عدنان حسين احمدتُوغِل الروائية وفاء عبد الرزاق في روايتها التاسعة ذات العنوان المُشفّر "دولةُ شِين" في مناطق مجهولة لم يطأها أحد من قبل بهذه الجرأة النادرة التي تناولت فيها الموضوعات المحظورة، والقضايا المسكوت عنها متجاوزة التابوهات الثلاثة دفعة واحدة، ومُعرّية إيّاها أمام الملأ بحجج دامغة من دون خوف أو وجل.

تُعد هذه الرواية الأكثر عُمقًا وحساسيّة بين رواياتها الثماني السابقات لأنها تتمحور، حقيقة ومجازًا، على صاحب العرش العظيم الذي يعرف ما في السرائر، ويستجلي ما في النفوس والأذهان، وإذا اتفقنا أن نذهب إلى الفضاء المجازي الذي لا يقلُّ أهمية عن الفضاء الحقيقي المستقر في ذاكرة الروائية وفاء عبد الرزاق فإن شخصية كريم بوصفه الملك الأعظم الذي يتسيّد على الجهات الأربع لهذه المعمورة، وإن تنقّلت بنا الكاتبة منذ بدء الخليقة حتى الوقت الحاضر وأخذت من الزمان والمكان والشخصيات والأحداث ما يناسب نسقها السردي الذي بدا سلسًا وعفويًا ومُقنِعًا إلى درجة كبيرة يؤكد تمكّنها من أدواتها الفنية بطريقة لا تقبل الجدل، ولعل سرّ النجاح يكمن في إقناع القارئ بأنّ الوقائع والأحداث التي تجري أمامه كأنها حقيقية وليست من صنع الخيال.

قد تكون "دولة شين" رواية خيالية مطعّمة بالواقع، والعكس صحيح لكن فنتازيتها أقوى وأشدّ وتصل بها إلى درجة الغرابة، ذلك لأن مضامين النص وتشعباته الحكائية المبثوثة في النسق السردي الذي يتألف من 13 بابًا تنتمي إلى الفضاء الديستوبي   Dystopian الفاسد والمرير الذي راهن عليه شين وكسب الرهان في خاتمة المطاف.

الأواني المُستطرَقة

لا يكمن نجاح هذه الرواية في مضمونها فقط على الرغم من أهميته وإنما في تلاحم الشكل مع المضمون بحيث تماهيا معًا وأصبحا مثل الأواني المستطرقة التي  يُغذّي بعضها بعضًا، فلقد رسمت الروائية مُخططًا مُحكمًا للبنية المعمارية التي تتألف مبدئيًا من شخصيات المملكة الرئيسة التي يتربّع على عرشها "الملك" كريم والقادم الجديد "نديم" الذي سيتزوج من "حسنى"، المرأة التي يحبها، ويُنصِّبه رئيسًا لوزراء المملكة الأمر الذي يستفزّ "شين" ويُغضبه فيتمرد على الملك ويعصي أوامره لأنه لا يريد الخضوع إلى شخص أدنى منه مرتبة وشرفًا. وحينما يشمّ الملك رائحة التمرّد والعصيان يقرر نفي "شين" وطرده من أعالي الجبل إلى أعمق وادٍ فيه. وإذا كان الملك يرى فيه أول عاصٍ لأوامره فإن رضوان يرى فيه "أول ثائر كوني وأزليّ" ترك المملكة وراء ظهره، وتوعّد "نديمًا" وذريته الفاسدة بالويل والثبور. وفي طريقه التقى الراهب الذاهب إلى زيارة المملكة وطلب منه أن يأتيه بأخبار "نديم" وما يدور داخل المملكة. وحينما عاد أخبره بأنَّ "نديمًا" قد خرق الوعد وأنَّ الملك قد غضب عليه ونفاه خارج سور المملكة.

أشرنا سلفًا إلى غرائبية النص، فبدل أن تدور الأحداث في عمق الوادي نرى الراوي "شين"، المطرود من جنّته في صحراء، وثمة أبواب صُفت إلى جوار بعضها وكوّنت سورًا من دون حوائط أو جدران، فأخذ يتلصص من الثقوب ويصرخ عاليًا: "أما من مُعلمٍ خلف هذه الأبواب؟" تنكّر "شين" بملابس فقير ليلج الأبواب الثلاثة عشر ويدوِّن كل ما يراه ويسمعه في دفتره ليُثبت خسة الإنسان ودناءته. تتصدر كل باب توطئة تُمهِّد لقصة جانبية تؤازر الثيمة الرئيسة وتُعمِّقها مثل "الاكتشاف"، "حيرة"، "ليل حالك السواد" حتى ننتهي بـ "الرجوع". وفي بعض الأبواب هناك أكثر من قصة تُعرّي سلوك الكائن البشري. ففي تمهيد الباب الأول يرى الراوي من ثقب الباب قرودًا تُعاشر الحمير وتُنجب ذريّة مشوّهة. أما متن الباب الأول فيكشف عن "أمير" وعلاقته بالمومس "إسراء"، ويحاول أن يسحب بساط العفّة من تحت قدميّ "أنور". وثمة حكمة في كل فصل من فصول الرواية على غرار:"الدين ليس سكينًا للذبح، الدين قناعة ورضا".

الشخصيات وأندادها  

تتجسّد في الباب الثاني قصة الشبيه أو القرين أو الندّ، فلكل شخصية من شخصيات الرواية نظيرها الذي يلازمها على الدوام، تمامًا مثل شبيه "بشرى" أو شيطانها على الأصحّ، ثم يلتقي الشياطين الثلاثة لأمير وأنور وبشرى، وهكذا نتعرّف على شخصيات الرواية بحسب حروفها الأبجدية التي تبدأ بـ "أ" وتنتهي بالحرف الثالث عشر "شين". ما تعرفه بشرى أن إمام المسجد الجديد هو والدها، وقد شاع بين الناس أنه هارب من السجن، ومتخفٍ بهذه الهيأة، وقد اكتشفت زوجته مداعباته الغربية للطفلة بشرى فأقسمت أن تبلّغ عنه الشرطة. وفي منازعته للموت اعترف بأنه اعتدى عليها غير مرة ولعلها تسامحه في النزع الأخير.  يتلقّى أحد الجيران رسالة تهديد بخطف حفيده الصغير فلم يكتثرت بها لكنهم خطفوه وابتزّوه ماديًا، وفي غضون أسبوع وجدوا الطفل مخنوقًا في ثلاجة إمام المسجد، وأظهرت التحقيقات أنّ إمام المسجد وزوجته يرأسان عصابة لسرقة الأطفال!

يضم هذا الباب أكثر من حكاية حيث نتعرّف على برهان الذي يرسم الأوشام على الأكتاف والصدور، وبشير الوافد الباكستاني الذي يعتبر الرسم حرامًا لكنه تفاعل معه وبدأ يرسم صورًا للشياطين، فاجتمع الشياطين الأربعة، ودرّبوا شيطان برهان الذي ما يزال بِكرًا، ثم وجّهوا الدعوة لشيطان بشير كي يكون عونًا لهم في جلب شياطين آخرين.

تتواصل تقنية التلصص من ثقوب الأبواب فنرى بعين الراوي أناسًا يسلخون جلود الحيوانات وهي حيّة، وآخر يدفع حماره من قمة شاهقة ويتلذّذ بمنظر جسده المشطور إلى نصفين. وفي هذا الباب يصادق التاجر توفيق جارته تغريد التي منحها الله زوجًا خائنًا، وحبيبًا لا يفهم كُنه المرأة، ومع ذلك تستلقي على السرير وتخون زوجها الذي خانها مع الخادمة، وصادق يخون زوجته لأنها خانته مع سائقه، فيتحرر الاثنان من وجع الخيانة بخيانة مُضادة. 

تحاول الروائية تغطية مساؤئ البشر التي راهنَ عليها "شين" فلاغرابة أن نرى القتل، والتمثيل بالجثث، والخيانة الزوجية، واغتصاب الأطفال، وزنا المحارم، وممارسة اللواط، والسحاق وما إلى ذلك فنحن في حقل يزرع الخسة وينتظر حصاد الشرور. ولا بأس في العودة إلى الأساطير والخرافات التي تستثمرها وفاء عبد الرزاق بدراية في قصة "جاسم" الذي تنكّر بشخصية ساحر يعالج طفلاً مصروعًا بغية الوصول إلى شقيقته "جميلة" الحسناء التي يقنعها بالهروب معه والزواج منها، ثم يختفيان مع السائق، وتُسجّل القضية ضد مجهول.  

منظمة الغواية   

وبينما يُنتخب أمير رئيسًا لمنظمة الغواية وأنور نائبًا له تتوالى القصص الفرعية، فثمة رجل طاعن في السن يشتري الطفلة حذام وينفث سمومه فيها، وخليل، مالك البناية يخدع خولة ويتزوجها على أمل تسجيل العمارة باسمها لكننا نكتشف أنه متزوج من ثلاث نساء وكلّما تزوج الرابعة طلّق إحداهن كي يظل مسلسل الزواج قائمًا. في الباب الثامن تتزوج دلال من مدير مدرسة المدينة فيغرقها بالأكل والشرب والذهب لكن جسدها الغضّ يظل جائعًا للجنس فتغوي ابن أخته وتمارس معه الفاحشة، فيموت المدير في حادث سيارة، ويسافر ابن أخته إلى الخارج. وفي الباب ذاته يمارس دريد زنا المحارم مع بناته وتموت إحداهن نتيجة لعملية الإجهاض، بينما يُزَجُّ بالمجرم إلى السجن. ولا تتورع "دينا" من إغواء شقيقها الأصغر ليتضاعف عدد الشياطين في منظمة الغواية.                                

ما يحدث في الباب التاسع أقسى وأمرّ، فذو النون الخمّار، والمرتشي، وبائع الحشيش يعتدي على ابنه ذياب ويعاشره يوميًا، ولم يمانع من بيع جسده لذاكر شرط مضاعفة الثمن لكن ابنه يصب عليهما النفط، ويُشعل فيهما النار، فيموت الأب ويتم إنقاذ ذاكر. وفي خضمّ هذه الأحداث يدوّن "شين" كل ما يراه لكي يثبت أحقيته في الثورة التي فجّرها بينما يتضاعف عدد الملتحقين بمنظمة الغواية.

تتوالى الفظائع في البابين العاشر والحادي عشر حيث يستدرج "رسول" مجنونًا إلى المقبرة ويمارس معه تجربته الأولى، ويغوي طفلة يقضي وطره منها وهي حيّة ليكرر فعلته الشنعاء وهي جثة هامدة ثم يرميها بين قبرين بعيدين. أحدهم يقدّم تقريرًا مزورًا لمصلحة ثري كي يذهب للحج بالمال الحرام، وابن تغويه أمه إلى زنا المحارم فيذبحها بالسكين بعد أن يقع في فخّ الغواية.

نواجه في الباب الثاني عشر أبشع وجه للإنسانية حيث يقرر "شين" أن يُلغي البشر ويحتفظ بأسماء الشياطين الذين بلغ عددهم 32 اسمًا يبدأ بأنور وأمير وإسراء، ويمرّ بخولة وخليل ودلال، وينتهي بزهدي وسعيد وسمير.

دولة الشياطين

يؤسس "شين" دولته ويتم انتخاب أنور رئيسًا لمدة أربع سنوات، وأمير نائبًا له فيما يتولى الآخرون مناصب الدفاع والداخلية والخارجية والثقافة ولا يفرّقون بين أصيل ووافد لأنهم يتعاملون مع قوة وعمق الشيطنة في كل شخص على انفراد، ولم يتركوا شيئًا على حاله فلقد جلبوا الرؤوس لجزّها، والصبيات لمعاشرتهن، وهدموا كل شيء على وفق دستور الدولة الشينية. كما علّقوا على الجدران شعار مدينتهم "اليد الحمراء" المصبوغة بالدم. ورغم كل الحقائق التي دوّنها "شين" إلاّ أنه كان يشعر بأنه المتصحِّر الوحيد بين المخلوقات كلّها.

يمهد باب "الرجوع" إلى النهاية المدروسة بعناية فائقة، فحينما دفع "شين" الباب الثالث عشر لم يكن يعرف أنه باب بيته فوجد في داخله اثنين من أعوان "كريم"، أحدهما لديه دفاتر كثيرة، والثاني لديه دفتر واحد فقط. في دفاتر الأول ثمىة تزكية وتأييد لمواقف "شين"، أما الثاني فلم يدوّن سوى سطور قليلة. أخبر "شين" صديقيه بأنه عازم على الرحيل إلى الجبل حيث القلعة وهو يحمل تحت ابطه خزينته لعل "الملك" لن يفرّط به ثانية. يحاور "شين" في دخيلته الملك الساكن في الأعالي، ويسأله عن سبب قسوته التي أفضت به رغم ذلك إلى السعادة الغامرة فلاغرابة أن يشتاق لمداره الصافي، ولجلال طلعته البهيّة. وحينما دخل "شين" وجلس في مكانه الفارغ الذي لم يملأه أحد في غيابه فغيّر "كريم" مسار خطبته وقال:"إن أردت أن تحيا حياة هادئة، فلا تكترث لأيامك السابقة، وعليك أن تنعم بحضورك". وضع "شين" الدفتر الذي ينطوي على إثبات براءته أمامه، بينما تحلّق الفرسان حول "كريم" مُدركين تمامًا بأن مؤسسة الشرّ هي التي تحكم العالم فغابت الشبهات المُبهمة وتلاشت إلى الأبد.

وفاء عبد الرزّاق: "دولة شين"

دار أفاتار للطباعة والنشر، ط2، القاهرة، 2019

184 صفحة

 

عدنان حسين أحمد

 

جمعة عبد اللهشاعر متمكن من موهبته الشعرية الفذة. يبحر في الحروف الشعرية الجميلة، في لغته الرشيقة. والعميقة في الصياغة الصور الشعرية البليغة في مدلولاتها. يطوف بقيثارته الشعرية، المحطات والمرافئ، وارصفة المنفى والتشريد والتهجير. انه سندباد الشعر في الهموم الغربة ومحطات المنافي، بلا كلل ولا وهن. طالما الحنين والشوق يهزه من اعماق وجدانه. من اعماق المعاناة الانسانية. من معاناة العراقي، الذي اصبح حقيبة سفر، في التشرد والغربة، ويخوض اعماق محنته الى المنافي الغربة. لكنه يأخذه الشوق والحلم، أنه شاعر حالم رغم المحنة التي تغلي وتفور في الضلوع. أنه حالم رغم لوعة الالم. يتنفس بشوق وحنين رائحة العراق. أنه يحمل العراق في اعماق وجدانه. ولا يكف عن حب العراق، طالما يتنفس هواء الحياة، يحمل معاناة العراق في شعره ووجدانه، لذلك يعزف في الناي والربابة، ليثبت انه عراقي المنشأ والاصل، عراقي يلبس ثوب نخل العراق.. لذلك يجد الشعر وسيلة للدفاع عن صرح العراق، ويعلن للملاء محنة العراق، إلا بقيثارة الشعر وايقاعها الرنان. يسهر الليالي بأرق العراق. ويحلم من السحب والغيوم الكثيفة، ان تمطر لو مرة واحدة، لتغسل احزان العراق. تنشف دموع المعذبين والمعدومين. هكذا يصهل بكلمات الشعر، بالحب المقتول والمغدور، كالحلاج الذي صلبته الكلمة الشريفة والنزيه، صلبه العشق والحب والهوى للناس والحياة، لم يهادن محاكم التفتيش. لم يغازل الاغنياء والسلاطين، ودافع عن شرف الكلمة ونقاوتها، من ان تتلوث بالسواد. هكذا صدحت المجموعة الشعرية (على أثير الجليد). بما تحمل من عذاب ومحنة. لكنها في نفس الوقت تحمل الحلم بالغرض النبيل. يضعها في صفاء الذهن والرؤية. يضعها في خمرة الشعر بحلاوته الجميلة. يحمل عالمه الصغير (العائلة) وعالمه الكبير الاكبر (الوطن / العراق). لذا فأن قلبه مشطوراً الى نصفين، ولكن يغطيهما بالحلم الاتي بالغد. هذه المديات الجمالية، سكبت حروفها على أثير الجليد والثلج في البرد والهجير. ليتدفئ بنار الشوق والحنين. عسى ان يطل باب الفرح. بعدما طفح الكيل. لكن انطلقت صفارة الانذار، لتكسر سارية الفرح.. في دورة الظلام ليذوب في شعابها الفرح

دقَّ طفل مشرقي بابَ الفرحْ

لم يجبه أحد،

تزاحم الخيول

تنتظر  السباق نحو ساحة الفرحْ

فأنطلقت صفارة  الانذار

قد كسرت سارية الفرحْ

فمالت الزهرة فوق راحة العشبِ

تشرب من برودة الندى

تدفق النور رقيقاً موقظاً حرارة العشبِ

فأستيقظ الفرح

لكنه سرعان ماغاب

ودارت دورة الظلام

فذاب في شعابها الفرح

لذلك لم يبق له وسيلة، سوى العزف على الناي، ليسكب اوجاع القلب بلحن حزين، الذي لم ينام، ولا يتعب من الترحال والتجول في محطات التهجير، وارصفة الغربة، وفي عز البرد والجليد. من معاناة الهجير والترحال. يستيقظ حادي عازف الربابة، يعدو، يصرخ لكن صوته يضيع ويتيه بين الرمال والكثبان. . يا عذاب هذا القلب من الترحال والتهجير . ماذا يبغي من هذه المعاناة بعد ذلك

يا أيها القلب الذي  ما نام

من كثرة الترحال.....

والتجوال...

والتهجير !

ما تبتغي

من بعد هذا البرد والهجير ؟

**

أستيقظ الحادي

يعدو على رجليه

يصرخ خلف الريع والركبان

وصوته يتيه بين الرمل

والكثبان

ويأخذه ويهزه الشوق والحنين الى الوطن الراقد في اعماق الروح والقلب. يتقاسمه خبز الحنين. يمسد نبض الوطن المكلوم، في لوعة ولهب وشجن ووحشة، والاشتياق يهزه من الاعماق. حين يشم ريح الوطن البعيدة، والقريبة من جدران القلب، للوطن النائم في الروح

المطر الهامس يبكي

يزحف

والقلب غريق في الرهبة

في الوحشة

في الأنس القادم

عبر رنين الصوت الحالم

- ألو بيروت !

ألو بغداد !

ألو .... ألو ........ !

يأكل الوطن النائم في الروح

لوع.. شوق... لهب..

شجن.... يقفز.. يقتربُ

من بين خزائن جرح نار تلتهبُ

يهبط الثلج فوق سور الليل، في صمت وشجون، ليشعل نار الشوق. مصلوباً على شمس الغد، او ما بعد الغد، برودة أمل تسري على اوتار القيثار بدون حد

الثلج يهبط فوق سور الليل

والشجر المسجى غصنها في الصمت

والشوق الحزين

تسبح في الشمس غداً ؟

أم بعد غدْ ؟

برودة تسري على القيثار دون حد

تمضي السنون وتتساقط الاوراق والفصول. والعراق في غابات الادغال الوحشية. يحمل مأساته، كصخرة سيزيف، يحملها على ظهره في معاناة الهجرة والتهجير والترحال. كأنه حقيبة سفر بين المحطات وارصفة الغربة. اصابه وباء التشرد والتهجير. ويطوف في المحطات الصغيرة والكبيرة، في الزمن الصعب، تتجرد فيه الاشجار، وتهوي الخيول بين مدن المنفى . وتمضي السنون حالكة يلوكها الزمن الصعب . وتسقط  في الرحيل الصعب،

تمضي السنون

تتساقط الاوراق واحدة .....

فواحدة

وتغفو في محاجرها العيون

تمضي السنون

تتجرد الاشجار ..... تعرى ..

والجليد هو الفصول

تحكي الفصول

قصصاًعن الرايات لوتها الرياح

وارختها بين غابات الرحيل

أوآهِ من هذا الرحيل الصعب !

يا زمن البديل الصعب 

خيل هوت بين المدائن

 

 هكذا اصبح العراقي حلاج جديد، يطارده الموت والصلب. اينما وجد، واينما صهل بخيول الشعر، تنادي بالحب والعشق، وبأسمه يدعو الى منازلة الاغنياء والسلاطين، الذين سدوا هواء الحياة وحرموا الفقراء من رغيف الحياة. ولم يعرف للخوف طريقاً. ولم يهادن بالحب والهوى. من قصيدة (الحلاج مصلوباً).

لوحةُ الشعر  تنادي الحبَّ

من بين صهيل الشعراء

واهتزاز الاتقياء

هو ذا الحلاج مصلوباً

ويزهو

دون ان يعرف للخوف طريقاً

او رفيقاً

لم يهادن في الهوى لوناً

سكوناً

بأسمك اللهمَّ  يدعو الفقراء

لنزال الاغنياء

وحروب الاقوياء

فكل يوم محنة في اشرعة المنفى، هربا من غابات الادغال الوحشية، بالاشباح والاضداد.ويموت شاعر بصمت حزين في المنفى، رغم ان روحه تصعد مع السماء، لتواجه الحساب في ثوب وقلب ابيض ناصع البياض، بالدفاع عن صرح الوطن، وحق الفقراء في رغيف الوطن. قصيدة الى الشاعر الراحل (رشدي العامل).

في كل يوم هجرة،

فشاعر يحط بين غابةٍ

تلتف بالاشباح والاضداد،

وشاعر ينام في أردية الاجداد،

وشاعر يغفو مع الصمت لظىً

منتظراً أشرعة النداء،

وشاعر مات مع السماء،

في كل يوم هجرة...

منفى.. رؤىً...... صمتاً.... واختفاء،

 قد كتب النزال والنفي على

الشعراء

الانبياء

في زمن يسد باب الاتقياء،

هذه مزامير الشرق الحزينة في الزمن الصعب، بين الهجرة والهجير والصمت والاختفاء، تتلوى بوجعٍ على ابجدية المجموعة الشعرية (على أثير الجليد).

 

جمعة عبدالله

 

جمعة عبد اللهيتميز الروائي الخطيب، في المهارة والخبرة في التقنية السردية، في اسلوبه الواقعي. الذي يتعامل مع الواقع برؤية وابداع في طرح الواقع الحياتي والمعاشي، والغوص في اعماق المؤثرات الاجتماعية والدينية والسياسية وتأثيراتها، وبراعة استغلال وتوظيف الزمكان في المتن الروائي. بتسليط الضوء في التجاذبات الصراع من مختلف القوى المتصارعة، في هدف الاستيلاء والاستحواذ. يرسم شخصياته بدقة متناهية، ويجعلها تتحرك وتتفاعل على رقعة واسعة في المنظور الزمكان، في الاحداث الجارية والعاصفة، والمتنقلة والمتغيرة، في دلالتها المتنوعة والمختلفة في النص السردي، رواية (أخبار أخر العشاق)، تحرث في الكشف عن تفاعلات العقلية العراقية بكل جوانب الحياة، وفي علاقتها مع البيئة والمجتمع الريفي او القروي، الذي تلعب به مختلف المؤثرات، التي تتحكم بعقليته، وتقوده الى الفعل ورد الفعل المضاد، وخاصة في الجوانب الدينية والسياسية، وعلاقته في الارض والترحال، هذه العلاقات حتى تتحكم في مصير حياته . ففي جانب المؤثرات الدينية، تلعب دوراً هاماً في عقليته، التي تسيره الخرافة والجهل، بحيث يعتقد الانسان البسيط، بأن التعاويذ والادعية والحجاب . كفيلة بطرد سم الافعى من جسم الانسان . ومن الناحية الاجتماعية، هناك انتهاك صارخ بحق المرأة، بالظلم والحيف والاجحاف . بحيث تقرر مصير حياتها، الظنون والشكوك والاقاويل، القيل والقال بثرثرتها المجة، بذريعة غسل العار . اما من ناحية التمسك بالارض والتراحل، هناك ازدواجية في التعامل المتناقض . بين التشبث الصارم بالارض، والرغبة في الترحال، او الانتقال من مكان الى آخر. او الهجرة الداخلية والخارجية (- أجدادنا عشاق ترحال تدري.. لم يكن لهم مكان ثابت .. خلقنا متنقلين مثل ذرات التراب) ص152 . اما في العقلية المحافظة، التي ترفض الجديد، او ادخال التطور في حياتها . مثل رفض شق طريق جديد في القرية، بحجة هدم خرائب البيوت. ولم يستوعبوا بأن شق الطريق سيساعد على بناء بيوت جديدة، وليس بيوت خرائب آلية للسقوط، سيدخل التطور في القرية يرفل بحياة جديدة . ويظل هذا الصراع المحتدم . حتى انتصرت عقلية التطور في نهاية الامر، ودخل الى القرية شيء جديداً لم تعهده من قبل (تتغير قريتنا كثيراً، أنابيب الماء تدخل بيوتنا، مشروع الخزان يكتمل. الطريق بيننا بين المدينة تعبد، أسلاك الكهرباء تمد) ص256 . اما من ناحية الهجرة . بعد سدت الابواب في المعاناة الحياتية في الداخل، واصبح العراق، كالنسر الجريح الذي تطارده سيارة الصيادين في الصحراء، كما جاء في بداية الرواية، يدل على الصراع القوى في مختلف اغراضهم واطماعهم، في الاستحواذ والاستيلاء، في منفعة الضيقة، او دفعه الى حروب عبثية، او مسك السلطة بالقبضة الحديدية، مما يدفع أنسان الوطن الى الرحيل والهجرة (تهاجر الطيور جماعات جماعات، يطير الجراد أسرباً أسرابا، والانسان عاشق الاستقرار يولي الادبار أحياناً لأهله والديار) ص73 . وسحر الهجرة تفعل فعلها من اجل ايجاد عشب اخضر وحياة جديدة (لم لا ... هيا نعبر الحدود ..... الى هناك ...

ويرسل بصره بعيداً الى حافة الافق .. يتنهد :

- هناك كل شيء أخضر .....) ص151 . ولكن مصيبة الهجرة في بلدان الهجرة، تضيع فيها المعايير والمقاييس . يتساوى الاخضر واليابس معاً، او النبتة الصالحة، والنبتة النتنة والفاسدة معاً . يعني بكل بساطة تتساوى سوية (القرعة وأم الشعر) يتحول العشق الى بزنس، او الى انحلال وانحطاط حتى بين أبناء البلد الواحد . ثم بعض المؤثرات الدينية الجديدة التي ادخلتها الاحزاب الدينية في حكمها القائم، هي عقلية الحواسم، تضفي عليها شرعية دينية . بحجة سرقة مال الكفار حلال وشرعاً . أو هي غنيمة حواسم . هذه الاخلاق الجديدة التي جاءت بها الاحزاب الدينية، وروجتها وطبقتها بشكل بارع يفوق الوصف . لذلك الرواية مليئة بالاحداث العاصفة، في تتبع أخبار العشاق في الزمن الصعب . وقسمت الرواية الى قسمين . القسم الاول، عشاق الفيافي وهو يضم تسعة الاخبار أو قصص قصيرة . والقسم الثاني عشاق المنافي، يضم ثمانية اخبار أو قصص قصيرة . رغم ان الرواية تضم مجموعة قصص قصيرة من الجانبين، لكنها ترتبط بنسق روائي مترابط ومتناسق بشكل واضح، وبلغة سردية شفافة، تغوص الى عمق الحدث في المتن الروائي، لذلك نتابع اخبار آخر العشاق، بشكل موجز قصير . واهم الشخوص العاشقة في النص الروائي :

1 - أحسان: المهندس، وكان منذ الطفولة يتميز بالذكاء والفطنة ومتابعة الدروس بجد واهتمام . وبعيداً عن الزعرنة الطفولية والمراهقة . مسالم في السلوك والتصرف . وعندما اصبح مهندساً تحلى بروحية العمل والاخلاص وحب الناس والعاملين، ساهم في انقاذ القرية من طوفان الفيضان . وكان يحظى باحترام وحب الناس له . هذه الخصائل حرثت في عشق الوطن وتحمل تبعياتها . بالمعاناة والوجع، من وطن تفترسه الذئاب وتقوده الى الحروب . وعندما ضاق به الحال في الوطن، اختار الرحيل والهجرة الى بلدان المهجر و هناك وجد معاناة اخرى، في ضياع المعايير، واللازمة المحبوبة للحصول على اللجوء، يدعي انه كان مناضلاً سياسياً يعاني المطاردة والملاحقة، حتى تجار البزنس، وتجار الباحثين عن المتعة الجنسية، اصبحوا مناضلين سياسيين في سبيل الوطن، واخلاقهم وسلوكهم تحرث في الاعمال غير الشرعية والقبيحة في السلوك، في الغربة تساوت القرعة وأم الشعر سوية، وفي نفس الكيل والمعيار الواحد، بحجة البحث عن الجنة في بلدان المهجر . بينما الوطن المستباح يعاني من لعنة الحروب (تبهدلنا في الغربة، القرعة وأم الشعر منا فيها سواء، لا يتركوننا نعمر بلدنا يحركون غرور زعماء، أطماع أتباع، يثيرون الحروب ونتشرد) ص267 .

2 - شتيوي ومشتهاية: الراعي الفقير. يرعى في قطيع الشيخ ضاري الاقطاعي، دأب في محاولاته التقرب من (مشتهاية) في الحب وان يقنعها بالزواج الحلال والشريف، بدون الاحتيال، لكنها تحاول ان تتملص منه بذريعة أنه فقير لا يملك شيئاً (لا حلال ولا مال ولا سقف عندك، تريد ذياب أبوي يوافق ؟) ص118 . لكنه لم ييأس في محاولاته حتى يظفر بالزواج منها . وعند مخاض الولادة تموت، ويخرج الجنين سالماً، ويسمى (حسان)، لم يقتنع في تغيير المكان والرحيل عن القرية . من اجل طفله، ويعتقد بقناعة، أن الفقير في كل مكان بلا سند . ويكون غريباً ويتيماً في كل مكان . لكنه بعد ذلك يتزوج من أمرأة لديها بنت (حسنة) بعمر ابنه (حسان) .

3 - غضبان ورمزية: أبن الشيخ ضاري الاقطاعي، وعند زواج ابيه من أمرأة اخرى، كف ان يصرف عليه ويقدم الدعم المالي له، مما اضطر الى ترك المدرسة ويشتغل عامل في الفحم، ويتبنى الافكار الثورية المناهضة للاقطاع والاستغلال، يصبح ثورياً متمرداً على المجتمع وتقاليده . يرتبط بعلاقة صداقية مع (احسان) منذ الطفولة . وبسبب افكار الثورية المتمردة، يعاني المطاردة والملاحقة والاضطهاد من رجال الشرطة . لكن معاناته تجعله يستمر في مواصلة طريق النضال . يقع في حب وعشق الغجرية (رمزية) وتبادله نفس العشق والحب، حتى هي تتمرد على عادات الغجر، ان تكون نساء الغجر للكيف والطرب والرقص، ويحاول ابيها تبرير تمردها بأنها مجنونة (- لا تهتموا للبنت رمزية تراها مجنونة .... أنا حالف برأس والدي غير بناتي لا ترقص واحدة تحت سقف هذي الخيمة.. لكن عجيب .. الزلم عشاق الطرب تحبها.. دق يا أعور) ص172 . وتتمنى (رمزية) ان تهرب مع (غضبان) الى الولاية، لتتخلص من حياة الغجر . ولكن (غضبان) لا يريد ان يترك قريته، ويتردد في الموفقة في أزدراء . عناد العاشق (- تريدين ننزل الولاية ... نسلم حالنا يد المدينة .. تحبسنا بيوت طابوق.. نمشي شوارع رفيعة حد السيف ... أضيع رمزية وهذا الهوأ) ص179 . . وفي احدى مطارات رجال الشرطة له، يطلقون في اتجاهه وهو ينهزم منهم، لكن الرصاص يلاحقه، ويقال قتل، حين رجع حصانه وحده، وتضيع اخباره . ولكن عندما يلتقي (حسان) في بلاد المهجر بالمهندس (أحسان) حينما سأله عند صديق وزميل مدرسته (غضبان) يجيبه بأنه يقال عن ابن الشيخ ضاري بأنه (قتل دفاعاً عن مطار بغداد أيام غزو تخوم الالفين) ص277 .

4 - حسان وحسنة : بينهما حب وعشق خفي، فهي أبنة زوجة ابيه، وفي نفس العمر . يجدان في خلوتهما الانسجام والتودد . وكانت ترافقه ولا تتخلى عنه في رعي الاغنام،ولكن هذه الخلوة تناوشتها القيل والقال والظنون المريبة، بالفعل الفاحش بينهما (لولاها لا يجد حسان، مكاناً لخلوته الاثمة مع حسنة، وهي مثل أخته

- روح تصيبها لعنة العشق قل عليهما السلام، تنسخ شياطينها في ذريتها .

- لا عجب، لحقولنا بساتيننا من حكايات الحب ما لطلع نخيلها قبل الرطب ......

- فما ذنب الهرية .. وأي جديد من حرام بها يلصق أو منها ينبق !) ص196 . لذلك صارت خلوتهما مرتع للاكاذيب والخيالات بشى النعوت البذيئة . بأن فعل الحرام وقع لا ريب بينهما . وتحت ضغط الظنون المريبة، تطلب منه (حسنة) ان يهربان سوية . قبل ان يقع المحظور على رأسهما، لكنه يريد الهرب بنفسه من دونها، لذلك تقول له (- لا تصدق خوفي عليك .. والله تعمى عيوني من البكاء لو تترك ديرتنا) ص220 . وبالفعل يهرب بمفرده، ويتركها علكة لظنون والشكوك، بأنه هرب بعدما فعل الخسة الحرام، وخوفاً من الفضيحة هرب . التي ارتكبها في نشوة العشق الحرام، ولم تستطع (حسنة) تحمل هذه الضغوط، التي تلوح بالسيف فوق رقبتها . وجدت نفسها في محنة عويصة لا تطاق، لذلك هربت، ولكنها لم تجد الشفيع الذي ينقذها، فرجعت وكان السيف لها بالمرصاد لغسل العار، وهذا ما حدث فعلاً . ولكن بعد رجوع (حسان) الى القرية، اصيب بالصدمة الحزينة على مقتل (حسنة) . واعتكف بعيداً عن الناس، يناجي حزنه ومعاناته، صوب النهر، يتطلع اليه عسى ان تظهر حسنة، وتسكن اوجاعه واحزانه، التي استسلم لها . وبعد ذلك ضجر وجزع من الحياة، لم يعد أمامه، سوى الهجرة . وحين يلتقي بالمهندس (أحسان) يذكره بأن ابيه اعطاه اسم (حسان) تكريماً واحتراما لاسمه .

هذه أخبار آخر العشاق، سواء عشاق الفيافي، او عشاق المنافي .

 

× الكتاب : رواية أخبار آخر العشاق

× المؤلف : برهان الخطيب

× الطبعة الاولى : القاهرة عام 2017

عدد الصحات : 288 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

1118 مصطفى بوغازيالرمزية والواقعية وجماليات الزمكان في الرواية .

الرواية فنٌ نثري وسردي أدبي جميل، تُعتبر من أشهر أنواع الأدب العرب والعالمي، وتقومُ على طرح قضايا أخلاقية واجتماعية مختلفة بهدف معالجتها أو محاولة البحث فيها، وتختلف وجهة نظر تجسيد الحكاية أو السرد الروائي من كاتب لأخر، فهناك من يوظف فيها شيئا من الخيال حتى يطفى عليها نوع من التشويق، وأخذ القارئ إلى عالم جميل، وهناك من يصفُ السرد الحالم العاطفي، حيث نجدُ معظم المشاهد العاطفية عبارة على لوحات شاعرية، وهناك من يطرح الواقعُ المعاش لحقبة معينة من الزمن، والأحداث الأليمة للوطن، حيث تعتبر الرواية الواقعية هي الأكثر تشجيعاً وقراءةُ، إلا أنها تعتبر كموثق للتاريخ.

اليوم وأنا أقرأ للروائي والاعلامي الجزائري مصطفى بوغازي، الإعلامي المتمرس والأديب المبدع، الذي تنوعتْ إبداعاته وأعماله الأدبية بين القصة القصيرة والشعر والرواية والمقالة الصحفية، حيث صدر له :

رماد الذاكرة المنسية رواية، أحلام الفجر الكاذبة، مجموعة قصص، أفاق الإنسان، دراسة، مسألة القيّم في أدب الطفل، كتاب حوارات في الثقافة والأدب، كتاب حوارات في الثقافة والنقد، تأوهات في زمن النرجس – شعر.

أديب استطاع أن يلملم شتات الذاكرة، وعبق الحروف ليصنع منها عناقيد للفرح، للألم، للتحدي للأحلام، لواقع معاش، انبهرت وأنا اقرأ روايته (امرأه على قيد سراب) رواية إنتاج بيئتها، ليس فقط من حيث القصة والخطاب، وإنما من حيث اكتسابها كل آليات البنية التبليغية العامة للخطاب اللغوي عبر المسار البلاغي للنص، المنحى الجمالي في الرواية لم يخرجها عن واقعيتها باعتبار، أنّ السارد وإن امتلك خيالاً واسعاً إلاّ أنّه لم يجنح عن الأرض بعيدا وظل يستنطق الواقع بكل ما يحملهُ من تناقضات ليغوص في وجدانيات أسلوبه الواقعي، الذي يوصف كل مقاييس الرواية الناجحة بتسلسل، والوصف للأمكنة والأشياء اليومية التي يعيشها الإنسان خاصة في الريف، ما يجعل القارئ يعيش الأحداث بكل تفاصيلها، وأعتقد في راي، هذا هو الروائي الناجح الذي يترك القارئ يتابع الأحداث بكل شغف، ويغوص فيها وكانه سافر الى تلك الأمكنة والأزمنة .

هكذا أحسست جماليات الرواية في (امرأة على قيد ساب) للروائي مصطفى بوغازي حيث يوصف بكل دقة تفاصيل الحكاية، الريف، والطبيعة الخلابة التي تأسر القارئ، وفصل الربيع الذي يتحول في تلك المنطقة إلى جنة، وصفه لكل الأحداث والزمكان يوحي بأن الرواية لها بعد فكري وأدبي راقي ومحببة لدى القارئ حيث لا يمل وهو يتابع أحداثها .

وصف الأمكنة في الفصل الأول بطريقة جد رائعة، حيث يغوص القارئ في تفاصيل الحكاية، بوصفه للطبيعة الخلابة التي تمتاز بها منطقة الريف الجزائري.

(تدانى الربيع مسرعا، فقد كان الشتاء ممطرا، وظلت قمة الجبل تحتفظ ببقعة من الثلج، يعكس تمازج بياضه بزرقة مشعة، بينما راحت أشعة الشمس تغازل الأحياء بدفء لطيف، فيتصاعد بخار خفيف، يعبق برائحة الأرض، وتنساب الجداول رقراقة تتخلل الشعاب، كما تشق السواقي طريقها بين الحقول، فتتفتح ثغور الزنابق والرياحين بألوانها، وتشرئب نحو حزم النور في أبهة وخيلاء.

هنالك على مقربة من سيمفونية الطبيعة، تعالت أعمدة الدخان نحو السماء من سقوف الأكواخ وهي تنفث احتراق ما تبقى من مخزون الوقود، وتظل حوافها تعصر الصقيع قطرات، على منحدرات مائلة تبلل الجدران، وتنحت ثقوبا على الأرض).

وصف للطبيعة الساحرة يفوق الخيال بينما هو الواقع الذي يأخذنا إليه الروائي مصطفى بوغازي ألي بيئته التي ربما عاش فيها أجمل لحظات الشباب، مما يجعله يكتسب المكان في الرواية أهمية كبيرة، لا لأنه أحد عناصرها الفنية، أو لأنه المكان ألدي تجرى فيه الحوادث، وتتحرك خلاله الشخصيات فحسب، بل لأنه يتحول فى بعض الأعمال المتميزة إلى فضاء يحتوى كل العناصر الروائية، بما فيها من حوادث وشخصيات، وما بينها من علاقات، ويمنحها المناخ الذي تفعل فيه، وتعبر عن وجهة نظرها، ويكون هو نفسه المساعد على تطوير بناء الرواية، والحامل لرؤية البطل، والممثل لمنظور المؤلف، وبهذه الحالة لا يكون المكان لوحة فنية بالنسبة إلى الفنان، بل يكون الفضاء ألذي تصنعه الرواية بكل جماليات المكان والزمان، والحدس الإنساني للأشياء الملموسة التي تعبر عن معاناته،

يبقى الروائي في وصف المكان والجمال للبيئة بكل تفاصيلها حيث يشعر القارئ وهو يعيش الأحداث وكانه هناك يعدوا مع الأبطال في الريف الجميل وأصوات العصافير وخرير الماء في النهر، حتى السحاب الذي يجري في السماء يشعر به القارئ، وأنفاس الطبيعة الخلابة التي تمحي وجع الإنسان، الطبيعة الجميلة التي تعرف بها منطقة سطيف بالهضاب العاليا، حيث يوصف الروائي مصطفى أحياناً الوجع كصراخ في الذات للرفض لطقوس وعادات بقيت تقيد تفكير الإنسان

(في ظل هذا الوجع القاسم للظهر، وقرابين الألم في تتابعها على مسرح حياتنا يتراءى لي الريف الجميل بنقائه وصفائه، وطيبة أهله الكرماء، ليصرخ الوجع في أعماقي، تمنيت لو أن والداي لم يغادرنه، وأزهو في طفولتي مسرعة في ذلك المنحدر المعشوشب بين البيت و"الكتاب"، أحمل كسرة ساخنة لأبي مع لبن منعش طفت رغوته وزبده على السطح، وأستظل تحت الشجرتين الكبيرتين لانهمك في حوار صامت مع دميتي، لا أسمع عدا رقرقة الماء في الساقية القريبة، وزقزقة الطيور على الأغصان، لا أحد يتجرأ بالاقتراب، ولا دكاكين تغري بما تعرضه فتجعلني الحاجة فريسة لمصدوم في واقعه، لم يجد سقفا يأوي إليه بمساحة قدمين مربعين يحقق أحلام الزواج فيه، فراح يصب مكبوتاته في جسد ي الغض الذي كان يجهل لغة التحاور بالاحتكاك، فكان يزفر وتهيج أنفاسه وتنتفخ أوداجه، ليتنحى من أمامي فجأة متهالكا، وهو يتفصد عرقا، فتمتد يده إلى مناديل الورق ليطمس آثار جرمه مع.)

نعيد ترتيب الأحداث في الرواية إلى اهم شخصية تحرك الحكاية وهي (راوية) الفتاة الجميلة التي كانت مدللة في بيت والدها رغم بعض التضييق الذي يعيشه مجتمع محافظ، أن المرأة ليس لها الحق أن تدلي برأيها خاصة في الزواج .

تدور أحدثاها في منطقة نائية في ضواحي سطيف، أين تكون الطبيعة في الشتاء قاسية، ولها جمال خارق في بقية الفصول، تحكي عن معاناة سيدة رفضت التقاليد والأعراف تحاك القصة، على لسان الفتاة حنان بطلة روايته، التي عانت من ضغط التقاليد والاضطهاد في مجتمع محافظ،معاناتها منذ الصغر وصولا إلى شبابها الذي قضته محبطة، البائس لرفضها للعديد من الأعراف والتقاليد التي خنقت أحلامها، ففارقت محيطها البائس المعزول الذي تركها تدور في ألاعيب سياسية واجتماعية ترفض أي رأي لفتاة تريد التغيير لبيئتها خاصة الظلم الذي تعرضت إليه والدتها،

(حنان) التي تقمصت شخصية الراوي، والبطلة في تفس الوقت، التي ترفض عمل والدها والذي ينغمر بفعل المادة في الدجل والشعوذة، (إلا أن مهنته الحقيقية هي التعليم) ويتنكّر لعائلته ويهجر زوجته، والضياع في العلاقات المتعددة، يقود حتما إلى اضطراب الأسرة والأبناء . يكتب بلسان السارد، عن البيئة التي عاشت فيها أمها والجد المتعصب، التربية القاسية، رفض تزويج الأم لأبن العم العاشق، أصابتها بمس من الجن نظرا للبيئة التي تعيش فيها، يؤمنون بهذه الطقوس والأعراف والخرافات،والتي تعتبر جزء من حياتهم، والتحكم بمصيرها ومستقبل العائلة، الرجل المتجبر على مِن يعمل ويعيش في كنفه، غير أن والدها يفسخ خطوبتها على إبن العم هروبا من العار وكلام القرية التي لا يخفى عن أهلها لا صغيرة لا كبيرة، فيحتار الأب في مرض ابنته (راوية) التي كانت فائقة الجمال ولا يراها أحد، تقع في براثين مدرس القرية أو (الطالب)، الذي أت به والدها ليعالجها ويخرج منها الجن الذي سكنها، فينبهر بجمالها ويلازم التردد على البيت، حتى قنع والدها وتزوج بها أخيرا .

رغم ما عانته الأم إلا أنها بعد ميلاد ابنتها الأولي (التي تصبح هي بطلة الرواية) حنان كانت فرحت الأب كبيرة وتنبأ بالفرح والنجاح، حيث بعد ولادتها جائه تعيين للعمل في المدينة، كمدرس ومن هنا بدأ السعد .يضحك للعائلة ولراوية التي تزوجها سي البشير مدرس القرآن، فأصبح سي البشير يعالج المرضى وتأتيه شخصيات حتى من الطبقة المثقفة، وتحسن وضعه المادي ورزق بأبناء آخرين هما صالح وسعاد ورقية،

وضع الروائي مصطفى بوغازي في هذه الرواية الكثير من العادات والطقوس التي كانت تمارس من طرف شيوخ القرية لمعالجة وإخراج الجن من المريضة (راوية) . هنا نجد الوصف لهذه الأحداث بملعب دقة وهذا ما يشعر القارئ بأهمية الزمان والمكان والأحداث في الرواية، حيث تخرج عن صمتها البطلة وتعنت والدها الذي اصبح بيته ملاذ لكل أنواع البشر من إرهابيين وقياديين في الدولة،ومجرمين يتعاطون المخدرات، ومدمنين عن شرب الخمر، وتنفتح العائلة على الربح السريع من جلب المال من كل هؤلاء البشر، حتى انتقلت جريمة المخدرات إلى أخوها الذي أمسكت به الشرطة، قصص متشعبة تصف الأحداث الأليمة التي المت بالوطن أثناء العشرية السوداء والذي اختلط الحابل بالنابل.

حنان التي أرادت أن تنجح بطريقة كانت وكان عارف والدها ساعدتها من اجل إتمام دراستها والدخول في سلك التعليم، هذا ما أضاف لها العديد من الفرص والحظ للظفر بفراس أحلامها، وتحقق ولو جزء بسيط من سعادتها التي لم تذقها في حياة والدها المتشعبة، والخرافية التي ترفضها في داخلها لكنها مرغمة على المشي قدوما فيها .

ويسافر بنا الروائي مصطفى بوغازي عبر الأحداث المتشعبة إلى نهاية صادمة غير معهودة يكتشفها طارق مدير دار النشر في نهاية الأحداث،بعد معاناة مع المرض سرطان الثدي الذي أود بحياتها وهي لاتزال تحمل في أفكارها أحلاماً يافعة لم تتحقق بعد تحمل المشعل ابنتها دعاء، وتريد ترتيب أوراقها، أو مخطوط كتابها الذي تركته حنان، ليضع القارئ وبطريقة ذكية على نفس الخط مع الشخصية الرئيسية ككل القصص الخالدة، والكلاسيكية، بموت البطلة، رغم النهاية المؤلمة للرواية إلا أن القارئ يشعر عن هناك بقية القصة التي تلد مع ابنة البطلة، القصة الألمية والمتشوقة والمتشعبة أخذتنا الروائي إلى شعابها وملاذها وعنفوانها ولغتها الراقية الجميلة، وأجاد الكاتب في سبك أحداثها وعرض الأفكار العديدة من خلال تلك الأحداث الواقعية التي حتماُ ستؤرخ حقبة معينة ومهمة، من تاريخ الجزائر الجريح.

 

الأديبة والصحفية سليمة ملّيزي

 

احمد ختاويبناء الاسوار الحسية في قصة "الاحتراق في ظل الموت" للآديبة الالمعية هيام فؤاد ضمرة ينبعث من مواجع "ندين"

بدءا بمساءلة الفقد كوجع في مكنون المكان الحسي كمعطي شعوري، استنباطي، في مخيال القاصة، الاديبة فؤاد هيام ضمرة، كمقوم تفاعلي لهندسة مستنبط آخر في مكنون الزمكانية الحسية بمنظور تقاطع المكان بالزمن الحسي دائما / الحس / المشفى . ..

التقاطع بين الحسي والادراكي في مفعول حركية الاصطبار بأسئلة الدلالة وعلائقها بين الممكن واللاممكن .جلب - حسيا * لا زمكانيا بانبعاثية قصوى في عبثية الوجودية - حيث الدلالة والتدليل ومسار التراجيديا ومقارعة مجاهلها ومآلاتها تربعت على عرش هذا التجلي.

تقاطبات وتجاذبات هذه الوسائل الحسية جعلت أيضا من ملفوظ الانين صياغة بينية

تراجيدية بشكل استوائي في غاية الاهمية والعمق والتناول والتداول على صعيد الخطاب السردي، و"تسريد" المباني والمنحنيات الكامنة في عمق المأمول والمحلوم به

بدءا بأول زفرة الى غاية المشفى ومساءلة البرزخ كمقوم روحي ودلالي لبناء هذه الاسوار في عملية " تسريد " ندين " كمعطي، وكمفصلية في توطين هذا البرزخ في المعطي الادراكي المتأجج..

المحلوم به في سياقات ممكن ولا ممكن البرزخ كمفصلية محورية جعل أيضا من القاصة والاديبة الأردنية الكبيرة فؤاد هيام ضمرة بمراسها أن تتبنى قيّم " وهن التمنى " رذاذا لا يجلب مطرا أو فألا، بقدر ما يستجيب لقدرية المحتوم، لا المحلوم به وإن كانت في مخيال القصة والمخيال ضربا من ضروب الاستشراف في البناء الواعي لما ستؤول اليه مجريات ومسارات القصة، وهذا لا يصدر إلا من وعي أديبة مقتدر أوأديب مقتدر، قدير يحسن فن السرد وترويض الشخوص من حجم الاديبة الالمعية فؤاد هيام ضمرة . وهذا ما حصل في " الاحتراق في ظلال الموت "...

وعند القاصة معا من أنه سيكون إحدى البدائل في الدار الاخرى، لم يتضح هذا مأملا وإنما ظل عائما محلوم به هكذا كان استشراف الادبية الالمعية الاردنية في الاحتراق في ظلال الموت...

الأديبة الاردنية الكبيرة فؤاد هيام ضمرة حين تؤكد / ..قولها:

" ياه يا راضي.. ما أضعفنا نحن البشر حتى ونحنُ نُحاول أنْ نرتدي ثوب التجالد والقوة، يتبدى الهول في داخل أعيننا، فالضعف فينا يشف كما الزجاج من تحت جلودنا، إنه أقوى منا، ينتظر فينا اللحظة الحاسمة ليتفجر من عمق مكنوننا، فإذا به قد غدا قيحٌ يأكل داخلنا ويفتت عضدنا، الحكمة العلمية تقر بحاجتنا التعبير عن مكنوناتنا واستخراج الضغط الجاثم على صدورنا، والحكمة الروحية تطالبنا حسن التصبر والتجالد وتمنحنا عليه " أجراً، فأين نحن منهما؟ " لتدحض ذلك في ارتداديتها هذه السردية في قولها " :

" مكتوب عليك أيها الإنسان أن تحتمل قهر القاهر الأكبر، ذلك الموت الذي إما يباغتك فيجفلك بالقهر أو يبتعث مسنناته ليحفرك بالأخاديد مُجرَّحاً، وبكلا الحالين فأنت مشروعه الأكبر للألم المُضني وانهيارات الأحزان "

لتؤكد ايضا في تقاطع وجودي، ارتدادي، ضمني مناصفة مع روح التمني فيها أن المحلوم به سيتحقق

تقول في محاورة هذا الممكن / اللاممكن : :

- "هلْ تدرين أني سأتمنى على خالقي أنْ تكوني أنتِ حوريتي في الدار الآخرة!؟ "

فترد الأنات والزفرات الحسية :

"جفلني كلامك، شعرت أني اخترق مكاناً ضيقاً يخنق أنفاسي، لقد أعدتني بسرعة عجيبة إلى ظلال الموت، وكان انقشع لبرهة يسيرة عني، هربت من براثنه في وقت كان يتلبسني كجلدي، لا يسمح لي بالابتعاد بضع هنيهات، فقد كانت أنيابه قريبة من عنقي، يوشك أن ينقض ماصاً آخر قطرات دمي "..

هنا ينام المحلوم به بين دفتي المخيال والتخييل معا في الماورائي الحسي و ما ينسجه ذات المخيال من تأمل وارتباك الذات في هذا التجلي ايضا، قولها :

"صباح ذلك اليوم الذي بدا كئيباً منذ لحظته الأولى، وقد احتقنت السماء بغيوم صيفية جافة تدفع القلب إلى الانقباض، تسحبت بأرَقي الليلي بعد صلاة الفجرلأتمدد بملابس صلاتي على الأريكة الكبيرة في صالة المعيشة، لتسحبني غفوة عطشى إلى شاطئها المتباعد، لم يكن قد مضى على غفوتي كثيراً حين وجدتكَ فوق رأسي تستنجدُ بي"

"ندين.. ندين؛ أنظري كأن خطواتي لا تأخذ لها استقامة، أحس بانحراف اتجاهي رغماً عني .. أرجوكِ راقبي سيري.. هل تلاحظين ذلك؟"

هذه الرهافة الحسية في مغازلة الممكن بمنأى عن حتمية ما يخبئه البرزخ كنهاية لكل هذه التجاويف المخيالية لتكون حجة قدرية بفعل القدر ذاته من منظور أزلية الرؤي و الرؤى معا ..

المبنى التصاعدي على صعيد المعمار الهندسي في خطاب " التسريد في قصة " الاحتراق في ظلال الموت "...

للقاصة الاردنية الكبيرة فؤاد هيام ضمرة أججتْ،

الاقاليم الحسية في مبانيها، حيث

تنامت جذورها البنائية من صيغة المتكلم والمخاطب ليتقاطعا بتىوين الدلالة والمبنى توافقا وانسجاما

وظائف تلاوين الخطاب السردي في ذات القصة لم تبحر - عبثا - خارج تأطير المبني الحسي كمفصلية في البُعد الدلالي الزمكاني - حسيا - باستثناء وتبة واحدة في التعاطي مع الزمكانية في ثنائية المعطي (المشفى) كمكان جامد، فيما توزعت تضاريس القصة على أقاليم حسية ومحيطات إدراكية تنبئية شعورية .

شمولية تأسيس المبنى الخطابي في منحاه " الحفري " بحثا عن المأمول ..و.مقاومة البطلة ندين " والخوف من طلائعية البرزخ كمقدام من وراء وجود ميتافيزيقي قد ينخر ويغدر بذات الذات المتأججة، الذات هذه التي جعل منها أيضا بوابة مناولة لقدر مجهول، كمن يسند له مشروع بناء وهو ليس المقاول الحقيقي .

في سياقات هذه القصة وحده البرزخ من يملك تأشيرة الوصاية على القدر المحتوم لا المحلوم به .والذي توجست منه غريمته البطلة " خيفة ليس كمأمل موعود به بالدار الاخرى وإنما كشبح يسكن ريب البطلة .. ويؤرقها .

تستعيذ منه، كما تتودد له -- عند انهيارها - كمعطى حسي جدير بأن يخلق الفارق التأملي في ما تسعى اليه

لكن هذا البرزخ بوصفه طرفا معاندا لا يستجيب ..

ويظل طرفا مخيفا، هاجسا يسكن مجاهل توددها

تؤكد ذلك في قولها

" لست أدري أيها الغالي أكنتَ أنتَ مَنْ يُسارع الخروج مِنَّ الحياة، أم أنَّ الموت كان يستعجلُ اختطافك.. لكنه القدر يا عزيزي وقد قال قولته الأخيرة وأغلق بعدها الكتاب، القهر الأبدي الذي وُجِدَ للسع قلوب البشر وحفر أثر الفقد عميقاً، النهاية الحتمية التي نخطو كل خطوات الحياة لنصل محطتها الأخيرة شئنا أم أبينا، نعبر بوابتها إلى عالم برزخي مجهول المعالم "..

.. اللسعة تجيء - إصرارا - من هذا العناد

ويستسلم التودد والاستعطفاف لجبروت البرزخ كسلطة فوقية تسكن مجاهلها ومجاهل الماورائية

فتستلسم في كل محاولة يائسة منها، وترضخ لمبارزة خرجت منها مصلوبة على أعمدة القدر بحتمية هذا الاخير

قولها "في تأكيد ثان"

"حط الموت بضخامة جناحيه مغلقاً كل احتمالات التصابر ليخذل عقلي، ويقهر أملي، ويصعق تلافيف دماغي صعقته الأشد، ليس فقط لأنه هلهل سقف حياتنا بافتقادك وأطفأ شعلة الحياة فينا، بل لأن ما بعد فقدك كان هناك منا من جعلنا نسيرُ على حافة الجُرف على رؤوس أصابع أقدامنا، وفي القاع فك يوشك على افتراس احتمالنا، فلا قائد لنا بعدك ولا ظهر نتكئ على صلابته، فبغيابك فقد الملاذ دفئ زواياه وحط الصقيع فصلا طويلا لا ينقطع "

تبدد كل شيء في هذه النهاية المفتوحة،

برزخ يمكربها بشهية القسوة، يعكر مأملها وأن بدا مستحيلا ...

ويمتزج المخيال وتظل المناولة حجر أساس لمشروع حياتي غامض وميؤوس منه في

قصة ظلت معفرة بالزفرات

خاصة الزفرات التالية التي طرحتها ارضا على الحلبة

هذه المدخلية الراضخة

" فلا قائد لنا بعدك ولا ظهر نتكئ على صلابته، فبغيابك فقد الملاذ دفئ زواياه وحط الصقيع فصلا طويلا لا ينقطع ".

يرتطم هاهنا المبني بالدلالة بالمأمول بالمحمول به بواقع صلب دخوله يقتضي ويقاضي في ذات الاوان أوراق شجرة التوت، رمز الاستمرارية أو شجرة الصفصاف، أو حتى انين الاطفال، وتنهيدات " تدين " أو نظرات الزائغة تغرق في فراغات أخرى، ليس بالضروة أن تلد أوراق توت أو حتى إذا تم تلقيمها أو تلقيحها بمآلات أخرى فإنها قد لا تلد منافذ حياتية أخرى " بقارس معقود على نواصيه المأمول المرتقب والامل المفقود ..

النهاية في فك المخيال ها هنا انتشلتها الاسوار وإن بدت عبر مسار القصة مأمولا وحورية منتظرة ..وتطمينات قدرية قد تبدو مسستبعدة ..من منطلق رؤية البطلة بأن البرزخ شبح وهو من أخذ أبو راضي بقوة قانون القدر ..

..لترتد مباني الارتدادية الخطابية في صيغة المخاطب فتذرف تلك الزفرات مطرا عقيما،

تقول في هذا السياق "

" نظرات زائغة تغرق في الفراغ"

ليسدل الستار ويعفر على لسانها

نظرات زائغة تغرق في الفراغ .. في وحل موميات المحتوم لا المحلوم به

 

كتب أحمد ختاوي / الجزائر

 

1113 منية الجبالي"خواطر" تقصدت فيها الكاتبة الافصاح عن أحاسيسها وفق تلقائية سردية بشحنة من الوجدانيات..

الذات في حلها وترحالها تقتحم عوالم البوح قولا بالكينونة تحتفي بشواسعها وهي تراوح بين تلوينات شتى من الحلم والأمل والرغبة وفق ضروب الكتابة بما هي شجن ولوعة وسلوى ومساحة وجد .. الذات تعلن عناوين تفاصيلها حيث الكلمات موسيقى من نهوند وصبا .. انها لعبة الكتابة بما تتيحه من تجليات الذات تكشف حيزا من الاعتمالات والهواجس والأحاسيس.. والذكرى.. الذكرى الحية المتجددة تجاه المنشود والمرغوب ..

من هنا نلج عوالم الكتابة عند الكاتبة منية الجبالي التي صدر كتابها مؤخرا بعنوان " اليك ترحل الدنيا " عن دار السكرية للنشر والتوزيع بمصر وفي 85 صفحة من الحجم المتوسط.

الكتاب تضمن عددا من النصوص منها " طفولتي " و" صمت " و" الحبر السري " وهروب " ومشاعر خرساء " وثرثرة وهذيان " و" نزيف الشوق " و" نبض قلب " و" عطر كلماتي " و" ذكريات " و" ليتك تعلم ".. .

هذا الكتاب أشار في غلافه الى جنس نصوصه "خواطر" حيث تقصدت الكاتبة منية الجبالي الافصاح عن معترك أحاسيسها وفق تلقائية سردية فيها شحنة من الوجدانيات ولا ترتجي سوى البحث عن ذاتهابين السطور.. وهنا تقول في نصها " توهان في سراديب الحياة " ص38 :

" أكتب لأبحث عن نفسي بين السطور.. لربما تحادثني ذاتي بين الحروف .. علني أخترق صمت روحي فتتكلم وتبوح.. أكتب علني ادون في دفاتري ما يخفيه عقلي.. طفلة يتيمة زادها بعض الكلمات .. قصيدة وأغنيةحزينة.. أكتب حتى لا أرحل دون أن أترك أثرا."

تخيرت الكاتبة شكل الخواطر والخاطرة هي ضرب أدبي ".. كغيرها من الفنون الأدبية متشابهة إلى حد كبير مع أساليب القصة والرسالة الأدبية والقصيدة النثرية(ويكيبيديا) إلا أنها تتميز الخاطرة بأنها غير محددة "برتم" أو وزن موسيقي معين أو قافية وتخلو من التفصيلات فهي تعبير عما يجول بخاطر الكاتب أي تعبر عن حالة شعورية خاصة بالكاتب في قالب أدبي بليغ ويكثر فيها استخدام المحسنات البديعية والتصوير والكلمات القوية أي أنها انفعال وجداني وتدفق عاطفي ومن اسمها (خاطرة) هي خطر على البال مرّ أو ذكر بعد النسيان ويكون وليد اللحظة أو الحين ومدته قصيرة فهي تكتب لحظة حدوث الشيء أو بعده ولا تحتاج لاعداد مسبق ولا تحتاج لأدلة او براهين وقد تتعدد اشكالها ما بين قصر وطول .. ".

في " اليك ترحل الدنيا " تسافر بنا الكاتبة الى عالمها الزاخر بالذكرى وبما تنشده هي كذات حالمة يهزها الشجن والحنين ومن حنينها الخصب نذكر ما جاء في نصها حكايات المطر " ص 65 :

" أذكر صغيرة ابتهاج أمي بهطول الأمطار فهي ابنة فلاح والمطر بالنسبة لها استمرار للحياة أما أنا فلي مع المطر حكايات وروايات.. صغيرة كنت أرفع رأسي الى السماء أفتح فمي وأحاول الارتواء.. صغيرة كنت أفتح يدي لأحسب قطرات المياه ثم أركض وأركض أسابق الحياة.. صغيرة كنت أفرح وأمرح وأبلل وجهي وشعري ولبسي وجسمي وكلي والآن جدا كبرت لكنني لا زلت كما كنت."

انها كتابة مفعمة بالاحساس الدفين تجاه التفاصيل بما هي عنوان وجد وحنين تقود الكائن الى ذاته في كون معولم ينمط العناصر والأشياء والتفاصيل فهذا النص هو في خانة الذاكرة الحية التي هي مجال قول بالهوية والشخصية والخصوصية في أدق حميميتها وصدقها.. الكاتبة تسعد فقط بما تذكره من تفاصيل أهملت في أيام الناس هذه ليعم الهوان والسقوط المريب..

في نصوص أخرى تخاطب الكاتبة منية الجبالي من تحلم به واقعا ومتخيلا يقاسمها الاحاسيس يلائم صورة وفكرة وكيانا ما بخيالها تعيش على ايقاعه من زمان ويشكل الهاجس والمنتظر .. هي ترسم بهذه الكلمات البورتريه المنشود لهذا الكائن الحبيب والرفيق والسكن أمسها والغد.في نص بعنوان " من أنت " ص 92 تقول :

" أتعلم من أنت عندي.. أنت عندي فرحة سكنت روحي .. أنت بسمتي .. ربيع عمري ونور فجري .. أنت سكينتي وتوازني .. جميل ما يسري في دمي .. أنت حاضري غدي وأمسي .. أنت عندي وطني وموطني.. ".

الكتاب تضمن في قسم منه نصوصا جاءت باللغة الفرنسية وبنفس الاسلوب وهي من ترجمات الكاتبة كما كان الغلاف من تصميم شادي راغب .

كتابة رامت من ورائها صاحبتها الكاتبة منية الجبالي القول باللأحاسيس والحنين تجاه الكائن الساكن فيها فكرة وشكلا تتقصد الرحيل تجاهه بل هي حشدت له دنيا من الشوق والكلمات .. " اليك ترحل الدنيا " خواطر الذات للنظر بعين القلب لا بعين الوجه..

 

شمس الدين العوني

 

عبد الله الفيفيمن غرائب مآخذ (ابن معقل الأزدي، -644هـ= 1246م)، في كتابه «المآخذ على شُرَّاح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي»(1)- وهو يَرُدُّ على (ابن جنِّي، -392/ 393هـ=1001/ 1002م)، في شرحه شِعرَ أبي الطيِّب، في كتابه المسمَّى «الفَسْر»- ومن طرائف فهمه للشِّعر، أنْ قال:

«وقوله: نَزَلْنا عَنِ الأَكوارِ نَمشِي كَرامَةً ... لِـمَنْ بانَ عَنهُ أَنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبا

لم يذكُر معنى البيت، وهو من أغرب المعاني وأحسنها. يقول: نزلْنا عن إبلنا نمشي إكرامًا للمَحبوب الذي بانَ عنه؛ أي: لم يَعْلَم أنْ نُلِمَّ به، أي: بالرَّبع، رَكْبًا، أي: لو أَلْمَمْنا به راكبينَ، لم يَعْلَم بذلك لبُعده عنه، ولكنَّنا أَلْمَمْنا به ماشينَ كرامةً له. فأنْ والفعلُ في موضع رفعٍ بأنه فاعلُ «بانَ عنه.«»

وأقول: لم يشرح (ابنُ جنِّي) البيتَ لوضوحه وتقليديته. أمَّا شرح (ابن معقل)، وتفسيره قول أبي الطيِّب: «لِـمَن بانَ عنه» بأنه يعني: لِـمَن «لم يَعْلَم أننا نُلِمَّ به- أي: بالرَّبع- رَكْبًا...»، فتكلُّفٌ خواء من فهم أساليب الشعراء في التعبير والتصوير. وإنَّما أراد الشاعر القول: «نَزَلْنا عَنِ الأَكوارِ نَمشِي؛ إكرامًا للمحبوب- الذي بانَ عَن الرَّبْع مفارِقًا- وتأدُّبًا من أَنْ نُلِمَّ بِرَبْعِهِ راكبين». ففي البيت تقديمٌ وتأخير، وأصله: «نَزَلْنا عَنِ الأَكوارِ نَمشي كَرامَةً للرَّبْع من أَنْ نُلِمَّ بِهِ راكبين، وتلك الكرامة هي لِمَن بانَ عَنهُ، وليست للرَّبْع نفسه». أمَّا أن يقول الشاعر: إنهم فعلوا ذلك على الرغم من أن المحبوب غائبٌ لا يدري عن فعلهم، ثمَّ زعمُ ابن معقل أن في ذلك غرابةً بلاغيَّةً استحسنَها، فليس بشيء. وشتَّان بين البلاغة والبلاهة، يا ابن معقل، غفر الله لك! ثمَّ إن ما استغربتَه، يا صاحب المآخذ، ليس بأغرب من مخاطبة الشعراء، منذ أقدم الشِّعر العربي، رسومَ الدِّيار وجنادلَها، وتقبيلِهم ثراها وأركانها، حنينًا لمن بانَ عنها وكرامةً له! كما قال (مجنون ليلَى):

أَمُرُّ على الدِّيارِ دِيارِ لَيلَى ... أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وذا الجِدارا

وما حُبُّ الدِّيارِ شَغَفنَ قَلبي ... ولَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيارا

وقد التفتَ (عبد الرحمن البرقوقي)(2) إلى المعنى التداوليِّ لبيت أبي الطَّيِّب، في مثل قول (السري الرفَّاء) عن الطَّلل:

نَحْفَى ونَنْزِلُ وهْوَ أَعْظَمُ حُرْمَةً ... مِن أَنْ يُذَالَ بِراكِبٍ أو ناعِلِ

ونُعيد القولَ، الذي زعمناه في مقالٍ سابق: إنَّ (ابن معقل) ما ينفكُّ يبالغ في التماس مآخذه على (ابن جنِّي)، حتى يورده التمحُّلُ مواردَ تبدو فيها مآخذه عليه هو لا له. انظر، من شواهد ذلك، كيف يأخذ على ابن جنِّي شرحه، قائلًا:

«وقوله: وأُوْرِدُ نَفْسِي والمُهَنَّدُ في يَدِي ... مَوَارِدَ لا يُصْدِرْنَ مَن لا يُجَالِدُ

قال: أي: مَن وَقَفَ مِثلَ موقفي في الحَرب، ولم يكن شجاعًا جَلْدًا، هَلَكَ.

وأقول: لم يَفْهم المعنى، وهو: إنِّي أُوْرِدُ نَفسي مَوارِدَ من الحَرب لا يُنْجي فيها الفِرارُ، لِشِدَّتها وضِيقها وصُعُوْبَتِها، ولا يُنْجِي فيها إلَّا الجِلاد.»(3)

والحقُّ أنَّ في عبارة «لا يُصْدِرْنَ مَن لا يُجَالِدُ» معنًى عامًّا، لا يتعلَّق بـ«الفِرار» وحده، وعموميَّتها أشعر من الإلحاح فيها على فكرة الفِرار؛ فمَوارد الهلاك لا تُصدِر مَن يَرِدُها، لا بالفِرار ولا بغيره، ما لم يكن الجِلادُ منجاةَ الواردين. ومن هنا فتفسير (ابن جنِّي)- كما ترى- أنسب وأحصف وأوجز وأشعر.

وكذا قال (ابن معقل) (4):

«وقوله: عَرَضْتَ لهُ دُوْنَ الحَياةِ وطَرْفِهِ ... وأَبْصَرَ سَيْفَ اللَّهِ مِنْكَ مُجَرَّدا

قال: لمَّا رآكَ لم تَسَعْ عَيْنُهُ غيرَك لعِظَمِكَ في نَفسِه، وحُلْتَ بَيْنَه وبينَ حياتِه فصارَ كالميِّتِ في بُطلانِ حواسِّهِ إِلَّا مِنك.

وأقول: وهذا الذي ذَكَرَه ليس بشيء!

والمعنى: أنَّ الدُّمُسْتُقَ لمَّا رأَى سيفَ الدَّولة خافَ منه؛ فلِشِدَّةِ خَوْفِهِ كأنه حالَ بينَ طَرْفِهِ وحياتِه...».

وفَهْمُ (ابن معقل) مُسِفٌّ عن فهم (ابن جنِّي)، ومع ذلك فهو يرى قول ابن جنِّي ليس بشيء عند قوله! فما الجديد في قول ابن معقل: «إن الدُّمُسْتُقَ خاف من سيف الدَّولة، فكأنَّه حالَ بينَ طَرْفِهِ وحياتِه»؟! وليس هذا سِوى تكرار لبعض عبارة ابن جنِّي، بل تكرار لقول الشاعر نفسه: «عَرَضْتَ لهُ دُوْنَ الحَياةِ وطَرْفِهِ»! على حين شمل تفسير ابن جنِّي: معنى عِظَم الممدوح، حتى لم يَعُد الدُّمُسْتُق يرى سِواه. والقول: إن حيلولة الممدوح بين الدُّمُسْتُق وطَرْفه حيلولةُ فَناء، لا حيلولة نَظَرٍ فقط. كيف لا وهي حيلولة سيفٍ بتَّار، في حَدِّه الحَدُّ بين الحياة والموت!

فأيُّ التفسيرين ليس بشيءٍ، يا (ابن معقل)؟!

بل بلغ الأمر بـ(ابن معقل) مبلغَ الجهل، أو التجاهل، شغفًا بأن يعيب (ابن جنِّي). حتى ليقول:

«وقوله: رَأَيْتُكَ مَحْضَ الحِلْمِ في مَحْضِ قُدْرَةٍ ... ولو شِئتَ كانَ الحِلُمُ منكَ المُهَنَّدا

قال: أي حِلْمُكَ عن الجُهَّال عن قُدْرَةٍ، ولو شِئتَ لَسَلَلْتَ عليهم السَّيفَ.

وأقول: الجَيِّدُ لو قال: (لقَتَلْتَهُم) بالسَّيف.»(5)

أتُراه لا يعرف أن عبارة «سَلَّ السَّيف» كناية تتضمَّن معنى «القتل» وزيادة؟! فكيف استجادَ عبارته المباشرة القميئة: «لقَتَلْتَهُم» على عبارة (ابن جنِّي) البلاغيَّة: «لسَلَلْتَ عليهم السَّيف»؟!

وختامًا، فإن المتأمِّل في مآخذ (ابن معقل) سيلحظ أن نحويَّة الرجل قد جَنَتْ على الذوق الأدبي لديه، إنْ وُجِد. ولا أدلَّ على غيابه من منظوماته الضعيفة، التي كان يَعُدُّها من الشِّعر، وما هي منه. أضف إلى هذا نزوعه النفسي، المشار إليه سابقًا، لتخطيء الشُّرَّاح، ربما لكي يحظى- واقفًا على مشارف عصر «المستدركات» و«الموسوعات» و«الحواشي» و«التعليقات»- بمثل ما حظي به غيره من أعلام تلك القرون. هذا فضلًا عمَّا كان بينه وبين (ابن جنِّي)، خاصة، «ممَّا صنع النُّحاة»، من أسنَّة المِراء والتلاحي، فجاء تحاملُه عليه وعلى شرحه لافتًا جِدًّا(6).

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

.....................................

(1) (2003)، المآخذ على شُرَّاح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي، تحقيق: عبد العزيز بن ناصر المانع (الرياض: مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلاميَّة)، 1: 21- 22.

(2) (1986)، شرح ديوان المتنبي، (بيروت: دار الكتاب العربي)، 1: 182.

(3)، (4)، (5) ابن معقل، 1: 50، 54- 55، 56.

(6) انظر شواهد هذا التي رصدها محقِّق المآخِذ في مقدمته، 1: 56- 58.

 

جمعة عبد اللهيعجز الكلام والوصف في التجربة والمنجز الشعري للسماوي. لانه وبكل بساطة متناهية. عملاق في القصيدة والشعر. في خلق الصور الفنية المركزة، في السرد المكثف في الرؤية الشعرية الصوتية، في نغم الصوت واللحن والايقاع الموسيقي والشعري. في الابتكاروالخلق في البنية الشعرية. في اللغة الجميلة المدهشة والساحرة في الابهار، دون الابهام والغموض، والتلاعب على المعنى، بل يتوجه بكل وضوح الى المرام والهدف والغرض. بالدهشة في الصياغة الشعرية. هذه مضامين التجربة الطويلة، التي اكتسبت خبرة عملاقة، في الصياغة والتعبير، والرؤية الفكرية والفلسفية، التي تجعل القصيدة تحلق في الآفاق العالية، شكلاً ومضموناً، وهو يغرف من الشعر الاصيل، المعتق بالنبيذ من خمرته الاصيلة. التي تشد احاسيس القارئ والسامع، بروح الدهشة في النص، الذي يخلق في الاثارة والدهشة. ويجعل القارئ يعيش حالات الابهار في الحلم، تجعله ينسى غصات الالم والوجع في داخله، وينصت الى شعر الموسيقى والايقاع، او بالعكس الموسيقى والايقاع في الشعر. الحالمة التي تشفي الجراح الوجدان . هذه روحية النص الشعري، الذي اشتغل ويشتغل عليه السماوي في الشعر، الذي يتناغم مع الحلم والعشق، يجعله حالة وجودية او حياتية بالغة الاهمية، في الحلم المشتهى والعشق المرتجى، لكي يتغلب على الواقع المأزوم والمخنوق، ويمد له طوق النجاة والحياة. يجسدها في استلهام الرمز الاسطوي في الحب والتضحية (إينانا). يجعل الحلم والجمال والتضحية نهر بثلاث ضفاف، تحرسه ربة العشق (إينانا). من اجل الخلاص والانقاذ من اليم الجارف. هذه مكونات استلهام فلسفة العشق وعوالمها العريضة والشاسعة، يصوغها بشمولية عامة، تخرج من الذاتية الفردية الى الاشمل والاعم، في دلالات الايحاء والمعنى الدال. في صياغتها المرهفة في الشفافية. التي تحرث في بناء مدينة الحلم والعشق الفاضلة. كما سبقه الفيلسوف الاغريقي (افلاطون) في بناء مدينته الفاضلة، التي سميت بجمهورية افلاطون، ولكن لعنة الشرق، بأن هذه المفردة (الجمهورية) جاءت بكل الاوساخ والقاذورات والقمامة بأسم الجمهورية، لذلك السماوي يسعى الى بناء المملكة العشقية وحارستها الرمز الاسطوري (إينانا)، في اعادة ترميم اوصياغة الواقع، بالحب والتضحية والعشق (الثالوث المقدس من نهر إينانا بثلاث ضفاف). في سبيل ايقاظ الوعي والعمل (حيَّ على خير العمل). هذه سكة الانقاذ ولا يوجد طريقاً اخراً للبديل، عن الحب والعشق. ولا يمكن ان يكتمل الخلاص إلا بهما. من اجل ايقاف ثعابين التوتر والتمزق والقلق الوجودي. لا يمكن إلا بنهر إينانا بثلاث ضفاف. ويجعلها السماوي مرجعية فوق المرجعيات الآخرى. ولكن لابد من الاشارة البالغة الاهمية. عودنا السماوي على الريادة، في الابتكار والخلق برؤية جمالية مدهشة. في التعبير والرؤية والاستلهام والاستخدام، فقد دأب الشعر العراقي، في توظيف الرمزي الاسطوري لمفردة (عشتار) وقد كثر تردد (عشتار) في قصائدهم، حتى السياب كثر من توظيف (عشتار) في الكثير من قصائده، ولكنه لا يعتبر هذا التوظيف ان يعطيه سمة الريادة في استخدام الرمز الاسطوري (عشتار) لان الكثير من الشعراء من سبقه، استخدموا هذه المفردة أو المصلح الاسطوري في قصائدهم . بينما في حالة السماوي مختلفة تماماً، لم يسبقه شاعر من قبل استخدم المصلح الاسطوري (إينانا) وهذا يحق للسماوي ان يعتبر الرائد في توظيف الرمز الاسطوري (إينانا) لآن لم يسبقه شاعر في توظيف هذا الرمز الاسطوري، وكما هو يحمل الريادة في المصطلحات العشقية، التي لم تخطر على بال احداً في توظيف المصطلح العشقي (عشقائيل) وحي العشق، و(صوفائيل) حكيم العشق. لذلك الديوان الشعري (نهر بثلاث ضفاف) هو موزع بين (عشقائيل) و (صوفائيل). ونقتطف المقاطع الشعرية المختارة من الجانبين:

77 samawi600

1 - عشقائيل:

- للعشق يبدأ بالصلاة مع صوت الأذن. حتى يشعل القلب بنبض الحب أشتعالاً، حتى يتنعم بمطر العشق الغزير في ضوئه النوراني، لتتفيء الصحراء بظليله، وتفيض الينابيع بغدران السلسبيل من اطياف الجنة .

قـبـلَ الـنـداءِ الـى صَـلاةِ الـفـجـرِ:

فَـزَّ الـقـلـبُ..

صـوتٌ كـالأذانِ أتـى.. أصَـخـتُ الـنـبـضَ..

مَـنْ ؟

فـأجـابـنـي صـمـتـي:

هــو الــمَــطــرُ الـوبــيــلْ

*

فـانـثـرْ بـذورَكَ

آنَ لـلـصـحـراءِ أنْ تـتـفـيَّـاَ الأيْـكَ الـظـلـيـلْ

*

وتـفـيـضَ غـدرانٌ بـأعـذبِ سـلـسـبـيـلْ

*

ألـقـى عـلـيَّ تـحـيَّـةّ الـعـشـقِ الـخـرافـةِ هـدهـدُ الـبـشـرى

وقـال:

يُـخـصُّـكَ الـزمـنُ الـجـديـدُ بـجـنَّـةٍ (قصيدة هبوط إينانا)

- فاكهة العشق وخمرته التي تسقي فسيلة الحب

تأبى كؤوسي غيرَ خمرك

لا تمسكي الينبوع عن عشبي

فناعوري

أبى أن يستقي

من غير بئركِ  (قصيدة تضرع في محرابها)

....................

قبل أن تومئَ ليْ

أن ْ أدخل الفردوس إينانا

وتستقيني

شراباً من هديلٍ

ورغيفاً

من حنينٍ  (قصيدة شراب من هديل)

- ميلاد العشق: لوح الولادة والانبعاث. والصعود الى فردوس الملاك السومرية (إينانا).

مـيـلادُ " إيـنـانـا " الـبـعـيـدةِ بُـعـدَ قـلـبـي عـن يـدي:

مـيـلاديَ الـمـكـتـوبُ فـي الـلـوحِ الـمُـقـرَّرِ قـبـلَ يـومِ ولادتـي

وغـوايـتـي فـي نـشـرِ أشـرعـةِ الـرَّحـيـلْ

*

إصـعَـدْ إلـيـهـا ـ قـال هُـدهُـدُهـا ـ لِـتُـبْـعَـثَ مـن جـديـدٍ:

عـاشـقـاً.. طـفـلاً رضـيـعَ الـلـثـمِ.. مـشـبـوبـاً فـتـىً..

فـاهـنـأ بـمـيـلادِ الـمـلاكِ الـسـومـريَّـةِ أيـهـا الـشـيـخُ الـجـلـيـلْ

*

كـيـف الـصـعـودُ ـ أجَـبْـتُ ـ مـولايَ الـبـشـيـرَ

الـى جـنـائـنِ ربَّـةِ الـمـطـرِ / الـجـمـالِ / الـحـبِّ " إيـنـانـا " ؟

أنـا الـحَـيُّ الـقـتـيـلْ  (قصيدة هبوط إينانا)

- مواثيق الحب: وصايا الحب هي مواثيق عشقية مقدسة. فلا يمكن ان ينال مرتبة العشق إلا بحفظ مواثيق الحب والعشق.

قالتِ العشق مواثيقُ

فلا عشق إذا لمْ تحفظِ الميثاقَ

ما أشرقت الشمسْ

وما آذانَ بالنجم الغسقْ

ليْ تعاليمي التي أوصى بها

رب الفلق

لا تكن

ذئباً على الظبيةِ والظبيِ

ولا سبعاً على الشاةِ

ولا إن شبتِ النارُ

ورقْ  (قصيدة وصايا إينانا)

- هبوط العشق:

هبوط رمز العشق الاسطوري (إينانا) لتنقذ البيدر والنهر من الجفاف، لتفتح طريق لميلاد العشق، فغدت دجلة والفرات بهاء في موجة النعمة، وفساتين خضرة للواحات.

هـبـطـتْ إيـنـانـا مُـنـقـذةً..

فـغـدَتْ دجـلـةَ

وأنـا صـرتُ فـراتْ

*

فـأعـادتْ لـلـنـهـرِ الـمـوجـةَ

والـوردةَ لـلـروضـةِ

وفـسـاتـيـنَ الـخـضـرةِ لـلـواحـاتْ (قصيدة حزمة قصب سومري)

- طقوس العشق: ربما في بعض الطقوس في الحب، تحمل غرابة في المراسيم، من الفرح الى العسر، او من الابتهاج الى الحزن وبالعكس. ولكن رغم هذا وذاك، فعذاب الحب احسن عذاب ودلال. في شروقه وغروبه.

لا تسلني

عن طقوس العشق

في بدءِ شروقٍ

أو

نهايات غروبِ

لا مراسيم لعشقي

غيرَ أن أفنى هياماً

بحبيبي

ربما أضحك من حزنٍ

وأبكي من سرورٍ..

فأنا

مختنق حيناً

وأحيانا

صداحُ العندليبِ    (قصيدة طقوس العشق)

2 - صوفائيل: حكيم العشق وبصيرته النافذة.

- القسمة العادلة، مال الله لله

ما لقيصر من العروش والكنوز هي لولاية العشق. العشاق هم وحدهم ورثة بركات ونعم الارض، وليس لقيصر والاباطرة.

لـلـهِ مـا لـلـهِ

لـكـنْ

مـا لــقــيـصـرَ مـن عــروشٍ لـيْ..

ولـلـعـشـقِ الـولايـةُ..

نِـعـمَ دِيـنـاً عـشـقُ " إيـنـانـا "

وأكـرِمْ بـالـخـلـيـلـةِ والـخـلـيـلْ (قصيدة هبوط إينانا)

- الاستقامة والعدل والشموخ بالحق، فلا تنحني للمنبوذ والناقص واللئيم. ولا يمكن للغصن الفاسد، ان يخضر سنابل وأزهار. وكن سوطاً على الجاحد ومغتصب الحق حتى لو اظلم الدرب.

لا تـمُـدِّ الـيـدَ لـلآفِـكِ والـمـنـبـوذِ

والـكـامـلِ نـقـصـاً

وسَــفـيـهٍ ذيْ مـجـونٍ وحَـمَـقْ

*

ولـئـيـمِ الـجـذرِ والـغـصـنِ

فـإنَّ الـغـصـنَ نـسْـلُ الـجـذرِ..

هـلْ يُـثـمِـرُ غـصـنٌ فـاســدُ الـجـذرِ كـرومـاً وحَـبَـقْ ؟

*

كُـنْ عـلـى الـجـاحـدِ ســوطـاً..

ونـدىً لـلـوردةِ الـعـطـشـى..

وإنْ أظـلـمَ دربٌ

كُـنْ ألـقْ (قصيدة وصايا إينانا)

- العمر: لا يقاس بالسنين، وانما يقاس بسنين وولادته بالعشق .

فـأضـافـتْ:

كـم مـن الـعـمـرِ لـكَ الان ؟

فـقـلـتُ:

الـعـمـرُ قَـيْـد الـبـدءِ مـولاتـي

فـإنـي لـم أزلْ نُـطـفـةَ عـشـقٍ فـاحْـبَـلـي بـيْ وانْـجِـبـيـنـي..

ربـمـا أصـبـحُ فـي الـعـشـقِ ولِـيَّ الأولـيـاءْ

- الجهد الحياتي يحتاج الى سباق ومعاناة ولهاث. وسهرالليالي بالارق، هذه خلاصة الحياة المضنية بالتعب، لا بالرفاه والترف، والنوم على وسادة الحرير.

مـنـذ دهـرٍ

وأنـا أركـضُ وحـدي

فـي سـبـاقِ الـفـوزِ بـالـجـنَّـةِ

أو بـئـس الـمـصـيـرْ

 

مـرةً يـسـبـقـنـي الـلـيـلُ وأخـرى أسْــبـقُ الـصـبـحَ..

وفـي الـحـالـيـنِ:

وحـدي أركـضُ الأشـواطَ والـدربُ ضَـريـرْ

 

لـيـتـنـي أعـرفُ:

هـل كـنـتُ بـهـا الأوَّلَ ؟

أمْ كـنـتُ الأخـيـرْ ؟

- جهر بالحقيقة: وقولها دون خشية وخجل وتردد، أزرعها لتثمرثماراً في الجهر والكشف الباطل، فكل شيء زائل إلا الحقيقة باقية تضحك بوجهها الباسم، مثل للنار لا يمكن ان تضحك إلا بالحطب. والحقيقة مثل الازهار تشمخ بعبير عطرها.

ما العيبُ في قولِ الحقيقة ؟

هل تكون النارُ ضاحكة اللهيبِ

بلا حطبْ ؟

أم تستحي الازهارُ من عبقِ العبيرِ

ومن سُلافتِهِ العنبْ ؟

فأنا الفراتُ

وأنتِ دجلةُ

والسريرُ بكوخنا شطُ العربْ  (قصيدة جهر)

......................

- ولابد من الاشارة الى المقدمة الرائعة بقلم الاستاذ النقد المعلم الكبير عبدالرضا علي

- الديوان الشعري: نهر بثلاث ضفاف

- اصدار: مؤسسة المثقف العربي / سدني / استراليا

- المؤلف: الشاعر يحيى السماوي

- الطبعة الاولى: عام 2019

- لوحة الغلاف: بريشة الفنان عبدالله الشيخ

- عدد الصفحات: 146

 

جمعة عبدالله

 

ضَجَّ التاريخ العراقي منذ القدم بهويات متعددة ومختلفة واحياناً متناقضة بحكم تنوع المكونات الاجتماعية التي تعيش فيه (الدين، العرق، الاثنية) فالمؤرخ او الروائي كتب سرديته من منطلق ايديولوجيته والايديولوجية هي بحد ذاتها نسق ثقافي غالباً ما يهمن عليه التلفيق والتزييف والبعد عن الحقيقة، فالكلّ يكتب بدافع الانتصار لجماعته التي ينتمي إليها. رواية فكشنري الصادرة العام الحالي عن دار المدى للروائية ميسلون هادي التي أعادت فيها صياغة التاريخ العراقي في مرحلة الاحتلال العثماني وبداية الحرب العالمية الأولى فجلعت بطلها (الاحمداني) يشارك في الحرب العالمية في صف محتلي أرضه اذ تقول على لسان البطل حين التحق بالجيش العثماني: (دخلتُ إليها، مع عشرين شاباً اقتادتهم الحكومة كجندي مكلف يطلقون عليه اسم جندرمه نفر. ص 126)، ثم تستعرض الروائية ذاكرة الموروث الشعبي في تلك المرحلة بدءاً من مشهد ولادة الاحمداني الذي ولِدَ ميتاً لولا تدخل القابلة (الجدة زيتونة) التي بذلت جهداً في إحيائه من موت محتم ولاسيما حين خطف إخوته الصبيان بطرقٍ مختلفة ولم تبقَ سوى أخته اسيا ثم تسرد الكاتبة ميسلون مشاهد كثيرة عن تلك الطقوس الشعبية وكذلك الدينية التي استُلت من الشعبي وغُلفت بغلاف ديني حسب معتقدات عامة الناس وهذا السرد غيب عن الرواية التحبيك، اي صياغة الحبكة التي تعد مجموع من التنسيقات والترتيبات التي تتحول من خلالها الاحداث المتناثرة الى حكاية منسجمة وذات معنى، فدخلت الرواية في السرد التاريخي لكن بشخصيات شعبية حسب نظرة ما بعد الحداثة للتاريخ حين سلطت الضوء على الشخصية الهامشية بدل من الابطال المشهورين، وتحديداً في شخصية (شرار النار) التي جعلتها الروائية كمعلم وأبٍ ثانٍ للأحمداني ومن هنا ينطلق السرد في تصوير الاحداث التي وقعت في تلك المرحلة ومن اهمها إنشاء العثمانيين خط سكك الحديد، ودخول التصوير الفوتوغرافي حين قام المصور نعيم بتصوير الأماكن المهمة في العراق، حتى طوب ابو خزامة أخر مَعْلَم من معالم الحرب بين الفرس والعثمانيين . نلحظ أن السرد جاء في الرواية مسلطاً الضوء على التراث والأحداث التاريخية وما ادخله العثمانيون من عادات إلى البلد، وهذه ليست موضوعات أصلية بالضرورة، وليست شيئاً خاملاً او سلبياً دائماً، بل هي (موضوعات نفعية يتم توظيفها واستخدامها لخدمة اغراض ومقاصد معينة من أجل إقصاء هوية ما، وإعطاء هوية أخرى تماسكاً واطراداً ومكاناً في العالم) وبهذا هيمنت الهوية القومية على الرواية حين لجأت الكاتبة الى سرد تفاصيل الأمة وسرد تاريخ اجدادها المؤسسين وسرد الوثائق الاصلية اذا تقول لسان الأحمداني (توبة هو الذي قال لي بأنه قد ولد في العام الذي دخل في الحوت الى نهر دجلة ووصل الى قصبة النبي عزرا المعروف بالعزيز وقد حدد دخول الحوت بالعام 1880 احد موظفي شركة الملاحة المعروفة بشركة بيت لنج، وهو اسكندر جوزيف زفوبودا وكان هذا الكاتب قد بدأ يدون كل يوم، وبدون انقطاع تصرفاته ومشاهدته .. ص 129) . فمثل هذه السرد كثير في الرواية الذي رصد مرحلة الاحتلال العثماني وكما قلنا بأنه كون هوية الساردة في الوقت الذي تبعثرت فيه الهوية المركزية العراقية، فمنذ عملية التحول السياسي في العراق عام 2003 تمزقت الهوية القومية و التي اثبتت فشلها في مجتمع متعدد الطوائف والديانات والقوميات ؛ لذا أصبحنا بحاجة الى هوية جامعة تلم تلك الهويات المبعثرة . بعد ذلك تعود الروائية الى اتخاذ القومية مرة أخرى هوية مركزية ولا سيما حين اتخذها النظام السابق ذريعة لإقصاء جميع الهويات الفرعية في العراق . وبهذا استعادت الروائية تلك الهوية حين كتبت الرواية بطريقة اصطفائية بدافع الانتصار للايدلوجية التي تنتمي إليها، وهذا ما يحرض الآخرين على كتابة تاريخ هويتهم بالطريقة ذاتها ونكون قد وقعنا في أزمة الهوية مرة أخرى .

 

موج يوسف

 

عدنان حسين احمدصدرت عن دار "أروقة" في القاهرة رواية "طيور الأحواز تحلّق جنوبًا" للشاعر والروائي الأحوازي محمد عامر الذي تندرج غالبية كتاباته الشعرية والنثرية ضمن أدب المقاومة الأحوازية. ورغم إقرار الكاتب بأنّ روايته "حقيقية الأحداث" إلاّ أنها لم تنجُ من الخيال الذي يتسرّب إلى الجملة الروائية ويمنحها نكهة خاصة تُخفّف من ثقلها الواقعي الذي تنوء به منذ مُستهل الرواية حتى خاتمتها المدروسة بعناية فائقة.

تعتمد ثيمة الرواية على المذكّرات الشخصية التي تتعالق مع بعض الوقائع والأحداث التي ارتبطت بالثورة الإيرانية التي فجّرها الخميني من منفاه الباريسي عام 1979 وأزاح الشاه محمد رضا بهلوي، وتعهّد منذ تسنّمهِ سدة الحُكم بتحقيق العدالة، وإعادة الحقوق المسلوبة للشعوب غير الفارسية كالعرب والبلوش والكُرد والأذريين لكن ما إن ترأس الشيخ محمد طاهر الخاقاني الوفد الثلاثيني وطرح مطالب الشعب الأحوازي حتى تجهّم الخميني ورفض المشروع، ووصف انتفاضة المحمّرة بالفتنة التي يجب إخمادها فورًا، وسرعان ما التقطت الأجهزة الأمنية هذه الإشارة فأغلقت المراكز الثقافية في المحمرة، وزجّت بالمحتجين والمعارضين إلى السجون والمحاكمات التعسفية التي يشرف عليها صادق خلخالي الملقب بجلاد العصر الذي أمر بإطلاق النار على عبدالرضا شفيع الكناني وحسن دغلاوي من دون أن يسألهما عن الجرم الذي ارتكباه، فلاغرابة أن تتعمّق فكرة المقاومة وتأخذ أشكالاً متعددة أبرزها المشاركة في العمليات الفدائية في عمق الأراضي الإيرانية خاصة بعد قرار تشكيل جيش تحرير الأحواز .

تتكئ الرواية على شخصيتين أساسيتين وهما محمد شفيع الكناني وصديق طفولته بدر معتوق الكعبي اللذين استقيا أفكارهما الوطنية من عبدالرضا شفيع الكناني لكن النسق السردي الذي يسير بخط مستقيم سيعتمد على بدر، الشخصية المحورية التي طوّرها الروائي بدقة وأناة، فهو وفيّ مع أصدقائه، وله علاقات اجتماعية متشعبة، والأهمّ من ذلك هو ارتباطه بقصة حُب مع زهرة، الفتاة التي تعلّق بها لكنه لم يستطع الاقتران بها لأن الموت كان يتربّص به من كل حدبٍ وصوب.

يُكلَّف بدر على مدار النص الروائي بثلاث عمليات خطيرة ينجح فيها كلها بعد التدريب المكثّف عليها، الأولى هي التسلّل خلف خطوط العدو في قاطع ميسان، الهدف منها رصد آلياته الثابتة والمتحركة، ومراقبة مواضعة الدفاعية، وتحديد مواقع المدفعية الثقيلة، وحينما أمضى خمس ليالٍ عاد وفي جعبته معلومات كثيرة. أما العملية الثانية فكانت ثُكنة عسكرية إسرائيلية في حيفا تضمّ آليات وخزّانًا كبيرًا للوقود نجح في تفجيرها وعاد إلى قاعدة انطلاقه سالمًا. وقبل تنفيذ العملية الثالثة يتم احتلال الكويت من قِبل الجيش العراقي فتتوعّد أمريكا بإعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة، وهذا ما حصل فعلاً بعد أربعين يومًا من القصف الجهنّمي المتواصل قبل أن تشرع دول التحالف بهجومها البريّ في نهاية شباط/فبراير 1991 لتندلع في إثره الانتفاضة الشعبانية في محافظات الجنوب كلها، وينهار جيش تحرير الأحواز بسبب الحصار الاقتصادي، ويسبّب في عودة عناصره برفقة عوائلهم إلى الأحواز باستثناء من كانت عقوبته السجن المؤبد أو الإعدام. وعلى الرغم من وجود عمليات أخرى متفرقة تستهدف دوائر المخابرات الإيرانية أو حافلات كانت تُقلّ ضباطًا من الحرس الثوري، أو مقرات للتشكيلات العراقية المُعارضة لنظام صدام حسين، إلاّ أنّ العملية الرئيسة هي تفجير مضخة "مارون 2" التي أوجعت النظام الإيراني وتسبّبت في إيقاف تصدير النفط لمدة أربعة أشهر، وسرعان ما حضر بدر معتوق إلى أذهان العناصر الأمنية المجتمعة في إقليم الأحواز، ووضعوا خطة مُحكمة للقبض عليه وهم المعروفون بنَفَسهم الطويل، وروحهم الانتقامية. وعلى الرغم من أنّ السجين كاظم ديوان كان محكومًا لمدة 35 عامًا في سجن سبيدار إلاّ أنّ المخابرات الإيرانية، التي جنّدته للتعاون معها، تُرتّب له هروبًا مُفبركًا كي يستدرج بدر معتوق ويعيده إلى الأحواز حيًّا. وبعد سنتين من البحث والتقصّي يلتقط هذا العميل الإمّعة خبرًا مفاده بأنّ بدر معتوق موجود في البصرة، فيذهب إلى هناك، ويحدّد هدفه بدقة، ويلتقيه في شتاء 2001 في سوق حنّا الشيخ في البصرة، ويسرد له قصة هروبه من السجن، وما عاناه في عبور الحدود. تعزز المخابرات عميلها بعنصرين آخرين حبكت لهما رواية الهروب من إيران التي يُحتمل أن يُصدّقها بدر ويقع في الفخ الذي نصبوه له. دعاه العميل كاظم ديوان لوجبة أحوازية ولم يترك له فرصة للاعتذار بحجة المفاجأة التي رتّبها له وهناك يُصعق حينما يرى الرائد عبدالله حمزة والسياسي القيادي غازي ضاحي. وما إن وضع اللقمة الأولى في فمه حتى شعر بالدوار وأخذ المخدّر يسري في شرايين دمه حتى سقط مغشيًا عليه، فوضعوه في تابوت معزز بشهادة وفاة، ونقلوه ليلاً في قارب صغير إلى عبادان، ومنها إلى المقرّ الرئيس للمخابرات الإيرانية في مدينة الأحواز لكنهم ما إن فتحوا الكيس حتى وجدوه جثة هامدة، وحينما استعانوا بطبيب كي يفحصه أشار إلى جُرح في يده اليمنى. "لقد حرمهم بموته من نشوة التشفّي، وأذاقهم الهوان حيًا وميتًا، وهزمهم حتى وهو مسجىً أمامهم ". فتشوا جيوبه فعثروا على وريقة فيها حساب لشقيقه الأصغر الذي اعترف جرّاء التعذيب بكل العمليات التي نفّذها بالتعاون محمد شفيع وبدر وآخرين. لم يعترف محمد شفيع فنُفِّذ به حُكم الإعدام بينما كان يردِّد:"عاشت الأحواز حرّة عربية. عاش الشعب الأحوازي الأبيّ".

لم تتزوج زهرة رغم كُثرة خُطّابها فقد كانت تحلم ببدر ليل نهار لكنها بعد ثلاثة أعوام ستوافق على الزواج وتُنجب حفنة أطفال يملؤون البيت وقد أطلقت على بِكرها اسم بدر. وبينما هي تحتضتر على فراش الموت كانت تردّد هذه الأبيات الشعرية:"بدر معتوق يا كُلّي / بدر مو بس أنا وأهلي / بدر حتى النخل يسجد له ويصلّي".

تتميّز هذه الرواية بنهايتها الفنية الجميلة على الرغم من حدثها التراجيدي فبينما كان جسد زهرة يبرد رويدًا رويدًا أغلق بدر عيناه مستسلمًا للقدر وهو مسجىً داخل التابوت وخرج بثياب بيضاء يعلو في سماء الأحواز حيث تلتقيه زهرة، ويطوفان حول المدينة الغافية، ثم يرحلان صوب النأي الأعظم.

جدير ذكره أنّ محمد عامر صدرت له رواية "الاغتيال"، وقد وضع اللمسات الأخيرة على روايته الثالثة "سبعة أيام حُب" التي سترى النور قريبًا. وهناك روائيون عربستانيون قدّموا منجزًا ملموسًا مثل عدنان غريفي، وأحمد أغايي، ومسعود ميناوي، ومريم كعبي، وصادق حسن، وسعيد مقدّم أبو شروق، وعمّار تاسائي الأحوازي وغيرهم. ولابد من الإشارة إلى أنّ هناك قصاصين وروائيين إيرانيين كتبوا نتاجهم الأدبي بالفارسية لكنهم يعيشون في إقليم عربستان نذكر منهم أحمد محمود ونسيم خاسكار وناصر تقوايي وأحمد أغايي وبرويز مسجدي وحسين رحمت وبهرام حيدري إضافة إلى كُتّاب آخرين لا يسع المجال لذكرهم جميعًا لكن قراءة منجزهم الأدبي سيسلّط الضوء، بالتأكيد، على المجتمع العربستاني وإن اختلفت لغة التعبير والكتابة.

 

عدنان حسين أحمد

 

يؤسس المكان وجماليته، اضافة إلى الأنطباع الخيالي لهندسة معماريته حافزاً أساسياً في كتابة الكثير من الأشعار، والقصص، والروايات؛ لأنه -المكان- لا يمر مروراً عابراً، بل هو قيمة عليا،هو البيت، الأمان، الأستقرار، وهذه المواصفات لا تنطبق على البشر فقط، بل أن المكان وانطباعاته يمثل الأمان الأول والأخير للإنسان، والحيوان ايضاً.

وركز "باشلار" على أهمية المكان، وعلى جوهرية البيت القديم، الذي يقصد به بيت الطفولة؛ لأنه الحاضن الأول لطفولتنا، نرسم عن طريقه خيالنا، الذي يمتد معنا العمر كله.

استغل الأدب هذه الجمالية، وأسس عن طريقها الكثير من الكتابات الأدبية، بنكهة خيالية عالية الدقة،" باشلار" ركز على نوعين من الخيال: الأول:الخيال الشكلي، والآخر: الخيال المادي.

أنطلق خيال (نزار قباني) وغيره من الشعراء، إلى توظيف المكان وخياله في رسم صورة العشق .

سأقولُ لكِ " أحِبُّكِ"

حينَ تنتهي كلُّ لُغَاتِ العشق القديمَه

فلا يبقى للعُشَّاقِ شيءٌ يقولونَهُ.. أو يفعلونَهْ..

عندئذ ستبدأ مُهِمَّتي

في تغيير حجارة هذا العالمْ

وفي تغيير هَنْدَسَتِهْ

شجرةً بعد شَجَرَة

وكوكباً بعد كوكبْ

وقصيدةً بعد قصيدَة

سأقولُ لكِ "أُحِبُّكِ"..

وتضيقُ المسافةُ بين عينيكِ

وبين دفاتري ويصبحُ الهواءُ الذي تتنفَّسينه يمرُّ برئتيَّ أنا

وتصبحُ اليدُ التي تضعينَها على مقعد السيّارة هي يدي أنا..

سأقولها، عندما أصبح قادراً،

على استحضار طفولتي، وخُيُولي، وعَسَاكري،

ومراكبي الورقيَّهْ..

واستعادةِ الزّمَن الأزرق معكِ على شواطئ بيروتْ..

إن التصور النقدي الذي يستقر في ذهننا، وجود علاقة ترابطية بين عد اللغة جسداً، والجسد لغة، فالتجربة الشعرية في الأساس تجربة لغة، وهي المادة الأساس للوجود الثقافي، لذلك فإن لكل أديب طريقة، وخيال فردي خاص بذاته وقلمه، في نسج لغة قصائده.

وهذا الخيال الذي صاغ جمالية الجسد عن طريق استغلال المكان، مثل الجسد مكان حيوي للنقش، أي أنه لوحة (فسيفساء) يمكننا عن طريقها-هذه اللوحة- كتابة وقراءة خطابات عدّة.

فالجسد كيان ثقافي، وهو نقطة جوهرية، لأستنطاق المخفي، فهو من الاجزاء الحاضرة في الكيان الثقافي ولغته؛ لأنه يفرض قوانينه الطوعية علينا.

النص يمثل الماضي بلغة الحاضر، إذ أسست (السين) حرف استقبال، ومفتتحاً لنسج لغة القصيدة، وطريقاً عابراً لنطق اصغر واعمق عبارة (أحبك).

ويعمد الشاعر إلى توظيف الفعل المضارع( تنتهي) الدال على استمرارية الفعل، فاللغات لا تتوقف، وخصها بالقديمة؛ لأنها مهد الحب وعفويته، ويعني أن اللغات مستمرة ودائمة عنده( حين تنتهي كل لغات العشق القديمة).

(فلا يبقى للعشاق شيء يقولونه.. أو يفعلونه)، يترأى المشهد أمامنا متشكلاً من مجموعة من العناصر الحسية( يقولونه...يفعلونه)، وخصها بالجمع، أي أن عشقه مميز، ومختلف عن الكل.

الأمر الذي يساعد على تنسيق المشاعر عن طريق الإثارات المتنوعة للصورةالشعرية،ومن ثم تنكشف كل الرموز المغلقة، في فضاء مليء بالوضوح،والمباشرة.

فالحب جاء بصورة بصرية مكانية (شجرة بعد شجرة،كوكباً بعد كوكب، قصيدة بعد قصيدة).

(تضيق المسافة بين عينيك... وبين دفاتري ويصبح الهواء الذي تتنفسينه يمر برئتي أنا) لغة النص مفتوحة على نافذة المباشرة، ليعبر عن طريقها الشاعر عمّا يغازل دواخله من صراعات نفسية واضطرابات شبقية وجسدية متوهجة، عن طريق عملية إبداعية نقلت تصورات الشاعر على اكثر من مستوى، وتعمق نحو الكتابة الإيروسية ذات اللغة الشهوانية، فشعرية مثل هذه القصائد هي شعرية سردية قائمة على أساس الملاحقة( وتصبح اليد التي تضعينها على مقعد السيارة هي يدي أنا، سأقولها، عندما أصبح قادراً على استحضار طفولتي، وجنوني، وعساكري).

(مراكبي الورقية .. واستعادة الزمن الأزرق معك على شواطىء بيروت)، عبارات بسيطة تحمل لغة الحياة اليومية بامتياز، لكن هذا لايعني أن النص هنا لايحمل مدلولات غائرة في ذاته، بل أن النص يذهب ليحلق من هذه التوظيفات البسيطة إلى لغة جسد عالية في دقتها، بدليل أن هذه التوظيفات تحمل دلالة الأمكنة، بمعنى أن الشاعر يراوده العشق حتى في هذه الأماكن، وعمد إلى ربطه بـ (شواطىء بيروت)؛ لأنه الهدوء والنقاء، الذي يجعل الإنسان منفرد بذاته فقط، هو والماء وعواطفه، وهو أنقى أنواع المشاعر والحب؛ لأنه يشير إلى النقاء العالي.

أضيف، أن استثمار الشاعر للدلالات المكانية في هذه القصيدة، يرتبط بخيال الشاعر العالي، الذي ربط عن طريقه عشقه لحبيبته، بلغات الماضي التي تمثل امتداد الحاضر، وعمد إلى التكرار الجنوني في كلمة (احبك)، ثم أنتقل إلى ربط عشقه بـ (شواطىء بيروت)، وهي رمزية من رمزيات الحب.

 

د. وسن مرشد

 

كريم مرزة الاسديالمقدمة: كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، وأمه كبشة السحيمية، كنيته أبو المضرَّب شاعر مخضرم عاش في نجد عصرين مختلفين،هما العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام، ولادته لم يحددها مؤرخو الأدب؛ ولكن وفاته دوّنها الزركلي في (أعلامه) سنة (26 هـ / 645 م)، وهو سليل عائلة موهوبة بالشعر والحكمة، فأبوه زهير بن أبي سلمى، وأخوه بجير وابنه عقبة وحفيده العوّام كلهم شعراء، درّب الزهير ولديه على نظم الشعر وإجادته تماماً، خالياً من كلً عيب وضعف حتى فاق كعبٌ الحطيئة في الشهرة؛ فالرجل من الطبقة الرفيعة، اشتهر في الجاهلية، وهجا النبى (ص)، وشبّب بالنساء المسلمات، فهدر الرسول دمه، ومن ثمّ جاء مستأمناً، فأمنه، وأسلم على يديه، فأنشد الشاعر لاميته الشهيرة (بانت سعاد) (1)، التي طارت شهرتها عبر الآفاق والأزمان حتى يومنا التعبان، خمسها الشعراء الكبار، وشطروها، وعارضوها، وترجمها المترجمون الأكفاء في غربة الديار، فتـُرجمت إلى الإيطالية، ونشرها مترجمة إلى الفرنسية المستشرق، (رينيه باسيه)، وعني بها، وشرحها شرحا جيدا، صدره بترجمة كعب، وهنالك ترجمات إلى الأنكليزية، واللاتينية، والألمانية .

وللامام أبي سعيد السكري " شرح ديوان كعب ابن زهير"، ولفؤاد البستاني " كعب ابن زهير "، وكلاهما مطبوعان (2)، وشرحها كثيرون من غيرالسكري، منهم ابن دريد (933 م)،والتبريزي (1109 م)، وابن هشام (1360 م)، والباجوري (1860م)، وطبعت مراراً في أوربا والشرق، منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي في ليدن، وفي القرن التاسع عشر في هال وليبسيك وبرلين وباريس، وفي مطلع القرن العشرين طبعته قسنطينة، ثم بيروت سنة (1931 م) (3).

كعب وأخوه بجيرابنا زهير، وموقفهما من النبي (ص):

يذكر ثعلب في (مجالسه) خرج كعب وبجير ابنا زهيرٍبن أبي سلمى " إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بلغا أبرق العزاف فقال لبجير: الق هذا الرجل وأنا مقيم لك ها هنا فانظر ما يقول. قال: فقدم بجير على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع منه فاسلم، وبلغ ذلك كعباً فقال:

ألا أبلغا عني بجيراً رسالة *** على أي شيء ويب غيرك دلكا

على خلقٍ لم تلق أماً ولا أبا **** عليه ولم تدرك عليه أخا لكا

قال: فبلغت أبياته رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدر دمه، وقال: " من لقى منكم كعب بن زهيرٍ فليقتله " . فكتب إليه بجير أخوه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمك. ويقول له: انج وما أرى أن تنفلت. ثم كتب إليه بعد ذلك يأمره أن يسلم ويقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول له: إنه من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قبل منه رسول الله وأسقط ما كان قبل ذلك. فأسلم كعبٌ وقال القصيدة التي اعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها: " بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ "، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه مكان المائدة من القوم، حلقةً ثم حلقة ثم حلقة، وهو في وسطهم، فيقبل على هؤلاء فيحدثهم، ثم على هؤلاء ثم هؤلاء، فأقبل كعبٌ حتى دخل المسجد، فتخطى حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الأمان. قال: ومن أنت؟ قال: كعب بن زهير. قال: أنت الذي تقول، كيف قال يا أبا بكر؟ فأنشده حتى بلغ:

سقاك أبو بكر بكأسٍ روية *** وأنهلك المأمور منها وعلكا

فقال: ليس هكذا قلت يا رسول الله، إنما قلت:

سقاك أبو بكرٍ بكاسٍ روية *** وأنهلك المأمون منها وعلـكا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مأمونٌ والله "، وأنشده:

"بانت سعاد فقلبي اليوم متبول "، حتى أتى على آخرها . " (4)

ويذكر ابن كثير في (بدايته ونهايته) رواية أخرى، وعلى العموم الروايات عن سيرة الرسول (ص)، وأحاديثه، تـُمحّص كثيرا، ويُبحث عن سندها، وثقة رجالها، فهي أقرب لواقع حالها، وإن اختلف بعض مضامينها، إليك ملخص ابن الكثير، وقارن: في موسم حج سنة ثمان هـ، بقى أهل الطائف على شركهم من ذي القعدة حتى رمضان سنة تسع هـ،  ولمّا قدم رسول الله (ص) من منصرفه عن الطائف، كتب بجير بن زهير ابن أبي سلمى إلى أخيه لابويه كعب بن زهير يخبره أن الرسول لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الارض .

وكان كعب قد قال:

ألا بلغا عني بجيرا رسالة ***فويحك فيما قلت ويحك هل لكا

فبين لنا إن كنت لست بفاعل ٍ**** على أي شئٍ غير ذلك دلكا

على خلق لم ألف يوماًاً أباً له ***عليه وما تلقى عليه أبا لكا

فإن أنت لم تفعل فلست بآسف ٍ**** ولا قائل إما عثرت لعالكا

سقاك بها المأمون كأسا روية ** فأنهلك المأمون منها وعلكا

قال ابن إسحاق: وبعث بها إلى بجير، فلما أتت بجير أكره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها، فقال رسول الله (ص) لما سمع (سقاك بها المأمون): " صدق وإنه لكذوب أنا المأمون، ولما سمع (على خلق لم تلف أما ولا أبا ... عليه) - كذا - قال: " أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه".

قال ثم كتب بجير إلى كعب يقول له:

من مبلغ كعبا فهل لك في التي***** تلوم عليا باطلا وهي أحزم

إلى الله لا العزى ولا اللات وحده***فتنجو إذا كان النجاء وتسلم

لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت** من الناس إلا طاهر القلب مسلم

فدين زهير وهو لا شئ دينه * **** ودين أبي سلمى علي محرم

قال فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الارض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه، وقالوا هو مقتول، فلما لم يجد من شئ بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله (ص)، وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، فغدا به إلى الرسول (ص) في صلاة الصبح فصلى معه، ثم أشار له إلى الرسول، فقال هذا رسول الله، فقم إليه فاستأمنه، فقام، وجلس إليه، ووضع يده في يده، وكان الرسول لا يعرفه، فقال: يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به ؟ فقال الرسول " نعم "، فقال إذا أنا يا رسول الله كعب بن زهير، وثب عليه رجل من الانصار فقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه ؟ فقال: دعه عنك فإنه جاء تائبا نازعا " قال: فغضب كعب بن زهير على هذا الحي من الانصار لما صنع به صاحبهم، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير. (5)

وفي ( مجالس ثعلب ) عن موسى بن عقبة، أنه قال: أنشد كعب رسول الله (ص) في مسجده بالمدينة (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول)

فلما بلغ:

إن الرسول لسيفٌ يستضاء به*****مهنَّذ من سيوف الله مسلول

في صحبةٍ من قريشٍ قال قائلهم ***ببطن مكة لما أسلموا زولوا

زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كشف ***** لدى اللقاء ولا ميلٌ معازيل

 

أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحلق أن يسمعوا شعر كعب بن زهير (6)، وورد في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه بردته حين أنشده القصيدة، وقد نظم ذلك الصرصرى في بعض مدائحه، وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الاثير في الغابة، قال: وهى البردة التى عند الخلفاء . (7)، وأن البردة النبوية بيعت في أيام المنصور الخليفة العباسي بأربعين ألف درهم، وبقيت في خزائن بني العباس إلى أن وصل المغول . (8)،

أمّا القصيدة البردة، فهي لامية من البحر (البسيط)،لا تتجاوز ( 58 ) بيتاً، تقسم إلى ثلاثة أقسام: ما بين أبياتها (1 - 12)، يطلّ بإطلالتها الغزلية المألوفة في عصره، ويواصل مسيرته، من خلال أبياته العشرين التالية (13 - 33)، لوصف ناقته، محبوبته الثانية، ورفيقة صحرائه، وليله، وما تبقى منها ( 34 - 58)، يخصصها للاعتذار من النبي (ص)، ومدحه، ومدع المهاجرين، وإليك منها، ومنهلها:

بـانَتْ سُـعادُ فَـقَلْبي اليَوْمَ مَتْبولُ *****مُـتَـيَّمٌ إثْـرَها لـم يُـفَدْ مَـكْبولُ

وَمَـا سُـعَادُ غَـداةَ البَيْن إِذْ رَحَلوا **إِلاّ أَغَـنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ

هَـيْـفاءُ مُـقْبِلَةً عَـجْزاءُ مُـدْبِرَةً *** لا يُـشْتَكى قِـصَـــرٌ مِـنها ولا طُولُ

تَجْلُو عَوارِضَ ذي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ ****كـأنَّـهُ مُـنْـهَلٌ بـالرَّاحِ مَـعْلُولُ

أكْـرِمْ بِـها خُـلَّةً لـوْ أنَّهاصَدَقَتْ ***مَـوْعودَها أَو ْلَوَ أَنَِّ النُّصْحَ مَقْبولُ

ولا تَـمَسَّكُ بـالعَهْدِ الـذي زَعَمْتْ ***** إلاَّ كَـما يُـمْسِكُ الـمـاءَ الـغَرابِيلُ

كـانَتْ مَـواعيدُ عُـرْقوبٍ لَها مَثَلا ****** ومـــا مَـواعِـيدُها إلاَّ الأبــاطيلُ

تَـمُرُّ مِـثْلَ عَسيبِ النَّخْلِ ذا خُصَلٍ ****** فـي غـارِزٍ لَـمْ تُـخَوِّنْهُ الأحاليلُ

تَـسْعَى الـوُشاةُ جَـنابَيْها وقَـوْلُهُمُ *****  إنَّـك يـا ابْـنَ أبـي سُلْمَى لَمَقْتولُ

فَـقُـلْتُ خَـلُّوا سَـبيلِي لاَ أبـالَكُمُ ****** فَـكُلُّ مـا قَـــــــدَّرَ الـرَّحْمنُ مَفْعولُ

كُـلُّ ابْـنِ أُنْثَى وإنْ طالَتْ سَلامَتُهُ ****** يَـوْماً عـلى آلَـةٍ حَـدْباءَ مَحْمولُ

أُنْـبِـئْتُ أنَّ رَسُـولَ اللهِ أَوْعَـدَني* ****** والـعَفْوُ عَـنْدَ رَسُـولِ اللهِ مَأْمُولُ

لا تَـأْخُذَنِّي بِـأَقْوالِ الـوُشاة ولَـمْ ***** أُذْنِـبْ وقَـدْ كَـثُرَتْ فِــــــيَّ الأقاويلُ

حَـتَّى وَضَـعْتُ يَـميني لا أُنازِعُهُ ******* فـي كَـفِّ ذِي نَـغَماتٍ قِيلُهُ القِيلُ

إنَّ الـرَّسُولَ لَـسَيْفٌ يُـسْتَضاءُ بِهِ ******* مُـهَنَّدٌ مِـنْ سُـيوفِ اللهِ مَـسْلُولُ (9)

ومما يستجاد لكعب:

و كنت أعجب من شيء لأعجبني***سعي الفتى وهو مخبوء له القدر

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها ****** فالنفس واحدة والهم منتشر

والمرء ما عاش ممدود له أمل ****لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر(10)

 

كريم مرزة الأسدي

..........................

(1) (الأعلام ): الزركلي - الأنترنيت - موافق للمطبوع - الموسوعة الشاملة .

(2) م . ن .

(3) (تاريخ الأدب العربي ): حنا فاخوري - المطبعة البولسية - بيروت .

(4) (مجالس ثعلب): أبو العباس ثعلب النحوي الكوفي - - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(5) (البداية والنهاية ): الامام الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير الدمشقي - تح علي شيري - الطبعة الاولى 1408 هـ 1988 م - دار احياء التراث العربي .

(6) (مجالس ثعلب) م. س .

(7) ( البداية والنهاية ): ابن كثير - موقع اليعسوب - الموسوعة الشاملة.

(8)(خزانة الأدب ) : عبد القادر البغدادي - - تح عبد السلام محمد هارون - مكتبة الخانجي بالقاهرة .

(9) (ثلاثية البردة بردة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم): حسن حسين - ط1 1400 هـ - دار الكتب القطرية - الدوحة .

(10) (خزانة الأدب ): - م . س .

 

جوتيار تمرللاديب والشاعر الكوردي عصمت شاهين الدوسكي

النص: طيفك والليل

عصمت شاهين دوسكي

أتوسل بالليل

أن يجلي طيف محياك رقا 

ويبيح لإحساسي

أن يكون بين يديك رفقا

مالي ابحث بين أنفاسك مناديا 

وأرجو من آهاتك رحمة وشوقا

على سريرك المعنى ترسم أحلامي

وأنا بعيد بين الجبال والشعاب

حائرا ابحث عن طرقا

**

آه من وجع الغربة

إن تفجرت حرمانا وعذابا وحرقا

آه من ربيع بلا ورود

وجنة بلا خل ودود

وبحر لا اغرق فيه غرقا

آه من طيفك لا يتركني

عن ذكريات يُحدثني

كنتِ فيه شمسا وأنا كنتُ غسقا

تيممي جمالا وفي محراب الليل

كوني امرأة تمسي لليل عشقا

**

أنا يا سيدتي لا أتكرر ثانية

فابحثي عني بين الروابي صدقا

كل حروفي وكلماتي العارية معلقة

يتباهى بها العشاق لهفة ورمقا

لا تحملي طيفك عبئا بلا رتوش

طيفك ينساب كالماء ريا ودفقا

أينما كنتِ بين جدران مغلقة

تفتح الأبواب أمامي رمشا وحدقا

أنا الحب والتاريخ والعشق والبحر

ومن مثلي يعشق عمقا ورقا ..؟

***

حين يتخذ العنوان" طيفك والليل" مساراً ايحائياً قصدياً يجبر المتلقي على البحث في الماورائيات، وهنا لااقصد بها الماورائيات الميتافيزيقية، انما الماورائيات الصورية والمشهدية التي يمكن من خلالها نسج خيوط الصورة لاسيما حين تكون الخيوط في الاصل وجدانية قابلة للتعددية التأويلية والتخيلية، وهذا ما يدفعنا الى تقطيع العنوان الى ثلاث مشاهد تكاملية تعمل على استكمال الرؤية او النسج الصوري بدقة " طيف" حيث لامجال الا للتخييل حول ماهية الطيف ومحاولة التنصص من السؤال البديهي حول الاطياف انفسها خارج الادبيات، ولكن الجواب هنا لايتوقف على المسلمات التي يمكن ان يبحث عنها المتلقي في الكتب لانه موجود في " ك " التي الحقت بالطيف لتصبح الرؤية واضحة، بعمقها الوجداني التخيلي، فالشاعر هنا يناجي ملامح محفورة في وجدانه، لذا تعيش الذات مرحلة التجميع وليس البحث، لاسيما ان الشاعر الزمنا بجغرافية زمنية محددة " الليل " حيث تم عطف " طيفك" عليها ، فجعلنا نركب الصور الاجمالية للعنوان ونعيش التخييل وفق معطيات الشاعر الوجداني الذي يناجي طيف الحبيبة في الليل حيث السكون يجمع بين ملامح الصورة المنشودة والوقت الذي يناجي به الشاعر حبيبته وطيفها.

أتوسل بالليل

أن يجلي طيف محياك رقا 

ويبيح لإحساسي

أن يكون بين يديك رفقا

مالي ابحث بين أنفاسك مناديا 

وأرجو من آهاتك رحمة وشوقا

على سريرك المعنى ترسم أحلامي

وأنا بعيد بين الجبال والشعاب

حائرا ابحث عن طرقا

للمناجاة هنا مدخل بلاغي واضح " أتوسل " ، والجمع بين التوسل والليل امر مرهف، وحساس ، لاسيما حين يكون الشاعر على يقين بالحالة التي يعيشها، واليقين هذا لايأتي من الرؤية المباشرة للاخر، انما الفراغ المتروك في روح الشاعر جراء البعد ، اي بعد يكون، لذا لايجد الشاعر هنا غير المناجاة والتوسل ومن ثم البحث والمناداة ومحاولة استرجاع بعض الصور واللحظات الصوفية التي قضاها الشاعر مع حبيبته فيتوغل بلغة مفعمة بالحيوية وجادة في الوصف الصوفي بين الانفاس والاهات، والسرير ، حتى يشعر بحجم الهوة التي تفصله عنها، وحجم المسافات التي تبعده عنها، فلايجد نفسه الا وهو يعبر عن حالته المستعصية من خلال الرسم البلاغي والبياني لموقعه الجغرافي من جهة، ولحالته النفسية من جهة اخرى " الجبال / حائراً ".

آه من وجع الغربة

إن تفجرت حرمانا وعذابا وحرقا

آه من ربيع بلا ورود

وجنة بلا خل ودود

وبحر لا اغرق فيه غرقا

آه من طيفك لا يتركني

عن ذكريات يُحدثني

كنتِ فيه شمسا وأنا كنتُ غسقا

تيممي جمالا وفي محراب الليل

كوني امرأة تمسي لليل عشقا

ذلك الرسم البياني والجغرافي يتفجر لوعة في الذات، وتهيج الروح لتعيش غربتها على الوجهين البراني والجواني ، غربة المكانية ، وغربة الروح ، فتحيل الذات من مرحلة البحث والتقصي، الى مرحلة الشكوى، فها هي تبث شكواها "آه من ربيع ... وجنة بلا.. وبحر..." والجمع بين الربيع والورد وبين الجنة والخل، والبحر  امر ليس بالهين، لاننا امام تضاد حاد بين الدالة والمدلول، ذلك التضاد يخلق تماهياً واضحاً في نفسية الشاعر من جهة، وفي امكانية التخييل من جهة المتلقي، وهذا ما يعطي فرصة واضحة لتعددية التأويل والتخييل، وذلك امر اعتبره قسرياً احياناً لان الشاعر يجبر المتلقي على تلقي منطقه المخصوص دون السماح له بالابتعاد عن مساره وطريقه الذي يرسمه، ولكنه في الوقت نفسه في هذا النص يجعلنا نتعايش ونتعامل مع الحالة على انها استكمالية لجلب ورسم ملامح الطيف نحن كمتلقين، فذكرياته هي الان البوابة التي نستعين نحن بها لخلق تلك الصورة، التي سبق وان نطق بتفاصيلها الطيف والليل، فنراها متقدة ضمن دائرة ذكرياته، ومتوهجة كالشمس ومتيمة بالجمال الليلي.

أنا يا سيدتي لا أتكرر ثانية

فابحثي عني بين الروابي صدقا

كل حروفي وكلماتي العارية معلقة

يتباهى بها العشاق لهفة ورمقا

لا تحملي طيفك عبئا بلا رتوش

طيفك ينساب كالماء ريا ودفقا

أينما كنتِ بين جدران مغلقة

تفتح الأبواب أمامي رمشا وحدقا

أنا الحب والتاريخ والعشق والبحر

ومن مثلي يعشق عمقا ورقا ..؟

تحول الشاعر من وصف حالته وتوغل الطيف في ليله ، ومناجاته لها، بأن يعيد رسم الطريق الى عالمه المرهف والحساس والمنتظر لكي تنبلج صورتها من جديد، الى حدود اللأنا ، محاولاً بذلك ان يكمل نسج صورته، بجمالها هي، وبروحه العاشقة الصوفية الساعية لخلق عوالمها الثنائية معها هي، فأتت دون تلميح وتواري تعلن انها لاتتكرر، وهذا بلاشك دليل مصداقية الشاعر مع ذاته اولاً ومع الاخر ثانياً، ومن ثم يتوجه الشاعر الى التشبيهات والوصفيات التي تحدد ملامح روحه وذاته بحيث نجده يغالي في وصف وجوده وحروفه، التي من خلالها يحاول ان يعطي انطباعاً للاخر وللمتلقي بانها لاتأتي من فراغ ومن اللاجدوى العابثة، انما هي امتداد فطري لروحه التي تستمد قواها من الحب والتاريخ والعشق والبحر معاً، وعلى الرغم من امكانية وجود حالة من التضاد ايضا في الجمع بين هذه المسميات، الا انها تشكل في النهائية الوجه التكاملي للصورة التي اراد الشاعر ان ينسجها ويجعلنا نعيش اللحظات التي سعى فيها لجمع خيوطها، وكأنه من خلال سعيه اراد ان يبرهن لنا مهاراته التجميعية ومهاراته العشقية ومهاراته الصوفية للاخر وللذات ايضا، ومن ثم اراد منا ان نؤمن بأن عشقه لايتوقف عند حدود الظاهريات، انما عشقه اعمق من نلامسه بالظاهر، وهذا ما يعيدنا مرة  اخرى الى العنوان، حيث فرض الشاعر علينا منذ البدء البحث في الماورائيات الصورية والبلاغية كي نستطيع مواكبة رؤاها للنهاية.

 

جوتيار تمر

 

عدنان حسين احمدتأخذنا رواية "نوتة الظلام" لفجر يعقوب الصادرة عن دار "الدراويش" في بلغاريا إلى المنطقة الرمادية التي يتماهى فيها الخيال المُجنّح بالواقع الأسيان، وهي تحتاج مثل غالبية رواياته الأخرى إلى علامات دالة تُرشد المُتلقّي في متاهة النص وتذكّره إن كان يمشي على الأرض أو يُحلّق في تجليات الأحلام. ومَنْ ينتهي من قراءة الفصل الأول من هذه الرواية سيتأكد بأنّ البطل كان مُستغرقًا في حلمه الأول وأنّ ما يجري في متن النص ما هو إلاّ تداعيات حُلُمية مع الأخذ بعين الاعتبار أن معظم الأحلام، إن لم نقل كلها، تنبثق من نتوءات واقعية قبل أن تتسامى إلى ملكوت الخيال الذي ينطوي على كثير من السحر والدهشة والغموض.

لا تنأى البنية المعمارية لهذه الرواية بنفسها عن تقنية السيناريو كثيرًا إن لم تكن في الأصل قصة سينمائية كُتبت كي تُصوّر لتتحول في نهاية المطاف إلى فيلم يحمل عنوان الرواية نفسه، الأمر الذي يتيح لنا أن نقرأ الرواية قراءة واقعية وإن كُتبت بمنظور حُلُمي مُرهف بواسطة عين الكاميرا أو العين الثالثة التي شُفيت بالتدريج من عاهة الارتخاء ولم يعد جفنها العلوي متهدلاً يُسبِّب بعض الإحراج لصاحبها الموهوب الذي لا يشبع من مطاردة الأحلام في مخيلته السينمائية الشاسعة.

ولكي لا نُشتِّت ذهن القارئ بالتفاصيل الكثيرة التي تؤثث متن الرواية سنحاول أن نجسِّم صورة العمود الفقري لهذا النص الإشكالي الذي لا يخلو من الدلالات الرمزية التي تُرصِّع نسقة السردي الذي يتكشّف عبر شخصية مهيار الذي يستهل الرواية وينتهي بها. وما نعنيه بالعمود الفقري هو ثيمة النص الرئيسة التي تتردد على مدار الرواية برمتها، وتؤسس حبكتها، وتكشف عن ترابط أحداثها، ونموّ شخصياتها الرئيسة على وجه التحديد. تتلخص ثيمة النص "بأنّ الراوي مهيار يتلقى رسالة من السيدة أغاثا كريستي تدعوه فيها للحضور وسرد قصته أمام لجنة مختصة في مائتي دقيقة فقط". ولو تأملنا هذه الثيمة لوجدناها تحتاج إلى بعض الرتوش، فالسارد لديه مشكلة في الإلقاء ولن يتغلّب عليها ما لم يلمّ بالقاعدة الذهبية التي تمنحه القدرة على سلاسة السرد التي لن تتم إلاّ بمساعدة السيدة الإرستقراطية أغاثا كريستي ولجنتها المؤلفة من 12 شخصًا مختصًا. وكلما تقدّمنا في قراءة الرواية سنكتشف أنّ على مهيار أن يخوض خمسة امتحانات قبل أن يسرد قصته في مقاطع شفهية مُتقنة تؤهله لتأدية الدور الذي رآه شاقًا وعسيرًا على وفق الإمكانيات التي يتوفر عليها، إضافة إلى العوق المُشار إليه سلفًا. يتمثل الامتحان الأول بعرض تسع لقطات من تسعة أفلام متنوعة لا تتجاوز مدة العرض ثانية واحدة لكل لقطة، وعليه أن يعرف اسم الفيلم واسم مُخرجه. وبرمشة عين أعاد مهيار ترتيب الأفلام في ذاكرته اليقظة وعرف الجواب بسرعة أثارت إعجاب السائلين ودهشة السيدة التي أثنت على مهيار وبدايته المُبهرة في تجاوز العتبة الأولى من الامتحان. قبل أن يتهيأ لخوض الامتحان الثاني أخبرته السيدة الإرستقراطية بأنها ليست فقط رئيسة اللجنة الموقرة للامتحانات، وإنما هي مديرة مصفاة تكرير النفوس الحائرة، وتقع على عاتقها مسؤولية معالجة النفوس الحيرى كي تتمكن من سرد حكايتها بطريقة مثالية، وهذه حيلة فنية كي تتشظى الرواية إلى أنساق سردية أخرى تتبنى إحداها السيدة أغاثا نفسها لتذكِّرنا بروايتها المعروفة "جريمة في قطار الشرق السريع" وتتعالق مع أحداثها المهمة لعل أبرزها الجريمة التي وقعت في القطار، والشخصيات الإثني عشر الذين وضعوا خطة للتخلّص من "راتشيب" في القطار الذي ينطلق من مدينة حلب ويُفترض أن يتعطّل في يوغوسلافيا. ثم تتشظى أحداث الرواية إلى والده بكر الذي تعلّق بامرأة جميلة أسماها "الشافية" من دون أن يعرف اسمها الحقيقي، كما يتوسع في الحديث عن قبر جده "الطاهر" الذي تحوّل إلى مزار.

يتمحور الامتحان الثاني على الصور الفوتوغرافية التي التقطها مهيار بكاميرة مستعارة بعد أن تعطّلت كاميرته الشخصية فأثارت موجة من الإعجاب لدى أعضاء اللجنة بعد أن اشتغل بطريقة فنية على تكويناتها، وأسرارها بالأسود والأبيض، فمنهم مَنْ قال عن مُصوِّرها أنه يمتلك "عين حسّاسة" وآخر قال:"إنّ شعوره مُرهف بالضوء"، وذهب ثالث إلى "أنه رسّام فوتوغرافي من طراز نادر". فشعر لأول مرة بأنّ عاهة عينه اليسرى قد تلاشت تقريبًا.

أما في الامتحان الثالث فقد طلبت منه السيدة أن يستعيد لقطة عماد حمدي وهو يصفع حليم بالملهى في فيلم "أبي فوق الشجرة" فنجح في الامتحان نجاحًا مبهرًا دفع صاحب المونوكول لأن يُعرب عن إعجابه ويقول: "إنّ في داخله ممثل ينتظر إشارة حارقة من مُخرج كبير". ليس بالضرورة أن يكمل الروائي الامتحانين المتبقيين فلقد عرفنا من السياق المتصاعد أنه سينجح فيهما، وأنّ نبرة الإعجاب سوف تتصاعد، فلاغرابة أن يضع الكاتب حدًا لهذه الاختبارات بحيث تعتبره رئيسة اللجنة مفخرة للجميع، وتُهديه مذياعًا للاستمتاع برحلة العودة إلى الديار. وأكثر من ذلك فإن المُخرج روي أندرسون أبدى إعجابه بالطريقة التي روى فيها مهيار قصته المدهشة حقًا التي رواها بأسهل الطرق وأيسرها وعليه أن يعود لكي يحضر حفل زواج شقيقته آليس.

في محطة القطار اصطدم مهيار بفتاة عشرينية جميلة تُدعى سيدرا من أبوين غير سويديين تعمل موديلاً إضافة إلى كونها طالبة فنون جميلة، وقبل أن يُعرّف نفسه قالت إنها تعرف عنه كل شيء اسمه، وتركهُ المبكِّر للدراسة، وممارسته للتصوير والكتابة، وأنه لاجئ في السويد، ومدعّو من قبل السيدة كريستي لسرد قصته في غضون 200 دقيقة. هل قرأت سيدرا أفكاره، أم أنها كانت تطارده خصوصًا بعد أن عرفنا أنه لا يؤمن بالمناهج التي فرضتها حكومة "النمصي"؟ أما هي فلم تكتفِ بتقديم نفسها وإنما عرّفته بالقط فردريك الذي سيكون له وللقطط الأخرى دور في هذه الرواية. وبين تضاعيف النص نعرف أن والد مهيار قد اختفى أو تخلى عن أمه "صبحية" وأنه قضى عشر سنوات جحيمية بسبب امرأة لم يلمح وجهها، لكنه عاد واغتصبها في ليلة معتمة لتنجب ابنتها آليس ثم يختفي مرة أخرى إلى الأبد، وقيل إنه مات بين أغصان شجرة الكينا. أما الابن مهيار فسوف يموت هو الآخر عندما يرتقي الشجرة ويفارق الحياة قبل طلوع الفجر.

تفتح السيدة كريستي جهاز اللابتوب وتكتب عن النوم الملتبس الذي يختلف عن حالتي النوم واليقظة وما يتخلله من أحلام متفاوتة في المدة الزمنية "فالدجاجة تحلم 25 دقيقة في الليلة، والقردة 60 دقيقة، والإنسان 100 دقيقة، والقط بطل الحالمين بلامنازع فهو يحلم 200 دقيقة في الليلة".  ثمة أحداث أخرى تتعلق بانحدار الأب  بكر الطاهر الجيلالي من المغرب وذهابه إلى الحج ووفاته ثم دفنه على قمة في عين الحايك ثم تحوله إلى مزار قبل أن يفقد رتبة الولي العارف بعد عشر سنوات. وهناك قصص وأحداث أخرى لا يتسع المجال للتوقف عندها جميعًا، وحسبنا أن الثيمة الرئيسة ستقدم للقارئ ما يكفي من الأحداث التي تُدخلة في فضاء النص، وتعرّفه بالشخصيات الرئيسة التي نسجت "نوتة الظلام"، وأسفرت عن عمل روائي لا تنقصه الخبرة، ولا تعوزه الحرفية والإتقان.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

مصطفى النبيهكأنك خارج السياق تسبح في فضاء بصري وبين يديك كنز من المعرفة لا تبصره، فأمامك، سيمفونية من الجمال المتجدد تنهل منه الروائع، إنها السينما التي تحمل عوالم من الأسرار والتجارب الإنسانية، التي تعتمد في صنعتها على الإبداع  الجماعي لتنهض في المجتمعات وتعزز المفهوم الثقافي المعرفي، وتساهم في تهذيب وتطوير الإنسان. لقد أدرك الكتاب العباقرة الروائيون على مدار التاريخ سرها العظيم وتأثيره على المجتمعات، فاستعانوا بمفرداتها للبوح بتجاربهم الإنسانية من خلال لغة جميلة مكتوبة.

في هذه الدراسة  سنجتهد في تسليط الضوء على  تقنيات السينما في رواية (ما تبقى لكم) للأديب الشهيد الفنان غسان كنفاني الذي رسم من خلالها لوحات بصرية بأبعادها الفنية، ومزج بين الأمكنة والأزمنة، والانفعالات الإنسانية المنهمرة، وانتقل بخفة من انفعال لانفعال بأسلوب تقني مشوق.

تعد رواية  (ما تبقى لكم) التجربة الثانية بعد روايته (رجال في الشمس) حيث اعتمد الروائي في صنعها على التقنيات الحديثة، مستخدماً أدوات ونهج السينما  في عملية البناء  والتوليف والمونتاج.

تتناول الرواية حكاية أسرة هُجرت من مدينة يافا، وتشتتت ما بين غزة والعواصم العربية، وتعرضت لكل أنواع القهر والاضطهاد حتى تمردت على ذاتها وقررت المواجهة وأعلنت ثورة الكفاح المسلح. رواية (ما تبقى لكم) تجاوزت حدود المقروء، لتلفت نظر القارئ المشاهد بأن الصورة تعبر عن ألف كلمة، فبأسلوب بصري تتقاطع الأمكنة والأزمنة ويتوحد الجماد مع الإنسان لينهضوا بالحدث والرسالة الموجهة من خلال شخصيات يتدفق منها مشاعر صادقة توحي لك أنها تعيش الواقع، وربما تعرفها أو التقيت بها ذات يوم، تحاول الشخصيات الهروب من السجن إلى الحرية، ومن العار إلى البطولة والشرف، تواكب تطور الأحداث، تغضب، تبتعد، تتوافق، وتلتقي تعيش الفصول الأربع بجمالها وألمها، تحمل الوجع وتتميز بالمشاعر الجياشة والإيقاع السريع.

شخصيات الرواية:

(حامد): يعمل مدرساً حمل على عاتقه مأساة التهجير وعار الخيانة، اختاره الكاتب ليكون رمزاً للتغير والطريق إلى المستقبل.

(مريم شقيقة حامد): فتاة تبلغ من العمر الخامسة والثلاثين، جميلة، متعلمة، مثقفة من أسرة مناضلة، عطشى للحياة سقطت في بحر الرغبة فتعرضت للعديد من الكوارث، حرمت من كل شيء جميل في حياتها حرمت من مدينتها يافا بعد أن هجروا إلى غزة،  كما حرمت من والدها وخطيبها بعد استشهادهما.  عاشت الخوف بعد أن نزحت أمها إلى الأردن، مضت أعوامها تطوي بعضها بعضا، فكل شيء يرحل من أمامها، ولم يبق سوى (ساعة حائط .. تشبه نعشاً صغيراً، أليس كذلك)، إحساس مرعب يشعرها بأن زمانها يفر هارباً وكل ما تبقى من حياتها يسرق. هذه المعطيات، صنعت منها فريسة سهلة لأول متطفل، فنراها ترتمي في أحضان زكريا المتزوج، الأب لخمس أطفال وتحمل سفاحاً. (أيتها المسكينة الصغيرة مريم ! أي بؤس أمضيت حياتك فيه، جعلك تقبلين بهذه النهاية! أنت وردة المنشية بأكملها، الطموحة، المتعلمة، ذات الأصل والفصل، أي حياة تعيسة جعلتك تقبلين زكريا بأعوامه كلها، وزوجته وأولاده زوجاً؟ يا حبيبتي الصغيرة يا حبيبتي ..).

مريم .. شخصية موازية لشخصية أخيها حامد، عاشت حياة القمع والاضطهاد وشعرت بالدونية، مأساتها الزمان الهارب وإيقاعاته الرتيبة، يسيطر عليها موت ـ "نعش" الساعة - تدفن فيها أحلامها، لقد ضاع كل ما تبقى لها، الكل يصعد إلى هاوية السقوط ما بين موت وموت، حتى خالتها التي كانت تؤنس وحدتها ماتت وتركتها وحيدة مع أخيها الصغير حامد. عاشت الوحدة ترتعب من عقارب الساعة (لقد ماتت هناك بعد أن دقت الساعة دقة واحدة، في الليل، أحست بذلك تماماً)، لذلك باتت الساعة تذكرها بحقيقة أنها فقدت الأمل في هذه الحياة، فها هي تستسلم لأول متطفل يعبر حياتها. كيف بدأت القصة؟ (مرة قابلناك فيها مصادفة  بالطريق. ما اسمه؟ زكريا، من أين تعرفه؟، زميلي في مدرسة المعسكر، صديقك؟ كلا إنه نتن.  وكان هذا كل شيء: أنه النتن، لم يغير هذا الاصطلاح إطلاقاً، وحتى حين عرف قال إنه "النتن" ومضى) ثم لا يعرف حامد أنك استوقفتني بعد ثلاثة أيام في الطريق، وقلت لي: سلمي على حامد، وأنا لم أوصل سلامك، لأنني عرفت أنك استوقفتني لسبب آخر، ولم أعرف قط لماذا مررت ذلك المساء من أمام المقهى  الذي تجلس فيه؟، كأنما بالمصادفة، ولماذا أبطأت حتى يسرت لك أن تراني وتلحق بي، ولم أعرف أن هذه اللحظة الصغيرة ستصل بي بعد أربعة أشهر إلى سريرك أمام ذلك النعش الذي ظل يدق، يدق.

هذه هي حكاية مريم الفتاة العانس الذي دفعها عطشها الأنثوي إلى بحر الرذيلة، فهاجس الزمان يطاردها فيهون عليها جسدها كما يهون عليها أخوها الحالم بلم شمل الأسرة، وعندما تستيقظ من عطش الرغبة  تدرك ما يدور حولها، وبأنها سقطت بالوحل، وأصبحت في نظر زكريا عاهرة، لذا  تنتفض وتنقض عليه ثائرة لتقتله، وتتخلص من ضعفها، وتقضي على رأس الخيانة.

(زكريا): كان ضئيلاً بشعا كالقرد، هو النقيض لشخصية المقاوم، شخصية سلبية، سطحية، متطفلة، هو رمز الفساد، المدرس السلبي المتهرب من واجبه وعمله بحجج واهية، هو اللص الذي يستغل ضعف الناس ليقتحم حياتهم  ويدنس  شرفهم، إنه النتن (مجرد لطخة وجدت مصادفة في مكان غير مناسب). إننا  لا نشاهد هذه  الشخصية القبيحة إلا عن طريق تداعيات حامد ومريم، أنه عدو من نوع آخر، ضعيف، جبان، جائع، لا يفكر إلا بنزواته، يطالب من مريم أن تجهض جنين الخطيئة                                         (هل حسبت أنني تزوجتك لتنجبي ولداً أيتها العاهرة؟)،  بل اختارها لتكون معبراً بين بيته القديم ومدرسته، ليفرغ بها ضعفه وقتما يشاء، ففكرة الانتماء للأسرة لا تعنيه كثيرا فهي خارج عالمه، ويعتبرها  فكرة سخيفة، وهذا يتضح من خلال قوله: (أنت مجنونة صدقيني ! تفتكين شبابك من أجله، وغداً ستلعنينه وتلعنين أباه والساعة التي لم تستمعي فيها إلى النصيحة، ستتحولين إلى امرأة مترهلة في بطن منقوش كأنه مصاب بجدري، أنا أعرف وقد رأيت ذلك بعيني، وطوال عام كامل لن تكوني امرأة، مجرد زجاجة حليب).

(سالم): شخصية ملائكية نموذج للنبل، الفدائي الذي خلق من أجل التضحية، تشعر وأنت تقرأ الرواية أنك أمام شخصية ثائرة قوية تشع حباً، تنتصر للحق في زمن الصمت (أوقفني ذات يوم بعد أن مضي أسبوع واحد على دخولهم إلى غزة، وسألني وهو يشبك ذراعيه في ذراعي، ألم تشتهي أن تطلق رصاصة في معركة فاتتك دون أن تطلق أي رصاصة؟ .. حامد .. لقد قتلوا أباك كما أعلم).

(الساعة المسروقة): تشبه النعش .. الموت المتحرك القادم الزمان الضائع المسروق من حياتنا بفعل فاعل

(الصحراء): هي المخلوق الميت الساكن الذي يلبس ثوب الحياة، ينهض يتحرك ويمارس طقوس تأخذ واقعاً مختلفاً عن طبيعته.

الفكرة العامة للرواية:

تتلخص فكرة الرواية في الهم الوجودي، علينا أن ندق الخزان، ونتمرد على ضعفنا، ونتطهر من البكاء على الأطلال، ونواجه الواقع الفلسطيني المزري بذله وعاره، فزمن المعجزات ولى، النصر الحقيقي يكمن بصمود الفلسطيني فوق أرضه، وعليه أن يقاوم التهجير ويقيم تجربته الحياتية ويستفيد من أخطائه، مثلما فعلت مريم حين قتلت من استحلها ونفخ في بطنها سمومه وجعلها عاهرته، وأسقط احترامها لنفسها، وكما فعل أخاها حامد  الشاب الوديع الباحث عن قوة خارجية لتغيثه، فيتمرد على خوفه، ويتحرر من وهم المنقذ الأسطوري والمتمثل بشخصية الأم، ويعلن الكفاح المسلح ويواجه عدوه لأول مرة وجه لوجه ويقرر الصمود فوق أرضه.

تحليل عناصر الرواية وعلاقتها بالسينما:

يكتب غسان بطريقة سينمائية يعتمد في بناء روايته على إشباع الفكرة، ودقة التحليل النفسي، ووضوح الحوار، ويرسم مشاهد بصرية لها بداية ووسط ونهاية، متناسقة بشكل انسيابي تعتمد على كثافة درامية مركزة، وحبكة ديناميكية متطورة، وأسلوب تعبيري منسجم مع واقع الحكاية حيث يعبر عن الأفكار في مقاسات محددة جداً، وبشكل مكثف، فالسينما اختزال للزمن وتكثيف للأحداث، وهي أكثر الأدوات الثقافية بلاغة في هذا الاتجاه. في رواية (ما تبقى لكم) يستخدم غسان تقنيات السينما في بناء روايته معتمداً على:

المونتاج المتوازي: والمقصود بالمونتاج المتوازي أن يكون هناك حدثين مختلفين في المكان يربطهم شعرة غير مرئية تساهم في البناء العام للسيناريو، وتضيف عمق ودلالة خاصة للعمل يقول "ريتشارد فينمان"  الحائز على جائزة نوبل (أن القوانين الطبيعية بسيطة من الصعب رؤيتها، ولكي نراها يجب أن نعلو فوق حدودنا الطبيعية والمعرفية لخلق واقع جديد يساهم في البناء)، فالبناء العنصر الأكثر أهمية في السيناريو، القوة التي تغذي الشكل والمضمون، الهيكل الخارجي وحجر الأساس في صناعة العمل الفني بدونه ليس هناك رواية وبدون رواية ليس هناك سيناريو.

فما هو السيناريو: السيناريو هو الرسم المعماري، النابض بالجماليات والمشاعر الإنسانية، يستخدم كمرحلة وسيطة لا بد أن يمر الفيلم من خلالها في طريقه حتى يصل إلى شكله النهائي. يعتمد السيناريو على الأخبار، والقصص، والخيال، والمسرحيات، والمقالات، والتاريخ، والسير، والأساطير، والأحداث العامة الاجتماعية، السياسية والاقتصادية، والتجارب الفردية، وكل مكونات الحياة، فالفكرة هي بذرة العمل التي تبشر بميلاد الثمرة.

ينقسم السيناريو من حيث الفكرة إلى نوعين: أفكار إنسانية عظيمة تحمل قيم تخدم البشرية. وأفكار تجارية هدفها شباك التذاكر. ولتتضح الرؤية أكثر نأخذ نموذجاً مشهد حامد بالصحراء:

أولا، وصف الصورة: يبدأ المشهد بحرف الميم والمقصود بحرف الميم هو مختصر لكلمة مشهد، ويليها رقم المشهد، ثم تحديد المكان (الصحراء)، وتحديد الزمان (وقت الغروب).

ثانيا، وصف الشخصية: حامد فتي في السادسة والعشرين نحيف الجسم أشعث الشعر.

ثالثا، وصف الحركة: يسير حامد بشكل مستقيم، سريع الخطوات يخترق الصحراء باتجاه الشمس تقابله عاصفة رملية خفيفة يواصل سيره وهو منهك متردد.

رابعا، وصف الصوت: هناك مؤثرات طبيعية، ومؤثرات صناعية، يستغلها صناع السينما بما يتناسب مع الجو العام للمشهد. المؤثرات الطبيعية، مثل صوت الرياح، نبضات قلب حامد. والمؤثرات الصناعية، مثل بوق السيارة.

الحوار: لا بد أن يكمل الصورة ويبنى بحرفية عالية معتمداُ على التكثيف الذي يعبر عن المشهد. نأخذ نموذجاً هذا النص من المشهد:

حامد: (زوجتك أختي مريم على صداق قدره عشرة جنيهات، كله مؤجل، كله مؤجل). وهنا يتم التعبير عن الحالة النفسية للشخصية حيث يقف حامد وينظر إلى الشمس ويتحدث بمرارة.

حامد: (المعجل الوحيد هو جنين يخبط في رحمها). يواصل حامد سيره، إظلام تدريجي ينتهي المشهد ويتم القطع السينمائي الذي هدفه ربط المشاهد ببعضها بعضاً بحرفية عالية، والتحضير للمشهد القادم.

كاتب السيناريو هو أكثر من طبيب جراح يحمل مشرط القطع السينمائي ويتقن فن المعالجة في صناعتها. شخصية حامد في هذا المشهد تحمل نوعان من الفعل: فعل جسدي وفعل انفعالي، أعده المؤلف قبل الشروع في عملية بناء الشخصية حيث أجاب على مكونات الشخصيات التالية: ما الهدف من الشخصية؟، ماذا تريد الشخصية أن تحقق؟، وما هي ملامحها الجسدية والنفسية؟.

استطاع غسان من خلال شخصية (حامد) تكثيف الحوار ليدعم المستوى البصري، ويدفع بالحدث إلى الأمام بعد دراسة عميقة للشخصيات وقراءة انفعالاتها، وترجمتها إلى لغة ومفردات ذات قياس تعبيري محدد، فشخصيات الرواية بنيت بشكل مضطرب مهزوز له خصائصه، فنراها تعيش نفس الواقع وتنتقل من انفعال لانفعال ومن حالة إلى حالة، أصوات تتزاحم، تلهث، تبتعد، تقترب، تتلون، وتتنامى طيلة الأحداث، فلغة السينما تختلف عن لغة الشارع، فالمقصود بالحوار السينمائي كلام واضح مكثف بعيداً عن الاستطراد، وهذا ما شهدناه في المشهد السابق، وكان مكمل للصورة البصرية. فقد شاهدنا عين الكاميرا المتحركة النابضة بالمشاعر تكتشف الصحراء، وترسم تكوين بصري من خلال زوايا رصدت الهدف،  وحددت المساحة والاتجاه تم اختيارها بحرفية عالية، فأحجام اللقطات تعبر عن الفكرة وتتماشى مع الانفعالات والحالة النفسية والبناء الخارجي، كما تساهم بالتتابع في عملية البناء. كل هذه التقنيات والأدوات الفنية استغلها الروائي غسان كنفاني في صناعة (رواية ما تبقى لكم) فقد استطاع أن يصنع مشاهداً بصرية يسرد من خلالها قصص مستقلة مكانياً وزمانياً تتغذي ملامح شخوصها من البيئة التي تحيط بها وتكمل بعضها بعضاً، لينسجم  المشهد مع المشهد الذي يليه. من الواضح أن تيار الوعي يتوحد مع عالم السينما وأدواتها الخاصة، المونتاج وعناصر المزج والتوليف والانتقال من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان، بشكل يساهم في تطوير الحدث ويعبر عن تأثير درامي متبادل، فالمزج والإيقاع الداخلي الموسيقي والإيقاع السريع بين اللقطات والانتقال من زمن لزمن ومن مكان لمكان بدون حواجز زمانية أو مكانية يمنحنا رؤية واعية بصرية تساهم في توضيح الصورة للأجيال.

حامد يمخر عباب الصحراء للجوء إلى أمه التي نزحت إلى الأردن عبر صحراء النقب التي يحتلها العدو الصهيوني هارباً من عاره، بعد أن فرض عليه الموافقة على زواج أخته مريم مرغماً، بعد أن تنازلت عن شرفها وحملت سفاحاً وتزوجت  الخائن زكريا النتن، وفي طريقه يتخلص من تردده بعد أن يلتقي وجها لوجه مع عدوه، ويقرر المواجهة والبقاء على أرضه بعد أن يتطهر من عقدة المخلص، فيعلن الكفاح المسلح، وفي نفس التوقيت تبدأ الثورة الداخلية على الخونة فتعود مريم إلى رشدها وتقرر الخلاص من هزيمتها ليعيش طفلها في جو نظيف فتعدم  زوجها الخائن زكريا.

رسالة مواجهة من الروائي المناضل غسان لا تحتاج للتأويل، يدعو الشعب الفلسطيني للمقاومة المسلحة والقضاء على الاحتلال وأعوانه والتخلص من ذيوله مهما كلف الأمر، فالتراكمات الكمية تؤدي إلى تغيرات نوعية، فهنا تتوحد الأفكار نتيجة المعطيات، وتتجاوز المسافات، وتنتهج الشخصيتين نفس الأسلوب، وهو الكفاح المسلح وسيلة للتعبير عن الحدث في مواجهة  الاحتلال الداخلي والخارجي، والتحرر من غول الخوف والتمرد على الضعف، فكلما غصنا في تفاصيل الرواية سنكتشف وسائل حديثة لها علاقة مباشرة بالسينما، الشخصيان الرئيسيتان (حامد ومريم) يسيران في عالميين متوازيين عالم يقوده المكان والمتمثل في الصحراء، وعالم متمثل بالزمان من خلال الساعة الخشبية التي تشبه النعش والتي سرقها حامد ليؤكد لنا أننا نعيش حالة موت سريري ضحايا الزمن المسروق (أعتقد أنها ليست مستقيمة إن ساعة الحائط لا تشتغل إذا كانت مائلة، وصعد إلى الكرسي مرة أخرى وأخذ يحركها ببطء وكأنه يصوبها تصويباً وفي اللحظة التالية بدأت تدق) الخط المستقيم يرمز إلى الشموخ والقوة إلى ما لانهاية والخط المائل يشعرنا بعدم الاستقرار، فهو متوتر يميل إلى السقوط ولن يعطينا إلا فراغ ويبشرنا بزمن مسروق ليس له ملامح (لم أشترها، سرقتها) تختلط المشاعر بين الشخصيتين فيغوص الماضي بالحاضر والحلم بالمستقبل إلى درجة نجد صعوبة في التمييز بينهما أو الحديث عن إحداهما دون التطرق للآخر، تتلاحم الأفكار والمشاعر النفسية والهواجس فيما بينهما، فلحظة الفعل الدرامي في الرواية تكاد تكون واحدة.

الصحراء في الرواية تأخذ شكلاً مخالفاً لطبيعتها فهي قارب النجاة، الطريق إلى الحياة، مخلوق يتنفس بصوت مسموع، جسر يمتد بين الوطن والأم التي ترمز للأمة العربية الضائعة، وقد جسد الروائي مشهد سينمائي حين رسم بقلمه لوحة فنية لغروب الشمس في الصحراء وهي تنسحب وتذوب كشعلة أرجوانية تغطس في الماء تاركة خلفها لوحة فنية، ثم وصف الصحراء بالمكان السرمدي الحي الذي يتنفس وتنازل عن كونه جسداً صامتاً، حين حاول اختراقها الشاب النحيف حامد بملامحه السمراء ووجهه الحزين وشعره الأشعث. كان يسابق الزمن ليقطع الصحراء، عينيه شاخصتين باتجاه الشمس، مع ذوبانها تتموج الصحراء وتدفن خلفه بيت حامد حتى عزلته عن كل شيء، وبقي الظلام يسيطر على الواقع، هذا ملخص فكرة المشهد. أما صناعته فلنتابع ما يلي: يبدأ المشهد بغروب الشمس والمدينة تغرق خلف حامد وحامد يغوص في عتمة الليل. هذا المشهد مفتاح التتابع،  فحامد يكرر في الصحراء: (زوجتك أختي مريم على صداق قدره عشرة جنيهات كله مؤجل). يعود الكاتب للقطع السينمائي ويطوي المسافات ويربط  الحدث ما بين الصحراء وبيت حامد، فيعود لمشهد زواج مريم، والساعة النعش، وحالة الترقب، وتتابع الأحداث، ويرسم الانفعالات النفسية الداخلية للشخصيات، والشكل الخارجي في التكوين الجمالي لمكونات المشهد. بيت حامد (حامد جالس خجولاً أمام الشيخ والناس خلف ظهره يحدقون به ويتغامزون وهناك بعض الهمهمة حامد يردد نفس الكلام (زوجتك أختي مريم - زوجتك – على صداق قدره – على صداق قدره -  عشرة جنيهات –  عشرة جنيهات  - كله مؤجل - كله مؤجل  ثم أخذت العيون تأكل ظهره وهو جالس أمام الشيخ  .. والمعجل الوحيد هو جنين يخبط في رحمها وخارج الغرفة أمسكها من ذراعيها ونظر إلى عينها نظرة يائسة - لقد قررت أن أترك غزة. ابتسمت فبدأ فمها الملطخ بالحمرة جرحاً دامياً انفتح فجأة تحت أنفها). تعامل الكاتب مع اللون الأحمر وتأثيراته النفسية، ورسم  بالماكياج  فن من فنون السينما وهو الخداع البصري، صنع جرح دامي ليعبر عن عمق المشهد وتأثير الحالة في تكوين البناء الفني، هذا المشهد مع المشهد السابق شكل وحدة متكاملة لا يستطيع المخرج الاستغناء عنها بأي صورة كانت. استطاع الكاتب أن يمسك خيوط اللعبة، وينقلك من لقطة واسعة للصحراء إلى لقطة متوسطة للغروب، وتتبعها لقطة مقربة لوجه حامد حتى يظهر تعابير وجه، هذا اللقطات مع  ازدحام الأفكار وتشابكها وعملية القطع السريع والمونتاج والتوليف والمزج، جعلنا نغوص في بحر الصحراء ونخرج  إلى البيت دون أن يرمش جفن، فالحياة تسير على عكس طبيعتها، الساعة التي تمثل الزمن، رمز الحركة قد توقفت وأصبحت نعشنا المؤجل .. حياتنا المسروقة ما دمنا نعيش حالة التردد ونخشى المواجهة.

فحامد يلجأ للصحراء كي تساعده على اكتشاف ذاته وتطور وعيه النضالي والفكري، فينضج إلى درجة تسمح له بالاصطدام بعدوه الحقيقي (كانت أمك بالنسبة لك دائما فارساً غالباً على استعداد ليشرع سيفه في وجه أي عقبة تقف أمامك. فما الذي تريده الآن من هذا الفارس الوهمي الذي أعطيته من فشلك وعجزك حصانه الخشبي؟ اجلس هنا تحت هذه السماء المرتدة إلى أعماقها وفكر بروية ما الذي أدراك أنها لم تتزوج فور أن ضاعت عنكما)، هذه التساؤلات جعلت حامد يواجه الحقيقة ويتخلص من براءة العقل الطفولي المرضي الذي يسكنه وينضج ويعتمد على ذاته، فلم يعد لنا إلا نحن، فالأمة العربية النائمة في العسل لن تمنحنا انتصارات، كل المعطيات تشير إلى ذلك فما تبقى لنا غير هذا الذل والموت المعد سلفاً.

شكلت الصحراء في العمل القوة الغريبة التي ساهمت في إعادة بناء شخصية حامد ففي صفحة (168-169) المكان – الصحراء: الوقت ـ ليلاً ـ المؤثرات الصوتية الطبيعية التي اعتمد عليها الروائي في المشهد ـ دقات قلب حامد وصوت الصحراء، الإضاءة الطبيعية نجوم السماء (وحدق إلى السماء خيمة سوداء مثقبة) جسد من هذه الإضاءة لوحة فنية تعبر عن الحالة النفسية، فاللون الأسود رمز القتامة، والثقوب بصيص الأمل، كما رسم خطوات حامد وحركته أمام العدسة (كانت الرياح باردة ومنعشة، وحاولت أن أنظر للساعة إلا أن الظلمة كانت حالكة تماماً فجأة بدت لي الساعة غير ذات نفع، حيث لا أهمية هنا إلا للعتمة والضوء) العتمة والضوء، يمثلان المساحة والفراغ، وهما عناصر أساسية في البناء الجمالي لتكوين الصورة.

حامد يسير في الصحراء يشاهد من بعيد عينين مضيئتين تهتزان وهما تنثران حولهما ضوءً دائرياً يواصل الروائي التعبير عن انفعالات شخصية بطله والتطور النفسي لحالته، فالخطوط البصرية الدائرية لها دلالاتها التعبيرية تساهم في سجن الشخصية داخلياً وخارجياً (دون أن ينتابه خوف أو تردد استلقى على الأرض أحس بها ترتعش كعذراء فيما أخذ شريط الضوء يمسح ثنايات الرمل بنعومة وصمت عندها فقط شد نفسه إلى التراب وأحسه دافئاً ناعماً) حاول الكاتب أن يمنح  القارئ المشاهد نفحة من العاطفة ترصد علاقة الأرض بالإنسان، واستعان الكاتب بالإضاءة الصناعية للتعبير عن المشهد، كما جعلنا في حالة ترقب وانتظار المفاجأة المتوقعة، وهي إما أسر حامد أو هروبه أو قتله، لكن يأتينا بعكس التوقع فمن ذروة الانفعال إلى السكون والهدوء. الهدف من حالة التوتر النهوض بعنصر التشويق وجذب المشاهد إلى القمة ثم إطفاء الشعلة وإعداد القارئ المشاهد للمرحلة القادمة لينتظر الأحداث المتصاعدة.

الوقت ليلا ً ـ المكان الصحراء (حامد يسير وحيداً خائفاً في الصحراء)، المؤثرات الصوتية .. نبضات قلبه - صوت عصف الرياح .. وفجأة يأتي ضوء متحرك من بعيد فيشتد خوفه فيستلقي على الأرض، ومع اقتراب ضوء السيارة الصناعي يزداد انكماشه في الأرض لكن السيارة تستدير يتبعها سكون. الحدث هنا مخالف للتوقع الذي ينتظره المتلقي، نشاهد الضوء الأحمر في مؤخرتها وهو رمز الخطر، فللون الأحمر نصيب واضح بالعمل وتمهيد لما سيحدث مستقبلاً. يسترجع حامد حكايته وهذا تذكير القارئ المشاهد بمأساة حامد .. حامد يردد (زوجتك أختي مريم .... لو كانت أمي هنا) بهذا المشهد استطاع غسان أن يعبر عن خفايا شخصية حامد الطفل الكبير، فحامد الشخصية الرئيسية في الرواية شرقي الملامح قمحي اللون أشعث الشعر، يحمل في رأسه مأساة التهجير، يحلم بأن يعيد شمل الأسرة، ينتظر أن تأتي قوة خارقة والمتمثلة بالأم لتعيد له كرامته، وتعيد له العفة والشرف المغتصب، مازال  يشعر بالنقص لقد انتزعوا طفولته وحشوه بالانهزام (لقد جعل من أمه البعيدة ملجأ يؤمه ذات يوم صعب، وانصرف إلى تكبيره وإعداده إلى درجة نسي فيها أن يبني نفسه رجلاً لا يحتاج في اليوم الصعب إلى ملجأ..).

كما يصنع كنفاني مشاهد متنوعة للمقاومة، وموت والد حامد وهو يقاوم وعودته شهيداً على الأكتاف، ويديه تترنح في الهواء، وضياع قبره، والافتراق عن الأم بعد نزوحها وتهجيرها) (ص186) كل هذه المفردات ساهمت بحالة الاضطراب التي غزته وزعزعت ثقته بنفسه.

الزمان عام 1948 ـ المكان شاطئ يافا صباحاً، يبدأ المشهد بصوت ضجيج حمم اللهيب تتساقط في كل مكان، النساء والرجال خاشعون يدعون الله، الأطفال تبكي وتصرخ الناس في حالة رعب وخوف شديد وكأنهم في يوم الحشر، هذيان غثيان، النار تبتلع الأخضر واليابس، الدخان غطى سماء المدينة الطلقات المتوحشة النارية تلتهم الإنسان، الحجر، الحيوان، والنبات.

(مريم) في حالة احتراق عاطفي، وانفعالات جنسية تعيش النشوة مشتعلة مثل المدينة تركض وسط الزحام يبدو عليها الإعياء، الزوارق تشق عباب  البحر، الناس تلقي بأنفسها مرعوبة، أكوام بشرية تتجمع فوق الزوارق المتحركة، حالة من الخوف والهذيان تصاحب الجميع، الرحيل والشتات والضياع يفرض سطوته. (حامد) يخترق الجموع ويلقي بنفسه في الزورق، وعندما يشاهد مريم يسألها عن أمه (ولكن أين أمك؟ تركت على الشاطئ ستلحق بنا، خالتك هنا معنا).

هذا المشهد الذي مزج ما بين واقع التهجير والمشاعر الإنسانية المتناقضة، ما بين الرغبة في الحياة والجنس، وشريط الموت تحول لبانوراما سينمائية لعملية التهجير تلتقطها  أكثر من كاميرا ومن أكثر من زاوية، فالرواية صنعت من خلال عين مخرج يجيد فن بناء اللقطات وتوليفها وتقنية كاتب يملك حرفية  بناء السيناريو، وقد تم دراسة وبناء المشاهد بعمق مع شرح الأبعاد الثلاثية النفسية والاجتماعية والفسيولوجية للشخصيات، وهو عنصر أساس، فالمشاهد هنا بنيان مرصوص يشد بعضها بعضاً بشكل فني وهندسي والمعالجة البصرية واضحة المعالم.

القصة تتواصل بعد عملية التهجير إلى غزة ويكبر العار، فيهرب حامد من جحيم يطارده ويتوحد هو والأرض، ينضج ويقرر الثبات والمقاومة. يمثل حامد الطبقة المتعلمة في تلك المرحلة فهو يعمل مدرساً في وكالة الغوث لجأ إلى غزة مع أخته مريم التي تكبره بعشر سنوات بعد أن احترقت يافا وضاعت أمه في زحمة اللجوء عام 1948، واضطرت إلى النزوح بعيداً عن أولادها، وهنا ينقلنا الروائي في صفحة (193) لواقع الحياة الفلسطينية والشتات التعسفي الذي تعرضوا له الشعب الفلسطيني.

المكان - غزة "بيت حامد" الوقت - ليلا بعد العشاء عام 1946. الجو ماطراً طرقات على باب البيت صوت مزاريب الماء تتدفق، تفتح مريم الباب تطل عجوز متدثرة ببطانية كالحة تزرب من حواشيها خيوط المطر، العجوز أين خالتك؟ مريم: تفضلي، العجوز تدخل إلى سرير خالتهم المريضة، العجوز بعد أن تتنهد، أختك أم حامد جاء اسمها في الراديو سألت عنك وعن حامد وعن مريم، وطلبت أن تقولوا لها أين أنتم؟، الخالة تبكي وتحتضن حامد بين ذراعيها ... ماتت الخالة في غزة وبعد ستة عشر عاماً من القهر والحرمان، تنهار مريم أمام أول رجل يحاول استغلالها .. اقتحم زكريا حياتها وقرر افتراسها من اللحظة التي شاهدها مع أخيها حامد في الشارع. يرسم لنا الكاتب بداية العلاقة بين مريم وزكريا بثلاثة مشاهد  تمهيدية مترابطة تنمو تدريجياً .. في صفحة (178) يرصد غسان التأثيرات النفسية لمريم ومسببات حالة الزنا (كنت أرتجف خائفة ومستثارة في وقت واحد حين رأيته أمام الباب، كان حامد قد غادر منذ خمس دقائق، وكان زكريا واقفاً أمام الباب واثقاً من نفسه، وسأل هل هو هنا؟ لقد ذهب ليأتي بالإعاشة .. إذن سيتأخر .. ودخلت واضعاً يديك على كتفي .. إذن سيتأخر، كنت ماراً بالصدفة قرب المركز ورأيت ازدحاماً لا يصدق، صحيح أنه أول الشهر. سيول من المشاعر الإنسانية المتدفقة في هذا المشهد تعبر عن الشحنات الشعورية، والرغبات المتدفقة فهو مشهد مركب داخلي خارجي.. يبدأ لحظة تكدس أهل المخيمات على باب مركز الإعاشة والتدافع والصراخ والزحام، حيث يشخص الوضع الاقتصادي والفقر المدقع، كما نشاهد زكريا يتفحصهم بشكل سريع بحثاً عن ضحيته فيبصر حامد فيهز رأسه مبتسماً فينسحب ويواصل سيره .. الكاميرا تتابعه حتى يقف أمام بيت حامد، يدق على الباب، مريم تقف على الباب منفعلة جنسياً مؤهلة للخطيئة، يتقدم يسألها عن حامد، ينظر إليها ونظرات الخبث ترتسم على وجهه ويدخل ويغلق الباب خلفه ثم يقبلها بعنف، يضع يداه على صدرها .. الكاميرا تتحرك تدريجياً من أعلى إلى أسفل، دقات الساعة تتواصل بشكل تصاعدي خلال الحدث.. قطع سريع ما بين المشهد الداخلي والمشهد الخارجي لحامد وهو يقف منهك ينتظر دوره على باب الإعاشة، فتارة ينظر للناس وأخرى ينظر للساعة ... قطع على حامد، تعود الكاميرا لمشهد زكريا وهو يلبس ملابسه، زكريا الأفضل أن أذهب .. يخرج  وتبقى الساعة المسروقة تدق .. تدق حتى نهاية المشهد، ثم يتبعه مشهد فرض الأمر الواقع (نبت جنينك في رحمي، وليس أمامنا إلا الزواج، وضعنا حامد تحت الأمر الواقع، رغم أنه لا يطيق سماع صوتك، وضحيت بحامد، استعبدتني الرغبة فلم أفكر بأسرتك وزوجتك وأولادك الخمسة وتزوجنا وكان (كله مؤجل طبعاً فالمعجل هو جنين يتخبط في رحمي)، وهرب حامد من اللعنة يستنجد بأي ظل، وبقيت وحيدة أعيش كابوس خطيئتي مع زكريا النتن، ويرافقني  نعش الساعة المرعب.

المشهد الأول، المكان - الشارع .. الزمان – نهاري: حامد ومريم يسيران بالشارع فيقتحم زكريا طريقهما فتكتشف مريم أنه مجرد زميل لحامد بالمدرسة.

المشهد الثاني، المكان - الشارع.. الزمان – نهاري: مريم تمر بالطريق فيقطع زكريا طريقها ويطلب منها أن تسلم على حامد ..

المشهد الثالث، تفتعله المكان – المقهى.. الزمان – نهاري: مريم تمر لتلفت انتباه زكريا وهو جالس على القهوة .. مريم تبطئ من خطواتها حتى يراها ويتبعها.

هذه المشاهد الثلاثة تساهم في بناء مشهد الذروة التأسيسي للعلاقة الحميمية بين زكريا ومريم.

يهرب حامد إلى الصحراء ومازال يركض وراء سراباً خوفاً من الكابوس الذي يطارده، تاركاً ورائه الوطن والأخت الضائعة التي كانت ضحية النكبة والتهجير، وافتقدت أمها النازحة وخطيبها الشهيد فتحي، تخلص حامد من أوهامه وضعفه. لقد ساهم مشهد التحامه بالمجند وسيطرته عليه ببلورة شخصيته، فالمشاهد السينمائية في صفحة (203، 204، 205) تعبر عن انسجام عضوي وبناء محكم سينمائياً.     في صفحة (168، 169) المكان - الصحراء.. الوقت ليلاً - المؤثرات الصوتية - صوت الرياح وصوت نبضات قلب حامد.. الإضاءة، هناك نوعان من الإضاءة المستخدمة طبيعية وصناعية متمثلة، بالإشارات الضوئية من المجند الإسرائيلي. يبدأ المشهد بإشارات ضوئية سريعة تنتقل الكاميرا لحامد وهو بأقصى حالات الاضطراب ، ينظر للهضبة المسطحة والتي كانت مصدر الضوء وكأنه سيشاهد وحش يتحرك أو شبح يطارده فيرتعش خوفاً، وأخيراً يسيطر على انفعالاته ويستلقي فوق الأرض، ويتابع مصدر الضوء المتحرك، فيشاهد جندي الاحتلال يقترب منه، فيقرر حامد سريعاً السيطرة عليه، وبدون تردد ينقض عليه ويعضه من كتفه، ثم يركله بين فخذه، وينثر حفنة تراب في عينيه، فتخر قوى الجندي ويسقط على الأرض بعد أن يجرده من سلاحه الرشاش ويلقيه بعيداً ويحتفظ بالسكين، للمرة الأولى يشعر حامد بنشوة الانتصار. يعتمد غسان في هذا المشهد على القطع السريع والإيقاع المتصاعد ما بين الفعل وردة الفعل .. الكاميرا متحركة مضطربة تجذب القارئ المشاهد وتجعله جزء رئيسي من الحدث وتحرك انفعالاته وتمنحه عنصر التشويق والإثارة، وتعبر عن التغيرات التي واكبت الشخصية .. فلحظة  الانتصار تساهم في نضوج وبناء شخصية حامد وما يطرأ عليها من تغيرات.. يرفض حالة الذل ويتنكر للماضي الانهزامي ويستعيد الأوراق المشرقة واللحظات الجميلة التي تمنحه القوة والصمود والتصدي، مثل استشهاد الفدائي سالم الذي علمه معنى مقاومة الاحتلال..  يسترجع  حامد شريط الذاكرة كيف خرج سالم  شامخاً ووقف يتحدى جلاده، وفوت الفرصة على الخائن الساقط زكريا قبل أن يشي عنه للاحتلال، مازالت نظراته تحتضن الجماهير وتدعوهم أن ينتصروا للحياة وأن يثوروا على القيد والخيمة، ثم يصب سهام الشفقة والاحتقار على الخائن النتن الذي باع نفسه لأجل حياة رخيصة، يسترجع الكاتب مشهد زكريا من خلال مخيلة حامد ليقول أن من يخون ويغرق بالوحل بإرادته لن يتعافى من مرضه يوماً (وقبل أن يفعل تقدم سالم من تلقاء نفسه ووقف أمامنا مباشرة. وقد رأيناه يغسلنا بنظرات الامتنان  التي لا تنسى  فيما كانوا يقتادونه أمامهم إلى أن عاد والتفت إلى زكريا وشيعه بنظرات رجل ميت: باردة وقاسية وتعلن عن ميلاد  شبح) استشهد  سالم، فأسكنه  غسان في الذاكرة، غذاها بصورة الفدائي الذي لا يسرق لا يكذب لا يزني وينتصر لشعبه، والذي تأثر بها حامد بعد ستة عشر عاما من التردد والخوف يخترق الصحراء  خلال  محاولته الغوص في قلبها، شاهدنا بصرياً لوحة معبرة، بأسلوب مشوق، معتمدةً على العناصر الطبيعية كالمؤثرات الصوتية، ثم يعود بذاكرته للنتن ما زال  يرعبه غدره وهو يبتكر فنون للخيانة عشق اًلملذات الحياة، لم يفكر يوماً بمصير عائلته الصغيرة  وأولاده الخمسة، ولا بالعار الذي سيلحقه بزميله في المدرسة حامد الذي استباح بيته وطعنه بشرفه، كل هذه  المكونات البصرية واللقطات المتنوعة والمزج السريع ما بين الحاضر والماضي والأصوات المتشابكة ، شكلت شخصية المقاوم لدى حامد، فلأول مرة تمنحه الصحراء الشجاعة لكي يلتحم بعدوه الحقيقي فعملية الالتحام والمواجهة المباشرة مع العدو خلقت منه إنسان آخر يفكر بأسلوب جديد تخلص من ذله وعاره وقرر أن يحيا فوق أرضه، ويكتشف ذاته بعيداً عن الأوهام والمعجزات القادمة،  فحامد أدراك أنه لم يعد يملك شيئاً ليخسره، فيخاطب عدوه.. (سأقول لك شيئا مهما ليس لدي ما أخسره الآن، ولذلك فقد فاتت عليك فرصة أن تجعلني رِبحاً لأن موت المقاوم حين يواجه عدوه لن يكون خسارة على النقيض سيتحول الموت إلى حياة وتتحول المواجهة مع العدو في المستقبل القريب إلى ولادة جديدة، وهناك قضايا أخرى لها قيمتها يجب أن نحسب حسابها أن تقتل أنت هنا على بعد خطوات من معسكرك ربما هو عمل أخطر من أن أقتل بعد خطوات منه).

يستقيم الأمر وتنضج الشخصية بعد المواجهة مباشرة. حامد يقرأ الواقع المعاش بشمولية ويحدد مفهوم المكسب والخسارة ومعنى الحياة والموت، فأما أن تعيش حراً أو تموت حراً (ما تبقى لي في العالم كله ممر من الرمال السوداء، عبارة بين خسارتين، نفق مسدود من طرفين). كل هذه اللعنات تؤهل حامد للمقاومة والانتصار لنفسه ولوطنه فيخاطب عدوه (كن رجلاً طيباً ودعنا نتحدث عن يافا. إن الانتظار الصامت لن يأتي إلا بالرعب)، وهنا يوضح غسان أن الاحتلال لن يفهم لغة المفاوضات فما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة، فكل المحاولات  للتفاوض والوسائل السلمية مع خصمه تبوء بالفشل، فتتعزز لديه فكرة التجذر في أرضه واختيار وسيلة الكفاح المسلح لانتزاع حقوقه (أدركت أنه سيكون بوسعي ذات لحظة أن أجز عنقه دون رجفة واحدة، وأن هذه اللحظة ستأتي لا محالة)، ويجسد (حامد) نبوءة الفدائي الذي سيغامر بدخول الأرض المحتلة، ليصل إلى أمه الحقيقية (الوطن) لينفض عن نفسه غبار الوهم الذي عشش في داخله طويلاً، وقد تجسدت النبوءة بعد سنة من كتابة الرواية عام  (1965) يطلق الفدائي رصاصة الثورة، وهكذا نجد المبدع الأصيل يستشرف المستقبل، ليسلط الضوء على كل الوسائل التي تغذي رؤيته.

مشهد الكفاح المسلح صفحة (226، 227، 228) المكان الصحراء، الزمان بزوغ الفجر، حامد ينظر إلى المجند المقيد، ويمرر نصل السكين فوق حذائه .. الحذاء هو نقطة التواصل بين الإنسان والأرض لذا نشاهد حامد يمرر نصل سكينه على الحذاء ليقول للمشاهد المتلقي علينا أن نجتث الاحتلال من جذوره.. (الجندي ينظر إليه، نظرة خرساء خائفة، يزحف على مؤخرته للبحث عن زجاجة معدنية سقطت منه، حامد يتقدم ويهز الزجاجة وينظر للجندي نظرة احتقار، ويرميها بعيداً.. يأخذ حامد أوراقه من جيبه، يشاهد كلمه يافا باللاتينية، حامد يقترب منه للسؤال عن يافا)، إيماءات الجندي تدل على رفضه للحوار، فلن تكون هناك لغة بين القاتل والقتيل.. ليس أمام حامد إلا أن يشهر سلاحه في وجه المحتل وينتهج نهج الكفاح المسلح.. كما ترصد الكاميرا  في الطرف الآخر (مريم) وهي تواجه عدوها الداخلي زكريا  وتتحرر منه. المكان .. بيت حامد - الوقت - ليلاً.. المؤثرات الصوتية - دقات الساعة التي تتابع تصاعد الحدث .. مريم تصرخ بجنون لكي تحمي جنينها، تختلط الأصوات ما بين صراخها وشتائم زكريا، مريم تضع يديها على بطنها لتوحي للقارئ المشاهد أن الطفل القادم يحتاج أرض نظيفة خصبة حتى يخرج للنور، لكن زكريا محور الشر يصمم على قتل الحلم، فينقض عليها لكي تسقط جنينها، مريم تصب ناظريها على السكين وتأخذ قراراً سريعاً أن تتطهر من ذنوبها لتحمي المستقبل،  تنطلق وتحمل السكين، لقطات متنوعة متبادلة سريعة بأحجام متساوية بين  فعل وردة فعل توثق انفعالات زكريا ومريم .. كالبرق تتقدم مريم مسرعة وتطعنه في عانته، زكريا يتراخى ويحاول الإمساك بالمقبض، لكنه لم يفلح فينحني ويستدير على الطاولة، الدم يبلل سرواله، زكريا يصب نظرات خبيثة عليها، مريم تمسكه من كتفه وتدفعه نحو الحائط، يلتصق جسده هناك وينحني بعض الشيء وقد سقط ذراعاه على جبينه ، ألصق جبينه على الحائط محاولاً أن يبعد المقبض عن الوصول إلى الجدار، مريم تضع ركبتها على ظهره  حتى يغوص  النصل في لحمه. مريم تبتسم وكأنها تغتسل من ذنوبها وتروي عطش الضحايا.

جمال السينما أنها تختصر الأزمنة وتخترق الأمكنة وتوحد المشاعر فلا مسافات في عالم الصورة، الأفكار تتجاوز الحدود، إنه التمرد على التردد والضعف، مزيج من اللوحات التعبيرية السينمائية المتناسقة، نفس الانفعالات والتصعيد ونفس  القرار في الصحراء، وفي بيت حامد .. التأثير النفسي يتم توزيعه ما بين حامد ومريم رغم اختلاف الأمكنة من الواضح أن كل هذه التفاصيل وبعد المكان، لم يؤثرا على علاقة الترابط بالمشاعر بين حامد ومريم أنهما يعيشان نفس القضية، ونفس اللحظات الانفعالية ..   تعتمد الكاميرا المتحركة على الإيقاع السريع والفعل ورد الفعل، واختيار أحجام اللقطات والزوايا المتشابهة في كلا الحالتين، ما بين حامد والمجند ومسرحهم الصحراء، وزكريا ومريم ومسرحهم الزمن المفقود والتي ترمز له الساعة النعش.

ينقلنا الكاتب من مكان لمكان، ومن زمان لزمان، ومن شعور لشعور، ليضع القارئ المشاهد في وسط الحرب مع جنوده أبطال روايته، نقرأ تفاصيل ملامحهم، ونشاهد عملية الانكسار النفسي بعد كل حدث، وخطواتهم الجنائزية النابعة من المشهد، فالمعركة مغلقة تحتاج الحسم واتخاذ قرار المواجهة.

(كانت الساعة تشيع نفسها كل صباح في نعشها الصغير أمام عيني وأنا أبدل ثيابي، ومع صبي الخباز تسلمت منه أول الكلمات وآخرها سأغادر مع غروب الشمس وسأكتب لك من الأردن) عاشت حالة انتظار كأن دقات الساعة مربوطة بنبضات قلب حامد، وقفت شاخصة أمام الساعة تراقب حركات عقاربها تحسب خطاه (وها هي تدق عشر دقات تدق، تدق وكأن العكاز ينتزع نفسه وهو يدق خطواته الأبدية  المفردة في نعش صغير مغلق بإحكام)، مريم تحترق تغزوها الهواجس وزكريا يغط بالنوم وكأن شيئاً لم يكن ما زالت تترقب مصير حامد فهي السبب الرئيسي وراء هروبه. في صفحة (191) ينظم لنا غسان المشاهد وكأنه ينظم قصيدة  شعر ما بين اضطراب مريم ومشاعرها الإنسانية، وسكون زكريا والبحث عن المكاسب المادية، فكل همه بعد هروب حامد تغيير الأثاث والبحث عن متعة إضافية. ما يشدك لهذا العمل.. الإيقاع الخاص باللقطات وإيقاع الشخصيات فيما بينها فما بين تناقض الانفعالات الداخلية وتقطيع المشاهد الخارجية بأحجام مختلفة ومتنوعة تحملك إلى عالم المعرفة والتشويق والمتعة.

المكان بيت حامد التوقيت ليلي .. تجلس مريم أمام الساعة نعشها الصغير، تراقب خطواتها، تتذكر حامد يوم أحضرها، طرقات سريعة على الباب، تفتح مريم .. حامد يحمل الساعة وعند السؤال عن ثمنها يقول أنه سرقها.. تنتفض مريم مفزوعة عندما تتخيل أن مكروه مسه. يستيقظ زكريا ينظر إلى الساعة ويطلب منها أن تخرج من دائرة الانتظار والقلق وتستسلم للواقع، لأن حامد من وجهة نظره حتماً سيهلك فهو لن يهرب من الميتات التي تنتظره خلال عبور الصحراء .. يقول زكريا (لو قرأت غداً صباحاً في الجريدة خبراً يقول أن أحد المتسللين قتل على الحدود) تنهار مريم... زكريا يتنفس الصعداء منتصراً شامتاً يحتقرها بنظراته، فتنهمر الدموع من عينيها تبكي وتبكي  فيصرخ بها كفى، كفى بعد أن يذبح ضحيته يبدأ بجمع المكاسب يريد زكريا تغيير أثاث البيت، واستغلال التوقيت لمصلحته، فتنهار مريم وتعيش حالة هذيان تسترجع تفاصيل جريمتها المتعلقة بزوجته وأولاده الخمسة، تحاول الاقتراب منها تكتشف أن اسمها فتحية وهو نفس اسم صديقتها في يافا، ليقول لنا الكاتب ربما تختلف الملامح  لكن ستبقى  الضحية واحدة  مادام هناك من يغذي عالم الجرائم.. تسترجع ذكريات يافا والتهجير والبكاء والحرائق والقوارب التي تتجه إلى غزة، وعائلة فتحية ووالدها المصمم على البقاء في المدينة، و فتحي الذي أصبح خطيبها كيف استشهد دفاعاً عن الوطن، تتزاحم في رأسها الأفكار.. تنهض في الذاكرة صورة ضحيتها زوجة زكريا القديمة فتشعر بالذنب (لو استطعت فقط أن أجعلها تفهم بأنني لست ضدها، وأن الأمور كلها سارت دون أن تكون فيها.. ما الذي سيهمها من الكلام وقد أصبحت زوجة ثانية) تجتهد مريم للتخلص من أفكار تطاردها وتتابع عقارب الساعة وهي تتقاطع ثم توقظ زكريا

- ولكن قل يا زكريا، كم يحتاج المرء على قطع المسافة مشياً من غزة إلى الأردن.

- عشر مرات قلت لك.

- لا لم تقل لي.

- اثنتا عشرة ساعة..

مريم ينقبض قلبها وتجتاحها رعشة مفاجئة لحظة التحام حامد مع العدو .. تتوحد المشاعر تطوي المسافات وتتعانق الأرواح خارج الأمكنة والأزمنة.. فتنتفض قائلة  - لقد حدث شيء ما له في هذه اللحظة بالذات .. تعيش مريم الانتظار والخوف من المجهول، يستغل زكريا ضعفها فيكشر عن أنيابه ويفرض عليها أن تسقط الجنين. في صفحة (220) المكان - بيت حامد - التوقيت ليلاً.. مريم تنزف عرقاً مضطربة، تتحرك في الغرفة يأكلها القلق، زكريا يتصفح الشارع من خلال النافذة، ينظر للسماء وإلى أكوام التنك وغرف الطين في الجهة المقابلة، هنا تتضح جغرافية المكان والوضع الاقتصادي للاجئين.

- زكريا أوشك أن يطلع الفجر .. ماذا حدث لك؟.

- مريم لا أستطيع لا أستطيع .. خطواته تملأ رأسي وتدق.

- زكريا .. خطوات من؟.

- مريم: "بغضب" حامد  .. نسيته !.

- زكريا يضحك ساخراً .. زكريا: (مجنونة، تستمعين إلى خطواته).

- مريم: خطواته .. مع كل دقات الساعة يخطو خطوة.

- زكريا "باستهتار" ألم يخطر على بالك أنه .. مريم .. تنظر إليه بغضب فيحاول جرها لموضوع أخر.

- زكريا: اسمعي يا مريم إذا كانت الساعة اللعينة، تسبب لك الأرق فلدي الحل إذا أملناها قليلاً إلى الجانب توقف الرقاص. مريم تشير إلى حركة بطنها لتوحي له الدق هنا ..  وبهذا يربط الكاتب بين إيقاعين .. إيقاع الساعة وإيقاع المولود القادم ..  ليوحي لنا أن توقف الوقت عن الحركة سيتوقف الإنسان وينتهي الكون.

- "ز كريا غاضباً" طفل سادس؟ إنه الولد السادس! لقد نصحتك ألف مرة أن تتخلصي منه، ولكنك تعتقدين أنه شيء مثير ومهم .." مريم ترعبها الفكرة فتلتزم الصمت "يواصل زكريا حواره.

- زكريا: الناس.. الناس ماذا سيقولون؟ هذه فضيحة أخرى، طفل بعد خمسة أشهر من الزواج!! هل حسبتي أنني تزوجتك لتنجبي ولداً أيتها العاهرة؟ إذا لم تستطيعي إسقاطه .. فأنت طالق .. طالق .. طالق .. هل تسمعين؟ طالق.

مريم مذهولة مما وصلت إليه، فبعد أن غرقت في بئر القاذورات و تنازلت عن قيمها النبيلة التي ورثتها عن عائلتها، وعاشت مع رجل جائع يريدها مسخ، فهي بالنسبة له مجرد ممر للرغبات  بين بيته والمدرسة لذا يريدها أن تجهض الجنين الذي بات يشكل لديها الأمل الوحيد في مستقبل أفضل، قررت مريم أن تتطهر من عارها وتجتث الخيانة من جذورها، فقتلت زوجها النتن، حتى ينشأ طفلها واثق الخطى قوي في جو نظيف بعيداً عن أجواء العار.

تعتبر شخصية مريم نموذجاً للإنسان الفلسطيني الذي يقاوم ويقاوم إلى ما لا نهاية حتى لو تعثر وسقط عليه أن ينتصر للحياة، ويبدأ من جديد، ويتمرد على الخوف الذي يستوطنه، ويكون أقوى مادام هناك أمل بحياة أفضل. مزج الكاتب الهم العام بالهم الخاص، فحكاية مريم وسقوطها تتشابه مع حكاية فلسطين  فمريم حلمها الجنين وفلسطين تنظر للأجيال القادمة أن تثور وتجتث المحتل وتحررها .. فحامد ومريم يجسدان الروح الفلسطينية النقية التي تنهض من وسط الركام وتنتصر للحياة.

وأخيراً نستطيع القول أن الرواية الحديثة هي فيلم سينمائي مصور كتابياً.. الفرق بينها وبين الفيلم، أن الفيلم يقوم بإخراجه مخرج لها رؤية محددة يمنحها للجمهور.. عكس الروائي الذي يمنح كل قارئ مساحة من الخيال لإخراج عمله بنفسه.. ليس معنى ذلك أن كل كاتب رواية سيناريست، فكاتب السيناريو يحتاج إلى ملكة خاصة وعالم من الخيال فعليه أن يكون جراح محترف ومهندس يجيد فن البناء وقاص يحيك عناصر العمل من لحظة ولادة الفكرة حتى الشروع في عملية البناء محافظاً على الإيقاع  مروراً باختيار الشخصيات ودراسة طبيعة الحوار والصراع والحبكة والتتابع والمفاجأة وإخفاء المعلومات والتوقع ومخالفة التوقع واختيار نوعية الإضاءة والمؤثرات الصوتية والموسيقى وفن توليف اللقطات في المونتاج وعناصر التكوين السينمائي، فما تبقى لنا بعد دراسة الرواية هو فن المعرفة والجمال التي منحنا إياها الشهيد المبدع غسان كنفاني.

 

مصطفى النبيه – مخرج فلسطيني

 

مادونا عسكرقراءة في نصّ للشّاعرة المصريّة أمينة عبد الله

- النّصّ:

أكره الجنّة

الّتي يقف على بابها الحجّاج بن يوسف الثّقفي

معلّقاً في مشكاتها عبد الله بن الزّبير

أكره الجنّة

ففيها احتقار لقيمة العمل

أناس كسالى متواكلون على ملائكة مظلومون يكرهون البطالة

أكره الجنّة

الّتي لا عمل لأسماء بنت أبي بكر إلّا رتق النّطاقين وانتظار رجال القبيلة

أعشق النّار كخليّة نحل تشقي بكلّ المغرّدين خارج السرب

الجنّة ليس بها علماء يستفيدون من النّار في تحويل الطّاقة والاختراعات

الجنّة ليس بها شعراء يؤرّخون للمرحلة

أحبّ جهنّم الّتي يستفيد فيها كفّار الجنّة من العلماء والرّاقصات وصانعي الأفلام

أعشق النّار الّتي تصنع البهجة بلا حوريّات عين

***

- القراءة:

الكتابة الحقيقيّة، لا محالة جارحة. ويتطاير من بين حروفها الشّرر. (د. يوسف زيدان)

في حنايا نصّ الشّاعرة أمينة عبد الله كتابة حقيقيّة تعبّر من خلالها عن وعيٍ متقدّم لمفهوم الجنّة والنّار، غير ذلك المفهوم السّائد أو الملتبس عند البعض أو الأغلبيّة. كما أنّها تعطي تصوّراً خاصّاً عن الجنّة والنّار يكسر الموروث ويتخطّى الفكر الدّينيّ النّمطيّ. ينبع هذا التّصوّر من تأمّل عميق موغل في التّاريخ والسّلوك الدّينيّ المرتبط بالقتل لتعزيز أركان الدّولة، أو المرتبط بالكسل الذّهنيّ والفكريّ والعمليّ، والمستند إلى أصول فكريّة لا علاقة لها بالمفهوم الإلهيّ. ويتطاير من هذه الكتابة شرر يجنح إلى قلب المفاهيم أو إصلاح ما أُفسد منها. وبذلك تتجلّى أهمّيّة الكتابة وعمق معانيها ويتحقّق هدفها المفترض أن يكون زلزلة المتلقّي وخلق التّساؤل في داخله واستفزاز البحث والتّأمّل.

(أكره/ أعشق) فعلان جسّدا بقوّة الهوّة العظيمة بين الجنّة والنّار بمعناهما المتعارف عليه. إلّا أنّهما جسّدا بقوّة الهوّة العظيمة بين مفهوم الشّاعرة للجنّة والنّار والمفهوم الملتبس عند الآخرين. فخرجت عن نطاق المفهوم الرتيب والمقيت للجنّة والنّار؛ لتدخلنا في تصوّرها الشّخصيّ الّذي محوره العمل بشكل أساسيّ. ومبدأ العمل يشمل الفكر، والبحث، والنّشاط الجسديّ والرّوحيّ الدّؤوب لتحقيق الصّورة الإنسانيّة الكاملة. لا تلك الصّورة الخاملة المنتظرة تعويضاً أو خائفة من عقاب.

أكره الجنّة/ تعبير صادم يحطّم الصّورة المألوفة، ولعلّ الشّاعرة عبّرت بصدق شديد عن كفرها بالحالات التّاريخيّة القديمة والمعاصرة الّتي تنزع إلى السّلطويّة والإجرام والانتهاك بغية بلوغ الجنّة أو تحت غطاء هذا المسمّى (الجنّة). الجنّة الّتي اخترعها السّفاحون ليرعبوا الإنسان فيستحكموا ويتحكّموا أكثر.

أكره الجنّة

الّتي يقف على بابها الحجّاج بن يوسف الثّقفي

معلّقاً في مشكاتها عبد الله بن الزّبير

بدت الجنّة المكروهة من الشّاعرة حالة خاملة، راكدة أشبه بالموت، لا عمل فيها. كأنّ الإنسان إذا ما بلغها فقد الحالة الحركيّة. أو كأنّه قد صوّر إليه أنّ النّعيم الآتي لا حياة ولا حركة فيه. بيد أنّ الآية في سورة النّساء تبلّغ المؤمن أنّ النّعيم الآتي حياة. "سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ" ﴿٥٧ النساء﴾، واستناداً إلى عبارة (خالدين أبداً) يظهر معنى الحياة الأبديّة ومفهوم الخلود. وإذا حضر معنى الحياة حضر مبدأ الحركة.

أكره الجنّة

ففيها احتقار لقيمة العمل

أناس كسالى متواكلون على ملائكة مظلومون يكرهون البطالة

أكره الجنّة

الّتي لا عمل لأسماء بنت أبي بكر إلّا رتق النّطاقين وانتظار رجال القبيلة

إلّا أنّه ينبغي أن نقف أمام إقحام عمل أسماء بنت أبي بكر في النّصّ الّتي تبدو في حالة انتظار لا هدف له أو لا قيمة له. فلفعل أسماء الّتي سُمّيت بذات النّطاقين الّتي شقّت نطاقها لتربط سُفرة النّبيّ وأبي بكر حين خرجا مهاجرين إلى يثرب، قيمة إيمانيّة دلّت على إيمان أسماء وعلى قيمة عملها الإيمانيّ. لكنّ الشّاعرة تبدو كأنّها تتهكّم على أنّ ما قسمته أسماء بنت أبي بكر في هذه الحياة ستعيد رتقه في الجنّة. وهنا يبدو قصور ما في المزج بين قيمة العمل الإيمانيّ وما سبق وأوردته الشّاعرة في بداية النّصّ. مع العلم أنّ الإيمان هو الجنّة الّتي تبلّغ جنّة الآخرة بحسب قول ابن تيمية: "إنّ في الدّنيا جنّة من لم يدخلها لم يدخل جنّة الآخرة، قالوا: وما هي؟ قال: إنّها جنّة الإيمان". والإيمان من دون أعمال لا قيمة له بل ينتفي معناه.

هل أرادت الشّاعرة التّفريق بين لفظ (النّار) ولفظ (جهنّم) في القسم الثّاني من النّصّ؟ خاصّة أنّها أشارت إلى النّار كعنصر يستفزّ القدرات الإنسانيّة ويوقد فكرها وينزع عنها النّمطيّة والرّتابة الفكريّة وأحاديّة الفكر، ويؤسّس لبناء حضارة (أعشق النّار كخليّة نحل تشقي بكلّ المغرّدين خارج السرب). أم إنّ النّار وجهنّم مترادفان لديها؟ أم إنّها تتمرّد على التّطرّف الدّينيّ المناهض للحضارة والمدمّر إيّاها؟

الجنّة ليس بها علماء يستفيدون من النّار في تحويل الطّاقة والاختراعات

الجنّة ليس بها شعراء يؤرّخون للمرحلة

أحبّ جهنّم الّتي يستفيد فيها كفّار الجنّة من العلماء والرّاقصات وصانعي الأفلام

أعشق النّار الّتي تصنع البهجة بلا حوريّات عين

لا بدّ من أنّ في هذه السّطور إشارة إلى أولئك الّذين يعتقدون أنّ الجنّة ملاذ غرائزيّ وحسب، وإلى أولئك النّاقصين فكراً وديناً، استناداً إلى استخدامها لفظ كفّار الجنّة (العلماء والرّاقصات وصانعي الأفلام) المعدّين كفّاراً بنظر التّطرّف الدّينيّ. ولا بدّ من أنّها تحيل مفهوم البهجة إلى الإشباع الذّهنيّ والفكريّ والحضاريّ لا الغرائزيّ. (أعشق النّار الّتي تصنع البهجة بلا حوريّات عين)

قد لا يكون النّصّ مبهراً فنّيّاً، ولعلّ الشّاعرة اشتغلت على تحقيق الصّدمة لدى القارئ بهدف تبديل المفاهيم المتطرّفة السّائدة والتّمرّد عليها، فخلا النّصّ من عنصر الدّهشة. وقد لا يخلو النّصّ من خطاب مباشر وربّما مستفزّ إلى مجموعات تحتكر مفهوم الجنّة والنّار وتفرضه عمداً، إلّا أنّ النصّ عميق المعاني ويعبّر عن مفهوم متقدّم للدّين عند الشّاعرة ينازل التّطرّف الفكريّ والدّينيّ مقتحماً ركود العقول ليحرّك ماءها فتستفيق من الخوف والجهل.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

1091 حجازيتمثل التجربة الشعرية لدي الشاعر حسن حجازي في ديوانه ”وريقات من كتاب الشعر” الصادر عن اتحاد كتاب مصر 2019م. والذي يحتوي علي 24 قصيدة كتبها الشاعر معبرا عما يدور داخله من حب وعشق للأمة وللوطن، تعبيرا عن مشاعر عاطفية ووطنية جياشة تفرض حضورها داخل معظم قصائده، معتمدا علي روافد معرفته البيئية والثقافية، وتبرز مقدرته علي إبراز جماليات التناص الديني والتاريخي نابعة من ثقافته العربية والغربية، وقد عبرت عناوين قصائده علي ذلك ومنها (وريقة من كتاب الشِعر، تصبحون على.. شِعر، اغضب، الأقصى.. هل يضيع؟، وريقة من كتاب الغربة، دم المسلم، أهل دمشق أدرى بشعابها، جنيف 2.. وسيكس بيكو الجديد، وتهون الأرض، رسالة.. للقادم، ِلمن يهمه الأمر!، يقين، معا ضد الإرهاب، أهلا بالمعارك، اليوم موعدنا، هذا الشعب، الرقم الصعب، إرادة، درع وسيف، خير أجناد الأرض، ماذا نقول له ؟، قنوط، استراحة محارب، كالبدر.. بل أجمل !، حالة حب خريفية، تأملات، مـــرآة، حالة تلبس) تلك العناوين التي تفصح عن علاقة الشاعر بالواقع المحيط به وما يدور حوله من أحداث سياسية واجتماعية واقتصادية متسارعة تترك أثرها علي تجربته الذاتية، وتحدد موقفه منها، نراه كلما ضاقت به السبل يلجأ للشعر كي يبوح ما يداخله ـ كأنما يفضفض أوجاعه غلي الوريقات التي تمثل جزءا من كل، فهناك تجارب أخري عديدة باح بها في دواوينة التي صدرت، وهناك تجارب في انتظار البوح علي وريقات أخري، يشكلها وعيه ورؤيته، وموقفه من الحياة التي يعيشها في مجتمع استلب من الإنسان مشاعره، وتحكمت المادة في هذه العلاقات الإنسانية التي لم يتبق منها سوي تلك المشاعر التي تتشكل في هيئة قصيدة يكتبها وتكتبه، وتعبر عن بعض مواقفه الحياتية داخل نفسه ووطنه بل تمتد لتعبر بصدق عن قضايا أمته .

 ويبدو من وضوح التجربة الشعرية لدي الشاعر حسن حجازي في ديوان ” وريقات من كتاب الشعر ” التي ذكر فيها كل هذه الأماكن الوردة، وارتباطها بالأحداث الجارية ليست مقصودة لذاتها بل في علاقتها بتجربة الشاعر وتقوم بتشكيل الوعي بالذات الشاعرة، فالإنسان العارف بالله الذي تأخذه السياحة في طلب المعرفة لا يقف عند المألوف من الأشياء والأماكن، بل يبحث في مكنوناتها وتناقضاتها، وهذا ما حصل لنا مع الشاعر، إذ يصور هذه الأماكن المشكلة للوعي وكأنه يكتب سيناريو يمكن أن نحول من خلاله شعره إلى فيلم طويل، ما دام يصدق فيما يرى مثل كاميرا موضوعية بعيدة عن تدخل الذات وتشظيها قي واقع مؤلم وحزين.

 وييبدو أن كثرة التناص في شعر حسن حجازي تجعله يستعرض آفاق تجربة إبداعية متخلقة، متخيلة، مختلفة واضحة المعالم والرؤى في هذا السفر الإبدعي عبر القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة النبوية والأحداث التاريخية، فالشاعر استلهم لغته من معجم ديني مواز لتجربته الشاعرة ومحيلا إلى أن الشعر يرقى عندما يرتبط بالمعرفة، حيث يصور الإنسان في أبهى تجلياته الإيمانية التي يحضنها الدين عقيدة وشريعة، ويزكي هذا الحضور الديني النزعة الصوفية لدى شاعرنا من خلال التناص مع تجارب شعرية سالفة الذكر في تراثنا العربي، كما يحضر التناص الشعري من خلال الرجوع إلى الشعر العمودي و الشعر الحر وقد أصبح التناص في شعره جزءا لا ينفصل من لغته الشعرية وثقافته واطلاعه علي تجارب الآخرين من رواد الشعر العربي والعالمي.

***

وريقة من كتاب الشِعر

البحرُ من أمامِكم

والشِعرُ من خلفِكم

فإما الموتُ أو الكتابة

فأينَ تذهبون؟

***

ما حرقتُ سفيني

ولا مزقتُ دفاتري

وإنما أرسلتُ قلبي

خلسةً..

لعلي أجد قبساً من حب

أو جذوةٍ من نار

أحرِقُ بها زيفكم..

فأينَ تفرون؟

***

ما خنتُ قلبي يوماً

وما جَفوتُ قلمي

ربما هي قسوة المُحِب

( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ )

فأينما كنتمْ.. نكون

وكيفما كنتمْ.. نكون

ومثلما هُنْتُمْ.. نهون !

***

الحرية هي الزاد

وهي العٍماد

فكم قتَلنَا الزيفُ

والركضُ خلفَ الكلمات

أما زلتم :

“.. في كلِ وادٍ تهيمون ؟”

***

غُلبِت أمريكا

في أقصى الأرض

كما ” غُلِبَت الروم “

فَنُكِست الأعلامُ

وتهاوي المُبْطِلون!

***

ما بعتُ وطني

وما خلعتُ عمامتي

بقروش أو مسمياتٍ

ما أنزل الشِعر بها

من سلطان

وما وقفتُ يوما

ببابِ ” هامان “

ولا ” فرعون ” .

***

هو صراطٌ مستقيم

أرقُ من النسيم

وأحد من النصلِ المسنونْ

سأقفُ عليهِ يوماً

وتقفون

“وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ “

***

يصلبني قلبي لوقفةٍ

(وفي روايةٍ أخرى قلمي)

تعادلُ يومَ الحشر

يوم أن يضعوا قلبي

على الميزان

ويتربصونَ بهِ :

“ريب المنون”.

***

ما خنتُ ” ولادة “

وما داهنتُ “جبران”

وما نافقتُ ” شوقي”

وما حفظِـتُ حرفاً

من شَعر الأقدمين

إنما سِرتُ

في ركابِ المحبين

أتقلبُ وحدي

على جمرِ الكلماتِ

وعبثاً تسرقني السنون .

***

ما باعَ ” عبدالصبور” ليلاه

وما تركها وحيدة

تنتظرُ المُلك أو المليك ,

إنما نحنُ من تهنا

عن الطريقْ

تتجاذبنا الممالِك

وتلهو بنا في غيها :

السُنون .

***

فطفنا حولَ البابِ العالي

قرونا وخنوعا

وميراثا من سواد

ونارا ما خبا جمرها

لم تزل تصطلي

تحتَ الرماد

ولم نزل غرقى

نتخبط بلا هدف

في بحارٍ من ظنون .

***

مازالت ” ولادة “

تنتظر فارسها , بلا جدوى,

في سفره الطويل

عبرَ القرون !

***

البحرُ بحركم

والشِعر شِعركم

أما أنا : فعابر سبيل

في رحلتي عبرَ الدهور

أسعى لبضعِ قطراتٍ

من الرحيقِ المختوم

ربما تشفع لي ولكم

في يومٍ محتوم

فأين أذهب؟

وأينَ تَذهبون؟

***

” جفت الأقلامُ

و طُويِت الصحف “

ومازلنا على الدرب

نسعى..

فكيفما كنتم.. نكون !!

***

دراسة دكتور إبراهيم عطية

 

رحمن خضير عباسعن دار لارسا للطباعة والنشر، صدرت مجموعة قصصية للكاتب العراقي المغترب عبد جعفر، تحت عنوان (طاقية الوهم). وهي المجموعة الرابعة في مساره القصصي . وقد تضمنت أيضا بعض القصص القصيرة جدا، إضافة إلى مسرحية من فصل واحد.

يبدو أنّ أغلب قصص المجموعة تلعب على حبال الوهم، في محاولتها للبحث عن بعض الحقائق التي تشظت وتشوهت، في عملية تشبه ألعاب السيرك، حيث يظل ابطال قصصه معلقين على حبال الخطر والمجازفة والوهم. وكأنهم يعيشون أحلام اليقظة، فالأحداث تسير في نسق متشابه، مابين الأفعال الحقيقية التي يمارسها هؤلاء البشر، وما بين الوهم المُتَخيْل الذي يكتنف هذه الأفعال والأحداث، حتى يكتشف القارئ أنه أمام صور فنتازية، يمتزج فيها الواقع بالمُتَخيل، والحقيقة بالوهم . هذا ما ظهر في قصة متحف الحياة، التي تجعل السياق السردي يسير على مستويين:

المُمكن وغير الممكن، مما يجعل هذه المجموعة، وكأنها تسعى للبحث عن أجوبة مناسبة لأسئلة حادة . إنّها الحيرة التي تجعل الأسئلة ترفرف في الفراغ :

أين كنعان؟ كيف انتهى أبو الصفو؟ ماذا يبحث المسافر؟ لماذا لجأ الحامد إلى المشاكسة؟

وغيرها من الأسئلة التي تتقافز بين ثنايا النصوص. غير أن المغترب يحتل البطولة في أغلب القصص. المغترب الذي يحمل أزماته أو فشله أو ثقافته أو جنونه. ذلك الإنسان الذي قذفته ظروف قاهرة، في مجتمع جديد كان – ربما - يحلم به، ولكنه حينما عاش فيه لم يستطع أن يهضمه، فبقي معلقا في وهمه.

المغترب الذي فشل في أنْ يندمج أو يتأقلم مع معطيات الحياة في المهجر، فلبس طاقية وهمه، وظل أسيرا لماضيه، وكأنه يطارد خارطة الذاكرة، فلا يجد فيها سوى الصور المضببة للعنف والقهر. ورغم ذلك فقد بقي متمسكا بهذه الخارطة التي جعلته في حالة انفصام الشخصية.

قصة (الغريق ) تتحدث عن مغترب اسمه (شوقي) يعود إلى مدينته البصرة. ولكنه يغرق في شط العرب. ورغم أن القصة لم تكترث للحادث ولم تتناول سبب الغرق. ولكنها تحدثت عن حياة شوقي في طفولته وصباه، ومدى القحط والفاقة التي تعرض لها من خلال تخلي والده عن العائلة.

ثم يتناول الاعتقال والتعسف الذي تعرض له شوقي الذي أراد أن يحقق كينونته، من خلال الحرية في التعبير والحرية في الموقف. كما تحدثت القصة عن منفاه حيث كان يتلظى من الغربة. وحالما أتيحت له فرصة العودة إلى الوطن، حتى غرق في مياهه. وكأن القصة تريد أن تعبّر عن ذلك الاتحاد الأبدي بين المهاجر وبين الوطن، من خلال ذوبان جسده في قاع النهر.

لقد كانت قصة الغريق ذات تقنية قصصية جميلة، حيث تبدأ من ذروة الحدث، ثم تحاول الكشف عن مقدماته.

أمّا قصة (القطار الهابط) فتحكي عن قطار العمر، الذي يذهب نازلا حتى النهايات الوشيكة أو المتوقعة. وهو يعلن عن مغادرة محطاته في عتمة الليل. هل هي محطات القطار أم محطات العمر؟

فهذا المغتربٌ القادم من أوربا الذي يزور بلدا عربيا، ويلتقي بالمسافرة الجميلة التي شاركته ذات المقصورة، كانت تحسده على عيشه في أوروبا، لأنها تعتقد أنّ أوربا واحة للثراء والسعادة، ولكنه كان يسخر من اعتقادها، فيحدثها عن حجم المعاناة التي يكابدها المهاجر في العمل المضني، من أجل لقمة العيش. وكيف أنّ طبيعة الحياة في الغرب، اجبرته على فناء شبابه في العمل اليومي، الذي لا يلائم كفاءاته . وهاهوَ يعود سائحا، يحمل حقائب الحنين، ويراقب محطات القطار المتسارع.

كل من المغترب والمسافرة يتمنيان أنْ يتبادلا المواقع. هي تحلم بالغرب وحيويته، وهو يحلم بالشرق وسكونيته. وحينما يتجاذبان أطراف الحديث، يشعر بإعجاب خفي بجمالها وحيويتها. ولكنها تبادله إعجابا مختلفا:

"أنت تذكرني بأبي، صوته وهدوئه وملامحه"

وها هو يسقط ما بين سحر الجمال وبين حاجز السن. لذلك يهرب إلى خيالاته في لحظة متوترة مابين النوم واليقظة:

" الهواء يرفعه ويدفعه، استقبلته لطيفة بقميص ابيض شفاف، احتضن جسدها وغرق في تقبيل تموّجاته"

ولكن فتاة المقصورة تقطع عليه أحلامه، محتجة على أن شخيره قد أزعجها.

تهبط المسافرة وتضيع في الزحام، أما هو فيبقى في شرنقة همومه، يحسب صفير القطار في محطات مجهولة.

في (رحلة البحث عن كنعان). غياب كنعان وعدم تواصله يقلق صديقيه. فيحاولان البحث عنه في شقته الكائنة في الضواحي القصية لمدينة لندن. وبعد أنْ يبذلا جهدا كبيرا في الوصول هناك . كانت شقته مغلقة والعمارة شبه خاوية. متى المرأة الشقراء التي فتحت باب العمارة، قد ذابت في العتمة وكأنّها شبح. وحينما تسللا إلى الطابق الذي يسكن فيه كنعان وجدا الشقة مُقفلة، ولا حياة فيها. مما جعل هادي يشك في وجود كنعان، ويوجه إلى صديقه سؤالا ينطوي على تهمة الوهم :

"هل أنت متأكد أنّ لديك صديقا اسمه كنعان؟"

لقد حاول الكاتب أن يضخ في قصته شيئا من الغموض والرمزية. فكنعان حكاية ملفّقة، لا وجود لها. إنه الإنسان المهاجر الذي يتوحد وينطوي عن حركة الحياة، ليتحول إلى حضور وهمي . ولعل الكاتب أراد أن يؤكد مسألة الغياب الذي يطرأ على المغتربين، ويجعلهم معتكفين على هموم الوطن الذي أضحى بعيدا، والواقع الذي لم يقدّم لهم البديل .

في قصة (صورة داعش) يحاول الكاتب أن يصور الأهوال التي تعرض لها الايزيديون العراقيون من قبل قطعان داعش. وما حلّ ببطل القصة أبو الصفو الذي تعرض إلى الموت ذبحا. ولكنه بقي يؤكد خلوده حيث أنهم تمكنوا من جسده الهرم. ولكن روحه انتصرت على وقسوتهم ووحشيتهم.

هذه القصة تروي بشكل فني الكارثة التي طالت شرائح كبيرة من المجتمع العراقي، من قبل الفكر الإرهابي السلفي والممثل بداعش، والذي اكتسح الحياة واراد أن يغتالها. لقد كان الضحية الممثلة ب أبو الصفو ينتصر رغم موته، حيث يبتسم ساخرا من ضعف اعدائه الذين لا يحتملون من يختلف معهم في الرأي والمذهب والسلوك. ورغم أنهم اغتالوا جسده بصورة مرعبة ووحشية، ولكن روحه بقيت حية طليقة، تعلن انتصارها على أعداء الإنسانية:

" ومد جسده باسترخاء، واضعا رأسه تجاه جبل سنجار، موقنا أنّ الأشباح السوداء لن تقوى على دخولها "

وفي الوقت الذي تدين هذه القصة التطرف السلفي، فانه في قصة أخرى يدين التسلط الذي يمارسه بعض رجال الدين، والذين يقومون بابتزاز الضحايا واستغلالهم . فالأم وابنتها الشابة تستجيران برجل دين لأرجاع طفلتهما المختطفة. ولكنه يستغل سذاجة المرأتين واعتقادهما بموقعه الديني، من أجل إشباع رغباته الجنسية، واستغلالهما جنسيا.

القصتان تنتصران للطبقات المستضعفة والمهمشة. تلك الطبقات التي وجدت نفسها تحت رحمة إرهاب واستغلال وقتل وخطف. ورغم أن الكاتب قد انتزع بعض قصصه من الواقع العراقي البائس، ومن بعض الوقائع التي تفشت. ولكنه أعاد صياغتها بشكلها الفني، فقدمها إلى القارئ وهي تتماهى مع الوقائع وتنأى عنها، مما أسبغ عليها الكثير من التأثيرات الفنية حتى تكون أعمق في دلالاتها ورمزيتها .

يتجلى الوهم بشكل واضح في سلوكيات (الحامد ) وهو مغترب أيضا، ومشاكساته لمدينة لندن التي يعيش فيها، وذلك من خلال ارتدائه الملابس الشتوية الثقيلة في أوج حرارة الصيف. حيث يصعد الحافلة متأبطا مظلته، والثقيل من ملابسه. بحجة استفزاز المدينة وأهلها. ولكن الشابة اللندنية الجميلة التي ترتدي البكيني تسخر من شذوذ ملابسه بوضع عجزها في حضنه:

"هل تشعر بالدفئ أيها الخنزير "

مما أثار سخرية جميع ركاب الحافلة. وحينما ينزل من الحافلة وسط استغراب الآخرين، يحاول استفزاز شرطي المرور الذي يقف في الشمس الحارقة، ويشكو إليه أيضا من شدة البرد . مما يوهم الشرطي بأنه مجرد مجنون، ويستمر الحامد حتى يدخل الكنيسة، ويدخل في حوار عن البرد مع راعي الكنيسة الذي يعامله بذات الاستغراب، ليقنعه بالإيمان والتقوى، لعلهما يشيعان الدفئ المفقود في جسده !.

هل كان الحامد مشاكسا للمدينة كما يظهر من خلال عنوان القصة بسبب الجنون؟ أم أنّ الحامد في كامل قوته العقلية، ولكنه يعبر عن احتجاجه على مدينة لندن؟

لم نستطع أن نلتقط من سياق القصة إجابة شافية. ولكن سياق النص وسلوك الحامد يعبر عن حالة اللا اندماج الذي يميّز بعض المغتربين، والذين يعتكفون على مزاجية مخالفة لما هو سائد ومقبول في هذه المدينة .

انها الغربة المسوّرة بالاعتكاف على النفس، ورفض التغيير الطارئ حتى وإنْ كان على مستوى الانسجام مع روح الطقس. فهذا الرجل وسلوكه الشاذ، ما هو الا كناية عن بعض المغتربين، الذين يعيشون في الغرب ولكنهم لا ينتمون إليه.

وهكذا يدخلنا الكاتب عبد جعفر في أجواء المهجر، من خلال هذه العيّنات التي اختارها بعناية لمهاجرين لفظتهم بلدانُهم، فعاشوا في الغرب ولكنهم لم يتأقلموا، وتحولوا إلى شرائح اجتماعية على هامش الحياة. ورغم شراسة المغزى العام التي تحاول قصص عبد جعفر الوصول اليه. ولكنها كُتبت بإسلوب كوميدي ساخر .

 

رحمن خضير عباس

 

1088 تفضل معناقراءة في رواية (تفضل معنا وو) للروائي مهدي زبين

وداعا حكايات جدتي:

الروائي مهدي زبين مهموم بتجديد اسلوب السرد، يحاول ان يبتكر اسلوبا سرديا مختلفا عما كتبه ليس عن بقية الروائيين ولكن ايضا مخلفا عن اساليبه السردية السابقة، اسلوبا عابرا للتقليد، وكذلك في طبيعة الثيمة المعتمدة في السرد ليتجاوز المألوف، لم يكن يعبث او يجرب بعبثية او دون دراية ولكني ارى انه كان موفقا جدا في بث روحا جديدة غي الرواية العراقية لتكون بعيدة عن التكرار والاجترار.

لايحتفظ مهدي في رواياته سوى ميزة واحدة، او لايكرر في رواياته الا على ميزة واحدة تميزه عن سواه الا وهي ميزة بث الحياة والحركة وانسنة المفردة فيتلقها القاريئ كروح منظورة وليس كحروف مسطورة، انه اسلوب (السرد الناطق) كما ارى (تهمس خطواتي عند مدخل القاعة) ص7،(عصافير الكلام) ووو8، وهو اسلوب لايتمكن منه الا مالك خيال باذخ وثروة لغوية ثرية، قادر على تخليق روح للعبارة والحرف ... كم اتمنى ان تصيبنا عدوى هذا الاسلوب السردي لتحفل كتاباتنا بالحياة فنشهد حروفنا وعباراتنا كائنات ناطقة تعيش في كوكب عملنا القصصي والروائي .

هذه الرواية هي توصيف لحالات واستعمالات وصور عبارة (تفضل معنا) العبارة ذات الاستعمالات المختلفة حسب المكان والزمان والواقع المعاش، وحسب الفرد الناطق بهذه العبارة، فعلى الرغم من كونها عبارة تحمل قدرا من الاحترام والاحتشام والتقدير والتوقير للمخاطب للداعي وللمستدعى ...

ففي مجتمعنا لها دلالات مختلفة منه: الدلالة على المجهول الدال على الخوف والارهاب والترويع حينما يكون الداعي رجل امن في بلد اللاقانون، حينما يتقضلك معه من الشارع او البيت او محل العمل دون ان يكون لك في في طرح اسئلة من انت، لماذا والى اين ؟؟ فالسؤال ممنوع والعتب مرفوع في بلد الخوف والقهر والخنوع ..

1- (تفضل معي) كما حصل مع عامل الاخشاب وصاحبه واقتياده (تفضل معنا) الى دائرة الامن واتهامهم بسرقة سيارة الاخشاب التي تعود لصديق المسؤول، فلابد من القبض على فاعل كائن من يكون ولايهم ان يكون بريئاً ولا علاقة له بالتهمة، المهم ارضاء المسؤول واثبات الجدارة، دون أي احساس بالذنب او تانيب الضمير حتى وان ادت التهمة الملفقة التي يجبر البريء الاتهام بها تحت التعذيب الى الاعدام حيث سيكون راضيا بالاعدام كخلاص من شدة التعذيب ...

المؤلم ايضا هو موقف الناس في مجتمع الخوف والخنوع هو تاييدهم لفعل السلطات القمعية والامنية دون علم بمجريات الحدث فالسلطة هي الاعلم وهي صاحبة الحق المطلق ولايمكن الاعتراض او التساؤول (تتخاطف اصوات صبية ورجال تشفي بنا:"حيل بيهم" و "عاشت ايديكم"" منصورين ..(حيل بيهم ذوله الارهابيه، فروخ ...) ص27-28

فالروائي هنا يوجه سهام النقد واللوم اللاذع الى مثل هذه السلوكيات العدوانية التي زرعتها سلطة الخوف في نفوس العامة من الناس.

اخيرا يتم القبض على السيارة المسروقة والسارق في احدى السيطرات، يطلق سراح المتهمين مع عبارات التحذير وعدم الكلام عما حصل .!!!

2- (تفضل معنا) للجنة الاتحادية لماذا تكتب ومن تعني ب(اكرهكم)

3- (تفضل معنا) الاستاذ يريدك المنظمة الحزبية، هنا تظهر لنا العبودية والخنوع من قبل (الرفاق) امام مسؤولهم المتغطرس (جبتوه) فياتي الحواب (نعم رفيق (شنو) يعصي على الحزب؟) ص39 .

وبعد ذلك يتحولون الى فئران مهانة حينما يتصاغر مسؤولهم امام ورقة يبدو انها ممهورة بمهر مسؤول كبير، يوجه اللوم للرفاق (والله النوب اللي يتعرض له ميلوم الا نفسه، يلله ولو منا)!!

حتى انهه لم يدقق في الورقة كونها منتهية المفعول واتت بطريق الصدفة في يد(المتهم) بمناكدة الحزب والثورة، هذه صورة للشخصيات الكارتونية المتنمرة على الناس والمتصاغرة امام الاسياد، صورة لذكاء وفطنة الفرد العراقي وضحكه على ذقون قود السلطة وزبانيتها .

4- (تفضل معنا) لتلبية حاجة مخرج سيمائي الى كومبارس يردد كلمات يلقنها له وهو يسجل فلما سينمائيا في المطار، لايعلم ذلك الا بعد اخذ منه الخوف والرعب مأخذه وهو يقاد للمجهول، فيضحك على نفسه .

5- (تفضل معنا) ليفرغ الطائرة من احمالها من فراخ الدجاج، فيخلس قناني مياه علامة (بيريه) بنية وخضراء اللون متوهما انها قناني بيرة، فيعطيه مضيف الطائرة منا مايشاء، فيسكره الخجل والوهم وجهله بان يكون الماء بمثل هذه العلب الجميلة نظيرة علب البيرة في بلادنا .

6- (تفضل معنا) دعوة من الحبيبة لحضور امسية جميلة، يعيش حلم سعادة اللقاء بالحبيبة، تتناوبه اللهفة والشوق و مشهد المافجأة للمحب في قاعة الامسية الفخمة، يفتش عنا يتفرس الوجوه، يمسح بنظراته المنصة وكراسي الجلوس فلا يجدها، يصاب بالصدمة حينما يعلم انها قد فارقت الحياة حينما يدله بعضهم عن لافتة النعي في مقدمة القاعة .

عبر ما تقدم فالرواية تكاد تكون مجموعة من القصص القصيرة يربطها رباط واحد فيلبسها ثوب الرواية الا وهو عبارة (تفضل معنا) بمختلف تجلياتها المؤلة المرعبة، المدهشة، الغير متوقعة الساخرة من الذات ومن الاخر، افرادا او سلطات، قيما وسلوكا وممارسات ...

وقد حملت هذه القصص اجمل ميزة من ميزات القصة القصيرة وملاحتها الا وهي القفلة او الخاتمة الصادمة المدهشة .

مهدي زبين لا يمارس السرد الخيطي المتسلسل متنكرا لحكايا الاجداد والجدات و (سوالفهم) التي كانت تشدنا صغارا في ليالي الشتاء الجميلة ونحن نتحلق حول منقلة الحطب ونتعطر برائحة مسك الجدات ورائحة الشاي المهيل، يقطع الصور ويعرض سلسلة متناثرة الاجزاء لحياة انسانية معاشة، لناس فقراء، بسطاء، محايدين حرمتهم سطوة سلطات ظالمة واعراف بالية وقهر الفاقة والعوز من نعمة الامان والاحساس بقيمة الذات وصيانة الكرامة .

فلو اقتطعنا احد هذه القصص فستكون مكتملة ولا تحتاج لاستكمال بنيتها السردية وحبكتها الى استدعاء القصص الاخرى في الرواية .

انها محاولة لعرض بانورامي لصور وومارسات وتجسيدات وتمظهرات ال (تفضل معناو ..) في حياتنا الاجتماعية المعاشة، يمكن للقاري ان يضيف المزيد من من تمظهرات (تفضل معناو) مثلا (تفضل معنا) لتناول وجبة طعام في مطعم فاخر ونحن نعاني من الافلاس المزمن، ولكن الداعي المتفضل يتسسلل خارج المطعم ولا يدفع الحساب ونقع نحن في المصيدة، وتفضل معنا لحسناء تنتهي بكمين فنكون فريسة للضرب والابتزاز ودفع الغرامات، وتفضل معنا لتصريف وتبادل بعرض مغري لعملة باخرى لنتبين بعد حين انها عملة مزيفة وهناك الكثير من المشاهد .

فتظهر لنا حربنة هذه (تفضل معنا) وقدراتها الكبيرة على الايهام، فمرة سوط جلاد، ومرة افعى قاتلة، او حبيبا مفقود، او ثعلبا ماكرا ..

الامر الرئيس الذي اكد عليه الروائي ان هذه (التفضل معنا) غلفتها السلطات بالخوف وحرمة ورهبة السؤال والتساؤول وهي صفة وتوصيف الانظمة الديكتاتورية في حياتنا اليومية .

("تفضل معنا" يالها من جملة أنيقة، لكنها توحي باتجاهات متناقضة، ظاهرها يساير اللطافة واللياقة العالية، كأن احدا يدعوك الى وليمة \ نزهة، أو مناسبة عزيزة، أو تعني قصدا مغايرا، يفسره سياق الموقف، أنت تحدد صيغة العبارة وكيفية القائها، وتوصيلها الى تأويل يطابق التهديد...) ص21.

 

بقلم: حميد الحريزي

..............

* طبع واصدار فضاءات الفن ط2 2019 .

* رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد(1349) لسنة 2019.

 

 

جمعة عبد اللهروائي عراقي متمكن في اسلوب القصة والرواية. منذ الستينات القرن الماضي ظهر في الكتابة القصة، في سن مبكرة، بدأ ينشر في الصحف والمجلات. بذلك يملك تجربة غنية وهامة، في الابداع واسلوب كتابة القصة والرواية، في اسلوبيته الواقعية الواضحة في المتن السردي. بالتناول بالسعة الشفافة والمبسطة، في لغته الجميلة. بالتركيز المكثف، الصافي من حواشي الزائدة. وهذه الرواية صدرت في عام 1970. نتلمس من خلال الصياغة واسلوبية العرض والطرح، بأنها تشق الطريق نحو التناول الحديث في تقنيات براعة النص، يتجاوز ماهو مطروح آنذاك من الاسلوب التقليدي والكلاسيكي السائد أنذاك، ونستطيع ان نقول بثقة بأن هذه الرواية، نقلة نوعية في تطور اسلوب الرواية العراقية آنذاك، بطريقة ابداعية متمكنة، في الاسلوبية والصياغة، والتناول والطرح، بالرؤية الابداعية العميقة. في تناول قضايا الحياة والواقع، بالاسلوب الواقعي والموضوعي. في تناول الحياة الشرقية في بلدان الشرق، ومنها العراق. التي تتزاحم عيوبها وعثراتها على الانسان الشرقي، التي تضعه في دائرة مغلقة من الهموم والمعاناة. نتيجة العسف والاضطهاد. بأن تجعل الانسان يتحمل صبر ايوب. في العلاقة غير المتكافئة، بين السلطة والمواطن. وهي علاقة السيد بالخادم، في زحمة الارهاب المسلط عليه. لذا يجد الانسان نفسه منهزم ومحبط في الانتكاسات والازمات داخل هذه الدائرة المغلقة. وتجد الانسان يبحث عن منافذ للخروج من هذه الدائرة بأية وسيلة كانت، اي الرحيل خارج البلد، مثلما فعل هذا الشاب العراقي، الذي يمارس مهنة التدريس، ان يجد فرصته المواتية في العمل في المغرب. ان يجرب حظه في مهنة التدريس هناك. ويسمى في المغرب (سي الشرقي). والحدث السردي يقوم في مهمة الرصد والملاحقة، في عيشه وسكنه وطريقته عيشه في الحياة، بالتفاصيل الدقيقة، في غربته الجديدة. بهذا العمق والاتساع في المتن السردي، في معايشة ازماته الجديدة، في الرصد العميق، وبضمير المتكلم السارد. ما هو إلا شخصية الكاتب نفسه. بهذا التدفق الوجداني، في الارهاصات والخوالج والهواجس. كانت غربته في سبيل تعويض خسارات التي تجرعها في بلاده. والسعي الحثيث في امتلاك الحرية المفقودة. التي يجسد قوامها في شخصية المرأة (رقية) وهي الشخصية الدالة في رمزيتها التعبيرية، بالحب والحرية من رؤية واقعية. هذه الفتاة المغربية ذات عشرين ربيعاً، في زيها الشعبي المحافظ. في افعالها وتحركاتها وعلاقاتها المتشعبة والمتشابكة. ربما بعضها يدور في دائرة الابهام والغموض. وهي جزء من العلاقات العامة، بين التحرر والمحافظة. ولكنها تظل تحمل دلالة رمزية عميقة، هي رمزية الحب والحرية. وامتلاكها صعب المنال، تتداخل فيه صعوبات ومعوقات وحواجز شتى. اي انها تحمل تناقضات المتشابكة في روحية الشرق عموماً. ولكن (سي الشرقي) يصاب من اول وهلة، في مشاعر مشتعلة بالتشوق والانجذاب. نحو هذه الفتاة ذات البشرة السمراء والشعر الكثيف، منذ اللقاء الاول تصرعه نظراتها، وتأخذه مجرات المشاعر في التحليق البعيد (إلا اني لم اجد دوافع كافية تحملني، رغم نفسي الى ذرى الموجة، كما يحدث لي في الماضي، شيء ما مهم من مشاعري) ص29. وكانت مشاعره تحرث في امتلاك، والوصول الى قلبها، لينالها بالحب. لتكون كافية لتغيير مسار حياته. من الاحباط الوجودي الذي يعصف في وجدانه وان تأخذه الى مسارات معاكسة، لكي يسكن ويهدأ فورة التوتر والقلق التي تصاحبه كظله، لينطلق الى فضاء الحرية المفقودة في بلاده، ووجدها في شخصية (رقية)، التي تمثل رمزية الحب والحرية. وهو يبحث عن هذه الاشياء المفقودة في بلاده. بهذا التشخيص يرسم الكاتب شخصية (رقية) في ابعادها الوجودية والحياتية (جلست على الكرسي فأنتثر شعرها، كنت أمر بسعادة لا توصف، كسارق حصل على غنيمة العمر، فبات يخشى على نفسه من فرط سعادته - قالت. وأنت؟

- اعجابي يصل الى حد العبادة.

ضحكت : أنا متأكدة من ذلك) ص76. هذا الانبهار الروحي، هو مرادف للانبهار في الحب والحرية، المتلألأةً في عيونها، يجد ماضيه وحاضره، في خيره وشره (كانت عيناها تملأن الوجود عليَّ. ماضيه وحاضره، خيره وشره، واخذت أتلمسها نصباً زجاجياً شفافاً مغرزاً في ذاتي، وملكتني رغبة أحرقت دمائي، لكني أحتقرت نفسي حيث لا أستطيع ان أفعل غير تقبيل يدها، لا أجرؤ ان اتمادى) ص76. وهو يريد ان يلتهم جسدها وروحها في الاحترق الرومانسي (كنت ألتهما. جسدها. روحها. ضحكتها. يالهي، أنني أحترق ولا شك ان روحها هي التي تحرقني. جسدها عملاق من الحسن والوجد والنار، يسد عليَّ المتافذ) ص76. بهذه الغزارة في الشوق الرومانسي، يسعى في الحصول على الشيء الضائع داخل نفسه. بهذه الصورة الابداعية في تصوير، الشخصية الشرقية، التي تتنازعها الصراعات المتأزمة والمقموعة، بالاحباط والمحاصرة، في شرنقة الصراعات المتعددة الجوانب. من القوى المضادة، التي تعمل على الحرمان والانكسار، انها صفة عامة في بلدان الشرق المتوسط. ان تتحول الحرية الى شيء غير موجود، او انها شبح ودخان وسراب.

   احداث المتن الروائي:

شاب عراقي يمارس مهنة التعليم كمدرس، يستغل الفرصة السانحة للعمل في مجال التعليم كمدرس في المغرب، وينزل في منطقة شعبية، في عمارة الصيني المطلة على شارع وزقاق يفصل المدينة الى قسمين. زقاق (زنقة بن بركة)، الذي تدور فيه معظم احداث النص الروائي في هذه الحارة الشعبية، التي تعيش الفقر والحرمان، في سكنه الجديد يتعرف على الناس في الحارة، رجالاً ونساءً، ويرتبط بعلاقات حميمية ووثيقة معهم. وينادونه بأسم (سي الشرقي)، ويتعرف عن حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية المحيطة بهم. يحاول ان يبني علاقة حب مع الفتاة (رقية) لكنه يجد صعوبة ومعوقات في ذلك. مما تزيد من احباطاته النفسية الى التأزم، وينزلق الى الحياة العبثية، في الجنس والنساء والخمر، ولعب الورق والقمار. يفقد التوازن الحياتي في سلوكه. وفي النهاية تحوم حوله الشبهات المريبة، في ارتكاب جريمة قتل، هو لم يفعلها، ليجد مصير الاسود من الاحباط والانكسار والانهزام. ويجد نفسه في حالة يرثى له، يعني انه فشل في امتلاك الحب والحرية.

 شخوص الرواية المحورية:

لاشك ازدحمت الرواية بالشخوص الاساسية والثانوية، رجالاً ونساءاً. ولكن من اهمهم، ثلاثة شخصيات: هي رقية، موجود في كل شخوص الرواية، في تحركاتها ونشاطها وعلاقاتها المتشابكة والمتشعبة. ولكنها مضطربة في التوازن في الحب، واخيراً بعد فوات الاوان، عرفت، بأن (سي الشرقي) يحبها فعلاً وذلك تشعر بالخسارة من هذا الحب الضائع. وكذلك شخصية. سي الحبيب. وسي أدريس.

1 - شخصية ورمزية. سي الحبيب. مناضل قديم ساهم في النضال في سبيل استقلال المغرب، وتحمل الكثير من السجن والتعذيب والحياة الشاقة، شخصية محبوبة ولها ثقل في الاوساط الشعبية. ولكن بعد الاحداث العاصفة في منتصف الستينات القرن الماضي، وضع تحت المراقبة والاقامة الجبرية، وابعد الى هذه المنطقة الفقيرة، بدلاً من ان يصدر حكم الاعدام بحقه. وتقول عنه (رقية) موجهة كلامها الى سي الشرقي (كل الرجال يحبوني، ويخضعون لي، لكن لم اجد الحب العظيم الذي يجعلني أجثوا على ركبتي، في سبيل بقائه والاحتفاظ به، هنا قد وجدته في شخص سي الحبيب

- لكنه لم يحبك ِ.

- ربما، لكنه أذا احب فسيحب بكل ما يملك، سيضحي حتى بروحه لاجل الحب، ألا تراه قد ضحى بصحته ومستقبله وكاد يعدم لاجل قضيته ؟

- وطن

- وطن، إمرة الشي ذاته، انه قادر على التضحية، والتضحية تخلق الحب العظيم. القضية العظيمة. الامل العظيم) ص79. وكان يحث (سي الشرقي) على نيل حب (رقية) وان يصونها من التشتت. بأنها جديرة بالحب.

2 - شخصية ورمزية سي أدريس: الذي طفر من الفقر المدقع الى الغنى الفاحش، واصبح من اثرياء المغرب. يملك مزرعة كبيرة، ويستغل ببشاعة عمال مزرعته، يعاملهم كالعبيد لدية. وهو صورة طبق الاصل، للطبقة الاقطاعية ورجال الاعمال والنفوذ، في جشعهم واستغلالهم الفاحش للفقراء والعمال. يعيش البذخ والليالي الحمراء ولعب القمار والنساء. ويعتبر المال يشتري كل شيء ويمزق شرف والعفة ببساطة لاية إمرأة كانت، ويعتبر النساء او المرأة، بأنهنَّ حشرات حقيرة. يستطيع بماله ان يشتري اية إمرأة مهما كانت مكانتها، وانه دائماً يكسب الرهان في شراء الفتيات، وحين يحتج غضباً (سي الشرقي) على هذا الوصف والاهانه للمرأة، بأنها حشرة حقيرة، فيجيب (لانه لا توجد فتاة نظيفة، كلهنَّ حقيرات تعميهنَّ المادة)ص105. لذلك ورد على لسانه بالسؤال عن (رقية) استفز غاضباً ومزمجراً وهدده بالقتل، اذا ورد على لسانه أسمها (سأقتلك اذا ذكرت أسمها ثانية في هذا المكان) ص111. ولكن بعد ذلك يتهم (سي الشرقي) بجريمة قتل (سي أدريس) وهو بريء ولم يفعلها، لكن كل شبهات الجريمة تحوم حوله، حتى (رقية) تعتقد بأنه قتله من اجلها لانه يحبها صدقاً، لذلك تقول له وهي تجهش في البكاء المر (- قتلته لاجلي، لانك تحبني.

- أنتِ واهمة، أنا لم أقتله، وأن كنت اتمنى أن افعل ذلك)

 وتنفجر في البكاء، وهي تفجر الحقيقة الصاعقة

(أنت تظلمني، ألم تعرف حقيقته؟

مططت شفتي مقلداً اياها بسخرية مريرة : وما الحقيقية ؟

- أنه عنين. غير طبيعي. ليس كالرجال

- عنين؟) ص137.

ولكن سبق السيف العذل. هكذا كان يطارد الحب والحرية المفقودة. ليجد نفسه في وضع ميؤس لا فكاك ولا مخرج منه.

 

  جمعة عبد الله