جمعة عبد اللهان ظاهرة الشابندر الشعرية، تبدو غير مألوفة ومطروقة في المنجز الشعري العراقي بشكل عام . ان يتربع على الابداع الشعري، شاعر بالفطرة، وان يخلق بصورة مدهشة الصور الشعرية، في آلية التصوير الفذ بالومضة الشعرية المدهشة الى حد الابهار. ان يملك براعة شعرية في تكوين الصورة وتركيبها وتوليدها وابتكارها وخلقها، ان يحملها بالصياغات الرمزية بالايحاء والمغزى، وفي اسلوبية الانتقاد والسخرية المتولدة من عمق الصورة الشعرية، التي تغوص في دواخل اعماق الانسان وتفرز همومه ومعاناته، لتخرجها الى الخارج العام، هذه الاسلوبية الشعرية في انطلاقة اتجاهاتها الرمزية في التعبير البليغ، ان يجعل المفردات المتولدة من رحم الواقع، قاموسه الشعري، العملي والفعلي في الابتكار والتولد بصياغة جديدة، في حمم في شفرات التعبير الرمزي . ان يخوض اعماق غمار الاسئلة الجدل،المتكونة من اعماق الذات الانسانية، ويفجرها الى الظاهر المكشوف، من اجل احداث تصدع في الجدار الخارجي . من كوة الصراع والتناقض في العالم الوجودي . ان يحرث عميقاً في باطن الارض القاحلة، ليخرج منها ثمرة الصبار التي اقترنت بالصبر العراقي الايوبي (نسبة الى ايوب)، ان يقتحم القضايا الحساسة والجوهرية من ذات الواقع، فهو الباحث عن مفردات الواقع في ادق تفاصيلها، لينطقها بالحواس المرئية وغير المرئية، ان يعكسها في مرآة الجدل في السؤال ورمزية تعابيره . يملك براعة في الجدل السقراطي (نسبة الى سقراط) في فحوى السؤال وتكوين ولادته المتولدة من الرحم الحياة العامة، ليدفعه الى المجابهة الحادة، الى حد كسر العظم والرقبة والظهر، هذه الرؤيا الفكرية في اتجاهاتها العامة، في مجموعته الشعرية، في الصورة جدلية السؤال الذي يطرق بمطرقته جدلية الواقع. من رحم الحزن والاسى، وانعكاساتها على ارهاصات الواقع، ان يمزق هذا الجدل السقراطي، جدار الصمت، في ضجة جدل السؤال، في ثنايا التعبير الرمزي، ليشق جدار الحصار في القضايا الحساسة الاولى في الحياة والواقع، التي تخلق من ينابع الهموم والوجع في طرح السؤال (الى اين؟ وكيف؟ ومتى؟ وماهو؟ لماذا؟ أجل ... لا !!) . ان الديوان الشعري (في زنزانة السؤال) خطاب شعري موجه من نزلاء زنزنة السؤال، الى العالم الخارجي العام، الى دهاليزه المظلمة، ورؤيته الكثيفة .بالضباب السريالي، الذي يفقد الرؤية وصوابية المنطق . ان قصائد الديوان تحاول الامساك بخيوط الجدل في اطار الفعل الرمز التعبيري . اذ انها ليس تهويشات الخيال عائمة بدون ضفاف . وانما تملك ارضية من ملوحة الارض وصباره ومعاناته

 للفقد ملح دم الصبار،

فاه الصبر :

شتاء النازحين،

يا عراق.. (اهداء الى الشهيد عمار غالب الشابندر . الذي خطفه الموت العبثي، في تفجير ارهابي في مقهى شعبي في بغداد) في عراق الحطب وصبار والجدب وشتاء النازحين .

 اي ان احداث العراق هي عينة من فيلم سينمائي (أكشن) حتى لا تتحمله الرئة السابعة او الروح السابعة، الذي ينزح الى التراجيدية السيزيفية (نسبة الى صخرة سيزيف) في وجع نزلاء زنزانة السؤال، وعسر الاجوبة التي تعزف في حضرة السيد الفراغ . هذا الوجع يأخذ الاطار الجمعي

من عسر الاجوبة

جبلاً أصعد

 * كسار حجر لعله *

الفأس أخطأت الرسم

واجترح الاسف

واخرج من الاسف الى تراجيدية السخرية والتهكم لكن هل تستطيع القصيدة اطلاق سراحه، في الغبار الضبابي، في عالم مزاجي يعزف على العواصف السريالية الغرائبية، الى حد اللعنة في التناقضات، المبكية والمضحكة في آن واحد، لتلعب على عذابات الانسان في كوميدية الموت المجاني . ان تلعب الحرب بنا ونحن دمى في لعبة الموت المجاني، مع التحيات

الى الحرب :

مع التحيات

ماتت .....

ماتت، زهرة البراري !

 انه يغوص في السيد الفراغ الكبير المسيطر على خناق الواقع، ليخرجه من قشور اللامعقول، الذي يسير في الوسواس والقلق، في لوثات المختبئة والظاهرة، ان ينشد الخلاص، لكنه مقيد في حبال الواقع تمنعه من الحركة والحرية والتصرف، انه يعيش في مأساة حياتية في سريرها العاري والصارخ، لم تبقى له وسيلة او كوة، سوى الصراخ بالحب، حتى يمزق أكفان النسيان

من جمرٍ،

أصرخ

الاسرار كتمتها، زهرة جمر لا يغيبها النسيان ...

أحبك أنتِ .

***

أغمضي عينيكِ

تريني

***

آية عن ظهر قلب : أحبكِ ..

ستون نافذة مشرعة لمرويات الريح ...

 تنادت : أحبك

وعلى سواه البحر يتفرج .

العري بوصفه اختبارا، اتخذت من الدمع سربا لها ..

***

أضاع زهرة، بلا العقل ....

هي

اجمل منك !

***

على كتفي،

أنتِ ظل الوردة .

وأنا : دهشة السؤال !

 

عالم يتعامل بالاستعارة حتى يدركه الخريف، حتى يكون متلبساً بالتشويش، حتى تضيع القضية من نزلاء زنزانة السؤال، في الصراصير المحتشدة حولهم، تكتب بضخب، تتكلم بصخب، انفاسها تلهث بصخب، لتقاوم هياج لوثة الفراغ، حتى تطل برأسها لهاوية الاندحار، تلك هي القضية

بلا لهو .....

لكنه اندحار؟!

هي كذلك،

أية هي؟

القضية

أية قضية؟

بلا

لكي يستفزنا دهاليز السؤال في عالم مقلوب على رأسه، في لوعة السؤال الصارخة في تراجيدية الكوميدية، في صمت الفنتازيا، ان تقود الى المهزلة، من ان نرى العالم من خلال ثقب الحذاء، الى ان يكون القط يرتجف خوفاً ورعباً من الفأر، هذه هي سخرية القدر، في زمن الفئران والجرذان المتحكمة بخناق الواقع

 إلا هاوية ..

لا أحد يكترث لك،

إلا من يعبيء صمتك

أيغيبني الفأر؟

ولكن الادهى من ذلك والانكى، ان تلعب بنا وبأعصابنا الصدفة، في غفلة من الزمن الارعن، ان تغزونا الصدفة، فتعثر علينا او نتعثر بها . في خلوة محرمة ومجرمة، تخلق لنا الصدفة ألهة واصنام جدد، في جبة القدسية الساخر بالمضحكات، او في سخرية سريالية، حتى تقودنا الى هاوية الجحيم . ان تصمم الدولة على مقاس هذه الصدفة ان ترتب الادوار، في الحظ العظيم . ان تفرز العالم الواقعي الى آلهة مقدسة (الزعيم والدولة أنا)، ونحن عبيد اذلاء نقشر البصل بدموعنا

في خلوة محرمة،

أكتب مثلما أتهدم وهما ..

وهم يشبهنا،

نتناساهٌ قصداً ...

بغفلة المتعثر بالمتراكم،

عثرت علينا الصدفة ......

***

ولم نقر أن الصدفة

ترتب الادوار.

زعيم أنا ...

أرباب الآن،

يقشرون البصلة،

البصلة المكتومة بالدمع .

× رسائل الى صديقات نزلاء زنزانة السؤال، من السجن المحاصر، الى المخاطبة والتواصل مع العالم الخارجي، حتى لا ينقطع حبل وصلهم، في ايقاظ في الحلم، في مخاطبة بالحب والتفجع بهمومهم، الى صديقاتهم، حتى يورق الامل بالحب، كأنها رسائل السجين الى احبته

الشمس بجلالها الضاحك،

وعريها الثمل،

دونك بيقينها

كم (ما أحوجني للطباشير)

لاكتب،

على سبورة المدى :

أحبك !

***

هل بيننا سؤال لا نعرفه؟

لمستك .

***

من، يفهمكِ الليلة

***

عيونك ..

الاستماع سراً !

***

حلمتٌ : أصبح عندي سر َ!

***

أغمضي عينيك،

تريني

***

سألتها موعدا، فانتشر عطر الغواية .

صديقتي : أنثى الندى،

تسألني ..

صاغت الضوء أساور

***

على كتفي،

أنتِ ظل الوردة .

وأنا : دهشة السؤال !

 

جمعة عبدالله

 

رحيم زاير الغانمتمهيد: لقد أولت الاتجاهات النقدية القديمة اهتمامها الكبير بأبوية المؤلف وترسيخ سلطته، كونه الباث الفعلي للنص الأدبي، لذلك حاولت التأكيد على سلطته بوصفه منشئ النص ولذا عليه الحرص على ديمومة اقترانه بوليده،، إلا إننا في فترات مختلفة حديثة أو قديمة، نسمع أصواتاً تطالب بتقويض سلطة المؤلف، وفسح المجال لسلطة القارئ، بغض النظر عن النص وشخصية المؤلف، بل تركز تركيزاً كلياً بكل ما يثير القارئ، والدور الذي يؤديه في إتمام النص/ ملء الفراغات، فالنص لا يمثل سوى افتتاحية للمعنى، مما تجعل القارئ يسهم في إتمام معنى العمل الأدبي،وهذا الملء يتم ذاتياً حسب ما هو معطي في النص، لذلك يحظى القارئ حاليا باهتمام كبير داخل الدراسات النقدية، نظرا للدور الذي يلعبه في فهم النص وتفسيريه وتحويله وتوجيه معناه وجهة معينة دون غيرها، فإليه يعود قرار إحياء النص.

إن الاهتمام بمرجعية القارئ التي استخلصها (آيزر) تصب كلها في مفهوم المشاركة مع النص الذي هو قادر على استقطاب القارئ ودفعه إلى تحقيق هويته وبناء معناه، مما يجعل النص شركة بينهما ولا يبلغ مداه إلا بتعاونهما. وهكذا تعتبر مفاهيم (آيزر) في فعل القراءة مكملة لمفاهيم ياوس في (تحطيم أفق الانتظار) واكتشاف عوالمه الممكنة، وإذا كان من جامع بين هذه التوجهات فهو التقاؤها على احترام القارئ وإعادة مكانته الضرورية ودوره الفعال في فك مغاليق النص وإطلاق توجهاته ومعطياته الإبداعية.

يعتبر آيزر أن العمل الأدبي هو «بناء للنص في وعي القارئ» وهو لا يكتسب سمة السيرورة التي تميّزه في خصوصيّته إلّا أثناء القراءة. لذلك، لا بدّ من أن ينتقل مركز الاهتمام من النص في مكوّناته، وبنياته، وتقنيّاته، ومن المؤلف في تركيبته النفسية إلى «فعل القراءة» بصفته نشاطاً عملياً، وباعتباره السيرورة التي ترفد علاقة التفاعل بين النص ومن يقرأه. وقد وجد إيزر في مفهوم «القارئ الضمني» الأداة الإجرائية المناسبة لوصف التفاعل الحاصل بين النص وبين قارئه. إنه مفهوم يؤكد أن العمل الأدبي لا يوجد إلّا كتخطيطات، أو اتجاهات عامة على القارئ، أن يقوم بالكشف عنها وتحقيقها، وهذا ما يراه انجاردن (أن العمل الأدبي يمنحنا ببساطة «مظاهر تخطيطية»،هذه المظاهر هي التي تجعل القارئ على علاقة وثيقة بالعمل الأدبي، ويمكن من خلالها إنتاج الموضوع الجمالي.)1

لذا أصبحت الاتجاهات والمدارس النقدية الحديثة صاحبة البصمة الأولى في تغليب كفة (المتلقي- النص)، على كفة (المؤلف)، ولعل الاتجاه البنيوي أول من ذهب إلى (موت المؤلف) (لأنه أصبح خارج دائرة الاهتمام، والبديل عنه الاهتمام بالنص والكتابة)2وهذا يعني كما يرى رولان بارت، ان المؤلف (لم يعد صاحب امتياز أبوي أو لاهوتي انه ليس أكثر من أنا على الورق لكن الغياب أو الموت يعني انتقال الاهتمام إلى النص)3، وما ذهبت إليه البنيوية وما رآه رولان بارت، وان لا يُعدّا من متبنيات الدراسة، بقدر ما هو إشعار أول بتهاوي سلطة المؤلف وانتقالها إلى سلطة القارئ.

أما مدرسة كونستانس موطن نظرية التلقي ممثلة بأطروحات الألمانيين هانز روبرت ياوس وفولفجانج إيزر، التي تبنت نظرية جمالية التلقي ونقد استجابة القارئ، على اعتبار أنهما نظريتان للتواصل الأدبي، إذ تهتمان(بتداول النصوص الأدبية وكيفية تلقيها وبالتالي إعادة إنتاجها)4، ولا يتحقق لها ذلك إلا بسلطة جديدة، وان لم يكن لها حضور في متبنيات عديد الاتجاهات والمذاهب والمدارس النقدية قديمها وحديثها، وبهذه الكيفية اهتمت هذه النظرية بالقارئ وبما يثيره في النص بغض النظر عن طبيعة النص وشخصية المؤلف، بل تركز تركيزاً كلياً بكل ما يثير القارئ، والدور الذي يؤديه في إتمام النص، لذلك تتعدد مستويات القراءة بتعدد الأهداف والمناهج.. فهناك القراءة التي تعتمد الاستيعاب المتنامي منطلقة من الجزء إلى الكل، وهناك التي تعتمد استباق المعنى بناء على التخمين وإدراك الكليات فضلاً عن القراءة التفاعلية التي تشيد المعنى، وكل هذا يرتكز على هدف القارئ وتفاعله مع المتن وهو الذي يحدد طبيعة النص.

ان النص مرهون بعوامل ومؤثرات أيدلوجية واجتماعية ونفسية، مضافا لها البعد المكاني والزماني، مجتمعين، يؤثرون تأثيرا مباشرا على سياق النص، وهذا لا يعني إننا نجرد المؤلف من أناه وما بُثَّ من خلجات، كون النص الأدبي، هماً ذاتياً بمؤثرات واقعية ذات بعد أنساني بمنظور جمعي/ كوني، يسهم في تصدير هموم وطموحات ومشكلات مشتركة بينه وبين متلقيه، تعبر عن الذائقة العامة للفرد بحسب عصره ولغته وثقافته.

يبقى السؤال هنا كيف لنا عزل المؤلف عن سلطته؟ وهو من أنتج نصا أدبيا بالحمولات الانفة الذكر، كونه الباث الفعلي للنص الأدبي، كيف لنا فك الاشتباك هذا، وتسويق سلطة القارئ؟! قطعا ستتم الإجابة عن هذه الإشكالية، بالاستعانة بقطبين هامين، فهناك (قطبان أحدهما فني، وهو النص الذي أبدع فيه المؤلف، والثاني جمالي هو استجابة القارئ لهذا النص المُبدع)5 بحسب آيزر، غير متناسين ما أحدثته نظريتا ياوس و آيزر عندما رجحتا كفة (القارئ والنص) على حساب كفة، (المؤلف)، وبعد كل ما تقدم من إحالة وما سيعقبها من إحالات أخر، معتمدين في إجرائنا على ثماني مجاميع شعرية لتأكيد ما ذهبنا إليه.

1- التلقي والفعل التواصلي

يصف آيزر القراءة بأنها تلك العملية الجدلية التي يتم من خلالها الاتصال بين القارئ والنص. هذه العلاقة لا ينظر إليها بوصفها تسير في اتجاه أحادي الجانب من النص إلى القارئ، بل تسير في اتجاهين متبادلين من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص. والقراءة التي تتخذ هذا المنحى وهذا الأسلوب هي القراءة الفعالة والمنتجة حسب تصوره، لذلك النص الشعري وتداوله بين جمهور القراء، يصبح مادة غنية لفعل التواصل بين النص والقارئ، بمنأى عن سلطة المؤلف التي لا تبدو الحاجة لها ملحة أو ذات أهمية يمكن لها ان تعيق إنتاج المعنى بغيابها.

ان من أسباب فرادة النص الشعري ومغايرته هو تحرره من الأبوية معتمدا على قدرته التي تجلب له رعاية من نوع آخر، على أن لا تكون مبادلة سلطة أبوية بسلطة أبوية أكثر حزما، على اعتبار ان للنص الشعري قدرة لإغراء قاعدة عريضة من القراء لإعادة إنتاج معناه، أي انه في تناسل دائم، بفعل التواصل، يحدث هذا الفعل حينما يبدأ القارئ بتأويل ما تم فهمه، حينما يسلط الضوء على ما لم يقدر الشاعر أو لم يشِ بقوله. حينئذ تصبح القراءة بحق الأداة التي من خلالها يحقق الوعي ذاته. والمقصود بالوعي في هذا المقام وعي الذات والمفكرة أو الذات القارئة التي تستجيب لنداء النص، وبذلك تتحقق عملية القراءة والتلقي بكل أبعادهما

إنّ لرد فعل القارئ دوره الاستراتيجي في مسألة استمرارية النصوص وبقائها، فما يجعل من العمل الأدبي عملا حيا هو إمكانية محاورته من طرف القارئ إثر انغماسه الشعوري، فكل نص يدعونا إلى أن نؤوله وأن نستخرج دلالته ومعانيه المختلفة والمتباينة، من خلال تجربة القارئ المتطورة مع تطور النص، لأنه بدون مشاركة القارئ الفردي لا يمكن أن يكون هناك أي إنجاز.

إذن ان من أهم عوامل التلقي ما يبديه النص من فاعلية التواصل على اعتبار أنها الآصرة الأولى التي من شأنها جذب المتلقي، وهذا ما تحدثت عنه فرجينيا ولف، أن ( الاتصال في الأدب هو عملية تتحرك وتنظم ليس بواسطة شفرة معطاة بل عن طريق تفاعل صارم ومكبر بين ما هو ظاهر وما هو مضمر، .....فما هو مخفي يدفع القارئ في فعل محكوم بما قد ظهر والظاهر بدوره يتحول عندما يوضع المخفي في حيز الضوء)6، وهذا يبدو جليا في مقطع من نص( مطر لا ينام) للشاعر نصير الشيخ7.

(من مزغل الحرب

كنا نحدق في المدى..

نرقب أعمارنا

وهي تحمل نعوشها

نحو أفق بعيد)ص 38

نلمس في هذا النص الشعري فاعلية تواصلية بين النص وبين المتلقي، لما للنص من مقدرة على ذلك، فهما يلتقيان تحت وطأت ثيمة الحرب، فما أفصح عنه النص من تحديق في المدى، أو ارتقاب الأعمار وهي تحمل نعوشها نحو أفق بعيد، ما هو إلا أفق لا طائل منه، فهو مثوى النعوش/ الأجساد، يتلقاها القارئ ويتفاعل معها، لينتج لنا معنى الفناء ما دامت الحرب تنتج نعوشاً/ موتاً.

أما في نص (المحطات) للشاعر حبيب السامر8.

(المحطات تبتلع وفود القادمين من مدن شتى،

تقلهم القطاراتُ

إلى حيث مرابعهم

يصلون في هدوء الفجر،

عواؤُها يشق صمت المكان

الوجوهُ الذابلةُ المنتظرةُ تحت السقائف،

وعلى الأرصفة الباردة

يشقون صفوف الأمواجِ) ص 29

إنَّ الفعل التواصلي حاضرٌ في النص الشعري، حيث أن موضوعة المحطات تلامس وجدان المتلقي، وسرّها يكمن في ملامسة الفعل اليومي، والإفصاح عنه الذي مثل اغترابا داخليا، وهذا ما وشى به النص بشطريه، (الوجوهُ الذابلةُ المنتظرةُ تحت السقائف،/ وعلى الأرصفة الباردة)، نجد أن النص الشعري تمكن من استقطاب متلقيه، عبر سرده للوفود القادمة من مدن شتى، وفعل القطارات التي تقلهم إلى حيث مرابعهم، ووصولهم في هدوء الفجر، وهذا حال فئة من الناس، أما الفئة الأخرى التي لا تنعم بالوصول، يشَّقُ هدوء مكانها عواء تلك القطارات، فهي مازالت قابعة على الأرصفة الباردة، لتنتج معنى جديدا للضياع في لجة الوطن، فليس معنى انك ترتاد المحطات بإمكانك الوصول إلى حيث ترغب، قد تُحيدك المسافات وتطويك الدروب، وتتحكم بمصيرك الأقدار، وهذا بالضبط ما أضمره النص، ودفع القارئ لاكتناه معناه.

نقرأ للشاعر كاظم مزهر9، من نصه الشعري ( أوراق طائشة)

(لا أحصي كم مرة ذهبت إلى الطبيب أشكو له ألماً في

جسمي، لكنّني

لم أذهب يوما لأخبرَه أنني حزين.) ص43

هذا النص الشعري له القدرة على جذب المتلقي لفعله التواصلي، لما طرحه من موضوعة لامست ذات المتلقي واستفزتها، موضوعة يومية يعاني منها الكثيرون، كوننا كمجتمع نصرح بعللنا العضوية، لكننا نكبت أوجاعنا الباطنية/ النفسية، وما نعانيه من الم وحسرة وحزن، لقد انتفض النص على معناه الظاهر لينتج لنا معنى عميقا، بلغة سهلة واضحة،، أمكن النص من خلالها جذب المتلقي إليه.

2- النص المفتوح، نص منتج للمعنى

ان النص المفتوح، يفسح للقارئ المجال لأداء دور أكثر فاعلية في تلقيه، لما يمتلكه من موضوعة تفاعلية تُهيئ لعلاقة مستقبلية بين القارئ والنص الأدبي، تجعله متحليا بقدرة الانفتاح على ذات المتلقي، وهذا يؤسس للغاية القرائية/ الناقدة، التي تمكن المتلقي من ملئ فراغات النص الشعري.

كما في نص (قداسٌ احمر) للشاعر ثامر سعيد10.

(صارت السماء أشد حمرةً

من الرصيف

والرصيفُ الذبيحُ أشدُّ حمرةً

من عيون ثاكلة

وعيون ثاكلة أشدُّ حمرة

من دمٍ صاعدٍ إلى السماء.) ص49

يشي النص الشعري بانفتاحية على ذات المتلقي، إذ انه غادر منطقة الأنا، مستعينا بثلاثة بنى متجاورة مرجعيا كونهن يؤدين إلى الموت، وظفن لصالح النص، مما جعل النص، نصا مفتوحا على تأويلات تنتج معان عدة، وان لا تخرج عن إطار، الذبح/ الثكل/ الدم، بحسب تراتبية النص الانف، مع إنتاج معنى للذبح جديد/ الموت، مُثل هذه المرة بالحمرة/ أشد حمرة، التي رافقت المقطع لثلاث مرات، مسبغة شدة الاحمرار/ الدم/ الذبح، هذه القسوة التي نعيشها يوميا، والتي هي خلاف اليومي المعتاد عند البشر عموما، ومع كون هذه الأحداث تمثل أحداثا محلية لكنها ببعد كوني، يأخذ معنى أوسع، وهذا ما ذهب إليه النص.

أما لو قرأنا المقطع الذي يعد مقدمة نص (سباخ....) للشاعر عبد السادة البصري11.

(وتفز العصافير من حلمها المستريب،

مرعوبةً

سبخٌ في الغصون

سبخٌ في القلوب

سبخٌ في الشجر.....

المدينة التي أرضعتنا البراءة يوم جئنا ..

أشاحت الوجه عنا

والدروب التي قاسمتنا التسكع في الأمسيات ..

بادرتنا الرحيل صوب المرافئ) ص23

نلمح انفتاحاً جلياً في النص الشعري، وقد تحق هذا الانفتاح على متلقيه من جملة المعاني التي تمكن القارئ من إنتاجها مضافا لما ذهب إليه النص الشعري من معنى، أسهمت فيه موضوعة السباخ التي وطأت الغصون والقلوب والشجر، فكيف لا تفزُّ العصافيرُ من حلمها المستريب، أو لا تشيح المدينة بوجهها عنا، أو لا تبادر الدروب بالرحيل صوب المرافئ، وكل ما حولنا أحلناه إلى سبخٍ، بدءاً من جمال الطبيعة، الغصون/ الشجر، معنى الحياة الظاهر، وصولا إلى بواطن القلوب، مؤشراً لتردي البعد الوجداني الإنساني/ الضمير/ المعنى الباطن للإنسان، الذي سبخ هو الآخر، لذا لا غرابة ان يُنفى هذا الإنسان، الذي أحال الوجود إلى أشباح، مبتعدة عن المعنى الذي وجدت من أجله، معنى تقبل الحياة، الذي يعتبر بوابة لتقبل الأشياء من حوله من طبيعة وإنسان.

وفي أول مقطع من نص (غامضة نومتُك الأخيرة) للشاعر حبيب السامر.

(المغارب قاسيةٌ

تزيحُ آخر رشفة من بياضٍ

في فنجان النهار الفارغ.

المغارب لا تفضي

إلى شفق بلون النحاس أو حدائق من أسى،

المغارب نزهةٌ بليدةٌ

في عوالم من مرايا مهشمةٍ بسذاجة أحلامنا،) ص21

نجد في النص الشعري انفتاحاً على متلقيه، فالمغارب القاسية، هي مغارب تمثل انفتاحية على الناس اجمع إذ أنها تزيح عن آخر رشفة للبياض، وهذا معنى (المغارب)، عندما يحلُّ الإنسان ضيفا ثقيلا في اغتراب ما، فالمغارب لا تفضي إلى شفق بلون النحاس، وهذه مُسلمة طبيعية تزول بزوال الغروب، وهذا ما يتسم به الجو النفسي العام لكل مغترب، وكذا يذهب النص إلى جلد هذه المغارب وتعرية حقيقتها الغامضة، حقيقة البريق الذي يفضح ستر عوالم مراياه المهشمة، ما ان نعي سذاجة أحلامنا، التي تقف في مواجهة من نوع خاص هذه المرة، مواجهة الحقيقة للوهم، مرارة الواقع المعاش قبالة التزييف له، لينتج لنا معنى المكوث تقبل الواقع ما دامت المغارب قاسية، وما هي إلا وهم أكبر مضاف لأوهامنا.

3- استجابة القارئ وتخييبه

لا شك ان استجابة القارئ تتحقق بفعل ما يتمتع به من خبرة وثقافة ومخيلة متوثبة تمكنه من اكتناه بواطن النص الشعري، فنحن ندرك ان النص ككون مؤثر وفاعل بذاته في الوجود، لا يرجو ملامسة الظاهر منه بقدر سبر أغواره واكتناه معناه، يكمن بفك شفراته التي لا تمنح نفسها لمن يسره قشور المعنى أو المعنى الطارئ، لذا نجد النص يخيب هكذا قارئ، الذي يعد ضمن توصيف القارئ العادي، الذي يأسره أول خيط للمعنى، فيمضي به إلى خيبة الحكم القبلي الذي حذرنا منه مرارا في مناسبات عدة.

ان استجابة القارئ للمعنى الذي ذهب إليه النص الشعري، هي إشارة صريحة لنجاعة التلقي، إذ أننا من دون متلقٍ/ قارئ خبير، ترتحل المعاني إلى غير رجعة، متخفية بين طيات النص الشعري، فالجدوى تكمن في تلقيه، وتحقيق الفهم الحقيقي لمعناه، والإمساك بعرى فراغاته النصية والوقوف عليها بتأويلها تأويلا يفضي إلى إنتاج معنى جديدا، وهذا ما سنؤكده بنص( مراثٍ مؤجلة) للشاعر ماجد الحسن12.

(ترتجف السماءُ وهي تتكئ على رأسه

كان عليه...

أن يتكئ على شجرٍ تعلمه رعونة الفؤوس

يبحث عن بذار يرمم به طفولته ...

في الحروب لاشيء غير حقول شظايا

الظلام يرتديه...) ص61

في المقطع الشعري نجد الانزياح حاضرا في لفظة الاتكاء، مشكلا ثنائية التقاطع، فبينما السماء المرتجفة تتكئ على رأسه، تقاطع معها هنا عدم اتكاءه على الشجر، التي تعلمه رعونة الفؤوس، وفي كلا الحالتين، لم يجلب له، قرب رأسه من السماء، أو ما توجب عليه بحسب ما صرح به النص من معنى الاتكاء، فالسماء ترتجف، والشجر معلم مضطهد من رعونة الفؤوس، لذا نرى النص عبر متلقيه يتجه إلى معنى بكر يوائم الطفولة عبر بحثه عن بذار، هو بكر أيضا، لإيمانه أن ( في الحروب لاشيء غير حقول شظايا)، وفي هذا إنتاج لمعنى الموت، ممثلا بالظلام الذي يرتديه.

وتتحقق استجابة القارئ في نص (في الريح صوتك يزدهي) للشاعر نصير الشيخ

(يوسف هناك ...

تتمرأى في سحنته الأطيارْ

قرب البئر ذئب

يرقب قميصا

قد من زمن

علقته الشهوة

شاهدة هنا ..

خطوات تمحى

لآدم .... حتى الآن) ص107

بعد قراءة متأنية للنص الشعري تتجلى شفراته من العالم الحقيقي، تأخذ أبعادها عبر مخيلة الشاعر، التي تنتج لنا صورا شعرية تعيد إلى الأذهان قصة نبي الله يوسف(ع)، إذ البئر /الذئب /القميص، كشاهد لواقعة حقيقية، الذي أنتج اقتران معنى الشهوة في قدِّ القميص و إحالته لذاك الزمن المنصرم، والتصريح بطمع أخوة يوسف في امتلاك قلب أبيهم النبي، هي ذات الشهوة التي تتملك أبناء ادم للان، لكن ليس بمعنى التنافس في تملك قلب ما بقدر شهوة عارمة لإقصاء وتهميش الآخر، وهو ابتعاد عن التملك المعنوي إلى التملك المادي، فالذئب/ كحيوان عاجز عن تحمل هكذا ذنب، كما تحمله ذئب مفترض وتقبله على مضض نبي الله يعقوب(ع) في ذاك الزمن.

وقد تتحقق استجابة القارئ للنص المُتلقى للتوافق النفسي، لما يشي به النص من انفعالات ويأس عن موضوعة الخيبة، وهذا ما يبدو جليا في نص ( الغياب)،للشاعرة ابتهال بليبل13.

(ضجيج خطواتك في مدني

عجينة دواليب المطر، فخبأته في محبرتي..

وعندما جفَّ ليله..

أحرق رسائلي ضاحكا كمهرج ملون بالخيبة. )ص37

يبرز النص الشعري ما تعانيه النفس الإنسانية من مشاعر تجعلها تُشد إلى الطبيعة فتحاكيها، وهذه المحاكاة عنوان لنزوع إنساني فطري، فالإنسان والطبيعة صنوان لا يفترقان، وما ضجيج الخطوات في المدن، إلا عجينة دواليب المطر، ما ان يجف حتى تتلاشى تلك الخطى المتوهمة، لكن من ننتظر يبقى عالقا في الذاكرة تمثل هنا في تخبئته بالمحبرة (فخبأته في محبرتي..) ستحفظ لنا وقع الخطوات، كما سيحفظ لنا الطين، ضجيج الخطوات، ولكل وحل منهما/ الحبر/ الطين،وقع بالنفس خاص به لا يمحى كمعنى الخيبة، فهي معنى ماكث أيضا.

4- الفجوة الجمالية/ أفق النص- أفق التلقي

تُعدُّ الفجوة الجمالية هي المسافة التي يلتقي عندها القارئ والنص عبر حساسية الوجدان التي يمكن من خلالها تلقي ما ينتجه النص الشعري أو ما يصرح به من جمال فني ظاهر أو جمال داخلي عبر سبر أغواره، فكلا الجمالين يصبان في بوتقة جمالية التلقي، إذ أننا نلمح تنامي أفقين هما: أفق العمل الأدبي/ الموضوع- وأفق المتلقي/ القارئ/ الذات، اللذان ما ان تقاربا جماليا، إلا أنتجا معنى جديدا، عبر ملئ فراغات النص، حيث يراعي القارئ في اكتناه المعنى مُعتمدا على حساسية الوجدان التي تمكنه من تلقي المعنى الذي أنتجه النص الأدبي جمالياً.

هذا ما نحاول الوصول إليه من خلال إجرائنا على المقطع الأول من نص ( شهقة الشك) للشاعر ماجد الحسن.

(لا أسمع من شهقة الليل ...

إلا ضجيج الخرائب،

- فكيف لي أن أحيي شهقة جسدك؟

ينزل النهار بطيئا،

وليس لهذا الخراب أفقٌ...

لأقول لكِ : تسلقي ينابيعي) ص28

نرى ان تلقي النص جماليا لا يتأتى عبر قراءة عابرة، بل يجب على القارئ التروي في القراءة ليتسنى له تلقي النص الشعري جماليا، مبتعدا عن الحكم المسبق الطارئ، وبنظرة فاحصة لعتبة النص الرئيسية العنوان، (شهقة الشك)، هي شهقة بالضد من شهقة اليقين بالطبع، فهي تسوق إلى الشك في متوالية شهقات الشطر الأول والثالث، وعلى الرغم من تكرارهما إلا أنهما لم يؤديا دلالة اللفظة، ولم توصلا إلى مؤداها، فلا يُسمع من شهقة الليل إلا ضجيج الخراب، لتكون مبررا، لنكوص شهقات جُبِل عليها الإنسان بالفطرة، بدلالة جملة، (لأقول لكِ: تسلقي ينابيعي)، أو لما صرح به جملة (- فكيف لي أن أحيي شهقة جسدك؟)، موضوعة شهقة الشك هنا، انسحبت، إلى ما قد تؤديه البنيات النصية عبر شهقاتها المكبوتة، ومع بطء نزول النهار، ولكون الخراب من دون أفق، لا يمكن التصريح بتسلق الينابيع، فهو خلاف التوجه العام للنص، الذي يبدو في موائمة تامة بين أفقي المنتج الأدبي وأفق التلقي جماليا.

أما المقطع الأخير من نص (رسائل)، للشاعر عصام كاظم جري14.

(هذا التيه

أقدامنا التي رسمت قبوها

وهذا النباح صوت الحنين

للشمس

ولا شيء سواه

علام نرمي الحجارة إذا؟

كلانا صدى المساءات

اللواتي ولدن أنيناً

في أبراج النسيان) ص50

ان موضوعة الضياع التي تمثل بؤرة تمركز المقطع الشعري الأنف، هي ذاتها محطة إلتقاء أفقين، أفق النص الذي لامس وجدان المتلقي، وأفق المتلقي الذي تلقى النص الشعري جماليا، فالصور الشعرية تنهال تباعا، في تراتبية فنية عالية المستوى، ارتقت جماليا إلى مستوى التلقي، فالتيه مثل هنا أقدام رسمت قبوها، وأن نلحظ لفظة (نباح) في غير سياق (صوت الحنين)، لذا أحدثت انكسارا في الصورة الشعرية، (وهذا النباح صوت الحنين)، حيث أن لفظة النباح، لا تنسجم مع صوت الحنين، فقد تستدعي نكوصا في تقبل المتلقي، الذي بدوره يحدثُ قطعا في التواصل التفاعلي، وبالتالي، يهيئ إلى نشوء هوة في المساحة الجمالية، لكن النص يستمر في التصاعد تدريجيا حتى يصل إلى ذروة الإبداع مرة ثانية ابتداءً من الشطر الذي يليه من لفظة ( للشمس .....في أبراج النسيان).

أما نص (مجرد اقتراح ليس إلا...) للشاعر عبد السادة البصري.

(ماذا سيصير الإنسان..

إذا تجرد عن إنسانيته،،

غير بقايا....

وبعض فتاتٍ متناثرةٍ من شرٍ

تملأ ساحات العالم

رعباً..

وتترك في الروح الحسرات) ص40

ان أفقي النص الشعري والتلقي يسيران في خط متوازٍ حتى يصلا إلى المسافة الجمالية، حيث تحلق حساسية وجدان المتلقي في أفق النص، وصولا إلى تأويل معناه، في خضم سؤال وجواب لا يخلو من الهم الإنساني اليومي، إلى ماذا يتحول الإنسان ان تجرد عن إنسانيته؟ الجواب هنا قد لايلبي ذائقة القارئ العادي، وقطعا ذات القارئ العادي لا تكتنه المعنى الذي ذهب إليه النص فقد يجيب مثلا: لاشيء، الإ أن البناء الفني للنص أفاض فعلاً تواصيلا تفاعليا أفق تلقاه القارئ الخبير، عندما أجاب: (غير بقايا..../وبعض فتاتٍ متناثرةٍ من شرٍ / تملأ ساحات العالم/ رعباً..)، لتبقى الفجوة الجمالية مساحة تقارب بين النص الشعري والمتلقي من خلال ملء فراغات النص، لما وشت به ثيمة الضياع المتحقق من بُنيات النص، البقايا/ الفتات/ الرعب/ التي تملأ الساحات، في قتل للجمال .

5- اندماج الذات مع الموضوع

ان للنص الشعري قصدية تتسم بنوع من الاستقلالية، وهذه القصدية متأتية من تأثرها بسلطة المؤلف، وما ان تتحرر منه كموضوع عند التقاءها بذات متلقٍ/ ذات باحثة عن معنى تقصده هي أيضا، ويتحقق لها ذلك في النص الأدبي/ الموضوع، نجد تمثلهما في اندماج فعلي، تتلاشى عندها قطبيتي النص و القارئ، (فالذات تبدأ في البحث عن المعنى من خلال النص وتقصده وعندما تتحقق هذه القصدية فانه لم تعد هناك ثنائية بين الذات والموضوع)15 كما يرى البولندي رومان انجاردن.

ان نظرة فاحصة لنص (نصوص لسيدة الغياب) للشاعر نصير الشيخ،

(في السماء الأخرى..

وعلى أشجارها العالية،

تهبط أسرار الحب..

وبجنبي دوما..

يغفو ظلك

وتنام شظايا الحرب) ص30

نلمح في هذا النص الشعري اندماج الذات والموضوع، بعدما تمكنا من الوصول إلى قصدية في المعنى، فما صرح به النص، أو لم يصرح به فهو ذا القصد/ المعنى، الذي ينتظره المتلقي، فالاندماج نتيجة التقاء معنى مقصود، لا حاجة بعده إلى التفريق بين الذات والموضوع، ان ما يطرحه النص الشعري من رؤى، تصبُّ في ما يختلج به وجدان المتلقي، وهذا بالضبط ما تشي به موضوعة الحرمان العاطفي، الحاصل بفعل الحرب، الذي أنتج انزياحاً قصده النص، خلق لنا عوالم متوهمة جديدة، كسماء أخرى لها أشجارها العالية تتسم بإسرار الحب الخاصة بها، توازيها حقيقة قصدية حرص المتلقي على كشف معناها، ففي الجمل النصية ( وبجنبي دوما../يغفو ظلك / وتنام شظايا الحرب)، ردم ثنائية الفاصل بين التخيل والحقيقة في النص، تتحقق باندماج الذات والموضوع، في قصدية لمعنى واحد.

أما تمهيد نص (مراث مؤجلة) للشاعر ماجد الحسن،

(*إليه حين صعد الدخانُ بخضرته

أصغي الى بكاء خضرته...

وأتحدث عن الدخان،

ففي الحروب كثيرا ما نؤجل المراثي) ص60

لا غرابة ان نشهد اندماجاً بين النص والمتلقي عبر اندماج الذات والموضوع، بعد تخلي (أنا) المؤلف عن نصه، بعد انجازه، وهذا التخلي قطعا ليس بإرادته، مادام النص بما يقوله وليس بقائله، بحسب رأي احد النقاد العرب القدماء، فللنص شخصيته المعنوية الثابتة، وهذا لا يسوغ لإعلان موت النص، بقدر تلاقي قصديتين، وهو ما يؤكد فاعلية وحيوية النص الشعري، فالجميع قارٌ بحياته، إذ ان سيمائية صعود الدخان بخضرته تشكل علامة انكسار لمعنى النضارة والخضرة والجمال، إلى تتعرض للحرق، وإعلان عن موت مبكر للإنسان جسدته أنسنة الجماد، (أصغي إلى بكاء خضرته...)، وفي هذا تعالق كبير بين الطبيعة والإنسان، لتتلاقى مرة أخرى قصدية الموضوع والذات، في بحثهما الدائم عن المعنى، الذي يفضي عن اندماجهما، ويتكرر أيضا المشهد، مجددا في حقيقة الحروب وويلاتها التي لا تنقضي أبدا، (وأتحدث عن الدخان،/ ففي الحروب كثيرا ما نؤجل المراثي)، وما معنى تأجيل المراثي إلا كون الحرب أم ولود، لا تشيخ، ولا تنجب العقر، فلا داعي للمراثي ما دام الدخان لا يعتق الأخضر حتى، فما بالك بمن يَبُسَّ من جزع.

ويشي مقطع نص (ثوب الظمأ)،للشاعر عصام كاظم جري، بما أفصح عنه المقطعين السالفين.

(دروبنا ليالي مؤنثة

تورق حكمة الراحلين

وتصنع خيانات موحشة

لك قرية وأنهار

ورعاة

ولي ظمأ غرق في سفر الماء )ص58

ان قصدية المعنى الذي اشترك في إنتاجه النص والمتلقي، يعد بوابة عريضة لاندماج الذات والموضوع، وما عدا ذلك نفور وفرقة، حقيقة ان قصدية النص، لا تأتي إلا بمتلقٍ فطن، يفهم المعنى المقصود، ويحقق كشوفاته فيه، وما توصيف الدروب بليالي مؤنثة، إلا لإلصاق سمة الحكمة للراحلين والخيانة، لليالي المؤنثة،، وهذا ما جرت عليه ثقافتنا المجتمعية وبعد ما تحقق في هذه الصورة الخيالية من معنى متضاد، قابله في الواقع معنى طابق هذا الاندماج المتكرر نصوصيا، (لك قرية وأنهار/ ورعاة/ ولي ظمأ غرق في سفر الماء)، إذن ما أحدثه النص الشعري من في المتلقي من الشعور بالخيانات الموحشة، تلاقت مع ظمأ الغرق، وبهذا اندماج للذات والموضوع، تجسد في قصدية واحدة للمعنى لا تتيح مباركة ثنائية النص والمتلقي.

5- حياة النص، موت المؤلف

ان حياة النص الشعري تكمن في تلقيه، والاهتمام بموضاعته التي يطرحها، تجعله أكثر انتشاءً وفاعليةً وتحرراً، لما يكسبه القارئ من بعث جديد لمعناه، يتجدد بحضور الفعل القرائي، فهو في أوج ألقه حينها، فحياة النص الأدبي غير مرهونة بحياة المؤلف بقدر كونها مرهونة، بما يطرحه من موضوعة تتخطى الاعتباطية والرتابة، موسومة بالفرادة والمغايرة ملبية طموح القارئ في اكتناه معنى جديد للحياة، يتسرب إلى ذاته بدينامية تفاعلية.

مقطع من نص (من هذا أعلن) للشاعر ماجد الحسن

(من هذه النافذة....

تكاد الوجوه تذبل

أترك عيني تتنزهان وحيدتين في السماء....

وحين تريان قنديلاً أسوّغ لهما اليقظة،

تماما سأحتج على الليلِ )ص82

ان النص الشعري يحيا حياتين، حياة معنى، لحظة الإبداعي الشعري، وحياة سرمدية بفعل التلقي، فكلما تلقى القارئ النص الشعري أنتج معنى جديدا، فهو في تناسل دائم مع معنى الزمن الذي يعيشه مغادرا زمن إنتاجه، فكيف له ان يتوقف عند سلطة مؤلفه، فالنافذة هنا مرآة تلقِي الوجوه عبر الزمن/ العالم، وما ترك العينين تتنزهان وحيدتين في السماء إلا تصور لكونية النص وفكاك قيده من زمن الكتابة أو سلطة المؤلف، ان النص الشعري لا يمكن تقييده بأي سلطة، حتى سلطة التلقي ذاتها، وما للمتلقي عليه إلا اكتناه المعنى، وهذا ليس من السلطة بشيء، بقدر كونه يخضع لتأويل المعنى، وهو بالأساس يخضع لاحتمالية الصواب أو الخطأ.

مقطع من نص (دمية عالقة في أسلاك شائكة) للشاعرة ابتهال بليبل،

(قلبي...

يجرُّ ملامحي عربة التعب

يستجير بالأرصفة المنهكة

وفي هذا الزحام:

لا أحد سيلاحظ ذلك الزائر الأخير

الزائر الذي...

يأتي بحثاً عن شارع قلبي...

وأبداً لا يخطى عنوانه.)ص20

ان من أسباب حياة النص تحليه بسمة الحركية والقدرة على إضفاء نوع من التواصل مع متلقيه، وهذا من أسباب حياة النص الشعري، ان موضوعة الموت/ الاغتيال/ مصادرة الحريات، موضوعة رائجة هذه الأيام، وما إعلان الموت بجر الملامح والاستجارة بالأرصفة/ الجماد، إيمانا بأن في هذا الزحام/ انشغال الناس بأحوالهم وهمومهم، (لا أحد سيلاحظ ذلك الزائر الأخير)، وهذا مما دعا إلى التصريح بانسيابية الوصول إلى الضحية، مع تحقق فعل الزحام، فالزائر لا يخطى عنوانه، وفي هذا رسالة لتلاشي عُرى التواصل بين الناس، مما تسبب بتفشي العزلة فالموت البطيء للمشاعر الإنسانية على إطلاقها، لذا تبقى هكذا نصوص حية لكونها ذات فاعلية تواصلية مع القارئ، تتيح له قدرة تأويل معناها.

مقطع من نص (لقاء أول) للشاعر عصام كاظم جري،

(عند أول عودة لي

عند أول التفاتة إلى حارس الحدود

عند أول نقطة لتفشي السر

تذكرت الحياة

والشظايا أريكة ليل) ص71

ان قدرة النص الشعري على الحضور المتجدد، ترتبط ارتباطا وثيقا بامتلاكه لغة شعرية متجددة، ومعنى طيع، بعيدا عن الإيهام والتعمية التي لا تمكن القارئ من فكِّ مغاليقه، فكيف بالوصول إلى معناه أو إنتاج معنى جديد؟ وكذلك ما يكتنز النص من عنصر المبادأة و المغايرة، التي نلمح بوادرها في أول النص الشعري، (عند أول عودة لي/ عند أول التفاتة إلى حارس الحدود)، تتجلى لنا فرادة المبادأة/ صدمة المتلقي، حاضرة في (عند أول نقطة لتفشي السر)، التي تأتي بعد حبكة سردية هيأت للعودة مرة أخرى للذات/ المتلقي، وربطه بالنص، (تذكرت الحياة/ والشظايا أريكة ليل)، وهي مغايرة، تضاف للنص، وحياة ثانية للمعنى، الذي يُنْتَجُ لمرات عدة، فما ان تذكر، راودته شظاياه، متجلية هذه المرة بأريكة، لتنتج معنى الوجع المستديم.

خاتمة

يخضع العمل الأدبي لتفاعل تواصلي من قبل المؤلف، المتلقي الأول/ المتلقي الأصيل، للنص، فهو من يتلقى بنياته النصوصية، ابتداء من أول بنية تُنجز، وهكذا تباعا إلى إتمام الفعل الإبداعي/ الكتابة، فهو بذلك يمارس التلقي والتفاعل والتأويل معاً، وبمجرد الانتهاء من فعل الكتابة وإطلاق النص حتى يصل إلى القارئ الثاني/ القارئ الفعلي/ الناقد، الذي يعيد قراءة النص، وصولا إلى المعنى الذي قصده النص، أو ينتج  معنى جديدا، يتحقق بفعل القراءة لما للنص من إمكانية دينامية/ حيوية، تمكن القارئ من الفهم والتأويل وملء الفراغات.

إذن نخلص ان المؤلف باعتباره قارئ عليم بخبايا النص، كونه الباث الفعلي له، يتحول تدريجيا بعد الانتهاء من الفعل الكتابي/ التأليف، إلى الفعل القرائي/ التلقي، بطريقة ديناميكية/ تفاعلية،، وهو انتقال من ممارسة الفعل الإبداعي إلى التواصل مع النص الشعري عبر نافذة التلقي، ويكون بهذا قد تحرر العمل الأدبي من سلطة المؤلف.

 

رحيم زاير الغانم

......................

الهوامش

1- جماليات التلقي، المجلس الأعلى للثقافة: د. سامي إسماعيل، القاهرة،ط1، 2002م، ص111

2- المستجدات النظرية في النقد المقارن: محسن جاسم الموسوي، دراسة منشورة بالمجلة العربية للثقافة العدد32، تونس، 1997، ص40

3- محسن جاسم الموسوي: المصدر نفسه، ص41

4- التلقي والسياقات الثقافية: عبد الله إبراهيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، ط1، 2000م، ص7

5- د. سامي إسماعيل: المصدر نفسه، ص30

6- د. سامي إسماعيل: المصدر نفسه، ص183

7- كأس لحياة أخرى: نصير الشيخ، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2017م

8- شهرزاد تخرج من عزلتها: حبيب السامر، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2017م

9- شيء عن الغابة: كاظم مزهر، إصدارات اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة، ط1، 2017م

10- غصن يزقزق في رماد: ثامر سعيد، وراقون للنشر والتوزيع، البصرة، ط1، 2016م

11- المعني أكثر مني: عبد السادة البصري، المركز الثقافي للطباعة والنشر، ط1، 2016 م

12- أين سيهبط بنا هذا الدخان؟: ماجد الحسن، المركز الثقافي للطباعة والنشر، ط1، 2016م

13- دمية عالقة في أسلاك شائكة: ابتهال بليبل، أكد للترجمة والنشر والتوزيع، لندن القاهرة، ط1، 2013م

14- خارطة الريح: عصام كاظم جري، اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في ميسان، ط21،2015م

15- د. سامي إسماعيل: المصدر نفسه، ص31

 

تنفست الثقافة العراقية في ظرفها الآني اوكسجينها، بعد أن تكبدت بغازه لسنوات عدّة.

وأسهم دور المثقف العراقي في تغيّر الواقع الثقافي بإزاء السلم التصاعدي .

والمثقف :هو الشخص الذي يفهم ويدرك مشكلات المجتمع، ويسعى ليصبح عمله جزءاً من الرأي العام.

أما الثقافة: فهي الوعاء الجامع للفنون أغلبها، كـ (المعرفة، والأخلاق، والتطور التكنلوجي، والأثار، والموسيقى، والقوانين...الخ)، وتتطور هذه الفنون كلما ازداد الوعي الثقافي والفكري، وتنخفض كلما انخفض الوعي الفكري،نفهم من هذا أن أرتباط الثقافة وازدهارها مرتبط بمدى تطور الوعي الثقافي والفكري والتقني عند الإنسان، والعراق خير منبعاً؛ لأنه مهد الحضارات والثقافات التي استقت منها بلدان العالم.

بعد (2003) يمكننا القول: إن الثقافة العراقية والمثقف شهدا حالة من الأزدهار، عن طريق تنفس الأقلام الإبداعية استقلالية وجودها- الحرية-، إذ شهدنا أنتشار كتابات عدّة، أسست قاعدة مركزية وحضوراً مثمراً، شارك هذا الحضور في معارض –كتاب- عدّة، ليتحول النتاج الثقافي العراقي إلى سفيرٍ دائم بين دور العلم والثقافة، بعد أنّ حُرم من هذا الدور لسنوات طوال، وتحولت النتاجات الثقافية الى نتاجات مباشرة رافضة لقيود الممنوع، لتتسلل بعض هذه الكتابات ضمن نطاق التابو، وكل هذه الحرية تصب بالأتجاه الأيجابي للثقافة العراقية؛ لأن اساس الأزدهار الثقافي هو كسره للرتابة والضغط المسلط بإتجاهه، وهذا لايعني أن كل النتاجات في درجة التميز والابداع، بل هناك نتاجات هابطة، لكنها لاتشكل كثرة بازاء النتاجات المثمرة، وبالمقابل دور الطباعة اغلبها لاتمتلك درجة التميز لغياب الرقابة عنها، ولا أقصد الرقابة الضاغطة هنا، انما الرقابة الأدبية.

إذ لم تستدع الكتابات العراقية الجديدة (الحديثة) الشخصيات الضاغطة لتمجيدها –التي كانت تحاصر الكتاب ونتاجاتهم-، بل ذهبت لتتمرد عليها وعلى التاريخ المتردي؛ لأنه بؤرة الفساد .

لذا نجد الكتابات العراقية سعت إلى نقد كل الممارسات الضاغطة بإزاء المثقف والثقافة، عن طريق المباشرة أولاً، وعن طريق المخادعة بأستعمال اسلوب التورية والمواربة وهو قليل؛ لأنه أسلوب قديم-التورية والمواربة- وظف سابقاً لحماية الذات الكاتبة من الضغط – السياسي الذي مارس نفوذه بأتجاه المبدع وعمله سابقاً-.

واحتضنت النتاجات الأدبية العراقية الواقع بحذافيره، لذا نجدها قد خاضت معركتها الرئيسة ضد مأساتها الخاصة، فعندما يعيش الفرد في مناخ ضاغط وغياب الحرية الفكرية، يبقى سلاحه الوحيد (الكلمة) يوظفه ليطرق باب الحرية، وهذا ماتعيشه الثقافة العراقية الأن-بعد أن عانت لسنوات طوال أبان الحصار الثقافي والسياسي من الضغط -، إذ أسست لذاتها مرتكزات وحضوراً واضحاً تشهد له مناهل العلم والأدب.

ورواية (مقتل بائع الكتب) للروائي الراحل (سعد محمد رحيم) والتي أختيرت ضمن القائمة القصيرة لـ (الجائزة العالمية للرواية العربية)، مثال حي للكثير من النتاجات الأبداعية العراقية المثمرة،حتى وأن لم تنل الجائزة الأولى، لكن ترشيحها للجائزة العالمية بحد ذاته جائزة، فضلاً عن أنها ركزت على نقطة جوهرية عندما أشارت منذ اللحظة الأولى للقارىء إلى الهدف الرئيس لسردها، عندما ادرجت تحت عنوان( مقتل بائع الكتب)، ليعد عتبة نصية أولى تشد القارىء إلى شغف القراءة، وبقرائته هذه يعيد قراءة تاريخ العراق المعاصر، عن طريق شخصية المحقق، فضلاً عن تطرقها لنقطة مركزية عايشها الواقع العراقي وهي( الموت المجاني)، الذي اصبح هوية العراق، وهذا يدل على امتياز السردية العراقية والواقع الثقافي الذي ادرج اولوياته لمناقشة الواقع الأجتماعي اولاً، ثم مناقشة القضايا المرتبطة بالواقع المعاشي، لتصل هذه النتاجات الثقافية لفئات القراء عامة سواء القارىء ( العادي، او المثقف).

وهناك كتابات عدّة، اسست للثقافة العراقية الأزدهار والألق، سواء على المستوى السردي، أو الشعري، أو الكتابي، وثمرة جهود مبدعيها مبنية منذ سنوات عدّة، وأساليبهم الملتوية في الكتابة عن طريق المواربة والمخاتلة سابقاً خير دليلاٌ على وعي الكاتب العراقي الرافض لكل ممنوع .

ولايفوتنا ذكر معرض الكتاب، وهو خير وثيقة وصورة مباشرة وشاهد بصري لأنتعاش الثقافة العراقية.

وأضيف، أنّ كل ماتم ذكره هو جزء بسيط لواقع مزدهر يحسب للثقافة العراقية بإزاء الرقي والأبداع، وهي ثقافة تشهد لها الأجيال؛ لأنها عاصرت الظروف ونقلت الحياة الاجتماعية الضاغطة فكرياً، لتؤسس لذاتها حضوراً تشهد له مناهل العلم والأدب.

 

بقلم :د. وسن مرشد

 

 

عبير خالد يحيىعبر رواية (اللون العاشق) للكاتب المصري أحمد فضل شبلول

مقدمة: تعتبر السيرة الغيرية أقدم من السيرة الذاتية تاريخيًّا، وما النقوش الموجودة على الجداريات الأثرية القديمة إلا كتابات كتبها قدماء الكتبة تخليدًا لسيَر ملوكهم وآلهتهم وأبطالهم، والمقصود بالسيرة الغيرية أن يقوم الكاتب بسرد السيرة الذاتية لشخصية أو لشخصيات معينة مشهورة، الجديد الذي طرأ على كتابة السيرة الغيرية أنها لم تعد تراجم، أو مجرد سيرة أعلام، كالتي حفلت بها كتب التاريخ، وإنما انتظمت في بناء فني مميز، عندما امتزجت المعلومات المرجعية بالتخييل دخلنا في بناء فني سردي أدبي، هو رواية السيرة الغيرية، يحدّد نوعَها مجالُ شهرة الشخصية، فهناك رواية السيرة الغيرية الأدبية مثل رواية (سرور) التي كتبها الروائي طلال فيصل عن سيرة الشاعر المصري (نجيب سرور)، وهناك الرواية السيرة الغيرية الدينية مثل رواية (موت الصغير) لمحمد حسن علوان، تناول فيها شخصية (محي الدين بن عربي)، وهناك رواية السيرة الغيرية التاريخية مثل (عزازيل) لجرجي زيدان، وهناك رواية السيرة الغيرية الثقافية الفنية كرواية (بليغ) عن (بليغ حمدي) لطلال الفيصل أيضًا...

والرواية التي بين أيدينا تنتمي إلى النوع الأخير، رواية سيرة غيرية ثقافية فنية، كون صاحب السيرة(الفنان محمود سعيد) شخصية فنية أثرت في ثقافة الوسط الفني التشكيلي في المجتمع المصري والعربي، بل كان من رواد النهضة فيها، لكن الجديد والابتكار الذي قام به الكاتب أنه جعل السارد أو الراوي هو محمود سعيد نفسه، يروي سيرته الفنية التشكيلية المتخيلة في إطار حبكة روائية متخيّلة أيضًا، أبطالها جميلات بحري اللواتي يتشابكن مع الفنان ومع الواقع الحياتي الذي يعاصرنه.

السيرة الذاتية للكاتب ومساميره على حائط الأدب:

أحمد فضل شبلول

- مواليد الاسكندرية

- حصل على جائزة المجلس الأعلى للثقافة – شعبة الدراسات الأدبية والنقدية 1999 عن بحثه " تكنولوجيا أدب الأطفال"

- حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب 2007

- أصدر عددَا من المعاجم العربية منها: معجم الدهر، معجم أوائل الأشياء المبسط،معجم شعراء الطفولة في الوطن العربي خلال القرن العشرين.

- أصدر ثمانية كتب في مجال أدب الأطفال آخرها ديوان "أحب الحياة"2017

- له ثلاثة عشر ديوانًا شعريًّا مطبوعًا آخرها " اختبئي في صدري" 2017

- له تسعة عشر كتابًا مطبوعًا في مجال الدراسات الأدبية والنقدية، آخرها " محيط وخليج .. عشرون رواية عربية"

- أصدر في مجال الرواية: " رئيس التحرير" 2017 " الماء العاشق" 2018

- ترجمت مجموعة من أعماله الشعرية ومقالاته لعدد من اللغات الأجنبية. 

أولًا – المستوى البصري و اللساني الجمالي External and Linguistic Level:

يضمّ هذا المستوى مداخل الجوانب العينية والمنظورة في النص.

1- المدخل البصريExternal Trend:

- العتبة العتبة البصرية الأولى الغلاف:

الغلاف الأمامي شغلت جانبه الأيمن لوحة الفتاة (ذات الرداء الأزرق)، وهي إحدى لوحات الفنان محمود سعيد التي رسمها عام 1927 لفتاة قاهرية من بولاق كانت تقف على شاطئ النيل بالزمالك، رسم اللوحة مما انطبع في خياله، عن ملامحها ولون ثوبها. بعد قراءتي للرواية تساءلت لماذا لم يختر الكاتب لوحة (جميلات بحري) كغلاف وهي محور الرواية...

 لوحة الفتاة بظلالها السمراء، وثوبها عاري الصدر والأيدي، المخطط بالأزرق الغامق والفاتح، مع غطاء الرأس الأزرق الغامق أيضًا، كانت هذه القتامة بمواجهة الخلفية ذات اللون البيج الفاتح، والتي استقر فوقها اسم الكاتب باللون الأسود، تحته العنوان (اللون العاشق) بالبنط العريض واللون الأزرق الغامق.

وبالأسفل جنس العمل (رواية) مع شعار دار النشر

للغلاف حافة منثنية كتب عليها تعريف مختصر بالعمل (تتناول هذه الرواية سيرة ذاتية وتشكيلية متخيّلة للفنان المعروف محمود سعيد 1897-1964الذي يعد أحد رواد الفن التشكيلي في الوطن العربي . تتوقف أحداث الرواية عند عام 1935، وهو العام الذي رسم فيه الفنان أشهر لوحاته- جميلات بحري أو بنات بحري- .......)

الغلاف الخلفي: صورة فوتوغرافية بالبني والبيج للفنان محمود سعيد في مرسمه، يرسم، وقد تبعثرت في محيط المكان بعض لوحاته وأدواته، منها لوحة لفتاة عارية، أدار لها الرسام ظهره.

حافة الغلاف الخلفي منثية داخل الكتاب وقد كُتبت عليها السيرة الأدبية للكاتب أحمد فضل شبلول.

رأيي أن الغلاف بالألوان المتمازجة بين القتامة والمضيئة، والصور والمعلومات المكتوبة عليه يتمتع بالأناقة والذوق الهادئ المريح.

- العتبة البصرية الثانية هي العنوان: اللون العاشق

عنوان قصير، لافت وجاذب وسنأتي على تفصيل دلالاته أكثر في المستوى الاحتمالات المتحركة.

- كان الإهداء إلى المثال محمود مختار بتوقيع محمود سعيد إيهامًا لنا من الكاتب بواقعية الرواية كسيرة ذاتية فنية، جاء الإهداء مباشرًا هكذا:

إلى صديقي المثّال العظيم

محمود مختار

 محمود سعيد 

- تجنيس العمل: رواية سيرة غيرية ثقافية فنية متخيّلة. بما أنها مسرودة على لسان صاحب السيرة فيمكن أن نقول عنها رواية سيرة ذاتية ثقافية فنية متخيّلة.

- الرواية تتبع المدرسة الواقعية تحت نظرية الفن للمجتمع.

- بالنسبة للألفاظ والتراكيب، كانت ألفاظًا سهلة ومألوفة حتى في الفقرات المعلوماتية، التراكيب جمل تراوحت بين الجمل القصيرة والمتوسطة وأحيانًا الطويلة، متناسقة مع بعضها البعض.

التنسيق المطبعي جيد جدًا حيث التزم الكاتب بالشكل البصري النظامي للفقرات والحوار، وحتى بالشكل البصري للقصائد التي ضمّنها في الرواية.

- أدوات التنقيط تم مراعاتها بشكل ممتاز.

- قسّم الكاتب روايته إلى 32 فصل لم يضع لها عناوين فرعية، وإنما جعلها مسترسلة تحت عنوان واحد هو عنوان الرواية.

2- المدخل اللساني للنصLinguistic Trend:

وما دام الأدب بناء فني وجمالي بلاغي، مصنوع بدقة وحنكة أدبية مثقلة بالجمال البلاغي والعمق الخيالي والرمزي، ومثقل بالتعابير اللغوية ومشتقاتها، فقد خصّص ذلك المدخل للدوال والمدلولات والمفاهيم التركيبية والإملائية واللغوية و توابعها الاشتقاقية، وحتى تحليلاتها الفونولوجية، والمرفولوجية والسياقية، حسب المنظور البنيوي والتواصلي الذرائعي....

ولنا في هذا المدخل أن نرصد:

- الثقافة الأدبية الشاملة للكاتب: ومدى قدرته على توظيف مكتسباته الثقافية في مضمار عمله الأدبي، فهناك الكثير من المعلومات الفنية والألفاظ المهنية الفنية التي يعرفها الفنانون التشكيليون أتانا بها بلفظها الفصيح أو بلفظها العادي المتعارف عليه في أوساط الرسامين:

- أجود أنواع المساند أو (الستاند) أو الحامل.

- أجود الأقمشة وأوراق الكرتون المقوى

- وأنواع مختلفة من (البليتات) وشرائح الزجاج.

- وأنواع مختلفة من المحاليل التي تساعد على خلط الألوان مع بعضها بعضًا، وإعطاء اللون الخاص المطلوب أثناء عملية الرسم أو الإبداع،

- فضلًا عن سكاكين المعجون أو سكاكين اللون.

 

- المعرفة الأكاديمية بالأجناس الأدبية: الكاتب يدرك تقنيات السرد، ويدرك أنه يكتب رواية سيرة ذاتية لفنان تشكيلي مشهور، وهذا يتطلب منه الإتيان بمعلومات صحيحة عن الفن التشكيلي، لذا وجدنا الرواية غنية معلوماتيًّا في هذا المجال (الفن التشكيلي)، أسوق مقطعًا من حديثه عن لوحة (الحكماء الثلاثة) للفنان الإيطالي جورجوني (1477-1510)

 (من اللوحات العارية التي أحببتها لدى جورجوني لوحة " فينوس النائمة" والموجودة في متحف درسدن، وهي تتشابه مع لوحة تتسانو " فينوس المضطجعة" والتي شاهدتها في متحف أوفتزي بفلورنسا أثناء جولتي الإيطالية...)

استخدم الكاتب دلائل موجودة سواء أكانت محكية سمعها من مقربين كانوا على اتصال مع الشخصية، أو مكتوبة، وأجراها على لسان الشخصية، كما استخدم المقالات المنشورة في الكتب أو المجلات عن الفنان في الفصل 17، كما استخدم دلالات مصوّرة، وهذا ابتكار يُحسبُ للكاتب حيث دعّم روايته بصور للوحات فنية جاء ذكرها في الرواية. إن الكاتب يعرف عناصر السيرة الغيرية، فقد ذكر تاريخ ومكان ولادة الفنان، واستعرض الإنجازات الهامة في تاريخ حياته الفنية، وتأثيره الثقافي في مجتمعه، ووضع ذلك في قالب روائي شيق.

 

- البنية اللغوية من مفردات وتراكيب وسياق:

 حرص الكاتب على اختيار الألفاظ البسيطة المعروفة، لكنه برع في نظم تلك الألفاظ في تراكيب قصيرة أو متوسطة، سليمة تمامًا من الناحية النحوية، انتظام تلك التراكيب في سياق المعنى يجعلها دقيقة جدًا في رسم الصورة التي يريدها الكاتب، نستعرض بعض هذه التراكيب والصور:

- إن في حلاوتهم كنزًا فرعونيًّا يسكن في عينيها، وفي قوامها، وفي شفتيها الغليظتين، الدافئتين بعض الشيء.

نلاحظ أنها مفردات بسيطة (كنزًا، فرعونيا، يسكن، عينيها، قوامها، شفتيها، الغليظتين، الدافئتين) تم تركيبها في شبه جملة، وصفة وموصوف سليمة نحويًّا.

- البنية الإشارية (الدلالة والمفهوم):

تمكنت من رصد العديد من الدلالات ومدلولاتها، بما أتاحته لي الذرائعية التي تهتم بحالات المعاني المؤجلة المستلة من الخيال والرمز في العمق الأدبي والبنية اللغوية العميقة، سأتجاوز المدلولات باتجاه المفهوم الذي يسوّر المعنى، هناك فقرة لفتتني يتساءل فيها الفنان ، يقول:

"هل كانت بداياتي الفنية بفضل العثمانيين أم كانت بفضل الاستعمار، أم بفضل قدماء المصريين؟"

الدلالة(الفن)

عقد الفنان مقارنة مخبوءة بين الحضارات:

 الحضارة مصرية قديمة منذ 7000 سنة،

الحتلال العثماني 400سنة

الاستعمار الأوروبي (حديث)

 المفهوم العام: بأن المصريين قد غلبوا العثمانيين و الأوروبيين في الفن، وكانوا من أوائل من نحت الجداريات والتماثيل والصور.

يقول أيضًا:

" صديقي الفنان أحمد صبري أصله تركي، فهل ذلك سوف يعليه على العرب، وما علاقة ذلك باللوحات التي أرسمها الآن؟"

الدلالة: الفن

المفهوم: أن العثمانيين امتلكوا السلطة فهل السلطة تغلب الفن؟

يشير إلى تدني العرب بنظر مستعمريهم.

- البنية الجمالية ومتعلقاتها البلاغية – علم البديع وعلم البيان

اجتماع التراكيب يعطي صورًا جميلة تجعل النص ينزاح نحو الجمال:

- وفي شفتيها الغليظتين بعض الشيء، الدافئتين كأنهما كأسان من خمر، وأنا في طريقي للاكتشاف هذا الكنز.(تشبيه)

- إنه جسد متحرك رغم سكونيته و هدوئه الظاهري. (طباق: متحرك# سكونيته)

- وأعتقد أن سُمرة الجسد تظهر حركيته أكثر من بياضه. (طباق: سمرة# بياض)

- أنا لم أهِم بشطآن أحلامي، ولم ألوِّن أصداف أيامي (استعارة)

ثانيًا– المستوى النفسي Psychological Level:

3- المدخل السلوكي: Behaviorism Theory:

وهو مستوى نفسي، باعتبار الأدب نوع من السلوك الإنساني، الذي يفرز بين طياته محفزات تتطلب استجابات آنية و مؤجلة التنفيذ، المحفز(stimulus) والاستجابة (response) أو الفعل(action) ورد الفعل (reaction) أو السؤال والجواب، لكي نتوصل إلى أعماق الأديب، من خلال نصّه، وإلى أعماق النص من خلال تقمص موجودات الأديب الظاهرة بالتوازي النفسي، وهي حالة من التداعي والاندماج بين شخصية الأديب والمتلقي أو المحلّل.....

وحدات التحليل السلوكي النفسي:

 تكون بشكل تساؤلات وإشكالات وسلوكيات:

- إنسانية: تجاوز الفنان لهمومه الإنسانية الصغيرة اتجاه بطلات لوحته، اللواتي مضين في درب الحياة كل واحدة لمصيرها، ليقبع وحيدًا في مرسمه منطلقًا منه لهدف إنساني أكبر، حاملًا أدواته وفنه وتاريخه الكوزموبوليتاني الممتد قبل الميلاد وإلى اللحظة التي يكتب فيها سيرته، لينصر الإنسان في المرأة المصرية البائسة، ليرسم جوانيها البائس، لا أن يرسم جسدها عاريًا، وهذا تحوّل سلوكي كبير وفارق في حياة هذا الفنان من الناحية الفنية ومن الناحية الإنسانية.

- اجتماعية: هناك العديد من التساؤلات الاجتماعية والثقافية التي أطلقها الكاتب على لسان محمود سعيد، لعلنا نبحث عن إجاباتها عنده، وإن لم نجدها فلنفكر نحن بالإجابات، هي دعوة من الكاتب لإشراكنا كمتلقين في عمله الأدبي .

- هل كانت بداياتي الفنية بفضل العثمانيين أم كانت بفضل الاستعمار، أم بفضل قدماء المصريين ؟

سؤال على درجة عالية من الخطورة، في إجابته يتحدّد هوية فن الفنان العربي وانتمائه الإبداعي، وهل هو نتاج غريب عن أصل صاحبه؟

لنرى إجابة الكاتب، يقول: صديقي الفنان أحمد صبري أصله تركي، فهل ذلك سوف يعليه على العرب؟ وما علاقة ذلك باللوحات التي أرسمها الآن؟

إذن أجاب إجابة مقاربة، أعقبها بتساؤلات أخرى، هل كون الفنان من أصل غير عربي وهو ولد وعاش في مصر، يجعل له امتيازًا عن أنداده العرب؟

وكأن الكاتب يلمّح إلى هذه الواقع القائم فعلًا! الإنسان الأجنبي في بلاد العرب له امتيازًا عندهم عن أقرانه من الفنانين والمثقفين العرب، للأسف الشديد، نجد بالأوساط الثقافية الكثير من التصفيق للرطانة الأجنبية، والمبدع العربي يُحارب محاربة حقيقية، ظاهرة أو مبطنة، يعيد سؤاله بتخصيص أكثر:

- هل أنا كفنان نتاج لمرحلة استعمارية، أم أن فنّي ظاهرة جديدة على الثقافة العربية ؟

هناك سؤال إجابته أيضًا فارقة، هل ابتكار الفنان يعود الفضل فيه إلى ثقافة الاستعمار الذي جاء إلى البلاد العربية حاملًا شعارات الحداثة وضع تحت راياتها وفي جعبة أفضالها كل الإنجازات الناجحة والابتكارات المبهرة، أم أن عمل المبتكر هو فعلًا حدث طارئ وجديد على الثقافة العربية؟

يجيب بحذاقة: أعترف أن التقاليد البصرية العربية لم تشهد هذا النمط من التصوير من قبل. كان قبل ذلك يوجد فن النمنمات وفن الرسومات (الرسم على الزجاج)، ولكني أنا وجيلي طليعة فن اللوحات، وأعترف أنني من أوائل من رسم اللوحات العارية.

وهنا سأقف على إجابته بالتحليل، إذن هو يعترف بأنه خرج عن أخلاق مجتمعاتنا العربية المحافظة، التي تغض الطرف عندما تقع بصرها على ما أمر الله بستره، فكيف ستقبل أن تنظر إلى لوحة تعرض الأجساد العارية؟ هذا اختراق واضح لمنظومة التقاليد العربية المحافظة التي تقوم على الحشمة والعفة، حتى لو كانت اللوحة لرجل عار، غير مقبولة، فكيف إن كانت لامرأة يعتبرها الدين والمجتمع عِرْضًا يُذاد عنه بالدم إن كُشِفَ ستره.

- فهل كان ذلك سذاجة أم جرأة أم تحطيمًا لقيود ما؟

سؤال فيه الجواب الذي أشرت إليه، وفيه أيضًا بعض الاستعداد للاعتراف بخطأ ما تبناه من آراء ومفاهيم كان قد طرحها معلنًا إيمانه بها في بداية الرواية عن العري، حيث كان قد نفى حضور الشهوة عند الرسام وهو يرسم امرأة عارية، يقول: كنت أشمّ الدهن الموزع في جسد الموديل التي أرسمها.

ومعروف أن حاسة الشمّ من أكثر الحواس المثارة بالشهوة.

سؤال كنت أتمنى أن يفضي إلى السؤال الأهم: هل تقليد الغرب الذي ثار على الكنيسة ودعا إلى هدم كل موروث هو الطريق إلى القمة؟ سؤال مضمر أجاب عليه الفنان إجابة فعلية عندما قرّر أن يرسم جوهر الإنسان، البؤس الكامن في أعماقه، بعيدًا عن تعرية سوءته.

- فلسفية: أسئلة طرحها محمود سعيد على نفسه وهو يتأمل لوحة (الحكماء الثلاثة) للفنان الإيطالي جورجوني:

- هل أستطيع أن أعطي دلالات عميقة مثل تلك الدلالات والإشارات في لوحتي التي أرسمها الآن (جميلات بحري) والتي تحتوي أيضًا على ثلاث من بنات بحري، ولكل واحدة منهن حكاياتها وأسرارها وجمالها المصري الخاص، وفلسفتها في الحياة اليومية؟

- وكيف أوفّق بين تلك الدلالات والإشارات واللون الأزرق الذي أعشقه ويعشقني كما أباح لي ذات رسم؟

يجيب بذكاء وعبقرية من يتقمّص تمامًا شخصية الفنان وحكمة الفيلسوف الذي يجذّرالأشياء:

- أجمع في تلك اللوحة كل مدارس الفن المصري من فرعوني وقبطي وإسلامي وحديث، أريد أن تكون الخطوط والألوان ليّنة وراقصة ووامضة مثل جسد بنت بحري، وأن يصبح رداؤها جزءًا من شخصيتها، وكاشفًا لجمالها المختلف عن الجمال الأوروبي التقليدي.

- نفسية: هناك سؤال يتردد في نفس محمود سعيد كلّما رأى همّام:

- هل هو يشك في أنني رسمت أخته عارية؟ أم أنه انشغل بحلاوتهم وأنوثتها التي لا تقهر؟

نجد أن نفس السؤال يطرحه همام على نفسه:

- هل رسم محمود سعيد أختي عارية؟

تساؤل عند محمود سعيد عن (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم:

- هل يقصدني أم يقصد نفسه؟ من فينا العصفور؟

يجيب: أنا الآن عصفور من الشرق في لندن . غدًا سأضع عصفورًا في أرضية اللوحة السردية الجديدة .إنه عصفوري أنا وليس عصفور الحكيم. إنه شرقي أنا وليس شرق الحكيم. فهي إذن الغربة، غربة النفس وغربة الوطن. 

4- المدخل العقلاني أو التوليدي:Mentalism Theory

والأدب إناء ومدخل التناص لإنه يهتم بقضايا الناس، ويهتمّ ،أيضاً بكلّ ما يتولّد من فكر وأحداث، فهي قليلة بالنسبة لسعة الحياة وامتدادها، فحين يلج الشاعر أو الكاتب عالم الأدب لابدّ وأن له تجارب مرّ فيها، وهي تجارب مرّ فيها الناس من قبله، فما يكتبه الأديب هو مأخوذ من تجربة ثلاثية، تتكون من ثلاثة عناصر كما تراها الرؤية الذرائعية،

أحداث الحياة الحقيقية: شهدت الأوساط الفنية والتراثية المصرية سرقة الكثير من الآثار والأعمال الفنية المصرية، وكان هناك وإلى الآن تجار وعصابات متخصصة في هذا المجال من التهريب والسرقات.

تجارب الكاتب الشخصية: تناص الكاتب مع نفسه في ذات الموضوع مع روايته السابقة الماء العاشق.

التجارب والأحداث التي مرّ بها غيره وقد شاهدها أو قرأ عنها: تناص الكاتب مع الكثير من الكتّاب الذين كتبوا سيرة غيرية عن شخصيات مرجعية.

 ثالثًا- المستوى الأخلاقي Moral Level

 1- البؤرة الفكرية الثابتة أو التبئير الفكري Static Core:

هي مدخل أخلاقي تجعله الذرائعية مركزًا ثابتًا لا ينزاح، ومنه ننطلق إلى باقي المستويات أجد فيه كناقدة ذرائعية نوع العمل الأدبي ومحتوياته الأخلاقية الثابتة، هذه البؤرة تتحدّدها الذرائعية باستراتيجية الكاتب الأخلاقية العامة التي تتطابق مع المسيرة الإنسانية والأخلاق العربية والإسلامية المحافظة، بالإضافة إلى الأفكار العامة ونوع الرؤى التي يطرحها الكاتب، والتي ينبغي أن تكون مفيدة للمجتمع وخالية من جميع الأفكار السلبية المستوردة المنافية للأخلاق، وقد لمست ذلك جدّيّا عند الكاتب (على اعتبار أن ما أجراه على لسان السارد المشارك من أفكار لم يكن هو بمعزل عنها) فهو لم يوافق الشاعر الفرنسي (جان آرثر رامبو) بدعوته إلى التشويش عن طريق تعاطي الكحول والأفيون، حيث يشوّش حواسه ضمن حيزه الواقعي ليمارس طقس الرائي بما يملك من خيبة وجنون لتقطيع ذات والعبث بها بهدف الوصول إلى مخبوءاتها الجوهرية، وإنما أراد أن يصل إلى إشراقات في اللوحة وإلى كيمياء الألوان، وتفاعل الظلال مع الأنوار لينهي اللوحة، فهو لم يرد إنهاء لوحته بموت او اختفاء (موديلاتها)، إنما أرادها اللوحة النواة التي ينطلق منها لآفاق مصرية، وآفاق عربية، وآفاق عالمية، أراد الابتكار، أراد رسم الحياة المصرية بحكاياتها وموضوعاتها البكر الجديدة التي لم تُرسم بعد، بهدف أكبر وهو أن يرصد ذاته ليدرك مقدار نجاحه في ذلك التحدي، أراد الغوص أكثر في أعماق البائسات، لأنه أيقن أن الإنسان بذاته الداخلية بكل ما تحمل من ألم وبؤس هي أولى بالرسم والتصوير من الأجساد العارية، مغيّرا بهذه النتيجة التي وصل إليها آراءه السابقة في اللوحات العارية، والتي كانت نوعًا ما متأثرة بالفكر الغربي. 

2- الخلفية الأخلاقية للنص أو الثيمة:Theme or Moral Background

تناول العمل موضوعًا رئيسيًّا وهو سرقة وتهريب وبيع التراث الثقافي المصري، وهي ثيمة وجدتها عند الكاتب بالاطلاع على عمله السابق (الماء العاشق)، وكأنها صرخة صامتة تشعر بالخزي والخيبة من اشتراك ذوي النفوس الضعيفة والجاهلة من بني قومه في تلك الصفقات المريبة والسرقات الوقحة لفنون وتراث البلد. 

رابعًا – المستوى الحركي في التحليل Dynamic Level

ندرس في هذا المستوى:

- البناء الفني:

1- العنوان: اللون العاشق

 عنوان قصير، جملة اسمية معرفة، صفة وموصوف، اللفظة الأولى اللون تأتي من عمق موضوع الرواية، اللون هو سيد اللوحة البطلة، أما الصفة (العاشق) فأراها من منظورين: الأول أنها صفة تخص اللون الأزرق الذي يعشقه الفنان محمود سعيد و يعتبره مرحلة بالفن لن يغادرها ويبقى مخلصًا لها، يقول في الصفحة 226:

بيكاسو الأسباني الذي التقيته مع الحكيم في اللوفر، مرّ بمراحل عدّة منها المرحلة الزرقاء، والمرحلة الروز، وهو الآن في المرحلة التكعيبية. وأنا أحب المرحلة الزرقاء ، فقد تفتّحت عيناي على زرقة بحر الاسكندرية، لذا أحب هذه المرحلة ولن أنتقل إلى أخرى، فأنا مخلص وعاشق للون الأزرق، واللون الأزرق يعشقني، فعلًا إنه اللون العاشق وسط جميع الألوان.

المنظور الثاني أن الكاتب أصدر قبله (الماء العاشق) وسيصدر (الحجر العاشق)، يعني الكاتب معني بإصدار سلسلة أعمال تحت صفة (العاشق).

2- المقدمة:

جاءت المقدمة استهلال تعريفي ببطل الرواية (محمود سعيد)

 والمكان(فيلته في جناكليس) وصف المكان بما فيه(الفوتيه، مقعد تابوريه، لوحات متعددة في بهو الصالة الكبرى التي لا ترى البحر ...

(جلس محمود سعيد في فيلته جناكليس على الفوتيه المحبب له من طراز لويس الخامس عشر، موديل المركيزة والمصنوع من الخشب الزان، الطبيعي غير المشغول بالحفر....) البداية بهذا الوصف الدقيق لإيهام القارئ بواقعية الرواية منذ بدايتها.

أما الزمان:

 زمن وقوع الأحداث:صباح يوم مشرق في العام 1935بدأ السارد بسرد المحفزات التي دفعته لرسم لوحته التي دارت الأحداث بسببها، يقول:

(أتذكر أنني منذ سنتين- في عام 1933- رسمت لوحة لصيادين الأسماك أطلقت عليها اسم " الصيد العجيب" ..... 

3- الصراع الدرامي وبناء الحدث:

استخدم الكاتب في بناء الحدث الطريقة التقليدية: حيث تدرّج بحدثه من المقدمة حتى العقدة ثم النهاية، متتبعًا التطور السببي المنطقي.

لقد حقّق الكاتب عنصر التشويق في الحدث القصصي إلى حدّ جيد نسبيًّا، عن طريق الحبك الفرعية التي رفدت الحبكة الرئيسية (قصة ست الحسن مع حسان.... قصة حلاوتهم مع زوجها السنجاب)، وعن طريق زجّه بشخصيات مشهورة في الرواية مثل المخرج السينمائي محمد كريم، والفنانة ليلى مراد، المطرب محمد عبد الوهاب، والمطربة أم كلثوم، والشاعر أحمد رامي، ويوسف وهبي، مع ذكر الظروف التي رافقت أفلامهم المشهورة (الوردة البيضاء، وداد ...) والأديب توفيق الحكيم و سفره مع الفنان إلى فرنسا وحكاية كتابة روايته (عصفور من الشرق)، وكذلك الفنان الأسباني المشهور(سلفادور دالي)، سرد الفنان قصص لوحاته، وذكر أماكن ومعالم في الاسكندرية (مسجد المرسي أبو العباس، حلواني ديلييس، شارع سعد زغلول، جناكليس ....) ومعالم في القاهرة (قلعة صلاح الدين، الزمالك، بولاق...)

 كل ذلك جعل الرواية تنبض بالعاطفة وسط كمّ كبير من معلوماتية ثقافية فنية.

كما حقق الكاتب العنصر الثاني الهام وهو زمن الحدث الذي ينطوي على مجموعة من الأزمنة منها: الزمن العام: سيرة الفنان الفنية حتى عام 1935

 والأزمنة الخاصة: زمن العمل القصصي نفسه: خلال سنة 1935

إضافة إلى أنه أجاد في التعبير عن نفوس الشخصيات، وانتظام الأحداث والشخصيات في حبكة مترابطة معقولة، اكتسبت صفة السببية، وتكاملت بالمعنى أو الرسالة التي أراد الكاتب إيصالها إلى المتلقي.

أما عن سردية الحدث أي طريقة عرض الأحداث، فقد استخدم طريقة الترجمة الذاتية، حيث تولت سرد الأحداث الشخصية المحورية (محمود سعيد) بضمير المتكلم(أنا) قدّم الشخصيات وحلّلها تحليلًا نفسيًّا من وجهة نظره.

4- الشخصيات:

أنواع الشخصيات الفنية التي استخدمها الكاتب في الرواية:

- الشخصيات المحورية:

الفنان محمود سعيد: والذي يمكن اعتباره الشخصية الواصلة الناطقة باسم المؤلف هذه الشخصية الواصلة هي أكثر ما تعبر عن الرواة والأدباء والفنانين. 

- الشخصيات المعارضة:

حلاوتهم: التي كانت أول الشخصيات الوافدة إلى الرواية والتي قادت أحداث الرواية في مثلت الصراع الدرامي حتى العقدة التي تشكلت بموتها، بعد موتها انقلب الصراع باتجاه الانحسار، تلاشت الأحداث، وغادرت بقية الشخصيات ولم يبق غير الشخصية المحورية (محمود سعيد) التي كان لزامًا عليه أن ينهي السيرة، وينهي اللوحة التي تصدّرت فيها حلاوتهم منتصف اللوحة تمامًا وعن يسارها ويمينها الوصيفتان ست الحسن وجميلة.

أبعاد الشخصية:

البعد الجسدي: شابة سمراء ذات شعر أسود طويل ينساب على ظهرها، وعينين واسعتين سوداوين، وشفتين غليظتين، ذات قوام مصري لين، طويلة القامة، مع سيقان أسطوانية ممتلئة،

البعد الاجتماعي: بنت بحري، وحيدة أبويها، مطلقة وهي في سن صغيرة، وكان أبوها (المعلّم الجزّار) قد زوّجها - قبل موته غرقًا في إحدى نوات البحر- غصبًا للسنجاب الذي كان عاجزًا جنسيًّا، ترك لها أبوها بعض المال من تجارة غير تجارة الأسماك لم يكن يهمها ان تعرف أي تجارة هي (قد تكون إشارة إلى تجارة مشبوهة)، وثقافتها الضعيفة، لكنها جريئة في ألفاظها ونظراتها وإيماءاتها الجنسية.

البعد النفسي: شرهة لكل شيء، لها تطلعات وطموحات كبيرة مستعدة أن تقدم في سبيل الحصول عليها كل شيء.

- الشخصيات المساعدة:

ست الحسن:

اسمها الحقيقي توحيدة، أما ست الحسن فلقب أطلقوه عليها لجمالها وحسن ألفاظها وجمال صوتها، تزوجت عبد الحميد بعد أن خذلها أخوه حسان الذي أحبته وساعدته في الهرب من قرية النجعاوية، طلبت من عبد الحميد حينما خطبها أن يقيما بالاسكندرية لتكون قرب حسان.

- شخصيات بسيطة: ولدت مكتملة على الورق، لم تتطورلم تغيّر ملامحها الأحداث، مثل جميلة و حسان وعبد الحميد وسعدية ومورينو.

- شخصيات نامية: وهي شخصيات تتطور من موقف إلى آخر بحسب تطور الأحداث، لا يكتمل تكوينها حتى تكتمل الرواية، وتتكشف ملامحها تدريجيًّا خلال السرد، مثل شخصية همّام، محمودعبد الوهاب، آري.

- الشخصيات المرجعية: وتكون حسب مجال شهرتها: تاريخية، أسطورية، مجازية، واجتماعية....مثل توفيق الحكيم، سلفادور دالي، محمود مختار، محمد كريم، محمد عبد الوهاب، ليلى مراد.

طرق عرض الشخصيات: اتبع الكاتب طرقتا العرض الأساسيتين:

- الطريقة التحليلية: وهي الطريقة المباشرة التي يعنى فيها برسمها من الخارج واصفًا تصرفاتها وشارحًا عواطفها وأحاسيسها بأسلوب صريح تكشفت من خلاله شخصيته وتوجيهه لأفكار شخصياته وفق الهدف والحاجة التي أرا دهما، كل ذلك على لسان السارد البطل المشارك.

- الطريقة التمثيلية: وهي الطريقة غير المباشرة، منحها القاص فقط لحلاوتهم، حين أكسبها حرية أكثر للتعبير عن نفسها وعن ميولها وأفكارها وعواطفها، شخصية القاص تتنحى جانبًا لتنطلق حلاوتهم بالتعبير عن نفسها بعيدًا عن أي تأثير خارجي:

(يؤجر السنجاب شقة متسعة أمام البحر مباشرة في الأنفوشي .... السنجاب يعرف أنني لا أميل إليه، خاصة بعد فشله مرات كثيرة معي على السرير رغم ضخامة جسمه،وتناوله العقاقير)

كما منحها لهمّام بدرجة أقل بكثير، فقط ليسأل سؤال (هل رسم أختي عارية؟)

 

 - عناصر التشابك السردي:

1- الموضوع:

الإرهاصات والظروف والملابسات التي سبقت ورافقت رسم لوحة (بنات بحري)، ونشوء فكرة اللوحات السردية عند الفنان محمود سعيد، وبيع وسرقة وتهريب اللوحات الفنية المصرية والشرقية إلى أوروبا، عن طريق شبكة عالمية تستخدم مندوبين يهود أو من جنسيات أوروبية مختلفة وبالأخص إيطالية كانوا يعيشون بالاسكندرية، وبالاستعانة بمصريين تربطهم بأصحاب اللوحات علاقة ما، جريمة قتل تذهب ضحيتها (حلاوتهم) الموديل الرئيسي في اللوحة. 

1- الحبكة:

تبدأ بالتقاء الفنان (محمود سعيد) ب(حلاوتهم) في حلقة السمك في الأنفوشي، التي وجد فيها الموديل الرئيسي للوحته الشهيرة (بنات بحري)، يتفق معها على ذلك، وتأتيه في مرسمه في شارع سعد زغلول مع ست الحسن (توحيدة)، الجميلة صاحبة الصوت الجميل التي يقرر محمود سعيد أن تكون البنت الثانية في اللوحة، وهناك يلتقيان بمحمود عبد الوهاب القاضي مكتشف المواهب الفنية والذي يرى في حلاوته مادة فنية يحتاجونها في عالم السينما، تشاء المصادفة أن يلتقي بجميلة الفنانة المسرحية اليهودية التي تلح بالطلب على المخرج محمد كريم ليعطيها دورًا في فيلمه الجديد، ويرفض بسبب طريقة إلقائها المسرحية الخطابية المباشرة وصوتها العالي، لتكون البنت الثالثة المشاركة في اللوحة، حبك فرعية تساهم في دفع عجلة الأحداث في الحبكة الرئيسية منها مقتل حسان حبيب ست الحسن السابق واتهام أخيه عبد الحميد (زوجها) بمقتله، قدوم أخوة ست الحسن من الصعيد وبقاء أصغرهم (همّام) معها في الاسكندرية، الذي أمنّه الفنان على مرسمه، وتعهد بتثقيفه بعد أن وجد عنده ثقافة واطلاع فني لا باس به، لكنه قام بعلاقة جنسية مع حلاوتهم التي أغوته في المرسم، ثم سفر الفنان محمود سعيد مع الأديب توفيق الحكيم إلى أوروبا- فرنسا بداية – ومعايشته لأجواء كتابة مؤلفه الشهير (عصفور من الشرق) ثم زيارته للندن والتقائه ب(آري) وكيلة فنانين في لندن وباريس، التي دعته لزيارة (جاليري آري) خاصتها.

هناك كانت المفاجأة حيث وجد الكثير من لوحاته (لوحات العري)هناك، لقد سُرِقت من مرسمه! وقد طُمس توقيعه عليها، يكتشف أيضًا أن حلاوتهم وهمام قد باعاها للمندوب الإيطالي (مورينو) -السارق السيء السمعة الذي سبق للفنان طرده من مرسمه - وأن من سرّب ل(مورينو) نبأ وجوده في فرنسا هو صديقه القاضي (محمود عبد الوهاب) مكتشف المواهب، تم القبض على مورينو متلبسًا لحظة استيلائه على لوحات في عملية جديدة، باتفاق بين محمود سعيد –الذي قطع زيارته لأوروبا وعاد لمصر-و همام للإيقاع به، واعتبر همّام شاهد ملك، تم الافراج عنه بعد أن اتهمه مورينو بأنه هو الذي سلّمه اللوحات مقابل مبلغ من المال، كما أن حلاوتهم تقاضت مبلغًا محترمًا أيضًا.

2- العقدة: في انتظار انتهائه من لوحة بنات بحري لينهي الفنان علاقته بحلاوتهم، وانتظار انتهائه أيضًا من ست الحسن التي تنتظر مصير زوجها عبد الحميد في قضيته المنظورة بالمحاكم بعد أيام، وانتهائه أيضًا من جميلة قبل انتقالها للعمل بالقاهرة واشتراكها في دور صغير قرّره لها محمد كريم في فيلمه القادم مع محمد عبد الوهاب، تُقتل حلاوتهم طعنًا بالسكين في حفل خطوبتها على همام....

الشك يدور حول في طليقها السنجاب الذي كان يطالبها بالشقة التي تنازل عن إيجارها لها، فهددته بأنها ستفضحه بعجزه الجنسي، شمل الاتهام أيضًا أخوة همّام الذين حضروا الخطوبة وهم في حالة غليان زاد أوارها الرقص الفاضح الذي رقصته حلاوتهم أمام الجميع.

4- الانفراج: يغادر همام وست الحسن مع أخوتهم باتجاه الصعيد.

يقرّر الفنان محمود سعيد بأن (يتجاوز "بنات بحري " لعمل أكبر وأروع وأبقى، وضع هدفًا أسمى لفنه، أن يغوص أكثر في دواخل البائسات المصريات، يرصد النظرة والوجع واليأس والأمل، يرسم الوجه والجسد على أنهما مرآة للدواخل المتألمة، يقول:

(أريد أن أنقّب أكثر في أعماق النساء البائسات اللاتي عانين من الحياة المصرية، خاصة اللاتي يشعرن بأن العالم من حولهن أصبح مكانًا للموت أكثر منه مكانًا للحياة)

5- النهاية: سيطرة الذات الشاعرة على الفنان، واعترافه بأنه كان من الصعب عليه أن يجمع بين كتابة الشعر وبين الرسم، لكننا نراه ينهي الرواية بقصيدة كتبها على لسان تمثال الخماسين للعظيم محمود مختار بدلًا من أن يقابله بالرسم قال فيها:

قلت لمختارٍ

أن ينقشني حجرًا

من ريح وعويلْ

وقصائد يرددها لامرئ القيس (مكر مفر مقبل مدبرمعًا

 كجلمود صخر حطه السيل من علِ

القصائد التي تثير الدهشة بحركتها التي تُعجِز الريشة واللون، فيتفوق الشعر فن الرسم بإعجاز بيانه!

يسترسل بأشعار بودلير(صلاة اعتراف الفنان) وكأنه لا يريد أن ينهي الرواية، لكن لابد من النهاية، نهاية يستريح فيها هو وتستريح فيها حلاوتهم برحمات يطلبها لها وخلود في لوحة شاركته شهرتها.

التشابك السردي والصقالة وإعادة البناء الجمالي:

ندرس في البناء الجمالي:

1- الأسلوب Style:

استخدم الكاتب الأسلوبين الواقعي و المباشر في سرد الأحداث، وبالنسبة للشخصيات جعلها تتحدّث بلغتها، ومستواها الفكري ما أكسبها المنطقية والواقعية والصدق، وتكون بذلك جاذبة لاحتوائها على عنصر التشويق، لنرَ كيف تتكلم حلاوتهم وست الحسن:

حلاوتهم: لا تخافي منه فهو رجل محترم وابن باشوات

ست الحسن: يا بختك يا توحيدة ستتعرفين على ولاد بشوات

الملاحظ أيضًا أن الكاتب استخدم من ناحية الموضوع الذي يعالجه الخطاب اللغوي الأسلوب المعتدل أو الوسيط، عندما كان يتحدّث عن التاريخ والمعلوماتية الفنية الثقافية.

كما وجدت ذات الأسلوب في المقال الذي كُتِب عن محمود سعيد في كتاب جديد بعنوان (الظلال) كان على مائدة في مرسمه، وقرأه همّام عن الرسم والتصوير. 

2- السرد Narration:

جاء السرد في الاستهلال والمقدمة على لسان سارد خارجي سلّم السرد بعدها لسارد مشارك هو صاحب السيرة (محمود سعيد)، كما هو واضح في التالي:

.... استدعى محمود سعيد خادمته السمراء نبوية وطلب منها أن تصنع له فنجانًا من القهوة التركية المحوِّجة، يبدو أنه قرّر أمرًا ما.

قال لي: أزحتُ الستار المخملي عن الشباك .... ومن هنا بدأ السارد المشارك بسرد أحداث الرواية بتتابع فني جيد.

3- الحوار Dialogue:

أجاد الكاتب استخدامه لأداء كل وظائفه، وأهمها التخفيف من رتابة السرد الطويل، فنجده يأتي به بعد كل سرد حَدَثي أو وصفي، بنوعيه الديالوج والمنولوج، وتحديدًا في المنولوج كما أنه وظّفه في التعبير عن الأفكار وآراء الشخصيات، وإظهار سويتها الثقافية مثال الحوار بين حلاوتهم وست الحسن الذي يكشف تراخي حلاوتهم في سبيل المال، وتحفّظ ست الحسن:

حلاوتهم: "خلّي الرجل يشتغل ويرسم ويكسب ويكسبنا معاه".

ست الحسن:" يا عيب الشوم، يرسمنا! وماذا أقول لعبد الحميد، أعتقد أنه لن يوافق، إحنا صعايدة يا حلاوتهم".

استعمل الكاتب اللغة العربية الفصحى، وأحسبها نقطة كبيرة له، فهي لم تبعد الشخصية عن واقعها الحياتي كما يدّعي دعاة العامية، وبقيت لغة الحوار خاصة بكل شخصية، فعلى لسان حلاوتهم وست الحسن أجرى الحوارات الوسيطة التي تعتبر كل لفظة منها فصحى لكنها بالتركيب تقترب من العامية.

كما قام الحوار بوظيفة اختصارالسرد:

قلت لتوفيق: علينا ألا ننسى أن نحج إلى الجناح المصري بالمتحف.

فقال لي: بالتأكيد سنحج إليه، بل سنختم يومنا به حتى لا يغضب منا أجدادنا هنا.

اكتسبت حواراته صفة والإيجاز والسرعة في التعبير.

- التجربة الأدبية أو الإبداعية للكاتب:

لقد قام الكاتب بمؤلفه هذا بإعادة بناء الحياة الفنية للفنان التشكيلي محمود سعيد بتفاصيلها المتداولة بناء على ما ارتآه شخصيًّا، معتمدًا على ما جمعه من معلومات عن الفنان سواء أكانت مكتوبة أم محكية أم مصورة ، ولم يدّخر في ذلك وسعًا، حتى أنه وظّف مقالًا قديمًا -لم يذكر كاتبه- كان بمثابة وثيقة تاريخية وشهادة حيّة عن مسيرته الفنية ونبوغه وتأثيره في نهضة مصر الثقافية على المستوى الفني التشكيلي. وظّف الحوار ليكون قالبًا عميقًا لمعلومات تاريخية عن لوحات عالمية، كنت أفضّل لو أن الكاتب جعلها في هوامش، كيلا يثقل على ركن هام من أركان السرد، لكني استمتعت جدًّا بالحديث عن سيرة و عبقرية الفنان النحات محمود مختار، حوار بمعلومات سلسلة توزع على أكثر من أربعة متحاورين، أما ما يخصّ الفنان محمود سعيد فقد أثرى الكاتب جانبه بطريقة باذخة جدًا، واستطاع أن يخلق فينا إحساسًا كبيرًا بدواخل هذا الفنان، آراءه، ثقافته، إنسانيته، وشفافيته.....

 الصور الملحقة بالعمل السردي أعتبرها صفحات مكتوبة و مقروءة، تُحسب للكاتب إغناءً أكثر منه هوامشًا، أيضًا استثمار الكاتب لتقنيات السرد من ستباق واسترجاع وتلاعبه بالأزمنة والأمكنة بما تناسب مع الشخصية الفنية بإطارها الإنساني والثقافي والمعرفي، وتنويعه في أسلوبية السرد، وإبرازه العلاقة الوطيدة بين الأدب- الشعر تحديدًا – والفن التشكيلي والعلاقة المركبة والمتبادلة بينهما، من النقاط التي تُسجّل في حقل تجربته الإبداعية.

الخاتمة:

أتمنى أن أكون قد أحطت بجوانب هذا العمل الأدبي للأديب والشاعر الخلوق أحمد فضل شبلول، إن قصّرت فلنقص عندي، وإن أوفيت فبفضل من الله وتوفيقه.

 

د. عبير خالد يحيي

 

عبد الحق السالكيلامس الدارسون الكثير من النصوص، وعملوا على تقريبها الى المتلقي فاقتفوا في سبيل ذلك خطى متعددة، لكن أشياء ما ظلت منفلتة، يحس القارئ معها أن حلقات تنقصه؛ لأن النص ظاهرة لا تقول كل شيء . لعل الغابر / العميق فيه؛ هو الذي يعيد الأمور الى نصابها . إننا هنا بصدد فهم العملية الاستكشافية / الإبداعية التي تصدر عن الإنسان ذلك المجهول . فرغم تنوع وتعدد وتعمق الدراسات في فهم الإنسان (رجل وامرأة) مورفولوجيا، فسيولوجيا، نفسيا، واجتماعيا .. فقد ظل مثار سؤال وتعجب . من ذلك الاختلافات التي تميز جسم المرأة من جسم الرجل تبعا للوظيفة التي من أجلها خلق الله خليفته في الأرض . وهي التكاثر، والعبادة التي تحدد نوع العلاقة الرابطة بين الانسان وبين نفسه، وخالقه، وباقي المخلوقات (انسان، حيوان، نبات، هواء، فضاء ..) . هذه الاختلافات والتشابهات العضوية وا لفسيولوجية بين الرجل والمرأة هل تنطبع بها الكتابة؟

بمعنى حين تكتب الأنثى شعرا أو قصة أو .. هل تختلف هذه الكتابة اختلاف جنس عما يكتبه الذكر . وليس الذكر كالأنثى؟ سأحاول في هذه الدراسة أن أدلو بدلوي، حقي وباطلي، ملامسة للإجابة عن السؤال من خلال الوقوف على مؤلف لإحدى الأديبات المغربيات . 

يطالعنا اللطف والجمال، ونحن نريد أن نقبض على " لطيف المقال ..." (1 ) فبعد وداعة العنوان و" استيتيكيته "، يأسرك الإهداء: " الى عشاق الحرف والترحال " (2) . إهداء يحيل الى عالم المتعة والرفاهية، وتحقيق ما تميل إليه الذات البشرية من رغبة في تجلية النظر في أكثر من مكان، ومشاهدة ما يروق للعين من مناظر وآثار وأوطان؛ وهي جبلة جبل عليها الإنسان . وبها تتحقق أهداف كثيرة: (دينية، علمية، اقتصادية، صحية، ونفسية ..) . ويؤازر الإهداء في هذا عنوان الكتاب: " لطيف المقال في الأدب والترحال " بما فيه من عبارات جمعت في عقد واحد: اللطف والأدب، والترحال؛ وقد رصع هذا الجمع بموسيقية السجع سيرا على طريق عناوين كبار الرحالة العرب من مثل: " تحفة النظار في غرائب الأسفار " لابن بطوطة " كما زين بلغة الكاتبة، الأديبة الأريبة الشاعرة مالكة عسال التي استطاعت – بما أوتيت من قدرة على توظيف حواسها، مستثمرة كل ما يتصل بالصوت والصورة – نقل تجربتها الوظيفية كأديبة وصحفية . لكن، وبالمقارنة بأعمال سابقة ك " دمعة "، " فراديس منفلتة "، " وشم الأمس على الأضرحة "، يظهر جليا الحقول المعجمية الأساس التي ينحث منها الكتاب . إلا أنه " في المقاربة الأولى وقبل أي مسار الى أداة مفهومية لسانية و/ أو سيميائية صارمة، يمكن لنا تناول السردية (" في أدب المقال+ ") من وجهة نظر جد عامة، من خلال نظرة ذات منحى انتروبولوجي تتصل بتجربتنا اليومية؛ وذلك باستدعاء التضاد الآتي: الثابت في مقابل المتحول . وهو تضاد فلسفي، لكن بفضل هذا التمييز الأساسي بين ما هو قار وما تم تغييره أو تحويله، نعطي، مسبقا، معنى لكل ما يشكل عالمنا الدلالي، ولكل ما سميناه، تبعا لرأي " يامسليف L . Hjelmslev مجال المحتوى le plan du contenu " (3) .

فمنطلق المسير سيتكئ على اللفظ، ويرصد الثنائية المتضادة الثابت/ المتحول؛ لأنها ثنائية ذات بعد انتروبولوجي تيسر عملية التدليل Signification . وردفا للتطبيق على النظر، وبما أننا نحتفي في مدينة الدروة (4) فإني سأعطي الأولوية لأقرب المناطق منا شدت إليها الكاتبة الرحال: كمنطقة " حد السوالم " ن ومنطقة " كيسر – سطات " (5) .

يسرد مقال: " ليلة القبض على منطقة حد السولم " التظاهرة الثقافية التي دعت اليها الجمعية المغربية للغويين والمبدعين بتنسيق مع جمعية نهضة السوالم، بمناسبة الملتقى الشعري لبلدية مدينة حد السوالم بتاريخ 07/07/2010، والتي كانت تحت شعار: " دور الشعر في ثقافة الهامش " . ومن خلاله (المقال) نقف على جملة من الثوابت: كالتحديد الجغرافي للمنطقة، والقبائل الأصل التي استوطنتها: (قبائل أولاد جامع الساحل أولاد حريز الغربية ...)، شهرة المدينة؛ إذ " تشتهر بأسواق اللحم المشوي الذي يتميز بجودة عالية وطراوة رفيعة " (6) . لكنها تعتبر على المستوى الثقافي من المناطق التي تعيش على الهامش، وقد جاءت التظاهرة لتمارس عملية الانتقال والتحول، بري المناطق الجدباء من عقم وافتقار الخلق والإبداع، إذ تناوب على المنصة خمسة عمالقة، يهشمون رأس الشعار " دور الشعر في ثقافة الهامش " ليستخرجوا من نخاعه الشوكي الرحيق(7) .

نص " ليلة القبض على منطقة كيسر – سطات " كان التأثيث فيه للمهرجان الثقافي لعاصمة أولاد سيدي بنداود، كيسر أيام 7/8 من شهر نونبر 2009 في مستوى التطلعات بحكم التجربة الآتية من المهرجانات السابقة التي جاب صداها الآفاق، كما كانت المشاركات وازنة . توزعت على جلسات باذخة . والملاحظ على هذا النص أنه يذكر الايجابي أكثر مما يقف على السلبي، عكس ما يمكن أن يقف عليه القارئ لنص " ليلة القبض على حد السوالم " . فمن تلفظات الايجاب وهي كثيرة نذكر:

" على إثر نجاح ما سبق من مهرجانات أدبية، وما خلفته من صدى طيب، وطنيا وعربيا " .

" جلسات باذخة " .

" العرس البهيج " .

وصف جمالية المكان والجو ...

" منطقة كيسر المضيافة، ويصافحون أهلها الشرفاء " .

ومن العبارات المرتبطة بالضد الثابت نذكر:

" تحلق الأدباء حول موائد الغذاء في انصهار شديد، ليشكلوا أسرة واحدة هدفها الأسمى خدمة كيسر ثقافيا، وبعث واحتها المقصية روحا ثقافية نابضة ..." .

نقرأ أيضا: " كما تقدم المبدع أحمد عوام ابن المنطقة بورقة تعريف بكيصر (...) فعرف بها وبسكانها: أولاد سيدي بنداود، ومهامها الرعوية والزراعية والسقوية، مطلعا إياهم على قيمها النبيلة، كاشفا الغطاء عن أسماء لامعة مدفونة تحت صفيحة التهميش والنسيان " .

إذ يلاحظ أن السلبي يقف محتشما أمام الايجابي، رغم أننا في فضاء مهمش في غالبيته . فلأمر ما، أو لميول نفسي ما وجدنا الكاتبة وكأنها تتحيز للايجابي .

لقد طبع كتاب "لطيف المقال في الأدب والترحال " طبعته الأولى في يناير 2016، لكن الأحداث التي تعرض لها تعود الى السنوات الآتية: 2007 /2008/2009 / 2010 / 2011 / 2012 / 2014 / 2015.

يعني ثمان سنوات من الترحال والعمل المكثف والمتواصل، هذا اذا استثنينا سنة 2013 التي لم ترد ضمن ما أرخ له . فهل كان ذلك تشاؤما من الرقم 13 ؟ مع إشارة بسيطة وهي أن الرحلة أو بلغة الكاتبة: " ليلة القبض على محاميد الغزلان " بقيت يتيمة فيما يتعلق بعدم ذكر تاريخ القبض .

فبين سنة 2007 وسنة الطبع 2016 مسافة زمنية طويلة، خاصة وأن أزمنة أخرى تطفو على السطح حين استحضار هذا المقوم (الزمن): زمن الكتابة، وزمن الرحلة في علاقتها بالقدرة على التقاط التفاصيل والجمع بين المتباعدات: التاريخي، والسياسي، والمحلي، والثقافي، والمركزي، والهامشي ...إن هذه القدرة على الجمع بين الجزئيات والتفاصيل والكليات يعزى الى طبيعة دماغ المرأة الذي يختلف عن طبيعة دماغ الرجل . فقد أثبتت دراسة نشرت في مجلة Neurology أن الذاكرة اللفظية، وهي الذاكرة التي تتعامل مع الكلمات واللغة أقوى عند النساء . وهو اختلاف لم يعرف الخبراء سببه . " ففي الاختبارات الادراكية التي يطلب فيها تذكر قائمة كلمات، تقدم النساء نتائج أفضل من الرجال .و ما يعطي أفضلية لدماغ المرأةهو أنه يحدث تواصل بشكل أفضل بين جزئيه، وهو ما يحسن الذاكرة اللفظية . "، كما أن للمرأة مهارات أكبر في الاتصال والتوصل، وأقدر عن التقاط الإشارات العاطفية والانفعالات .

مع " لطف المقال .." نحيا لطفا بل ألطافا: ازدهاء واحتفالات؛إلا أننا نجد ثابتا يكاد يحضر، ويتكرر بشكل لافت . يتمثل في لفظة: " ليلة القبض على ...":

- " ليلة القبض على بلد بزو ..." .

- " ليلة القبض على مدينة خريبكة ..."

- " ليلة القبض على مدينة طنجة ..."

(....)

و هي عبارة تستفز اللطف والجمال؛ لأنها تنتمي الى معجم الاتهام والعقاب . فما الحقيقة إذن في هذا الكتاب؟

" بالاعتماد خاصة على يقينيات القول، وعلى العلاقات الاستتباعية للتلاحم السيكلوجي، وعلى مستلزمات بنية النوع - يمكن للباحث المتئد والمتواضع – أن يستخلص البديهيات التي تحدد، على نحو ما ن مناطق الموضوعية: انطلاقا من ذلك يمكنه – وبحذر بالغ – أن يحاول القيام بالتأويل " (8). وهو تأويل أقمناه على الثنائية الضدية الثابت والمتحول، كما نستفيد من المربع السيميائي الآتي لتحديد بعض يقينيات الكتاب، بالاعتماد - كما أشرنا – على التضاد المركزي: الثابت والمتحول أو اللطف في مقابل اللالطف أو القساوة .

ثابت........ علاقة تضاد ...................... متحول

التداخل في الإثبات علاقة تناقض التداخل في النفي

الهامش غير المشارك   المركز، السويد نموذجا

ثقافيا

لا متحول....(العدم).........ما تحت التضاد.......لا ثابت

فبين وضعية اللطف واللاقساوة / المتحول يوجد تضمن في النفي الذي يعبر عن وضعية الانسياب وعالم المركز والسويد الذي سمته الكاتبة وعنونته ب " ليلة القبض على دولة السويد: شعب ملائكي، وبلد ساحر وأخلاق فوق المستوى " . أما وضعيات الثبات والقساوة والتهميش في مقابل اللطف

و الاهتمام فتتفاوت في ذلك المناطق حسب الوعز والدافع الحاشد والمحرك للهمم والقلوب .

اذا كان أهم اكتشاف وصل اليه هواللغة، التي اعتبرها البعض هبة الهية؛ فان هذا الكشف لا تضاهيه في مكانته وأهميته إلا الكتابة . واللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، كما ذهب الى ذلك ابن جني . وتوظيفها من طرف القوم يضفي عليها الصبغة الجماعية (رجالا ونساء)، إلا أن الصوت يخصص؛ اذ ان صوت المرأة الجذاب والمثير، غير صوت الرجل الخشن ذو النبرات المنفرة . خاصة اذا خضعت في القول فيطمع الذي في قلبه مرض، وقد تتميز المرأة من الرجل في الأسلوب . فإذا مع الأسلوبية: الأسلوب هو الرجل، فإنه جائز القول: الأسلوب هو المرأة . فاللغة مشتركة والكتابة رسم لها؛ ويبقى الاختلاف والخصوصية في كيفية التوظيف . نذكرعلى سبيل المثال أن الأديبة مالكة عسال عبرت عن اللطف والجمال، كما عبر عنه أبو نواس من خلال مضمون كلامه: الماء والخضرة والوجه الحسن . ففي الكلام ما هو مشترك كما فيه ما هو مميز، قد تفيدنا في هذا العلوم المعرفية، بما تحتوي عليه من علم الأعصاب، وعلم تحصيل المعرفة، وتدبيرها، وعلم النفس، واللسانيات، وفلسفة الذهن، وعلم وظائف الأعضاء، وعلم التشريح، والفيزياء الكهربائية والصوتية، والكيمياء العضوية العصبية .. والأناسة، وعلم النفس الخاص بتأثير الأصوات .. وما تقدم من أدوات علمية، ومفهومية (9) .

 

 

د. عبد الحق السالكي (المغرب)

.....................................

الهوامش:

(1) مالكة عسال: " لطيف المقال في الأدب والترحال "، دار القرويين، ط 1، 2016 .

(2) نفسه، ص 4 .

+ (...) الزيادة مني .

(3) –Joseph Courtés: Analyse sémiotique du discours de l’énoncé à l’énonciation , Hachette , 1991 , p . 69 .

(4) المهرجان الثاني للأدب والثقافة بمدينة الدروة اقليم برشيد، أيام 4/5/6 غشت 2017 .

(5) انظر ن مالكة عسال: لطيف المقال في الأدب والترحال .

(6) لطيف المقال في الأدب والترحال، ص 21 .

(7) نفسه، ص 22، بتصرف.

(8) رولان بارث: النقد والحقيقة، ترجمة وتقديم د . ابراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط 1، 1405 ه – 1985، ص 6 .

(9)انظر، د , محمد مفتاح: مفاهيم موسعة لنظرية شعرية: اللغة – الموسيقى – الحركة، الجزء الأول، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء (المغرب)، بيروت (لبنان) ط 1، 2010، ص 14 و20

المصادر والمراجع:

(1) مالكة عسال: " لطيف المقال في الأدب والترحال "، دار القرويين، ط 1، 2016 .

(2) رولان بارث: النقد والحقيقة، ترجمة وتقديم د . ابراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط 1، 1405 ه – 1985.

(3 ) انظر، د , محمد مفتاح: مفاهيم موسعة لنظرية شعرية: اللغة – الموسيقى – الحركة، الجزء الأول، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء (المغرب)، بيروت (لبنان) ط 1، 2010 .

(4) –Joseph Courtés: Analyse sémiotique du discours de l’énoncé à l’énonciation , Hachette , 1991.

 

 

رحيم زاير الغانممقدمة: إنَّ عملية التفريق بين المعنى والحقيقة أو الصحة في النص الأدبي من الأمور التي تحتاج منّا فكَّ اشكاليتها، إذ إننا في مجال النقد الأدبي نتعامل مع النص على اعتبار انَّه نتاج خيال المؤلف، رؤى وأفكارا وخبرة وموهبة، نص منتج بذاكرة تصويرية موجَّه عقليا، نصٌ في أغلب بنياته رسائل تحمل بين طياتها شفرات من عالمه الصغير/ النص الأدبي، حتى لو ارتأى المؤلف إضفاء شيئا من الحقيقة عن عالمه الكبير/ النص الحقيقي، كأن نقرأ في نصه تضميناً لحياته أو ذكرا لأسماء أو لأحداثٍ من واقعه المعاش، التي لا يمكننا عدها إلا جزءا من كون النص الأدبي، فالنص الأدبي يتواصل مع متلقيه بكونيته لا بذاتية مؤلفه أو موضوعه، فلا يمكننا ان نستمد من النص الأدبي الحقيقة أو الصحة فهو ليس بنص مقدس أو وثيقة تاريخية، (إننا نهتم هنا بمعنى النصوص وليس بصحتها....)1، وهذا بحد ذاته يجعلنا في منأى عن اعتماد استقراء النص كبرهان لحقيقة محددة بمرجعيات فطرية غريزية وليكن تأويل النص بمجسات أدبية فكرية/ عقلية فاعلة، في ضوء منهج، كي ننأى عن قطعية الحكم المسبق، وإلا، (تكون أذهاننا مشغولة بالبرهان والاستقراءات المرتكزة على مبادئ المعرفة الغريزية أو الفطرية (كي لا نتحدث عن الإحكام والآراء المسبقة)....)2.

ان مراد القارئ الوصول إلى المعنى لا البحث عن حقيقة أو صحة النص الأدبي، وهذا يتحقق من خلال فحص النص فحصا فنيا مع التنبه إلى طبيعة اللغة والنمط/ الأسلوب المتبع، الذي يعتمده المؤلف في بناء نصه الإبداعي، فمن (الضروري التشبث بالعثور على المعنى اعتمادا على أعراف اللغة وطريقة استخدامها....)3

لذا يتوجب ان نفرق بين نوعين من القراءة:-

أولاً: القراءة التفسيرية المغلقة: تعتبر القراءة التفسيرية من أنواع القراءات التأويلية التي تدور في فلك النص، محاطة بأفق تفسيري محض، يحرص على إزالة الغموض واللبس الذي يعتري النص فتشرحه لمتلقيه، ولا يمكن لهذه القراءة الخوض في تأويل معنى ابعد من المعنى الذي ذهب إليه النص، إذ ان شغلها الشاغل معالجة عدم الترابط بين أجزاء النص، فتعمل على الربط بينها، ليُفهم بعدها المعنى الذي أراده المؤلف، (وعليه فالقراءة التفسيرية المغلقة التي تطبق على النص تبقى مجرد أصداء لبعضها بعضا)4، وفي هكذا عقيدة تأويلية مغلقة شارحة، نكون إزاء عقيدة ولاء، (فالنص في القراءة المغلقة الشارحة، يصبح عقيدة له أتباع يعتقدون لا ينتقدون)5، وهذا أكثر ما يُخشى من تلقي النص، إذ ان التسليم بالقراءة الحرفية الشارحة، هو تسليم أتباع لا نقاد، (وهكذا يبدو جليا أن دور القارئ في القراءة التفسيرية المغلقة ينحصر في التلقي السلبي للنص بوصفه معطى مطلقا)6.

ثانيا: القراءة التأويلية المفتوحة: وهي القراءة التي تفتح باب الحوار بين النص ومتلقيه على مصراعيه، وهو خروج عن الأطر التقليدية لتلقي النص، إذ، (ان القراءة التأويلية المفتوحة للنص هي قراءة ديناميكية تأخذ بتعدد الدلالات والتأويلات)7، ففي هذا النوع من القراءة يكون باب التأويل مُشرعاً على تأويلات عدة، لتعدد الدلالات، مع التنبه إلى أن القراءة التأويلية المفتوحة لا تبتعد عن، (سور النص)8، وهذا ما شدد عليه دكتور احمد البرقاوي. فالنص، (يقدم ميدانا محددا من الأبنية الممكنة)9، ولذا يكون الكشف عن معناه في ضوء أبنيته الممكنة لا العمل على لي عنق النص من أجل كشف ما أو إنتاج معنى لا يتناسب ودلالة النص، نلمح فيه تجيير للمعنى لا يخلو من إبعاد ايدولوجية أو عقيدة تأويلية يراد منها إثبات حالة معينة أو حكما ما، وهذا لا يقل سلبية عن تلقي النص بالقراءة التفسيرية المغلقة، وسنتناول كلّ ما تقدم بإجراءات تنظيرية مضافٌ لها عنوانات فرعية كإجراء، علنا نسهم في توسيع دائرة المعرفة، متخذين ثماني مجاميع شعرية كعينات تطبيقية.

1- كون النص:

للنص الشعري كونه الخاص به الذي يهيئ لذات مستقلة، عن (أنا المؤلف)، من أجل خلق أفق ديناميكي/ فاعل، في تعبير عن (ذات متلقية فاعلة)، إذ يمكننا عدّ الموضوعة/ الثيمة، قبالة هذه الذات، أي الذات/ الموضوع، إذ أننا لا نستطيع أن نحرر النص من (أنا المؤلف) ان بقيت الموضوعة تدور في فلك هذه الأنا، عندها يصبح من الصعوبة بمكان تصدير النص لمتلقيه بمعزل عن تلك الأنا، إذن، (أنا المؤلف)، قبالة (ذات، موضوع/ الذات المتلقية)، فما ينتجه النص الشعري متجهٌ إلى (ذوات تتلقاه) برؤى وأفكار وهموم تعبر عن لواعج مشتركة، ينتجها النص الشعري من دون الالتفات ل(أنا المؤلف) كونها (أنا) متحررة (بذاتية التلقي).

من نص(رسالتان) للشاعر حسين الهاشمي10

(إلى جدي)/ الحوار ../ الطريق.. / وما تعلّق من مشاوير الحياة معك/ أسهل بكثير/ من أنبياء هذا الزمان..) ص81

ان كون النص الشعري، وحده من بإمكانه التحكم بالعناصر الداخلية من بنيات نصية وثيم التي هي حصيلة البناء اللغوي للنص، أو خارجية/ سياقية بمؤثرات اجتماعية أو ثقافية أو نفسية، فمهما برز الطابع الذاتي، (أنا المؤلف)، على معنى النص الظاهر/ الطبقة الأولى لمعنى النص، فهي لا تتعدى عن كونها قشور يتخطاها القارئ الخبير في اتجاه ذات منتجة للموضوعة/ ذات متلقيه، فما يصدره لنا نص (رسالتان) من ثيمة الرفض لأنبياء هذا الزمان المضطرب إلا رفض لوجوه سوقت لشعاراتها مسميات أو عنوانات تتسم بالسمو والنبل، خلاف ما تضمر في إنتاج لمعنى التهكم من أدعياء القيم الزائفة.

من نص (الصعود إلى الحافلة)، للشاعر أدهم عادل11

(في طفولتي/ كنت أتخيل أن الشمس صحن من الحلوى/ وعندما كبرت أدركت أن التصور لا يكون هكذا/ والآن هذه الشمس/ هي عبارة عن رأس كبير يحترق) ص14

لا نكتفي بالوقوف على ما ينتج النص الشعري من معنى ونتخلى عن كون النص، لذا لا انصراف عن هذه الكونية، التي تندرج ضمن باكورة الانسلاخ عن (الأنا المتأصلة) في وعي جموع جمهور القراء التقليديين التي هي انعكاس لسلطة النسق الأنوي المرعي بثقافة أبوية المؤلف، ثقافة من متبنياتها حصر النص وما ينتج من معنى، في خانة (أنا المؤلف) في دحر لذاتية الموضوع/ ذاتية التلقي، فما يطرحه نص (الصعود إلى الحافلة) من تخيلات تستبطن أسئلة، تُتركُ لمتلقيها، فليس من واجب المؤلف الإجابة عنها، وهذا يحسب له، أي ان النص يطرح أسئلة عن الوجود، وتحولات المعنى، فبعد أن طرح النص الشعري، ان الشمس صحن من الحلوى في نظر طفل، يتحول المعنى إلى رأس كبير يحترق، في إشارة إلى استشراف قرب نهاية هذا الوجود الكهل، وما الطفولة البشرية إلا إسقاطات بمعنى أعمق، لقرب ساعة تحوله إلى رماد، في وشاية نابهة لسعة الأفق بتقادم الزمن، وتحولات المعنى للنص المرئي (الشمس) هذه المرة.

نص (أرجوحتي) للشاعر ولاء الصواف12.

(منذ خمسين قطافا أو يزيدْ../ أهزها مرةً.. وصوت الحرب يهزها ثانية/ تأخذني للغيم/ وتعيدني إلى الأرض الحرام)

تبرز للعلن إشكالية التصاق (أنا المؤلف) بما يطرحه النص من الثيم، التي تُعد من أهم مرتكزات النص، بما تحمل من القدرة التواصلية مع متلقيه لإنتاج المعنى، ولأجل التحرر من (أنا المؤلف)، يجب التنبه إلى كون النص، على اعتبار أنه المحور الفاعل المساهم بخلق المساحة الجمالية التي يلتقي عليها النص والقارئ، فلا غرو أننا نعي جيداً، ان لكل نص كونه الخاص به، بمعزل عن مجمل النصوص الأخرى، مع أنها نتاج لمؤلف واحد، فما يطرح من أحداث وشخوص وثيم، في مجملها لا تعني شخصا واحدا، في تجريد للنص الذي هو جواز الخروج عن سلطة (أنا المؤلف) والاحتماء بكونية النص، في النص الشعري تبدو ثيمة الحرب من القريبة الصلة من المتلقي، لعميق تعلقها بواقعه المعاش، كونها جزء من كل مضطرب، فهو تعالق بوشائج متنافرة، مابين الإنسان والحرب، فالنص في كونيته وتداعياته الزمكانية، (خمسين قطافا/ الأرض الحرام)، ودلالة الاهتزاز الذي يجاوره صوت الحرب الذي يهزها ثانية، في صراع داخلي على امتلاك قرارٍ متداعٍ هو الآخر، فما نرجو من اهتزاز وصوت حرب، إذ هما في كون غير مستقر. في إنتاج لمعنى الاضطراب الدائم.

2- انفتاح النص:

ان من أولويات النص الأدبي عموما، الانفتاح على متلقيه، ويتحقق هذا الانفتاح باتساع أفق النص، واعتماده على موضوعة تشكل عامل مشترك بينه وبين القارئ، ليلتقيا معا في رؤى وأفكار تحقق انفتاحهما على بعضهما، فكما نعلم ان القراءة التأويلية المفتوحة، هي قراءة ذاتَ فاعلية ديناميكية، تستهدف الدلالات والمعاني التي يشي بها النص الشعري، لتنتج من بعد هذه القراءة معنى تأويلياً بعيدا عن الأطر التفسيرية المغلقة، وضمن رؤى المنظومة التأويلية المفتوحة على ما ينتج من معنى، فالنص الشعري الإبداعي المتفرد، نص منتج للمعنى أي أننا لا نقف عند أعتاب قراءة شارحة لمعنى النص وإلا ما جدوى الإبداع والتفرد؟!.

يمكننا القول بصريح العبارة، أن الإبداع لا يتحقق من طبيعة الشكل الشعري المتخذ كأسلوب في الكتابة/ عموديا، حرا أم نثرا، الإبداع يأتي من سباكة البناء الفني وما يحمل من تعدد الدلالات، وما يشي به النص من مبادرة ومغايرة، التي تعمل على ترصين الفعل الإبداعي، فهي القيمة الفارقة التي من شأنها كسر أفق التلقي، وكذلك كسر جو النص العام، في نأيٍ عن رتابة خيطية النص وهذا ما يراد من الوظيفة الأدبية للنص الشعري.

من نص (مناجاة ابن الشهيد في يوم النصر) للشاعر فراس طه الصكر13

(انهض يا أبي / أنهُ يوم النصر../ قمْ من قبرك لنحتفل معاً/ فقد أحضرت لك ساقين اصطناعيتين/ وذراعاً/ وخمسة أصابع ليدك الأخرى..) ص97

يُراعى في الأعراف الأدبية الحديثة الفاعلية التواصلية بين النص والقارئ، في إشاعة لروح الاندماج بفعل إبداعي واحد، فالنص والتلقي ينتجان نصين إبداعيين الثاني متمم للأول ومنتج لمعناه، لما يتحلى به النص من انفتاح على متلقيه، الذي يقابل بقراءة تأويلية مفتوحة على النص الشعري، الذي من مواصفته الجدة والدلالة والقصد، في تهيئة للجمع بينهما عبر تفاعلية تواصلية، وهي غاية أدبية محضة، فالنص ملك القارئ، وفهم معناه وتأويله مناط به لا بمؤلفة بعد إنتاجه، وهذا ما نلمحه في نص (مناجاة........) الذي في ظاهره يذهب إلى معنى مفترض بدعوة الابن لأبيه الشهيد إلى نهوض في يوم النصر، للاحتفال بساقين وذراعا وخمسة أصابع، هن كل ما خلد في ذاكرة الابن وأستحضرهن افتراضا في يوم النصر، يوم للنصر ويوم يستحضر فيه الأيتام، صورة من يحبون وينتمون لكن بذاكرة مشوهة، في إنتاج لمعنى عوق الذاكرة التي تنسى المضحين من الرجال، نص مفتوح على متلقيه، نص بمعناه الأدبي المجرد، في مواجهة حقيقة مؤلمة، في استحضار لمآسي واقع معاش.

من نص (حياة قيد الإنشاء) للشاعر رياض الغريب14

(لوحدها تنظر لأيامها/ هو بخير/ لأنه بلغ الخمسين/ ولديه فكرة ببناء سقف/ لديه فكرة لكتابة عنوان/ لحياته/ لديه فكرة مشتركة معها/ قبالة فراره من البرد/ ومطر الحياة القاحلة) ص21

يُعتبر انفتاح النص على قضايا ذات صلة بالواقع، التأسيس الأول لردم هوة (أنا المؤلف) وفتح الباب على مصراعيه باتجاه فاعلية النص- المتلقي، الديناميكية التي تؤسس لإنتاج المعنى العميق، ان دلالة النص تأخذ إبعادا تؤسس إلى فسح المجال لتأويلات عدة، تسبح في كون النص ولا تتعدى سوره، لكنها ليست تفسيرية بالضرورة، فالمعنى يكون اشترار لما أفصح عنه ظاهريا ، فلا جدة فيه، وهذا ما نلمحه في نص(حياة قيد الإنشاء) في بنيته الزمانية، عمر (الخمسين)، بؤرة تمركز النص، لفعلها التواصلي مع متلقيها، لما أنتجته من معطيات، فكرة بناء سقف/ امتلاك بيت، والتخلص من عبثية الواقع المعاش، بفكرة كتابة عنوان، والشروع بتبني فكرة أن يحيا بكرامه مع رفيقة دربه، تحصينا من البرد ومطر الحياة القاحل، في انفتاح للنص على متلقيه المضطهد المنهك المتعب، في إنتاج لمعنى ارتحال البُنى المكانية/ الاستقرار والطمأنينة، ممثلا ببيت للسكن/ الوطن المصغر، وتمركز ثقل اللحظة الزمانية كمآل، في تنامٍ لدينامية فعل الزمن، كقيمة غير مدركة النفاد.

من نص، (مرايا)، للشاعر ماجد الحسن15.

(منذ حرب ،/ وأنا أمسح عن عينيكِ/ نعاس المرايا/ ولي جمرةٌ أخبئها في ثيابكِ/ لأسمي كدرَ الفحولة .../ ماءها/ وأسقيها من رعدةٍ/ تمطر أحلامها في سهوبك) ص15

من مقومات تلقي القارئ للنص، انفتاحُ النص على التأويل، بشرط التمكن من الوصول إلى أعلى درجات التطابق في فهم النص الشعري، متخذا من سوء الفهم سبيلا للوصول إلى ذلك، وهذا لا يعني الخضوع إلى الحكم القبلي بقدر النأي عن تقبل أول كشف للمعنى، مع الحفاظ على مبدأ الحياد في فهم النص الشعري، وهذا يحتاج توفر قارئ خبير يمكنه من الولوج إلى المعنى ومعنى المعنى/ المعنى العميق، فما ذهب إليه نص (مرايا) عبر ثيمة (الحرب) أكثر الثيم تداولا في النص الشعري الحداثوي، في محاكاة للواقع، وأثرها في اليومي المعاش، مما يدور من أحداث، فما مُسِحَ عن عيني الحبيبة المترقبة في انزياح للمعنى عن نعاس المرايا، التي أضحت هنا انعكاس لصورة الرائي، لا المرئي، وجمرة الراوي/ الحبيب/ الجندي، الذي يُخبئ جمرة الحب والحنين، وما يعتريها من كدر الفحولة المعدومة، لتتناهى ماءً تمطر أحلاما في براري الحبيبة، التي لم يسعفها غيث الحياة، فلا وصال، من شأنه حفظ النوع البشري من الانقراض.

3- المعنى المرتحل:

تستهدف المناهج الكلاسيكية المعنى الظاهر في قراءة النص الشعري/ القراءة التفسيرية المغلقة، أما الحديثة، ممثلة بمناهج الحداثة وما بعدها، تذهب إلى ما ينتجه النص، في تقصِ جريء مكتنه للمعنى العميق، وفق قراءة حيوية من متبنياتها الرئيسة إنتاج المعنى المرتحل عبر سبر غور النص، نائية عن الرتابة في التفسير

إذ ان الانغماس في رحلة القراءة التفسيرية المغلقة، رحلة تخلو من متعة تلقي النص المنتج للمعنى، أذن ما الداعي لترك متعة السياحة العميقة في تأويل النص الشعري، سياحة تمكننا من التعرف على بواطن النص وما يتجلى من معنى عميق، الذي أن ارتحل عن متلقيه العادي/ الجمهور، أو عن مؤلفه حتى، فأنه لا يرتحل عن متلقيه الحقيقي/ القارئ الخبير، لما فيه من التهيئة لإعادة ترتيب تلقي النص الشعري، في إضفاء لصورة مغايرة، لما يُنتج جرائِها من معنى، وهذا ليس قدحاً بمؤلفه بقدر الإشارة إلى أهمية تعدد التأويلات لتعدد الدلالات التي ينتجها النص.

من نص، (إسقاطات)، للشاعر رعد زامل16.

(ترى من أين/ لزهرة واحدة في الروح/ أن تتصدى/ لكل هذه الفراشات المفترسة/ التي تطلقينها عليه/ وماذا بوسع/ شاحب مثلي/ لو صادفك ذات ربيع/ أن يفعل؟/ غير أن يرميك/ بدمعة خضراء/ ويتوارى بين الشجر.) ص35

يحرص القارئ الحقيقي على بلورة فهمه للنص الشعري كي يصل إلى مشتركات يمكنه من خلالها اكتناه ما ارتحل من معنى، إذ (يتجلى نشاط فن التأويل في إنارة الفهم ليس كتواصل سري وعجيب بين الأفراد وإنما كمشاركة في بلورة معنى مشترك)17، وهذا غاية الأدب في إنتاج نص أدبي ديناميكي/ فاعل، فما يطرحه نص (إسقاطات) من اسئلة في انحراف سياقي، بقسوة التوصيف (الفراشات المفترسة) في انزياح عن معنى الوداعة والجمال، مادامت تطلق أسرابا، كيف لزهرة واحدة في الروح، تتصدى لهذا الغزو المجنون؟، الذي ينتج متواليات انكسار، تتشظى من الروح الهلعة/ الباطن، إلى الشكل/ الظاهر، شحوب الوجه المرتبك الذي لو صادف ربيع محبوبته، في توثيق لردة فعل، معنى ظاهري ماكث الأثر، يؤسس لمعنى مرتحل، يشي به النص من إلتقاء طلاب الحرية، في خروج على المألوف، الساكن الصامت اليومي المعاش بتفاصيل روتينية محضة، كيف يواجه أبواب الانفتاح على مصراعيها/ الفراشات المفترسة، بكل ما تحمل من دبيب دماء الشباب إذ بالشعب/ الإنسان العراقي/ شاحب الوجه، كهل، لا يعي عظمة اللحظة، فيبادر بدمعة خضراء، يذرف آخر ما يمتلك من إكسير الحياة والثورة ويتوارى خلف الشجر في إنتاج لمعنى مرتحل عن انكسار الذات/ الإنسان.

نص، (حين ينسى المهاجر)، للشاعر أمير الحلاج18.

(تبقى الأسئلة المرة / تحبل بالحنظل، / وتمدُّ الهجرة للأخطل، في بعض الأحيان/ قبلةُ أجنحة لطيور ترقص/ ذرَّات رصاص مصهور/ عوضُ البرد المقذوف من السحب السود) ص62

يحرص القارئ الحقيقي على إنتاج ما ارتحل من معنى، مادام طيف معناه محلقا في مجال مساحته الجمالية التي تعد من أهم نقاط التوتر التي يلتقي عند منطقة توترها، المتلقي والنص، (فأن لتلقي النصوص الإبداعية وضعا خاصا. فما يبحث عنه القارئ في هذه النصوص ليس معنى جاهزا مستقلا بذاته ف"الحقيقة" لا توجد بشكل مطلق في النص، ولا يشكل النص ذاته، في جميع الحالات، سوى فرضية للقراءة)19، إذن النص يدور في كون التلقي الحلقة الاشمل، ومادام النص الأدبي ليس بنص علمي، فانه يتجه إلى نقطة إنتاج المعنى لا الحقيقة، لذا يتوجب على متلقيه مطاردة ما ارتحل من معنى.

يعمل نص، (حين ينسى المهاجر)، على تصدير فكرة الاستمرارية من خلال طرح الأسئلة التي (تحبل بالحنظل) ما عسى ان تنجب، غير هجير و أجنحة طيور راقصة من رصاص مصهور، في اشترار للواقع المرٍّ المعاش، الذي يقذف عوضا عن البرد من السحب السود، التي ما عادت تأتي بالخير والرعود، جالب المطر، وإنما تدخر سواده ذرات رصاص، في انكسار لصورة الحياة والنماء التي يجلبها المطر، في إنتاج لمعنى الموت المرتحل، المعنى المشحون بالفاقة، فما عادت السحب تهب المطر أو الرعود نذر خير.

من نص (يقطينة) للشاعر ماجد الحسن

(كانت أمي ،/ تتلمس خرزاتها بالنبض .../ حين لا يدرك القلب ،/ صرختَه الأخيرة/ تعدّنا ثانيةً .../ فهي لا تخطئ ليالي الأوحال/ التي علقها أبي ،/ بذؤابةِ الضفيرةْ / لذا تراني ،/ على ظلفةِ النافذة/ معلّقاً من سرّتي ... كيقطينة) ص8

من المؤكد ان للنص الشعري غواياته المحفزة في استكناه المعنى المرتحل، إسهاما في ترسيخ مبدأ، أن لارتحال المعنى عامل جذب للمتلقي، فعندما نقرأ نصا شعريا يجب علينا رصد ما ارتحل من معنى، كردة فعل للقراءة، فليس من المحمود أن يُقرأُ نصٌ أدبي إبداعي ولا يترك أثرا فينا، والأثر هنا، يتحقق في فهم النص، وما وراء النص، أي المعنى غير المرئي، وهذا يتحقق لنا في نص (يقطينة) في بنية (الأم) بنية تمركز النص هنا، مشكلة قطبية ماسكة بعناصر النص الداخلية من بنيات نصية متسقة، وبناء فني عالي، وهذا ما عمدت إليه ثيمة الفقد والانتظار المضني للزوج الذي غلف أجواء النص بشكل عام، ممثلاً في تحمل (الأم/ الزوجة) مسؤولية مزدوجة، بدأ بتلمس خرزاتها بالنبض، خوفا من فقد آخر، حين لا يدرك القلب صرخته الأخيرة، ويتعداها إلى دور ثانٍ في إنابة عن الغائب/ الأب، الحي في القلب والوجدان في ترميم للعاطفة ولسد لفراغ الأب الفقيد، فهي لا تخطى ليالي الأوحال، التي علقها الأب، بذؤابة الضفيرة، في إنتاج لمعنى خلود الزوج في الذاكرة، في حرص من الأم السومرية على ترسيخه كأبجدية للوفاء منذ بواكير نشأة الأولاد.

4- شفرات النص:

تعمل شفرات النص الشعري بدأب على جذب المتلقي إليها، وتحليه على الدوام إبداء الحرص العالي من أجل فكِّ هذه الشفرات، في تهيئةٍ لإنتاج نص موازٍ، يمكننا من خلاله اكتناه ما ينتجه النص من معنى، بعدما نجد لها تفسيرا في العالم الحقيقي، (وما من نص خيالي بلا شفرات يمكن للقارئ ملاحقتها كي يصل إلى تأويل للمعنى، وإلا كيف يمكننا من إنتاج معنى جديد، يحاكي الواقع)20، إذ لا يمكننا فكّ هذه الشفرات لولا تمكننا من قراءة صورتها الحقيقية في العالم الأكبر، (فلا نص خيالي من دون نص حقيقي، يضاهيه في الأهمية ويزيد عليه في سعة الدلالة على اعتبار ان النصين يسبحان في فلك الخيال والطبيعة)21، أي أن النص الشعري المجرد من الحقيقة/ النص الإبداعي الخيالي، انعكاس لكون أوسع وأرحب، كون حقيقي، كون لا يحتاج إلى تأويل، فالأشياء/ الطبيعة/ الموجودات، يمكن تلقيها بصرياً، لبساطة تفسيرها لحضور هذه الأشياء في الحقيقة، إلا أنه يجب علينا تلقي النص الشعري في ضوء ما يحمل من تجريد، تتعدد فيه التأويلات ضمن نطاق ما تحمله شفرات النص من معاني لتعدد دلالاتها المجردة عن الحقيقة، و(يكون النص عالما مفتوحا حين يستطيع المؤول اكتشاف ما لا يحصى من الترابطات)22، كونه نص معنى لا حقيقة.

من نص (بريد العائلة) للشاعر فراس طه الصكر.

(سأروي عنك،/ عن مساء غامض أضعناه معا../ عن المرايا الخادعة،/ سنواتك يا أبي،/ سأمحو كلَّ أيامها/ سوى سنة واحدة/ سقطت في واد عميق،/ لم يتسعْ لصراخنا) ص9

ان تماهي الخيال مع الحقيقة من موجبات إنتاج النص الأدبي، فما تتركه الطبيعة/ الحقيقة، من تنامي الخبرات/ الذاكرة، لها أثرها الفاعل في تنمية خيال المؤلف، التي تعد كمون النص وانطلاقته الأولى، فهي كينونة تنمو إبداعيا، يتداخل معها الموقف بالحدث الشعري، في إيذان لولادة النص الأدبي، إذ ان النص لا يولد بهيئة معبرة عن الحقيقة، بل هي انعكاس مجرد عنها، مع الحرص على بثِّ النص لشفراته التي هي حلقة وصل بين الخيال والحقيقة، تستلزم خبرة وخيال خصب ينميها ويتنبه لفروعها وتدلي ثمارها، في استدعاء لقارئ خبيرا، يلتقي خيالا وفكرا ورؤى بما أنتجه خيال المؤلف/ النص الشعري، وحقيقته في الواقع/ العالم الحقيقي، عندما نقرأ النص ابتداءً من روايته عن مساء غامض، أضعناه معا، ان هو إلا أثر لفعل سنوات الأب الغابرة، وأن حدد سنة واحدة لم تُمحَ كونها سقطت في واد عميق، ولذلك لم تتسع لصراخنا، ولنحاول مرة ثانية وثالثة في إعادة قراءة نص، (بريد العائلة)، نجدها حاجة ماسة للعودة إلى الحقيقة/ العالم الحقيقي، لفك شفرات النص، وإلا كيف يمكننا فك ما تكلس على بنياته النصية من غموض، تعيدنا من حيث انتهى به النص، فالوادي العميق من دون أدنى شكّ يرمز للقبر، الذي عبد الطريق إليه مرض الأب/ الوطن، الذي صارت سنة واحدة في وقتنا الحاضر، إلى فناء أمم وتحويلها إلى مقبرة، تتسع لكل هذا الصراخ الفائض عن إرادة البقاء.

نص (في 11-2-1987م) للشاعر حسين الهاشمي.

(مثل جنين/ لا صلة له بالأرض/ ونسي البكاء تماما/ أخلوه/ من رحم الحشود المختبئة/ بسعادة لم تتكرر/ وتمارين بين المجاهيل/ لتعلّم المشي مجددا/ دون ألغام/ أو مصدَّاتٍ لتزيين الطريق/ إلى الفصول!)

من الجدير بالاهتمام التنبه إلى الجزء غير المرئي من النص الشعري، وما قد تشي به شفراته النصية، فالنص الأدبي المباشر، لا يستحق منا تلقيه تلقيا مباشرا او غير مباشر في ضوء تنامي النص الأدبي بشكله الحداثوي/ (قصيدة النثر)، كونها قصيدة خطرة، من خصائصها الغموض والرمز والتشفير العالي الذي يساعد على إنتاج نص نقدي مواز له في الأهمية، إسهاما في تنامي رد الفعل الموازي، لفعل النص، فما يصرح به النص الشعري عن جنين لا صلة له بالأرض في انزياح لفظي دلالي، فالأرض وبما تحمل من رمزية عظيمة، الأم/ الرحم/ الكينونة، تتجاور دلاليا مع الجنين، وتنزاح عنه لفظيا، في توصيف لحال من نسي البكاء تماما، بعدما أخلوه من رحم الحشود المختبئة، في عزل تام لحشود البشر حاضنة الجنين الطبيعية، في الحقيقة/ العالم الحقيقي، والتي لم تتماها هي الأخرى معه بسعادة لم تتكرر، كي تفتح له أفقا جديدا/ حياة جديدة، يتعلم فيها المشي/ العيش، من دون ألغام هذه المرة، في كشف لتجريد الحقيقة من زيفها وبهرجتها هذه المرة، في خلق نص يفوق الحقيقة جرأة، صنعها ما تراكم من خبرات أسهمت في تنامي خيال المؤلف.

نص (أمام الكاميرا) للشاعر ولاء الصواف.

(بقدمين عاريتين/ أثقلهما الجمر والرَّصاص/ بكنزة صوف مليئة بالثّقوب/ حدودها القصوى سُرَّتي/ ........./ أقفُ/ ولحن الفواخت يأسرني/ منتصبا مثل شاخص التصويب) ص55

لو سلمنا بان النص الشعري انعكاس لصورة العالم الحقيقي المجردة، يمكننا التسليم بعدها انه يمر عبر بوابة خيال المؤلف، انعكاس مجرد أكثر تقنينا، فهو سيخضع إلى بوابة العقل التي هي اشدُّ صرامة، ثمَّ يلج إلى منظومة صناعة النص الشعري، وما تشي به من قصدية في بناء النص معماريا، القائم على سبغه بهالة من الشفرات التي هي من موجبات إضفاء الغموض، التي تستوجب، إحاطة المنتج الإبداعي بفهم يرتقي إلى مستوى هذه الهندسة المدعمة بالخيال والحقيقة، وفي عودة إلى نص (أمام الكاميرا) والى سيمياء القدمين العاريتين، اللتين أثقلهما الجمر والرصاص، من قهر وفاقة، في نزع إلى أبسط حقوقنا الآدمية، وما حال الرجل بكنزته الصوف التي أقصى حدودها السِّرة، معنى متمم للمعنى الأول، في ترسيخ لبسط يد الفاقة إلى نصف الجسد العلوي، أما نصفه السفلي بات عاريا لا محال، في قتل يومي للإنسان، ولتمتمت الفواخت بأسره وهو منتصب مثل شاخص التصويب، في إنتاج لمعنى الاغتراب في لجة الفاقة والقهر، مع كون الموجودات/ الحقيقية، (القدمين/ جمر / رصاص/ كنزة صوف/ السِّرة/ الفواخت)، لها كبير الصلة بالإنسان عموما، ناهيك عن المؤلف، وما تتركه من فعل تواصلي يسهم في إنتاج النص.

5- حوار النص مع متلقيه:

ان للقارئ القدرة على خلق أجواء ايجابية تتجلى في إمكانية تلقي النص جماليا، فهي بوابة لتنامي الحوار بينه وبين القارئ بطريقة دينامكية/ تفاعلية، يمكن من خلالها التوصل إلى مشتركات، تعتمد في ذلك على خلق أفق يتسع لتقبل الحوار، مستندا إلى قراءة تأويليه مفتوحة من شأنها سبر غور النص الشعري، بفتح قنوات تفاعلية بينهما، يمكننا من خلالها إنتاج المعنى، آخذين بنظر الاعتبار خلق لغة مشتركة نتمكن بها من إيجاد أسباب ديمومة هذا الحوار المنتج للمعنى، وتنشيط التلقي التفاعلي.

نص (منتصف الطريق) للشاعر أدهم عادل

(أنت أقبح امرأة في الوجود/ وأنا أجبن رجل في الكون/ ولكننا نتحد في شيء واحد/ أنا آخر قطرة دم/ وأنت آخر قطرة كحل..) ص60

يفتح فعل التلقي المجال واسعا لخلق أفق الحوار الدائم بين النص ومتلقيه، حوار أطره العريضة، الثيم التي يلتقيان على مائدتها، والتي قد يخلق القبح/ أقبح امرأة، أو الصفات غير الحميدة/ الجبن، مثل هكذا أجواء تسهم في تصعيد وتيرة هذا الحوار، والتي تتماها لتصل إلى الاسهمام في تنامي الحوار وصولا إلى العدم/ نهاية الموجودات، وهذا ما نلمحه في بنيتي، (أنا آخر قطرة دم)، (وأنت آخر قطرة كحل..)، يستوجب من متلقيه قراءة فطنة قبل رد الجواب، والإيذان بانطلاق الحوار مجددا، الحوار الذي يهيئ إلى نهاية القول والسكوت التام، بعد تصريح النص من نهاية القطرتين اللتين من المقدر لهما ان يحفظا للنوع بقاءه وحيويته وانتشاءه على الرغم من صخب القبح المستشري، حوار قد ينتج العدم أو ينفذ بحوار للحياة من باب أننا، (ولكننا نتحد في شيء واحد)، قطرة الدم وقطرة الكحل، بداية لغرس جديد، تضحية قبالة فوز بكحل الحياة.

نص، (أقفاص)، للشاعر رعد زامل

(لا صنو.../ يقاسمك وحشة الطريق/ في هذه الغابة/ لا طير.../ يدعوك إلى الأفق/ لا نبع.../ يكشف لك زيف السراب/ ولا كليم...لك في العزلة على هذا الجبل) ص15

نلمح في النص الشعري إشارة واضحة في الدعوة إلى الطرف الآخر الى إنشاء نص للحوار، فتكرار النفي ب(لا) يؤكد الدعوة،(لا صنو، لا طير، لا نبع، ولا كليم،) كلها من موجبات البحث عن محاور حقيقي يفضُّ بكارة هذا التفرد/ القلق/ السكون، التي ان تحققت، يجب مقابلتها بطلب بطلانها، فالإنسان عنصر اجتماعي بالفطرة، يرغب بمقاسمة الطريق، والطيران بأفق أرحب مع جناح آخر ليكشفا زيف السراب، يتحقق هذا الامر الا بكليم يفتت قساوة العزلة، فلله سبحانه جلّ وعلا وهو سيد الأكوان كليم/ النبي موسى (ع)، إذن الحوار، قائم بين الإنسان وخالقه، فكيف بالموجودات نفسها، في إنتاج لمعنى ترسيخ الحوار في ثقافة البشر، للإجابة عن التساؤلات الكبرى التي تثيرها سرديات الحوار العميقة في النص الشعري.

نص (يكفيني ذلك) للشاعر رياض الغريب.

(من قال بأننا قلقون/ حين نكون في شوارع المدينة/ مطمئنون ومستسلمون جدا لقدرنا/ وما الضير حين تتوقف بقربك عجلة مفخخة/ وتنفجر) ص52

يُعدُّ الحوار بنية قائمة في النص الأدبي عموما، وان لم يُصرح بها، فما يثيره النص من اسئلة، تستدعي الإجابة عنها، إجابة تصب في بوتقة الاستفهام والبحث عن مدركاته فعلاً، قوامه السياحة في حوار بين النص ومتلقيه، قطعا ليس من واجب النص الإجابة عما يطرح من اسئلة، وإلا انتكس النص لتجريده من الفجوات، بل تُترك لمتلقيه فرصة ردم هذه الفجوات، من أجل خلق أجواء صالحة للحوار، فما يثيره نص (يكفيني ذلك) من ثيمة القلق التي تبتدئ من أول بنية نصية، (من قال بأننا قلقون)، التي تشد المتلقي إليها، وتحرص على تهيئته إلى تأسيس أول للحوار، حين تبادر في البنية الثانية، بالقول، (حين نكون في شوارع المدينة)، في تحديد للبنية المكانية الأشد قلقا وتوترا في واقعنا المعاش، في مخالفة للمُسلَّمات الفطرية في التلقي، لكن المحاور/ المتلقي، ابن الواقع، يدرك جيدا ان العجلة المفخخة، لها حوارها الخاص مع المدن، من خلال ما تبثه عبر لغة تحدٍ قوامها الرعب، والقلق المستديم، لغة لم تعيها المدينة للان، ولكونها تترفع عن مواصلة فعل التعاطي مع محاور يستهدف الحياة، في إنتاج للغة حوار تهدف إلى نبذ فعل ديمومة استشراء ماكنة الموت.

نص (لعبةُ السوط) للشاعر أمير الحلاج.

(في الطريق المتوَّج بالزحام/ أقزام/ قبالته انحناء يسطعون/ فيتلاشى حامل السوط/ كلما قصرتْ/ أو تلاشت المسافة،/ هكذا الخوف/ حينِ يستوطن الذاكرة/ بلعبته/ يصنع وظيفة الحرباء) ص11

ان من البديهي ان يلتقي النص والقارئ على ثيمة ذات وشجية مشتركة، من شأنه فتح أفق جديد للحوار، كبداية لخط شروع من أولى مهامه جذب المتلقي إلى منطقته الإبداعية، ومن ثمَّ الالتقاء معه في منطقة (نبر النص الزئبقية) التي ما ان يستشعرها القارئ حتى يتمكن من استنطاق النص الشعري، وهذا يمكن تحقيقه في نص (لعبةُ السوط)، لما فيه من خفايا، فهو نص بمعنى زئبقي، ليس القصد منه انفلات المعنى، بل انه يحمل مواصفة تمكن التقاءه مع متلقيه في مساحة جمالية تُهيئ لبلورة أطر الحوار، لما يتحقق فيه انزياح مبنى ومعنى، ولكي نلج إلى معناه المباشر، نحتاج كدا كبيرا، فما بالك في اقتناص المعنى العميق، فالطريق المتوَّج بالزحام، وما يعتليه من ضوضاء وصفت ب(أقزام)، قابله انحناء في تماهٍ مهَّد لسطوع المارة في تلاشٍ لحامل السوط/ الخوف/ السلطة، صاحبة السطوة، (هكذا الخوف/ حينِ يستوطن الذاكرة/ بلعبته/ يصنع وظيفة الحرباء)، إذ ان حامل السوط بتجليه أو غيابه، يبقى حاضرا في ذهن الفرد والمجتمع، هو من يمسك عصا السلطة بسطوة الخوف، سلطان مفرط بالحضور، قصرت أو تلاشت المسافة، في إعادة لإنتاج ثقافة الخوف التي مهدت للحوار الذهني الفاعل في تلقي الأوامر وتنفيذها من دون أدنى تفكير بالرفض، في امتثال لا متناهي، وهذا ما استشعره المتلقي، فهو ليس ببعيد عن ذاك العهد الظلامي، مؤسس إمبراطورية الخوف، كمؤسسة قمعية، وأن بعد رحيلها، نشهد بين الفينة والأخرى يُؤسس الى نظيراتٍ لها، والأدهى من هذا وذاك نؤشر ذات التعاطي، نتيجة نكوص في التلقي من الايجاب إلى السلب، بوصفه تعاطٍ غير قادر على إنتاج معنى لحوار مغاير، حوار من شأنه تقزيم سياط هكذا فكر متأخر، لا يعدو أكثر من كونه خوف متأصل في ثقافة الأفراد والجماعات معا.

الخاتمة

مما تقدم (يصير ما يعنيه النص الآن مُهماً أكثر مما كان يعنيه المؤلف حين كتبه)23، إننا نعي ان للمؤلف قصديته وقت كتابة النص ولهذه القصدية معنى، المستهدف منها فئة ما بموضوعة/ ثيمة محددة، يُراعى فيها همومهم وآهاتهم، وعلى اعتبار ان الخطاب موجهٌ عقلي/ قصدي، يقابله قارئ يعي جيدا قراءة النص ويفهم معناه، فيخضعه للقراءة التأويلية المفتوحة، ليحقق، (كشف وانفتاح جديد على العالم)24 فالقراءة التأويلية لا تتوقف (حتى يتمكن النص من الظهور في غيريته، والحصول على إمكانية الكشف عن حقيقته المتوارية)25، فالنص بناء فني منتظم، عماده اللغة، لبنته الأولى المفردة، سياقه مرهون باتساق بنياته النصية، معمار تدخل فيه الصنعة، القصد/ المعنى، تكمن حقيقته المتوارية في دلالاته المتجاورة، التي ما أن تنافرت حتى أختل البناء، وفسدت الصنعة، وسار في غير سياقه المراد التوظيفه له. إذن عندما نقرأ النص الأدبي، العمل على كشف حقيقته المتوارية، أي معناه العميق، التحقق مما طرحه النص وما الذي أراده: لم وكيف؟، عديد الأسئلة تطرح من اجل الوصول الى المعنى المتواري، (فالمعنى هدف قبل التحقق، والهدف معنى متحقق، القراءة إذن موقف، والقارئ صاحب موقف)26، أذن قبالة كل نص يقف قارئ، يفهم ويؤول بحسب ما يتحقق له من فهم للمعنى، عبر عملية فحص واجلاء لغبار لكل معنى طارئ في فعل قرائي تواصلي يمكننا به ادراك السبيل إلى المعنى، والفيصل في كل هذا إدراك معنى المعنى/ المعنى العميق، مع الثبات على الموقف لما تمَّ الوصول إليه، وهذا يحتاج منَّا إقرارا بمنهج علمي رصين نسير على خطاه في كل دراسة أو بحث أدبي كي نفصل بين جموع القراء المتبارين، بعيدا عن الأهواء والرغبات، لنفرق بين من اكتنه جوهر النص الأدبي، عمَّن لامس شغاف جدران معناه الظاهر، هذا بالضبط ما يحتَّمه علينا النقد الأدبي من فعل لا مجال فيه للاستهانة أو المجاملة أو الاستسهال.

 

رحيم زاير الغانم

..........................

الإحالات

1- الرمزية والتأويل: تزفيتان تودوروف، ترجمة وتقديم د. إسماعيل الكفري دار نينوى، 2017م ص186

2- د. إسماعيل الكفري: المصدر نفسه،ص186

3- د. إسماعيل الكفري: المصدر نفسه،ص187

4- النسق بين المنهج و التأويل: أ.د سليمان الظاهر، مجلة دمشق- المجلد 31- العدد الثالث- 2015، ص92 5-5-أ.د سليمان الظاهر: المصدر نفسه، ص95

6- أ.د سليمان الظاهر: المصدر نفسه، ص95

7- أ.د سليمان الظاهر: المصدر نفسه،ص104

8-الذات والتأويل: أحمد برقاوي، بحث مقدم في سيمينار قسم الفلسفة- جامعة دمشق الذي انعقد بتاريخ 7/3/2012.

9-بول ريكور، نظرية التأويل" الخطاب وفائض المعنى ص128

10-حسين الهاشمي:صديقنا خط الأفق، دار الضفاف للطباعة والنشر و التوزيع، قطر- الدوحة، ط1، 2018م

11- أدهم عادل: هذا الكون سيء السمعة، دار سطور للنشر والتوزيع، بغداد، ط1، 2017م

12-ولاء الصواف: أغاني الصموت، دار الصواف للطباعة والنشر، دمشق، الجمهورية العربية السورية، ط1، 2018م

13-فراس طه الصكر: بريد العائلة، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، سورية-دمشق، ط1، 2018م

14- رياض الغريب: لا أحد يشبهُ حالنا، دار الصواف للطباعة والنشر، دمشق، الجمهورية العربية السورية، ط1، 2017م

15- ماجد الحسن:لا أريده صعودا، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط1، 2007م

16-رعد زامل: اختلطت على بوصلتي الجهات، دار ومكتبة كريم، بغداد، ط1، 2018م

17- هانس غيورغ غدامير: فلسفة التأويل، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة- الجزائر، ط2، 2006م، ص120

18-أمير الحلاج: الدائرة خارج الشرنقة، دار ميزوبوتاميا، بغداد، ط1، 2016م

19- سعيد بنكراد: دراسة، التأويل بين اكراهات" التناظر" وانفتاح" التدلال"، مجلة علامات العدد، 29، 2008، ص25

20- رحيم زاير الغانم: مقال، النص والعالم في دراجة هوائية، جريدة الصباح،العدد-(4125)،بتاريخ 14-كانون الأول-2017م

21-رحيم زاير الغانم: المصدر نفسه

22- امبرتو ايكو: التأويل والتأويل المفرط، مركز الإنماء الحضاري، ط1، 2009م، ص49

23- بول ريكور، نظرية التأويل" الخطاب وفائض المعنى ص61

24-القراءة وتوليد الدلالة: حميد الحمداني، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2003م، ص295

25- فلسفة التأويل: هانس غيورغ غادامير، منشورات الاختلاف، ط2، 2006م، ص125

26-قراءة النص: حسن حنفي، ، مجلة ألف، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء، ط 1993، ص22

 

 

نبيل عودةرصدت ابداعات الشاعر الرائع حسين مهنا، ابن قرية البقيعة – قرية الشعراء الجليلية، منذ بدأ ينشر قصصه باسم مستعار في مجلة "الغد"، وكنت ارى في قصصه روحا تتجاوز النص الدرامي الى النص الشعري، ولم يمض وقت طويل حتى كشف عن اسمه والتزم الشعر منهجا وطريقا، رغم اني كنت اتمنى لو طور ادواته القصصية ليظل معي في ساحتي التي أعشقها أكثر. ومع ذلك وجدتني مغرما بنصوص حسين الشعرية،التي تتميز بالبساطة في اللغة والتعابير، والقوة في البناء الشعري، والثراء في الصور الشعرية، وهو الأهم في تركيبة القصيدة حسب مفاهيمي.

من هنا رؤيتي الأساسية بأن المكانة الشعرية والأدبية التي يتمتع بها الشاعر حسين مهنا، ابن بلدة البقيعة الجليلية، ليست وليدة الصدفة، وليست وليدة علاقات عامة أو ظروف سياسية أو غيرها، دفعته نحو الطليعة. فهو لا يحسن تسويق نفسه، انما ما دفعه للطليعة الشعرية في ثقافتنا المحلية، جهد واتقان وعشق للكلمة والنغم واستقامة شخصية وموضوعيته الثقافية. وهناك قول لطيف لعلي بن ابي طالب يقول فيه: " لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده، فان الناس لا يسألون في كم فرغ من العمل، وانما يسألون عن جودة صنعته".. وكاني بعلي بن ابي طالب يقصد، أيضا، حسين مهنا بهذا القول !

في الأيام الأخيرة من كانون أول 2007 صدر للشاعر حسين مهنا ديوانين شعريين.

الديوان الأول: " تضيق الخيمة ... يتسع القلب " ويشمل عشر قصائد وخمس منثورات.

يفتتحه بقصيدة يقول مطلعها:

كأني أراكم

كما قد رأتكم دمائي

على باب ( عاي)

تشدون خيلا

وتعدون خلفي

ويوم صرختم بباب ( اريحا ):

- تموت ... تموت

وراحاب تحيا ..!!

حملت الحياة على راحتي

وسرت على مهل أنثر الحب والشعر

سرت .. سرت .. سرت ..

انا استزيد الحياة حياة

وانتم تشدون خيلا

وتبغون حتفي ...

الديون الثاني: "الكتابان " - ويبدأ بالثاني وينتهي بالأول .

يقول في قصيدة: " تمرين أو لا تمرين .. "

تمرين أو لا تمرين

قلبي تعود طول انتظارك

انت تعيدين للقلب

ما قد تناثر،

فوق دروب الحياة

ليصبح شكل الحياة

جميل التفاصيل،

كي لا تصير الدماء مدادا

وكي لا يظل الحبيب رهين القصيدة.

وفي قصيدة: "سموت بحبك .. " يقول:

سموت بحبك العذري خلقا

وزدت حضارة وصفوت ذوقا

وطهرني غرامك من ذنوب

تحاصر مهجتي وتشد طوقا

واودع بي جمالا بعد ظرف

وشوقا للحياة فصار عشقا

وعلمني بأن الحب عدل

فلا أشقى ولا المحبوب يشقى

هذه مقاطع اخترتها عشوائيا، وانا أؤمن ان القصيدة الجيدة لا تحتاج الى "مفسر أحلام "، بل تتسرب كالماء الى وجدان القارئ وتدمجه بأحاسيس الشاعر.

حسين مهنا يثبت ان الشاعر المتمكن من فنه وبصفته، مثقف موضوعي مرتبط بقضايا شعبه، الى جانب مهنيته الشعرية، قادر على الابداع حسب كل الأساليب الشعرية المعروفة ... من الشعر الموزون والمقفى وشعر التفعيلة حتى الشعر المنثور. من الاسلوب الكلاسيكي حتى أحدث الأساليب الشعرية الجديدة .

حسين مهنا في ابداعه الجديد يشكل مدرسة ومقياسا للشعر الجيد وللشاعر المبدع، وللمثقف الحقيقي الذي يعيش ويتفاعل مع مجتمعه وعالمه. ولكني بهذه المناسبة المخصصة للشاعر حسين مهنا، يروقني ان اعود لديوان سابق له "انا هو الشاهد"، ما زلت اراه من الابداعات البارزة في شعرنا المحلي، وقد شدني ذلك الديوان واعادني الى صفحاته مرات عديدة . ولعلي اعود الى ديوانيه الآخرين لاحقا.

ديوانه " أنا هو الشاهد " - صدر عن الأسوار – عكا (2001) – يشمل (14) قصيدة من نتاجه الشعري منذ عام (1997)، وهذا بحد ذاته يثبت ان حسين مهنا شاعر يعيش أجواء قصيدته، بحيث تتحول القصيدة الى مهمة يعيشها لمرحلة زمنية، وتنمو " بوسائل طبيعية " دون استعمال مسرعات النمو، أو الانتاج "داخل دفيئة"، بحيث نغرق بمنتوجات شعرية قبل موسمها، انتجت بوسائل غير طبيعية .وربما هنا احدى مشاكل " البضاعة " الشعرية التي تملأ الأسواق، بعضها بلا طعم ولا نكهة، أو أدخلت علية " جينيات " أخرى، فصارت "الشيء وضده ".

حسين بديوانه "انا هو الشاهد" هو مدرسة، ليست شعرية فقط، انما حضارية خلقية، الى أن الشعر ليس للدنيا فقط، وليس للآخرة ايضا، انما هو صنعة للارتقاء بالانسان، وتطوير فكره وحسه وفهمه، وصقل ارادته .وهذه مهمة لا يجوز الاستهتار بها، اذا اردنا حقا أن نسمي المولود باسمه .. لأنه لا أجمل من أن يكون الانسان شاعرا، أو مبدعا تبعث لمساته الحياة حتى بالجماد .

على غلاف ديوانه يؤكد حسين مهنا ما أرمي اليه، انما بلغته، لغة الشعر، الذي أثمر على شجرته، دون أن ترهق الشجرة بالمبيدات وتسريع النمو:

على هذه الأرض نبني

كما لا يحب الغزاة –

ونرعى على مهل مجد أجدادنا.

ويقتبس حسين من انجيل " يوحنا " في كتاب "العهد الجديد "، قوله: " وأيضا في ناموسكم مكتوب ان شهادة رجلين حق، أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الرب الذي ارسلني "، فهل يستطيع أحد، بعد ذلك، أن ينفي صفة الشاهد عن حسين مهنا ؟

حقا حسين هو شاهد، شاهد على حكاية وطن تمزق شغاف القلب:

كانت هنا قرى تعبق بشذا فلسطين

قرى تفردت بعرائش سطوحها ..

بكرومها ..

بأهلها الطيبين.

هذا ما جاء في بداية قصيدته الاولى " في البدء" وانظروا الى العلاقة هنا بين " أنا هو الشاهد"، والمرافعة دفاعا عن كونه شاهد، مستندا لانجيل " يوحنا "، واسم القصيدة الاولى " في البدء" ... و" في البدء كانت الكلمة " - افتتاحية التوراة – وصولا الى فلسطين، الكلمة الاولى في قاموس اهلها الباقين والصامدين والمقاومين، ولكن بنفس الوقت نشعر في قصيدته هذه روح البكاء على الأطلال: " قرى بلادي وقصائدي ".

أما قصيدته الثانية " يورثون الحياة انتصارا "فهي نقلة نوعية من حالة حزن الى حالة فرح وغناء وحب يتدفق كالشلال. وقد قرأت هذه القصيدة مرات ومرات .. بطرب حقيقي. وينجح حسين هنا بأخذ القارئ/ المتلقي الى رحلة في ذات محب:

وأذكر يوم وثبت لأقطف زهرة القرنفل

كيف نقزت – وكنت وراء الأصيص –

وصحت:

- تلطف!!

فما هكذا يؤخذ الورد يا ذا ؟!

انتبهوا هنا للطافة وملاءمة تعبير " نقزت " (جفلت) العامي، وأظن أن هذا الاستعمال فرضه نمو القصيدة واكتمالها – نضجها – الطبيعي وغير المصطنع .

ويواصل رحلته:

فوددت لو اني اقبل دارك ...

هذه الجملة تذكرني بعنترة العبسي الذي خاطب حبيبته بقوله ":

وددت تقبيل السيوف لأنها / لمعت كبارق ثغرك المبتسم .

ويواصل حسين:

ستأتيك امي قبل الغروب

لتقطع قول الوشاة

وليت أباك يقر بأني "شيخ الشباب "

واني جدير بزين الصبايا

ونفرح

نفرح

هذا الجليل يحب الزغاريد.

وهنا يكاد يقول انه لولا ان الجليل يحب الزغاريد، لما كان الحب ..

ويقول:

هذا التراب الزكي شغوف

بمن يزرعون

ومن يحصدون

ومن يعشقون

ومن ينجبون

ومن يورثون الحياة انتصارا

لجيل جديد

هذا الحب يعيدنا الى انسانيتنا، الى الزمن الذي كان فيه الفتى يطوف حول بيت حبيبته عاما كاملا يفرح ان رأى وجهها، فاذا ظفر منها بمجلس، تشاكيا وتناشدا الأشعا ر . أما اليوم، وهذا يبرز في الكثير من شعرنا الحديث، فاذا التقاها، لا يشكو حبه أو ينشد الشعر، وانما يطلب الوصل، بحيث تحول الحب في معظم شعرنا الى بضاعة، يقرر سعرها العرض والطلب، بينما الحب الذي يختلج بأعماق حسين لا يباع ولا يشترى .

قصيدته "أراك كما لا تراك العيون " هي قصيدة غزل في قريته البقيعة:

"البقيعة قريتي وكل قرية في بلادي بقيعة "

ومع ذلك:

وآها لتلك السنين الخوالي العذاب

قريبا من القلب

نبض فلسطين كان

هذه القصيدة تركت لدي شعور انه في حبه الكبير لقريته، هناك نوع من الألم والمرارة أيضا، على تلك القرية التي تيتمت من "نبض فلسطين ".ومن آلام "جرح الجليل ".

وهو يذكرني هنا بمقطع للشاعر الراحل سالم جبران يقول فيه:

" كما تحب الأم طفلها المشوه

احبها

حبيبتي بلادي "

وربما ليس بالصدفة ان سالم من البقيعة ايضا . في القصيدة جوانب أخرى، منها مثلا قدرة حسين أن ينقلنا من الحلم الشعري الى الواقع الشعري . من حلم البقيعة الى واقع البقيعة، وبكلمات بسيطة:

ترى أين غابت

بساتين خوخ وتين ؟!

وجوز ولوز

ورمان عيد الصليب

في الشطرة الأخيرة يعرفنا على البقيعة، على أهلها، بحيث لا يبقي البقيعة حلما طائرا، بل حقيقة شعرية ملموسة . ومن المعروف ان الرمان في بلادنا يثمر في فترة عيد الصليب عند المسيحيين . وأي فلاح فلسطيني، مسلم، درزي او مسيحي، عندما يسال عن موعد قطف الرمان يقول يقطف مع حلول عيد الصليب !

الغنائية الحالمة تميز الكثير من قصائد الديوان، في قصيدة " ستر عاشق يظلل ليلنا الريفي ":

تحبني .. ؟!

اذن تعال كي نصالح القمر

أمس اشتكى

يا طول ما اشتكا !

وأكاد أشعر في هذا المقطع أجواء فيروزية .

وينشد في " لنا فوق الجليل ":

لنا فوق هذا الجليل

تراب جليل

عليه نقيم

ومنه نبتنا كما ينبت العشب

والاقحوان .

وبين يديه تركنا طفولتنا

والشباب.

لنكبر فيه ويكبر فينا .

اذن هو ليس مجرد عشق لطبيعة ساحرة، انما هو عشق للمنزل، للمنبت، للأنتماء . وشاعرنا العربي يقول:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى / ما الحب الا للحبيب الأول

الحبيب الأول، على امتداد مساحة ديوان حسين، هو الجليل .. لم يكتشف حبيبا غيره .. حتى تلك التي " نقزت " هي جزء من الجليل . قصيدة " سأجلس ذات مساء " فيها الكثير من الايماء والتكثيف . يقول:

سأجلس ذات مساء بعيد

وحيدا..

وأفتح قلبي

على شرفتين

وراء الغمام

لعل رفوف اليمام

تجيء

وتلقي السلام علي

وتغفو قليلا على راحتي

لأكتب أغنية

عن بلادي.

بعد قراءتي لقصيدة " تركنا على كل درب " اعتراني شعور أن حسين لا يكتب قصائد منفردة، انما قصيدة واحدة متواصلة، وتكاد تكون هذه القصيدة هي مهمة حياته كشاعر، فها هو يقول مثلا ما يمت بصلة لقصائد سابقة:

وقد اورثونا

محبة هذا الجليل

وحب الحياة

وعشق قرانا

ونذكر اننا ولدنا هنا.

أما قصيدته " بي شوق لأحيا "، فهي نشيد لتجدد الحياة بعد أن رزق بحفيده محمد / وهي قصيدة لها مناسبتها، وتكاد تكون استراحة وسط قصيدة / قضية شعرية متواصلة وواحدة .

وانا ورثنا الصباح الجميل

وهذا الجليل

وفجرا تلفع بالياسمين .

( قصيدة: وانا ورثنا الصباح الجميل )

في قصيدة "اسمعني صوتك " .. كتبها كما فهمت لحفيده في ميلاده الأول .. ونراه يورث حفيده ما يملكه الشاعر:

اسمعني صوتك

عربيا

لا يتلجلج في شفتيك

ويوصيه:

واخرج من جلبات الزمن المهزوم

جوادا عربيا

ينقل للريح

صهيل الفرح القادم

وأيضا:

اضرب جذرك يا ولدي

اسمعه كيف تدوزن صوتك

فوق مفاتيح اللغة العربية

ويصر على حفيده:

أسمعني صوتك

كي اسمع وطني

يتجدد لحنا عربيا

لا بد هنا من ملاحظة هامة .. في هذه القصيدة اصرار على عروبة ابناء الطائفة المعروفية (الدروز)، التي تحاول السلطات الاسرائيلية قطعهم عن جذورهم العربية وجعلهم فئة سكانية لا ترتبط بالهم الوطني العربي او الفلسطيني ...

اذن كما قلت، حسين مهنا أخذ على نفسه ابداع قصيدة / قضية وطنية انسانية وجمالية ممتدة .في ديوانه هذا نراه يكتبها على مدى ثلاث أو اربع سنوات .ربما حقا على كل شاعر أن يأخذ موضوعا لشعره حتى يوفيه حقه . وحسين يثبت أن ذلك لا يعني الانغلاق داخل حدود مرسومة .ان البقيعة مثلا، ليست مكانا جغرافيا له حدوده الجغرافية . فالشعر لا يعترف بالحدود الجغرافية، أو كما يقول حسين مهنا: " كل قرية في بلادي بقيعة ".

حين أقرأ اسم حسين مهنا يجلس على راس قصيدة اعرف اني ساقرا شعرا حقيقيا واني ساتمتع بجماليات شعرية صارت من القلة .

هل يريد الشاعر أكثر من ذلك؟ ان يتدفق شعره كالماء بلا ضجيج ويتغلغل كالماء في وعي القارئ وأحاسيسه؟

 

نبيل عودة

 

احمد الشيخاويتشفع لكتابة الابتداء، الجانحة في الغالب، للتجريبية، كونها تتيح لها حيّزا أكبر للتعبير وبثّ لواعج المكنون، لكن بإنشائية وافتقار إلى الشعرية، تلكم الطاقة الاندفاعية، واتقاد وازع تكسير المعايير والقوانين التعبيرية، ممّا يجعلها تثير أو تغري بملمح حيازة نزر من المناقب الدالة على مناجم ذاتية غائرة، ملهمة بمخزون امتلاك مزيد من المؤهلات الدّفينة، كشرط وضرورة لتفجير مكامن الإيجابية في الممارسة الإبداعية، مع نضج الوعي تدريجيا وتوهّج فتيل الخبرة بالعالم والحياة.

في النص القصصي المعنون " لقاء" للكاتب المغربي الواعد محمد قصدي، نلفي انشغالا صوفيا، يختزل به قسطا من المسافات المذكورة، إلى أفق فعل الكتابة السّردية، على نحو جاذب، يفيد كون الذات الساردة واعية بخيوط لعبة القصّ، وإن طبعتها بعض الثغرات، من قبيل تكثيف الجمل والأحداث، بما يخلق التباسا لدى المتلقّي، ويناوره بشقلبة مشوّهة لفسيفساء القصّ بالنهاية، يدشّنها الاستثمار الارتجالي للشخوص، بقليل من التركيز، كان مبدعنا الشاب، ليتداركها، ويمنحها عناية خاصة، تبرز سرديته في حلّة أشهى وأجمل وأمتع مما تبدو عليه داخل قفص هذا الاكتظاظ.

بحيث لزمه، على الرغم من حرصه على آليات فن القصّ، من انتقاء للعتبة واستحضار للقفلة المفتوحة ووحدة زمكانية ومتنية، مراعاة هذا الممرام، وترتيب هذه الفسيفساء، بتقليصها إلى فقرات يفصلها البياض، ترتيبا للمشاهد، وفق ما يحول دون تداخل وتشابك الأحداث، فكان الأجدر أن يبلورها بوعي أعمق، ليمنحها طابعا تكامليا وامتدادا لا يضجر من تراتبية معانيه المتلقّي.

من خلال قصته هذه، سلّط الضوء على استشكال مؤرق ينخر كيانا مجتمعيا بالكامل، إنها ظاهرة الطبقية كمفارقة حزينة، تلطّخ بعارها العديد من الأوطان العربية، وتبدي العالم الغربي فردوسا محرّضة على إخلاء العشّ وعقّ الغصن.

يحيل على بؤس شامل، يحاول تبرير فشل هذا الجيل، المطعون في كل شيء تقريبا، أحلامه المسروقة، وأيضا عواطفه التي لبستها الأقنعة والزيف.

ماسح أحذية، يتقاذفه همّ الكسب وتحصيل الرّغيف، موجوعا موجعا بصور التمزّق والتشظّي، مابين ذاكرة غدر الحب، وراهن إثبات الذات، يضعه حظّه العاثر وزمنه الأنكد في موقف تسييد خاطف معشوقته، طبعا خطفا يختزل منظومة معاني التكريس لمفهوم الطبقية، بشتى تجلياتها، عبر ثقافة المفاضلات المادية وجملة إغراءات الهيمنة البورجوازية على أقليتها.

بيد أن النصّ في ضمنيته الصادمة، يشاكس رهانات أخرى، ويعضّ على رؤى معارضة، ممكّنة للبعد الروحي الأخلاقي مدبّجا بصوفية الطرح.

[تذكر هند بين ذراعيه تخبره باكية بأنها ستهاجر للديار الأوربية، وحين عودتها ستبحث عنه ولو كان في الهند، أقسمت له بأنها لن تخون عهد الحب الذي جمعهم.. عادت به ذاكرته للحاضر ليجدها خانته بكل صفاقة. ويا للسخرية القدر فها هو اليوم انحنى لينظف حذاء عشيق حبيبته السابقة. أخبرها وهو يغالب دموعه، بأنه يريد مساعدتها في الوقوف لكن يديه متسختين، ولا يريد أن يسبب لها أي إحراج أمام صديقها المترف](1).

واستغراقا لهذه الطاقة الروحية، مع ميزة لافتة في المعمارية السردية لدى صاحبنا، تتجسّد في بناء الفعل الكتابي على شاكلة تشبعه بسياقات الصيرورة والنفاذ في الزمن، وكأنه يستنطق بأسئلته المنبثقة من خلفية متشبّعة بلغة روحية صرفة، الحالة في معنى تناسلاتها وسرمدية إقامتها في الوعي والذاكرة الإنسانية.

ينتقل بخفة ظل، إلى وباء مجتمعي آخر فتاك، يدين الحضور الأنثوي، بحيث يربطه بالوصايا الشيطانية المخربة للمجتمعات، بدء من البيت بعدّه وطنا صغيرا فالشارع فالانتماء على رحابته وتنوّع مضامينه.

معضلة " التوكال" هذا السلوك المميت بخيوط سم العقليات المتخلّفة، في نيله، بل الأصحّ اغتياله لمشاتل النبوغ والعبقرية وسائر ما يصب في خانة صناعة الإنسان والأوطان.

[وفي شهر أغسطس من سنة 2017 كنت عائدا من الجامعة، لمحت جموعا من الناس محتشدة على عشّ موسى، أصاب الهلع قلبي، إزاء تلك الأمواج البشرية، يرتسم على وجوههم حزن شديد. تدافعت معهم لعلني أفهم شيئا مما يجري.. لكن بمجرد أن تجاوزت الجدار البشري، هالني المشهد كثيرا.

 كان جسم موسى الهزيل يتلاعب في الهواء، وحبل متين ملفوف حول عنقه، كان مشهدا فظيعا بشعا](2).

سردية محبوكة تكفي، لزجر المنافين لمعجم سلوكيات الحنفية، رجالا كانوا أم نسوة، كانت لتتسربل بموسوعية الرؤية وطوباوية البناء، لو أن صاحبها كصوت شاب مبتدئ، لم يسرف في النعوت والأحكام، ولو أنّه لاذ بفنية تشذير يرتّب أكثر، مثل هذه الفسيفساء، ولو أنّه، كذلك، عزل أناه قدر المستطاع، وانتقى العتبة كما القفلة، بمزيد من الدّقة والحذر.

وإذن... لا ضير، فقد انتشينا ببعض من ثمالة بوحه، موقنين أنه سيكون أفضل في القادم من نصوصه التي يقارب فيها مستنقع الأوبئة المجتمعية، بلغة صوفية وافية، يطوّرها المعجم الحياتي، مصقولا بمقامرات التجريبية والتراكم.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

...................

هامش:

(1) مقتطف من أقصوصة لقاء.

(2) مقتطف من أقصوصة شيطنة.

 

رحيم الغرباويلعل الرومانسية أخذت اشتغالاتها من الطبيعة في الذات، بعدما قامت بثورة على الكلاسيكية التي أوغلت في الموضوعية والعقلانية حد الإسفاف في نظر الرومانسيين، فضلاً عن أنَّها مثَّلت ردة فعل على الواقع الذي لم يجد فيه الشاعر ضالته فراح يرمي بنفسه في أحضان تلك الطبيعة بعيداً عن ظلامات الواقع المعيش  كما يستشعرها في نفسه، فيتغنى بالجداول والغابات، والسهول والجبال والطيور  وهو يضفي عليها من خياله الجامح أجواءً ساحرةً وعواطف إنسانية جياشة .

والرومانسية فيما يبدو اعتمدت على الخبرة الشخصية  حتى أصبحت مذهباً له سماته وخصائصه، لكنها أخذت تتشعب إلى اتجاهات وارتباطات بمذاهب أخرى ومن اتجاهاتها الرومانسية السياسية، كما أخذت بتفعيل " مظاهرها في المجال الفلسفي والديني والقانوني والتاريخي  " (1)، أما ارتباطاتها، فقد صارت الرومانسية ممثَّلة بالسريالية والدادائية والبرناسية والرمزية وغيرها، لكننا لانعدم أنَّ الرومانسية الأدبية هي الأصل كما طرحها النقاد في بداية نشأتها في العصر الحديث ويمكن لنا أن نطلق على الرفض فيها أنه لم يتوقف على رفضها للكلاسيكية إنما رفضها يؤكد لنا تعبيرها عن حالة الثورة ليس على الواقع أو الاتجاهات فيه بل حتى على الشعور حينما لاتتقبل الذات الشاعرة معطياته من الآخر؛ كي لانبخس مفهومها الشامل والواسع حتى داخل صيرورة الذات الإنسانية .

والأدب بصورة عامة مالَ إلى الاتجاه الرومانسي منذ مطلع الحضارات حين كان الشاعر يتغنى بالطبيعة من خلال ترجمة ما يعتمل وجدانه من مشاعر وأحاسيس تجاهها . إلا أنَّها في العصر الحديث ومع تطور الاتجاهات الثقافية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي أُرسيت مبادؤها، فصار لها مذهب أدبي قائماً بذاته، بوصفها تمثل أحد مبادئ البناء الشعوري في الثقافة الحديثة .

ولعلنا في هذا المقال لانريد أن ندرس اتجاهاتها بقدر ما يمكن أن نوضح دقائقها  لاسيما ثوريتها الشفيفة عبر ما يعتمل الذات شعور يرفض بعض مظاهر المجتمع السيئة، ومنها صفة الخيانة التي عادة ما تدفع بالشعور إلى أن يقيم ثورته معبِّداً طريقه نحو الصلاح، رافضاً كلَّ مدنَّس هدفه الإعاثة بالنفوس؛ لأجل خلق مجتمع تسوده المحبة، وتعتري فضاءه نسائم الوئام .

ويبدو أنَّ شاعرتنا (نجاة الماجد)، وهي تكتب شعورها تجاه تلك الظاهرة الاجتماعية تنكر على كل من يسيء لحقوق الآخرين أو يجرح مشاعرهم، ماهو إلا إنسان فقد إنسانيته، ولا بدَّ أنْ يُطرد من حقول الإنسانية الرحيبة وشواطئها المؤثَّلة بالنبل والوفاء، ويمكن عدّ قصيدتها (سياط غدرك) من النصوص التي تعالج ظاهرة الغدر والخيانة التي تفشَّت في عصرنا الحاضر، إذ نراها تقول: 

لا أنت تتبعُني ولا أنـــــــا أتبـــــعُ ... لملِم غرامَـــك لاتحـنُّ وترجــــعُ

ولّى الهوى ولّى زمـــانُ صبابتي  ... ماعُدتَ عصفوراً لشدوِكَ أسـمعُ

قد جئتَ تشـكو لي خيانةَ صاحبٍ  ... فجعلتُ قلبك من وفائي يرضــعُ

واليـــومَ واأســفى أراكَ تخـونُني  ... واليومَ وا أســفى بغدرِك تصفـعُ

ماهكذا يجزي المحـــبُ حبيبــــهُ  ... إلاّ لِمـــن فيــــهِ الخيانـــةُ تنبـــعُ

ولعل القيم الاعتبارية هي ميزان الإنسان الطامح لحياة مستقيمة، ولو قلَّبنا الأبيات لوجدنا معانيها قد حُبِكتْ بفنية السبك العالي الذي يشير إلى صدق الإحساس، وإنَّ التكرارات والطباقات والمترادفات من الألفاظ قد تفشت في النص وهي: (تتبع - أتبع، ولَّى – ولى، وآسفي – وآسفي، تخونني – تخونني . خيانة – وفاء . تحنُّ – ترجع،  تخون – تغدر) ويبدو أنَّها تعاني قسوة الفعل الذي يسود اقترافه اليوم في مجتمعاتنا ممن يدَّعي الحب دون أنْ يجتنى روحا أنيقةً تطرب لها معاني الإنسانية، وشاعرتنا تعبر عن رفضها لذلك بل وتمقته حد التعنيف، ولعل قراءة النصوص بعيدا عن قائليها يعزز الروح العلمية للتحليل من خلال النص، إذ نراها تنازع قراراتها بالنفي مرة والإثبات مرات؛ لتقوية معاني الرفض وملامح الثورة في شعرها، فنجد أداتي النفي (لا، وما) تكررت خمس مرات؛ لتأكيد ثورتها ضد من خانها، بينما أوردت صوت الهمزة ثمان مرَّات، وهو من أصوات الإطباق؛ ليدل على شدة الارتكاز على قرارها الحتمي، أما ورود صوت الكاف سبع مرات وهو يمثل الكلف والانكسار لما كان مأمولاً من المخاطب الذي لم يحسن الوفاء، و اتخذت حرف الروي العين للدلالة على التياعها من هذا الفعل المشين .

ولو طالعنا بقية أبيات القصيدة سوف نجد المعاناة تتنامى وتتكرر بعض المفردات لتأكيد المعاني التي بني عليها موضوع القصيدة، إذ تقول:

حتى بإحســـاني منحتُك مهجتي ... وجعلتُ عينَك في عيوني تهجعُ

واليــــوم وا أســفى أراني بغتةً ...  بسياطِ غدرِك والخيانةُ أُلســـــعُ

ماجتْ بنا الأمواجُ دارتْ دورةً ...  واليـــوم مركبُنـــا هنــاك نودِّعُ

ياذلِك الصيَّــــــــاد يكفي قسوةً ...  أطلِقْ فؤادي لاتـــروعُ وتفــزعُ

البحر يــــاهذا يضمُّ بدائـــــــلاً ...  يمِّمْ شـــباكك هاهناك ســــتجمعُ

دعني نـــعم دعني فقلبي قانعٌ  ...  من بعـد غدرٍ في الهوى لاأطمعُ .

والذي يجعلنا أن نحكم على أنَّ النص يشي بالصدق هو انسجام أصوات الألفاظ مع الحالة الشعورية التي تقف عندها الشاعرة مع كلِّ شعور تعبِّر عنه، ومن ذلك  الشطر الأول من البيت الأول حين تصف حالتها، وهي تعيش الراحة إزاء نبلها تجاه الحبيب بتكرار صوت الحاء ثلاث مرات، والتاء ثلاث مرات أيضاً، والميم مرتان، وهي من أصوات الهمس التي تمثل لطافة الشعور، بينما البيت الرابع حين تصف من غدر بها تصور شعورها بنزعته الثورية، فهي تطلب التحرر من ذلك الصياد الذي اصطاد قلبها بمشاعره المعسولة، فتكرار الكاف والقاف والعين مرتان وجميعها من أصوات الإطباق العالية الصدى وما فيها من حشرجة والتياع، والصاد والطاء، وهما من الاصوات الصفيرية وفيهما دلالة البطش والصرامة، بينما الفاء وردت ثلاث مرات؛ لتدل على التأفف والتأوة ، والتاء مع الراء ومع الفاء؛ لتؤكد ما للراء والفاء، فالأولى لشحذ الفعل بما يمتلكه من دلالة الترويع، والأخرى؛ لتعميق دلالة الفزع، وهذا ما يؤكد صدق المعاناة التي عاشتها شاعرتنا؛ لتهبَّ منتفضة ضد الجناة الذين يرتكبون الحماقات تجاه المشاعر الإنسانية النبيلة .

وهكذا " فإنَّ الشعر هو السمو ذاته بالفضيلة، وإنه يسبح ضد تيار نهر النسيان ويدرك بريق الأصول ويسلم الروح إلى أحاسيس العالم العامة، ويظهر معارضته للحقيقة المصغرة الكاذبة، وهكذا يظهر البعد الرؤيوي الثوري للشعر كرومانسية نمط من نوعية القوة التي فيها الأنا الأدنى تتماثل مع الأنا العليا ... إنَّ الشعر هو نفسه سليل انصهارنا الأخلاقي يذكي جمرات الفضيلة النائمة، لأنَّه يدعو لامحدودية ما فوق ذاتنا إلى الشعور، والمطلق ما فوق الواقعي لماهيتنا، إنَّ الشعر يحرر؛ لأنَّه رومانسي " (2)؛ لهذا نجد شاعرتنا قد حققت برومانسيتها تحررها من قيود الإذلال والتبعية؛ مما هو عديم الإنسانية بأفعاله التي لاتتماشى مع الفضيلة والنبل الأخلاقي .

 

بقلم: د. رحيم الغرباوي

.....................

(1) الرومانسية الثورية، ترجمة د . كامل العامري: 16

(2) المصدر نفسه: 143 .

 

 

 

بلغت المسرحية في اليونان درجات عالية من الرقي على يد شعراء الإغريق العظماء (اسخيلوس، وسوفوكلس، ويوربيدس، وقد وضع (ارسطو) في كتابه (فن الشعر) تعريفاً للتراجيديا، وجود عناصرها الأساسية، فضلاً عن دراسته الأنواع الشعرية، حيث قام بدراسة وتحليل المنجز الإبداعي لأولئك الشعراء وحلل مستخلصاً منه الأسس النقدية التي أصبحت فيما بعد قواعد منهجية يتبعها نقاد الأدب والدارسون .

وانطلاقاً من تعرف ارسطو للمأساة على أنها محاكاة لفعل جاد تام في ذاته، وله طول معلوم في لغة مشفوعة بكل أنواع التعريف الفني وتتم المحاكاة في شكل درامي لا في شكل سردي . بأحداثٍ تثير الشفقة والخوف، وبذلك يحدق التطهير ويشير هنا التعريف إلى العناصر التي تتكون منها المأساة، وهي كما يأتي :ـ

(1. الحبكة 2. الشخصية 3. اللغة 4. الفكرة 5. المرئيات المسرحية 6. الغناء)

ومشكلة هذه العناصر في مجموعها وحدة متكاملة مترابطة لا تكاد تنفك عن بعضها البعض فلا وجود لأحدها بمعزل عن الآخر، وقد أولى ارسطو العنصر الأول وهو الحبكة أهمية خاصة وهي تعرف ببناء الأحداث أو أنها التنظيم العام لأجزاء المسرحية أي ترتيبها إلى بعضها في أسلوب ما،لذلك فأن براعة الكاتب تتمثل في عملية بناء الإحداث (الحبكة وإيجاد العلاقات بين كل هذه العناصر فإذا اعتبرت الحبكة التنظيم الكلي والكامل الذي يحاول الكاتب تحقيقه، فأن العناصر الخمس الأخرى يمكن اعتبارها كأجزاء هذا الكل ومن جهة أخرى، إذا كانت الحبكة تعتبر هدفاً يجاهد الكاتب في الوصول إليه في بناءه المسرحي فأن الأجزاء الخمسة الأخرى يمكن اعتبارها الوسائل لتحقيق ذاك الهدف ولأجل الوصول إلى هذا الهدف على الكاتب أن يراجع كل صغيرة وكبيرة من خلال وضع تصور تام للأحداث بكل تفاصيلها كأنها حادثة أمام عينة وهذا من شأنه أن يمكن الكاتب من كشف ما يحتمل وقوعه من تناقضات وأن يدخل في أهاب شخصياته المتعددة والمختلفة، كي يستطيع التعبير عن انفعالاتها المتباينة تعبيراً صحيحاً . كما ينبغي عليه ـ قبل كل شيء ـ أن يضع تخطيط للقصة التي ينوي مسرحها . وبعد أن يتيقن من إبعاد هيكلها وملامح شخصياتها، يقوم بتوسيعها وكتابه مشاهدها الملائمة

وللحبكة مداها المحدد الذي لا يمكن التجاوز عليه فليس للكاتب أن يبدأ كيف ما يشاء وينتهي كيف ما يشاء، إذ أن (ارسطو) يرى أن الفعل في الدراما هو فعل تام في ذاته أي الكامل المكتفي بنفسه والكامل هو ما لديه بداية، ووسط، ونهاية، والبداية هي التي لا تعقب بذاتها أي شيء بالضرورة ولكن يعقبها بالضرورة شيء آخر، أو ينتج عنها . و(النهاية) على التخصيص من ذلك نهي التي تعقب بذاتها ـ وبالضرورة ـ شيئاً آخر، أما بالحتمية أو الاحتمال ويمكن لا شيء آخر بالضرورة، كما يعقبه شيء آخر ولكن من البداية والوسط والنهاية أهميته وفائدته فالكاتب لابد أن يعرف من أين يبدأ فمن سمات المسرحية وهذا ما يميزها عن الملحمة هو أنها تبدأ من حيث لحظة الأزمة فليس ثمة شروحات أو مقدمات أو سرد عن خلفيات الحدث، وأن هذا الترتيب للبداية والوسط والنهاية أطلق عليه أسم خط البناء الدرامي أو (الخط الدرامي) وأن التطور في هذا الخط ينشأ عن تغيرات في التوازن بين الإرادة الإنسانية ومصيرها المحتوم، أما الخط الدرامي نفسه فيمكن تلخيصه في الخطوات التالية : أ. المقدمة ب. فعل يؤدي على التصاعد ج. الذروة د. فعل يؤدي إلى تخفيف التصاعد هـ. الحل ويرى ارسطو أن العلاقة بين البداية والنهاية علاقة جدلية تحدد الصفة النوعية للدراما من حيث كونها مأساة أم ملهاة، واستناداً إلى طبيعة البداية وطبيعة النهاية يمكن الحكم على الحبكة من حيث كونها حبكة محكمة أم غير ذلك .

ويقسم ارسطو الحبكة إلى نوعين بسيطة ومعقده ويأتي هذا التقسيم على أساس مبدأين إذا ما حوت عليها المسرحية سميت بالمعقدة أو المركبة وهذان المبدآن هما التحول، والتعرف أو(الاكتشاف) . والتحول كما يرى ارسطو هو تغيير مجرى الفعل إلى غير اتجاهه .. وفق قاعدة الاحتمال والحتمية . وهو تغير الإحداث أو الموقف من النقيض إلى النقيض وفقاً لقانون الاحتمال والضرورة، وقد يؤدي التحول في المسرحية إلى أن ينقل إنسان من السعادة إلى الشقاء أو العكس .

أما التعرف فيعرفه ارسطو بأنه الانتقال من الجهل إلى المعرفة مما يؤدي إلى المحبة أو الكراهية واستناداً إلى رأي (ارسطو) في تقسيم الحبكة، فلا فرق بين الحبكة البسيطة أو الحبكة المركبة سوى احتواء الثانية على العرف أو التحول . في حين يرى أحد الباحثين غير ذلك إذ أنه يغير الحبكة المركبة أو ما يسمى بالحدث المركب، فهي تلك الحبكة التي يعتمد في تركيبها قصة رئيسية تغنيها قصة فرعية أو أكثر . أي أن الحبكة البسيطة هي تلك الحبكة التي تحوي خطاً رئيسياً واحداً لتطوير الحدث، أما في الحبكة المركبة فهناك خيوط أخرى أو أكثر تسير جنباً إلى جنب مع الخط الرئيس يغذيه ويقوى منه أما الاتفاق أو المعارضة ويتفق الباحث مع هذا الرأي لان تشابك الأحداث وتعدد لحظاته التأريخ يخلق حالة قوية من التوتر والشد والانتباه مما يجعل لحظة التحول أو يتعرف أقوى وأكثر إدهاشا وهذا ما يجعل الحبكة المركبة تحتاج إلى مقدرة فنية كبيرة من جانب الكاتب المسرحي حتى يحافظ على وحدة الحدث بيد أن الحبكة البسيطة لا تقل صعوبة عن الحبكة المركبة، فليس من السهل الإمساك بانتباه المتلقي وشد تركيزه على خط واحد، إذ أن هذا يتطلب مهاره فنية ومقدرة عالية من قبل الكاتب .

وثمة علاقة مترابطة بين الحبكة باعتبارها روح المسرحية والشخصية القائمة بفعل المسرحية، والشخصية أو (الأخلاق) تدل على الجانب الأخلاقي الذي يصدر عن الشخصية ويحدد نوع إرادتها ومقدراتها الفعلية .

وتأتي العلاقة بين الشخصية والحبكة من خلال كون الشخصية المسرحية تتعد خصائصها من خلال الحبكة، وأن الحبكة تتطور مادياً من خلال الشخصية وهذا يستند إلى رأي ارسطو في تعريف المأساة على أنها محاكاة لفعل .. فلا يحاكا الفعل وإنما القائمون بالفعل وهم الشخصيات فلا فعل بدون شخصيات ولا دراما بدون فعل ينمو من خلال تصارع الإرادات لشخوص المسرحية . ويرى الناقد الإنكليزي وليم ارتش : أما الحدث يجب أن يوجد لخدمة الشخصية، لا العكس، لان الشخصية هي المادي الأساسية، ويمكن القول أن الشخصية تصنع الحدث الذي تجسده وتنميه، وتأتي أهمية الشخصية في المسرحية باعتبارها صانعة الحدث فلا حدث بدون شخصية مرسومة رسماً فنياً جيداً ولا ترسم الشخصية الدرامية على أساس علاقتها بالواقع بل على أساس علاقتها بالآخرين في المسرحية، أي على أساس العلاقة الدرامية من خلال ما يعرف بالتفاعل أو التشابه، وهما يشكلان المفارقة التي توجد في أفعاله الشخصيات وعلاقاتها ودوافعها .. وينبغي عند رسم الشخصية الدرامية أن تكون مصورة من الداخل والخارج معاً وأن تكون واضحة متعددة الإبعاد لا أحادية البعد، حيث أن لكل شخصية ثلاثة إبعاد بعد مادي جسماني وآخر اجتماعي متأتي من علاقة الشخصية بالشخصيات الأخرى في الحدث الدرامي وكذلك إبعاد في المجتمع الواقعي، كذلك البعد الوجداني النفسي المتعلق بدوافع الشخصية وطباعها ومشاعرها . ولابد أن تتطور الشخصية تطوراً فنياً متصاعداً .

وهذا يتركز في الشخصية الرئيسية إذا أن الشخصية المركزية التي تسعى وراء هدفها هي التي تدفع بالفعل الدرامي إلى أمام ويحدد لنا ارسطو جملة صفات أو خصائص للشخصية الدرامية وهي :ـ

1- الصلاحية الدرامية .

2- الملائمة أو صدق الدوافع حيث أن ا تفعله مطابق لشخصيتها متماشي مع طبيعة نمطيتها أي أنها تحمل الخصائص العامة لوضعها الوظيفي والطبيعي .

3- مشابهة الواقع إذا تشابه الشخصية المصورة مع الشخصية التقليدية .

4- ثبات الشخصية أي عدم تعرضها للتغيرات المصاحبة لتطور الشخصية .

وعملية رسم الشخصيات ليست بالعملية السهلة فلا بد للكتاب المسرحي أن يكون عارفاً بشخصياته وطباعها .

وأهدافها وطموحاتها، وحتى أمراضها . لكي يتمكن من رسم إبعادها الجسيمة والاجتماعية والنفسية بدقة عالية، وتظهر براعة الكاتب المسرحي حينما نجد أن كل شخصية من شخصياته المسرحية تتصرف بنفسها وتتحدث بلسانها لا بلسان الكاتب نفسه . ولابد للكاتب أن يكون عارفاً بما يريد أن يحمل شخصياته، وبدقة أكثر عارفاً بما تستطيع الشخصية أن تحمل، فإن ما زاد عليها يربكها ويخفي ملامحها، وما نقص عنها يجعلها مبهمة منغلقة . أن الإلمام بدراسة الجانب المادي المتمثل بالكيان الجسماني، يحدد ما من شأنه معرفة كل من (جس الشخصية عمرها، قولها، وزنها، حتى لون الشعر والعيون وأكثر من ذلك العيوب والتأثرات الوراثية، وكل ما له علاقة بسير الحدث وبناء الحبكة، على أن هذه التحديدات تخلق التباين بين الشخصيات, وبما أن الشخصية محصلة البناء المادي المار الذكر مضاف إليه تأثيرات البيئة والمجتمع (مجتمع الحدث المسرحي، فلا بد للكاتب أن يكون على دراية بما للجانب الاجتماعي من أثر في تكوين الشخصية من حيث الطبقة التي تنحدر منها، والعمل والتعلم، والدين والهوايات،والمشاركات السياسية، والمكانة الاجتماعية ولكي يجعل الكاتب شخصياته مقنعة فلا بد من أن يشابهها بالواقع، وهذا ما يسمى (الإيهام بالواقع) الذي تحدث عنه ارسطو) .

 

الدكتور باسم علوان الهاشمي

 

كاظم نعمة اللاميتأليف الكاتب: ابراهيم الحارثي

(من الذي يستطيع أن يترك طفلا وامرأة في هذا المكان الذي تقف على أبوابه شياطين الوحشة و الخوف).

تميزت توهجات الأديب المسرحي العربي إبراهيم الحارثي بسعة الأفق الدرامي الجدلي المتمحور فلسفيا، وهو يناصر الحرية أينما كانت، مستحضرا الواقع باستثمار الميثولوجيا ومتعلقاتها، ناقرا جدارها بمثقب البحث والكشف لكل مستعص شائك، مهاجما بمعول الحضارة العادات والتقاليد البالية الموغلة في اعماق النفس البشرية وسلوكياتها، باعثا رسائله المشفرة من بين طيات سطوره بطريقة التحليل السريري لشخصياته، من خلال بوحها وتنامي وجودها المعرفي الفاعل من ناحيتها، المنفعل من ناحية الآخر، وفقا لنظرية الفعل ورد الفعل، وبكل مرجعياته بطريقة الكشف عن المسكوت عنه واقتحام الممنوع، وذلك بخلق نصوص تنبض بالحركة الداخلية الدافقة الخالصة نحو السيرورات والظواهر النفسجسمانية، مع توثيقه للحقيقة التي لا يريد البعض لها ان تكون حقيقة. لذلك نرى الحارثي مع كل نص يعيش إرهاصات الكاتب الواعي بمحيطه الاجتماعي والمعرفي.

تميزت أغلب أعماله المسرحية بمعالجات ذكية بطريقة (التحليل الرجعي)؛ ونقصد هنا بالتحليل الرجعي: أن هناك حدثا، بل أحداثا جرت قبل بداية العرض النصي، والتي تبنت مسؤولية ما سيجري لاحقا. وهي منهجية كتابية أُعْتُمدت لتُعطي الزمن سيرورته الطبيعية في منح القارئ او المتفرج الفرصة في التفاعل وتبني القناعات الجديدة مع منحه القدرة التأليفية لصياغة ماض غيبي من الأحداث يتكئ عليه النص الناشئ.

ولو ألقينا نظرة مقتضبة على عنوان النص الذي نحن بصدد تحليله لوجدنا ما يعضد هذه القراءة بخصوص جزئية التحليل الرجعي (المشهد الأخير لوداع المهاجرة) أي أن هناك مشاهدا كثيرة سبقت هذا المشهد المعروض في بنية النص. أي أن هناك حياة أخرى في مكان آخر هي من خلقت هذا المشهد الأخير وهي من دفع بالشخصيات لأن تتواجد في ثلاثية موحدة: الزمن، والمكان، والموضوع.. وهذا ما سنفصله لاحقا في قابل تحليلنا.

((من الذي يستطيع أن يترك طفلا وامرأة في هذا المكان الذي تقف على أبوابه شياطين الوحشة و الخوف))

انطلق بنا الحارثي من هذه الخانة الِمحْنَويّة والتي تعكس ردة فعل امرأة بنت ذاك الزمن وكل زمن، عانت الاستلاب الشخصي، والركن في زاوية البيت كقطعة أثاث مهملة، حيث وجدنا أن وجود هذه السيدة في أي وسط اجتماعي يثير إشكاليات عدة، ترتبط إحداها بحيز التهميش القسري للعنصر النسائي في تاريخ الأديان، وبرؤية استعلائية دينية قاصرة للمرأة بنعتها بالأمَة المنبوذة.

وهذا الأمر دفع بالحارثي إلى تحفيز مشرطه الجراحي وتسليط أضواءه الكاشفة اتجاه بعض الأخطاء الشخصية الذاتية في الميثولوجيا التي وجدت طريقها لأن تكون مقدسة يتعبد بها الناس في واقعنا الحالي حيث أصبحت تابوهات مغلقة شأنها شأن رفات القديسين، محاطة بسور عال من الميناتورات المفترسة لكل من يحاول تسلقها، ولا يُسمح بمناقشتها او التشكيك بصاحبها.. وهنا يأتي دور المسرح عموما، والكاتب إبراهيم الحارثي خصوصا في طرق وفتح هذا الباب المُلَغَّم على مصراعيه وإزالة جميع الأسوار المنتصبة بلا وجه حق أو مبرر فكري من أجل الخروج بحقيقة ناصعة.

يتواجد اليوم بين أيدينا نصٌ متوهج للحارثي بعنوان (المشهد الأخير لوداع المهاجرة) وهو النص الحائز على المركز الثالث في مسابقة الهيئة العربية للمسرح/نصوص الكبار. تَعَرّض هذا النص لحادثة تاريخية دينية، بطلاها هاجر وزوجها إبراهيم النبي، بالعرض والطرح والمناقشة كما هي، حادثة يعرفها الكثير، تواجدت بقوة في الميثولوجيا العربية والعالمية ودياناتها المختلفة .. حيث قَدِمَ إبراهيم بزوجته الثانية هاجر بصحبة ابنهما الرضيع من فلسطين الى الحجاز وتركهما هناك لمواجهة مصيرهما بحجة أوامر إلهية أقنعتها كأنثى ساذجة وأقنعت عديد المتعبدين بمثل هذه الروايات. طرح النص هذه الحكاية التاريخية الدينية كما هي مع بث حقيقي لاعتراضات واضحة لهاجر، التي سماها الحارثي بـ (الممثلة) في مقابل تسمية ابراهيم بـ (الممثل)، بانت وتوضحت تلك الاعتراضات من خلال الحوار والمساجلة بين هاجر وزوجها وهي تستشكل عليه هذا القدوم المخزي بقولها ((من الذي يستطيع أن يترك طفلا وامرأة في هذا المكان الذي تقف على أبوابه شياطين الوحشة و الخوف)) .. واستطاع الحارثي بهذه التسمية أي الممثل والممثلة ان يأخذنا بعيدا عن أصل الحكاية ليقول لنا أنها حكاية مر بها أكثرنا وليست واقعة اختص بها إبراهيم وهاجر، بل هي حكاية كل زمن، ولابد لكل زمن من إبراهيم جديد و هاجر جديدة.. إبراهيم لا يجد غضاضة في رمي زوجته في مهب الريح،  وهاجر صابرة محتسبة قد أدمنت الاستسلام للآخر .

ومن طرف خفي اشار الكاتب لحقيقة رائدها عبارة (إياك أعني واسمعي يا جارة) وكأن الحارثي يريد القول: هذا نبي يحظى بقبول الجميع وهو لا يجد حرجا في ترك امرأة ورضيعها في أرض موحشة لم تطأها قدم، فكيف برجال معاصرين مثلكم لا يملكون من الحصانة ما يؤهلهم ليكونوا حضاريين؟ لذلك تميز فعلكم بالتناسل وتحري الموروث الإستعلائي فكنتم نسخا متعددة بهوية واحدة رغم ان أكثركم يحملون لافتات يجوبون بها الأمصار بها تناهض العنف والاستلاب النسائي لشخصياتهن.

حقيقةٌ اجتماعية أراد الحارثي توكيدها في هذا الزمن ملخصها: أن المرأة مجرد دمية لدى السلطة الذكورية وهذا ما كان موجودا في الثقافة التلمودية التي سارت على منوالها الديانات الأخرى في جزئية حقيقة مكانة المرأة لدى مجتمعها، ومنها ذلك التوجه السلبي، فكانت هذه الحقيقة الإجتماعية تدعو الرجل ليقول في صلاته اليومية: الحمد لك يا رب أنك لم تخلقني امرأة، فتردِّد المرأة وراءه في صلاتها خانعة: الحمد لك يا رب أنك خلقتني بحسب مشيئتك!..

المرأة في نظرهم لا تصلح إلا للحب والشهوات رغم كفاحها وملازمتها للرجل في إثبات الذات ومسؤوليتها الكبيرة في البناء الأسري. حتى ان البعض يربط حسن و سوء سلوك الإنسان من عدمه بأمه، فيصف سلبيته وإيجابية من خلال القول (رحم الله/لعن الله حليب امك)، وهو قول دفع الكون بأجمعه على أن يُحَمِّلَها هذه المسؤولية العظيمة، وفي نفس الوقت يحجب عنها شمس القيمة الانسانية الحقيقية التي تستحقها كلبنة  اساسية في البناء.. ومن هذا المنطلق تعامل الممثل وبفوقية ازدرائية مع زوجته الممثلة وابنه الرضيع، والدليل على هذا التعامل الفوقي للممثل وحسب التحليل النفسي لطبيعة الشخصيات في طيات هذا الحوار:

الممثل: كيف تريدين مني أن أكون كما تريدين و أنت..

الممثلة: دخيلة؟؟!!، قل بأني دخيلة جئت بيتك حتى أنجب لك ذكرا ..

فضلا عن هذا الحوار ادعاء الممثل ان القوى الغيبية الإلهية هي من أمره بالقدوم ماثلا بالممثلة وابنهما وزرعهما في أرض لا خضرة فيها، ولا ماء.. وهذا استهتار بالبعد الفيزيقي للمرأة وطبيعتها التكوينية وتعريضها لهذه المعضلات التي تفوق طاقاتها بحجة صناعتها تدويريا وإنتاج امرأة أخرى عظيمة الشأن تحت يافطة الاختبار  والابتلاء، فضلا عن قدرة عجيبة على المواربة وتزييف الحقائق. ونزولا عند التحليل الرجعي للأحداث، والقدرة الفوقية لزوجته الأخرى التي بقيت هناك في المدينة الآهلة بالحياة والنعيم والمسؤولة عن كل ما ترتب في هذه الظروف، فبعد يأسها من الإنجاب يتأكد لنا بأنها هي من ألزم الممثل بالزواج من جارية مهيضة الجناح تكون كالدمية بينهما لتنجب له طفلا، وهي من أشار عليه بنفيها حيث الوحشة .. نعم هي من ارادها دمية يلهوان بها ساعة ويركلانها امتعاضا ساعة اخرى..

من الثوابت العقلية والنقلية في الحكاية الأصلية و نتيجة للمسخ الكلي للمرأة في طيات الرجل وفي ثنايا جبته- كان واضحا أنَّ هاجر لم تعترض، ولم تحاور او تناور بل استقبلت الأمر برحابة صدر، لكن ومن باب درامي إشكالوي مسرحي أخرج الحارثي  لنا صوتها المبحوح على لسان الممثلة، الصوت المعترض الجدلي، صوت الإنسانية، صوت كل القوى المغيبة، وذلك حينما بدأ بعرض المشكلة والعقدة وأسبغ علينا المناقشة بالرأي والرأي الآخر الذي نشط جوانب الحكاية ليتحول الخبر المرسل الى بناء دراماتيكي متقن رصين توهج بشكل تفصيلات وهواجس وسرد ارتكزت بقوة على حجج الممثلة التي أتت دامغة تحكي لسان حال الكثيرات من بنات جنسها، ومنها هذا الحوار:

الممثل: بيننا الرب، يراكم و يضعكم نصب عينيه

الممثلة: (بحزن و بصوت يقطعه لحن البكاء) يا دليلي في هذه الأرض، رحماك و أنت تراني هنا أطوف في ذاتي، أدور كما تدور الرياح التي تُسكن غضب النار، أتلاشى كما تفعل النار التي تحتضن الماء، رحماك و أنت تراني من البعيد ..

هنا أعطى الحارثي إشارة المشاهدَة لهذه القوة العظيمة لحال الممثلة وابنها مع تحديد مكانها بالبعد الذي أتى فوقيا، لكنها لا ترى ساكنا يتحرك ولا متحركا يواصل حركته، فقالت شبه ساخرة (رحماك وأنت تراني من البعيد) بنفس استفزازي وكأنها تحكم على دعائها بالهامشية واللاجدوى، فهي تطلب الرحمة من بعيد يرى، لكنه يتلذذ بهذا الحال في تعكير حياة امرأة وابنها الرضيع تحت شعار الأوامر الألهية

الممثل: الشيطان يتنفس عجزك، و يمرر لك رسائله لتفشلي

الممثلة: الرب يحميك أنت، أما أنا فلست ضمن الأمور التي تكفل بحمايتها، أنا فقط مجرد سامعة طائعة، لو حاولت أن أعترض فأنت ستكون لي بالمرصاد، تقف في وجهي ..

وهنا استطاع الحارثي، و بطريقة الوخز العلاجي، أن يمرر لنا أفكاره وأفكار المتحررين من ربقة الفكر الديني المتشنج الذي جعل الرجل سيفا يرهب فوق رقاب النساء حتى أصبح خضوع وخنوع المرأة أمام الرجل تعبدا. لذلك نخلص بالقول: وفقا للقسرية البغيضة التي تعامل بها الممثل، ومن خلفه القوى الفوقية الغيبية، مع الممثلة، يتفجر تساؤل بقصدية معرفية و بحدس صوفي من اعماق الممثلة ..

((لماذا لم يبقى الممثل مع ابنه ويتكفل برعايته ويعفو الممثلة من هذه المسؤولية الكبيرة او على الأقل يتواجد معهم في نفس المركب لمواجهة أمواج البحر الهائجة؟))؛ لكن الجواب يأتي تحت عنوان الإلتزام بالأوامر دون نقاش. ونتيجة لهذه الأوامر العليا و وجوب احترامها و تنفيذها حرفيا، تتولد الحسرة والحسد لدى الممثلة و بزوغ جزئية حسد القضيب التي ابتليت بها العديد من النساء في أن الرجل هو المفضل لدى القوى الغيبية، ومن جميع النواحي، وما يميزه عنها، خصوصا، وفي كثير من الأحيان هو ذلك الشيء الماكث في منتصفه، وكما وصف فرويد الحالة بـ (حسد القضيب) لتعيش الأنثى في جحيم مستعر من الظنون، وخواء بنات جنسها نتيجة لهذه القسمة الضيزى، وتمنيات واهية بامتلاك هذا الشيء بطرق مختلفة تعكس في النهاية مدى تأثير هذا الواقع على نون النسوة في قمع امكانياتهن العقلية والبدنية من خلال الموروث الديني والاجتماعي البغيض والذي حاول الكثير من المتحررين، ومنهم الحارثي، أن يبددوا الظلمة عن الحقيقة، وإنصاف المرأة .. كما أن الحارثي مرر إلينا حقيقة معتد بها وبطريقته السيميائية في توهج المعنى من خلال العلامات الحثية، تمثلت باعتراض وجودي مفاده (لِمَالمرأة هي من يجب أن تختبر و تجرب و تعاقب بالإزدراء في حال فشلها في التجربة؟ ولِمَ كتب عليها أن تنسى كلمة (لا)، بل يجب أن تكون لاؤها نعم في كل الأحوال لإرضاء الكيان الذكوري العابث؟)

الممثلة:  كل هذه الوحشة ستجعل مني أنثى مختلفة؟

فعلا نجح الكاتب في تضمين هذه الاعتراضات ليقدم لنا وثيقة مهمة تطالب بالحرية، الحرية التي ذُبحت على محراب التدين و الحفاظ على التقاليد.

تموضعت بعض الثيمات الدلالية في النص منتصبة بقوة كطقوس و فعاليات لشعيرة الحج المتعارف عليها كشعيرة طقسية إسلامية والتي أتت تاريخيا من مخرجات ناتجة عن الحادثة نفسها والتي أكدها الكاتب بإمعان واضح لاجتلاب فكري في توثيق هذه الفعاليات الدينية و تواجدها حقيقة في زمن أصل الحكاية. وهي، وإن بدت زحزحة للشمولية وللعمومية الواجب إتيانها في مثل هذا النص المتمرد باتحاذها من الموروث نقطة انطلاق لا نقطة نقاش وختام، أتت بجمالية حوارية قريبة من الشعر نشطت المعنى بشكل ونسق دلالي ممتع، حيث استطاع الكاتب تعديل رؤيته كفرد، خالقا متغيرات وسط تلك الثوابت الموروثة و بمجرد ذكرها في النص، فهو يؤكد سخريته منها لينتقل المفهوم لديه من كونه رؤية ذاتية إطلاق اصطلاحي و إلى معالجة كونية، مع تعدد التبنيات السيميولوجية، والانتقال من مجرد موقف خاص إلى تصور معرفي مشترك. هنا تتأكد القراءة السيميولوجية للموروث، التي تبناها الحارثي بتقصي الإشارات وتحليلها لينتج نصا متسقا مع المتعة و الجمال و اكتشاف الحقائق مع انقلاب على الموروث في المضامين بتمرد موضوعي هويته الوعي وإن بدا للبعض مروقا فكريا... كما أن هذا التحول المفاهيمي لدى الحارثي أكد سيرورة فلسفية راجحة عند  الكاتب مفادها هاجس الإنتقاء الموضوعي بإثارة إشكاليات وإن خرجت عن النسق المعرفي لأصل الموروث، لكنها تعضد الواقعة بما يدعمها فكريا؛ كما يظهر جليا في التالي...

الممثلة: ترمي بالحجارة حولك، سبعة أحجار انطلقت من يدك، ألم يجيء في عقلك ولو خطأ بأن تأخذ حجرا و تهديه لرأسي (تصرخ)  أرغب في الخلاص.

وهي إشارة لرمي الحاج لجمراته السبع باتجاه الشيطان، لكن الممثلة المحت إلى أن هذه الطقوس لا تغني من الأجر شيئا كونك قد اخطأت بحقنا قولا وفعلا فأتت حجاراتك السبع في راسي وانت ترميني هذه الرمية المريرة.

انفصل النص في خطابه الجدلي عن محاكاة الموروث متحولا إلى خطاب الفعل والحركة، وجدلية الوجود الأنثوي القلق وسط الهشيم الذكوري والرجعية المستدامة بكل ألوان الظلم.. هذا الإنفصال أتى من خلال هذه القدرة الواعية لدى الممثلة التي اوهنت دفاعات الممثل فكانت ندا قويا له.. وهي من ساعد النص على السير بمساق دلالي متنوع لتتأكد قيمته كنص مهم فيما احدثته توهجاته السيميائية من أثر في انضاج الحدث وملامحه الدرامية لغاية فكرية عبر تطوير التجربة الحية الملفوظة سلفا ليدفع كل ذلك في اتجاه تطوير تجربته ككاتب يجيد التحدث بلغة المعالجة الحية باقتناص اللمحة بمفهوم التجديد والمعاصرة ليثبت صحة فرضياته التفسيرية من خلال تسليط الضوء على الزوايا المبهمة في شخصية الممثل والممثلة.

ومن هذه الإلتقاطات التي نفذ بها الحارثي إلى المقدس لمناقشة جواز قدسيته من عدمها هو الوقوف عند عتبة الإعجاز، و الكرامات، و القدرة السوبرمانية، وحصرها في شخصيات معينة دون غيرها، حيث استثمر الماء الشحيح الموجود في القربة التي أتى بها الممثل معه ليتركها للممثلة وابنها بعد مغادرته، مما دعا الممثلة لأن تثأر لكرامتها، التي اهدرها الممثل بتصويرها ساذجة حد الغباء بأن لا تقلق من وجع سياط الوحشة وشحة المياه التي في حوزتها.. لذا ردت علية بإثارة مشكلة نصية بقيم دراماتيكية أججت حدة الصراع فأنتجت محنة أخرى شديدة الوطء، وظلا ثقيلا على الممثل وهو يتقلقل بين فكي كماشة زمانية تراثية وزمانية معاصرة أتت بنسق الضرورة والاحتمال.

الممثلة: قربة الماء الصغيرة باتت شحيحة، لم تغمرها الكرامات التي قلت لي عنها ..

وفقا للتراجيديا النموذجية، نرى وعلى الدوام الكاتب إبراهيم الحارثي يقفز عاليا في صناعة توليفة رائدها الخيال بين زمن تراثي وزمن عصري أكدتهما إرادتان: الإرادة الاولى للممثل ببعده التراثي، وهي ما ترتب عن المقدس؛ والإرادة الثانية للممثلة ببعدها العصري، وهي ما ترتب عن وعي الكاتب وإحساسه بمظلومية المرأة.

الممثلة: ماذا سأقول له حينما يسألني عنك !!

ولمنع التوتر الناتج من الصراعات النفسية الداخلية للممثل تراه يلجأ الى ميكانزمات الدفاع النفسي او الحيل العقلية (النكوص / الابدال / التبرير) من خلال أنماط سلوكية حاولت أناته استخدامها  للدفاع عن مرجعياته الفكرية في سبيل إعادة التوازن لشخصيته التي اختل توازنها أمام سيل حجج الممثلة؛ لذلك واجهها بالكذب الجامع للـ (النكوص / الابدال / التبرير) محاولا إقناعها نتيجة لمناعة طبيعية في نفسه بمواجهة الكثير من هكذا مشاكل قبلا وقد خرج منها بنجاح متخذا إزاء ذلك السلوك المناسب للخروج من قضبان الأزمة.

الممثل: قولي له سيعود، اجعلي لسؤاله اليابس جوابا يبلله

الممثلة: لا أعرف هل يمكن أن يستوعب عقله حجم المسافة بيننا خصوصا حين أقول له: تركنا هنا، و سيعود مجددا، لا تقلق يا صغيري !!

هنا ردت الممثلة بصرخة مدوية اتجاه الممثل وفقا للحوار السابق لها وكأنها تقول (وهل تريد ان تجرني لتعلم مواهبك في المواربة والتدليس حينما اقول له تركنا هنا، وسيعود مجددا، لا تقلق يا صغيري).

الممثل: لن يسأل سؤالا شائكا، هو يعلم بأنني سأعود لاحقا

الممثلة: أسئلة الأطفال مصائد للكبار

لتنهي هذه الجزئية من الصراع بقولها وهي تصف كل ما جرى منذ ان حطت رحالهم عند هذه الوحشة (خدعتنا بحلمك يا سيدي). وللعلم، كثيرا ما نراها تردد كلمة سيدي للممثل، وهو ما يؤكد الصراع النفسي الذي تعانيه الممثلة في سقوطها في براثن الازدواجية بين القبول و الرفض، وهي مساحة توقع للكاتب وفق مبدأ الضرورة والاحتمال أوجدها لعلمه بطبيعة المرأة الفيزيقية السايكلوجية.

في رغبة بدت باردة، وتأكدت من سياق الحدث ونتائجه من قبل الممثل، في طلبه لتوديع طفله، والذي حدا بالممثلة لمواجهته بتشكيك ساخن يدين كل رجل يحاول تلميع دوره في الحياة من خلال الكذب والتدليس.. لذلك أجابته بصفعة تحسَسْتُ أثرها على خدي أنا، والكثير من جنسنا الذكوري:

الممثلة: ودِّعْه دون أن تخبره بكذبة أخرى، ليس الوقت صالحا لخديعة أخرى

الممثلة: أنتم الرجال قادرون على الكذب

المُعَوِّل الأساسي على اشتداد الأزمة ونضوجها هو تشظي الشخصيات بتمظهراتها المتحولة في انتاج خط درامي آخر يقود لانفراج تلك الأزمة أو  استمرارها بعمق أكبر يتيح للمتفرج صياغات فكرية من صنعه. ومن بين هذه التشظيات الشخصية، وبعد خسارة الممثل لكثير من دفوعاته في مواجهة الممثلة التي ولَّدَتْ وألحقت به الكثير من الآثار السلبية المروعة و الكوارث الروحية المؤلمة، تحول بعد اليقين بما سيؤول إليه حال الممثلة وابنها في البداية، إلى شاك يخاف الخذلان بعد ذلك، لذا ألَحَّ بالدعاء في محاولة منه للخروج بأقل الخسائر الممكنة... كان في البداية مصرا على عقوبتها والامتثال لأوامر بشرية عليا، ثم تحول إلى الدعاء من أجل تبديد حيرته والنكوص عما أتى به من ظلم لها. ثم التحنن لهما، ثم المكوث معهما، وهنا المفارقة والتحول الكبير الواجب تواجدهما بما ينافي السيرة؛ لكن الحارثي استمر حتى النهاية بإتيان السيرة كما هي بترتيبها المعروف حيث جعل الممثل يكتفي بالدعاء وعودته أدراجه.. وفي رأيي أن الحارثي فضّل الشق الثاني من الحل كي يمعن في الإدانة للرجل وهي الحقيقة الغائية التي خلق من أجلها النص رغم أن نداء الجهد الدرامي يدعو الى تحوير الحل والخاتمة .. وهنا دعونا نرى التحول الذي لازم الممثل في لحظة الشعور بفقدان كل شيء ومحاولة لتلميع الذاب أو على الأقل الهروب من إدانة الممثلة المسمرة:

الممثل: أقسم بك عليك أن ترحمها، و أن تغفر لها سخطها، فأنا الذي أوصلتها إلى هنا

الممثل: يا رب أرجوك ارسل لي صوت ملائكتك

الممثل: رب اجعل هذا بلدا آمنا

في المقابل ما زالت الممثلة ترزح تحت تأثير الممثل رغم انجلاء الغمة وكشف الحقيقة معتقدة حتى آخر لحظة بعد أن غادرها الممثل من غير وداع ولم يستجب لندائها الإنساني معتقدة بأنه سيتراجع عن قراره وسيمكث معهم، وهي نقطة سلبية لاحت شخصية الممثلة بسبب هذا القلق المحبط الذي جعلها تعيش هذه الازدواجية التي هي من سمات المرأة عموما.

الممثلة: انتظرني فقط،  أبحث عن والدك، ربما اتجه ليجلب لنا ماء نستطيع أن نشرب منه ..

الممثلة: لا تبك، قلت لك لا تبك، سيعود والدك سريعا، لن يتركك دون ماء، لا يعقل أن يتركنا دون ماء

المفارقة في الختام أرادها الحارثي دينية بحتة. حيث أن الممثلة طيلة زمن السرد كانت تتوسل من الممثل إسعافها وهي تحايله للبقاء معها، فضلا عن عديد إشاراتها بشِحّة الماء، لكن دون جدوى، حيث لم تجد أذنا صاغية بالتراجع عما أضمره وأراده و لكن، ومع دعائها ورجائها لله، لاحت تباشير الفرح بإنقاذها فأتت النجدة وانبجس الماء من جوف الصخر؛ كل ذلك لدفع المتلقي إلى الإعتقاد بجدوى الإله و أن لا مشيئة إلا مشيئته:

الممثلة: يا رب السموات، يا من يسمع دعائي، أقسمت بك عليك أن ترحمني و ترحم طفلي، يا رب .. يا رب ضائعة أنا، ضائعة فدلني لأقرب باب أستطيع الدخول منه إلى الحياة،  يا رب أعني أن أحمي نفسي و طفلي، يا رب و ابعد ما يؤذينا و آتنا من لدنك رحمة.

عند هذه الإنعطافة الدرامية لم يخرج الكاتب عن مسار الحكاية التاريخية فإبراهيم النبي والممثل كلاهما تركا بضعة منهما عند تخوم هذه الوحشة، و الإنقاذ والنجدة أتيا من رب رحيم وبقدرة غيبية .. كما إن الكاتب لم يدع أو يترك للممثلة خيار الاعتراض في الختام على كل ما جرى لها لتكون بصمة للعنصر النسوي في توثيق الحقائق في الرفض لواقعها المزري، كما في مسرحية بيت الدمية لهنريك آبسن التي وافقت ظروفها بمقاربة نسبية مع ظروف الممثلة والتي أنهت حكايتها بصفق الباب كجملة سيميائية تلميحية بدلالات واعية وإعلان رفضها لهذا الواقع حتى تردد صدى هذه الصفقة في أرجاء أوربا. وفي رأيي ووفقا للقول المأثور (الأعمال بخواتيمها) وهي ما يتمثل في وعي الأنسان والمتلقي ويحارب من اجل المكوث ثابتا في جماليات الذاكرة.. لذلك يجب الاهتمام بجدية بأن تكون الخاتمة غير تقليدية ومغايرة شكلا ومعنى.

في النهاية أجد وبكل ثقة أن الكاتب إبراهيم الحارثي قيمة جمالية كبيرة وهو يقدم لنا ابداعاته الممتعة بنصوص تتحدث عن صاحبها من خلال الألفة التي تجمع القارئ، وأنا أحدهم، مع كافة فرضياته المسرحية والتي تجلت كثيرا طيلة معرفتنا به. كما أنه وبصناعة محترمة وباستحقاق متميز نحت اسمه وسط القامات الفارعة في الوطن العربي تأليفا وإبداعا وأصبح رقما صعبا يزين بيبلوغرافيا الأدب الرصين.

***

بقلم الكاتب / كاظم نعمة اللامي

 

أتخذت رواية (أوراق المجهول)عنونة تقترب من الشجن والضياع؛ لأنها أقترنت بـ (الإوراق) التي تحمل معنى السجل الثابت الدائم، وفي الأحيان اغلبها الغير قابل للتبديل والأختلاف، والمجهول: الذي يحمل معنى الضياع، والرواية جاءت مكونة من(18ورقة).

أما التابو: فهو الممنوع والمحرم، ويمتزج مع سلطة القبيلة ليشكل تابو من أخطر التابوات، ويتفوق على (تابو السياسة، وتابو الدين، وتابو الجنس).

أسهمت سلطة القبيلة بشكل أو بأخر في الوقوف تجاه القانون العام للحياة أو القانون المدني، ألا وهي (سلطة الأعراف والتقاليد والقبيلة)، والتي تتجه نحو نقد القوانيين الدستورية .

و أصبحت الممارسات القبلية،أقرب إِلى أَنَّ تنظم إِلى قائمة التابوات، وفي العراق بصورة خاصة والعالم العربي بصورة عامة نعيش اليوم عصر( تابو القبيلة)، لدرجة أصبح فيها التصدي لهذا التابو يندرج ضمن المحضورات ؛ لأنها من الموضوعات التي يصعب مناقشتها؛ لأنها تقترب من الركائز الثلاث (السلطة،والدين، والعرف العشائري)، واستغل ممارسيها الدين وردائه لفرض وجودهم على الذات والذات الأخرى.

وقد لأتثبت السلطة فرضية وجودها وقمعها إلا عن طريق سلطة القبيلة ونفوذها؛ لأنها تشكل قوة، والقوة تتوفر عند القبيلة، وهي ظاهرة من ظواهر التاريخ وسلسلته المعتمة على الشعوب اغلبها، فالدول الحاكمة تعمد إلى أدخال العناصر جمعيها.

فسلطة الدولة كمشروع تفسح المجال لتدخل العديد مَنْ العناصر، أي ليس فقط (السياسة، الدين، الجنس، القبيلة)، بل الأيديولوجية ككل والفلسفة ومختلف أنواع المذاهب لنجد في كل مرة ينتصر رأي على رأي و تستمر سلاسة الحكم والتسلط، فالسلطة ليست بحاجة إِلى الدين، فهي علاقة لا تمثل علاقة ترابط أو اندماج ؛ وكون الاندماج بمفهومه المتداول في أوساطنا الثقافية يشير إِلى إيدلوجيا توحد بين السلطتين - أي علاقة تبادل مصالح بين سلطة الدين وسلطة القبيلة -، ليجد المستحوذ على الحكم نفسه حاكماً دينياً، وهذا ما يجعل الدين بقبضته ليضطهد ويحكم باسم الدين ككل، فمصلحة الاستبدادي تسير باتجاه مصالحه بالدرجة الأساس، من دون تجاوز هذه المصالح على الذات .

وعليه فسلطة الأعراف والتقاليد والقبيلة ترتبط بالسلطة السياسية والدينية .

عمدت الرواية الى نقد هذه الظاهر السلبية إلى تسير باتجاه السلم التصاعدي،" كان المضيف الكبير على سعته مليئاً بالعمائم والياشماغات والعقل والرؤوس الحاسرة، كانت الوان العمائم وكبرها تشي عمن يلبسها.."، من هنا بدأت الرواية بالنقد المعلن لهذه الظاهرة المجانية.

فقد كان " موت الشيخ الكبير هو الحقيقة التي ستجر وراءها حقائقاً اخرى".

عمدت الرواية الى الأشارة إلى شخصية (الشيخ الكبير) فقط من دون أن نعرف ماهي تسمية هذا الشيخ، والذي بموته ابتدأت الرواية بنسج خيوطها.

إما راضي وفوزية (فوزة)، واخت راضي(خيرية) فقد ضاع حبهم جميعاً، بسبب العرف العشائري" إما راضي وفوزة فلم يعلم بقصة حبهما ولقاءاتهما سواي وخيرية؛لأنهما كانا من عائلتين بينهما مشاحنات وبغضاء ونفور على الرغم من أن جديهما لابيهما أبناء عمومة"، وقصة حمل الزوجة الرابعة للشيخ الكبير، لنكتشف فيما بعد أن اعلانها للحمل كان أكذوبة اتخذتها بغية الحصول على قسط من الأرث الذي كان يملكه الشيخ الكبير، والذي لم يترك لها أي شيء منه؛ لأنه كان يسير تحت سلطة والدته،فضلاً عن أنه لم يمتلك الذرية ؛ لعقمه.

وقد أكتشفت زوجته الرابعة هذا الأمر بعد فوات الأوان، وبعد أن وهبت شبابها لخدمة من اكبر منها سنناً، وغضبها على والديها اللذين لم يخبراها بعقمه بسبب فقر حالهم، فكان زواجها من الشيخ الكبير صفقة لاتعوض.

أضيف، الرواية انطلق مشروع كتابتها من مادة مجانية معاشة في الدول العربية أغلبها، ونجح الروائي في الربط بين قصة الحب والعرف العشائري، وبين استغلال صغار السن من الفتيات الفقيرات وتزوجيهن لكبار السن.

وأهم مااشارت اليه الرواية هي استغلال (الدين وردائه) في فرض السلطة على الذات والذات الأخر، لتنطق الرواية بالقول: " تسليم الراية من سارق إلى سارق".

 

بقلم: د. وسن مرشد.

 

محمد تقي جونالمقدمة: جاء مصطلح (قصيدة النثر) صادماً في المشهد الشعري. فبدا مثل تقبل واقع مرير، أو قرار اضطراري، أو ضرورة لاستمرار الحياة الشعرية. ولا أراها إلا أمراً لابد أن تصل إليه القصيدة العربية لأنها أصبحت منذ العصر العباسي تتحول مضمونا إلى النثر، وبقي الشكل الشعري الذي حوله دعاة قصيدة النثر إلى النثر، فحطموا الجزء الشعري الأهون.

إن الإطار العام لتبرير قصيدة النثر هو تعقل ونضج الإنسانية بعد كدح طويل عاشته بأحادية الطفولة الشعورية. وقد أنتجت في المرحلة الأولى بقدرتها على الغيبوبة الخيالية شعراً خالصاً، كالملاحم الإغريقية والشعر الجاهلي. وحين نضجت لم تقدر على الغيبوبة الخيالية فكتبت شعرا بعقلية نسبية أو بنثرية نسبية؛ فهو غير خالص الشعرية مهما كان تقديره واسم شاعره، وهو المتمثل بشعر العصور الوسطى الغربية والشعر العباسي.

وما زال الشعر تقل نسبته لصالح النثر حتى وصلنا إلى نثر بهيئة الشعر (نثر مشعور) ثم صرنا إلى (شعر منثور) و(قصيدة نثر). وشتان بين الشعرين؛ فالشعور الخالص المتحرر من إملاءات العقل وحده ينتج الشعر الشاعر، أما العقل وكوابحه فهيهات يسمح بالكثير من التحليق. انه المؤشر العام باتجاه انتهاء المرحلة الشعرية وابتداء المرحلة النثرية في العالم كله.

كان الغرب في القديم بالإطلاق يكتب بشعرية خاصة تلائم طبيعة لغاته (المعنوية) وهي التي مثلها الشعر على نمط نشيد الإنشاد ومزامير داود أي بلا قواعد عروضية، فلما أضيفت له القواعد العروضية ولاسيما القافية المستوردة من البلاد العربية صارت تثقله، كما فعلها الشعراء الفرس في العصر العباسي حين كتبوا شعرا فارسيا بعروض عربي[1]، ولم يستقم شعرهم حتى نبذوا تلك القواعد في العصور اللاحقة لعدم انسجامها مع طبيعة وذوق اللغة الفارسية.

وشيء آخر يخص القواعد العروضية، هو ان الشعر غير العربي غير منضبط على الوزن تقول سوزان بيرنار " في الأشعار المغناة، كان نبر الصوت أو النبر القواعدي (الذي يقع على آخر كلمة أو آخر مجموعة كلمات) يختفي لصالح النبر الموسيقي: لقد غنَّت القرون الوسطى كلها أبيات الشعر بالتوقف عند نهاية الشطر والقافية، على الرغم من كل العناصر المنطقية أو الانفعالية"[2]. وهو ما رصده الجاحظ في شعر الفرس " العرب تقطّع الألحانَ الموزونة على الأشعار الموزونة، فتضع موزوناً على موزون، والعجمُ تمطّط الألفاظ فتقبض وتبسُط حتّى تدخل في وزن اللحن فتضعَ موزوناً على غير موزون"[3].

وهذا يعني أن الشعر الأجنبي عموماً بلا عروض أفضل منه بعروض، فكان وصوله إلى قصيدة النثر حتمياً، بينما الشعر العربي بعروض أفضل منه بلا عروض، وإنما صار وصوله إلى قصيدة النثر حتمياً لاستحواذ الأساليب النثرية عليه منذ العصر العباسي واطرادها في العصور التالية.

فثورة النثر متوقعة ومنصفة للتراث الغربي، وقد أنتج الشعر النثري وقصيدة النثر أعظم شعرائهم وأبدع أشعارهم. أما بلادنا العربية فابتدأت بالشعر العروضي واستمرت عليه إلى أعتاب العصر الحديث، وأعظم شعرائه وأبدع قصائده هي العروضية.

كان العصر العباسي عصرا مختلفاً تماماً عن تواريخ العرب، لان زمامه كان بيد العجم، فأضافوا إليه أسلوبهم وذائقة لغتهم (المعنوية) شأن لغات الغرب، وهي ذائقة تختلف عن ذائقة اللغة العربية (اللفظية)، فأنتج المولدون شعراً متدرج النثرية، وقد قالوا: إن دولة بني أمية حلبة الشعراء ودولة بني هاشم حلبة الكتاب[4]. وفيه لاول مرة تطرح تسمية الشعر القديم والشعر الجديد. وقد استحوذ هذا الجديد المولدي (الشعر المتنثر) على المشهد الشعري العربي بعد ان أصبح يمثل ذوق العصر، وصار يستبدل قوالبه الشعرية بقوالب أخرى نثرية حتى صار مملولا ممجوجاً لا روعة فيه، وهبطت أهمية الشعراء لترتفع أهمية الكتاب قال الثعالبي " لا تزال طبقات الكتاب مرتفعة عن طبقات الشعراء"[5] فقد صار النثر أكثر حيوية وصدقا فنيا من (نثر) مختفٍ خلف قناع قصيدة شعر، فانتهى المضمون وبقي الشكل.

لقد صار الوزن والقافية بعدما لم يسيرا ديناميكيا مع نمو القصيدة وتتابع أفكارها بتحليق شعري (رحى تطحن قروناً)[6]، وصارا كالعوارض على المتسابق أن يجتازها ولا يضعها في اهتمامه وهو يريد إكمال طريقه إلى النهاية ويحقق الفوز، بينما كان الوزن والقافية في عصرهما الذهبي من إشراقات القصيدة واهتمام الشاعر، ولا يجود الشعر العربي بدون هذين المحركين. ولابد من بيان ان الوزن لا يقصد به القوالب العروضية المسماة بحورا اذا لم يحقق الشاعر من خلالها موسيقى اضافية تنفخ الروح في الكلمات، وكذلك القافية اذا لم تكن متماهية مع الوزن تاتي باردة وزائدة على الموسيقى بل منشزة وقطعها أفضل. وحتما عدم القدرة على تحقيق الوزن والقافية كما ينبغي اسقط في النثرية ودعا النثريين إلى التخلص من العروض، أو كما تقول بيرنار: الدعوة إلى التفريق بين (الشعر) و(فن نظم الشعر)[7] لعدم إمكان تحقيق شعر بهما من الكثيرين أو الأغلبية؛ فأرنولد ماثيو (ت 1888م) من الشعراء الكبار " لم تتعشق قواعد نظم الشعر مع شعره بشكل جيد"[8]، وكثير من الشعر العباسي جاء العروض فيه بارداً. وهذا بمجمله قاد إلى (قصيدة النثر).

ويرد الدكتور عثمان موافي الخصومة بين القدماء والمحدثين الى محاولة المحدثين الخروج بالشعر عن ميدانه الحقيقي الى ميدان النثر، بإلغاء الفروق الفنية الدقيقة التي تميز كل فن قولي منهما من الآخر"[9].

إذن قصيدة النثر حتمية ونتيجة لإخفاقات ومسببات وتطورات مختلفة جعلت الشعر العروضي يفقد بريقه وجمهوره، وما عادت متطلبات العروض الصعبة يحققها الشعراء بفنية، كالرقصات البدائية التي هجرتها الشعوب المتحضرة لصعوبتها، وصار الشعر بين خيار شعرية عروضية مستهلكة وشعرية غير عروضية حيوية.

يؤشر هذا البحث التحولات النثرية في الشعر العباسي، ويحددها، ويعددها، ليخلص إلى أن الشعر العباسي يعد المقدمة والانطلاقة الحقيقية أو الانحراف الأول الذي أدَى إلى قصيدة النثر العربية وتقبلها؛ لأنه شعر جديد حائد عن الشعرية العربية المتوارثة: الجاهلية والأموية، وان خروجه من قناة الذائقة اللغوية الأجنبية (المولدية) جعله (يتنثر)؛ فاللغات الأجنبية كلها تكتب الشعر بنثرية لاشتغالها على المعاني بشكل أكبر فالتفكير الشعري لديها معنوي، على الضد من التفكير الشعري اللفظي العربي الذي صنع شعراً خالصاً.

وحسبنا أنا أثرنا موضوعا جديداً في الدراسات النقدية، يربط بين الشعر العباسي الذي استحدثته مدرسة المولدين وصار طابع الشعر العربي العباسي وما بعده، وهو مختلف عن المدرسة الجاهلية، وبين اكبر صرخة أو موضة للشعر العربي ممثلة بقصيدة النثر. ويظهر البحث ان الشعر العربي وفق معطيات ما وصل إليه الشعر العربي من تجديد وعالمية صار متقبلا لقصيدة النثر، وربما لو لم تصدر إلينا لاستوردناها نحن أو أحدثناها، وسابقا كان للشعر العربي تجربة تقترب من النثر وهو شعر البند. متمنين أن يغوي هذا البحث لمزيد من الدراسات في جزئيات تخص النثرية في الشعر العربي القديم.

مظاهر النثرية في الشعر العباسي

المعاني والألفاظ غير الشعرية

 قام الشعر العربي الجاهلي والأموي على الألفاظ الجزلة والمعاني المتصلة بها، وكلا الألفاظ والمعاني شعري. الألفاظ مركز الثقل، والمعاني لا يسمح لها بالهبوط إلى الكلام اليومي السوقي، لذا لم تكن معاني الشعر الجاهلي تلك المطروحة في الطريق التي  يعرفها العجميُّ والعربيُّ، والبدويُّ والقرَوي، والمدنيّ، أي العامة، بل هي معان شعرية يعرفها الشعراء فقط ويلبسونها ألفاظها التي تطبعها بطابع الشعر المميز. فالشاعر العربي يكتب شعرا ويتكلم كلاما غير شعري، أي تختلف لغة الشعر عن اللغة الاستهلاكية اليومية. بينما قلت الفوارق بين لغة الشعر ولغة الكلام في العصر العباسي، لذا قال أبو العتاهية : "لو شئت أن أجعل كلامي كله شعراً لفعلت"[10].

 ويرجع سبب هذا الاختلاط إلى صعود النثر مقابلا إبداعياً في العصر العباسي. ويرجع طه حسين سبب ذلك إلى الحياة العقلية في العصر العباسي " أن هذه الحياة العقلية غلَّبت العقل العربي على الخيال العربي، ورفعت شأن النثر على شأن الشعر، وأكثرت الكتاب وقللت الشعراء"[11]. فالنثر صار يلذ العقل والشعور وغلب الشعر في في اخص الأشياء به وهو الموسيقى[12].

وكلما تقدمنا في العصر قوي النثر وضعف الشعر الخالص ليعوض نقصه الشعري بالنثرية. وازدهار النثر الفني أغرى الشعراء بتقليد الكتاب واخذ معانيهم واستعمال أساليبهم. فابن الرومي اخذ معاني الكتاب في وصف الشطرنج واعتمد ألفاظهم في قصيدة له في العتاب[13]. وإذا قرأنا رسالة التربيع والتدوير نحار في مكنة الجاحظ من الهجاء بأكثر من مئة صفحة في كل سطر معنى وصورة تجعل من رسالته ملحمة هجائية وهو ما لا يستطع أي شاعر تحقيقه.

إن قراءة الشعر العباسي تظهر أن غالبيته ينحصر تفكير الشاعر فيه بالمعنى، فهو يقدمه على اللفظ بعكس الشاعر الجاهلي والأموي. وهذا جعله يستخدم ألفاظاً غير جزلة بل حضرية ومولدة ودخيلة وعامية فاثر ذلك في الصياغة الشعرية اذ أصبحت أشعارهم اقرب إلى النثر منها إلى الشعر[14] كقول ابن الرومي:

عَلَّني أحمدٌ من الدُّوشاب       شَربةً بَغَّضَتْ قِنَاعِ الشبابِ

لو تراني وفي يدي قدحُ الدوشاب أبصرتَ بَازيارَ غُرابِ[15]

وجرهم الولوج إلى موضوعات غير شعرية كالتاريخ والفلسفة والتصوف وغيرها إلى استخدام ألفاظ تلك العلوم وأساليبها وهي نثرية بالطبع، فأسقطهم ذلك في النثر وهم لا يشعرون. ومن ذلك استخدام أو تورط الشاعر بتاريخ أحداث عصره وقضاياه كالكاتب والمؤرخ؛ فاثر في صياغته الشعرية وأصابها بعدوى النثرية؛ فالسرد التاريخي يجعل من الشعر اقرب شبها بالمنظومة التاريخية منها بالقصيدة الشعرية"[16]. ومن ذلك منظومة علي بن الجهم في بدء الخلق ومنظومة ابن المعتز في تمجدي أسلافه العباسيين. ولا يقل عنه إيراد أحداث معينة خلال الشعر كقول ابي تمام:

لَهُم يَومُ ذي قارٍ مَضى وَهوَ مُفرَدٌ       وَحيدٌ مِنَ الأَشباهِ لَيسَ لَهُ صَحبُ

بِهِ عَلِمَت صُهبُ الأَعاجِمِ أَنَّهُ        بِهِ أَعرَبَت عَن ذاتِ أَنفُسِها العُربُ

هُوَ المَشهَدُ الفَصلُ الَّذي ما نَجا بِهِ       لِكِسرى بنِ كِسرى لا سَنامٌ وَلا صُلبُ[17]

وفي هذا الصدد يقول أرسطو " إنَّ المؤرخ والشاعر لا يختلفان بأن ما يرويانه منظوم أو منثور، بل يختلفان بأن أحدهما يروي ما يقع على حين أن الآخر يروي ما يجوز وقوعه. ومن هنا كان الشعر اقرب إلى الفلسفة وأسمى مرتبة من التاريخ[18]

ومثله إدخال الفلسفة في الشعر كقصيدة النفس لابن سينا، والحكمة المتسلسلة عند ابي العتاهية وصالح بن عبد القدوس، فالحكمة هي كيلة من العقل ثقيلة تلقى على جناح القصيدة مما يجعلها تسف إلى النثرية. فسوق المواعظ والحكم يكون في لغة تقريرية واضحة، وتعبير صريح مباشر، تعوزه اللمحة الدالة، ويفتقر إلى شيء ليس بالقليل من صفات التعبير الشعري كالإثارة والتفنن في الصياغة والانفعال القوي والعاطفة الصادقة[19]. ومن ذلك حكمية أحمد بن محمد السكري المروزي:

مَن رام طَمْسَ الشمسِ جَهْلاً أخْطَا         الشمسُ بالتَّطْيِين لا تُغطَّى

أحسنُ ما في صفةِ الليل وُجِدْ        الليلُ حُبْلَى ليس يُدْرَى ما يلِد

نال الحمارُ بالسُّقوطِ في الوحَلْ         ما كان يهْوَى ونَجا من العملْ

مَن لم يكنْ في بَيْتِه طعامُ           فما له في مَحْفِل مُقامُ

كان يُقال مَن أتى خُوَانَا              من غير أن يُدْعَى إليه هَانَا[20]

كما أدى الإغراق بالبديع إلى استخدام ألفاظ لا خصوصية لها في الفصاحة والجرس والجمال فبدا الشعر المكتوب بها كأنه نثر خالص ليس فيه من الشعر الا الوزن الظاهري الخالي من الإيقاع كقول ابن الفارض:

نعم بالصبا قلبي صبا لأحبتي         فيا حبذا ذاك الشذا حين هبتَِ

سرت فأسرت للفؤاد غدية         احاديث جيران العذيب فسرتِ

أيا زاجراً حمر الاوارك تارك الموارك من أكوراها كالأريكةِ[21]

 الأوزان غير الشعرية

فرَّق الشعر الجاهلي بين الشعر وغير الشعر في الوزن؛ فجعل للشعر (القريض) الاوزان المعروفة كالطويل والكامل والبسيط...الخ، وجعل لغير الشعر بحر الرجز، توسعا في الشعر لشغفهم به. وانما سموه الرجز بمعنى ان قيمته في الصوت فقط، فكان الراجز يثير اهتمام المقابل بما يضجه من صوت مكثف تخدم الكلمات فيه هذا الضجيج الذي يحدثه تكرار القافية في كل شطر، واختيار حروف شديدة فضلا عن حروف مد لمد الصوت ورفعه. وهو ما انشدوه في الحروب كقول هند بنت عتبة:

نحن بنات طارقْ

نمشي على النمارقْ

والدرُّ في المخانقْ

والمسكُ في المفارقْ

إن تقبلوا نعانقْ

أو تدبروا نفارقْ

فراق غير وامقْ[22]

فواضح أنها اختارت القاف الشديدة، وجعلت القافية مؤسسة لاستخدام حرف ألف المد، وبتكرارها في كل شطر أحدثت الضجة الصوتية المطلوبة في جلب اهتمام الجنود وحثهم، وكانت معاني الأشطار في خدمة الموضوع وتوجيهه. وكذلك جعلوه لقضايا غير شعرية آنية كقول صخر بن الشريد لزوجته حين منعته أن يعطي أخته الخنساء من خيار إبله:

تالله لا أمنحها شرارها

وهي حَصان قد كفتني عارها

وإن هلكتُ مزقت خمارها

واتخذت من شعر صدارها[23]

 وعلة جعل الرجز بحرا لغير الشعر هو كثرة زحافته، وتفريع نغتمه، وعدم رصانة إيقاعه، وهذا كله يجعله أقرب إلى النثر بل يجعله خاصا وخالصا للنثر، لذا لم يعتد به في الجاهلية فما كتب عليه ليس بشعر. وعلى الرغم من تطويله في العصر الأموي وكتابة أراجيز بأغراض الشعر عليه إلا أن طبيعته ظلت على ما هي عليه، فسمي كاتبها راجزا ولم يسمَّ شاعراً، كما تدنت مرتبة الراجز عن مرتبة الشاعر كما قال المعري:

وَلَم أَرقَ في دَرَجاتِ الكَريمِ       وَهَل يَبلُغُ الشاعِرَ الراجِزُ[24]

في العصر العباسي وبسبب الاقتراب من روح النثر كتب الشعراء على بحر الرجز بتغيير طبيعته إلى القريض. وقد فات الشعراء ان القضية ليس تحويل الشطر الواحد إلى شطرين، وانما هي طبيعة وجبلة خلق عليها الرجز هكذا، وانه مهما غيّر يبقى نثرياً، ويسحب كل ما يكتب عليه إلى النثرية، وادخال الرجز في القريض احد أهم أسباب تفشي النثرية في الشعر العباسي. ونلاحظ نثرية هذه الأبيات بسبب كتابتها على بحر الرجز:

ما أجَلُ الهاربِ عنه هارباً       لا بل يَزيدُ طَلباً إذا هَربْ

ما تَبرحُ الآجالُ من مكانِها       فلا تُضِعْ فُرصةَ ذِكرٍ يُكْتَسَبْ

فَخْراً إذا عُدَ أبوه سافراً       حتّى إذا ما ذُكرَ الابِنُ انتقَبْ[25]

فهذه الأبيات لعبت موسيقى الرجز غير الثابتة والرصينة على اضفاء النثرية القوية عليها. وقد ازدهر هذا البحر الجديد فكتب عليه الفحول كابي تمام والبحتري والمتنبي فضلا عن أواسط الشعراء وصغارهم، ولكن المقياس انه لم تشتهر ولا قصيدة واحدة لاي شاعر على هذا البحر. وقد اطرد هذا البحر في الاستعمال مع تقدم العصر حتى كتب عليه ابن المغربي مطولة مشهورة تنيف على مئتي بيت عارضها الشاعر محمد مهدي الجواهري، ومن هذه القصيدة قوله:

يا دبدبه تدبدبي         أنا علي بن المغربي

تأدبي ويحك في         حقِّ أمير العربِ

وأنتِ يا بوقاته         تألفي تركَّبي

وابتدري وهدِّري         ونقِّري وطرِّبي[26]

وفضلا عن تحوير الرجز، فقد ابتدع العباسيون او الاعاجم منهم بحورا جديدة كلها ذات نفس نثري او تحيل بقصر نغمتها إلى النثر وهي كثيرة الا ان المشهور منها والذي ضمه عروض الخليل اربعة: المقتضب، المضارع، المجتث، المتدارك. فهذه البحور ساعدت كثيرا على كتابة شعر نثري بسبب ضعف نغمتها وعدم إمكان الأشعار من التحليق وتحقيق الموسيقى الشعرية الكافية لها. واكثرها نثرية أشهرها وهو بحر الخبب أو المتدارك على اختلاف في التسمية. فموسيقى الخبب تشبه موسيقى الكلام اليومي الذي تقوله العامة بموالاة ساكن فمتحرك في الأكثر وهو ما تحكية تكرار تفعيلة (فعْلن) مثل:

إِن الدنيا قد أَغوتْنا         واستغوتنا واستهوتنا

لسنا نَدرِي ما قدَّمنا         فيها إِلا لو قد مُتنا

يا ابنَ الدنيا مهلاً مهلاً      زِنْ ما يأتي وزناً وزناً

ما من يومٍ يمضي عنا       إِلاَّ أَوْهى منا رُكْنَا[27]

فأنت تحس ان نغمة هذا الشعر تشبه نغمة الكلام اليومي الذي يقال، وهذا يجعله على مستوى الخطاب النثري مهما حاول وضع آليات شعرية لتسمو به كالاستعارة والصورة وغير ذلك.

كما عملت مجزوءات البحور العباسية على إشاعة النثرية لعدم قدرة اغلب الأوزان القصيرة على تحقيق الموسيقى الشعرية المطلوبة، فكان تقصير الإيقاع محبطا ومثبطا للشعر مهما حاول الشاعر وكانت قدرته. وإذا استجابت بعض الأوزان القصيرة كمجزوء الكامل فالأغلب لا يستجيب شعريا كمجزوء الرمل والمديد والخفيف. ومن مجزوء الخفيف المشهور ويبدو فيه الشعر كلاما يوميا قول عبد الله بن الزبير:

اقتلوني ومالكاً         واقتلوا مالكاً معي؟[28]

رتابة  القافية

 " تعمل القافية على زيادة النغم الذي يصنعه الوزن الشعري، وتنظيم وضبط الوزن الشعري من خلال طرقات حرف الروي الثابتة الزمن"[29]. فالقافية جزء من الوزن الا انها جزء مثير ومنظم للايقاع، ولا يستطيع الا الشاعر من استثمار القافية نغمياً بجعلها جزءا من الوزن ومتفاعلة معه ومضيفة اليه, وعدا ذلك تكون مجرد نهاية غير طبيعية للبيت الشعري، ويكون حرف الروي فائضا عن الحاجة او مبعثرا للايقاع. والنوع المطلوب من القوافي يكون صارماً وقوياً ولذيذاً، فالاذن تنتظر القافية بفارغ الصبر لتطرب بضرباتها المدوية في اعماق النفس. ومن امثلة ذلك قول لبيد بن ابي ربيعة:

تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما         وهل أنا إلا من ربيعة أو مضرْ

فإن حان يوماً أن يموت أبوكما         فلا تخمشا وجها ولا تحلقا شعرْ

وقولا هو المرء الذي لا حليفه         أضاع، ولا خان الصديق ولا غدرْ

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما         ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذرْ[30]

وكقول المتنبي:

طَرَدتُ مِن مِصرَ أَيديها بِأَرجُلِها       حَتّى مَرَقنَ بِنا مِن جَوشَ وَالعَلَمِ

تَبري لَهُنَّ نَعامُ الدَوِّ مُسرَجَةً       تُعارِضُ الجُدُلَ المُرخاةَ بِاللُجُمِ

تَخدي الرِكابُ بِنا بيضاً مَشافِرُها       خُضراً فَراسِنُها في الرُغلِ وَاليَنَمِ

مَكعومَةً بِسِياطِ القَومِ نَضرِبُها       عَن مَنبِتِ العُشبِ نَبغي مَنبِتَ الكَرَمِ[31]

فأنت تشاهد القافية قوية مكينة ولذيذة تفعل بالنفس الطرب وكأنها تضيف معنى على المعنى. إلا أن كثيراً من شعراء العصر العباسي لم يستطيعوا تحقيق ذلك كقول أبي العتاهية:

أَينَ الَّذينَ عَهِدتُهُم       قَطَعوا الحَياةَ تَلَذُّذا

دَرَجوا غَداةَ رَماهُمُ       رَيبُ الزَمانِ فَأَنفَذا

سَنَصيرُ أَيضاً مِثلَهُم       عَمّا قَليلٍ هَكَذا

يا هؤلاءِ تَفَكَّروا       لِلمَوتِ يَغدو مَن غَذا[32]

فالقافية كما يبدو بوضح ليست كقافية المتنبي قوة ولذة، بل تأتي وتمر دون أن تحرك المشاعر ولا تؤثر فيها. وهذا البرود جعل القافية كالفاصلة في النثر، وجعل مثل هذا الشعر اقرب إلى النثر منه إلى الشعر. وقد سما النقاد القافية القوية المؤثرة (متمكنة)، والضعيفة (مستدعاة ومجتلبة ونافرة وقلقة) أي انها جلبت رغماً وتكلم ابن ابي الاصبع في ذلك فقال " يمهد الناثر لسجعة فقرته، أو الناظم لقافية بيته، تمهيداً تأتي القافية به متمكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، متعلقاً معناها بمعنى البيت كله تعلقاً تاماً، بحيث لو طرحت من البيت اختل معناه واضطرب مفهومه"[33].

 ان الكثرة الكاثرة تفتقد القافية الشعرية، فقوافيها غير شعرية، ومنها ما هو مكرور مستهلك، كما ان الشاعر العباسي صار يكتب القوافي أولا ثم يكتب الشعر، بينما شعراء العرب كان يقول الشعر وتأتي القافية وحدها بمشيئتها وليس بمشيئة وإرادة الشاعر القسرية. وقد صرح بذلك ابن طباطبا العلوي في كتابه عيار الشعر[34].

تحطيم هندسة الشطرين

 الشطران والقافية الموحدة من أساسات الشعر العربي الذي استقر أفضل صورة يمكن أن تكون عليها الشعر العربي بعد متطاول الزمن، ومن ثم ليس من حق من جاء متأخراً أن يعبث بهذا البناء العملاق المجرب. ان النماذج التي طرحها العباسيون بسبب ضيق الطبيعة او النفس كلها غير شعرية.

 " نظام الشطرين يعني شطر الفكرة إلى شطرين بتناظر وزني تام. وعلة اختيار الشطرين إن الشاعر يبدأ بالفكرة في الشطر الأول فيهيئها ليكملها في الشطر الثاني، كما انه يأخذ نفـَسَه ويستفزُّ قريحته للبحث عن القافية التي سيرشحها تمامُ الفكرة" فكل كلمة في الشطر لها صميمة وحميمة بالشطر الاخر، وهي لا غيرها يجب ان يكون موجوداً، وبهذا فنظام الشطرين يحقق التلاحم الشعري وينضج التفكير الشعري كقول المتنبي:

على قدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ         وتأتي على قدْرِ الكرامِ المكارمُ

فتعظُمُ في عين الصَّغيرِ صغارُها         وتصغر في عين العظيمِ العظائمُ[35]

فكل كلمة في الشطر الأول لها علاقة وتمهيد في الشطر الثاني وكل كلمة في الشطر الثاني فيها كمال وإكمال لكلمة تناظرها في الشطر الأول، ويجتمع الشطران باكتمال فكرة البيت ونضوجه الشعري.

 ونعد تحطيم نظام الشطرين تهديم لركن ركين من الشعرية العربية. وهذا التحطيم مثل الوزن والقافية قد يأتي تحطيماً من الداخل أو الخارج. فكثير من الشعر الذي نعده موزوناً هو بلا غطاء نغمي حقيقي، كالمنظومات التاريخية والنحوية، فهذه فضلا عن بعدها عن روح الشعر لم تحقق الموسيقى الفاعلة بل حظها من الوزن ظاهر البحر الشعري، ومثله القافية. وكذلك نظام الشطرين؛ فهناك قصائد كثيرة ولاسيما المتأخرة حققت الشطرين ولكنها لم تحقق فعل الشطرين الذي ذكرناه، وهو شطر الفكرة والتفاعل بين الشطرين وصولا إلى القافية التي فيها تتم العملية الشعرية كلها او تصل إلى ذروتها.

ما عُبَيْدُ اللّهِ مِمّنْ       نالَ بالعَزْلِ خَساره

هو لم يُعزَلْ ولكنْ       عُزِلَتْ عنه الوِزاره

وكأنّي باللّيالي       ولقد تَكْفي الإشاره[36]

فهذه الأبيات لا يوجد تفاعل بين الفاظ الصدر والعجز، بل هو استرسال في الكلام من الصدر إلى العجز كما يكتب الكاتب نثرا فيسترسل من سطر إلى سطر وكأنه قال (إن عبيد الله) (لم يخسر بعزله) وهذا غير ما ألفناه من نظام الشطرين، فلو قال الشاعر (ما عبيد الله) وسكت لا نتكهن بأي نسبة تكهن بما سيكون عليه العجز لان كلمات العجز لا تتعلق بكلمات الصدر باي نسبة تعلق. بينما لو قال المتنبي (على قدر أهل العزم تأتي العزائم) لتكهنا بنسبة معينة بما سيكون عليه العجز، لوجود تعلق بين كلمات الصدر والعجز. ومن تحطيم نظام الشطرين داخليا اضافة قوافٍ داخلية، فهذه القوافي تشغل عن تفاعلية الشطرين مثل قول الحسين بن علي النحويّ:

طلعت سحراً وبدت قمراً         فبكى درراً لهم الرَّجل

أرقاً قلقاً سئماً ألماً         بهم زمناً فبه الخبل[37]

وجاء تحطيم الشطرين شكلا عبر أشكال عباسية ابتكروها كالمسمط والمربع والمخمس والمزدوج وغيرها.

التقليدية (الإخلاء أو الغسل)

وصل الشعر العباسي في وقت متأخر إلى عتبة مخيفة من عدم الابداع، وهي خلو الشعر من أي صورة ابداعية، لا في لفظ الا معنى ولا اسلوب ولا موسيقى، وكأنه كيان شعري جسدا بلا روح، مثل انسان ميت جسد فارقه الروح. ولاسيما في العصر السلجوقي الذي شهد فيه الشعر كسادا فنيا مريعاً. وقد صار الشعر عبارة عن قوالب جاهزة او كليشهات الا ما قلَّ وندر.

فكثير من القصائد بل الدواوين تجدها فارغة من الابداع، وقد اطلق النقاد على هذه الظاهرة (الإخلاء). وأرادوا به أن الشاعر يأتي بأبيات طويلة لا طائل تحتها. قال البحتري: دعاني علي بن الجهم فمضيت إليه، فأفضنا في أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا أشجع السلمي، فقال لي: إنه يُخلي، وأعادها مراتٍ ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت فكرت في الكلمة، ونظرت في شعر أشجع السلمي، فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولةً ليس فيها بيت رائع، فإذا هو يريد هذا بعينه، أنه يعمل الأبيات فلا يصيب فيها ببيتٍ نادرٍ، كما أن الرامي إذا رمى برشقه فلم يصب فيه بشيءٍ قيل أخلى[38]. وفي قراءتنا لدواوين هذه الحقبة وما بعدها وحتى قصائد من الحقب التي قبلها سنجد شعراً مغسولا كثيراً. وهذا الغسيل الشعري يعني في ابسط توضيح له انه وقع في النثرية، فليس سوى (نثر عروضي) لم ينفعه العروض ولم يضره. ومن ذلك قول ابن سناء الملك:

صحَّ من دهرِنا وفاةُ الحَياءِ       فليَطُلْ منكما بُكَاءُ الوَفاءِ

ولْيَبن ما عقدتُماه من الصبرِ بأَن تَحْلُلا وِكَاءَ البُكَاءِ

وأَهِيَنا الدُّمُوعَ سَكْباً وعَطْلاً وهَبا أَنهن مِثْلُ الهَباءِ

وامْنحا النَّوْمَ كلَّ صبٍّ ينادي       من يُعيرُ الكَرَى ولَوْ بالكِرَاءِ

ليست العينُ منكما لي بِعَيْنٍ       أَو تعاني حَمْلاً لبَعْضِ عنَائي

فقد علق عليها الدكتور عبد العزيز الاهواني بقوله " وحسب الإنسان أن يقرأ هذه الأبيات ليحس أنها في ألفاظها وجملها أشبه بالنثر المنظوم منها بلغة الشعر[39]. والاهواني يجعل شعر ابن سناء الملك والشعر الأيوبي قاطبة ضعيفاً عقيماً[40].

 ويتكلم الفيلسوف جان بول سارتر عن الحدود بين الشاعر والناثر فيقول: " ان الناثر اذا أفرط في تدليل (منح الدلالة) الكلمات فان صورة النثر تتحطم وتقع في الفراغ، واذا تصدى الشاعر للحكاية او للشرح او للتعليم صار الشعر مدموغاً بطابع النثر وحسر دوره"[41].

 

أ. د. محمد تقي جون

.........................

[1] فنون الشعر الفارسي: 13.

[2] قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا، سوزان بيرنار:29. 

[3] البيان والتبيين: 1/ 385

[4] أخبار أبي تمام،أبو بكر الصولي: 109.

[5] نثر النظم وحل العقد، عبد الملك الثعالبي : 6.

[6] الوافي بالوفيات: 1/ 260

[7] قصيدة النثر من بودلير الى أيامنا:33.

[8] دليل القارئ الى الأدب العالمي: 31.

[9]  في نظرية الأدب من قضايا الشعر والنثر في النقد العربي القديم: 1/ 36.

[10] كتاب الأغاني: 4/ 13.

[11] من حديث الشعر والنثر: 54.

[12] من حديث الشعر والنثر: 63.

[13] من حديث الشعر والنثر: 65.

[14] من حديث الشعر والنثر: 135.

[15] ديوان ابن الرومي: 1/ 395.

[16]  في نظرية الأدب: 318.

[17] ديوان أبي تمام: 1/ 187- 188.

[18] فن الشعر كتاب أرسطو طاليس، ترجمة وتحقيق شكري عياد : 64.

[19] في نظرية الأدب: 321.

[20] يتيمة الدهر، الثعالبي: 4/ 100.

[21] ديوان ابن الفارض: 1/ 208، 209، 212.

[22] شرح الأخبار، القاضي النعمان المغربي (ت 363هـ)، تحقيق: محمد الحسيني الجلالي، ط2 (قم، مؤسسة النشر الاسلامي، 1414هـ): 1/ 273.

[23] المحاسن والأضداد، الجاحظ : 123.

[24] لزوم ما لا يلزم:: 2/ 6.

[25] ديوان الارجاني: 1/ 95.

[26] فوات الوفيات: 2/ 100.

[27] رسالة الصاهل والشاحج: 192.

[28] سير اعلام النبلاء:4/ 35.

[29] أنا الشعر- دراسة في أساسات الشعر الجاهلي وصلاحيتها لعصور الشعر العربي: 62.

[30] يتيمة الدهر، الثعالبي: 4/ 100.

[31] شرح ديوان المتنبي: 4/ 287- 288.

[32] ديوان أبي العتاهية: 80.

[33] تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر: 192.

[34] عيار الشعر: 11.

[35] شرح ديوان المتنبي: 4/ 94.

[36] ديوان الارجاني: 1/ 368.

[37] الوافي بالوفيات: 13/ 11.

[38] أخبار أبي تمام،أبو بكر الصولي (ت 335هـ)، تحقيق: خليل محمود عساكر وآخران (بيروت، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع): : 63.

[39] ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر، د. عبد العزيز الاهواني (بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1986): 43- 44.

[40] ابن سناء الملك ومشكلة العقم والابتكار في الشعر: 17.

[41] ما الأدب، جان بول سارتر، ترجمة: محمد غنيمي هلال (القاهرة، مكتبة الانجلو المصرية، 1961): 44.

 

خالد جودة احمدللناقد "د. أحمد يحيى علي" تعبيره اللطيف حول قضية (المتن / الهامش) قائلًا: "حياتنا مثل صفحة كتاب ... في هذه الصفحة تجد تقسيمًا لها –في الغالب- إلي متن وهامش".ويستعرض خصائص كل نوع منهما وارتباطهما ببعضهما البعض، يقول "بتصرف": "هذا الهامش كما هو معلوم أسفل الصفحة وبخط أصغر من خط المتن، حتي يتسني للعين القارئة أن تركز عدستها الرائية علي المتن أكثر (..) هكذا الحياة وما فيها من بشر تنقسم إلي أناس يعيشون في دائرة الضوء ينعمون بالاستقرار والنعيم والراحة، وإلي جوارهم في الصفحة نفسها مجموعة أخرى تم إقصائها ليسكنوا في منطقة الهامش، لا ينظر إليهم ولا يعبأ بهم كثيرًا". ويتابع في تصوره الطريف الموجع في تفسير هذه الملحمة المأساوية، وهذا الإقصاء والتوحش، يقول: "ولعل السر في هذا الحال السلبي يعود –بدرجة كبيرة- إلي هذا الخط السميك الذي يفصل بين المنطقتين داخل الصفحة .. إنه خط مأساوي شديد القسوة يكتم صوت الصرخات ونداءات الاستغاثة الصادرة عن هؤلاء المهمشين ويحجب رؤيتهم".

والهامش تتقزم أحلامه وتتلاشي -إذا وجدت له أحلام في الأساس- لهذا أتي التحديث في الأدب المعاصر بفكرة "أدب الهامش"، وهو في حقيقته رؤية مغايرة يجعل من هذا الهامش الإجتماعي المتن الإبداعي ذاته، بتوجيه الضوء إلي هذه الطبقة المسجونة تحت الخط الغليظ أسفل الصفحة، أو بتعبير الناقد عن الفن: "الذي يحاول أن يدغدغ هذا الخط الفاصل الذي يحجب رؤية البعض لهم، يعبر عنهم في تحقيق فني". ونأتي لتطبيقات حول المفهوم:

- ان الفكر العربي في التأليف في العهد الزاهر ساوى بين المتن وما يستتبعه بطريقة "قول علي قول"، أو مفهوم اراه في المجايلة البناءة، حيث يبني اللاحق علي النتائج المحققة بواسطة الجيل السابق له (نفي فكرة الجيل يتيم الأساتذة)، فكانت الحاشية علي المتن، وتحققت المساواة بين "المتن" الذي مثل الأصل المقدر وموضع المراجعة والتفسير، وبين "حاشية" تأخذ المتن لرحاب تثمير جديد.

- وفي تطبيق آخر نجد تحرير مفهومي: "التعددية الثقافية" و "التنوع الثقافي"، فصفحة الحياة تشمل مجتمعات متباينة لها سماتها وحياتها الخاصة، وهذه التعددية الثقافية في إطار كون الثقافة طريقة فهم للحياة تؤثر في منتوجات هذه الحياة في جميع المجالات في الوقت نفسه. لكن تلك التعددية قاصرة في ذاتها إذا لم يتم تطويرها لتحقق التنوع الثقافي، والمفهوم الأخير في حقيقته هو تعددية ثقافية منضبطة تنفي الإقصاء والتهميش. ونستعين في إيضاح الفكرة بنموذج "الشللية الضارة" في شتي مناحي الحياة، أو فكرة "الأقليات المتساندة"، وهي أقليات لأنها متلاشية متآكلة كقطعة ثلج ذائبة، لا تجتذب أحدا وبلا قيمة، بداية لأنها تستعلي علي الآخر لمجرد أن له رأيًا مختلفًا، وتحاول الطعن بكل السبل في أصالته، والتدنية من شأنه، وتشويهه، وبث ترويج إعلامي يطلق عواصف الغبار والدخان حول منجزه، وتبتكر المبررات الخاصة بها والمخدرة حتي لا تقف هذه الفئة أمام ذاتها العارية من دعاوي إنصافها للآخر، وقشرة ثقافتها التي تغلف قلب مر وضمير أسود.

- وتطبيق آخر حول أن الوسائط التكنولوجية الحديثة كسرت الخط الغليظ الفاصل بين المتن الثقافي المستعلي والمهيمن علي منابر المعرفة والنشر والإعلام، وبين هامش ثقافي يحاول أن يبزغ فجره من أسفل الفاصل الغليظ، هذا رغم آفة الوسيط في شأن حفظ الملكية الفكرية، وهل من شيء ليس له آفة، ولكن السكوت أشد من آفة البوح.

- التطبيق الرابع من رحاب الحراك في صفحة الحياة، أن بعضًا من سكان الهامش قد يتسربون للمتن، كنبات كريم –لا يذبح مبادئه- يجتهد ليؤسس ذاته، ويحقق معني تنمية الحياة، فتسعي "الصفوة" إلي سحق هؤلاء المتسللين، وإعادتهم مرة أخرى للهامش دون الخط الثقيل، من خلال فعل سلبي يحمل رسالة مضمرة تقول لا تنسوا أنكم متسربين وأن دوركم فقط يقتصر أن تكونوا جمهورًا للمتن يسبح بمزاياه، ومرجعًا دالًا عليه، فلستم بشعب في أي سياق للتاريخ أو الصفحة.

- التطبيق الخامس وجدته في رحاب نصوص من أدب الخيال العلمي، حيث يتجسد الخط الفاصل الغليظ ليشكل أسوارًا في المستقبل طبقًا لخيال كتاب هذا النوع الأدبي، بحيث أصبح ظاهرة مستقرة، ومنها روايات "يوتوبيا" للراحل "د. أحمد خالد توفيق"، ورواية "مدن السور" للروائية "هاله البدري"، ورواية "ملاذ – مدينة البعث" للروائي الشاب "أحمد المهدي"، ورواية "2063" للروائي الشاب "معتز حسانين".

 

خالد جودة أحمد

 

احمد الشيخاويداخل كواليس هذه المسودة، يبدو الشاعر المصري عصام سامي ناجي، ملتزما بالطقس الغنائي، الواخز بخريفية الذات وجحيميتها، كأنما يحاول إيجاد معنى ليأسنا العربي، تحت نير ما يهزّ أوطاننا من زلازل سياسية، من الطبيعي أن يكون وقعها، وقياسها في سلمّ ريختر، أصعق وأقوى، بالنسبة لقلب الأمة النابضة، أرض الكنانة مصر، أبني زعمي هذا على أسّ تاريخي، يفتي بدور مصر في رفع راهن الذل والهوان، عن بقية بقاع العروبة، من الهامش إلى المركز، ومن المحيط إلى الخليج.

يأس طال، وبديهي ألاّ يناطح بسوى الهروب الضمني، إذ يضمنه تعاطي الإبداع إجمالا، بغية التقعيد لثقافة نضالية توبّخ عالم السلبية والنقصان، وتتّهم الزعامة المؤلّهة .

كتابة تستثمر في شتى دوال الثوري، المانح انطباعات مراوغة، تفيد ظاهريا نبرة الانهزامية والاستسلام، بيد أنها في العمق، تناور بذات واعية ومتصالحة، تمرّر الرؤى على نحو مموه، يلبس مختلف الأقنعة، كي يحافظ على مسافة كافية ما بين واقع هذه الهزّة الوجودية وصفحات اللغة المبطّنة بفلسفة الحلم.

 يقول في موضع ما، من سردية تعلن تهادي الذات، وتقاذف أضرب المعاناة لها، ثقافية وأيديولوجية ومجتمعية، مثالب تثري ريش طائر الشؤم والفتن، المتربّص بسماء عروبتنا:

[هل يأتي يومٌ ونُكسّرُ

 تلك الأغلالَ الوهميّةْ

ونعودُ لذاكرةِ الدنيا

نحملُ عنوانــًا وهويّةْ

نرفعُ راياتٍ قد سقطَت..

نزرعُ أشجارَ الحريّـة.

ونزيلُ ستائرَ أعمتنا

في زمنِ الفِـتَـن العربيةْ ](1).

من خلفية اليأس المفرط، مذيلا بإرخاء فصول النزوع صوب ما هو إنساني، راشقا بالحلمية، فوق منصّة لا تعترف بغير منطق إحراق الشعر واستنفاذه، ليكون في مستوى هذا التجاوز، وعلى درجة هذه الموسوعة من اغتيال مواطن الجمال والنبل والهشاشة فينا.

تتفتّق الأسئلة، قلقا وتشكيكا، بحبر الكوميديا السوداء، العاكسة لانكتاب هوياتي، عند أقصى حدود الأزمة، في تغلّفها، بمعجم عمى الألوان.

يردف شاعرنا، في مناسبة أخرى، لسرد وجع ذات تلتحم بأسباب محاباة الجذر، وتسارع الانشغالات النرجسية باتجاه تصاعدي، تحاول من خلاله تلقّف انتساب عروبي بلبوس إنساني انتهاء، يقول:

[عبثا تحاولُ أن تقدّمَ أجْوِبهْ

والكاذبُ الدجالُ

قد وهبَ القيودَ لمن يشاءْ

هل تجرؤ الآنَ علي رفض الهبهْ

قامرت بالحُلمِ المزخرفِ بالدِّما

من أجلِ بعضِ الأتربهْ.

والآن يرتعُ في دِمانا

الهمُّ

والأشباحُ

والجُرْذَانُ

والفتاوى المُرعبهْ

يأيها الوطنُ المُسجّى من عقودٍ

عُد لنا

أو كُن هنا

فالفارسُ العربيُّ باع حصانهُ ] (2).

ويقول ذودا عن أحقية الكائن المضطهد، في التشبث بثقافة الحلم، ونسج الملمح الوجودي، بألوانه الزاهية وإن تك بإسفاف ومبالغة في منافقة الذات المجلودة، واختراع سلال التحايل على أوراق الآني الدامي:

[رغم البنادقِ والمشانقِ

واختلاسِ الحُلم يا وطني الحزين

ستظل مرفوع الجبينْ

سيظل وجهُك قبلةً للعاشقين

سيظل اسمك في الورى

سلوى الحيارى المتعبينْ ] (3).

دوما، ضمن شخصية عصام سامي ناجي، الإبداعية، ترمي بثقلها فكرة الهدم الباني، بحيث لا تتحقق قفلة القصة لديه، قصة اغتصاب الهوية، بما ينقد دورنا الفرجوي الذي نجابهه بها، وتكتمل خيوطها، إلاّ داخل خطاب ما بعدية حرق القصائد، وتأمّل رماد الشعر:

[بدون وجودك

سيدتي

سأظل أعاني

أتمزق .......

يحترقُ فوادي / وجداني

فتعالي كي نكمل قصتنا

نعشق بتفاني

من أجلكِ أتنفس عشقا

وتسير دمائي بشرياني

وجهٌ يترعرعُ في ذاتي

يجتاحُ كياني

قد أيأس من كل الدنيا

لكني لن أسأم منكِ

فملاذي أنتِ وعنواني ] (4).

ذات مكبّلة بإلزامية الحلمية، المقترحة لنوبات انفلات وتملّص من إسمنتية الواقع، وعزفه على أوتار مآسينا.

تنذر للنار تشظّيات ذات الذات، وفق أسلوب مركّب يضاعف العزلة والأزمة والمعاناة.

المهمّ أن تكسب الذات الشاعرة، من هذا القربان، قسطا يدفع فهم الشعر على أنه ترف وافتقار إلى حرارة وصدق التجربة.

هذا الفهم المغلوط الذي يخوّل للحلم، صولة واهمة، غالبا ما تهبّ وتلفح بحسيسها الحارق، وتشرب جوهر وجودنا العربي المتسربل بنبض إنساني صرف.

كتابة وإن توعّكت بكمّ من الثغرات، كالزوائد اللغوية، وشحّ التصوير، وهيمنة الجرد اليباس والجاف لأحداث مصادرة الفكر وضياع العمر العربيين، بيد أنها استطاعت نوعا ما، تصحيح مثل هذه المغالطات، ومكّنت لتمريرات تعبيرية ترصد الشرخ، وتتصادى مع قضايا العروبة في هويتها الإنسانية، وموسوعية رؤاها المباغتة.

[ويعود التاريخُ بروما

وبنيرون لكي يحرقها

وبهولاكو في بغدادْ

الليلُ أراهُ

على أوراقي

أمس جدودي

وعيون الأحفادْ

هل حُسنُ النيـّةِ يا وطني؟

لن تجدي حسن نواياكْ

ودماؤك يرتعُ فيها الليل الأفاك ](5).

تفسد واو العطف صفحات الشعر، ويبقى استخدامها ههنا، ضرورة قصوى، كون هذه اللمسة إنّما عمّقت من دلالة الخيط الناظم ما بين عتبة المجموعة، وسائر ما يتفرّع عنها من أفكار مؤثثة لبؤر هذه المعالجة المقصودة والممعنة في الجرح العربي وقد نتن قيحه حدّا، يفجّر أبشع صور الابتزاز، تماهيا مع ثالوث هوياتي تاريخي ذاكراتي.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

..................

هامش:

(1) من نص الصبح الأرمد.

(2) من نص عبثا نحاول.

(3) من نص اختلاس الحلم.

(4) من نص تعالي نكمل قصّتنا.

(5) من نص وطن وتاريخ وليل.

 

جمعة عبد اللهالاديب يمتلك القدرة والمهارة في تنوع اساليبه الابداعية في أصناف واشكال السرد القصصي، في الاتجاه تدعيم رؤيته الفكرية في المتن النص، في الدلالة التعبيرية الدالة، ان يؤطرالنص في الابعاد الرمزية البليغة، في الايماء والايحاء والمغزى، في اسلوبية واضحة يقدمها الى القارئ، بوضوح التعبير الرمزي الدال، في متانة الصياغة في الحبكة الفنية، في التكثيف والتركيز، على تجليات المعنى التعبير الرمزي، في ابتكار حكاية شعبية وتوظيفها، في تسليط الضوء الكاشف في تعرية ماهية الدولة الشمولية ومقوماتها، واسلوب تعاملها مع المواطن . وكذلك تسليط مخالبها الضارية عليه، لتنزع منه ادق تفاصيل خصوصيات حياته الخاصة، في الانتهاك والاستحواذ، وسلب قيمته الانسانية، حتى تركيعه بأذلال، ليكون تابع ذليل، ذيل خانع ومطيع للنظام الدكتاتوري الطاغي، ليتجرع مرارة وقسوة النهج المتسلط في الارهاب والبطش، حتى يجرده من كرامته وانسانيته . ليكون بوق ذليل يمجد بالعظمة والتقديس، نظام دولة العائلة المتوارث، الذي يرث الحكم بالوراثة لعقود طويلة من السنين . حيث (تذهب اجيال وتورثها اجيال، والحكم ثابت الاباء يورثون الحكم للاولاد والاحفاد، شعب يطيع ملوكه الى حد العبادة، فله الارض والثروة، وله على الارواح والاملاك السيادة) بهذه البراعة يوظف بؤرة النص السردي، بحكاية شعبية، يبتكرها ويصوغها لتتناسب مع الواقع الدولة الدكتاتورية بدون رتوش، في التحليل والتشخيص اساليبه ونهجه الباطش ضد المواطنين، بأن يصبح الدكتاتور (الملك العظيم) في شريعة الامتلاك الشامل (أنا الدولة والدولة أنا) . هذا الواقع في دلالته الفعلية، كما كان الحكم الشمولي بالامس، وكذلك اليوم يستنسخ صيغته بطبعة رديئة وسخيفة بالمهازل والمهاترات الوقحة والصلفة، على حساب المواطن . هذا التوظيف الفعلي لدلالة الرمز وتعابيره البليغة، وهي لا تنفصل عن ممارسات الامس واليوم، ولكن ألاساليب تتغير والاقنعة تتبدل، حسب المناخ السياسي العام والسائد، في استخدام اسلوب القمع والترهيب، اسلوب القتل والزنازين والسراديب الموت . حتى يفرض ارادته بالقوة الغاشمة . نظام يعتمد على قبضة الاذلال والتركيع للمواطن، حتى يكون تابع ذليل، لا يعرف سوى لغة التمجيد والتعظيم والتهليل والتطبيل، للملك المعظم (القائد المقدس) يلوكها بمناسبة او غير مناسبة . ان تكون مقاييس المواطن الصالح، حسب طول وقصر ذيله في مؤخرته، وكلما كبر ذيله في مؤخرته، عظم شأنه بالاخلاص والوفاء والطاعة العمياء، كلما اقترب من النظام الباطش، ويغدق عليه المنح والهدايا المالية والمناصب، لذلك فالمواطن في دولة العائلة الاستبدادية، يقاس بذيله في مؤخرته . وهذا يدل في بعده الرمزي، بأن المواطن محاصر بخناق، بطوق حديدي مطوق حول عنقه كحبل المشنقة من حكم (ملك الزمان . المختار بأمر بالله) . وما على المواطن إلا ان يسلم بجلده ويحفظ عنقه من حبل المشنقة، ان يضع ذيلاً في مؤخرته . هذه براعة الخيال الفني، بأعادة صياغة الواقع من خلال الرؤية الفكرية، التي تستند على الحكاية الشعبية، المبتكرة، بناصية الابداع المتمكن، ولاسيما وان الاديب من خلال تجربته الابداعية في الادب وفي سوح النضال ، اتخذ طريق الكفاح طريقاً ومنهج سلوك، يكافح من اجل الانسان وللانسان والى الانسان، خلال عمره الطويل . في فضح الاساليب الدكتاتورية بالامس واليوم، بأن يجعلوا المواطن عبداً ذليلاً مهاناً، يلهث وراء الخبز المر .لذلك يتوسع من ناحية الكشف، ابعاد هذه التعرية للانظمة الدكتاتورية التي تتناسخ وتتوارث بوجه ذئب شرس، او بالنفاق والاحتيال في اظهار الوجه الوديع، ولكن يكمن في داخله ذئب ضاري وشرس وجشع، هذا المعنى الدال في دولة الذيول، التي تتناسخ وتتفقس بيوضها الثعبانية، مرة بالزي الزيوتي، ومرة في جبة العمامة الدينية . الشكل يتغير والمضمون والجوهر ثابت لا يتغير . ولكشف ماهية دولة العائلة والملك المعظم، يحاول صحفي مغامر من العالم الديموقراطي، ان يقتحم عرين دولة مملكة الحكم الشمولي، ويوافق على الشروط يفرضونها عليه، واية مخالفة لخرق الاتفاق، يكون رأسه ثمناً للمخالفة التعليمات . اول ما يجد في جولته في مملكة الملك المعظم، ان الحرس والامن والمواطنين، لهم ذيول في مؤخراتهم . وهذا الترميز، يدل على بشاعة التبعية والركوع والمهانة، في الدولة الطاغية التي يحرسها (التيوس) من اصحاب اللحى الطويلة بذيولهم الطويلة . كما يكشف الصحفي، عن قيام عمليات غسل الادمغة، بالتربية الجديدة والتدريب القائم على قدم وساق . من اجل اظهار الذيول في مؤخرات المواطنين . اما الطائفة المنبوذة، التي لم تظهر الذيول في مؤخراتهم، يعتبرونها طائفة (الشواذ) المنبوذين، الذين لاحق لهم العيش والحياة في دولة الذيول، في دولة الملك المعظم (المنصور بالله) . في هذه الدولة التي تعتبر عيدها الكبير والعظيم في في الاول من نيسان !! عيد ميلاد الملك المعظم والمقدس (لذلك يحتفل ليوم محدد من كل عام، هو الاول من نيسان، كعيد ميلاد الملك، يحتفل به عموم المملكة من اقصاها الى اقصاها، فتتعطل الدوائر الرسمية والمعامل وتتعطل كافة الاعمال ليوم واحد ....) . وكذلك يعرج المتن السردي في تناول زمر من بعض الكتاب المطبلين في حفلات الاعلام التهريجي، المطعون بهزالة السخف التافه والهزيل من النفاق الانتهازي . وهو يقصد الاعلام المأجور، المكرس لتبجيل القائد المقدس والمعظم . ايضاً لهذه الزمر والشراذم لهم درجات في تصنيف صفاتهم واسماءهم واعمالهم ومهامهم حسب خدمته الذيلية للنظام ورأس النظام في مملكة الذيول (ما سميت قطعان (الكلاب النابحة) مهمتها، ترديد التهم والشتائم للاعداء، كما يشخصهم الملك، وهناك قطعان (القردة) فمهمتها ان تلهج بأسم الملك، وتتدرب وتدرب الناس على اساليب الخضوع واستجداء عطف الملك واسعاده واضحاكه.. وهناك قطيع (الثعالب) و(الخيول) و(الذئاب) .... الخ) اما قطيع (الغزلان) فهي تتكون من اجمل نساء المملكة (فمهنتن أسعاد الملك واسرته وتلبية رغباتهم وطلباتهم، في اي وقت، وفي أي مكان لهم وحدهم لا شريك لهم) يعني بالقلم العريض الدعارة تحت شريعة دولة الذيول . اما (التيوس) فهي مهمتها حفظ أمن وسلامة (التيس الكبير والعظيم) فهم حراسه الامناء . أما طائفة (الشواذ) والشاذين فهم الطائفة من المغضوبين عليهم، وهي الطائفة المنبوذة في المملكة، لا يحق لها العيش والحياة، لانها لا تملك ذيول في مؤخراتها، ويجب التخلص منها وتطهير المملكة من هذه الطائفة الشاذة والمنبوذة، التي لا تؤدي فروض الطاعة والسجود والصلاة للتيس العظيم، لذلك قرر الملك العظيم، لابد من التخلص منهم، عبر اتفاقية المقايضة، او عقد اتفاقية المقايضة (بعقد اتفاقية طويلة المدى لمقايضة شواذ مملكة (الذيول) مع ممالك (الشواذ) في العالم، ببضائع تسد حاجة الملك العظيم... لتحتفل كل قطعان بهذا المنجز العظيم، وخلاصهم من الشواذ، اول بأول من آلآن فصاعداً..) بهذه السخرية التهكمية في التراجيدية الكوميدية . يقدم لنا الاديب روعته في شغاف التعبير الرمز البليغ والدال في اشارته التعبيرية

 

 جمعة عبدالله

 

641 طلال الغواروسط موجة الكتابات الشعرية، المتفاوتة في جودتها وبنيتها النصية، ومفردات الشعرية الحسية، وانزياحاتها، وأوزانها وقوافيها، وصورها، ورؤاها،وثيماتها، ووحدة موضوعاتها،حتى صار أمر الحصول على نصوص شعرية تمتلك الجودة العالية أمر يحتاج إلى فحص وتمحيص وتدقيق ، ورغم وجود نخبة طيبة من الشعراء امتلكوا ناصية التكوين الشعري وتشكيله وفق سياقه الفني الصحيح، وعبر مساره الصحيح النابع من وعي وخبرة ودراية الشاعر بأدوات بناء القصيدة، سواء كانت تلك القصيدة عمودية أو تفعيلة أو نثرية، ولكل نمط من هذه الأنماط أدواته الأساسية التي تشكل بناء النص،ولم يتوقف الأمر إلى هذا الحد، فلا يعني إجادة بناء القصيدة الأمر الضروري الذي يتطلب من الشاعر إتقانه، وإنما الأهم من ذلك هو ملاحقة موجة التطور الحاصل في تلك الأنماط الشعرية، واللحاق  بها والسير معها، وفي المجموعة الشعرية (احتفاء بصباحات شاغرة) للشاعر طلال الغوّار، نحصل على هذا النموذج الذي ينتمي الى تلك النخبة التي خبرت فن صناعة القصيدة بكل أنماطها، فهو يقدم لنا القصيدة العمودية، وقصيدة النثر، بشكلها وتكوينها وبناءها الذي يمنحها بكل جدارة روح الشعر وعالمه وكل ما يتعلق بتدوين القصيدة، ومن الجدير بالذكر وكما أشرت في جلسات أدبية متعددة،أن من يمر على صياغة القصيدة العمودية التي تعتمد على الوزن والقافية والبحور والإيقاع والموسيقى، وكذلك من يمر على قصيدة التفعيلة، سيكون موفقاً تماماً في امتلاك مقومات صناعة قصيدة النثر بشعريتها وإحساسها وإيقاعها وموسيقاها، لأنه قد نمى الذائقة الشعرية داخله وصارت المفردة أينما وجدت وأينما كتبت تمتلك هذا الحس الشعري العميق المتأصل والناتج عن تلك التجربة، وهكذا فإننا نجد في هذه النصوص هذه السمات التي منحتها صفة القصيدة الشعرية، كون الشاعر طلال الغوّار لم ينحرف من كونه شاعر لكل أنماط الشعر، وأنه يستطيع تدوين أي نص شعري وفق متطلبات بناءه، حيث ما اقتضت الضرورة لذلك، هذه الثيمة، وهذا الموضوع، وتلك الإنثيالات الشعرية المتدفقة لا يمكن أن تصل إلا بقصيدة عمودية موزونة، وتلك الفكرية وتلك الانطلاقات الحسية الشعرية لا يمكن لها إلا أن تكون قصيدة نثر، وهكذا هو الشاعر يتحكم بأدواته التي تشكل بناء النص وفق ما يجده ضمن السياق الفني الصحيح، فتوافدت الى هذه النصوص الثيمات، والتدفقات الشعرية والهواجس الحسية الشفافة، لتتشكل وتتنوع وكأنها باقة ورد تحمل جميع الألوان وتعبق بكل العطور، حيث نجد طواف واسع وكبير لكل نواحي الحياة، وتداعيات كبيرة وكثيرة تتعلق بالحب، والشوق، والهيام، والوله،وكذلك نجد تداعيات الذات المنكسرة التي تتأسى على ما حل بنظام الحياة القويم، وفي البلد، وفي بغداد،وحتى في العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، ويمر على الفساد والخراب، ويدعوا إلى صباحات مشرقة ويتوق للوصول إليها، وهكذا فإننا سوف نشهد طواف متسع يحمل تنوع كبير، ولكنه لا يخرج عن واحة الشعر الأصيل الذي يناسبه بإيقاعه وموسيقاه وهو يخرج من الوجدان ليدخل الوجدان، وها نحن نشاركه هذا الطواف، حيث نقف مع قصيدة (بغداد) التي حملت شحنة من الأسى والألم لما وصلت إليه:

أما آن لي

أن أكسر عروة مساءاتكِ

فأرى دجلةَ

تفتحُ أحلامها

في كتاب الضفاف

أما آن لي

أن أرى

جسرك الممتدُ من قلبي

إلى رصافة أحلامكِ

يستعيد عشاقه

وفي القصيدة الشعرية القصيرة (شوق) نجده أيضاً يناجي قريته بعد عودة من غياب طويل:

كلما جئت قريتي

اقتادتني خطايَ

إلى طفل ما زال ينتظرني

خلف شجرة

منذ خمسين عام

لكني لا أراه

كما أود أن أشير هنا إلى أن خير من ينسج قصائد الغزل، والحب، والشوق،والانثيالات الوجدانية التي تتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة، هو الشاعر طلال الغوّار، كوننا نحسها انطلاقة حسية عاطفية مفعمة بالأحاسيس الجياشة التي تتصل بهذا الجانب المهم، وهذا ما نجده في مطولته المرقمة (تشرقين في قصائدي) إذ نجدها إشراقة موفقة:

1

كلمّا

تهجّيتُ حبكِ

زهرةٌ

زهرةٌ

وقلتُ إنِّي وصلتُ ايكِ

اتّسعت أمامي

حقول المعاني

وغاب الطريق

16 –

لأنِّي أحبّكِ

كل صباح

أنحرُ بين يديك

قصائدي

20 –

أفتح أزرار بهاءك

وفي لغة الأصابع

أكتبكِ

قصيدة عارية

أما قصيدة (بلادي) فأنها تأخذنا بحس مفعم بالوطنية، ومملوء بالأسى  في رحلة مع ما آلت اليه لحوادث في البلاد:

بلادي

شاحبةٌ وحزينةٌ

ليس سوى الخرابُ

يمشي في طرقاتها

وتنشر في مراياها الشروخُ

لم نعد نراها

كما هي في أعماقنا

لقد فخخوا فيها الصباحات ِ

وعن الربيع المزعوم نكون مع القصيدة الشعرية (ربيع مدمى) الذي يضع فيه أمامنا هذا الربيع المزيف:

نبكي نجوماً كثيرةٌ

وملامحنا هاربة

كلماتنا لا يخرج منها غير الدخان

فتخط أوجاعنا

على صباحات مقطعة

ونعيش مع الليل والشاعر والقصيدة، في النص الشعري (قصيدة)

آخرٌ الليلِ

وحدها القصيدةُ

تصغي الى نزيفِ الكلمات

وتقلبني

حرفاً

حرفاً

كما لو أنها

تقلب تاريخاً طويلاً

من الجراح

بعدها نكون مع قصيدة (عناد) التي تستعرض أمامنا عناد الحبيب لحبيبته بلغة مفعمة بالاصرار:

سأظل ألوحُ لكِ

يا حبيبتي

با الصباحات العنيدةِ

ألوّحُ لكِ

بالقصائد الجميلةِ

حتى تستيقظ

الأنهار

والجزرُ

النائمةُ تحت وسادتك

وفي قصيدة (إحتفاء بصباح شاغر) نكون مع اشراقة من صباحات الشاعر وهو يخاطب محبوبته:

في مرايا صباحاتك

أجدني وحيداً

وأنا أبدأ خطواتي

في طرق لا أعرفها

هل كنتُ أكتشف وجهي

كلمّا أوغلُ فيك بعيداً

كان للشجر نوافذ

تفتح أوراقي للغيبِ

وللأقاصي إيماءة

وهي تلحن أحزاني

وفي قصيدة (وحشة) نعيش الوحشة لفراق الحبيبة بنسق شعري متناسق وقصير:

أمسُ

رأيتُ الحديقةَ

تجهش بالغربةِ

في شجرة بلا ظل

كخطواتي

- كم كان غيابكِ قاسياً

يا حبيبتي

يبدو أن حالة الانكسار النفسي الكبير الذي ألم بالشاعر عندما عاد إلى قريته بعد غياب خمسين عاماً، فلم يجدها كما تركها، ولم يجد حلم الطفولة فيها، ولم يجد أشياءه الذي تركها، كل شيء تغير وصار لا يشبهه، وهذا الحس الهادئ المؤثر كانت له مسحة محببة على النصوص الشعرية، حيث نجد حالة الاستغراب قد غلفت الصور الشعرية بدلالاتها المعبرة، وهذا ما يتضح لنا ونحن نعيش خيبته في قصيدة (خيبة):

حينما زرت قريتي

التي لم أراها

منذ خمسين عاماً

رأيتني

أهزُّ بجذعِ الذكرى

فتساقط طفولتي

حلماً

حلماً

وأنا أقرأ

في حفيف الشجر

أحزان الريح

وفي قصيدة (شارع المتنبي) يضعنا الشاعر أمام حقيقة أن ليس كل ما يكتب شعر، بل أحياناً أنها محاولات شعرية فاشلة، وكأنه يخاطب هؤلاء الشعراء أين الشعر، ويشعر بالزهو كونه يجد أن قصائده وحدها تسير الى جانبه:

في شارع المتنبي

رأيت دخان الشعر

يتصاعدُ كثيفاً

لكن

أين النار

.....

في شارع المتنبي

لم أرَ

غي قصائدي

وحدها هي التي

تسير إلى جانبي

ضمن هذه المجموعة الشعرية العديد من النصوص الشعرية التي تطرح عبر بنيتها النصية ثيمات كثيرة.

المجموعة الشعرية( احتفاء بصباحات شاغرة) للشاعر طلال الغوّار، رحلة شعرية حافلة بالعطاء الشعري الأصيل،حيث نجد فيها ما يروي ظمأنا من رحيق هذا العالم الرحب، وقدم القصيدة النثرية شكلها الذي ينسجم وسيابقها الفني الاصيل، مضيفاً اليها الحسية الشعرية الأصيلة، التي تنطلق من واحة الشعر لتستقر في ثنايا النص، وكان ذك شأن الأنماط الأخرى من الشعر التي ضمتها المجموعة.

 

يوسف عبود جويعد

....................

من إصدارات امل الجديدة طباعة، نشر، توزيع، سوية، دمشق لعام 2017

 

 

 

محمد المسعوديصدرت للكاتب المغربي محسن اليزيدي باكورة أعماله القصصية التي حملت عنوان "مشاهير في مطعم" عن مطبعة سليكي أخوين، خلال شهر يوليوز من السنة الجارية 2018. وقد اشتملت هذه الإضمامة القصصية على اثنتي عشرة قصة، وهي حسب ورودها بين دفتي الكتاب: مشاهير في مطعم، البيت الجديد، دكان العياشي، إبليس وفخامة الرئيس، مزرعة السيد حاكم البلدة، الفاطمي، اللحم، سيرين، حمادة ولد عبد السلام الجيار، زقاق سعيد بن جُبير، رجل العمارة، الرجل الغريب. وهذه النصوص بعض مما دبج قلم الكاتب وسطره عبر مسيرته الأدبية، اختار منها أهم ما كتب، وبعضا مما نشر في مواقع مختلفة. وتتميز قصص المجموعة بقدرتها على اقتناص لحظات طريفة من واقعنا المعاصر بما يعج به من مفارقات وتناقضات، ويقدمها في حس ساخر، أحيانا، وفي سياق درامي حزين، أحيانا أخرى، ولكنها تستند جميعها إلى توليد المفارقة والانطلاق من هذه السمة لتشكيل متخيلها السردي المتميز.

فما تجليات جمالية المفارقة في المجموعة؟ وما طبيعة السخرية فيها؟ وكيف تُسهم هاتين اللمحتين الفنيتين في تشكيل المتخيل القصصي، وبناء الدلالة في نصوص القصص التي يشتمل عليها الكتاب؟

تبدو المفارقة منذ النصوص الأولى في هذه المجموعة القصصية، وتستمر حاضرة إلى آخر نص فيها. ولعل القصة الأولى التي حمل الكتاب اسمها "مشاهير في مطعم" أول تجل يكشف عن التوظيف الفني المتقن لسمة المفارقة لدى محسن اليزيدي. تحكي القصة عن صاحب مطعم مغرم بوضع صور الشخصيات الهامة والبارزة التي تناولت طعامها بمحله، واعتزازها بالدفتر الذهبي الذي تخط فيه بعض هذه الشخصيات كلماتها في مدح المطعم، ونظامه، وفنون أكله، ونظافته. وتمضي القصة في كشف معدن "با إدريس" ومغامرته في جعل أسفل بيته الموجود بزقاق ضيق غامض وسط مدينة أصيلة المغربية مطعما خاصا بالسمك، وكيف آمن بفكرته على الرغم من نصح بعض معارفه من التجار بترك هذا المشروع لفشله المحقق. ولكن الرياح جرت بما اشتهت تطلعات "با إدريس" وأكثر، بحيث صادف افتتاح مطعمه تنظيم مهرجان أصيلة الشهير الذي يحضره رجال الفكر والأدب والفن والسياسة، فكان بعضهم يتردد عليه، ويتناول وجباته عند الرجل الذي لم يدخر جهدا في أخذ صور لهؤلاء المشاهير رفقته، أو منفردين، ثم يختار أجود اللقطات ليزين بها مطعمه الذي أضحت جدرانه مزينة بالكامل بصور المشاهير. غير أن لحظة أقبلت، وحدثا غريبا طرأ على المطعم، إذ صارت بعض هذه الصور تختفي فجأة من أماكنها التي علقت بها. شك "با إدريس" بالعاملين في مطعمه، فصار يترصدهم، ويتملى أفعالهم وردود أفعالهم دون أن يعرف حقيقة ما يحدث. وكاد يزرع في محله كاميرات تراقب ما يحدث فيه، لولا أن نصحه أحدهم بعدم الإقدام على ذلك، لأن الشخصيات البارزة التي تتغذى بمطعمه تعتبر هذه اللحظة من خصوصياتها، ومن ثم ستتخلى عن التردد إلى محله. وبعدما عجز عن معرفة سارق لوحاته وعجز عن الوصول إليه بنفسه حتى يداري فضيحته التجأ إلى الشرطة. وهنا ستتضح المفارقة في أجلى صورها، وتتشكل جمالية توظيفها لتكشف عن غير المتوقع. وعبر هذا التوظيف ينجح الكاتب في تصوير اختلاف وجهات النظر إلى الواقع والحياة، وإلى السياسة بين جيلين: بين الأب (با إدريس)، وابنه الأصغر. كان إدريس الذي لا يعرف في السياسة شيئا يهتم برزقه ورزق أبنائه ورزق عماله المخلصين، وكان حرصه على وضع صور الشخصيات البارزة من وزراء سابقين، أو غيرهم فوق جدران المطعم من باب منح صيت لمطعمه وإغراء الزبناء، وليس وراءه أي غرض سياسي أو مكسب من أي نوع، أما الإبن فكان يأخذ صور الساسة الذين يكرههم ويكره ممارساتهم السياسية لا ليبيعها وإنما ليلقي بها في القمامة، وكان رمي هذه الصور في الزبالة يريحه ويرضيه، وهكذا تؤكد القصة مفارقة بينة بين منظور الأب المسالم الذي لا يهتم سوى بكسب لقمة عيشه، ويرضى بأمر الواقع ويتكيف معه، ورؤية الإبن الجامعي الرافضة المتمردة على ما يقع سياسيا، وما يجري اجتماعيا على الرغم من أن رفضه واحتجاجه تم في سرية وصمت، ولكنه استطاع أن يعكس وجهة نظره تجاه تلك الشخصيات المتنفذة في الحياة المعاصرة.

بهذه الكيفية كانت المفارقة الثاوية في صلب الفعل القصصي سمة تكوينية أساس في تطور الأحداث وانبناء وجهات نظر الشخصيات المختلفة، وتولد الصراع الذي يعد عنصرا فعالا في تحقيق جمالية المفارقة السردية.

وفي قصة "الفاطمي" ينقلنا الكاتب إلى سياق آخر، وعوالم حكائية تتصل هذه المرة بالمدرسة وأجواء الفصل الدراسي. وعبر رصده جوانب من سيرة الأستاذ "الفاطمي" وسلوكاته، ومن خلال تصوير طبيعة ممارسته التعليمية يجعلنا السارد نقف عند اختلالات التعليم، والمفارقات الناجمة عن أفعال المدرسين والإدارة من جهة، وعن مكر التلاميذ ودهائهم وهم يتعاطون مع الظواهر المضطربة والمقررات الكاذبة والمعلومات المغشوشة التي يخضعون لتلقيها، من جهة ثانية. وهكذا كانت جمالية المفارقة نابعة هنا من تركيز الكاتب على تتبع غش المدرس الفاطمي، وإدلائه بشهادات طبية كاذبة تعفيه من مزاولة مهام التدريس آخر كل شهر، حينما يعلم بأن رواتب الموظفين قد مرت في حساباتهم البنكية، وهو يكون في هذه الأثناء يعاقر الخمر في حانات المدينة رفقة صديقه الطبيب. وتمضي القصة لتطلعنا على مواقف التلاميذ مما يتم عرضه عليهم من دروس. وهكذا كان درس مادة "التربية على المواطنة" والمتعلق بموضوع "العدل"، وبقراءة محتوى النصوص المتصلة به، بابا لتوليد السخرية، وانقداح المفارقة في أجلى توظيفها الفني. وعبر ما يمعن السارد في الكشف عنه من خلال ردود فعل التلاميذ وتعليقاتهم الذكية، وإدلائهم بآرائهم حول ما يجري حولهم، تُسفر القصة عن مفارقة الممارسة التربوية التعليمية، وعن إدراك التلاميذ لا جدوى ما يتلقونه، وعسف ما يمارس عليهم من طرف الإدارة والأساتذة والمجتمع. وقد نجح الكاتب في تلمس الاختلالات العويصة التي يتخبط فيها المجتمع ويكون ضحيتها الأطفال الصغار، كما يكشف وهم المنظومة التعليمية وإغراقها في مثاليات لا تجدي نفعا أمام بؤس الواقع وبشاعة الحياة المعاصرة.

وتنقلنا قصة "سيرين" إلى مستوى آخر من مستويات تجلي المفارقة في الحياة الاجتماعية. تحكي القصة عن ظاهرة انخداع الشباب بحركات وسلوكات بعض الفتيات المتظاهرات بالعفة، بينما حقيقتهن غير ذلك. إن المفارقة تكمن في هذا السلوك المزدوج، وهذا التناقض بين إظهار الحشمة والعفة والرغبة في امتلاك بيت، وتأسيس أسرة، وبين حقيقة العهارة والتفسخ والانحلال التي تكون الأصل الخفي. وتركز القصة على غفلة الشباب الذي يسعى إلى التحصن وسقوطه ضحية إغراء الجمال الجسدي ومكر الأنثى. وهكذا نجد الشاب جمال الذي فشل في زواجين سابقين من روسية وألمانية يسعى إلى زواج ثالث من مغربية مثله يفترض فيها الصلاح والعفة، وفعلا تم له ذلك، فتزوج سيرين، وأخذها معه إلى ألمانيا، وأنجب منها طفلة، وكانت حياتهما تمضي كحياة أي زوجين، غير أنه سيكتشف في مقهى بشاطئ طنجة –خلال عطلة صيفية عاد ليقضيها في مدينته- حقيقة زوجته التي كانت مومسا سابقة، وسيعرف لماذا كانت توهمه بأنها لا تحب مقاهي كورنيش المدينة التي تتميز حسب قولها بالتسيب والوقاحة. ومن ثم لم يجد أمامه من مفر سوى أن يعود في أقرب وقت إلى بلد إقامته، مفوضا لمحام مباشرة إجراءات الطلاق بالثلاث.

بهذه الشاكلة كانت هذه القصة التي تعزف على نغمة الأمل، والرغبة في إقامة الأسرة على أساس الصدق والوفاء، قصة مفارقة خالصة لأن بين طياتها سكن اليأس، واستتبت الخديعة والكذب والمكر. وبهذه الكيفية غاصت القصة في تصوير جانب من أخطر ما أصاب المجتمع المغربي، ومجتمعات أخرى، من علل وأوصاب، واختلالات وأعطاب. وقد وفق السارد في جعل المفارقة أساس هذا النص السردي الممتع، وأن يوصل رؤيته القصصية إلى المتلقي بأسلوب سردي سلس، وببناء فني متقن.

وإذا تأملنا نصوصا أخرى في الكتاب نجد السخرية تشكل بعدا جوهريا من أبعادها، وعنصرا فعالا في تأسيس جمالية المفارقة فيها، وخاصة تلك التي اتخذت من معالجة قضايا السياسة منطلقا لها، كما نرى في قصص: إبليس وفخامة الرئيس، ومزرعة السيد حاكم البلدة، والرجل الغريب. غير أننا سنتناول بالتحليل نصا آخر من نصوص المجموعة شكلت السخرية فيه سمة تكوينية جوهرية، هو نص "حمادة ولد عبد السلام الجيار"، وهو نص شكلت المفارقة فيه دورا حيويا، وأدت السخرية فيه دورا هاما. تحكي القصة عن شاب اسمه حمادة، يبلغ من العمر أربعة وثلاثين سنة، يزاول مهنا مختلفة لكسب بعض الدراهم التي تعينه على تلبية حاجاته ورغباته. هو فتى تعثر في دراسته، فصار يتدبر أموره بطرق عدة. وهو صاحب غرائب لا يكف عن الحركة والمغامرة. وترصد القصة بعض طرائف حمادة وعجائب ما يقع له، فكم نجى من موت محقق حتى اشتهر بين الناس بأنه كالقط له سبع أرواح. وكم وجد في نقم الناس نعمة، فحين أعلنت الإذاعات وقنوات التلفزة عن "أنفلوانزا الطيور"، وصار الناس يخشون أكل الدجاج، كان حمادة يدعو ربه أن يديم نعمة الأنفلوانزا، وأن يطيل مرض الدجاج لأنه أصبح يبتاع كل صباح فروجا ليذبحه في بيت والديه، ومن ثم يتنعم به بعدما تعده أمه، وتطهوه كما يحب ويشتهي. ويمضي السارد في تتبع طرائفه ومغامراته، غير أن حمادة -الذي سرق صندوق شباك رقم ستة من صناديق السرك الإسباني الذي عمل فيه أثناء مروره بمدينته- سيصير شخصا آخر مختلفا تماما حينما سيذوق تجربة السجن، وسيعيش بين جدرانه سنتين كاملتين. إذ خرج من السجن وهو في سمت جديد بحيث اكتحل وأطال شعره، ولبس القميص الأبيض وقصر الثوب، وتغيرت مشيته من السعي والهرولة إلى التثبت والبطء، واستحالت نظراته المستفزة الساخرة إلى نظرات هادئة داعية إلى التوقير، وزايل الهزل والمزاح وكف عن مخالطة الآخرين..

بهذه الكيفية ترصد هذه القصة الساخرة مفارقة هذا النموذج الاجتماعي الذي صارت تشهده مدن وبلاد كثيرة، بحيث يكون السجن مكانا لتحول الشخصية إلى درجة النقيض. وتصبح الشخصية صارمة حادة الطباع، تغيب عنها ليونة الطبع المنفتح المتسامح. وبهذه الشاكلة كانت المفارقة عنصرا هاما في تبيان طبيعة هذه الشخصية واختلال موازين النظر لديها، كما تبين جوانب من اضطراب المجتمع وتناقضاته. وقد وفق السارد في جعل السخرية بابا نحو كشف طبيعة هذه الشخصية، وجعل المفارقة بين الطبع الأول الهازل المرح، والطبع الثاني المتشدد الصارم عنصرا جوهريا في رصد تحولات الشخصية، وتحول نظرتها إلى الحياة والمجتمع من حولها.

وتتميز كل نصوص المجموعة بتمكنها من تصوير واقعنا المعاصر في أفق متخيل يمتلك حسا جماليا راقيا وأبعادا دلالية ورمزية غنية. ويوظف الكاتب محسن اليزيدي المفارقة والسخرية أساسا لتشكيل عوالمه الحكائية، وتأثيث رؤيته لما يجري الآن وهنا في حياتنا المختلة المضطربة التي غابت عنها القيم الرفيعة، وطغت عليها مظاهر الزيف والخداع والكذب والنفاق وانعدام احترام الآخر، واحترام الذات، كما حاولنا أن نبين من خلال النماذج التي تناولناها سابقا.

ومحسن اليزيدي كاتب متمكن من أدواته القصصية ولغته الأدبية تمكنا ينبئ عن ميلاد أديب جاد ومبدع ينضاف إلى لائحة المبدعين المغاربة الجادين المجتهدين الذين يأثثون المشهد القصصي المغربي بأزهار سردية يانعة ذات شذى آسر ومنظر خلاب وتجذر أصيل في تربة الإبداع الأدبي الحق. والقارئ المغربي والعربي ينتظر منه أعمالا أخرى لا تقل عن إضمامته الأولى من حيث الإتقان الفني والغنى الدلالي والرمزي.

 

محمد المسعودي

....................

محسن اليزيدي، مشاهير في مطعم، منشورات سليكي أخوين، طنجة، يوليوز 2018.

 

عدنان الظاهرلم يردْ ذكرُ المجوس والمجوسية في القرآن (ذكر الإنجيل المجوس: إذا مجوسُ من المشرق ... / إنجيل متّي) "1" فكيف عرفهما الشعراء العباسيون الكبار دون شعراء العصر الأموي؟ لم يرد ذكر المجوس ـ على حدّ علمي ـ في الشعر الجاهلي ولا في شعر العصر الأموي. ورودهما في الشعر العباسي يعني أنهما كانا معروفين ومتداولين في ذلك العهد فما كانت مصادر تلك المعرفة؟ طبيعي أنْ تكون المصادر محصورة في نطاق الشعراء والكتاب والفقهاء والمفسرين وعلماء اللغة الأعاجم من غير العرب في الأصل في طليعتهم ابن المقفع وربما الجاحظ والشعراء بشار ابن بُرد وأبو نؤاس وأبن الرومي وأبو تمّام اللاتينيّ الأصل كما هو معروف عنه. وماذا عن المتنبي وأبي العلاء المعرّي وهما عربٌ أقحاح؟ كيف عرفا الديانة المجوسية واستخدماها في شعريهما مجازاً أو مباشرةً بل وذكرها المعري أكثر من مرّة  في ديوانه سقط الزند "2" . عرف عرب الجاهلية الديانتين اليهودية والنصرانية بفضل وجود اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقريباً منها في اليمن ثم الحبشة .. والمجوسية كما تذكر بعض المصادر فضلاً عن الديانة الحنيفية التي ذكرها القرآن مراراً. عرف تجّار قريش النصرانية خاصة من خلال رحلاتهم الصيفية للإتجار في بلاد الشام حيث الغساسنة النصارى هناك والكنائس والأديرة والصومعات المنتشرة على طول الطريق الذي يربط الحجاز بأرض الشام.

أبدأ بأول مّن ذكر المجوس من بين الشعراء أعني بشار ابن برد . نقرأ في كتاب " شرح ديوان المتنبي "3" تأليف أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري ت 468 هجرية " في الصفحة343 ما يلي:

(حدّثنا أبو الفضل العروضي إملاءً قال: حدثنا أبو نصر محمد بن ظاهر الوزير قال: أخبرنا سعيد بن محمد الذهلي عن العنبري قال: بينا بشّار في جماعة من نساء يداعبهنَّ قلن له: ليتنا بناتك فقال: وأنا على دين كسرى) يعني أنه مجوسي فالمجوسية كانت ديانة كسرى وقومه حينذاك. والمجوسية تبيح الزواج بين الآباء وبناتهم.

الشاعر الثاني في هذا المسلسل هو أبو تمام القائل " 4 ":

بأبي مَنْ إذا رآها أبوها

شَغَفاً قالَ ليتَ أنّا مجوسُ

وثمّةَ شاعر آخر" 5 " لا أعرف بالضبط تأريخ حقبته الزمنية هو عبد الصمد بن المُعذّل كان قد قال في جاريته (كان يسميها بنته) بضعة أبيات أقتطف منها ما يلي:

أُحبُّ بُنيتي حُبّاً أراهُ

يزيدُ على محبّاتِ البناتِ

....

....

أرى حُكمَ المجوسِ إذاً لدينا

يكونُ أحلَّ من ماء الفُراتِ

يُحل الشعراء ممارسة الجنس مع بناتهم ولكن حسب شريعة المجوس ! لم يكتفوا بأزواجهم الحليلات ولا بالجواري والسبايا والفتيات والغلمان وما ملكت أَيمانهم فأحلوا ممارسة البنت زوجاً أو خليلة محظية بانتحال المجوسية ديناً !

وماذا عن شاعرنا أبي الطيّب المتنبي .... هل تناول المسألة المجوسية في شعره ووظفها في أمور تخدم أغراضاً محددة؟ الجواب نعم ولكنْ؟ لم يُخالف الشعراء الذين سبق ذكرهم في توظيفه لمفردة المجوس لكنه استعملها إستعمالاً خاصاً وفي موضع أشد خصوصية لا علاقة له به من حيث إباحة زواج البنت من أبيها والأخت من أخيها فمعروف عنه أنه لم يقترن بأية إمرأة بعد وفاة عقيلته أم مُحسّد. قال المتنبي "6" في قصيدته الذائعة الصيت التي هجا فيها إسحق بن إبراهيم بن كيغلَغ التي مطلعها:

لهوىِ القلوبِ سريرةٌ ى تُعلمُ

عَرَضاً نظرتُ وخِلتُ أني أسلمُ

يا أُختَ مُعتنِقِ الفوارسِ في الوغى

لأَخوكِ ثَمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ

 

يرنو إليكِ مع العفافِ وعندهُ

أنَّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحكمُ

إختلف شُراح ديوان المتنبي وغيرهم في تفسير هذه الأبيات ففيهم من شرّق ومنهم مَنْ غرّب وشطَّ من قبيل (قال ابنُ جنّي / يرميه باخته وبالأُبنة ..) ... (قال أبو الفضل العروضي: شبب بإمرأة أخوها مُبارز قتال هو على قساوة قلبه وإراقته الدماء أرحمُ منكِ ...) ... (وقال ابن فورجة:شبب بإمرأة ومدح أخاها ...  ثم قال لحبيبته: أنتِ قاسية القلب وأخوكِ على بسالته إذا لقي العدو كان أرحم منك لي وأرق منك عليَّ، ثم أراد المبالغة في ذكر حسنها فقال: أخوكِ يودُّ لو كان دينه دين المجوس فيتزوج بك، والنهاية في الحسن أنْ يودَّ أخوها وأبوها أنها تحلُّ له ولآجل هذا قال أبو بكرٍ الخوارزمي " تخشى عليها أُمُّها أَباها ". علي بن إسماعيل بن سيّدة المُرسي الأندلسي 398 ـ 458 هجرية " 9 " أحد أذكياء قدامى نقّاد الشعر من حيث الموضوعية والرصانة وبعد النظر فيما يقول وهو فيه متفق مع ما قال كلٌّ من العروضي وإبن فورجة سالفي الذِكْر. أنقل عنه ما قال بشأن هذين البيتين من الشعر ففيما قال نسف لتفسير إبن جنّي لهما وسوء فهم أو سوء نيّة بعض شرّاح ديوان المتنبي الآخرين. قال ((قيل: يخاطب محبوبته، جعلها أختاً تعفّفاً عنها وتنزّهاً عن الفجور بها. " لأخوكِ " يعني نفسه (لا يعني المتنبي نفسه ! إنه قصد أخاها ... مُعتنق الفوارس / ملاحظتي، عدنان) ـ ثّمَّ ـ أي في موضع القتال واعتناق الفوارس أرقُّ منكِ في الهوى وأرحمُ، ذلك على قساوته في الحرب. " يرنو إليكِ مع العفافِ " أي أنَّ أخاكِ ـ وهو يعني نفسه ـ ينظر إليكِ فيُعجبه حُسنكِ إلاّ أنه يعفُّ تشرّفاً لا تديّناً وعنده مع عفّته أنَّ المجوسَ تُصيبُ في حكمها الذي هو نِكاح الأخوات. يتابع إبن سيّدة فيقول: وإنْ شئتَ قُلتَ إنه يتغزل بأخت رجلٍ شجاع فيقولُ لها أخوكِ على شدّته وبسالته أرقُّ منكِ وأرحمُ، ثم أخبرَ عنه أنه يرنو إليها مع العفاف الذي توجبه منافرة الطبيعة لنكاح الأخوات فيذمُّ نفسه على ذلك العفاف الطبيعي وعنده أنَّ المجوسَ تُصيب في نكاح الأخوات. وقد قيل في هذين البيتين قولٌ لا ينبغي أنْ يُلتفتَ إليه لسُخفه)).

ما رأي القرّاء الكرام وخاصة الشعراء ونُقّاد الشعر ومحبيه في تفسير أبيات المتنبي هذه؟

هل في الأمر أُبنة وهل لتهمة الأبنة هذه علاقة بصورة المتنبي الشعرية المُذهلة في قوله [يا أُختَ مُعتَنِقِ الفوارسِ في الوغى]؟ أين دلالات الأبنة؟ مُعتنق الفوارس تعني في نظري المشتبك بالفوارس الذي يباغت عدوه بالهجوم عليه وضمه إليه بقوة ليغرز في قلبه أو بطنه أو ظهره خنجراً أو أية آلة مدببة جارحة وقال مثل هذا الإيطالي ميكيافيللي بعد قرون في كتابه " الأمير " [عانق عدّوك ثم اغرزْ في ظهره خنجرك]. كيف ولماذا يذهب بعض النقاد وبعض قرّاء شعر المتنبي هذا المذهب الغريب في تفسيراتهم؟ لقد ذهب هذا المذهب الغريب حتى بعض قرّاء ومترجمي ملحمة كلكامش إذْ زعموا أنَّ علاقة جنسية مِثلية كانت تربط هذا بصديقه أنكيدو !! المتنبي يتغزل كعادته في مطالع غالبية قصائده العظمى ولا علاقة لغزله هذا بإسحق بن إبراهيم الذي قال هذه القصيدة في ذمّه، لذا فالأُبنة ـ إنْ كانت موجودة ولا أحسبها كذلك ـ لا تخص الرجل المذموم إنما تخص الفارس الذي تغزل المتنبي بأخته:

يا أُختَ مُعتنِقِ الفوارسِ في الوغى

لأخوكَ ثَمَّ أرقُّ منكِ وأرحمُ

يرنو إليكِ مع العفافِ وعنده

أنَّ المجوسَ تُصيبُ فيما تحكمُ

في هذه اللوحة عناصر ثلاثة رئيسة هي: أخت قاسية ظالمة وأخ فارس مقدام رقيق رحيم يجد في العنصر الثالث " الدين المجوسي " ما يخوّله حق النظر إلى أخته نظرة المتشهي الراغب فيها زوجةً حسب الشرع المجوسي. إنها لوحة لا ريبَ معقدة شائكة تثير في البعض الهواجس والشكوك والريب لكنَّ هذا هو شأن ودأب المتنبي في أغلب شعره ففيه التحدي وفيه شئ من السوريالية الحديثة. رقّة فارس شجاع جسور تقابلها قساوة وظلم أخت هذا الفارس الشجاع ... فالمتنبي هو الأمير في شأن جمع المتناقضات في شعره.

الآن، وقد فرغنا من أمر شعراء الحقبة العباسيّة وما قالوا في المجوس والمجوسيّة أرى من الطريف أنْ أذكر شاعراً عراقياً عاصرناه لعقود حتى فارقنا مأسوفاً عليه ... أقصد المرحوم الشاعر عبد الوهاب البياتي فما خطبه؟ كيف تناول موضوعي المجوس والمجوسية وبِم اختلف مع ما سلف من قدامى الشعراء بخصوص هذين الموضوعين؟ سنرى أنَّ الفرق هائل وجسيم لا علاقة له بالزواج من البنت والأخت بل وربما حتى بالأم. هل أنَّ البياتي يميلُ إلى مسألة النار وعبادتها لدى المجوس وما الذي يُغريه في النار وما دلالتها بالنسبة له وهو كما هو معروف عنه رجل عراقي عربي مسلم يميل للمتصوفة وغير معروف الطائفة .. هل هو شيعي أم سُنيّ؟ له فيديو يصلي في حضرة عبد القادر الكيلاني في بغداد.. هل فعل ذلك لأنه سُني الطائفة أم لأنه من أتباع الكيلاني ومدرسته القادرية في التصوف؟ إني مع التفسير الثاني الذي لا ينفي التفسير الأول. على أية حال...  إنه بيّاتي وكفى... رجل مستقيم نزيه يعاقر الخمرة خفيفةً لكنه، كالمتنبي، لا يصوم رمضان ولا يزني ولا يلوط ولا يلعب القمار، مخلصاً لزوجه وابنة عمّه السيدة أم علي، لم يعرف من النساء بعد زواجه غير هذه الزوجة الصابرة المخلصة المتفانية وبهذا فإنه مخالف للشاعر نزار قباني الغارق في عالم النسوانيات إلى أعلى من أُذنيه.

قصيدة البياتي " المجوسي "  7 " هي بيت القصيد، نجد بعدها مباشرة قصيدة للشاعر تحمل عنوان "هكذا قال زرادشت " وزرادشت هو نبي الديانة المجوسية ! وعنوان القصيدة هذه هو بالضبط عنوان كتاب شهير للفيلسوف الألماني نيتشة " هكذا تكلم زرادشت " .. وقد سبق وأنْ نشرتُ مقالة عنه ناقداً مواقفه من المرأة عموماً. لست أنوي نقد قصيدة المجوسي للبياتي فهذا ليس أوان نقدها ولا مكانه لكني سأنتقي من أبيات هذه القصيدة ما يلائم ويخدم منهجي في مقالي هذا وسنرى أنه غير معنيٍّ بمسألة الزواج من البنات والأخوات والرجل ليس مزواجاً مكتفياً بما لديه. كل ما قال البياتي في قصيدة " المجوسي " لا علاقة له بالمجوسية كديانة ولا بنبيّها زُرادشت سوى أنه كتب في مطلع المقطع الثاني من هذه القصيدة ما يلي:

المجوسيُّ من الشرفةِ للجارِ يقولْ

يا لها من بنتِ كلْبةْ

هذه الدنيا التي تُشبعنا موتاً وغُربةْ

كان قلبي مثل شحّاذٍ على الأبواب يستجدي المحبةْ

وأنا لم أتعدَّ العاشرةْ

فلماذا أغلقوا الأبوابَ في وجهي؟

لماذا عندليبُ الحبِّ طارْ

عندما ماتَ النهارْ

نقرأ في المقطع الرابع والأخير:

 

وجدوهُ عند باب البيتِ في الفجرِ قتيلْ

وعلى جبهتهِ جُرحٌ صغيرٌ وقمرْ

وتعاويذَ وقطراتِ مطرْ .

 

أيعود الضمير في الفعل الماضي " وجدوهُ " إلى المجوسي أم إلى الشاعر نفسه؟  أين المجوسية كدين وأين صاحبها زُرادشت النبي؟ لم يضف البياتي شيئاً والظاهر أنه لم يجد ما يقوله حول المجوس والمجوسيّة لا في بيوت نيرانهم على رؤوس الجبال ولا في تحليلهم الزواج من البنت والأخت إذاً: ما سبب اختياره للعنوان المثير المغري بأمور لم يتناولها البياتي في هذه القصيدة. أتذكر أنَّ البياتي قال في واحدة من قصائده إنَّ أباه مجوسي ! سأبحث عنها للتثبت من صحة وقوة ذاكرتي. كلمة " المجوسي " التي جعلها البياتي عنوانَ إحدى قصائدة أراها لفظة فارغة جوفاء خالية حتى من الهواء فكيف يقبلها منه قرّاء شعره؟ في الإمكان وضع أي عنوان لهذه القصيدة من غير أنْ يتغير شئ في مضمونها الذي لا علاقة له بالمجوس والمجوسية (المجوسيُّ من الشرفةِ للجارِ يقولْ) ... في مقدورأي شخص مهما كان دينه أنْ يقول للجار ما يشاء أنْ يقول فلماذا المجوسي هنا وأنا لا أعرف مجوسياً في العراق أو هل في العراق مجوسيون؟ هل يتغير مضمون القصيدة إذا كان مُكلّمُ جاره بوذيّاً أو هندوسيّاً أو ملحداً أو مسلماً أو مسيحياً أو ... أو ...؟

تتكرر ذات الظاهرة مع قصيدة " هكذا قال زرادشت " .... قال البياتي في بيت واحد فقط:

فمتى يهبطُ "زارا " ويناديكَ كما ناداهُ أطفالُ المجوسْ

لا من علاقة تربط باقي هذه القصيدة بما في كتاب " هكذا تكلم زرادشت " ولا بالديانة المجوسية !!

إذا كان الشئ بالشئ يُذكر فلا من بأس في أنْ أذكر الشاعر اللبناني المنتحر خليل حاوي الذي ذكر هو الآخر المجوس في المجموعة الكاملة لدواوينه الشعرية " 8 " فما قال الحاوي وهل أضاف أو سلط ضوءاً جديداً غير مسبوق أو معروف؟ لا شئ ! كصاحبه البياتي سوى ملاحظات قوية ذكيّة ينتقد فيها بعض وجوه حضارة ومدنية العالم الرأسمالي في أوربا .. ليته رأى ما في أمريكا !. نقل في مقدمة الجزء الخاص بعنوان " المجوس في أوربا " ما قرأنا في إنجيل متّي سابق الذكر أو شيئاً قريباً منه: (وإذا مجوسٌ من الشرق يتقدمهم نجمٌ ... ولما رأوا الطفلَ خرّوا وسجدوا له). أنقل بعض ما جاء في هذا المقطع الموسوم " المجوس في أوربا "

يا مجوسَ الشرقِ هل طوّفتمُ

في غمرةِ البحرِ على أرض الحضارةْ

لتروا أيَّ إلهٍ

يتجلى من جديدٍ في المغارةْ؟

مِن هنا الدربُ هنا النجمُ

هنا زادُ المسافرْ !

ساقنا النجمُ المغامرْ

عَبْرَ باريسَ .. بلونا صومعاتِ الفكرِ،

عِفنا الفكرَ في عيد المساخرْ،

وبروما غطّت النجمَ، محتهُ

شهوةُ الكُهّانِ في جمر المباخرْ

ثمَّ ضيّعناهُ في لندنَ، ضِعنا

في ضباب الفحمِ، في لُغزِ التجارةْ !

ليلةَ الميلادِ، لا نجمَ

ولا إيمانَ أطفالٍ بطفلٍ ومغارةْ

ليلةَ الميلادِ .. نصفَ الليلِ .. ضيقٌ ..

....

ذكر الشاعر في هذا المقطع كلمة " المغارة " خمسَ مرّات وواضح أنه يقصد المغارة التي وُلِد فيها المسيح في مدينة بيت لحم. ذكر كلاً من باريس وروما ثم لندن أكبر العواصم في أوربا وأكثرها شهرة وعراقة فباريس مدينة الفكر والفلاسفة وجنرالات الحروب .. أما لندن فهي مركز التجارة والصناعة والفحم الحجري والبخار والكهرباء وقاطرات السكك الحديد وأخيراً روما الفن والأباطرة العظام ومركز الفاتيكان والكاثوليكية. أوربا المعاصرة لا يُنقذها ميلاد مسيح جديد بل ليست بحاجة إليه وإلى مّن يهديها سواء السبيل [[ليلةَ الميلادِ لا نجمَ ولا إيمانَ أطفالٍ بطفلٍ ومغارة ..]]. باريس ولندن وروما ليست بحاجة إلى أنبياء ورُسل أنبياؤها كهنة فاسدون وتجارة وضباب وفحم فمن بحاجة إلى مريم وعيسى جديد؟

أوربا ليست بحاجة إلى مّن يتنبأ بميلاد نبي ولا إلى نجمة تدلّ السحرة والمنجمين على مكان ولادته. .. الصناعة والتجارة والسلاح والمال هي أنبياء هذا الزمان.

 

عدنان الظاهر

.........................

المصادر

1ـ العهد الجديد، إنجيل متّي الإصحاح الثاني، دار الكتاب المقدّس في الشرق الأوسط 1985 وقد تُرجم من اللغة اليونانية (ولما وُلِدَ يسوعُ في بيت لحم اليهودية في أيام هيرودس الملك إذا مجوسٌ من المشرق قد جاءوا أُورشليم قائلينَ أين هو المولودُ ملكُ اليهود. فإننا رأينا نجمةً في المشرق وأتينا لنسجدَ له.. حينئذٍ دعا هيرودس المجوسَ سرّاً وتحقق منهم زمانَ النجم الذي ظهر.....).

2ـ  أبو العلاء المِعرّي، ديوان سقط الزند دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت1980 م

قال في القصيدة التي رثى فيها والدته  " سألتُ متى اللقاء " الصفحة 40:

إذا الحِرباءً أظهر دينَ كسرى

فصلّى،  والنهارُ أخو صيامِ

ونقرأ في حاشية هذه الصفحة: أظهر دينَ كسرى أي أظهر عبادة الشمس، فعل الفرس. وهذا خطأ .. فالفرس المجوس لم يعبدوا الشمس إنما عبدوا النار ودين كسرى هو المجوسيّة.

ثم قال في قصيدة " دِرعٌ كثوب الحيّة " الصفحة 270:

كإنما حِرباؤها عائمٌ

في لُجّةٍ سالمةِ العومِ

 

يصلى، إذا حاربَ، شمسَ الظُبى

فِعْلَ مجوسيِّ الضُحى، المُسلمِ

نقرأ في حاشية الصفحة 270 ما يلي: أراد بالمجوسي الحرباء، اي الدويبة المعروفة ... نعتها بالمسلم لإعتباره أنها تُسبّح الله .... وبالمجوسي لإعتباره إيّاها تعبد الشمس.

3ـ شرح ديوان المتنبي، تأليف أبي الحسن عليّ بن أحمد الواحدي النيسابوري ت 468 هجرية، دار ابن الجوزي، القاهرة ط1ـ القاهرة 2010 . الصفحة 343 .

4ـ المصدر الثالث الصفحة 343 .

5ـ المصدر الثالث الصفحة 343

6ـ المصدر الثالث الصفحة 342

7ـ ديوان عبد الوهاب البياتي المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، الطبعة الرابعة 1990 الصفحة 215 .

8ـ  ديوان خليل حاوي، دار العودة ـ بيروت الطبعة الثانية 1972، ديوان نهر الرماد،

X III

بعنوان " المجوس في أوربا " الصفحة 109 وما يليها.

9ـ شرح مُشكل أبيات المتنبي، تأليف أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيّدة المُرسي الأندلسي 398 هجرية ـ 458 هجرية، تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين. دار الطليعة للطباعة والنشرباريس / الجمهورية العراقية، وزارة الإعلام الطبعة الأولى، صدر بمناسبة مهرجان المتنبي بغداد تشرين أول 1977. الصفحات 186 ـ 187 .

 

عبير خالد يحيىتأخذ الذرائعية النص الأدبي وتغوص فيه بشكل متتالي بمستويات واستراتيجيات علمية (نفسية وبحتية) متتابعة كثيرة، لتحصي كل شاردة وواردة فيه، بنقد علمي إغنائي يثري النص والنصّاص معًا، ويفلتر ما يفيد المجتمع من نفحات الأدب، لذلك هي تفصل بين النقد العلمي والانتقاد السلطوي الإنشائي الذي نراه الآن في ساحات الأدب العربي، تحت اسم انطباعي، فهي تغرق النص في كل مستوى من المستويات الذرائعية المتعددة لتتفحّص جزئياته بدقة واحترام واحتراف متناهي:

1- مستوى التبئير Core Level:

ارتكزت الفلسفة الأوروبية من([1] ) عهد (أفلاطون) على مبدأ أحادي رغم وجود فلسفات ثنائية وتعدّدية وثائرة على كل نظام، إلا أن البارز منها في سوح الجدل الفلسفي هو التيار الأحادي، ويبطن تلك النظرة الأحادية البعد  تمركزها على الوعي، وهو مركز الحضور في حدّ ذاته، أو الوجود المسمى بـ(الذات)، وهذا الحضور الذي سماه (هايدغر) بـ(التحديد الأنتولاهوتي للوجود)، وعلى أساسه، أصبح الوعي أرضًا غير آمنة لمدلولات المعنى، وقد بينت ساره كوفمان في كتابها "قراءة دريدا" ([2] ) ذلك بوضوح، حين أعلنت بأن  فرويد -الذي رفض نظام الوعي اللاهوتي- فهم اللاوعي كنظام لا مكان له، لكونه لا يتّسم بصفة الحضور، وأنه يولد اللانظام في عالم الأنا  كمفهوم الكتابة أو الاختلاف عند (دريدا)، الذي يهزّ كيان  الميتافيزيقا السوسيرية  بقوة...

ويعدّ سوسير أول من فهم أهمية الاختلاف وأعتبره أساس في عمل الدوال، فاللغة عنده نظام من الاختلافات، ولا وجود لبنية دون اختلاف في وحداتها، وتعمّد  دريدا بعدم تبرير  كتابته لكلمة "اخت(لا)ف"(difference-deferrence) بهجاء غريب، وخاص خاطىء، ليثبت أن تلك الكلمات تلفظ كلفظ هجائها، وهي في الوضعين الهجائي الصحيح والخاطىء، لكن معناها سيكون مختلفًا عن دلالتها المكتوبة في الحالتين أيضًا، لأنه ليس حبيس منطق جدلي، والمبرر المنطقي في ذلك، يتجلى بإمكانية قراءة وكتابة هذا الاختلاف الإملائي من قبل الآخرين، ولكن ليس بالإمكان سماعه، فقدرة الاختلاف تتجاوز كل الأشكال الثنائية بدليل أن الحرف الأول من الأبجدية اللاتينية يغيب أحيانًا، ودريدا يعتبر الاختلاف استراتيجية ومغامرة، فالاستراتيجية تشير إلى عدمية وجود حقيقة ترنسندنتالية (transcedentalism) تحكم الكتابة، لكون الكتابة ضد كل أشكال الأنتولوجيا واللاهوت. والمغامرة، لأن الكتابة لا تسجن نفسها بهدف معين أو باستراتيجية تسعى للبرهنة على صحة امتلاكها من جديد، لذلك فالاختلاف ليس مسكنًا جديدًا للحقائق والمدلولات، بل زحفًا تفكيكيًّا ضد سوسير وبنيويته . فالدال عند سوسير يظهر للوجود لحظة غياب الموجود، لذلك فهو ثانوي والاختلاف نتيجة ذلك ليس له إلا وجود مؤقت، ويحاول دريدا تجاوز هذا الاختلاف المؤقت الذي يظل حبيس الحضور، ولسانيات سوسير، رغم احتفاءها باللغة وبالدليل، تظل سجينة الميتافيزيقا حسب رأي دريدا، وهكذا برهن دريدا أن الكتابة ضد الوعي ، لكونها أنثى، والوعي يخشى كل ما هو أنثوي، ويخشى تحويله إلى كتابة، لأن ذلك يفقده قدسيته وتعاليه، فالكتابة إيذان بموت الإله وتجاوز لمنطق الهوية.....

وهكذا يهدّ داريدا المدّ اللاهوتي ويسحق البنيوية، ثم يبدأ بتيار جديد يدعى (ما بعد البنيوية) لمجابهة الميتافيزيقية السوسيرية، حين يقرّ فكرة ديناميكية المعنى وحركته المستمرة، وبذلك ينفي  التمركز في المعنى بنيويًّا، ويرى أن " البنيوية تبدأ من البنية، لذلك يشكّك بالعلامات الدلالية، لأنها تنتج تزامنًا مسبقًا قداسيًّا يتعلق بخلود الله الثنائي في المستويين المحكي والمكتوب، ولذا يهتم دريدا بتمزيق البنية وتفكيكها، وينفي قطعيًّا وجود  بنية أو تمركز داخل النص، بل يحاول بنيانه خارج النص وداخله، فتنتج تلك الفكرة تناوب بين التمركز واللاتمركز، قاد ذلك نحو تفتيت الميتافيزيقا البنيوية السوسيرية، ونظام المتعارضات البينية الذي سلكه المنهج البنيوي، الذي يفضي نحو تطبيقات أيديولوجية، ومنها يبدأ برسم حدود ثابتة بين ما هو مقبول ومرفوض، وذات ولا ذات، صادق وكاذب، معنى ولامعنى، عقل وجنون، محوري وهامشي، سطحي وعميق ووعي ولا وعي وحضور وغياب...

ومن ذلك أظهر داريدا بأن المنهج البنيوي ذو أبعاد ميتافيزيقية أيديولوجيًّا،  وقرن دريدا هذا المفهوم بفلسفة الحضور والغياب، ودريدا في تفكيكه الذي مارسه على مستوى المقولة السوسيرية عن (الاختلاف)، يصل  إلى مقولته التي ترفض وتتناقض بالكامل مع

مقولات "سوسير" عن حدوث الدلالة([3])، التي تتحقق بمطابقة الدال لمدلول معين، ولكي تتحقق الدلالة قال "سوسير" بأن اللغة نظام علامات( signs) تحكمه علاقات الاختلاف، فالعلامة تكتسب معناها بسبب اختلافها مع علامات أخرى، لا لصفة في ذاتها، لكن هذا التطابق عند"دريدا" لا يحدث أبدًا، لأن الدال لا يستقر عند مدلول معين، منتجًا بذلك لمعنى أحادي أو حقيقة ثابتة، طالما أن المدلول في حالة مراوغة دائمة للدال، فإن ذلك يعني انفتاح النص على التأويل(interpretation) وإعادة التأويل لو كتب، أو تأجّل زمنيًّا خلف لحظة التكلّم، في حين أن العلامة اللغوية بالنسبة لدريدا تؤكد الغياب، لذلك نجد (الغالبي) في ذرائعيته يخرج عن مراوغة الدال للمدلول بتجاوز ديناميكية المدلول نحو إستاتيكية المفهوم، مادامت كل علامة تؤدي وظيفة مزدوجة في حركة المعنى من الاختلاف والتأجيل، وهذا يعني إن المعنى سيدخل عملية التأويل أي توالد المدلولات، وينتج بدوره توالدًا ذرائعيًّا لانهائيًّا للمعنى المسوّر بالمفهوم، وتلك الحقيقة الديناميكية تؤسس  لذرائعية الاحتمالات المؤجلة(prospective meaningful situations)، ليس من خلال الدال والمدلول بشكل مباشر، بل بحلقة دائرية لإنتاج معنى المعنى  في النص الأدبي، لأن الأدب حسب رؤية(الغالبي) ديناميكي التكوين بواقعه ومنطقه وحضوره،  فهو يحتضن بين جنبيه الخيال والكذب والرمز ومهارة التكوين والإعجاز في اللغة، كما العلم منطقه الحقائق العلمية، أي أن بنية العلامة فيه هي الاختلاف الذي يغني تشظي المعنى نحو التعدّد، ويثبت هذا الرأي عند إمكانية التحليل في الحركة التي يتمركز فيها المعنى في قلب المدلول في الفسحة الإيحائية (inspiration gap)  ليكون مهيئًّا للتوالد الذرائعي إدراكيًّا، ومن هذا الجدل  ينتج أن التفكيك هدم لا يخدم المعنى أو يتوافق مع مكونات ومكنونات النص العربي المترع بالمعاني المتمثلة بالمثل والأخلاق العربية الإسلامية، ويرى (الغالبي) حين نظر للقضية بمنظور معاكس تمامًا: إن المعاني المؤجلة عند الذرائعية هي الهدف، فهي لا تشكل بنية كاذبة، بل سلسلة من معان واعية وحاضرة، واعتبر هذا الغياب التفكيكي حضورًا ذرائعيًّا ديناميكيًّا في المعنى لسلسلة من حالات تأويلية لمعاني عديمة النهاية مضمرة في مخزون اللغة الساندة (discourse Language) في الذهن الإنساني، تستدعي حضور المدلولات الذرائعية التي تتجه نحو مفهوم (  (conceptيسوّرها ليمنعها من الخروج من نطاقه المقفل، لكونها أوضاعًا لغوية(meaningful situations) لسانية ذرائعية رديفة، تحكمها نيّة المتكلمين في التواصل، ومصنوعة بدقة وجمالية فائقة في المكتوب، وهذا يبرهن ويثبت أن النص المكتوب ماهو إلا مزيج من وحدات ثابتة (static) (سيمانتيكية) وأخرى متحركة (ذرائعية) (dynamic)، لهذا السبب يكون النص نسبي في درجة الانزياح،  وهو أكثر وأدق صياغة وجمالية وتوثيقًا بمدلولاته من النص المنطوق، فهو بنفس الوقت يبرهن حضور فاعله بمعكوس عدمية الخلق وموجودية الخالق ...

لذلك يستهل المنظر العراقي (عبد الرزاق عوده الغالبي) ذرائعيته ببؤرة ثابتة ( Core) ([4])بذريعة الثيمة (theme or gist)،  ليعطي منطلقًا ملخصًا، ينقل فيه روح النص نحو بقية المستويات المختلفة للرؤية الذرائعية، مشيرًا بتجذير فلسفي بأنه صناعة إنسانية يقوم بها (نصّاص) مختص يبني نصه على بؤرة ساندة ينتقيها من هموم الناس في المجتمع، منطلقًا من المنظور الذرائعي) الأدب عرّاب المجتمع (يقابل الفائدة بالإسناد الأنثربولوجي للمحرك الإنساني في الحياة  لكل فرد داخل المنظومة الإجتماعية، وتلك قضية من موجبات الأدب الرصين أهملها بعض الأدباء العرب تأثرًا وإيغالًا أعمى في المدارس الأجنبية التي لا تمتّ بصلة للواقع العربي الإسلامي كالسريالية وغيرها، يشترك فيها ضفتي نهر الديمومة العلم والأدب، بحفظ المعرفة الجارية في استمرارية الوجود بين تلك الضفتين، بعد تزكيتها بنقد علمي بناء، حاملًا للسلوكيات البشرية التي تصب بمحيطات الإنسانية، لذلك تناقض الذرائعية  فكرة التمركزعلى (اللاغوس) (logocentric  )،  مقابلًا للصوت (phonocentrism)، التي مركز عليها التفكيكيون نظريتهم، ومجّ (الغالبي) التمركز التفكيكي على الكتابة (graphocentrism) والدخول بمتاهات الاختلاف والإرجاء، واعتبر التفكيك هدامًا لتبنيه مسلك المعارضة لأولوية الروح وسلطة الوسيط، وتحدّيه لما هو أخلاقي، والانغمار في الحياة الدنيوية، والدعوة لاختفاء الرب أو موته...

ويعدّ (الغالبي) ذلك هدمًا لأخلاقيات النص العربي، وهروبًا نحو التعقيد والجدل غير المثمر بالنتائج، وقد أبرز المنظّر العراقي بنظرته المعاكسة والمستندة على مبدأ تمركز ذرائعيته على القرآن الكريم  سيد النصوص المكتوبة، والمنصوص بيد الخالق، والذي يقرّ وجوده بالوعي والبرهان والحواس، بأن حضورالإله مقرور ذاتيًّا بالوعي والعقل، وبالقول المكتوب وليس الملفوظ، حين يأمر  أصحاب اللغة وينهاهم عن فعل لا يرضيه في (سورة الشعراء :(الآيات 224 و225و226و227) منطلقًا له من هذا الحضور المقرور مسبقًا وعيًا وحسًا ووجودًا، وليس فيزيائيًا بموجودية فعله وأوامره المكتوبة، وهذا يجرّنا إلى أن النص المكتوب، هو برهنة دلالية لحضور كاتبه، لكون الحضور هنا يعد حسيًّا وعقليًّا مثبتًا بمقبولية الفعل المنجز في الواقع، وليس جسديًّا، فما عُرف الخالق إلا بالعقل وليس بالتجسيد، لكونه تحصيل حاصل في كل الأحوال، ويبدو (الغالبي) وكأنه يروم القول للتفكيكيين: (أنكم تريدون من الله أن يخاطبكم لسانًا في كل مرة يوجّه فيها أمره لخلقه ليثبت وجوده لكم، مادامت دلالاتكم محكية)، وهذا الخطاب الذرائعي يخلق عقبة أمام الناقد لا شأن له بها، حتى وإن كان اعتقادهم الراسخ بأن كتابة النصوص - وحتى المقدسة منها- تعدّ في نظرهم اختلافًا أحاديًّا تشير نحومفهوم وجودي متدني بموت الإله، وتلك جدلية معتمة وطريق مغلق أراد داريدا فيه إثبات فكرة وجودية، بفحوى قوله : من أن الكتب المقدسة السماوية أقرت موت كاتبها، لكونها حين تخضع للتفكيك تظهر شروخًا ونواقصًا وتناقضات في مضامينها ([5])، وهذا الرأي بعيد عن آلية تعقب المنقوص بالنظرة الأحادية في نقد النصوص، والحقيقة اللغوية تثبت بأن تسمية النص تُبَرْهن بنعته عند كتابته وليس بلفظه، لأنه في لفظه إعلانًا لغيابه  واضمحلاله بعد لحظة التكلم مباشرة، وهذا الرأي أو الاعتقاد بحدّ ذاته يعدّ خروجًا جدليًّا معقولًا ومحايدًا من المأزق الوجوديًّ في الفلسفة الأوربية الأحادية وفلسفة الاختلاف والإرجاء التفكيكية باتجاه الساحة الذرائعية العربية الإسلامية، بتوافق معقول مع الواقع العربي الإسلامي المتدّين بالخلق والإنسانية، تثبته سورة الكرسي وسورة الإخلاص  وسور وآيات كثيرة  في القرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى بما يخصّ خلود الإله وصمديّته‘ أما ما يخصّ الكاتب وموته فما يخرج عن هذا الرأي مطلقًا، فالنص العربي المكتوب لا يبرهن موت كاتبه، بل بالعكس ،فهو يعد خلودًا دائميًّا ثابتًا لسلوكه الأدبي، يتجاوز فلسفة الحضور والغياب، وها هو امرؤ القيس يعيش بيننا ولا نعرف حتى متى ولد بل نعرف (قفا) حرفًا حرفًا، لكون النص كيان من دلالات حيّة لا تمسها يد في التغير وإن مات كاتبها، طبقًا لمبدأ التضاد النسبي في الوجود والغياب، تظل مدلولاتها ومفاهيمها مخزونة في عقول الأحياء، تنتقل من جيل الى آخر وهذا ما يشهده ويبرهنه الواقع والتراث الأدبي والمعرفي الإنساني المكتوب والمطبوع والعكس تمامًا في حصة الملفوظ...

وخلاصة القول، فإن داريدا صاحب التفكيك هو رجل فيلسوف وليس ناقدًا أدبيًّا، وضع أسس فلسفة الحضور والغياب بمبدأ حضور الإله (اللوغوس) الذاتي وغيابه، ولكن زجّه الفلاسفة والباحثون في متاهة النقد الأدبي بكتاباتهم المستمرة عند حياته، حتى كسر ظهر الدلالة بغرافية التمركز والاختلاف، باعتباره أن الدلالة اللغوية المكتوبة تصبح ظلًّا للدلالة اللغوية المنطوقة التي تمثل ذاتية حضور الإله، والأخرى المكتوبة تبرهن موته، فهي إذًا تنتج اختلافًا في المعنى يتجلّى في الإرجاء والأثر، وقد يجيء مغايرًا لها حين تكون منطوقة ، ومن هنا انطلقت الذرائعية بتثبيت أقدامها على أرضية النص المكتوب، بشكل مغاير تمامًا لما ثبته داريدا آنفًا بنتيجة موت الإله.. وذلك باللجوء لحيثيات تسلسل المعنى بشكل يعكس حالات لغوية ذرائعية ومفاهيم منفصلة، تعطي أوضاعًا اجتماعية  تتجلى صوريًّا (فالصورة اللغوية اليوم ترسم كالصورة الفتوغرافية، بعد أن دخل الأدب حيز الفن، وتقرّ قوة النص بصورته الجمالية طبقًا لعلم الجمال وعلم البلاغة)، وتدرك في قناة التواصل (communicative chanel ) والفسحة الإيحائية بشكل مختلف حسب إدراك التأويلات السياقية التي توجهها اللغة الساندة (الرديفة) (Discourse Language) داخل العقل البشري طبقًا للسلوك البشري في إدراك النصّاص العقلي، والتوليد التشومسكي في مركز اللغة في المخ البشري بالعمليات الفسيولوجية العقلانية حسب مراحل آلية الإدراك في المستوى العميق للرؤية الذرائعية.....

يتبع....

 

 د. عبيرخالديحيي

................................

المراجع:

1-رشيد  بوطيب- دريدا: تفكيك فلسفة الحضور - مقالة

2-- Derrida lesen » Sarah Kofman، aus dem Französischen von Monika Buchgeister und Hans-Walter Schmidt، Edition Passagen، Seite :53

3- الأستاذ مجدي عز الدين – مقالته – المنشورة في موقع الحوار المتمدن محور الفلسفة- تفكيكية جاك دريدا: نقل سؤال الحقيقة إلى مجال التأويل (4) عن فلسفة الحضور والغياب – رابط الموقع http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=295919

4- عبد الرزاق عوده الغالبي – الموسوعة الذرائعية – المجلد الثالث – الموسوم الذرائعية في التطبيق – المستويات الذرائعية الطبعة الثانية المنقحة – دار النابغة للطبع والتوزيع – جمهورية مصر العربية