيث يتحول الى كائن لايرى الدنياالاشيئا لايعنيه زخرفه:

يبعد الوجع عن ذلك القلب

ما عاد بي الم يقهرني

اقتلع مني شوكة

شكرت صباحا

وفي الشعر الصوفي تتطهر الروح من كل ادرانها الدنيوية، لتكون خالصة لمعشوقها التي تجهد ساعية في الذوبان والاتحاد فيه:

وانا اتهجد عشقا في محرابي

تلفني حروف الروح

وتاج النور في دمي

فاسمع بين جسدي

صوتا يتردد ولها

خذني اليك

ها اني اولد عشقا

فيخلق قلبي يصيرني معه

طيفا واحدا في محرابي

ويرتل جسدي رعش الوجد

فتحملني انحناءة العشق بين السماء

اذوب ثانية بين موجة الضوء

اراها تتوحد في انفسنا

وراء القمر

اما لغة الشعر الصوفي، فهي لغة تمتاز بالرقة والسهولة، ولها جماليتها المميزة،، وتنوع دلالاتها، وهي تحظى بقدر وافر من الاشارة والتلويح، وهي كذلك عامرة بالدلالات التي تؤشر الى طريق السالك، وعندما يشتد الوجد ويتحمس الحضور تنطلق بشكل يكشف عن حلتها الصوفية ويرينا رؤيتها وهي تعبر بقولها:

بي دمع سجن الروح يتاديني

الى قلبي..

من باب التمني ادخل جنتي

رايت ربي

النفس تهوى والمدى طريق نفسي

الروح غابت فيك

انما نفسي.. نفسي

والشاعرة قد ضمنت مجموعتها قصائدا غير صوفيه ولكنها تعتني بمواضيعها ورؤاها برومانسية جميلة تنسا ب هادئة بلغتها السهلة والفاظها المحملة بالايقاع المتناسب واجواء القصيدة:، وقد نراها توظف التراث توظيفا فنيا مستعينة بالتناص، لتخلق صورة تحيل الى خزينها المعرفي ومرجعياتها الثقافية، فهي في نصها وظفت الهدهد كطائر لعب دورا هاما في القص القراني، عند استعراضه لقصة النبي سليمان وبلقيس ملكة اليمن، وهي بذلك جمعت بين المتعة والفائدة:

قمري العاشق الوحيد

سمع هدهد عن ملكة

تسبح عبر الزمان والمكان

خبرا جعلع لاينام

وفي نصها الذي يحمل عنوان تراتيل ملكة، تعود لتوظيف التراث برموزه نفسها الذي تناولته في نصها السابق.

وهي رغم انشغالها بعشقها الصوقي، وسكرتها بخمر الكشف والتهجد، لم تنس التزامها بقضية العرب المركزية متمثلة بمدينة القدس ذات الرمزية والمرجعية الدينية والقومية، فهي تبثها مشاعرها واحاسيسها، بلغة تضج بالم الشكوى والشوق لتلك الارض الغالية، فهي تمني نفسها بالعودة اليها والقدوم لها قدوم وفاء لعهد قطعت على نفسها:

اطرق باب القدس

هل من يستمع اناتي

نثرت الحرف

ارى الروح تسبقني اليك

فلسطيني اشواقي

قادمة اليك يوما

المجموعة بنصوصها المختلفة مكنتنا من معرفة جانبا من حياة الشاعرة، ورؤيتها للامور من خلال منظار الشعر، الذي تمكنت من صياغته باتقان محملة اياه اعمق الرؤى والافكار، التي ارى انها تحتوي على الكثير الممتع والمفيد، والذي ينعكس في مرايها صورا روحية ورؤى شفافة لتجربة لازالت تنمو بنشاط .

 

احمد زكي الانباري

 

حميد الحريزيرواية الحلم بدولة الحرية والديمقراطية ، دولة العلم والعمل

رواية (قرى الجن) الصادرة بتاريخ 1948 في طبعتها الثانية من مطبعة الراعي في النجف، أي في نفس سنة صدور رواية (الضايع) في طبعتها الثانية أيضاً (إذا كانت الرمزية طبعت الأدب العراقي المعاصر بوجه عام الى يومنا هذا، فمؤكد أنَّ هذا دليل واضح على نمط السياسة العراقية) جون توماس هامل – جعفر الخليلي والقصة العراقية ص32.

رواية قرى الجن هي نموذج للرمزية في كتابة الرواية العراقية حيث قال الدكتور جميل سعيد (خير مثال لهذا الأسلوب–الرمزية- هو "في قرى الجن" لجعفر الخليل الذي استعاد أجواء (ألف ليلة وليلة) و(العقل في محنته) لذنون أيوب و(أفول وشروق) لخالد الدرة)

جون توماس هامل-جعفر الخليلي-ترجمة الاستاذ وديع غلسطين والدكتور صفاء الخلص ص176

وقد افتتح الخليلي روايته بمقدمة رائعة بإهدائها إلى مدينته مدينة النجف الأشرف، كونها تمثل روح الناس الطيبين المتنورين الطامحين بالحرية والتحضر والتقدم لمدينتهم ولبلدهم عموماً حيث يقول:

(غالى المدينة الزاهرة التي كان لها الفضل في تنشئة حملة الأفكار الحرة.

إلى المدينة التي أخرجت عشرات الشعراء الذين دعوا للمحبة والرفاه والحرية، فكان لها في تاريخ الفضيلة سهم كبير..

إلى مدينة (النجف) القاحلة الجرداء أِلا من الحس والعطف، أهدي كتابي هذا كصدى لروح الطيبين من أبنائها الذين يسعون لخير المجموع ويحبون لغيرهم ما يحبون لأنفسهم) قرى الجن.

فمن خلال تحليل هذه المقدمة المختصرة للكاتب، يمكن أنْ يلمس المتلقي ما يصبو إليه الخليلي في التذكير بالتاريخ التنويري لمدينة النجف، وطبعاً لا يقصد الأرض بل يقصد النجفيين من رواد العلم والمعرفة ودعاة التنوير مقتدين بسيرة الإمام علي (عليه السلام)، كما أنَّه أشار إلى أهمية المدينة وأهلها كونها أغنت الأدب بالشعراء من ذوي الفكر الحر وهي إشارة ذات مغزى عميق.

كما أنَّه يؤشر إلى أنَّ الرأسمال الأكبر للمدينة هو حملها راية الحرية والتقدم لصالح المجموع، فهي لا تعدو أنْ تكون مدينة جرداء قحلاء، فخرها أنَّها تحتضن ضريح الأمام علي، وهو القائل (أحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأكره له ما تكره لها)، وهذه هي من أسمى وأنبل الصفات الإنسانية التي يصبو إليها الخليلي ومن رافقه.

الخليلي الطامح بالجديد والتجديد حيث ورد في تقريض لمجلة العرفان بحق الخليلي وبحق روايته (في قرى الجن):

(..الأستاذ جعفر الخليلي صاحب الهاتف النجفية الجريدة المرافقة بمباحثها وسائر شؤونها من كتابنا المجيدين المجددين حتى إنَّه كاد يؤمن بقول المرحوم الزهاوي:-

سئمت كل قديم......عرفته في حيــــــــاتي

إن كان عندك شيء...... من الجديد فهات

وهذا الكتاب تكاد تظنه من قصص ألف ليلة وليلة فتقرأه بلذة وهو يشبه الأساطير القديمة وإنْ كان جديداً بأسلوبه.. وفيه وصف لعالم الجن وهو أرقى بكثير من عالم الأنس، الذي يقرأَ الكتاب يحسب انَّه يقرأ أمراً واقعياً مع أنَّ المؤلف لا يعتقد بالصلة بيننا وبين عالم الجن.. والكتاب تحفة في بابه...) قرى الجن ص8

وفي مختزل من تقريض مجلة الهلال لوصف رواية (في قرى الجن):-

(.. وفق إلى تصوير تلك الحكومة (الخيالية) تصويراً رائعاً حتى بات يخيل للقارئ أنَّه حقا وسط بلاد الجن وبين صفوف سكانها وهكذا تمكن الأستاذ الخليلي من تشخيص كثير من الأمراض الاجتماعية والأدواء المزمنة الفاشية بين الكثير بأسلوب قصصي شائق جذاب)قرى الجن ص8  .

وفي وصف رائع لقصيدة طويلة لشيخ الأدباء الجليل عبد الحسين الحلي:

(شعوب حرة للجن....عاشت وهي في أنِ

وفازت بنظام....... فيه ما يمري وما يهني

نظام أغلق السجن...... فلا جان ولا مجني

فيا للفكر ما أبدع.......... ما يبني أب لأبنِ

وبالله ما أغرب........ وضع القبح والحسنِ

شعوب لا ترى سجينا ....وشعب هو في سجنِ)رق ص9

ومقالة للأستاذ عبد السلام حلمي:

(لم يقتصر هذا الكتاب القيم إلى ما ألمحت إليه في هذه الإلمامة على تناول بالبحث والدرس والاستقصاء أهم مسائل الحياة التي تشغل أفكار المصلحين وما يتعلق بالنظم التي تؤمن حرية الشعب ورفاءه وحقوق الأفراد والجماعات وكيف يجب أنْ تكون المصالح والمؤسسات الحكومية والأهداف الإنسانية التي لا جرم من استهدافها للوصول إلى حياة الاستقرار والرجاء ووجوب التساند والإخاء، ويتعدى ذلك مرفرفاً في آفاق أرحب إلى هذه الحروب والمجازر البشرية التي تنشب وتقع بين حين وآخر بسبب فساد النظم والأطماع...) رق ص12

من يطالع قرى (الجن) يجدها مشروعاً إصلاحياً طموحاً كان يشغل عقول الكثير من العراقيين وخصوصاً الأدباء والمثقفين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، في ظل الحكم الملكي التابع لقوى الاستعمار البريطاني ونهب ثروات البلاد من قبل الشركات الاحتكارية البترولية، والواقع المزري للمجتمع العراقي آنذاك من حالة الفقر المدقع والبطالة والأمية وانتشار الأمراض وعدم نزاهة القضاء والتفاوت الطبقي الكبير بين طبقات الشعب هي الأثرياء من الإقطاعيين والبرجوازية الطفيلية التابعة ومن كبار المسؤولين من الوزراء والنواب ومن لف لفهم، مصادرة الحريات الفردية وقمع كل فعل أو قول ينتقد الحكم الملكي ويسعى للتغيير، وتاريخ العراق كان حافلاً بالأحداثِ الكبيرة من تظاهرات واحتجاجات عارمة للجماهير العراقية وفي مقدمتها المثقفون والأدباء والكتاب من أبناء العراق سعياً إلى بناء دولة الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والابتعاد عن الأحلاف الاستعمارية آنذاك، الذي أراد الخليلي أنْ يترجم هذه الأهداف وهذه التطلعات عبر روايته الرائعة (في قرى الجن) التي مزجت بين الواقعية والواقعية السحرية والغرائبية من خلال سرد متقن وعبارة رشيقة مدهشة، نرى إنَّ هذا الأسلوب من السرد إنما هو ريادة متقدمة للخليلي في كتابة رواية الواقعية السحرية التي أمتاز بها سرد أواخر القرن العشرين على يد ماركيز وآخرين من الروائيين الكبار ومن حازوا على جائزة نوبل مكافأة لإبداعهم الروائي ولكننا نرى اللامبالاة والإهمال وعدم الاهتمام بمنتج الخليلي الإبداعي الرائع والسباق والمتحدي لأصعب الظروف للدفاع عن حرية وكرامة وسيادة الأوطان والإنسان، نمجد المنتج الأجنبي وهو يستحق التمجيد بلا شك ولكننا نهمل نتاج أبناء وطننا وكما يقال (مغني الحي لا يطرب)، ولا نكتفي بذلك وإنَّما نحاول تكميم فم المبدع ونكسر قلمه ومحاولة قتله كما حدث للخليلي والكثير من أمثاله من دعاة الحرية والتقدم، حتى وصل الأمر بسلطات صدام إلى طرده وتسفيره والبراءة من الخليلي وعائلته ورميه إلى إيران؟!

ولا غرابة أن يبدع الخليلي هذه الرائعة وهو وريث (ألف ليلة وليلة) المنتج الأدبي الخالد في ذاكرة الشعوب العربية والإسلامية والذاكرة العالمية أيضا.

فالمنتج الإبداعي الروائي العراقي في مثل هذه الفترة دلالة على تنسم روح الحرية والتحرر التي هبت على كل العالم بعد الانتصار الكبير على الفاشية في الحرب العالمية الثانية، وإعطاء الأمل للطبقة الوسطى العراقية بتجاوز ضعفها واسترداد أنفاسها من أجل تحقيق أحلامها وأحلام جماهير الأحرار والكادحين العراقيين بالحرية والتقدم والمساواة، وهنا تكمن أهمية إعادة الخليلي لطباعة روايتيه (الضايع) و (في قرى الجن) في 1948 عام المد الثوري في العراق، عام انتفاضة ووثبة كانون المجيدة ضد معاهدة بورتسموث وحلف بغداد الاستعماري.

وما أشبه اليوم بالبارحة في الواقع العراقي الراهن البائس حيث التبعية وتفشي الفساد والأمية والجهل والتفاوت الطبقي الكبير بين أفراد الشعب، وسرقة ثروات البلاد من قبل الحكام والطبقة السياسية الفاسدة، بالتخادم مع الشركات البترولية الاحتكارية من مختلف الجنسيات والقوميات، ربما تجعل من الإنسان العراقي يتحسر أسفاً إلى أيام الخليلي على الرغم من بؤسها!

حيث دفع العديد من الكتاب والمثقفين حياتهم ثمناً لأفكارهم الحرة والمنحازة للجمال والعدل ونبذ التعصب والطائفية ومحاربة الفساد، فاغتيل (قاسم عبد الأمير عجام) و(كامل شياع) و(الدكتور علاء مشذوب) وغيرهم من المثقفين والروائيين والشعراء، فـ (جعفر نفسه أحد أساطين القصة في العراق، واخلد كتبه الذي لا يزال ينتظر مترجماً قديراً روايته قرى الجن) هامل –ص72

من أجل أنْ تكون للقارئ صورة ولو مختزلة لرواية (في قرى الجن) نحاول أنْ نستعرضها من خلال السطور التالية:-

(زفاف الشيخ طاهر الساعي أبن الشيخ حسون الساعي يزف إلى ابنة عمه اليتيمة في هذه الليلة) رقص14.

يعرض الكاتب مراسيم الزواج بفرح غامر وحضور جمع كبير من الأقارب ووجهاء المدينة رجالاً ونساءً وشباباً، ولكن المفاجأة الكبيرة والمدهشة، هو الهجوم الغريب العجيب على دار العريس والعروس بالحجارة ومن ثم خطف الشيخ طاهر دون أن يعثر له أثر، ولا معرفة الخاطفين ولا أسباب الخطف، مما جعل الحزن والأسى والألم يهيمن على أهل الشيخ وعروسه ومعارفه، وحيرتهم في واقع ما حدث وأسبابه.

وبعد أنْ عجزوا عن الوصول إلى خبر الشيخ أضطروا للذهاب إلى المُنَّجِم ليكشف لهم مصير ولدهم، فأخبرهم المنجم أنَّه مخطوف من قبل جنية عشقته فأخذته من عروسه أبنة عمه، يطلب منهم المنجم أو (الساحر) إحضار عظم هدهد وأشياء أخرى ليتمكنوا من معرفة مكان الابن ولقائه، ويجب فعل ممارسات وطقوس صعبة تتطلب من يقوم بها أنْ يكون ثابت الجنان شجاعاً حتى يفوز بلقاء الشيخ إنْ تمكن من تجاوز كل العقبات وهو يرى العجيب والغريب والمخيف والمرهب فإنْ لم يكن قادراً على التحمل ربما يتعرض للخطر، وقد فشلت والدته في اجتياز الامتحان الصعب إذْ شاهدت الأهوال مما هو مرعب ومخيف مما لا يحتمل وتعرضت إلى صدمة نفسية وروحية كبيرة أفقدها توازنها العقلي والنفسي فانسحبت معلنة عجزها..

فقرر أنْ يقوم بتأدية هذه المراسيم صديقه الشيخ كريم الغرباوي الذي كان يظنها خرافات وخزعبلات لا تعقل، لكنه شاهد الحقائق بعد أنْ صمدَ أمامَ الامتحانات الصعبة وفي ليلة الأربعين حضر (مردان العفريت) ليلبي طلبات الشيخ كريم الغرباوي وإحضار (5) ليرات ذهبية.

يرسل رسالة إلى الساعي ويعلقها في شباك الزعفران، فتأتيه رسالة جوابية من الساعي يخبره بمكان وجوده في عالم الجن مع حبيبته الجنية واَّنه يعيش في سلام وهناء وفرح ويبلغه السلام لأهله.

وقد أوضح ألساعي لصديقه الغرباوي طبيعة دولة الجن وحكومتها وطبيعة وحياة مملكة الجن، وقد وصف لصديقه عالم الجن، جماله، فرحه، أمانه، عدالته، وأرسل إلى صديقه القلنسوة المسحورة والقلم المسحور وسيلته لكتابة ما يريد من صديقه ليرسلها في الحال لصديقه ومن ثم يأتيه الرد، وعند لباسه للقلنسوة لم يره أحد.

كان المجلس الجني الأعلى هو المهيمن على السلطة في مملكة الجن.. حيث ألغى المجلس الاستعمار. تم أعطاء الحرية المطلقة لكل الشعوب الجنية اختيار نوع الحكم وانتخاب الحكومة) ص64.

واضح هنا ما يرمي اليه الخليلي في طموح الشعوب للخلاص من الاستعمار في عالم البشرية وإعطاء الحرية التامة لشعوب الأرض لاختيار حكامهم، هذا الأمر يبدو مطلباً في العراق الملكي المنقوص السيادة تحت الهيمنة البريطانية، ومحاولة ربطه بحلف استعماري خطير.

أرسل الساعي إلى صديقه الغرباوي نظارة جميلة من اختراع أحد نبغاء الجن التي أنْ وضعتها على عينيك تكشف ما يخفي الشخص من المال سواء بين طيات ثيابه أو في باطن الصناديق أو تحت الأرض، مما مكن الغرباوي من كشف زيف الكثير من المتسولين المحتالين وما يملكونه من ثروات ومكان إخفائها.

كما يعرض لنا التقدم الكبير في مجال الرعاية الصحية المتقدمة جداً واهتمام مملكة الجن بالوقاية الصحية من الإصابة بالأمراض كونها خير من العلاج، وهنا يقارن الروائي ما موجود في مملكة الجن الحلم والطموح والواقع المتردي على الأرض في مملكة العراق.. ولا نظن إننا الآن أحسن حالا مما كان..

كذلك تميزت مملكة الجن بعدم وجود وزارة للخارجية ولا يحتاج الجن إلى جواز سفر للسفر والانتقال من مكان إلى آخر.. فلا حدود ولا قيود في عالم السلام والعدل والرفاه والحرية الواعية.

الحديث الممتع والطريف حول الدجاجة التي تجيد الغناء التي تبيض كل ساعة بيضة، والربط بين متعة الغناء ومتعة إنتاج الذهب، فالفن والجمال منتجان للثروة المادية والروحية..

كما إنَّ الكاتب يكشف الظلم والاستغلال للطبقة العاملة العراقية من خلال نظارته السحرية ومطالبته بضرورة أنصاف هذه الطبقة الكادحة أداة البناء والأعمار في كل العالم وهي دلالة وعي الخليلي بمكانة وأهمية ومظلومية الطبقة العاملة، وعلى مدى تأثره بالفكر الشيوعي الماركسي حيث كان للشيوعيين وجود وحضور قوي ومؤثر في النجف وعموم العراق وقت صدور الرواية كما ذكرنا ذلك سابقاً.

اهتمام الجن بالثقافة والأدب والفن فقد كانت لهم أغنية رائعة\ هي دعوة للعمل والنقاء والجمال والمتعة والمحبة والفرح وتعتبر هذه الأغنية بمثابة دستور مقدس يستظهره كل جني ويحاسب نفسه على ما أستطاع أن يفهم منه ويطبق مفهومه على حياته العملية فهي كالصلاة التي يرددها المسلمون في كل يوم ولكن الفرق أنّ المسلمين يرددون صلاتهم كما تفعل الببغاء والجن يتلون أنشودتهم وهم يعنون ما يتلون..)ص103.

هنا إشارة جريئة وواعية تبصر المسلم أنْ يعي ويتمثل مضمون ومعنى صلاته والالتزام بما ترمي إليه هذه الفريضة الإلهية المقدسة.

الساعي يخبر صديقه الغرباوي من خلال رسالة مرسلة إليه من خلال التواصل عبر القلم الذهبي قائلا: (إنني يا أخي لم أعد ذلك المتلهف المشتاق الوجل على أمي وأبي وأبنة عمي ولا أدري أهو بفضل هذه البيئة الفاضلة والمحيط الراقي أم بسب وسائل سحرية سحرتني بها زوجتي الجنية لأكون لها وحدها) ص105.

واضح هنا مدى السعادة التي يعيشها الساعي في مملكة الجن محققاً أحلام كل إنسان في مختلف جوانب الحياة بحيث تنسيه ألم فراق والديه وزوجته عروسه ابنة عمه.

يصاب الغرباوي بالجزع لاحتراق قصره المنيف الذي بناه له الجن وصار أعجوبة لأهل البلدة، (وأّنَه كان يجزع لفقده النظارة جزعاً كبيراً فقد التهمتها النيران ضمن الأثاث والحاجات الأخرى)ص107.

فيبعث للساعي رسالة يطلب فيها تزويده بنظارة وقلنسوة جديدة.

الساعي تبهره قرية الجن وحياة الفلاحين الجن في المملكة (أحسن الأعمال عند الجن هو ما كان مبنياً على أساس الاستقامة والعدل والمروءة، سواء أكان ذلك في ميدان السوق أو الزواج أو الحب أو التربية والتعليم) ص114.

وأورد وصفاً لطبيعة التعليم وجمال شكل المدرسة في القرية.

يطلب الغرباوي من صديقه الساعي أنْ ينقله إلى مملكة الجن فلم يعد يطيق الحياة على الأرض قائلاً لصديقه (إنّي راض بأنْ أكون حماراً ولا أكون أنساناً بهذا العيش وهذه الدنيا) ص126.

فيودع أمه وقد حمله الجني إلى مملكة الجن بعد أنْ استطاع أنْ يحصل له الساعي على الموافقة للعيش في مملكة الجن.

ينبهر الغرباوي بما شاهده في مملكة الجن اللباس، الجمال، الزينة ومعالم الترف الكبير الذي يعيشه سكان مملكة الجن.

كلف بكتابة مقالات توضح حياة الناس على الأرض ممارساتهم وأساليب تعاملهم وطبيعة حكمهم.. وقد عدّ مخالفاً في بعض مقالاته وخرق القوانين الجنية، فعوقب بتحويله إلى نملة من قبل مجلس قضاة الجن ليتعلم على طبيعة العمل الجمعي التضامني، ثم تم مسخه إلى كلب، غرقه في بحر الدبس، ومن ثم العودة إلى بيت الشيخ غفران..

يصف في مقالاته حالة الحزن والإدمان عليه في الدنيا حيث يصفه ببلاد الأحزان (بلد الأحزان هذا هو البلد الذي يتعمد أيجاد كل وسائل الحزن والألم والشقاء لنفسه ليحزن ويشقى بمجرد أنْ يموت واحد منه) ص150(حاحوحا يبو)

(قوما سلوتهم في عزائهم وتفريحهم في مصيبتهم، ولذتهم في شقائهم) ص158.

(لقد سرت العادة من النساء إلى الرجال فلجأ قسم من هؤلاء إلى اللطم ولم يعد يأنس بغير أخبار الأموات وإقامة الأحزان وعقد المجالس) ص160

(أحزر أية مدينة غناؤها العويل ونشيدها النشيج وموسيقاها دق الصدور ومسارح روايتها وتسلياتها اللطم وأدبها كله أو جله رثاء) ص160.

كم تبدو هذه التوصيفات جريئة في ذلك الزمان في أواسط القرن العشرين؟ ولا شك أنَّها الآن أكثر وأكبر خطورة وأنَّ مظاهر الأحزان تضاعفت أضعافاً مما عاشه الخليلي، فليته يستفيق الآن ويرى مظاهر شج الرؤوس حتى للأطفال، ولطم الصدور والخدود وتطيين الملابس والسير على النار وغيرها من البدع الشعائرية التي لا تمت للثورة الحسينية بأية صلة وووو..

بعد أنْ لمسوا هيمنة الحزن والألم على روحه ونفسيته قرروا (علاجه يصيرونه بلبلا ًغريداً يصدح بالغناء مدة تكفي لتغيير طبيعته المحزنة الشبيهة بطبيعة البوم)ص165 التي ورثها من مملكة الأرض

الاستهتار بالقوانين وتفشي الرشوة والفساد في مملكة الإنسان على الأرض:

(صدقوني إنَّ المخالفة للقوانين العامة والاستهتار بالنواميس الاجتماعية والرشوة بجميع أنواعها وصورها قد بلغت يومها بتلك الزاوية من الدنيا مبلغاً لم يطق معها إنسان أنْ يبول بدون رشوة فكيف به إذا أراد أنْ يبيع وانْ يشتري وأنْ ينقل المتاع من جهة إلى أخرى وأن يبني ويؤسس إلى غير ذلك من مقتضيات الحياة) ص168.

ليتك تشهد ما نحن عليه الآن أيها الخليلي فقد أحرزت حكومتنا الدرجة الأولى بامتياز في الفساد بين حكومات العالم ؟!

يسهب في وصف حالة الوطني المغرور والمزيف، إهمال المواهب والكفاءات، ناس هيمن عليهم الكسل امتلكوا السلة والمال وآخرين يكدحون ويجدون دون أن تقدر جهودهم وصفهم بدودة القز، الصحفي المزيف، الكاتب المتزلف، الموسيقار العالم الروحاني.. الخ . هذه صفات حكومة ملكية يتحسر بعضهم عليها في زمننا الحاضر في ظل الحكومة الديمقراطية علامة الـ USA

نظراً لكتمان الشهادة بالحق يمسخ الغرباوي إلى كلب لمدة عشرين يوماً، فيرى ما يرى في حياته الكلبية، وما يلاقيه من الاستهزاء والاستخفاف من قبل الكلاب والقطط في دار أسياده من أهل الجن، ينظم بعد ذلك عرس بين (بيوض) الكلب الممسوخ والكلبة (زه زه) في احتفال كبير، فالحب والعشق محتفى به حتى للحيوانات..

يطول الحديث حول رواية في قرى الجن، التي تمثل حلم الخليلي ومن شاكله من أحرار ومتنوري ذلك الزمان للعيش الكريم ودولة المؤسسات الرصينة ووجود المؤسسات المحترمة من صحة وقضاء وتعليم وفنون والتوزيع العادل للثروة وإنصاف العاملين ونبذ المستغلين الكسالى.

هذه الأحلام التي ما زالت حلم العراقيين من أجل حياة أفضل وهم يعيشون واقعاً حياتياً ربما أسوأ مما كان عليه زمن الأربعينيات الذي عاشه الخليلي، نتمنى على الجهات الأدبية والثقافية والفكرية الأهلية والحكومية أنْ تبادر إلى جمع وإعادة طباعة كل نتاجات جعفر الخليلي الأدبية والثقافية لما لها من أهمية كبرى في حركة التنوير المطلوبة في عراق اليوم أكثر من أي وقت مضى.

تختم الرواية بنهاية صادمة للقارئ الذي عاش أجواء وتفاصيل ومشاهد غريبة عجيبة وكأنها حقائق واقعة من خلال السرد المحكم والأسلوب الرائع في السرد ليخبرنا إنَّ كل ما رواه كان حلماً ليس إلا (حانت هنا التفاتة من الجدة إلى حفيدها فالفته يغط في نوم عميق فأدركت أنَّ قصتها قد ذهبت أدراج الرياح وأنَّ الولد لم يع منها – إذا وعى – إلا قليلاً فمدت يدها إلى السراج فأخمدت أنفاسه وإلى اللحاف فسحبته وسلمت هي نفسها للنوم) ص190.

نعم أيها المبدع الكبير والحالم الرائع فالولد لم يع حتى القليل من قصة الجدة ولو أتيت اليوم لشاهدت الأسوأ فالجهل هو السائد والخرافة مهيمنة والرشوة والفساد تنخر كل مفاصل المؤسسات الحكومية والبطالة متفشية، المال والجاه ملك الأقلية الفاسدة والقهر والإقصاء والتهميش نصيب الكفء النزيه النابه الفطن الكادح المثابر.

وأنت أوضح مثال على الأبعاد والتهميش حيث حوربت من قبل المجتمع ومن قبل السلطات فأبعدت وأقصيت أنت وعائلتك وأحلامك ومشاريعك لتموت في الغربة، نرى إنَّ جعفر الخليلي فكراً وثقافة وتطلعاً وطموحاً إنّما كان يمثل صوت أحرار العراق في تلك الفترة من الأدباء والكتاب والمثقفين ورجال الدين المتنورين ومن العمال والفلاحين وعموم الكادحين وصوت القوى السياسية الديمقراطية واليسارية النشطة والعاملة من أجل عراق حر وشعب مرفه سعيد وبناء دولة الرفاه والحرية دولة الإنسان المواطن الحر الكريم فقد كانت هذه الفترة حافلة بالأحداث مميزة بحراك شعبي اجتماعي مميز متواصل وعنيف من أجل الخلاص.

 

بقلم:حميد الحريزي

 

تأخذ الكثير من المصطلحات نصيبها من التَّطور تزامناً مع الحداثة التي من المفترض أنَّها تنير عتمة واقعنا وتبدِّل أَحوالنا الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إلا أنَّها في أحايين كثيرة تزيد هذا العالم عتمة ووحشة؛ نتيجة الانتكاسات الفكرية والحضارية التي تعصف بالشعوب من وقت لآخر، ومن أبرز تلك المصطلحات التشيؤ الذي أخذ صدىً كبيراً في الدراسات الاجتماعية والأدبية؛ بوصفه إفرازاً طبقياً حداثوياً، لكنه في الحقيقة ما هو إلا انعكاس للعبودية واستغلال الذَّات البشرية التي لازالت متمسِّكة بجذورها في مواكبة العصور البيروقراطية في كل زمان ومكان، فبعدما تشعبت الأَخيرة في مفاصل العصور القديمة وما آلت إليه من دحض وتسقيط للقيمة الإنسانية للفرد عادت مستفحلة من جديد في عصرنا الحديث بمضامينها المختلفة وأساليبها المتغايرة من مجتمع لآخر ومن بيئة لأخرى بثيمة جديدة والمسماة بـ(التشيؤ) الذي يرى الإنسان عبارة عن شيء متصنِّم وسلعة قابلة للبيع والشراء، فأصبحت العلاقات البشرية قائمة على تجارة المنفعة واستهلاك القيم.

يرى لوكاش أنَّ مشكلة التشيؤ وصنمية السِّلعة هي مشكلة نوعية لعصرنا، وإنَّ التعامل التجاري والصلات المطابقة له وجدت في مراحل بدائية من تطور المجتمعات، فقضية امتداد التعامل التجاري كصيغة سائدة للمبادلات في مجتمع ما لاتدع نفسها تعالج في اتباع عادات الفكر المعاصر المشيأة بتأثير الصيغة التجارية   السائدة فيه، وإن تعميم هذه الصيغة يسبب تجريداً للعمل الإنساني (1)،

كما يُجمل المنظِّرون مسببات التشيؤ بعدة اتجاهات وما يهمنا هنا السبب الأوسع انتشاراً وهو الترشيد والمراد به: ترشيد القيمة الإنسانية للفرد وعلى ضوءها يتم إخراج الإنسان من عالمه الإنساني وزجَّه في عالم الأَشياء، فيصبح هو والأشياء في منزلة واحدة يتحرك داخل قوقعة تسودها النُّظم البيروقراطية وليس الشخصية، فهو بمثابة اقتحام للذات الإنسانية وسرقة مضامينها الجوهرية ومعانيها الأَصيلة وإيداع محلها سلوكيات عقيمة لا تمكِّن الإنسان من جعله إنسانياً حقيقياً. ويُعد هذا المصطلح الأَكثر شيوعاً في كتابات (ماركس فيبر) الذي درس المجتمعات الحديثة، إذ يراه عملية فرض وتنميط للنماذج البيروقراطية على الواقع الإنساني تزداد تضخماً إلى أن تصل إلى القمة الإمبريالية، فتتم السيطرة على كل جوانب الحياة، ويتحكَّم الإنسان في الواقع إلى أن يتحول المجتمع إلى آلة بشرية ضخمة تُجبر الأَفراد على أن يؤدوا أدواراً محددة ويشغلوا أماكن محددة لهم مسبقاً، فيؤدي ذلك لانعدام الحرية الفردية وتحوّل المجتمع إلى قفص حديدي(2).

ويرى أعضاء (مدرسة فرانكفورت) أنَّ تحجيم الفرد وانحسار القيم الروحية والثقافية يعود إلى انتشار ظاهرة الترشيد مما جعل الإنسان كائناً متشيئاً ذا بعد واحد يرتبط وجوده بالاستهلاك والتسليع، أما (هوركايمر وأدورنو) فقد ذهبا إلى أنَّ ترشيد العلاقات الاجتماعية في عصرنا الحديث أدَّى إلى أمرين متناقضين: الأول هو انعتاق الإنسان من أسر الضرورة المادية، والثاني هو تسلعه وتشيئه وبهذا يكون فاقد للحرية والعدالة والسعادة (3).

إنَّ رواية (عذراء سنجار) للكاتب العراقي (وارد بدر السالم) من الروايات الوثائقية التي رصدت تاريخ متأزم لحقبة مظلمة عاشها المجتمع العراقي في العصر الحديث، تلاحق الهرطقات العقائدية وأزمة الإنسانية وبشاعة الممارسات التي قامت بها المجموعات المتطرفة تحت مسمى تنظيم الدولة الإسلامية تجاه الطائفة الأَيزيدية المغلوبة على أمرها أثناء احتلال سنجار الدَّامي، وما صاحبه من جرائم إبادة جماعية كان النصيب الأكبر فيها للرجال، وتعذيب الأَطفال والاستحواذ على النساء؛ لتحقيق أَغراضهم الشاذة وتحويل المرأة الأيزيدية إلى جسد استهلاكي يُباع ويُشترى بسهولة، ويتم الاستحواذ عليه بطرق حيوانية وهمجية تحت مسمى الدين ومتطلبات الجهاد.

تحولت المرأة الأَيزيدية من كائن بشري يتمتع بكل المقومات الإنسانية إلى كائن صنمي متشيء وسلعة تُعرض للتثمين في سوق النخاسة؛ لتلبية أغراض المغتصبين للأَرض والعرض، لا تملك حق تقرير مصيرها أو التعبير عن رأيها أو تغيير واقعها وتعيش تحت إمرة مالكها الذي سيبيعها إلى الآخرين بعد الإنتهاء من غايته، فعانت انتهاكاً جسدياً ونفسيا؛ً نتيجة الممارسات اللاسوية والأحكام الرجعية التي طبقت عليها بعد أن رفضت التخلي عن دينها (بالنظر لامتناع الكافرات المدرجة أسماؤهن في أدناه بالدخول إلى الدين الإسلامي الحنيف، ونظراً لصغر أعمارهن وبعضهن غير بالغات، فقد حكمنا شرعا بحقهن الحكم التالي: أولاً: حلق رؤوسهن في مكان عام ويشهد على ذلك العامة. ثانياً: جلدهن ثلاثين جلدة في مكان عام ويشهد على ذلك العامة. ثالثاً تُعد هذه العقوبة أولية وتأديبية وتودع الكافرات في سجن الولاية بعد الجلد لحين توبتهن)(4)، فعانت المرأة الأيزيدية المتشيأة محنة طويلة دامت عدة شهور دون أن تُسمع استغاثتها أو الهرع لإنقاذها من قبضة المجاهدين الذين يُنزلون على جسدها السياط في حال الرفض أو المقاومة (كان وقع السياط لاسعاً أثار الصراخ والعويل للصبايا اللواتي كنّ صامتات حتى قبل لحظة. ومع أول سوط للمجدور انفتحت الأجساد عن صراخ مكبوت وتوسلات طفولية غير مفهومة)(5)، فتحولت إلى سلعة يتم بيعها أو استبدالها تبعاً لرغبة مالكها الذي يجبرها على التجول معه فقد يشتريها من مدينة ويبيعها بمدينة أخرى (كل الأيزيديات سبايا يا عم. أغلبهن باعوهن بالموصل والرقة وحلب والفلوجة... كل داعشي له حصة من السبايا الأيزيديات وهو حر أن يبقيهن معه أو يبيعهن لمن يشاء ليزيد من رصيده المالي)(6).

رواية (عذراء سنجار) مُثقلة بالهموم الكثيرة والانتهاكات الإجرامية التي وقعت على الأَيزيديين، إلا أنَّ قضية المرأة كانت الأَكثر بشاعة وإهانة للإنسان والإنسانية جمعاء، فتشيؤها كان امتداداً للعبودية التي عانى الإنسان منها قديماً ومن أَساليبها المقيتة المتمثلة بامتلاك المصير ونفي الحرية والعدالة وإهانة القيم الإنسانية وتفريغ الذَّات من جوهرها الأَصيل، وتحويل العلاقات بين العبد والمالك لعلاقة تسليع وتسقيط للصلات المشتركة، وعلاقة تتضمن عقود شرائية من أجل المنفعة والاستغلال.

 

دعـاء عـادل آل عزوز

..................

الهوامش

(1) ينظر: التاريخ والوعي الطبقي، جورج لوكاش، تر. د. حنا الشاعر، دار الأندلس، بيروت، ط2، 1982: 82.

(2) ينظر: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، عبد الوهاب المسيري، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط1، 2002: 148.

(3) ينظر: المصدر نفسه: 49.

(4) عذراء سنجار، وارد بدر السالم، دار الجواهري، بغداد، ط2، 2016: 52.

(5) المصدر نفسه: 57.

(6) المصدر نفسه: 75.

 

ما يميزُ شاعر عن آخر هو طريقة استعماله للمعاني السائدة في سياق فكري غير مألوف و أن عملية توليد المعاني لا تتم الّا بتحريره كما اسمته الناقدة أسمية درويش (تحرير المرآة نفسها). وهذا يتيح للشاعر أن يؤسس نظرة جديدة للإنسان والآخر، كما يميز لغته الشعرية عن غيره .

وفي مدونات أعرابي للشاعر عارف الساعدي التي حملت بعداً تاريخياً مهماً، لكن هذا البعد قام على أساس نظريات فكرية استطاع الشاعر في المدونة أن يوظف تلك النظريات بنسق مخفي، كما أنه جعل الإنسان والمادة جسداً واحداً وهذا يضعنا في قلب  الرؤية الصوفية التي ترى وحدة الوجود . الإنسان خلاصة الكون الأكبر . هو الكون الأصغر. وبهذا المعنى يصبح الشعر مريئاً ناطقاً بلغة الشاعر متحركاً فيه، في افتتاح المدونة يؤسس الشاعر قراءة جديدة لشعرنا العربي في حركية قائمة على الموروث التاريخي في فكر يضمره النص، فيقول:

كذبٌ وآدعاءٌ هو الموت

فأنا لم أمت بعد

وأنا منذ أنْ ولدتني الهجيرةُ

مازالتُ حيا

ولدتُ بخاصرةٍ في كهوف اليمن

قبل عشرين عاماً من البعثةِ النبوية

أذكر أني ولدتُ

وما زلتُ أذكر

النظرة الأولى للنص تظهر نزعة التمرد على شيء محتم لا مفر منه يحاول الشاعر أن ينفيه عن ذاته هو الموت، لكن تتضح أن هناك عملية نسقية مستمدة من نظرية فكرية وهي مستمدة من مذهب السبيوزية لمؤسسها المفكر والفيلسوف باروخ سبينوزا الذي يرى (إنَّ أخر ما يفكر فيه  الرجل الحر هو الموت ؛ لأنّ حكمته ليست تأملاً للموت بل تأملاً للحياة) . النص محملاً بتأملات ورؤيا عميقة للحياة وهذا ما يسميه الوجوديون الانتصار على الموت، فالنص الشعري كان يضمر آفاقاً فكرية لا يرصدها الّا المتلقي النخبوي وهذا يحيلنا إلى رصد ايديولوجية الشاعر الصوفية التي تنظر للموت بأنه مشاركة الحياة الإلهية التي تجري بالفعل من خلال الوجود على الأرض ويعدّ الموت الصوفي و الانتصار على الموت العضوي، فالشاعر في قوله (أنا منذ ولدتني الهجيرة ما زلت حياً) تتطابق مع باروخ .

وبعد عملية الولادة وأزلية الحياة ينتقل الشاعر إلى تأمل فكري أخر ومرحلة أخرى هي البحث عن الإله فيقول:

كيف نصلي

ونشد النذور على بابهم

ونغسلُ أحلامنا بالمطر

وأذكر أني درجتُ على تلكم الأرض

وعتقتُ أدعيتي في الكهوف البعيدة

ثم احتميت بما ظل من خيم الآلهة

غفوت على بابهم مطمئناً

شكمتُ الرؤى العابثات

وزجرتُ خطىً تائهة

سلام على عدد الآلهة

ثلاثون عشرون

لا اتذكر

لكنهم كثرٌ طيبون

ثلاثون رباً ينامون في غرفة واحدة

ثلاثون رباً على الامم البائدة

ثلاثون رباً ولكننا أمة واحدة

الشاعر يصور الحياة قبل البعثة النبوية التي كانت زاخرة بتعدد الآلهة والتقرب إليها بالنذور والقربان هذا ظاهر النص، لكن ما يخفيه النص من نسق فكري يعود إلى النظريات الغربية في مرحلة عصر التنوير في القرن الثامن عشر وما بعده الى العصر الحديث حين أعلنوا موت الإله وحل محله (العقل، الطبيعة، الروح، الثقافة، الفن، الإنسانية، الوجود المجتمع الآخر.. كلّ هذه تعمل بين حين وآخر لتحل محل الإله). فتعدد الإله في النص السابق لا يعني الوثنية اطلاقاً، بل يدل على تلك البدائل التي حلت محل الإله من قبل المفكرين الذين زعموا أنه مات، فالشاعر في قوله (ثلاثون رباً ينامون في غرفة واحدة ...) يشير إلى تلك البدائل التي نابت عن الإله وهذا يظهر وعيه الفكري وصراعه الذاتي . ثم يعود في مدونته إلى عودة الإله بعد موته، فيقول: اتذكر أني تركتُ اليمن

وأدركت وجه النبي بمكة

صافحته مرتين

عطراً كان ذاك النبي

ويأخذ القلب قبل اليدين

ولكنما يده الفارهة

كسرت أذرع الآلهة

ثم قال لنا إنما ربكم واحد واسمه الله

النص يوضح مرحلة التوحيد التي عاشها العرب عند قدوم النبي الذي جمعهم على إله واحد هو الله، لكن النسق الفكري مستمد من النظرية الغربية التي أشار إليها تيري ايغلتن هي عودة الله بعد أن ذبحته العلمانية والرأسمالية المعاصرة (رفع الله الحانق رأسه مرة أخرى، متلهفاً لإبداء احتجاجه على أن ورقة نعيه قد صدرت قبل الأوان . يبدو أن العلي القدير لم يكن مثبتاً جيداً في تابوته المقدس). فالشاعر حين انتصر للإله لجأ الى استعمال صوت النبي ؛ ليكون اقرب إلى المتلقي (انما ربكم واحد واسمه الله) إعلان عودة الله بعد موته وهذا يتطابق مع تلك النظرية . ثم يطرح الشاعر المفكر في المدونة قضية فكرية أخرى فيقول :

لم نكن نعرف الله الّا قليلاً

ولم نك نعرف إنّ الإله

الذي وحدته القبائل شتتها بعد حينٍ

فلم يبصروه ولم يعبدوه

ولم يعرفوا لرضاه سبيلا

النص يدخل في مرحلة جديدة من بعد التوحيد والاسلام، وهذه المرحلة في نظري تعلن موت الاسلام كدين ليبدأ مرحلة أخرى هي الاسلام السياسي بعد وفاة النبي والتي نتج عنها سفك الدماء والفتن والحروب المستمرة الى يومنا هذا، واكثر القادة الاسلامين بعد النبي قد ماتوا قتلاً هذا يؤكد أن اسلام هذه المرحلة لم يكن ديناً كان ايديولوجيا سياسية وهذا ما يوضحه هولباخ وهيوم في (الدين بوصفه ايديولوجيا سياسية وأن الجلاد وليس القس هو الذي يدعم النظام الاجتماعي) .

المدونة كانت حاملة لأنساق فكرية مستمدة من نظريات في الفكر الغربي وهذا يحلينا إلى أن وظيفة الشعر هنا كانت فكرية اكثر ممّا هي جمالية واجتماعية، فالنسق المضمر كان حاضراً والشاعر عارف الساعدي كان مفكراً ناجحاً في طرح تلك القضايا حين اضمرها في الأنساق كذلك في مدونته خاطب النخب والمفكرين أكثر من المتلقي الاعتيادي .

 

موج يوسف

........................

المصادر

1-  موسيقى الحوت الازرق ادونيس : ص 83 .

2 - الموت في الفكر الغربي جاك شارون : 20 ـ 75 .

3 - الثقافة وموت الإله تيري إيغلتن : 61، 226، 39 .

 

جمعة عبد اللههذه المجموعة الشعرية هي الاولى في تجربته الشعرية، لكنها تعتبر محطة للانطلاق في الرحلة الشعرية في آفاقها العريضة والشاسعة. وهي ترسم ملامحه الشعرية لخطواته اللاحقة، التي تميز بها ببرعة متميزة ومتفردة في اسلوبيته الشعرية المتألقة، التي تحمل الرؤية الفكرية والفلسفية، في رؤى التعبير الرمزي الدال. في فن التصوير الصورة الشعرية بشكل ملهم. في صخب السؤال والتساؤل، الذي يحتضن الحياة والوجود، بالصراع والجدل. فهو يبحر في امواج الواقع العاتية والهائجة. دون شراع. يقتحم الاشياء بالمجازفة المتمردة. لذلك يمتلك الفعل الشعري الصاخب الذي يفجره في المياه الراكدة. فهو المتمرد والعاشق يقتحم الزوايا والدهاليز، في البحث عن المفقود في علقم الحياة. يبحث عن نور الحرية المفقودة ويفعلها. كما فعل (بروميثيوس). فهو يطرق الجدار الصامت بصخبه الشعري، ليؤكد على وجوده. بحواسها التي يطرقها بلا وجل ولا كلل. وانما هو الطفل الحالم والمشاكس، الذي يكبر بعشقه المشتهى. يكبر بغريزته الطامحة الى امتلاك الاشياء. يغور في اعماق الحياة العارية بالاسود والابيض (الفحم والطباشير) فهو يصنع الحرف الشعري، ينحته، يرسمه، يصوره بأشكال مشتهاة الروح، يعجنه بالاسئلة الصاخبة في دلالتها الرمزية والتعبيرية. ويحاول ان يلفت انتباه القارئ او السامع ليشده في الانتباه اليه، ثم يجذبه بالمؤثرات، في أثارة الحواس الداخلية. ليضعه في محنة السؤال والتساؤل. لذا فأن ملامح قصائد المجموعة الشعرية (فحم وطباشير) فتحت الآفاق العريضة في تجربته الشعرية. بالطرق غير المألوفة، حتى اكتسب اسلوبية ملهمة في الشعر، التي تهيج بفعلها فوضى الحواس، في عواطفها الهائجة والمتمردة على أشياء الواقع. لذلك ان قصائد المجموعة في أسلوبيتها الشعرية، تمتلك المونتاج المركب. بسيناريو خزين الذاكرة. وسيناريو الاشياء الحياتية والوجودية الظاهر والملموسمة في افعال الواقع. لذلك يطرقها بقوة بما يمتلك من الفعل الشعري المتعدد الابعاد. في التمرد. في العشق، في كنة الضياع الحياتي. في كنة الاشتياق الجامح، بما فيها الشهوة والغريزة الايروتيكية. فهو العاشق المتمرد ينتمي الى كل الاشياء في كرسي الحياة الهزاز والمهزور، فهو العاشق من الصليب الى الهلال (صليب يبكي هلاله الذي / في السماء !!) ص45. فهو عاشق بغزيرته وفطرته، في الاشتهى الى الحرية المفقودة، كالاشتهى الى الايروتيكية المشتهاة. الى الانوثة العاشقة البريئة. لذلك يرسم حواس الوجدان والواقع، بالاسود والابيض (الفحم والطاشير) كما هي في الحياة العارية. فهو (بروميثيوس) في العتمة والنور. في الفعل الى امتلاك الحرية الفقودة، مهما كانت النتائج، فهو العاشق المتمرد. في الصمت والصخب. في استفزاز الحواس. لكنه يظل بحاراً، يسعى ويجول في البحث عن العشق والحرية. هذه ملامح قصائد المجموعة. التي انطلق بها الى القمة الشعرية في الشعر بعد ذلك. نحاول ابراز هذه الرحلة الحياتية والشعرية في بعض مقتطفاتها الشعرية أ بعض محطاتها:

1 - تصوير الحياة العارية بلا رتوش، كما هي في مجريات أشيائها المجردة بالاسود والابيض (الفحم والطباشير). فالحياة اصبحت لعبة بين هذين اللونين، تتحرك بهما من جهة الى اخرى. بما تحمل من زيف وتهريج في اشيائها الظاهرية. بما يجعل الغرق في التوجس الحياتي، في عذاب الكتابة بالفحم. وعذاب سر العشق في الكتابة بالطباشير. لكنهما في المحصلة النهاية تكون بؤرة. الصراع والجدل. الفراغ والامتلأ. بذلك تضيع الصياغات بين عالم المعلوم، او عالم الغيب او المجهول. لكن الفراغ ينتظر. الصمت ينتظر. السر ينتظر. الصيحة تنتظر، في عين الاشياء اللافتة. لكنها في النهاية تتعذب بين سر الفحم والطباشير.

 عذبني الفحم

 أجهد أن أرحله

 يباغتني رغما عني

 يعاودني.... فصلاً في الاخر

 والطباشيري.... سر ُّ من ذاك الفحم

 نفس كتبت.. كتبتْ..... تتعذب بذات السر بين الفحم

 وطباشير

 هوة الاشياء في عين اللافتة

 متاهات....

 وقبضة الصيحةٍ

 في

 أثر المشنوقين غرقاً....

 أتدري يا صاحبي...... ؟

 على قيد الغيبِ

 يمضي البحر.. !

والليل الى سواء

2 - مرأة من ندى، عاشقة برئية، تتكون ملامحها في القلب والوجدان والحواس، تعيش معه في ذاكرة الفكرة يشعر أنه طفلُ يكبر بها بالحلم والاشتياق، في المعاكسة والاشتهاء، في المستحيل والمعلوم، في النور والعدم. يحبها كشمس الحرية، او حرية الانعتاق، يلمسها كالحرير العاري ويغالي في القبل، ليعلن انتصاره في لهيب الجوع بالحب والاشتهاء. 

سيدتي.. سامحي خرافي، جنوني، وهذا التباهي

عيناك المستحيل

أحبك بكل ما ينبغي وعلى الرغم

كالشمس

كالحرية

أدور، وتدور.. مشدودة للانفلات

وأتنفسها

أتلمس حرير عريها

أغالي بالتقبيل

هي تعلم هذا انتصاري

وهوة تدركها جرحا صبورا يستسقي من أناملي هدأة طيبة

أدور، وتدور، وتلتف بضبابي جارية الصعلوك

تتنهد على صدري

تشاورني همسا

كم قبيح جميل أميري

هب لي الجوع

كل الحب

3 - لا أحد يعرف انه في فراغ. يدور في حلقة الفراغ. في العزلة الثقيلة تضربه برأسها، وتجعله يتغذى على الفراغ. يبحث عن كينونات الفراغ بالارق. يبحث عن كتابها في قعر البئر. كما هو ساكن في قعر الفراغ، في الدلو الصاعد والنازل، يبكي عشقه او نصفه الثاني، كما الصليب يبكي هلاله، الذي في السماء. 

تطل ُالعزلة ُ

برأسها الثقيل

ليس اكبر من رأس خنفساء

أمنـَّتُ عليه في الجرار

جرااااااااار...

واجترحت شرخا:

يتغذى عليه ذاك الأرق

منذ ذلك الحين

يراني الفراغ ُ.. فراغا

ابحث كتابا..

يعتمر قبعة البئر

إحدى عشرة غيمات شتات

الحبل النازل _ نصفه

الدلو الصاعد _ نصفه

ونصفه..

صليب يبكى هلاله الذي

في السماء!!؟

4 - عبق الحياة بين الحب والموت. تستفزه الشهوة المرتعشة بقوة الرغبة الى الحرية، كقوة الرغبة في الاشتهاء الايروتيكي. لذلك يبحر بقوة هذا الدافع في الاشتهاء، لاجتياز حاجز الخجل المنافق. وهو يلتهب في رأسه أمرأة مشتهاة. ان يقتحم هذا الجمال بالجنون التعري، يلامس الجسد الحرام بالشهوة المشتهاة. فهو يسعى اليها. لكي يكبر في ألم المعاناة والخطايا لعاشقة الحب البريئة، لكنه يشتهي الجسد في سره المكبوت.

ها... وأدخل جمجمتي بامرأة

جسدا أشهى ما فيه سرّه

وأنا في منتهاها، بيننا خوف لا يفسر

عصي هذا الجمال أو ما يكون به وحشي

أأكون أشجع من الجنون؟!!

كان التعري عاريا تماما

وراحة يدي تلامس ذاك الجسد الحرام

تزاحمني صور كثيرة..خبال يزاحمني

أود الهروب اليها:

الى وحدتي فيها، وحريتي المشتهاة

وها هي هنا..امرأة خاصة

ننشق عن الحقيقة.. نبتكر التدمير

ليكون فينا من جمال عدوى لدمار

مبتداها... الذات والآخرون

كلنا يعرفه الألم، نحدق به ويحدقنا

يعرف خطايانا الجليلة

معنا من يرقص رقصتنا..

5 - ما يدونه بدهشة العشق. تركض. تلهث. يبلغ صوتها الاتي من مغارة وفارزة السؤال والصدفة الساقطة. من مغارة العشق ينسخها بالطباشير. من مغارة الفحم يسنسخها في الفراغ والتشرد. عالقة بين أما وأما. بين القراءة السابقة واللاحقة. يبقى المكتوب جدلاً. يسجل ميلاد مسلة الحياة، في التأمل واليقين والصلاة والحرية. تبقى الحياة لعبة بين الفحم والطباشير. 

حَملتُ قرطاسي و قنطرتي و مضيتُ

مفعمٌ بالطباشيرِ منتشراً فيه

يُقرئني (أقرأَ الفراغَ)

  (أقرأ الصدفةَ)

(أقرأَ القــدرَ)

كتبتكَ لا أملكهُ..... كتبتكَ يصنعني

يُقرئني

 **

(أقرأَ....

السابقةَ.. أقرأَ اللاحقةَ)

كتبتكَ جدلاً عالقاً

كتبتك بينَ أمّا و إمّا

يُقرئني الضوءَ

يُقرئني التجليَّ

يُقرئني التأملَ

يُقرئني اليقينَ

يُقرئني الصلاةَ

يُقرئني الحريةَ

..

..

..

كتبتكَ.. هي غايةٌ للكونِ فينا

6 - في خندق الصورة، او في خندق الحياة يرسمها في ساعة الغيب العائم على الخوف، يتعرى، يبكي. يدمي. ينتصر، ويتجلى جسداً عارياً. منجذبا، صائعاً، أو هارباً، من نار او من لهب الحرير. تتجاذبه لعبة الغوايتين أو الشهوتين، في اية صورة يرسمهما لهما، لتتشكل في دائرة الصمت والصخب، لينفث بالروح العاشقة. 

شاقة رحلة الفرار المعكوس

عدت

وأسأل الخوف...

أسأل المتهم منا

كل الخوف خائف

كل الخوف متهم

عدت منطويا على كون من الصمت

أسيرا بما يلوح..

يضاعف نفسه

يسعى أن يكون صورة...

ونفثة من الروح يعشق نفسه

وأنا تحت المران لإرادة الصورة

تنتصر على عصيان الوعي القديم

كون

يدمي

يبكي

ينتصر

يتجلى جسدا عاريا، مدهشا، منجذبا هاربا

لهب نار أو لهب حرير...

وأي الغوايتين..........؟

***

 × الكتاب: مجموعة شعرية: فحم وطباشير

× المؤلف: الشاعر فلاح الشابندر

× تاريخ الاصدار: الطبعة الثانية عام 2016

× عدد الصفحات: 148 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

 

عبد الله الفيفياللغة كائنٌ حيٌّ، تجميدها في حقبةٍ لغويَّةٍ، أو البحث عن استعمالٍ منها في عصرٍ لغويٍّ محدَّد- حدَّده بعضهم، للغة العربيَّة، بما قبل 150 هجريَّة- هو إعاقةٌ لها، وتحجيرُ واسعٍ فيها، وإماتةٌ لطاقاتها الكُلِّيَّة، وتَلْخِيْمٌ لعبقريَّتها في التجدُّد، وتعطيلٌ لقدراتها على مواكبة المعاني، ومَدِّ ظِلالها غير النهائيَّة، واتجاهاتها الدلاليَّة الحافَّة. وإنما تنبغي مراعاة نواميس النظام اللغويِّ العامِّ وقياساته، لا التشبُّث بحرفيَّة المسموع من اللغة في المعاجم. وليت شِعري كم سمع علماء اللغة عن العرب؟! أقلُّ القليل. بل ما كانوا إلَّا نَقَلَة، وسمَّاعين، ورواة، لا باحثين، ولا ذوي مناهج عِلْميَّة قويمة في الاستقراء، على الغالب.

أولئك العلماء الذين كثيرًا ما كانوا يختمون تخميناتهم بعبارة: "والله عزَّ وجلَّ أعلم"، كقول (ابن منظور، لسان العرب، (هرش))، مثلًا: "الجوهري: هَرْشَى: ثَنِيَّةٌ في طريق مَكَّة، قريبة من الجُحْفة، يُرَى منها البحرُ، ولها طريقان، فكلُّ مَنْ سَلَكَهما كان مُصِيبًا. وفي الحديث ذِكْر ثَنيَّة هَرْشَى؛ قال ابن الأثير: هي ثنيَّةٌ بين مَكَّة والمدينة، وقيل: هَرْشَى جبلٌ قريبٌ من الجُحْفة، واللَّه عزَّ وجلَّ أعلم." وإذا كان هذا في أمر مكان، طريق أو جبل معروف، فكيف بما سِواه؟! وما من شكٍّ في أن الله أعلم بكلِّ شيء، وليس المجال بمجال شكٍّ أو إثبات، لكن تلك العبارة إنما تدلُّ على شكِّ العالم نفسه في ما توصَّل إليه من معلومات؛ إمَّا لأنه لم يستطع أفضل ممَّا استطاع، وكأنه بصدد شأنٍ من أمور الغيب، لا يعلمه إلَّا الله، وإمَّا لأنه يريد أن يُلقي بتلك العبارة عن كاهله العبءَ وأمانة البحث. وإلَّا فالباحث مفترضٌ فيه أن يتأكَّد بنفسه من صحَّة المعلومة، ولا سيما حين تكون بحجم جبلٍ كجبل (هَرْشَى)، على سبيل المثال.  وعلى هذا فقس!

ولقد كان ما أُثبِتَ سماعًا من العربيَّة نِسبةً قليلةً جِدًّا من اللغة، حتى قال (أبو عمرو ابن العلاء): "ما انتهَى إليكم ممَّا قالت العربُ إلَّا أقلَّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم عِلْمٌ وشِعرٌ كثير" (1). 

-2-

وقد أتاحت لي تجربتي العمليَّة في مجلس الشورَى، خلال العِقدَين الأخيرَين، اطِّلاعًا ميدانيًّا على بعض ما يشتجر الناس في صحَّته لُغويًّا من استعمالات المعاصرين، ولا سيما وأنا بين كوكبةٍ من مختلف التخصُّصات والاهتمامات ومشارب الثقافة. من ذلك الخلاف حول قول الناس: "خَصَمْتُ من المبلغ كذا"، فيأتيك بعضهم عارضًا رمحه: الصواب: "حَسَمْتُ..."، أي: قطعتُ، أو اقتطعتُ. مع أني لم أجد (محمَّد العدناني) قد تطرَّق إلى هذه المسألة في كتابه "معجم الأغلاط اللغويَّة المعاصرة". لكني كنتُ أرَى أنَّ التعبير بـ"خَصَمْتُ" ليس بخطأ، وأن له أصلًا في العربيَّة. ولعلَّه مشتقٌّ من "الخُصْم"، وهو طَرَف الشيء وجانبه. جاء في (الزمخشري، أساس البلاغة، (خصم): "ضَعْه في خُصْم الفِراش، وهو جانبه." فكأنَّ قولهم: "خَصَمَ المبلغَ" بمعنى: نحَّاه وجَنَّبَه، أي جَعَله في خُصْم الحسبة. وقد وجدتُ (النويري، شهاب الدِّين أحمد بن عبد الوهَّاب، -733هـ= 1332م)، في كتابه "نهاية الأرب في فنون الأدب"(2)، يستعمل هذا التعبير في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله، تحت عنوان "ذِكر ما ينتج عن التعليق من الحسبانات بعد المخازيم": "وإنْ صرفَ نقدًا بنقدٍ ذَكَرَه بعد الفذلَكة، واستَقرَّ بالجملة بعده وإلَّا فالفذلَكة بمفردها؛ ثمَّ يَخْصمُ تلك الجملةَ بما لعلَّه حملَه أو نقلَه على معاملةٍ أخرى أو صرفَه...". ويقول: "وقد اقتُرِح في بعض الممالك الشاميَّة في بعض السنين على المباشرين أن يُضمِّنوا خِتَمهم ما يوردونه في الأصل من جهات الأصول- كلِّ جهة من المستخرَج والمُجرَى- الأصلَ مختومًا والخَصْم مفصَّلًا بجهاته؛ مثال ذلك أن يقول في الأصل: الجهةُ الفُلانيَّةُ في التاريخ الفُلاني كذا وكذا درهمًا(3)؛ ويذكُر تحت ذلك التاريخ خَصْمَ تلك الجملة؛ وفي الخَصْم إذا ذكرَ اسم ربِّ استحقاق وما وَصل إليه في كل تاريخ يقول: التاريخ الفُلانيّ؛ ويعيِّن جهاته؛ ويشطب المسترفعُ الأصلَ على الخَصْم... وأمَّا التوالي، فهي إذا أُطلِقت أُريدَ بها توالي الغلال؛ وكيفيتها أنه إذا مضت مُدَّة على ما قدَّمناه في شرح الختَم نَظَم كاتب الجهة حسابًا للغلَّة، اسمه التالي، يشرح في صدره بعد البسملة: تالٍ بما انساق حاصلًا من الغلال بالجهة الفُلانيَّة إلى آخر المُدَّة الفُلانيَّة، مضافًا مخصومًا إلى آخر كذا". وقوله: "فمن الكُتَّاب من يسوقه بجملته حاصلًا، ويَخْصمُ بمقتضى التالي؛ ومنهم من يَخْصمُ بما حَمَلَه وصرَفَه في مُدَّة تحصيله للمَغَلِّ، ويسوق ما بقي إلى الحاصل، ويَستغني بذلك عن تالٍ لتلك المُدَّة". وقوله: "فإذا ذَكَر ما وَقَع عنده استقرَّ حينئذ بالجملة على ما قام عليه ميزان عمله؛ ثمَّ يَخْصمُ بما يَسُوغُ الخَصْمُ به، ويسوق إلى حاصله". وقوله: "...ويفصِّل المستخرَجَ والمتحصّل بسنيه، ثمَّ يَخْصمُ ما استخرجه وحصَّله، فيبدأ في الخَصْم بالحَمْل من الأموال، والحمول من الغلال والأصناف...". وإنما أطلتُ الاستشهاد، لا لبيان استعمال الكلمة في تراثنا فحسب، ولكن أيضًا لبيان اهتمام هؤلاء بأصول المحاسبات والمعاملات. صحيح أن النويري كان يستعمل المصطلح الدارج في زمنه، القرن السادس والسابع الهجريَّين، بَيْدَ أن لذلك المصطلح وجاهته كما تقدَّم، ومِن تنطُّع الهالكين، اليومَ، تخطئة من استعمل "خَصَمَ"، لا "حَسَمَ"، وكأنه قد جاء منكَرًا من القول وزورًا.

إنَّ للوأد عند العَرَب ضروبًا وأشكالًا، منها وأْد العَرَبيَّة في تراب التراث، أو في بحر الآخَر!

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.......................................

(1)  الجُمَحي، ابن سلَّام، (-231هـ)، (1982)، طبقات الشعراء، تح. جوزف هل (بيروت: دار الكُتُب العلميَّة)، 34.

 (2)  طبعة (القاهرة: دار الكُتب المِصْريَّة، 1350هـ= 1931م)، 8: 276- 278، 285، 289.

 (3)  كلمة "درهم" في لسان العرب تعني العُملة النقديَّة عمومًا، بقطع النظر عن نوعها. وما زال التعبير بـ"الدراهم" في هذا المعنى العامِّ متداولًا إلى الآن في لهجات الجزيرة العربيَّة، مع أن العُملة المتداولة ليست الدرهم بل الريال. وبهذا جاء التعبير القرآني عن الثمن البخس الذي اشتُري به (يُوسف، عليه السلام): "دراهم معدودة". وجاء في الحديث كذلك تحقير "عبد الدرهم والدينار".  أ فيعني ذلك استثناء عبد اليورو والدولار، مثلًا؟! ومن الطرائف أن ينتقد بعض المتفطِّنين الأغبياء نصَّ القرآن لتعبيره عن العُملة التي اشتُرِي بها يُوسف بـ"الدراهم"! وعلى افتراض صحَّة هذا الاعتراض من حيث تاريخ العُملات، وما هو بصحيح، فإن التعبير القرآني ليس إلَّا تعبيرًا عامًّا عن المبلغ الزهيد، أي بما يُعادِل دراهم معدودة، ولم يكن الغرض تحديد "فاتورة" السِّعر الذي بيع به يوسف. ومع أن القرآن ليس بكتابٍ في العُملات القديمة والتاريخ أصلًا، فإن أولئك المتفطِّنين المعاصرين لا يفقه أكثرهم سياقات الخطاب عادةً، فضلًا عن معرفة لغة العرب وتاريخ الألفاظ والدلالات، بل قد لا تعنيهم الوجاهة العِلميَّة لما يُماحكون فيه بدعوَى الانتقاد، وإنَّما يَؤُزُّ بعضَهم إلى الانتقاد وازعُ الاعتقاد.

 

استوعبت رواية (دابادا) لـ (حسن مطلك) الخروقات جميعها، لتؤسس لذاتها متناً كتابياً مميزاً، ومثمراً، ومجدداً، وشاملاً، قابل للديمومة والعطاء .

إذ انطلقت سردية الرواية بفعلٍ قصدي لنقد الممنوعات جميعها، بشمولية وذكاء روائي مميز، يحسب للروائي لاعليه، ليوظف التقانات جميعها، من تورية، وقناع، ورمزية، وسريالية، وغرائبية...الخ، ومن هنا حققت الرواية لنصها الديمومة، والتميز المتقن.

جاءت سرديتها ناقدة للتابوات جميعها (سياسة، دين، جنس، قبيلة) وهذه الأخيرة من اخطرها، وهي ماركزت الرواية علية بصورة مميزة.

شخصياتها واضحة ومفهومة، ولا تحتاج إلى اعمال الذهن في فك شفراتها؛ لأنها مركبة من واقع معاش، والقارىء الواعي باستطاعته فهمها وفك شفراتها الرمزية.

تبدأ السردية بمأساة (هاجر) الزوجة الباحثة عن زوجها (محمود) الذي خرج ولم يعد، الغائب عن زوجته، الحاضر في مخيلتها، علة فقدانه تنحصر بحكاية خرافية ملفقة، تنحصر في أن (محمود) خرج إلى البراري التي دخل اليها ولم يعرف مصيره؛ لأن الارنب المبقع  اجبره على ملازمة البرية معه، والحقيقة لم يكن هناك ارنباً بل مجموعة ارانب، اوشت بحياة الكثيرين امثال محمود؛ لأن الأرض " مليئة بالارانب المبقعة"، وكانت هاجر " في كل خريف تتجدد ذكرى ضياع الأب في البراري بسبب ارنب مبقع"، مما دفعها إلى طرق الابواب جميعها من دون اية نتيجة .

احتل (شاهين) بطولة الرواية، وهو الطفل اليتيم الباحث مع امه (هاجر) عن الأب المفقود، واحتل الظلام جزئية كبيرة من حياته المعتمة الضائعة بين الوجود واللا وجود، بين الأمل بغدٍ جديد، الممحو بمعترك ظلام الليل المتجدد، المنزوي في سوداوية البحث عن والده (محمود)، ليلاقي المصير المجهول هو الاخر بسبب السلطة التنفيذية التي يقودها جاسوس السلطة (حلاب) الذي اودى بحياة الكثير من الابرياء واولهم (محمود)، ثم بحياة (عبد المجيد) مختار القرية، الذي قتل بطريقة بشعة، عن طريق سم الفئران الذي دُس اليه بالطعام، عن طريق القاتل المجرم (حلاب) الذي سعى بقصدية عالية إلى هذا العمل الأجرامي، بهدف الحصول على منصب ولاية القبيلة، والذي حقق مبتغاه فيما بعد، ليصبح وجوده طوعي واجباري" افسحوا الطريق لحلاب. جاء حلاب افسحوا الطريق. ابتعدوا"، هذا هو المشهد الجديد، والهدف المحقق لـ (حلاب)، الذي عمل جاسوساً للسلطة لمدة" سبعة وعشرون عاماً من المؤمرات، لأجل هذه اللحظة" .

والسريالية نلمسها ايضاً في شخصية الرسام (عواد) الذي رسم كلبه (شرار) بصورة الكلب الغادر لا الوفي.

وانتهت الرواية بمصير مجهول لبطلها (شاهين) الذي كان ينتكس من اخبار العراق" زلازل. فياضانات. اخبار مجاعة السود. محدثات نزع السلاح النووي . عمليات الفدائيين العرب. جلسات مجلس الأمن . ارهاب عالمي. مخدرات. فضائح سياسية . تجسس. جرائم. خطف. حروب.انقلابات"

ونقدت السياسة المغلفة برداء الدين بالقول: " وهم يضحكون يومياً بين سجاداتهم المزينة بصور طواويس وأعراف هداهد وقرون وعول تمتص صدى قهقهاتهم وكلامهم السطحي الدافىء يهمسون في لحظات الهدوء بعد العاصفة، حركة واحدة كصلاة إلى الأسفل بحيث يمتلىء الهواء بأماكنهم "، " شيوخ يحسبون خرز المسبحات او يكرزون بذور عباد الشمس تحت لافته: البول للحمير".

أضيف، الرواية حققت وجودها المعلن على الساحة الأدبية والثقافية؛ لأنها انطلقت من عقم الواقع المعاش، وحققت وجودها عن طريق الخرق المعلن لمقص الرقيب، بذكاء الروائي الشهيد، ليترك لقلمه بصمة ادبية جريئة، خرقت الممنوع في وقت الممنوع، أي أنها كتبت في ظروف تمنع مثل هذه الكتابات السردية الناقدة لعقم الواقع وجحيمه.

 

د. وسن مرشد

 

1151 جاسم العليلدى الشاعر العراقي "جاسم العلي" في مجموعته "ومض الأجنحة".

لا أستغرب أبدا حين أقرأ الكثير من المقالات عن هذه المجموعة الشعرية الأولى للشاعر العراقي "جاسم العلي" وخاصة من أسماء مهمة في المجال النقدي في الساحة العراقية والعربية ، وهم يشيدون بهذا المنجز الإبداعي الأول ، مطالبين الشاعر بالمزيد والمواصلة من آجل الإرتقاء بهذه القصيدة ، وأقصد قصيدة "الومضة" في سماء الأبداع الشعري في أيامنا هذه ، ومن هذه الأسماء كما جاء في المجموعة الناقد العراقي " اسماعيل ابراهيم عبد " والذي يقول " ببط شديد ونمو مضطرد  وبإصرار للإمساك بلحظة الشعر المنتقاة يحتفي الشاعر " جاسم العلي " بنموذجه الخاص " ومض الأجنحة " وإذ يحتفي بمعنى انه سيحتوي مسالك الشعرية للومضة الشعرية ،ص113 والقصيدة القصيرة ، والقصيدة المطولة نوعا ما .

المطرُ الذي لا يشبهُكِ

ينزلُ كالغثيان على روحي ص70

على ضوء مزاولته الفعلية واشتراكه في تكوين تجاربه في الحياة التي أراد منها على مر الأيام أن تكون مصنعا يعج بالقيم والمفاهيم الفلسفية ، وحينها كان مأخوذا بعلم جمال اللغة ، بعد أن عمل في المشهد المسرحي والشعري منذُ ُ صباه في مدينته الثورة ،والذي عمق لديه القيم والمثل في نفسه من خلال قراءاته المتصلة التي أدخلته في هذا الحقل المعرفي حتى إنه أشتغل على معرفة جميع الأداب التي أنطلقت من اليونانية واللاتينية القديمة حتى يومنا هذا .

على أي المداخل ؟

أضفنا خطونا ونسجنا

للوهم أغنية العناكب

أونشيد الأقحوان ص109

وقد حالفني الحظ أن التقيه في بغداد في زيارتي الأخيرة ، وأحصل على نسخة من ديوانه المعنون " ومض الأجنحة " الصادر من دار نشر مؤسسة ثائر العصامي ، والمجموعة من القطع المتوسط وتقع في 118 صفحة ، ولأن الشاعر قضية وموقف ترتبط مع البيئة والثقافة ، فأراد الشاعر والمسرحي " العلي " أن يرسل تلك الأشارات المعرفية عبر الدهشة والذهول لكي يحرك وعي القارىْ وتوجيهه حتى يسهم إسهاما مماثلا فيعمق الوعي ،والأدب برمته شق للحجب ومحو للطلاء حتى تتكشف الإنسانية من حقيقتها ،

المقابر ُ الخفية ُ فينا

تعبر بظلالها جسور

الأزمنة ص 35

وبدورنا وفي هذه المرحلة المهمة من حياتنا ، ان نشجع أي منجز أدبي ، وان نبحث عن مواضع الجمال والروعة فيه ،فكيف وبين يدي مجموعة شعرية تمتلك الكثير من المقومات منها قوة التصوير وفيها من الأنسجامات الصوتية التي تكون الموسيقى الشعرية الحية والخالية من الرتابة والاملال ،والشاعر " العلي " في هذه المجموعة الشعرية الأولى يعبئ الروح المعنوية منطلقا من نصوصه الشعرية المستغرقة في هذا الشجن اليومي والتأمل الذي لا ينقطع من ذهن هذا الشاعر الحالم .

على صغرها كفك

كأن أمومة

الأرض بها ص 129

و"العلي" الذي عرفته عن قرب يحاول بهذه المجموعة اكتناز معظم الدلالات ضمن إرضية ضيقة ومفردات قليلة لها وقع في النفس البشرية، والأ ما هي الأسباب التي دعت الشاعر " العلي " من أن يحمل خصوصية متفردة يسعى من خلالها الى التجريب والتفرد في صوره الشعرية القصيرة التي عمقها حسب مخزونه المعرفي وكذلك منظوره الجمالي الذي يلفت النظر في معظم قصائده " الباء ، الواو " لقاء ، انغلاق " وغيرها الكثير من القصائد .

ينهمر ُ الوجعُ المقفى

بالرصاص

فتذكر ُ تلك  الليالي والسؤال

والصور . ص 81

وكما يقال عن قصيدة الومضة ، هي  شكل من أشكال الإنزياح الذي يباغت المتلقي ويخيب أفق انتظاره، فا للا منتظر هو تلك التركيبة الأسلوبية المتميزة القائمة على مصاحبة لغوية عادية .1 حتى يبعث لك ومن خلال نصوصه الشعرية القصيرة تلك الرسائل الجمالية والمعرفية الى الأخر المتابع، وتبقى نصوصه هي طرح المعادل الموضوعي على صعيد ما يرسمه في وعيه من علاقات خارجية ، والذي يعرف الشاعر "العلي" يجده قلقا في طرح قضاياه وافكاره ، لأن الأستقرار الداخلي هو ناتج عن اضطراب الرؤية الخارجية ، لذلك ينعكس الهم الحياتي على الهم الشعري انعكاسا تراكميا ينتج عن نص ينطوي على المواجهة والتحدي ،

حين تصير الأحلام

على أرصفة ِ

الوجع

محض سراب ص60

وهذه المجموعة هي صراخات داخلية مشتعلة بفلسفة الحياة المعبأ بلون الحزن ، فيعبر عنها من خلال قدرته على التلاعب بالكلمات والمعاني ، وهومن  الذين قست عليهم الحياة كغيره من الأف الرجال ،وتقصير ملكته عن تحقيق طموحهم ، الإ إنه أحسن نسيج تصوير مفرداته الشعرية بدقة وامانة .والعارف أو الدارس يجد في الشعر التصويري والذي يستمد جماله من روعة هذا التصوير اكثر مما يستمد من موسيقاه وخاصة في القصائد الطوال في هذه المجموعة التي تتضمن 90 نصا شعريا ينقسم بين الومض القصير والمتوسط والطويل .

لا ترقد بمساحات ِ

الحلم

والأزقة ُ تتوهج ُ

بجثامين الورد

معراج ألم ص65

واخيرا نحن وهو نظل حالمين بالحان مجنحة وفي اجواء منغمة لما للحياة من طعم آخر، حتى انه ومن خلال هذه المجموعة قدم لنا اضافة مميزة للمكتبة العربية في عالم شعر الومضة التي هي اداة للتعبير عن باطن النفس .

وقود ُ الأيام ُ

على ألاعتاب

ورود

ووتر ُ الأه النازف ُ

بالروح

صرخة ُ عود

***

قاسم ماضي – ديترويت

 

1149 احمد بياضلقد أضحى في الفترة الأخيرة، الانجذاب إلى الكتابة الملتصقة بمفهوم السرد التعبيري، ملمحا إبداعيا، تزخر به الشعرية العربية في فضاءاتها المابعد حداثية، وثمة أسماء استطاعت بصم حضورها الوازن، في غمرة هذا المد الذي له مبرّراته، بكل تأكيد.

وممن أجادوا الممارسة في السرد التعبيري، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، الشاعر المغربي الدكتور أحمد بياض، الذي يبدو أنه وجد ضالته في هذا الحقل المغري، عبر مجموعته " موت كف على غسيل نجمة" الصادرة سنة 2018، عن جامعة المبدعين المغاربة، الدار البيضاء .

وتقع هذه المجموعة في ما يربو على الخمسين صفحة بقليل، 22 نصا، مغازلا بسحر هذا الانشغال داخل دهاليز البوح التعبيري، منتصرا لكثافة الأحاسيس وتوليد أقصى الضغوط من لممها ونثارها، على حساب السيميائية المقنعة بمتاهات الغموض، في الكثير من الأحايين.

لهذا القالب التعبيري، أبعاده الرّسالية التي تحمي النص من فخاخ السفسطة، وتدوير المفردات بشكل عبثي عشوائي، تختنق له الدلالة ويضيق على الحمولة المعرفية، المطالبة بتأدية وظائفها، وبامتياز، قصائد تدّعي أنها من رحم الواقع، وتنهل من يومياته، متشربة بمعجمها، دقّ وجِلَّ التفاصيل.

بحيث يركز الشاعر احمد بياض، على المعنى الإنساني، كتيمة ركيزة وأساسية، ينبض بها بوحه التعبيري، مع تخفف وتحرر كبير من مقومات السرد الذي قد يجهز على التفشي البصري في إطار حداثي، من ورائه متلقّ يتطلّع إلى لغة الصورة، في تضمنها لجوانب رسالية، تمس صميمه الإنساني، فتشبع فضوله المعرفي والجمالي على حد سواء، كما تطفئ غبنه الوجودي، ككائن بات يميل إلى الغرابة، هروبا من عالم أمعن في أسر الروح وتغريبها، ومن ثم، لم يعد للمفردة الطنانة، حيّزا في سلم أولويات قارئ شغوف بماهية الصورة، فيما تحمله من تقزيم جملة الرسائل ليسهل عليه تلقّفها والتقاطها، على نحو لاهث متسارع، طبيعته من طبيعة العصر، فهو بالتالي، يتصيد محطات المفارقة، كي يغنم لذة النص والزمان والمكان، يعشق اللوحة التي تصور الرسالة على عجل، فلا تسرف ولا تطنب بما كان بالأمس، يؤديه العنصر السمعي.

إنها لغة القليل الدال، تترجمه صور السرد التعبيري، مثلما سنتابع ذلك في جملة من مواقف شاعرنا الذي نحن بصدد مقاربة منجزه، موت كف على غسيل غيمة.

كتب مقدمة هذه المجموعة الدكتور أنور غني الموسوي، قائلا :

[إن هذا الفهم المهم للقصيدة وهذا التحول الفكري في اللغة يفتح آفاقا جديدة في الكتابة بل في الحضارة الإنسانية حيث يتحول النص من كتلة دلالية إلى كتل شعورية وهذا هو البعد التعبيري للكتابة.

أما اللمحات التجريدية في كتابة احمد بياض فإننا نجدها متحققة في نصوص من ديوانه "موت كف على غسيل نجمة " بتركيز عال وتجل قوي للبعد الإحساسي وخفوت الغايات الدلالية والإفهامية].

ترجح الميكانيزمات التجريدية على بقية معطيات الكتابة الذهنية، في تجربة احمد بياض، من خلال منجزه هذا، لتركّز الخطاب الإنساني، والبعد الرّسالي في صور خاطفة تترادف وتأخذ خطا تصاعديا، تشفّ له المقاصد من كلية النص.

نقتبس له المقتطفات التالية:

[الفضاء المشلول جرح الولادة ؛ بسوس على نجمة الريح...

وعادت النوارس تسبح في فضاء الدخان وراء الأبعاد المتنحية بثوب العشق ؛ حالمة بأديم الغياب وصفرة الريح](1).

هي مشاهد قمة في الخريفية، تظل الذات عبرها، ومن خلالها، مشدودة إلى خلل ما في الولادة، سماه صاحبنا جرحا، أي نعم، وهو يرخي بتبعاته على وجودنا الإنساني، حدّا تتمزق له الهوية، ولا تتم اللملمة إلا بالتمكين للغة العشق، للوظيفة الإحساسية السيكولوجية، وإلاّ فالسباحة في دخان الخراب والهزائم والانكسارات والوجع الكوني، الذي ما يفتأ يتجرعه الإنسان، مستمر وأبدي، لحين الانقراض الكلي والإبادة الشاملة.

يقول :

[لهجة متصوفة على شفتي بئر...ترعى حلم الأطفال، حين يبحر النشيد في مملكة الدخان.

رماد جارح، وشم مبتور، ولغة الحنين قميص الهواء.

شوق ينمحي في عرق الوصول.

لا تمطر السحابة الثكلى والقلب يحمل آهات الرخام ] (2).

من أي ثغرة، ننفذ إلى لبّ هذه الصورة المرتجة الراجفة لرعاف الأحاسيس؟

وأنى لنا الوصول، وإن تأويلا، إلى ما يود شاعرنا الذهاب إليه، سوى ما يفيده " الحلم الطفولي" في إعادة إنتاج معاني إنسانية الآباء المحترقة مصائرهم في مملكة الأنانيات الآدمية، إيديولوجيا وثقافيا، وفي جميع المجالات التي تستعبد البشر فتحولهم إلى وحوش يلتهم بعضهم بعضا.

هي مملكة الدخان، مثلما أصرّ على تسميتها صاحب المنجز، في أكثر من مناسبة، الكائن القاتل المقتول، الجاني المجني عليه، والمعنى الزئبقي للأخ الذئب.

أنانية حالت دون دور الكبار في رعاية أحلام الصغار، فاستأسدت كامل طقوس هذه الجنائزية وصال الخراب في عالمنا وجال.

مثلما يقول :

[تحاكي جدتي الوشمة الباقية في زهد الليل.

على الوسادة حلم عالق في حوض الشتاء.

لقد شيد الخريف طقوس الفراغ.'

على المجلدات الباهتة وشم الحروف نمسح جذور التأمل على موج البحر...

سحابة تمطر بلون الخليج اختلال المنابع](3).

"جرح الولادة " و اختلال المنابع" وغيرها من الصياغات التي تصب في هذا الاتجاه، متوفرة ومتعددة التجليات في الديوان، كي تمنحنا فكرة عميقة عن وعكة وجودية ولدت معنا، كأجيال لم يُحترم حلمها، ولم تترك لها حرية تنفس الذاكرة، بروح مبدعة ومجددة ومبتكرة.

خلاصة القول أن إنتاج المعنى في شعر احمد بياض، يتم عبر شرايين البوح التعبيري، السانح للمكون البصري، بقول كلمته، وتلوين بياض العالم والذات، بأصواته، كلمة فصل، محققة للإدهاش المطلوب، ومحمولة على تيار المفارقات القادر على صناعتها خطاب الصورة المكتّلة للأحاسيس.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

............................

هامش:

(1) من نص "مسام الجليد" صفحة 10.

(2) نص "شوق مبتور" صفحة18.

(3) من نص "ريح الصمت" صفحة44.

 

فالح الحجيةالشعر هو الكلمة الجميلة التي تنمو ضمن مفاصل الحياة ومن خلالها لتسجل اعمق بواطنها فحلم جميل تسعد اليه النفس وتسمو اليه الروح حتى في حالة شقائها . .

فالشعر معرفة انسانية مستلهمة تحمل معطيات الرؤية و الاحساس النابع من القلب وهذا الاحساس هو المصدر الوحيد لمعرفة الاشياء في العالم وقد يكون تعبيراً عن العلاقات التي تخلفها اللغة لو تركت لذاتها بين الحد العيني والتجرد المادي والمثالي وبين المجالات المختلفة للحواس. او بمعنى اخر أن الشعر هو الإيحاء بصور مثالية تتصاعد إلى الإعلى محلقة باجنحة شعرية منبثقة من روحية الشاعر وعاطفته المنبعثة من اعماقه وممتزجة بخوالجه المتدفقة منها المشحونة بها لتبحر في هذه القصائد عبر مسارات النفس الشاعرة لتغدق عليها نبعا متدفقا وفيضا غامرا وحدسا راقيا ليشكل معينا لا ينضب والهاما جميلا كان قد اكتسب – فيما اراه – حالة فنية وانسانية بما يحقق توازنا شاملا بين سعة هذه الحياة وما فيها من مفردات وتجارب وقدرات صاغتها بجمالية مفرطة ولفظة راقية . فالشعر عندي يمثل جزءا من إ صل الجمال، وعندما ينتج الشاعر الجمال في شعره يكون قد اكتسب حالة فنية وانسانية راقية من خلال نظرتها الحساسة في سبر اغوار نفسيتها الشاعرة المرهفة من خلال الكلمة الجميلة لتنمو في مفاصل الحياة ومن خلالها و لتسجل اعمق بواطنها واعلى شواّفيها وتجمعها في بوتقة حلم جميل تسعد اليه الانفس وتسمو اليه الارواح والافئدة عما يجيش في نزعاتا ممتزجة بأقوى عناصر الجمال الشعري والشعوري الذي يتمثل في الموسيقى الكلامية المنبعثة من امكانية الشاعر في الايتاء بها من خلال تمازج او تزاوج الحروف اللغوية مع بعضها بحيث تعطي نمطا او نسقا موسيقيا معينا تبعا لأمكانية شاعرتنا الفذة ومقدرته على الخلق والابداع لأنها طريق السمو بالروح نحو مسارات عالية ذات نغمات تنبثق مشاعر ها وعواطفها وامكانيتها التعبيرية والتي هي السبيل للإيحاء وللتعبير عما يعجز التعبير عنه الاخرون .

ومن المعلوم ان الشعر يدخلنا في حالة من الانبعاث والتأثر النفسي او ربما يمزتح الى الوجل النفسي،وهذه حالة تنتج عن جمالية النص الذي نقراه ونتاثر به حيث شفافية المشاعر، وروعة الأسلوب، والنغمية المتولدة في الألفاظ والتراكيب التي أبدعها الشاعر واوجدها حية بين الألفاظ والتراكيب اللغوية بقوة حدسه وشاعريته مهما كان نوع هذا الشعر: عمودي او شعر تفعيلة وهذا ما تحققه قصيدة النثر ايضا حيث أنها اكتسبت مشروعية وقبولا لدى المتلقين في كل انحاء العالم واتسعت منافذ وجوديتها وكثر من كتب فيها ونلاحظ اغلب ما فيها ما نسميه قوتها التاثيرية في النفس (الصدمة الشعرية) حيث انها إحدى أبرز المعايير في تلقي قصيدة النثر فهي ليست هذيانا ولا افتعالا ولا تراص لفظي فقط .

فقصيدة النثر شكل أدبي جديد معاصر اوجد ت مجالها الواسع في مجال الشعر ويتسع هذا المجال كلما تقدمت وتطورت الحياة فهي قد تحقق الدهشة أو قل الصدمة في التعبير المستجد المستحدث وهذا متوقف على امكانية الشاعر في التقاط رؤيته المثالية وصياغتها في بنية جديدة، قوامها الصور والرموز الشعرية غير الموغلة في الابهام والتوهج المنبعث من التركيب اللفظي وكيفية استخدامه في التعبير وجماليته من حيث الانتقاء والبيان اللغوي ..

ومن المهم أن نعرف ان مصطلح (قصيدة النثر) قد اكتسب شكلا ادبيا و رسوخا ثابتا، وتنظيرا واضحا، استقرت معه الكثير من الأطر الجمالية وهو الأساس لقصيدة النثر المعاصرة والتي تظهر ابرز ملامحها في التخلي عن الوزن والقافية، والإبقاء على روح الشعر المتمثلة في الإحساس المتقد، والصورة الخلابة، واللفظ المنغّم وتستقي جماليتها منها . والتي كانت كمحاولات تعود إلى أشكالية مصاحبة للمدرسة الرومانسية للشعر في مطلع القرن العشرين وقد امتازت باعتماد ها على وحدة السطر الشعري بدل البيت العمودي القديم وكذلك على نغم الألفاظ، وجمال الصورة، وتألق العاطفة فنجد في قصيدة النثر نفس مفاهيم الشعر الرومانسي وآلياته وقد نعتبره في الاغلب الأب الشرعي لقصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر، ومن المهم كيفية قراءة قصيدة النثر في ضوء تجربة هذا النوع من الشعر.

ويجدر بالذكر أن الشعر المنثور، يخالف بكل شكل من الأشكال ما يدونه البعض من الخواطر المكتوبة فخو ليست بخاطرة لكنه ربما يكون قريبا منها من حيث التعبير وانتقاء الكلمة الاوضح وهذا واضح ومفهوم فالشعر المنثور نص عالي الشاعرية وقد يدور حول رؤية جديدة أساسها الوجدان المتقد وما يحقق من جمالية عالية مستفيضة كالزهرة في الحديقة العامة فعي ملك للجميع وتنثر شذاها اليهم بالتساوي.

ومن اهم خصائص جمالية قصيدة النثر وهو الإيجاز ونعني به الكثافة في استخدام اللفظ سياقيا وتركيبيا – والتوهج ونعني به الإشراق حيث يكون اللفظ متقدا متألقا في سياقه، كأنه مصباح يطفح نورا حتى إذا استبدلناه بغيره ينطفئ بعض بريقه او يتلاشى وتكون في هذه القصيدة واعني قصيدة النثر متوحدة في صياغتها بحيث يكون السطر الشعري (البيت الشعري فيها) وحدة متكاملة مع بقية سطورالقصيدة فلا يقرأ بمفرده اي ان القصيدة تكون مترابطة متوحدة شمولية لا تحدد بزمن بحيث تكون تنسيقية متفاعلة مفتوحة اطرها تخلت في بنائها عن النغمية والايقاع العمودي لحساب جماليات جديدة، وأساس هذه الجماليات: تجنب الاستطرادات والإيضاحات والشروح، وهذا ما نجده في الأشكال النثرية الأخرى على ان تكون قوة اللفظ وإشراقه قوة جديدة فيها.

فقصيدة النثر: تؤلف عناصر من الواقع المنظور وفق الرؤية الفكرية للشاعر بعلاقات جديدة بين ألفاظ النص وتراكيبه، هذه العلاقات مبنية على وحدة النص وحدة واحدة، ذات جماليات مبتكرة تعتمد على رؤية الشاعر للواقع المادي الخارجي بمنظور جديد،وامكانياته الشعرية في سياقاتها نحو الجمالية والافضلية بحيث تنعكس هذه الرؤية على العلاقة اللفظية، وبنية التراكيب، وقوة التخييل، وجدة الرمز وهذه الرمزية اتخذها بعض شعراء هذه القصيدة ذريعة في الايغال في الابهام والغموض بحيث انعكست سلبا على المتلقي وادت الى عزوفه عن قراءتها في بعض الاحيان حيث يفضل عليها قصيدة العمود الشعري لما فيها من موسيقى في الوزن والقافية القريبة الى اذن المتلقي العربي الموسيقية والتي تعودتها اذنه واحبتها نفسيته فيميل اليها كصيرا خاصة في الشعرالذي يتخذ صيغة الخطاب الشعري كما في الشعرالوطني والحماسي وفي استنهاض الهمم والعواطف والعربي معروف بعاطفته.

 

امير البيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــــد روز

 

1142 لودي الحدادقراءة في ديوان: نفحات من جليد ونار للشاعرة اللبنانية لودي الحداد.

هكذا تصرح الشاعرة لودي الحداد عن مغزى الكتابة الشعرية قائلة:

"اكتب لأسكب أشواقي على دفاتر الأيام علها تصلك ..اكتب وألون على الرياح علها تلفح وجهك ..اكتب لأموت بين ثنايا الأحرف علني أولد في قصائدك ..اكتب واكتب ..ويقيني نزف وشغف وموج مزبد على شواطئك.."

المجموعة الشعرية نفحات من جليد ونار هي التجربة الثانية للشاعرة لودي الحداد، بعد ديوانها الأول "كؤوس الأحلام" الصادر سنة 2017"، ويقع ديوانها "نفحات من جليد ونار " في مائة وست وعشرين صفحة من الحجم المتوسط ، ويحتوي على أربع وخمسين قصيدة.

وأشعر أنني لا أقف إزاء القصائد إلا إذا أدهشتني وحركتني ارتكازاتها وحركت في داخلي ارتباطا بين اللغة الشاعرية وبين انزياحاتها الفاعلة، ولا أتذكر من القائل: "أشعر الناس من أنت في شعره حتى تفرغ منه"، فإذا ما عشتُ أنا في النص؛ فإن قلمي يخرج عن طوعي ولا أدري كيف يسوح . ذلك ما يشدني إلى قصائد لودي الحداد الوارفة الظلال. وفي اعتقادي أن الشعر ضروري ضرورة الماء والهواء ..

لا ملجأ لنا إلا الشعر نتعلم فيه الصدق والخير والجمال ونستعيد علاقتنا الحميمة بالأرض والسماء، والنهر والشجر، والسحاب والمطر. لأن الشعر وعي كامل، واتصال كامل، واستغراق حميم للعواطف السامية .

في الشعر تجتمع اللغات والثقافات كما تجتمع في الحب الأعراق والأنساب والديانات والمذاهب وفيهما معا، في الشعر نرى الإنسان في أجمل صورة وأكملها نرى الإنسان كله، والدين كله، والوجود كله

أسئلة أخرى تتداعى في أذهاننا ؛ لمن تكتب الشاعرة، ومتى تكتب، وعلام تكتب؟ ما جدوى أن يكتب الشعراء الشعر في زمن الحرائق، والتخاذل والإبادة الجماعية والجموع الهاربة من الموت في جهات الأرض الأربع والهجرات السرية والعلنية إلى المجهول ؟ في زمن يحن فيه إلى لحظة سعادة غامرة لحظة فرح كهذه اللحظة ..إن الشاعرة تكتب لمن له قلب وعقل وإحساس ..هي لا تختار اللحظة التي تكتب فيها بل اللحظة هي التي تختارها لتقتنصها تائهة بين دروب اللغة محلقة بأجنحة الخيال لتولد القصيدة ..هي تكتب عن كل شيء ربما عن شيء لم يلتفت إليه الإنسان العادي وقد تكلّم طائرا أو فراشة أو بحرا أو وردة ..

الشعر حصان نافر في ثنايا المخيلة،وبحر الأشواق عصي على كل ضرورة، فهو برق، وبئر أسرار، ونبع جمال غريب هو الضرورة المقيمة في لغزها العصي والشعر كوكب الكلمات السابح في كونه الشخصي يغامر في الوصول إليه عشاق مسحورون مسكونون بالكلمات مثل الشاعرة لودي الحداد .

عنونت الشاعرة قصيدتها الأولى بـ "أمي" تلك الأم التي حظيت بإهداء الديوان ومن غير الأم أولى بهذه الهدية المطرزة بحروف تنبع من ماء القلب؟ وهي عبارة عن مناجاة شعرية ، افتتحتها الشاعرة بالإبحار عميقا في عاطفة الأمومة التواقة للحب وللحنان والدعاء ونور الإنسانية ؛ فرارا من كل ما ينغص ويكدر صفو الحياة الغريبة والمتناقضة والغامضة في النفس البشرية، ليس في مجال عظمتها العارمة، أو خذلانها الرهيب، بل في مجال تلك الصراعات الصغيرة الأكثر إثارة ضمن إيمان عميق بأن هذه الصراعات جديرة بالاهتمام والتفهم والتقدير، لا تفضي إلى سكينة أو معنى، وتُلحِقُ هذه

ويمرُّ الإنسان أحيانا من أبوابٍ لا يعرفها، أو هي لا تعرفه، وكذلك مفاتيح تلك الأبواب قد تكون في يد أديب أو فيلسوفٍ يبحث عن الحكمة ليُشيّدها دربا جميلا يسيرا لمن يريد السير فيه؛ ليجد أسمه بارزا أينما سار في ذلك الدرب، والشاعر في يده مفتاح لبوابة واحدة على الأقل.

و تتدفق القصيدة لدى الشاعرة فتغوص عميقا في الذات الأنثوية عندما تقف أمام نفسها وتبوح بما لديها من أشواق جياشة ملونة بمشاعر إنسانية نبيلة ومعطرة بالذكرى الجميلة حين يتحد الأنا مع ال(أنت) مسترجعة رحيق الطفولة ينصهر الشوق والحنين جراء البعد والرحيل وتتوالى أوراق السنين هناك تكون ولادة الإنسان ..تقول في قصيدة : انصهار وولادة :

أنا أنت ..

رحيق الطفولة

وشوق ثائر يتصاعد

مع تنهدات الأنين

وأنت أنا ...

أطياف حلم

يناجي اليقظة ويعزف

على أوتار الحنين .

كيف لا نندهش حالمين ونحن نسمع من شاعرة أو نقرأ لها قصائد رائعة وقد اكتنزت بالأصوات والصور والرؤى والأفراح والأتراح والأحلام والأشواق والحنين ؟ وكيف نكون بإزاء قصيدة خرجت من رحم الحنين ، تنتقل بنا نحو عوالم الجمال وفيض العاطفة هي صوت كمان وحيد ليس إلا..نسمعه في شرفة نائية حالمة مفعمة بالشوق والأنين والحنين .. ولست أدري لماذا ينتابني شعور بالسكينة ووالراحة وكأنني في حلم جميل كلما دخلت محراب شعر لودي الحداد؟ لعل ذلك يعزى لاختيار ألفاظ قصائدها الأنيقة وصورها الأخاذة ..

تقول في قصيدة حبر السنين:

أما أنا ...

فأذكرك بحبر السنين

وأرسم وجهك

في نهاية السطر..قمر ..

والشاعرة وفية باقية على العهد ومهجتها سلسبيل من الود فياضا على روابي الشوق ولن تتبدل ولن تتغير لأبدا عكس ما قاله علي بن أبي طالب :

ولا خير في ود امرئ متلون ...إذا ما الريح مالت مال حيث تميل .

تقول في قصيدتها "العهد":

لن أخون العهد وأتغير

مهجتي سلسبيل من الود

يفيض على روابي الشوق

فتتدلى العناقيد

تروي الصحاري لتسكر ...

ولعل الشاعرة تهيم بنا في غياهب الخيال الذي تتراءى منه خيوط الأمل لتنطلق من حلمها مكسرة جدر الكبرياء وصهيل رياح الرغبة وهدير الموج وصخب البحر ونقاء المطر لتحلق بنا نحو سماوات النور ومواطن الجمال ..إنه تدفق شلال سلسبيل نابع من جليد ونار ..

 وقد تبدو للقارئ أن القصائد صغيرة في حجمها لكن حين تأملها تجد أنها عميقة كبيرة في نوعيتها والعبرة بالكيف والنوع لا بالكم والطول ..إنها قصائد يجتمع فيها جمال المبنى وجمال المعنى وتتجلى فيها المشاعر الإنسانية النبيلة فيمتزج لديك الفرح بالحزن والشوق بالحنين والسلام وكأن روحك ترتدي لباسا من نور معطرا بعطر سحري ينبع روابي الجمال وأنفاس الربوات وصليل الصبوات ..من نفحات جليد ونار..أخال أنها قبسات نورانية وجدانية نفخت فيها الشاعرة لودي الحداد من روحها الشاعرية التي تنادينا هامسة :

 أنا ابنة الريح

 حفيدة الشمس

 في جداولي ينبض الإنسان

 أنا الدمع حين يعتصر

 والغضب حين يتوهج ويهدر ..

هنيئا لك شاعرتنا لودي على هذا المنجز الشعري الجميل "نفحات من جليد ونار" ..المولود الثاني الذي خرج إلى الوجود ليرى النور ولعلها "الولادة العسيرة كما قال محمود درويش حين سئل عن ميلاد القصيدة..وأنا جد مسرور وفخور أن كان لي شرف في تقديم قراءة انطباعية للديوان وأنا على يقين من أنك ستثري خزانتنا الشعرية العربية بكنوز ونفائس أخرى في مقبلات الأيام .

 

بقلم ذ.عبد العزيز أبو شيار

 

ابراهيم اوحسينقراءة في رواية "نزوة قابيل" للأديبة اليمنية د بلقيس الكبسي.

إننا حقا في مرحلة تاريخية وحضارية حاسمة،ونقصد بلا شك، نحن المنتمين إلى هذا الجزء العربي الثابت على هذه الأرض المتحركة والمتحولة على الدوام. وإذ نعبر هنا بعبارة "الحسم"، فإننا حقا إزاء قرار نهائي لا رجعة بعده، مفاده :  نكون أو لا نكون ! 

بهذا أومأت الأديبة بلقيس الكبسي في باكورتها الروائية "نزوة قابيل" وإن لم تكن الإيماءة باللفظ الصريح، وبهذا زحرت وصرخت، رافعة عقيرتها أمام العالم بكتابة الذات، ممتطية صهوة السرد حينا، وصهوة الشعر حينا آخر؛ والتمازج الشعري والنثري – على كل حال - يضفيان على العمل الأدبي بشكل عام جمالية لغوية تنضاف لجودة سبك المبنى وتشييد المعنى، ومن ههنا ننطلق، مشيرين إلى أن القراءة هاته تتوخى التعريف بالعمل مع إلقاء طيوف ضوئية على بعض جوانبها، دون السعي إلى تقمص دور الناقد ومازلنا في صفوف القراء لا أقل ولا أكثر.

إذا جاز لنا اللعب بالألفاظ نوعا ما، قلنا بلا مواربة إن العمل الروائي الماثل بين يدينا لهو "رصاصة مسدس" بالتعريف التقليدي للشيء الجامعِ الحجمَ الصغير والمفعولَ الكبير في آن. ولعل مئة وثمانين صفحة تثبت بجلاء ما زعمناه في ذياك التشبيه في شقه الأول، أما المفعول الكبير فقصدنا رأسا حجم ما بسطته الكاتبة على امتداد هذه الصفحات من معاناة دموية ألمّت باليمن حضارةً وتاريخا وشعبا على حين غرة، بعدما داهمتها قوى التحالف العربية- فيما سمي بعاصفة الحزم-، مجبرة إياها الدخول في متاهات حرب اشتعلت منذ 2015 ولم ينطفئ - للأسف- فتيلها إلى اليوم، وكأن نبوءة البردُّوني قد تحققت حين أنشد قبل سبع وأربعين عاما :

وُلدتْ صنعاءُ بسِبْتَمْبَرْ // كي تَلقى الموت بنُوفَمْبَرْ 

وتموتُ بيومٍ مشهورٍ // كي تولدَ في يومٍ أشْهَرْ

وتظلّ تموت لكي تحيا // وتموت لكي تحيا أكثرْ

هي صرخة يكاد  دويّها يبلُغُ العالم العربي من أقصاه إلى أدناه، ومن شماله إلى جنوبه، تماما كصرخة المرأة - في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم - المنتهك عرضها من يهودي من بني قينقاع، فكان أن تحرك جيش كامل لنصرتها واستجابة لندائها؛ أو كالعربية المسجونة بعمورية أيام الخليفة المعتصم، هذا الأخير الذي أعد جيشا بحياله أمام استغاثتها واستنجادها بصيحتها المشهورة : وامعتصماه !؛ أو كاللواتي صرخن في الهند والسند " واحجَّاجاه !"  مستنجدات بالحجاج بن يوسف. وإن شئنا التخفف من استدعاء المواضي مخافة إخجالنا،استدعينا علوم الفيزياء إلى حاق الأدب فشبَّهنا صرخة الكاتبة بمفعول أثر الفراشة (نظرية الفوضى)، حيث تستحيل رفرفة جناح في الصين فيضانات وإعصارات ورياحا هادرة في أقاصي أمريكا أو أفريقيا أو أوروبا. فمن يسمع عويل نساء اليمن وقد ولّى زمن المعتصم؟ ومن لمملكة سبأ ولم تعد بها فراشات ترفرف؟ ومن لذاك الماضي الهادئ الجميل إذا كان الحاضر قد نصب كمائنه وألغامه في كل مكان؟ من يحرر رسالة لسيف بن ذي يَزَن يستدعيه من عالمه الروحاني لعله يطهر البلاد ويحرر العباد؟ هي أسئلة  محرجة وأخرى طرحتها الرواية استنكارا، تاركة المستقبل القريب أو لعله البعيد يقدم أجوبة شافية لها، لأنه سيكون آنئذ الشاهد الوحيد على تداعيات الماضي المُعاش اليوم .

الغلاف/ العنوان : لمحة سريعة

إن مجرد إلقاء النظرة الأولى على غلاف الرواية وعناصره المتداخلة  كاف للتخمين  ولإصدار حكم مبدئي على ما قد يحويه هذا العمل الأدبي، خصوصا عند التمعن في العنوان (نزوة قابيل) المحيل رأسا على قصة قابيل وهابيل في الموروث الديني، سواء اليهودي أو المسيحي أو الإسلامي،الذي تكاد تُجمع أدبياته على ثبوت الجريمة الأولى في التاريخ البشري (قتل قابيل أخاه هابيل)، مع اضطراب واضح في ثبات الأسباب المقترنة بالقرابين. لكن على كل حال، شخصية قابيل مرتبطة في الوعي الجمعي بالقتل وباستنان الإجرام في السلوك البشري، بالرغم من تحفُّظنا على مصطلح "نزوة"، المرتبط في أدبيات علم النفس بالحالة الشعورية المتواصلة التي تولّد سلوكات متكررة إشباعا لحاجة ما، عكس السلوك القابيلي الذي - على ما يبدو - لم يتكرر مرة أخرى؛ إنما يسوغ توظيف المصطلح على سبيل الإشارة  إلى الحرب اليمنية المُشتجَرة غير المنتهية . لن نطيل التوقف عند أعتاب العنوان كثيرا ، فالعناوين وإن كانت المنفذ الأول لأي عمل مهما كان، إلا أنها قاصرة إلى حد كبير عن الوشاية بما يكتنزه المتن بين دفتي الغلاف؛ إذ نزعم أن عنوانا مثل "الإخوة كرامازوف" - للروسي ديستوفسكي - يستحيل أن يقدم لنا أبسط الملامح عن العالم الإنساني المتشعب والمتنوع المبسوط بين أحداث هذا العمل الكبير وقس على ذلك. نشير كذلك إلى أن الكاتبة هنا اختارت نمطا دارجا من العناوين، وهو المُعرب نحويا خبراً لمبتدأ محذوف تقديره اسم إشارة (تقدير الجملة : هذه نزوة قابيل) . أما الغلاف الخارجي للرواية، سواء كان من مخيال الكاتبة أو  من مخيال المصمم، فله ما يبرره شكلا ومضمونا؛ فاختيار اللون الأسود لونا مكتسحا وطاغيا يبعث برسالة تلقائيا إلى المتلقي مضمونها الحزن والغموض والضياع والأفق المسدود، في حين أن السواد أيضا يرمز للجمال وللأناقة وللسكون وللحب، وكم احتفى العرب بهذا اللون في خواطرهم وفي أشعارهم،إذ لازلنا نتذكر قول قيس بن الملوح :

وقالوا عنكِ سوداء حبشية // ولولا سوادُ المسكِ ما بِيعَ غالِيَا

وقول القائل :

إذا لبس البياضَ صار بدراً // وإن لبس السَّوادَ سَبَى العِبَادَا

 

وغيرها من الأعمال الأدبية المحتفية بالسواد، نذكر مثالا لا حصرا : أرض السواد /عبد الرحمن منيف؛ حليب أسود / إليف شافاك؛ الأسود يليق بك/ أحلام مستغانمي؛ العسكري الأسود/ يوسف إدريس؛ غواية السواد/ كريم بلاد؛ التراب الأسود / أيوب النحاس ... وغيرها قديما وحديثا. يشار كذلك إلى أن الغلاف ضم تسعة مؤلفات شعرية ونثرية، كما يمكن للقارئ منا ملاحظة العبارة المُذَيِّلة للدفة الخلفية المقتبسة من متن الرواية نفسها، التي تقول : " الحرب لا تنام والحب لا حد له، لذلك لن أخوض أية حروب فاشلة مهما تمادى الألم لن أنهزم، لن أجازف بالقلب ، سألزم الصلاة والحب، يقينا سأنتصر ..."؛ عبارة وشت بالكلمتين / المفتاحين اللتين يجوز بهما  الدَّلف إلى عمق الرواية وغورها، وهما : الحب والحرب ...

الحب والحرب : ثنائية التلازم والترادف

كانت ثنائية الحب والحرب ولا تزال الشغل الشاغل للكائن البشري العاقل،بل، إن معظم تاريخ الإنسان تاريخُ حربٍ وحبٍّ؛ فإذا كان الحب بلا شك غريزة آدمية ، فالحرب كما زعم ابن خلدون في مقدمته " أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل".و إن ثبتت الثنائية في حق الإنسان،فلن نبالغ إن أثبتناها أيضا في حق غير العقلاء ، ونقصد الحيوان بالذات؛ فهو  كما تحدث عنه الجاحظ في موسوعته  الحيوان  لا يمنعه ارتقاءه سلّم الإنسانية سوى عوزه إلى القدرة على التفكير والوصول إلى حرية الاختيار، أما ما عدا ذلك، فهو مضارع للإنسان في  أغلب غرائزه، وهو  إذن محبٌّ ومحاربٌ . فإذا كان الأمر كذلك فمن غير المستغرب أن نجد في الأساطير اليونانية والإغريقية  حديثا واسعا عن آلهتي الحب والحرب (إيروس وآريس)؛ ومن نافلة القول إذن التذكير بقصص تاريخية كان الحب والحرب فيها الحبكة الثابتة والمتحولة ، وهنا نقصد حرب طروادة، وحرب قبيلة بكر بن وائل من أجل الجليلة حبيبة كُليب بن ربيعة، وبطولات عنترة العبسي من أجل عبلة بنت مالك، وغيرها كثير؛ كما يمكن التذكير على السواء بأعمال روائية  احتفت بهاتيك الثنائية لا على سبيل الإمتاع والمؤانسة فحسب، بل، لأن أحدهما حقا يستلزم الآخر ومرادف له بشكل ما وإن بدا لنا الموضوعان على طرفي نقيض؛ ولنا مثال في :" في الحب والحرب " و" لمن تقرع الأجراس" / همنغواي ؛ "عالقة بين الحب والحرب" / أريج الخصاونة ؛ " لماذا تكرهين ريمارك؟" / محمد علوان  جبر؛ "أوان الحب أوان الحرب" / كريم بلاد ؛ "الدرب الضيق إلى مجاهل الشمال " / ريتشارد فلاناغان؛ " وقت للحب.. وقت للحرب " / إريك ريمارك ؛ "ذهب مع الريح" / مارغريت ميتشل؛ " دكتور جيفاكو " / موريس باسترناك ؛ "باب الشمس" / إلياس خوري ؛ " نوستالجيا الحب والدمار" / السعيد الخيز؛ "أحضان مالحة" / ريمة راعي... وغيرها من أعمال نظرت إلى الثنائية من زوايا متعددة، مُضْفِية عليها لمستها النوعية في الحدث والمخيال والشخوص، وكذا في الزمان والمكان. إنها الثنائية التي ألهمت الشعراء والروائيين والمفكرين، بل، شغلت حتى علماء النفس كفرويد  مؤلف كتاب " الحب والحرب والحضارة والموت "، و مايكل ماتيوز  صاحب كتاب " رأس صلب "، والموضوع على كل حال له امتدادات وتشعبات في مختلف المجالات المعرفية الإنسانية ، إلا أن المقام لا يتسع للإسهاب وللتفصيل، وسنكتفي بما تم إيراده وإن اتسم بالإيجاز.

الرواية : المتنُ حاملا موضوعتي الحب والحرب.

يُحسب للكاتبة في الحقيقة جرأتها - وهي تكتب عملها الروائي الأول - على الجمع بين موضوعي الحب والحرب، لما يتسمان به  من صعوبة في التناول والتفكيك، فالأول مَعينه العاطفة ودواخل الوجدان، والثاني يصنع المآسي الكبرى ويفتح العين على مشاهد لا تتأتى إلا للقليل، بل، إن الحرب تُلجم اللسان وتُجمّد الأقلام وتُوقف التفكير؛ لكن الروائية استطاعت - بعدما أخذ الشعب اليمني في التعوُّد على آثار تلك الحرب العدوانية - حزم أمرها واستجماع قواها الذاتية والانفعالية، وتمكنت من كتابة باكورتها الأولى " نزوة قابيل" مُنهية إياها قبل انتهاء الحرب التي مازالت تحصد الحصائد إلى يوم الناس هذا كما أسلفنا بالذكر.

الرواية صيغت من عشر فصول ومن ثنتين وثمانين ومئة صحيفة ، مما يُبرز بجلاء أن الكاتبة إنما كتمت مأساتها الحقيقية وجروحها الغائرة ولم تبح إلا بالنزر اليسير عوض إيثار الكتمان والصمت.

استأنفت الكاتبة روايتها بمعجم مِلنخولي تطبعه السوداوية وكل مفردات الكآبة واليأس والضياع والألم - كأنك تقرأ بؤساء فيكتور هوغو أو جين آير لشارلوت برونتي-  ، والأصل أن تكون لغة تصف الحرب ومخلفاتها كذلك، فاختارت الكاتبة اقتحام معمعان الحرب وساحتها ووصف ما أحدثته القذائف والقنابل في حضارة امتدت لآلاف السنين وفي بلد أصبح في طرفة عين أكواما من جثث بشرية متعفنة وركاما من حيطان أسمنتية وأخرى حجرية. كل شيء عاد القهقرى وعاد به الزمن خلفًا حتى غدت اليمن بقايا دولة وأشلاء تاريخ . هكذا نظرت البطلة " تُوق "إلى المشهد خصوصا بعدما تُوفي أبوها وأمها وجدّتها نتيجة إحدى القذائف المفاجئة التي أصابت بيت الأسرة جاعلة إياه أثرا بعد عين، إضافة لفقدان أخيها الأكبر "تاج" وعدم ظهور أثر له سواء بين الأحياء أو بين الموتى، بالرغم من وجود شبيه له في غرفة حفظ الجثث.هنا، تتساءل تُوق : لماذا يُقصف المدنيون العُزَّل المجرّدون من كل درع واقٍ؟ السؤال الذي يحيلنا مباشرة إلى مقولة روسو في عقده الاجتماعي مؤكدا أن الحروب إنما هي علاقة بين الدول لا بين البشر، والعداء يكون للجندي لا للإنسان الأعزل؛ كما يحيلنا السؤال بالضرورة إلى الموضوعة القديمة الجديدة : الحرب والأخلاق. هي أسئلة لم تتعرض لها تُوق بالإجابة الفلسفية في تضاعيف الأحداث وإن حامت حول حماها في بعض المقاطع. المهم أن البقية الناجية من الأسرة (توق) انتقلت للعيش مع العمّ "راجي" بعدما قضت توق أياما في المستشفى، الحدث الذي سيولّد  صراعات وتجاذبات نفسية وعاطفية تارة مع زوجة عمها " دهمة" - المتسلطة الظالمة- وتارة مع ابن العم " ركان" بارقة الأمل وجذوة الحب الأولى؛ هنا ستتقمص توق ثلاثة أدوار بالضبط مُحافِظة عليها  إلى نهاية الرواية : الصراع مع دهمة و البحث عن الأخ المفقود ومشاركة "ركان" ابن عمها مشاعر حب عذري. يستمر هذا الدور ثلاثي المسارات إلى محطات تُفاجئ حقيقة أفق انتظار القارئ، بل، يبدو أن الكاتبة استعجلت إنهاء الرواية وختمها ، لأنها - ونقصد الكاتبة والبطلة في ذات الوقت- كالتي يُطلب منها رسم وشوم على جسد جثة ساكنة !! من أين لها بالنفس الطويل لابتداع أحداث أخرى في روايتها والجرح المفتوح أعمق مما نظن؟؟ هكذا تداعت الأحداث بسرعة، فأضحت دهمة المتسلطة مُقعدة بعدما غادر الزوج البيت ، واختفى ركان بعد انضمامه لصفوف المدافعين عن الوطن، واستطاعت توق العثور على أخيها المفقود لكن بذاكرة مفقودة كذلك؛ فلم يكن أمام توق إلا الاعتناء بدهمة وبالبيت الذي أصبح شبه فارغ، منتظرة حبيبها ركان لعل المستقبل يجود به يوما ما.

 صنع الحرب والموت ما صنعاه  في اليمن  الجريح، وكان ما كان من شأن الأرواح والجدران، وقد تساءلت الروائية في تضاعيف الرواية : ما الذي يمكن أن يحدث بعد الذي حدث؟ الأحباب شأنهم شأن الموتى أو المفقودين، والوطن تلاشى ودُفن تحت التراب ... كأنها في الحقيقة تُذَكِّرنا  بأبيات عبد العزيز الماجشون أحد فقهاء المدينة - في عهد الخليفة العباسي المهدي - حين فقد أحبابه قائلا :

للهِ باكٍ على أحبابهِ جَزَعَا // قد كُنتُ أَحْذَرُ هذا قبل أن يَقَعَا

ما كان والله شُؤْمُ الدّهر يتركني // حتى يُجرِّعَنِي من بَعْدِهِمْ جُرَعَا

إن الزمان رأى إِلْفّ السّرورِ  لَنَا // فَدَبَّ بِالبَينِ فيما بيننا وَسَعَى

فليصنعِ الدّهرُ بي ما شاء مُجتهداً // فلا زيادَةَ شيءٍ فوق ما صَنَعَا

إلا أن الحرب لم يمنع الحب من الميلاد والترعرع، كما لم تمنعه الكوليرا في رائعة كارسيا مركيز، بل، من المصائب ما يجعل هذه العاطفة الإنسانية تبزغ وتتنامى؛ أَ لَمْ يتذكر عنترة ثغر عبلة المتبسّم في خضم إحدى معارك عبْس الحامية؟

إن الموت ينجب الحياة بلا شك، كالحرب تتعهد الحب في رحمها، وما تَوَلَّدَ بين ركان وتوق تحت نير لهيب القذائف إنما هي مشاعر حب عذري بدأ ولم ينته؛ رباط عاطفي جعل البطلة توق تشتبك بحبائل السراب والوهم، خصوصا بعد مغادرة ركان بيت العشق إلى خط اللاعودة... وهكذا الحب ،كما ذكر  ابن حزم الأندلسي في طوق الحمامة ، أوّله هزل وآخره جِدّ ، ولا يتعانى تداعياته حقيقة إلا من تعاطاه بجدية تامة وتصدى لِلُجَجِهِ الهادرة، وهنا تقدم لنا توق درسا في الوفاء رغم ما يلتبس به من انتظارية ذات أفق متلاشٍ، مؤكدة في ختام الرواية بقاءها على العهد وعلى ذكرى البدايات؛ تقول  (ص 182) : " سأنتظرك سواء راودتك مسافات الإياب أو باعدتك سنون الغياب، سواء عدت أو لم تعد، سأبقى على قيد الوطن " .

الخاتمة : الباب المفتوح وما بعد النزوة...

البقاء على قيد الوطن إنما هو إحالة على خاتمة مفتوحة، والكاتبة طبعا أذكى من أن تجعل لروايتها نهاية قاطعة، مادامت الحرب مستمرة ولم يخمد  لهيبها بعد. الرواية إذن فتحت احتمالا لنهايات متعددة يمكن أن تختم الأحداث البدئية. وإن شئنا الحديث بلغة المناطقة، أكدنا بلا مجازفة، أن أي عمل روائي مهما كانت أحداثها وشروطها ومنطلقاتها الأولية، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تثبيت نهاية واحدة وإن كانت منسجمة حدّ الكمال مع السياق الروائي العام. إن النهايات الروائية إنما تُكتب اضطرارا لضبط العمل بعدد صفحات محدد دون تمطيط الأحداث إلى حد الشعور بأننا أمام أوديسة أو ملاحم مطوّلة. والحقيقة أنه مادامت الفيزياء المعاصرة استسلمت لمفهوم الزمكان (ارتباط الزمن بالمكان دون فيصل)، فالحدث إن كانت له بداية فنهايته أبعد في المستقبل مما نظن.

ماذا بعد النزوة؟ سؤال يؤرق القارئ أكثر مما أرّق الكاتبة بلقيس الكبسي، كونه يطرح سؤال موازيا يدخل في علم الغيب الخارج عن طوق علم اليقينيات، وهو ببساطة : متى تنتهي حروب العرب؟ أو على مستوى أعلى ، متى تنتهي الحروب جملة؟ متى تنقضي أطماع المقتاتين على آلام الشعوب؟ ... أو لعلها لن تنقضي الأطماع مادامت جزءا من الذات الطامحة والمتطلعة... هنا ينبغي الغوص في رواية " كي لا تنتهي الحرب" لجورج فرشخ، فلعلّه يطلعنا على نزوة أخرى بعد نزوة قابيل.

 

إبراهيم أوحسين - المغرب

 

معراج احمد الندويالقصة هي فراسة الحياة الاجتماعية بكل أبعادها، فهي ليست حكاية للأحداث وسردا للوقائع فحسب، وإنما هي فقه حياة الناس وما يحيط بها من ظروف وزمان يتتابع فيها أحداث. وللقصة تأثير بالغ في نفوس الناس حيث تريهم ما يغفلون عنه أو تقص عليهم خبر قوم ما أو شخص ما فيأخذون العبرة منها بدون نصائح مباشرة حيث ينفر الناس غالباً من النصح المباشر،تمثل لأن القصة تمثل خبرات وتجارب ومشاعر وأحداث الإنسان التي مرّ بها في حياته سواء الواقعية منها أو تلك التي من إبداع التخيل الانساني. وللقصة دور في بناء الثقة وخلق الاتباع.

إن للقصة أثرا قويا في النفوس الإنسانية، فهي وسيلة من الوسائل المثيرة للفكر الإنساني، والمربية للنفس البشرية. ولما كان للقصة هذا التأثير الكبير في إثارة الفكر وتهذيب النفس اتخذها القرآن الكريم وسيلة من وسائل الدعوة والتذكير والتوجيه إلى عبادة الله عز وجل. فجاء القرآن الكريم بأحسن القصص. تتضمن القصة القرآنية من الأمثلة والحكمة والمواعظ والمواويل، ولها أنواع كثيرة حسب الموضوع أو الغاية كالدينية والخوارق والإنتقاد الاجتماعي وقصص الحيوانات ستبقى القصة القرآنية إذن الشعلة التي تضيء لهذا الانسان لتصل حاضره بماضيه، وستبقى النفحة الربانية التي تشرق بها النفس وتعمر القلب، وستبقى الوثيقة الوحيدة الصادقة الخالدة التي يطمئن الانسان لمصداقيتها.

تمثل القصة القرآنية ربع القرآن الكريم. والقصة لها تأثير فعال. لأنها تستوي أذهان الناس وتفضل سماعهم وتترك أثرا واضحا في نفوسهم. فقد استخدم القرآن الكيم القصة كوسيلة لغرس قيمه وافكاره واتجاهاته.في القرآن الكريم ثروة ضخمة من القصص والحكايات.

إن القصة الأدبية فتقوم على الخيال السابح والتوهم والتخيل في حين أن القصة النبوية مصدررها الوحي، فهي نسيجة من الصدق الخالص وعصارة من الحقيقة الصافية التي لا تشوبها شائبة، فلا تزيف ولا تخيل ولا تحريف فيها. إن المقصود الذي جاءت به القصة النبوية هو تحقيق أغراض دينية كإثبات الوحي والرسالة والبعث وتعميق العقيدة في النفوس وتبصيير العقول.

تعتبر القصة النبوية أسلوبا تربويا ينهض على التحسين والإثارة والتشويق، ثم من النفس البشرية. والقصة النبوية امتداد وبيان للقصص القرآني لأن كلاهما يؤدي الغرض نفسه وهو الغرض الديني التربوي، وعلى هذا جاء القصص النبوي كلون من البيان وأسلوب من أساليب الأداء، فمقاصده هي التي تستوعب الأسلوب والطريقة وهي التي من أجلها يسلسل القرآن الكريم الأحداث ويربط بينها برباط العاطفة والوجدان، لقد حذت القصة النبوية حذو القرآن الكريم، وهي القصة تقوم على سلامة فطرة القاص وتكفى كل الكفاية في تقرير العرض الأدبي والعاطفي والفني وتروع كل الروعة في تسلسل الأحداث والباقة الحوار وتصوير الأشخاص وتتبع فكرتها من أجناس النفوس الكائنة الحية، فلا تعالج أنماطا منها في عالم المجهول.

اتخذت القصة النبوية أيضا وسيلة من وسائل الدعوة كالقصة القرآنية  وتهدف إلى إقامة صرح الإيمان، وقد خضعت القصة النبوية في موضوعاتها وطريققة عرضها وإدارة حوادثها لمقتضى الأغراض والأهداف الدينية، وهذا الخضوع للغرض الديني لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها، فكانت في ذلك متتبعة لمنهج القصة القرآنية ولنسق البيان القرآني.

 إن مفهوم القصة النبوية لا يخرج عن مفهوم القصة كما عرفها العرب، بل هي تتبع الأحداث الماضية وتقوم بابراز جانب صغيرة فيها، تتناول القصة النبوية أخبار الماضيين وأحداث الأولين سواء كانوا من الأنبياء والرسل أو من أقوامهم مع التحديد الزماني والمكاني.

القصة النبوية هي مجموعة أحداث مرتبة ترتيبا سببيا، تدور حول مواضيع إنسانية شتى، وتقوم بتحليل الأحاسيس والمشاعر والمعرفة النفسية. لقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من القصص وسيلة للبلوغ الغرض الديني. فهي اقناع العقل وامتاع العاطفة بأسلوب حكيم وهادف. والقصة النبوية بعيدة كل البعد عن القصة الأدبية الفنية التي وضع لها الأدباء عشرات القوعد الفنية في البنناء، وبهذا ينبغي أن يكون النظر إلى القصة النبوية مختلفا عن النظر إلى القصة الأدبية، فالقصة النبوية ليست للمتعة ولا للتذوق الأدبي المجرد، ولا غرابة في ذلك ، فهي ذات مصدر خاص وهدف خاص مغاير للمصادر التي تقوم عليها القصص الأدبية الفنية.

تحتوي القصة النبوية الكثير من تاريخ الرسل مع أقوامهم والشعوب وحكامهم، تضرب لسيرهم النمثل من المواضيع التي يقف الفرد على نتائج واقعية من هذا الماضي، فيقيس عليه حاضره ويعد مستقبله. كان الرسول صى الله عليه وسلم يقص على أصحابه قصصا تعددت أنواعها وموضوعاتها تشمل جميع العناصر القصيية والفنية والتقنيات السردية من حدث وحوار وشخصيات وزمان ومكان وما إلى ذلك.

إن لكل قصة غايتها المستمدة من الرسالة التي تقوم على سلامة فطرة القاص، ومن أجل ذلك كانت القصة النبوية أسلوبا ناجحا في الدعوة إلى الدين، وهي تحكي الواقع بكل صراحة ووضوح كما جاء في القرآن الكريم. في القصة النبوية الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني وتخاطب خاصة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية.

لا تجري القصة النبوية في أسلوب واحد ولا تحدد نمطا واحدا من الأداء ولكنها تختلف حسب ما يميل مقام الفكرة، فطورا قصيرة وطورا آخر طويلة، تتفاعل وتتحرك لتولد العبر والعظات مما يثير نفس الملتقي ويشوقها بما تتتخلله من مفاجأت تذكي الشوق إلى متابعة القصة.

 تنقسم القصة النبوية إلى ثلاثة أنواع:

 1- القصة الواقعية: القصة الواقعية هي حكاية واقع تاريخي مضى وانقضى، وإما حكاية واقع سيكون في المستقبل. وهذا النوع من القصص. فهي أحداث وتجارب ذاتية وقعت في الرسول صلى الله عليه وسلم من حياته وفي ظروف مختلفة، وهذا القصص أشبه ما تكون المذكرات التي يسجلها الإنسان عن ما بعض ما يمر به في حياته، ومن أبرز هذه القصص التي تعالج مرحلة من مراحل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم هي قصة "الإسراء والمعراج" التي قص فيها الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلة في حياته. وهي قصة واقعية حكاها النبي صلى الله عليه وسلم وساقها بأحداثها شخصياتها، لا لمجرد التسجيل التاريخي، ولكن للعظة والعبرة والتوجيه.

2- القصة التمثيلية: هذا النوع من القصة اتخذه الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم مثالا للفكر المطروحة أو القضية المقررة سواء وقع هذا المثال على أرض الواقع أو لم يقع، فالقصة التمثيلية تصور الأحداث والوقائع مثل القصة التي رواها النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهمواعلى سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ويعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على فوقهم، فقالوا، لو أن احرقنا خرقا من نصيبنا ولم نودئ من فوقنا، فإن يتركواهم وما أرادوا هلوكا جميعا، وإن أخذا عل أيديهم نجدو نجو جميعا.

3- القصة الغيبية: النوع الثالث من أنواع القصص النبوي هي القصة الغيبية. تتناول هذه القصة الأحداث والوقائع من مستمدة من مشاهدة الآخرة، وهي غيب سواء وقعت في الماضي أو سوف تقع في المستقبل، وهي بالنسبة للإنسان غيبا مجهولا، لا تقع تحت حواس البشر.

إن هذه الأنواع الثلاثة للقصة النبوية سيقت بأساليب متنوعة، فهي من ناحية طريقة العرض وأسلوب الأداء تتجلى إما في شكل خبر قصير، ولا يتجاوز في شكل مشهد قصصي، وإنما تظهر في قصة مكتملة البناء والعناصر الفنية. ومن القصص التي تعرض بهذا الأسلوب قصص السيرة الذاتية للرسول صلى الله عليه وسلم والقصص التاريخية. فربما تطول الأحداث وتتنوع ويحتدم الصراع وتنمو الشخصيات والتعدد ويمتد زمان الأحداث.

تنبع القصة النبوية من الواقع التاريخي وتمثل الصراع الفكري بين قوى الخير والشر في النفوس وهي هادفة لأهمية الكبرى في حياة البشر، فكل يجد من هذا القصص النبوي يعد من أنجح الطرق التي اتبعها الحديث النبوي في تأديب النفوس. وهكذا نجد أن القصة النبوية ترسم خطاها في اتخاذ القصة وسيلة من الوسائل التربية والتوجيه وتصوير المبادئ في حية مشرقة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

1138 هواجس الضياعفي منجزه الروائي الباكورة، الصادر حديثا عن دار الدراويش بجمهورية بلغاريا، والذي انتقى له عتبة "هواجس الضياع"، يحاول المبدع المغربي الحسين أيت بها، المنحدر من مدينة زاكورة، تقديم مشروعه على أنه كيانا يتوسل ملامح الاكتمال، لا فقط، عصارة حكاية تشوش عليها التشعبات، فهي تُتداول بعفوية وشكل منمط، وتتناقلها الألسن للتسلية، عوض عروض النهل من عبر وحكم شتى، في مقدورها التغيير من عقلية جيل، تجاه ظاهرة الجنون.

بحيث تقترح هذه الفسيفساء السردية، في تركيزها على البطولة الواحدة، مثلما ترجمت ذلك شخصية عبد العالي الملقب ب" الهداوي"، مقاربة مغايرة بالتمام للمنظومة المفاهيمية التي تعنى بمثل هذه الظواهر، وهذا يحيلنا إلى لون إبداعي جديد، دامغ برؤى أكثر موسوعية وشمولية، ضمن خطاب أدبي مسكون برح الإنساني ونورانيته، بما هو جنوح ونزوع إلى واقع الرقي الفكري والروحي.

رواية تتلعثم بالكثير من الرموز، خاصة أنها استهلت بالبعض منهم، قصد إعطاء صور ذروة في الجمالية والرمزية والمجاز، لنظير هذه الحالة الإنسانية التي من السخيف أن تقابل في مجتمعاتنا المصطبغة بجملة من أقنعة المقاومة والتجريح والانحطاط، إذ الأصوب، والأنجع هو التعاطي معها بحيطة أكثر وحساسية تليق بعمق ما تزلزل له هوية "الكائن المجنون".

وإذا ما عدنا قليلا إلى الوراء، سوف نجد إشراقات ومحطات وامضة لهذا الضرب من التعامل مع كهذه ظاهرة، على نحو هش وواع، يذوب الفوارق بين الضفتين، أعني بين عالمين : ذوي الإحتياجات الخاصة، حسب التعبير العلمي العصري للظاهرة، والأسوياء، وقد كانت تتم المناداة على فاقد البصر، البصير، أي الذي يرى بعقله وبواطنه، وفاقد العقل، البهلول، أي الحكيم بمعنى من المعاني، وهذا على سبيل المثال، لا الحصر، ما أصّل نوعا ما، لثقافة مبنية على أسس عقلانية تتجاوز العاطفة والشفقة، لرسم إستراتيجية إدماج حقيقي وفعال، سهل راهن مكابدة المعاناة، من لدن هذه الفئة المحاصر بالخلل الوجودي الذي له انعكاسه السلبي، بالتأكيد، على الهوية الفردية، سواء أكان هذا الاختلال أو الحالة المرضية جسدية أو نفسية أو عقلية.

وهو سلوك وملمح للرقي يجب تبنيه، على نطاق واسع، بما تنفكّ له لعنة هؤلاء الذين لا ذنب لهم في ما يعانون ويكابدون.

ينبغي فك الضريبة الوجودية عنهم، أقله تنويرهم بما يؤهلهم لانخراط فعلي إيجابي في مجتمعاتهم، ويعفهم في نفض تبعات السيكولوجي الجارح والقاتل أحيانا.

وأحسب الرواية كرست رسائلها لهذه الغاية بدرجة أولى.

يقول الراوي في موضع:

[إلا أن الطبيب تابع حديثه وهو يعاتب عبد الرحمن على إهماله، قائلا له بأن إمكانية شفائه منذ الوهلة الأولى واردة، ولكنكم تأخرتم في ذالك، والحقيقة أني أحسست بطمأنينة رهيبة بعد كلام الطبيب، كما أني كنت متيقنا بأن عبد العالي، سيعود إلى رشده كما كان في السابق بالرغم مما وقع من أحداث أوصلته لما هو عليه](1).

بالنسبة لبناء الرواية أو معمارها، نجده وقد التزم بمعجم السهل الممتنع، وقنّن باللغة السلسة، كامل فصول هذه السردية، فضلا عن أنه فصلها بإحكام، ما أعطاها تسلسلا منطقيا، يغري بالمطالعة، ويبسط على المتلقي متاهات تتبع المشاهد وتقصي الأحداث، والتزود بالأفكار التي تفيد حالة العودة من الجنون، وتذود عن ثقافة جديدة في التعاطي مع كهذه ظاهرة قديمة ومتجذرة في الأبجديات البشرية.

يقول أيضا في موضع ثان:

[آه هل الآلام والعذابات في هذا العالم مصدرها الإنسان؟ حقير هذا الذي تسبب له في ذلك، أخوه عبد الرحمن كان ظالما جاحدا، كيف أمكن له أن يفعل ذلك ويتركه بعد مرضه، وبعد أن قام بتكبيله، لمدة أيام معدودة، وهو يعاني ويصرخ بأعلى صوته، فتارة ينادي أمه وتارة يستعطف أهله بأن يفكوا وثاقه، كبلوه لأنه كان يحدث الفوضى، لقد قام بضرب أحد أبناء عبد الرحمن، وكسر عدة أواني، لذلك أحضروا مشعوذ القرية الذي قام بربطه، وإجباره على شرب الدواء الطبيعي، وعوض أن يهدأ، ساءت حالته، غير أن صوته خفت وأصبح وديعا، لذلك قام عبد الرحمن بإطلاقه.

مرت أيام وعبد العالي لازال في الشمس حتى كبرت أظافره وبدأ شعره ينمو بشكل كثيف، لقد تحول إلى رجل وديع يجلس في الشمس بجانب أخيه، حتى عبد الرحمن رقّ لحاله فأطلقه](2).

تشير الرواية إلى عبثية التعاطي مع الظاهرة، وتؤكد على أنه لا جدوى من انزلاقات الشعوذة والتدجيل في التصدي لمضاعفات هذه الحالة الخطيرة التي تلغي هوية المفرد وتهدد أمن الجماعة وتبصم بالعار جبين الوطن.

يختلط الديني بالسياسي بالمجتمعي، من أجل صياغة مشهدية تدمي، وتحيل على أفق للمفارقة، فمن جهة التطور الذي أحزره الطب وسائر العلوم، ومن جهة مقابلة هذا الانحطاط العقلي المكرّس لسلطة الماضوية أو الرجعية التي يعشش فيها الدجل وتلبسها وصايا الشعوذة.

يقفل المنجز بشذرة دالة على واقع التشظي، عنونها صاحب الرواية " ذكرى الهداوي" كأنما أتت كوة أو بصيصا لهذا الرقي في المناولة الذي تناوبت عليه الذات الساردة، على امتداد فصول الشفاء، الجنون والعظمة، المصير، كرامات الهداوي، هواجس، العشق، الاعتراف، الحقيقة، وأخيرا الذكرى كسجن، تتوزع مرارته على هذه التيمات جميعها، كي تضعنا إزاء حالة تتكرر في عبورنا الآدمي، غير أنا نجابهها بكثير من العبثية واللامبالاة والإهمال والاستخفاف، مفوتين فرص إنقاذ أجيال تتعاقب وتتضارب أهدافها وأحلامها.

يقول:

[الحكاية التي لن تنساها مخيلتي على مر السنين، والتي أبكتني مرارا، فلترقد روحك بسلام، وليرحمك الله، يا ولي الله الصالح، الذي أخذت منه الدنيا الشيء الكثير، فليرحمك الله، صديقي عبد العالي...

أيها الهداوي: المتصوف، العاشق، الحبيب](3).

خلاصة القول أنه، من هذه الخلفية المتشبعة بالخطاب الحِكَمي الصوفي، تنطلق الرواية في معالجة حالة إنسانية متكررة اسمها " الجنون" لتقود إلى ثقافة تنتصر للرؤى الموسوعية والتوجه العلمي، معززا بفكر تجاوز العاطفة ومضايقها، بغية بسط صفحات جديدة تلونها منظومة مفاهيمية مغايرة، في مقاربة عالم الجنون المرتبط منذ القدم، بمفردات العظمة والعبقرية والنبوغ.

 

احمد الشيخاوي -  شاعر وناقد مغربي

..........................

هامش:

(1) مقتطف من فصل الرواية الأول، الشفاء، الصفحة 14.

(2) مقتطف من فصل الرواية الثاني، الجنون والعظمة، الصفحة20.

(3) مقتطف من الفصل الأخير، ذكرى الهداوي، الصفحة 96.

* هواجس الضياع (رواية) طبعة أولى2019، دار الدراويش، جمهورية بلغاريا.

 

جمعة عبد اللهتتميز الرواية في براعة السرد وتقنياته وآلياته المتعددة الاساليب والاشكال في بنية النص الروائي، في التوسع والتمدد في المتن السردي، الذي يلاحق ويرصد ادق تفاصيل الاحداث المتن الروائي، بهذا التزاحم المتلاحق والعاصف، لكن بترتيب وتنسيق مدهش في تناسق بنائه الروائي، في الغوص في عوالم الاشياء الحياتية بالتفصيل والتوسع المشوق، في اشكالية متطورة من التعبير والصياغة، وفي الاستيعاب الهائل لمسار الاحداث وتتبعها في أدق التفاصيل، في ابراز مضامين البارزة في الارهاب والحرب، في ثنائية الموت والجحيم. التي مارسها النظام السابق، واشعاله نار الحرب، فالرواية تتحدث عن فترة الثمانينات القرن الماضي، أبان الحرب المشتعلة بين العراق وايران، والتي اصبحت تحصد الهزائم في جحيم خنادق الموت المرعبة، تجعل الحياة في ظل هذا الجحيم والمعاناة لا تطاق ولاتتحمل. لان الجندي يعتقد انه وقود في استمرارية المحرقة. ولا خلاص إلا بالمجازفة والمخاطرة والمغامرة في حياته، طالما الحرب تلعب لعبة الموت والحياة، المنتصر هو الموت والخاسر هي الحياة. هذا ماكشفه الابداع السردي الروائي، ولابد من ذكر ابرز معالم السرد، هي البراعة المدهشة في فن التصوير الملهم والخلاب. كأن الروائي يحمل كاميرا التصوير، ويصور ويصف الاشياء في محركات المتن الروائي في عدسة التصوير. كأننا امام دليل سياحي يصف ويصور معالم الاماكن السياحية في دهشة التصوير، يجعل القارئ ينشد اليها بتشوق مرهف وجذاب. يجعلة كأنه يعيش هذه الاماكن السياحية، في ادق مهارة وبراعة في عدسة التصوير. هذه التقنية المتطور في اسلوب السرد وحثيثاته. ولا يمكن ان يكون الوصف والتصوير بهذا الشكل الباهر، إلا من عايش وشاهد هذه الاماكن. ولا يمكن من كشف حالة الغربة واللجوء، وشحتهما القاسية، إلا من عايش معاناة الغربة واللجوء، لذلك جاء المتن الروائي بهذه الدقة في تسليط الضوء على قسوة معاناة الغربة،والصعوبة الشاقة والمرهقة في الحصول على هوية اللجوء. كأنها اختبار لطاقة التحمل والتحدي، رغم شحة الحالة المادية وفقرها ويباسها التام، اضافة الى الحياة القلقة والخوف من المجهول، والخوف من عدم وجود ملاذ آمن يبدد مخاوف اللاجئ، وتفززه هذه المعاناة القلقة، تجعل اللاجئ والغريب في حالة بحث دائم بتعب مرهق، في وجود ماؤى موقت، حتى تسنح له الظروف في الحصول على اللجوء من البلدان الاوربية، لذلك يسعى بجهد في الحصول على جواز مزور حتى يطير به الى دول الهجرة واللجوء. كما أن اعين عملاء النظام من ازلام سفاراتهم، تلاحق وتطارد العراقيين، حتى تجعل حياتهم جحيم لاتطاق، حتى يرجعوا الى العراق خائبين، او ايذائهم او كيل التهم اليهم او اختطافهم. يعني بكل بساطة ان حياة العراقي في الغربة هي جحيم المعاناة. بين الحياة والمجهول. هذه الحالة افرزتها الرواية (هزائم وانتصارات)، وسلطت الضوء على معاناة العراقيين في الغربة واللجوء. انها مخاطرة ومجازفة حياتية. بدليل بطل الرواية (سامر) نجى من الموت المحقق سبع مرات في اماكن متعددة (العراق، كردستان شمال العراق. ايران. باكستان. الهند. تايلند. النيبال). ان الحدث المتن الروائي يشير بأن (سامر) من الموصل هرب من جبهات الموت او من خنادق الموت، حين صدم بوجود مجندين صغيرين وفي اولى ساعات وجودهما خلف السواتر، واذا بقذيفة صاروخية، تحيلهما الى أشلاء مبعثرة ومتفحمة. هذه مآسي الحرب، الكل يفكر بالموت القادم اليه عاجلاً أم آجلاً، لا محالة. لذلك هرب مع صديقة (ياسين) النائب الضابظ. كاتب الفرقة، الى شمال العراق، ثم اجتاز الحدود الى أيران، ووجد الحالة الايرانية لا تختلف على الجحيم العراقي، ويفرض عليهم التجنيد في جبهات القتال، او السجن والتحقيق، لذلك جازفا بالمخاطرة في حياتهم في الهروب الى باكستان. وحصلا بالمشقة على هوية لاجئ. واخذ يتنقل (سامر) في البلدان المجاورة للباكستان، بهوية أيرانية مزورة وبعد ذلك اشترى جواز سفر يوناني مزور،تنقل فية في المحطات التالية ( باكستان. الهند، تايلند، نيبال) وكل محطة يتجرع الشقاء والمعاناة والمجازفات الخطيرة، عاش حياة التشرد والقهر كلاجئ يبحث عن مستقر موقت قبل ان تسنح له الفرصة في الانتقال الى اوربا، بجوازات مزورة، لذلك اتقن عملية التزوير. وساعد الكثير في الحصول على جوازات مزورة، يبعها الاوربيين حين يفلسوا ولكي يشتروا المخدرات بالفلوس الجواز، ثم يذهبون الى سفارات بلدان حتى يسفرونهم الى بلدانهم مجاناً. وكان يتخذ من عملية التزوير لتخفيف معاناة اللاجئين العراقيين، حتى تسنج لهم السفر الى البلدان الاوربية بهذه الجوازات المزورة. ومنهم صديقه (ياسين) ارسله الى الدنمارك. فقد برز (سامر) كناشط أنساني وجماهيري، يقدم خدماته بتعب وارهاق الى الذين يحتاجون فعلاً الى المساعدة، كأنها واجب انساني صرف. لتخفيف من جور الحياة المرهقة والناشفة والشحيحة. لذلك كان يسعى الى تقديم العون، ويفضح اساليب سفارات النظام ضد العراقيين الى المنظمات الانسانية والحقوقية العالمية. وكان يرفض ان يتلوث بافعال والاعمال الشائنة واللاشرعية، حتى يحافظ على قيمته الانسانية رغم الظروف الصعبة التي يمر بها. والرواية قسمت الى ثلاث اجزاء وهي :

1 - القط ذو الارواح السبع

2 - مزيف أجوزة السفر

3 - مصائر متقاطعة

والمتن الروائي يتابع حياة ومسار الاحدث العاصفة التي يواجهها (سامر) في تنقلاته في البلدان، في جواز يوناني مزور. يجازف بمجازفات خطيرة في اجتياز الحدود والتنقل بين البلدان. ليقدم خدماته في مساعدة اللاجئين. وينخرط في الحياة العامة كبائع متجول في بيع التحفيات في الاماكن السياحية، ورغم شحة ظروفه لكنه لم يتوانى في تقديم مساعدته وخدماته في مهنة التزوير. نجى من الموت سبع مرات. واحب خمس مرات من النساء اللائي دخلن في اعماق قلبه، بالحب العاصف بالهوى، لانه يجد في الحب الامل في التغلب على صعاب الحياة، والامل في الحصول على اللجوء في البلدان الاوربية. فاحب بكل جوانح عقله ووجدانه، وكان على استعداد ان يضحي في حياته من اجل الحب والهيام، وبالفعل تبادلن معه بنفس الحب الوجداني العاصف، ماعدا البريطانية اللعوب (سانتا) التي ارادت ان تتخذ من منصة الحب، ان يشاركها في تجارة المخدرات، بحجة انها تدر المال الوفير والرفاه في الحياة والتنقل في بلدان الاوربية بسهولة، بدلاً من ان يكون بائع جوال في شحة المال والحياة، لكنه رفض بغضب واستنكار. بأنها لعوب وافعى لا تستحق الحب. وتتخذ من الحب ان يقترف جرائم ضد الابرياء بالمسحوق الابيض، الذي تعتبره اثمن من الجواهر وخفيف الوزن، وتساءلت في اعجوبة في رفضه القاطع بأن تجارة المخدرات رابحة بقولها (تجارة يا مجنون، فكر في ألفين دولار ربح صافي لكل رحلة مع جواز اصلي لأي دولة تختارها بأتيك الى مكانك ! من دون مجازفة ! الطريق ممهد ! نذهب معاً ونأتي معاً، أيوجد أحلى من هذه الحياة) ص212. لكنه هتف بها غاضباً وحانقاً (أكل ذلك الحب تمثيل ؟

نهضت : أصول عمل. تساءل مستغرباً : أنكِ لم تحبيني !

- بالطبع لا. مهنتي اختيارك. أعدادك للعمل. هذا تدريب لتأهيلك للمهنة !)

 

هتف بغضب (أنتِ أفعى) اكدت على كلماتها : لا. تاجرة) ص212. طردها وداس على حبها المخادع. أما الاخريات فكانت بريئات في حبهن النقي، لكنهن وقعن في مصيدة المخدرات والادمان، بفعل غدر الحب من جانب الخليل والحبيب، الذي استثمر براءة الحب في تجارة المخدرات، وقعن في مصيدة السجن، مثل حالة (هيلين) استغل براءة قلبها بالحب واوقعها في مصيدة تجارة المخدرات وكان مصيرها السجن وهرب وانسل منها كالشعرة من العجين. حاول (سامر) بجهوده المضنية في متابعة قضيتها وتوسط لها في اعادة محاكمتها لانها بريئة وضحية نصاب تاجر المخدرات، واقتربت مساعية الى بارقة الامل والنجاح، بتسهيل اطلاق سراحها، لكنه اصطدم بالخبر المفجع والصادم في انتحارها في السجن، لانها يأست من الحياة ولا يمكن ان تستمر سنوات طويلة في السجن. اصيب بالاحباط والحزن لم يصدق موتها وفقدان حبه، الذي كان يأمل به الخلاص والامل والاستقرار في البلدان الاوربية (أخذت الدنيا تدور، وتدور. أكنت تصدق أتحبك أمرأة مثل هذا الحب العظيم، يا لك من محظوظ. يا لك من سيء الحظ !. تضببت الرؤية أحس بنفسه تغور في اعماق الظلام، كاد يسقط على الارض) ص545. كان يساعد الفتيات المدمنات على المخدرات في علاج الشفاء، في ارسالهن الى (بيت الاصدقاء) وهو مصح يساهم في علاج من انهارت اعصابهن، نتيجة الادمان على المخدرات. كما رفض بشموخ وطني ان يجند نفسه ضمن المخابرات الامريكية بعدما عرضوا عليه الطلب، وعرض المغريات المالية، والدعم في تقديم طلب اللجوء الى اية دولة يطلبها. كما اشار له الموظف الامريكي، لكنه اجاب بالرفض القاطع (في العراق يريدون منا أن نقتل الايرانيين. وفي ايران يريدون منا أن نقتل العراقيين. أينما نذهب يريدون أن يلوثوا أيدينا بالدم ) ص 221. وكان يعاني ارهاق الغربة وتعاستها الفادحة. لذلك لم تغب عن باله مسألة الشعب والنظام والحرب المدمرة، وحالة العراقيين البائسة في الغربة واللجوء، في المصير الاسود الذي يتجرعه العراقيين في الداخل والخارج، في صعوبات الحياة وانعدام الملاذ الآمن. وكل تحركاته ونشاطاته الانسانية والجماهيرية، هي في عيون الرصد والملاحقة من ازلام النظام في سفاراتهم الخارجية. لذلك يتلقى رسالة من العراق، تشير بأن أبيه اخذ الى السجن كرهينة وهو مصاب بمرض السكر، ولا يطلق سراحه إلا برجوعه الى العراق، يصيبه الاحباط والحزن. ولكن اصدقائه شدوا من عزيمته، بأن هذه الاجراء التعسفي في سجن والده، هي من ألاعيب النظام في الابتزاز النشطاء في المعارضة، بهدف رجوعهم، حتى ينتظرهم. الاعدام والموت. لذلك تتولى عليه المحن الحزينة، وبضياع الامل في موت (هيلين)، والتشاؤم في الحصول على فرصة اللجوء في البلدان الاوربية.

 

× الكتاب : رواية هزائم وانتصارات

× المؤلف : محمود سعيد

× عدد الصفحات : 545 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

اللغةُ الشعرية قبل أن تكون وصفية وجمالية هي انتماء وهذا الانتماء هو الذي يرسخ الهوية ومنه ننظر إلى الشعر في العراق في الوقت الحالي بأنه ليس مقاربة معرفية وصورية قائمة بذاتها ومنعزلة عن أيَّة انتماء، بل ننظر إليه بوصفه شعراً قائماً على أساس تثبيت دعائم مركزية الهوية التي تبعثرت أجزاؤها في المدة الماضية ولا سيما عند نشوب الحروب الطائفية، وهيمنت الهويات الفرعية الصغيرة، فاللغة الشعرية ليست كينونة ثابتة بل متحركة وفعّالة وإذا اردنا أن نعرف ما شكل تعبير الكاتب الأدبي أو الشعري فإننا نطرح تساؤلات عن لغته ومعرفته ومن هو؟ وبهذا يمكن أن نحكم هل لغته كانت مماثلة ومطابقة لشاعر ما؟ فمثلاً شوقي حين قلد البحتري في سينيته هل كان يعني الهوية ذاتها؟ بالتأكيد لا؛ لأنّ الهوية في شوقي تختلف عن قصيدة البحتري، ومعنى ذلك أن هذا التطابق مهما كان متماثلاً فلا بد من وجود فوارق في جوهريته وذلك لأنّ المفهوم العميق في النص الشعري للهوية لا يقلد . وفي الشعر العربي المعاصر تحديداً مرحلة فقدانه للوظيفة الاساسية نلحظ أن بعض التطابق ظهر عند شعرائه، لكن هذا التطابق لا يعني أنهم اتحدوا في هوية واحدة، فأجود مجبل حين عاد بنصوصه الشعرية بلغة تجمع بين الحداثة والقدم، متفرداً بهوية فردية لا تتوحد مع باقي الشعراء، فيقول في قصيدة كأس لانقراض ساعي البريد :

  ستُعلنُهم مرايا الوجد سكرا       وهم ضمأ الحروب الى ذويها

وتأريخ الرصاص إذا اكفهرا      وهم في فزع المراكب هزيع

نرى لغة الشاعر قد عادت الى القصيدة الجاهلية لمتانتها وسمكها وأنها قائمة بنفسها ولنفسها مما اتضحت الهوية العربية التي غابت في مناخ التقسيم والتهشيم محاولاً لتثبيتها . ويعود الشاعر ايضاً الى التاريخ والاسطورة يوظفهما بمفردات لغوية تتناسب مع روح العصر ولا سيما في قصيدته خيانات انيقة اذ يقول :

وتُدهشُ الارضَ إذ نعانقها

نيرون عُودَ الثقاب كان بها

لكن روما لها حرائقها

وصبيةُ الأبجدية احتفلوا

في ليلةٍ زُوّرت دقائقها

خانوا على غفلةٍ مُعلّمهم

في لحظةٍ جمّة مزالقها

لم يسألوا عن خطاه

النص جمع بين أسطورة نيرون والعشاء الأخير واليسوع مع تلاميذه، وهاتان الاسطورتان كثيراً ما وظفهما الشعراء في قصائدهم، لكنّ هذا لا يعني أن هويتهم واحدة، بل هنا سعى الشاعر الى توظيف التاريخ بلغة حداثوية تتناسب مع هوية العصر المفرقة التي حاول لمّ شتاتها . وفي قصيدة السومريون سعى الى تسليط الضوء على هوية محددة، فيقول : في ليلةٍ

مع زَقّوراتهم ولدِوا

والقمح مازال طفلاً بعد لم يطحن

فاستقبلتهم أكُفُّ الريح حانية

وعانقهم غصون الآس والسوسن

لغة القصيدة في النص أعادت الهوية الى موطنها الأصلي ولا سيما حين ربط الشاعر ولادة الفرد مع الزقورة السومرية، فركز على الهوية العراقية ذات الجذور العميقة . يمكنني القول إنِّ أجود مجبل سعى الى توظيف اللغة المركبة؛ لإثبات الأصالة للهوية العربية اولاً، والعراقية ثانياً وبهذا تتضح وظيفة الشاعر عن طريق الرؤيا العميقة للهوية الممزقة في السنوات الأخيرة ولا سيما بعد ثورات الربيع العربي.

 

موج يوسف

 

 

1133 سورانيعندما قرأت قصيدة (أرواح صغيرة) للشاعر سوران محمد أنتابتني الشكوك حول موضوع النص/الثيمة، هل هي سياسية أم غير ذلك، بما انه تزامنا مع عنوان الشعر کتب: قصيدة سياسية، فراجعت قراءتها مرات تلو الاخری، کي أتأكد من درجة فهمي لها، أم انه خطأ حصل أثناء الكتابة، ولم لا؟ فمنذ الوهلة الاولی لا يحس القاريء بأي اشارة مباشرة تأخذ بيده ويطرق معه ابواب السياسة النتنة ومجرياتها و واقعها المأساوي وما يترتب عليها في يومنا هذا من المآسي والتشرد والتقتيل، بحيث لا يخفی علی القاصي والداني مساويء السياسيين وما يقومون بها من الابادة والاهانة والتهدير وتخلف الشعوب بناء عليه، ولو وضعت أصبعك علی أي بقعة لخريطـة عالمنا العربي لتجد فيها الاجندات تعيد نفسها لكن بوجوه مختلفة واسماء أخری، وكل ما يحدث هنا وهناك يمكن أن يكون موضوعا حيويا وحديثا لمضمون نص جيد، وغالبا يتوقع القراء العصري من الشعر أن يکون أداة مناهضة لأعوجاج المتهورين الذين سموا أنفسهم السياسيين والقادة باستعمال لغة سهلة وعاطفية، وفي نفس الوقت أخذت في بالي ان وظيفة الشعر لا تقتصر علی نفخ الحماسة فينا وتجيش  القراء ضد ظاهرة معينة لو اراد النص البقاء والمقاومة ضد النسيان  والتهميش، ثم بدا لي شيئا فشيئا صحة تصنيفها سياسية، وتيقنت ان هذه‌ القصيدة  سياسة بحتة  اذا استطاع القاريء کشف المستور ما وراء الرموز والحبکة التي تحتويها الصور الشعرية الکونية فيها، أي بمعنی آخر ان خطاب الشعر يصلح ان يکون لكل زمان ومكان مادام فيها ظاهرة الجور وحكام الجهل والفساد، الذين لا يراعون في الضعفاء الا ولا ذمة، يطحنوهم وهم يزعمون انهم يناضلون من اجلهم، يحرمون السواد الاعظم من حقوقهم وهم يرفعون شعار العدالة والمساوات.

‌الميزة الرئيسية التي تتميز بها هذه القصائد هي وجود اسلوب آخر للتعبير غير الذي عاودناه اثناء قراءاتنا لكثير من الاشعار، الا وهي جعل الصراعات عاما وموضوعيا وکونيا بدلا من حصره في زاوية محددة بالاسماء والاماكن والاوقات المعينة، اذ ان الضعف والقوة هما مضادان وونتيجتان للصراعات في آن معا، لكن كيف نستطيع استعادة القوة للضيف کي يسترد عافيته ويكون متوازيا ومتساويا مع الذي شرده وجوعه وکسر اضلاعه الا من خلال زاوية فنتازيا الشاعر الذي يدور في الكون ويستعير المفردات الخفية ثم يصنع منها مادة لصور متجددة ومغايرة للتي نلتمسها ونراها في واقعنا اليومي.  يتجول الشاعر في الكون الشاسع، ينظر عاليا ويختار وظيفة (السحب) من الطبيعة كي يقرب فکرته الی اذهاننا ويرسم لنا لوحة سريالية تعبر من خلالها البون الشاسع بين هارمونيا الطبيعة ومدی خطورة انحراف الانسان علی هذا الخط ان سلك طريق الطغيان، بحيث يصبح كل شيء داخل هذا العالم المظلم معاکسا للطبيعة او شبيها بکابوس يجلب السخرية والاستهزاء معا ولو ان هنالك من يعانون ويموتون حقا علی أرض الواقع الا ان القتلة لا يتوقفون عن سهرهم وسمرهم وضحكهم، حينئذ يتوقف الشاعر عن الغناء لعشق ليلی، ولا ينتظر منه القاريء ان يكون جوقة لأوكسترا الحرب والابادة في سبيل ادامة حياة الاستبداد والظلم الواقع علی أكثرية الشعب الذين سحقوا سحقا بطريقة ما أو بأخری، مباشرة أو غير مباشرة، جسميا أو نفسيا، فرديا أو جماعيا، والشيء المؤسف ونتيجة للمسلمات هذه انها مازالت الاسوداد الناجم عن الغطرسة والطغيان غطت وجه شمس المساوات والعدالة، لذا يحاول الشاعر ان يقول لنا عن طريق هذا النص يا أيها القاريء العزيز لا تنتظر مني ان اكذب مع نفسي واحشر نفسي مع  الاکثرية وانسی معاناتكم فانا المسيح المضحي من اجلكم ولو لا تشعرون، فلا مفر من محاسبة النفس ان جهلت نفسي وبعت ضميري بثمن بخس.

لو اردنا توضيح أكثر لهذا المعنی الذي ذکرناه آنفا، نتمكن من كشفه عن طريق فهم استعارة الشاعر للصور الكونية وتوظيفها في قصيدته، اذ ان السحب في الطبيعة تمطر مطرا أو ماءا نشربه‌ فيما بعد وله لون معين، ولو ان البعض يقولون ان لون الماء يتغير بتغير الاشياء الذي حوله، فمثلا تری ان لون ماء البحر أزرقا ارتدادا للون السماء، الا ان لونه هنا في هذا النص اسود، لأنعکاس لون الظلمة والاحزان الناجم عن قوة الغطرسة، ولو ان الشاعر ما أطال في حيثيات ووصف مصدر المآسي الا انه استعمل الاتجاه الفوقي تعبيرا للسلطة ، بما ان السحب في الطبيعة تمر وتمطر من السماء عالية مطرا تزهوا به الازهار والحياة المتنوعة علی وجه الخليقة الا ان هذه الغيمة اللئيمة الكدرة التي تمطر من علی علو کرسي القصر لا يبشر بالخير ولا ينبت به سوی أرواح صغيرة وضعيفة کأرواح الفراشة أو النحلة أو الدودة ولا تستطيع مقاومة الظلم والاستبداد،  اذ انها ترمز للطبقة الكادحة المقهورة التي ليست بيدها حيلة الا الموت البطيء المأساوي، ولو يطلب من الشاعر ان ينسی كل ذلك ويغوض في النظريات ولو بخداع النفس الا ان سلطة هذا الواقع المأساوي تحرك الشاعر من الداخل لتکوين قصيدة تناسب وتستحق حجم الكوارث والخسائر في زمن لا يلقي القاريء بالا الی خلفية الشظون وما وراء الاحداث الذي يحدث من حوله. ومرة أخری ينهي الشاعر نصه بصيرورة دوامة الصراعات ونزول هذا السواد من علی کرسي العرش علی قصائد الشاعر كذلك بدلا من الرأفة والرحمة والتسامح الموجود في الصورة الکبيرة کونيا، وهكذا يتألم الشاعر کالعصفور الضعيف التائه الواقع تحت سياط العذاب، دون مخرج ومأوی الی ان يسطع شمس حقيقي تنير دهاليز الجهل والحرمان، حينئذ يبتسم الشاعر مع آخر وردة متفتحة التي ترجع للحياة معناها الحقيقي، لكن لا تنسوا ان ما نعايشه هو حلم مر لا خلاص منه الا بالمثابرة والجد والنهوض. وان هذه ليست قصة من التأريخ بل واقع حاضر يعاني منه الشاعر ويلقي عڵيه الضوء في عمله کفرد واع في مجتمع فوضوي خرج علی سكة القانون ونتيجة لذلك يعاني الجميع معا في مشرق مليء بالفوضی، وهذه‌ الرؤية ليست تشاؤما کما يسميها البعض..

ظلال الغيوم المظلمة

تأتي من المشرق

وتحتل الاجواء..

ومازالت تمطر بغزارة

علی مزرعة القصائد

اذن نستطيع توضيح هذه التقنية الشعرية المستعملة في خطاب النص بهذه الصو‌رة التوضيحية:-

-أنظر الی صورة رقم 1 و2:

***

عبد الغني عطية

 

1129 مستغانميآخر ما أبدعت الروائية الكبيرة سيدة الرواية العربية الأديبة أحلام مستغانمي: (شهيا كفراق) كتابها الجديد، تحكي أحلام مستغانمي قصة رجل لوّعه الفراق، ففقد ثقته في الحب من الأساس. رجل غامض يتقرب من الكاتبة، بطلة القصة، ويخاطبها بكلماتٍ ليست سوى كلماتها. جملٌ سبق وقالتها لكاميليا، ملهمة كتاب (نسيان كوم) الذي حقق أعلى المبيعات... والاهتمام من طرف القراء .

من هو هذا الرجل وماذا يريد منها؟

كالعادة، تحملنا أحلام إلى كالعادة، تحملنا أحلام إلى عوالم العشق المثيرة وألاعيب القدر الخبيثة.

تقول احلام: (أحلام مستغانمي عن رواية شهيا كفراق: إن كتابى الجديد شهيا كفراق موجه للعقول، ويحمل حبًا، وأوجاع الوطن العربى؛ لأننى لم أشْفَ من عروبتى، كما أشارت الكاتبة إلى أنها كتبته حتى تتخلص من أوجاعها)

كيف لا وهي من كتبت عن الحب واستطاعت ان تملك قلوب الملايين، ويعقل اننا نزرع الحب ونحصد الوجع، هي اوجاع الوطن التي لا تغادرنا، ولا تترك مكانا للحب في قولبنا، تتطرق احلام الى هذا العالم الافتراضي الذي اصبح يسطوا على بيوتنا ويجبرنا ان نتجه نحوا العولمة، في كل شئ،حيث تقول:

(هذا زمان الوصفات الجاهزة: كيف تصبح ثريا، كيف تغدو سعيدا، كيف تتقن الطبخ، كف تتعلم الانجليزية، كيف تقوي جهاز مناعتك، كيف تدير وقتك، كيف تفوز بقلب حبيبتك، كيف تختار وجهتك، وتوظب حقيبة ذاكرتك. كيف تكون شخصا محبوبا. كيف تكسب جبالا من الحسنات في دقائق، وتخسر كيلوغرامات من الدهو في أسبوع، كيف تكسب المزيد من الأصدقاء في حسابك، وكيف تستعد لآخرتك ويوم حساب.. وكيف تغدو خبيرا في شؤون القلب وشجونه، وتقلباته وجنونه، ولا تبكي ولا تشقى بعد اليوم بسبب أحد.)

هنا يجد الانسان نفسه يجري وراء الدنيا، وربما لا يمكنه أن يتذوق حلاوتها الحقيقة،جسما توصلوا اليها العلماء، سياتي يوماً أن يسافر الانسان الى لعالم يجلس على طاولة الغداء مع اصدقاء افتراضيين، ويستمتع بالمكان وهو جالس أمام حاسوبه ....

 في هذا الكتاب أيضًا صفحات من ذكريات أحلام الكاتبة والإنسانة، تسردها لأول مرة على القارئ. ذكريات طريفة عاشتها مع قامات عاصرتهم مثل نزار قباني وغازي القصيبي، وأخرى عائلية خصة فيه أيضًا أبطال رواياتها، علاقتها بهم وبالكتابة، فراقها لهم بعد كل، كتاب، ولقاؤها المتجدد مع الكتابة بعد كل حين.

كل ذلك بالأسلوب الممتع المكثّف سريداً الذي عوّدتنا عليه، وبالمحتوى الزاخر بقصصها وقصص الآخرين وهمومهم وهواجسهم إن كانت عاطفية أو اجتماعية أو وطنية.

 عوالم العشق المثيرة وألاعيب القدر الخبيثة، حيث تحاكي لنا عن ابطال في اشهر الروايات التي كان لها تاثيراً كبيراً ونجاحا عبر العالم كقصة، {زوربا اليواناني} للكاتب الكبير الامريكي ارنست إمينغوايا } والتي انتجت فلم هلويديا لقى نجاحا كبيرا، الى فيلم، كان من اشهر الافلام عبر التاريخ،

في هذا الكتاب أيضًا صفحات من ذكريات أحلام، وخاصة تجربتها الرائعة مع قرائها عبر صفحتها على الفيس بوك ...

{شهّياً كفراق} هو ايضا عنوان متناقض يثير الدهشة والتطفل والتطلع لما يحمل عمقه من رسالة طويلة لهذه الحياة التعيسة المفرحة الظالمة القاسية، الشائبة الوارفة في القلوب، الخائنة للعواطف، التي تتعلق بها القلوب، تفرعها الى سابع سماء من الحلم الجميل والحب والحياة الجميلة الشهية المليئة بالملذات، فتغدر بالقلوب فتهوا بها إلى سابع أرض من الظلمات، حياة المرأة بعد الستين حين يخونها الحب ويغيب الشباب عن ربيع العمر، ويبقى القلب متعلقا الا بالذكريات الحالمة التي تغر القلب فرحاُ ...

(شهياً كفراق) كل ليلة أقرأ منه بعض الصفحات فتقول لي أحلام لا تتوقفي واصلي القراءة، غوصي بعمق في قلب الانثى القوية التي كتبت تاريخا من الصمود، في وجه الاعاصير التي تضرب القلب العاشق، الخائف من الزمن، المتناقض للحياة الرافض للظلم تلك هي الاشياء الخفية الذكية التي نقراها في مرآة احلام التي تعكس لنا حياة انثى بعمر الضياء، تهزم الالم وتفرش الدروب فرحاً، حتى لا يقال عنها انها الانثى الضعيفة التي تستسلم في اول وهلة لعاطفة الرجل، ذكرني هذا العمل الرائع بنضال الاديبة الكبيرة غادة السمان، التي حاربت الظلم وقهر الرجال للمرأة،  استمتعت بهذا العالم الجديد من الابداع الذي تعتبر الروائية أحلام مستغانمي أبدعت فيه وأتقنت وتفننت في خلق نوع جديد من الادب العربي، الذي سيكون ميلاده يحمل افكاراً جديدة فريدة من نوعها عبر تاريخ الادب العربي، رغم أن سبقتها اليه الروائية الاديبة الكبيرة غادة السمان بنفس السخرية، والجرأة الكبيرة في وصف حقائق  المجتمع الرجولي والتهميش والتخلف الذي تعيشه المرأة العربية،في صراعات عقائدية وأعراف لا يريد المجتمع الخروج منها، بحجة اننا نعيش في بيئة عربية مسلمة لا فرار منها، الا أنهما يختلفان في الكثير من الاتجاهات والأفكار والزمكان الذي يمد للأخر وجهة نظر محايدة ومستقلة في فنيات الإبداع.

الكتاب عبارة على أنثروبولوجيا لحياة الانسان الذي يتعلق بقشة هشة فارغة اسمها الحب، هذا الحب الذي يدوم حسب تحليلات الروائية احلام مستغانمي وينشأ هذا الحب بين قلبين وحقيقة عمره الا ثلاثة سنوات  فقط ؟ حسب تعبيرها، و تقول أحلام في الصفحة 11: (انتبه أيها المسافر، قد يأتي الحبّ كرفيق مصادفة، ثمَ تفاجأ به يلازمك . اترك له مقعداً شاغراً جوارك، كي يستدلّ عليك وسط الزحام . ذالك أنهُ يصل عندما نكون مزدحماً بكل شيء عداه) ... هكذا هو الحب يأتي للذين منشغلين بأشياء أخرى، وللذين لا ينتظرونه لكنه يغيب عن القلوب المشتاقة اليه ... هو تحليل منطيقي صحيح يعبر لحظات الحب العابرة كما كنا نشاهدها في افلام هوليود، وقصص الحب العربية التي يبقى فيها البطل بلحم بلفاء حبيبته وفي النهاية يموت البطل، ويخلد الحب في قصص ليس لها نهاية، الحب الذي يلد بين قلبين عبر رحلة طويلة في القطار أو الطائرة، والكل يتعلق بقلب الاخر ويحلم بأن يستمر هذا الحب، لكنه ينتهي بمجرد انتهاء الرحلة، والكل يذهب الى حياته الخاصة، حيث يستنتج القارئ من هذا الكتاب أن الحب طفلٌ يلد صغيراً ويموت صغيراً وتبقى الالام في القلوب ونبقى نبحث عنه وهو يهرب منا، وأحيانا يأتي  والقلوب مثقلة بالآهات والآلام والاحتياجات لحياتنا اليومية، وأحيانا الفقر هو من يكون السبب في موت الحب العصري، لان متطلبات الحياة أصبحت جد مكلفة وباهظة الثمن،فنظرة الحب اليوم اختلفت، تبحث فيه المرأة عن الماديات قبل الاحاسيس المرهفة التي تثقل القلب، وتهينه لأنه حب بصدق، فيهرب الحب من الفقر، كما كتبت أنا ذات يوما  قصيدة عنوانها {للفقراء حبٌ مؤجلُ} والتي أثارت جدلا كبيراً بين النقاد والقراء كيف للفقراء أن يؤجل حبهم ..

تقول احلام : (لست هنا لأنني أمتلك وصفة أو أجوبة، بل لأنني كاتبة، فالكتابة هي ما أتقنه حقا. لطالما على مدى عمر، كتبت كثيرا عن العواطف في تضادها، وفي ذهابها وإيابها، عن علو الأحاسيس وانهياراتها، عن النفس البشرية وتناقضاتها بين واحب الحكمة ونوازع الأهواء، عن تلك الأسهم النارية التي ترافق ميلاد الشاعر، وعن انطفاء حرائق اللهفة، ورماد النهايات وموت الكلمات، واحتضار الأمل على مرأى من الأمنيات..

أصبت غالبا وحد أن أخطأت، وما زلت أتأمل في دهاليز النفس البشرية ومتاهاتها. فللكاتب واجب تأملي تجاه المشاعر، ما دامت العاطفة هي ما يحكم الناس في الحياة، وما يحرك الأبطال في الروايات… المصدر: رواية شهيا كفراق للكاتبة أحلام مستغانمي.

كتاب يستحق الاهتمام فهو جدير بالقراءة لما يحمه من عمق في الابداع،وتقرى الفكرة الجدية ف يذهن احلام انها عندما تريد الكتابة تعود الى قاعدة الابداع وتغلق كل صفحتها على شبكة التواصل الاجتماعي، كي ترتب ابجديات الحروف وتبدع أكثر بعيدا عن التكنولوجيات الحديثة، وتسامر ابطال روايتها الجدد، هنا ندرك أن الابداع روحي وواقعي ينبع من عمق الذات .

- شهياً كفراق، للكاتبة أحلام مستغانمي

- نوفمبر 2018

 

سليمة ملّيزي

 

صالح الرزوقتحتكر موضوعات الشاعر العراقي “يحيى السماوي” مسألتان، وهما المرأة والوطن. وهذا واضح منذ عناوينه مثل (هذه خيمتي فأين الوطن)، و(قليلك لا كثيرهن) و(أطفئيني بنارك) وسوى ذلك. ولكنه أضاف في فترة وسيطة قصيدة الرثاء التي خص بها أمه. وكتب في هذا الاتجاه مطولات جميلة وحزينة تذكرنا بأهم قصائد الرثاء المعاصرة. وكان في هذه الفترة بالذات يرثي بلاده الجميلة ونفسه ووالدته بآن واحد. غير أنه منذ فترة ليست بالبعيدة بدأت المرأة وحدها تستولي على قصيدته منذ العنوان وحتى المضمون. فقد أبدى اهتماما بجسد القصيدة (الشكل والأسلوب) بمقدار اهتمامه بصفات المرأة وتولعه بها، حتى يمكنك القول إنه تحول لشاعر حسي يتحرش بالنساء بمناسبة وبلا مناسبة. وهذا هو حال آخر مجموعاته (نهر بثلاث ضفاف)*. أهم ميزات المجموعة أنه لا يكرر نفسه، والأهم أنه لا ينسخ سواه. بل على الضد من ذلك اقترب من موضوعه بطريقه الخاصة. وأولها استعمال أسلوب الإنشاد التوراتي كما في (نشيد الإنشاد). بالإضافة لتكنيك الرحلة التي تشكل عمود الشعر العربي منذ فجره وحتى ظهور الرومنسية الجديدة (أو الحداثة المبكرة كما أحب أن أسميها). لكن هذه الإشارة تحتاج لتوضيح.

 بالنسبة للإنشاد.

لم يكن السماوي يحاكي بالضرورة افتتاحية العهد القديم المعروفة، ولكنه استلهم روحها وتراكيبها. فقد كان يعزو للمرأة صفات طبيعية. بمعنى أنه أسقط جماليات الطبيعة على صورة المرأة، وبأسلوب تركيبي غير مباشر. لقد ابتعد ما أمكن عن تكنيك المرايا وعدسة الكاميرا، ولجأ لطريقة الحدس. واحتفظ بمسافة بعيدة بين المشبه والمشبه به حتى تحول المنظور إلى قيمة عاطفية. لقد كان يشعر بجماليات المرأة ولا يراها. وبهذه الطريقة دمج الصورة مع التصور، وأنشأ بينهما علاقة توليد أو قيمة ثالثة. وعمد لتحويل المبني للمجهول ببناء عكوس إلى المبني للمعلوم. بتعبير آخر إن العاطفة الغامضة أصبحت بمساواة المعالم والملامح. وهكذا احتلت الغريزة دورا أكبر من الحب المجرد أو العذري. ولكن لا يجب أن نفهم أنه يوجد أي اتجاه يحض على الحب المدنس. بالعكس كان، في أساس هذه اللعبة الشعرية، الحبل بلا دنس، وبمفهومه التوراتي. وحصل ذلك من خلال التماهي بين رموز أساسية تدل على المرأة بشكل مباشر، وهي الأم والحبيبة والإلهة السومرية إنانا. وبذلك أصبح الحب والاحترام والتقديس أو العبادة بمقام واحد. مع التزام السماوي بالإبدال بين أضلاع هذا المثلث الرمادي هربا من الإحراج وتنظيفا للعاطفة من أخطاء وأوشاب النوايا الشريرة وغير الإنسانية.

ويجدر التنويه أن نساء السماوي لسن من طينة واحدة.

فهن من نسل حواء أحيانا. ولكن في كثير من الحالات تبدو المرأة عاصية ومتمردة. ومن شجرة ليليث التي ورد أيضا ذكرها في العهد القديم، وتحولت مع الزمن إلى رمز أنوثي قضيبي، أو إلى شعار من شعارات تحرير المرأة. وينوه لهذه المشكلة بمجموعة من الصور المبتكرة كقوله: إينانا البعيدة بعد قلبي عن يدي (من هبوط إينانا، ص 19). وقوله: احذر من عقاب لن تطيق لظاه (من تضرع في محرابها، ص57).  أو قوله بلغة مكشوفة تذّكّر المؤنث جريا على عادة العرب في المديح: لئن عاندت أوجاعي فعذري / حبيب لا يمل من العناد (من أخاف على الليل من سهادي، ص 96).

77 samawi600

 وأعتقد أن السماوي بطبعه شخصية حائرة. فهو لم يحسم أمره، وبقي على مفترق الطرق بين مشاغبات ليليث وإغواءات حواء. وانعكس ذلك أيضا على اختياراته الفنية. فمجموعاته لا تخلو من إشكالية التجاور بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، مع أجواء يخيم عليها القلق وأحيانا التوسل ثم التهديد والوعيد. ومثل هذا الطيش إن دل على شيء فهو دليل على واحد من إثنين.

1- الماشيزمو أو الفحولة الشرقية.

2- الطيش والتهور الرومنسي.

وبهذه الطريقة تتناوب خصائص العقل البدوي الصحراوي مع العاطفة اللاتينية. وبتجاور الطرفين ينشأ مخاض فروسي لا تنقصه العنتريات. وبودي تشبيهه بالسير والملاحم الشعبية مع الاحتفاظ بالفرق الأساسي بين االسيرة النفسية للملحمة والبنية النفسية للقصيدة. فالأولى تصور عشقا تصوفيا يفتح الباب لسلسة من المغامرات التي تصل لحد الجنون. والثانية تخلص لموضوعها العشقي بلا منازع. وعليه يمكن تبرئة السماوي من عقلية السير. فهي من نتاج ثقافة الابن وابنه. في حين أن شعريته من نتاج رجل منقسم على نفسه، ويفكر بالمرأة كموضوع وكذات، وينظر إليها كحبية وكأم. ولذلك يساوي بين النوم في أحضانها طلبا للدفء وطلبا السعادة. وعلى الأغلب هذا هو السبب في تركيزه على الثغور والأخاديد ذات الوظيفة الغذائية كالفم والنهدين والحلمات .

إن نساء السماوي أحفوريات وكذلك عاطفته. وهي تضغط باستمرار لتصوير يوتوبيا تليق بالمرأة النموذجية التي يتخيلها بجوارحه. وهي يوتوبيا تذكر الإنسان بمفاتن الجنة مع فرق واحد. أن السعادة في العالم الآخر دون توتر (بلغة علمية بلا أعصبة ورهابات) . لكن يوتوبيا السماوي موعودة ومنوعة ومفكر بها، فهي ذهنية بشكل واضح وليست رمزية. وأهم عناصرها النهر والشجرة. وإذا كانت الأنهار تخلو من معناها الأزلي الذي يدل على عدم التكرار والتعاقب، باعتبار أنها أنهار متخيلة ومؤجلة أيضا. فالشجرة تأخذ عدة أشكال وصور. النخيل (سيد الشجر كما يسميه - ص 15) مثلا يشير لحضارة ما بين النهرين أو لفلسطين. ولكل حالة حيثياتها. إذا كانت الشجرة مجردة ومفردة فهي دليل على بلاد سومر. وإن كانت متحركة ويلعب بها النسيم وأحيانا تحتها العذراء فهي تدل على فلسطين. ويبدو أن فلسطين هي الغائب الذي لا يزال يتحرك في لا وعي الشاعر. أولا من خلال أسلوب نشيد الإنشاد (ويأخذ شكل مونولوج درامي على طريقة شكسبير وغيره من شعراء الرومنسيات الكبرى والتراجيديات الأساسية). وثانيا من تكرار اسم الصفصاف واللوز**، وكلاهما نباتات توراتية. أساسا كانت الصفصاف هي المسكن الذي تأوي له المرأة المتمردة ليليث. والاسم بالأصل عبري وقد ورد في حزقيال (17:5). ثم تكرر في خمسة مواضع وأشهرها المزمور 137 حيث توجد إشارة واضحة للسبايا الذين أسروا في بابل حوالي عام 600 ق.م. وهذا يربط مأساة اليهود القديمة مع مأساة فلسطين الحالية. ولحينه توجد في الأراضي المحتلة قرية باسم صفصاف وتعود للإمبراطورية الرومانية. وكان اسمها حينذاك صافصوفا safsofa. وقل نفس الشيء عن أشجار اللوز. فهي الشجرة المفضلة عند تميم البرغوثي ومحمود درويش وأدباء المقاومة إجمالا.  وعلى الأغلب الصفصاف تدل على الماضي الدامي بينما اللوز تدل على النزوح المعاصر. ومثل هذه الروح الشعرية ساعدت السماوي على إغناء درامية قصائده. فهي توفر نوعا من التقابل أو التضاد، وبتكنيك يشبه تماما الذاكرة والذاكرة المضادة. ويكفي أن لأوراق الصفصاف لونين.. أخضر رمادي من الأعلى وأبيض من الأسفل. وأن شجرة اللوز لها لون ناري متورد في الربيع وداكن كئيب ورمادي في بقية الفصول. علاوة على أن الزهرة الوردية تعطي ثمرة مرة المذاق. وهكذا يتطور صراع بين عناصر الخير والشر بطريقة تسعف السماوي على تنقية غزلياته من المعاني الأوديبية وتقدم لها إمكانية للتحويل والتصعيد. ولذلك إن شعرية السماوي في ديناميكية دائمة. وتحت غزلياته يمكن أن تعد ثلاث حركات.

الأولى تكنيك الأصوات االذي لجأت إليه أيضا الرواية الحديثة ابتداء من (السفينة) لجبرا وحتى (خمسة أصوات) لغائب طعمة فرمان و(ضباب في الظهيرة) لبرهان الخطيب. وهذا الجانب يوفر لقارئ مجموعاته الأخيرة وحدة عضوية، حتى إنها تبدو أشبه بقصيدة طويلة تتألف من فصول (مثل: طرفة في مدار السرطان لعلي الجندي وفيها يأخذ طرفة المتمرد الوجودي واللاهي والعابث موضع الملك الضليل امرئ القيس. ويحدد لنفسه هدفا سياسيا). أو أنها تبدو مثل حلقة متتالية من الأناشيد (مثل: الدخول في شعب بوان لمحمد عمران. وهي محاولة لترقية المشاعر الوطنية إلى عواطف إنسانية. وتصعيد للنبوءة السياسية إلى مستوى ظاهرة أو حدس بشري). ولكن هذه المطولات تأخذ شكلا دراميا بالبنية، بينما مطولات السماوي يربط وحداتها التصعيد النفسي، أو تنامي الغاية والهدف. مثلا من (هبوط إينانا) إلى (وصايا إينانا) وحتى ثمرة حب إينانا (كما تفضل الدكتور عبدالرضا علي بالشرح وبإسهاب في مقدمته المتميزة للمجموعة- ص 6).

الحركة الثانية الإشارة الواضحة لحضارة وادي الرافدين مع الإشارات الخفية لفلسطين (النخلة والعذراء ثم الصفصاف واللوز). ويمكن القول إن هذا الاتجاه يعبر عن رحلة تاريخية من نكبات الماضي إلى نكبات الحاضر، ويصنع فرصة لحوار داخلي، ومن خلف ستار، بين تهجير اليهود إلى بابل ونزوح الفلسطينيين إلى كافة أرجاء المعمورة.

الحركة الثالثة والأخيرة هي الانتقال بدراما القصيدة من المفرد إلى التثنية. ولا أقصد علاقة الرجل بالمرأة، أو المذكر بالمؤنث فقط، وإنما كذلك ضياع هوية المذكر بين أب وابن أو محب ومحبوب، واختزال الرجولة بصورة طفل. ويبدو لي أن هذا هو سبب الحيرة التي هي الجو الأساسي في المطولات العربية سواء في الشعر أو النثر. ومثل هذه الحركية أوجدت لدراما السماوي إيقاعا داخليا أنقذت القصيدة من الركود والتجمد، وقدمت لها هوية متحركة عابرة للحدود.

وعن ذلك يقول في قصيدة (ألفة - ص 104):

بين أضلاعي شعوب وأمم.

ليضيف لاحقا بكثير من الورع والتجلي:

أنا في قلبي الله. ص 103.

***

صالح الرزوق

.........................

* اصدار مؤسسة المثقف في سيدني - استراليا، ودار تموز، دمشق - سوريا 2019. وأرقام الصفحات المذكورة تشير لهذه الطبعة.

**في هذه المجموعة يذكر اللوز مرتين. أما الصفصاف فقد ورد في أعمال سابقة.

 

جمعة عبد اللهللشاعرة إلهام زكي خابط

صوت شعري ملهم ومتألق، في شغاف الرومانسية الجميلة والشفافة، بصياغاتها الطافحة بالحلم الرومانسي العذب، الذي يخطف القلوب في الهوى والهيام، يجعلها تتراقص على نسائم الحب، المرهف في بساطته وتواضعه في روحها الشفافة والنقية، الغامرة بلهفة الشوق والهيام، بعذوبة معزوفاتها الشذية الناعمة في وداعة الهناء والحبور، بشفافية رقيقة كالحرير .المطعمة في خمرة النبيذ النقية، لتجعل خوالج الوجدان تهمس بمراسيل الحب، بعذوبة الندى في الفجر، بعذوبة زقزقة العصافير في الصباح. لذلك تجعل للحب والعشق، أسمى قيمة أنسانية في الوجود والحياة، قيمة روحية في بهائها وسحرها الفتان، ان تسافر احلام الحب، كالفراشات في الربيع، حي تتفتح الازهار وتزكي بعطر الياسمين والرياحين. في انغام تجعل القلب يرقص في وداعة نقية ومتواضعة، في الشفافية الحلم الرومانسي. لاشك ان الشاعرة (إلهام زكي خابط) تختلف كلياً في الرؤى الرومانسية في التعاطي والرؤى والرؤية مع الشاعر (نزار قباني) التي تطمح احلامه الرومانسية في امتلاك الجسد في الاقتحام والفحولة . بينما الشاعرة تهدف الى امتلاك الروح بوداعة ودلال شفاف ورقيق وناعم في عذوبته الشذية، لذا فأن حلمها الرومانسي الجميل يقترب من ضفاف الشاعرة الكبيرة (لميعة عباس عمارة) في شفافية الهوى والهيام، في شفافية الشوق والاشتياق . واعتقد وكلي أمل ان تستمر الشاعرة في هذا المسار الابداعي الجميل والساحر، حتى تكون الوريثة الشرعية، بأقتدار وتمكن شعري متألق . لشاعرة الحب والشوق الشفاف. الشاعرة (لميعة عباس عمارة) وهي تترنم في أغاني الهوى والهيام، في عطر المحبة والصفاء والحنان، في روحية عابقة في فيضان الهوى والهيام، كما عزفتها بتراتيل الحب والغرام، في مجموعتها الشعرية (رقصات النسيم) التي احتوت على 33 قصيدة، أو بالاحرى 33 سمفونية في الحب والهيام. كما كان للوطن نصيباً مهماً في هذه المجموعة الشعرية، وهي تغرد للوطن بالحب والشوق، وتصب جام غضبها على كل الذين ساهموا في خراب وتدمير الوطن . وكما تصب جام غضبها على الطائفية المقيتة، التي جلبت البلاء والنوائب واحرقت البلاد والعباد، ومزقت الوطن بالتخندق والحراب والاحتقان الطائفي الهجين .وكما تقف في اناشيدها للوطن، اجلالاً وتعظيماً الى شهداء الوطن الابرار، من كل اطياف النسيج العراقي، الذين ضحوا بدمائهم الطاهرة والزكية في سبيل الوطن . وتتطلع من اعماق قلبها الى يوم الخلاص، الى يوم اشراقة الصباح بعد ليل طويل . ليطوي الوطن صفحات سنوات العجاف . سنوات الموت والدماء والخراب ..... هكذا غردت سمفونية المجموعة الشعرية (رقصات النسيم) على حرير الكلام بعسل الحب والهيام . لنأخذ مقتطفات من نهر الحب والعشق والهوى:

1 - تتراقص نسائم الحب في دلال وحبور . تفتح قلبها في بهاء وزهوً للعشق والهوى، الذي يبلل رذاذ مطره المحمل بعطر الندى الصباحي، يفوح من شذا عابقة بالحلم والبهجة في قلوب العشاق . تتمايل وقت السحر، لتزيل دمعات المطر، في انغام السحر، يلملم احزانها، كما شاء لها القدر .

 رقص النسيم يوماً

 بين أحضان الزهور

 يقبلُ فاه البنفسج

 في دلالِ وحبور

 حاملاً عطرَ الندى

 وخموراً من شذا

 بهجة للعاشقين

 أما شممت عطرهُ

مترنماً يتمايلُ

 حين يدور

 وعلى وجنات الأنام

 تاركاً عبق السرور

 رقص النسيم

2 - ما أحلى ساعة السحر بمغازلة العاشقة لعاشقها . في همسات الهيام التي تخفق لها القلوب طرباً، في بهاء مشع في الروح، لكنه يجري بصمت مكبوت، يكاد يفضح مشاعره المرهفة في اخدود العشق . تغمر روحها في حالة غريبة . كما تلعب في ورق الزهرة، بقلب خافق في انبهاره وتوجسه (يحبني . لا يحبني) تقدح الروح، بين اليقين والشك . بين الزهو والتيه. لكن العيون تكاد تفضح أسرار ما تخبأ بالروح، حين يلفظها (حبيبتي) تحلق في اجنحة الشوق والاشتياق في اعلى فضائها، لتجد مرفئها في القلب الغامر في الهوى والهيام، فتصدح أغاني العشاق طرباً في بهجة وحبور .

 حين تغازلني

 أحساس غريب

 يغمرني

 وأنبهارٌ بصمت مؤنسٍ

 يكاد يفضح

أسرارَ صمتي

 وما بين التيه والزهو

 وما بين اليقين والشك

 في عينيكَ أبحرُ

 عَلَّي آجدني

 أحقاً ما تقوله تراني

 حبيبتي

 بحرقة الشوق تنطقها

 وبعجالةٍ

 يردُ نبض قلبي

 وفرح لذيذ

 في الروح يسري

3 - في سمفونية الحب متكاملة، تكتبها في جوانح المشاعر المرهفة، في خلوة ثلاثية متوحدة بالحب (أنا وأنتَ والبحر)، على عزف اوتار الامواج التي تبارك الحب، بترنم تعزفها الامواج في سمفونية الحب والهوى . تداعب برذاذ امواجها القلوب العاشقة التي تتسامر بهيامها على ضفاف البحر، في نسائم الروح الغارقة في الهيام، بصدق وحنان وشوق . دون رياء، تناثرت حروفها على رمال البحر . ليكون البحر شاهداً لحظة سحر العشق، التي تفوح بعطر الياسمين تداعب وجنات الحب الشفافة في غمرة السحر، بين (أنا وأنتَ والبحر) تمازج روحي في ثلاثية الشوق والاشتياق . دون ان يبقى الحب يلتف بعباءة الخفاء .

 أنا وأنتَ والبحرُ

 وهمسات قلبٍ

 أثملت سحر المكان

 وجدائلُ موج

 على الرمال سابحة

 تتأملُ أسرار الغرام

 من شوق عينيكَ إليَّ والحنان

 أنا وأنتَ

 أسطورة حبٍ

 على الرمال تناثرت

 أو يبقى الحبُ رهينة

 أثواب الخفاء

4 - نقاوة الحب الشفاف في عذوبته، ان تحفظ أسمه بين جفون العيون، واعماق القلب يرقد بكل وداعة . في سر القلب والهوى، خشية ان يذاع سره، هكذا تهمس بخمائل الروح الغارقة في الغرام، في طيفه الجميل . هكذا دخل الحب اعماق الوجدان . دون ان يدري العاشق بزهو الهوى، لذلك تهمس له كاشفة سر روحها الراقد في اعماق الفؤاد، تهمس له بنغمات الهوى حتى مطلع الصباح، تحبو اليه كالطفل الذي يحبو في لمسة حنان، لينكشف سر الغرام .

 أخبأ أسمك بين جفوني

 خوفاً من أن يذاع

 في الهوى سري

 ولوعة أداريها

 وهي خمائل الروح

 تسري

 تغتال الرقاد وتطيل سهدي

 من آذن لطيفك الجميل

 الجلوس بالقرب مني

 يشغل الفؤاد وصفوة ليلي

 هويتُكَ من دون ان تدري

 وما كان في ظني أن الهوى

 في داخلي كالعشبِ ينمو

 وفي وجداني وروحي وعقلي

5 - هل يتمرد القلب على اشواقه في الغرام يوماً ما، وعلى ينابيع عواطف الهوى، ليسير في الدرب وحده، دون قرين روحه الاخرى، او نصفه الآخر، مهما تكابر وتجلد وتوهم بأنه حرسعيد، يدون غمرة حياته وحده . لكن من المحال ان يتغلب على هموم السنين في أطياف الحب، لا يمكن ان يتغلب على أنين القلب المنزوعة في قلبه وروحه في العشق والغرام في الآخر . لذلك يتغلب على القلب العنيد ويرجع الى سكة الحب، واليه يطلب الغفران والمعذرة .

 تمرد القلب يوماً

 على الهوى

 فلملمَ الاشواق ثم مضى

 وسار في الدرب وحيد

 لكنه حرٌ سعيد

 قد ظن في البعد

 نعيماً

 وهذا ما أبتغاه

 حتى مرَ

 من قربه مهمومٌ حزين

 في عينيه بانت

 عذبات السنين

 وصبابة ٍ تشغل في القلب الأنين

 أستدركَ القلب العنيد

 وإلى من فات عادَ مسرعاً

**

 ثم بالود عليه أقبلَ

 وبالعناق

 يرجو المعذرة

 - وحفلت المجموعة الشعرية (رقصات النسيم) حصة مهمة في اشجان وعذابات ومعاناة الوطن، بالاوجاع المؤلمة التي تتوغل في أعماقه، وتصيبه في جراح نازفة، في التمزق والخراب، منذ مجيء حكام الطائفية والفرهود الطائفي، الذي هلك البلاد والعباد، وتمزق نسيجه الوطني بالتشتت والتمزق والشقاق، حين دخلت افعى الطائفية السامة . وكذلك ترسل ألف تحية اجلالاً وتعظيما الى روح الشهداء الابرار، من كل الاطياف والمكونات، الذين ضحوا بدمائهم الزكية والطاهرة في سبيل الوطن . وكما تصب غضبها على كل من سبب الخراب والدمار، من الاحزاب الطائفية الحاكمة . لنأخذ بعض مقتطفات القصائد التي تقف مع الوطن بكل شموخ وطني .

 من قصيدة يا وطني لك َ التحية:

 يا وطني ألف تحية

 لراية ترفوفُ

 فوق روح الشهداء

 لفداكَ راحت ضحية

 لتموزك الخالد

 في القلوب

 والدماء الطاهرة الزكية

 يا وطناً يسكن فينا

 في مجلسنا، في مآكلنا

 في حاضرنا وماضينا

 وصوت كصوت الناي

 من عمق الرافدين

 يشجينا

- تدعو الى الصمود في وجه الرياح السوداء والصفراء، التي جاء بها الحاكم المسعور الطائفي، وذبح الوطن من الوريد الى الوريد . وتدعو الى الصمود والثبات في وجه الطغاة الطائفيين والسلفيين .

 من جحيم الطائفية

 ورغم كل الأذية

 يا وطني لك التحية

 لك المجد المعبق بالخلود

 والثبات المسلح

 بالصمود

 في وجه الطغاة

 أولاد الزنا

 والمواخير السلفية

 - والى الحاكم بذئابه المسعورة للدماء والخراب، وما جاء لحماية الوطن، بل لقتل الوطن واطياف الحرية .

 ما جاء حاكم بأسمك يحمينا

 بل ذئابه تطاردنا وتؤذينا

 مذبوحة فيك

 أطياف الحرية

 - والى بغداد المجروحة، تسأل أين شهرزاد ؟ كيف عصف بها الزمان الاسود ونحر بغداد ؟ . التي كانت عروس الشرق في ثوبها الابيض الزاهي، لكن الطغاة لطخوه بالسواد، أحفاد الطائفية والسلفية حولوا رياض بغداد الخضراء، الى مقابر وخراب .

 عروس الشرق أنتِ

 يا بغداد

 ثوبك الابيض الزاهي

 قد لطخه االسواد

 وبالدمار طرز

 وبأحقادٍ واحقاد

**

 يا شهرزاد

 يا بنت العراق وبغداد

 مليون قصة وقصة

 حزينة بائسة

 على أفواه العباد

 أين المصباح

 أين هو ديك الصباح

 الذي يوقظُ الفجر

 

 ويقوظُ النهار

يوقظُ السلام

 ويشلُ

 يد السياف

**

 كفانا

 أحقادٍ في كل شبرٍ

 من ارض بلادي

 تستعرُ

 × المجموعة الشعرية: (رقصات النسيم)

× المؤلف: الشاعرة إلهام زكي خابط

× صورة الغلاف: الفنانة التشكيلية رنا حليم الخميسي

× اصدار: دار النشر فيشون ميديا - فكشو / السويد

× تاريخ الاصدار: عام 2017

× عدد الصفحات: 117 صفحة

 

 جمعة عبدالله