جاء المتن السردي لرواية (الذباب والزمرد) مفسراً، وشارحاً لعنوان الغلاف الروائي؛ لأن العنوان كالجاذب المانع، أي بمعنى انه ملفتاً للقراءة، ومانعاً لها.

الزمرد: مفردة باعثة للقراءة، ومشجعة لها، أما الذباب: فجاءت مفردة متناقضة مع الزمرد، ولم يكتف بذلك فقط، بل جعل الغلاف الرئيس للرواية يحمل ايقونة الذباب، بهيئة ذبابة سوداء كبيرة، محاطة باسلاك شائكة، تحت خلفية خضراء، وهذا الخضار هو صورة للأرادة، للأزدهار، للحياة، التي سنكتشف معناها من قراءة الرواية، ورمزية كل من (الذباب، والزمرد).

فـ ( الذباب) : هو الشعب المنكوب،وهو رمز العبيد،وهو ماعمدت الرواية إلى تأكيده بالقول: " يأتي المساء إلى هناك هرماً قبيحاً، يتوكأ على عكاز يتلمس له الوحشة والضجر كي يقشطها بخبث عن كل أماسي مدن الدنيا وينثرهما على رؤوسنا" .

اشار لخلفية الغلاف باللون الأخضر؛ لأنه شعب محب للحياة، ومقاوم للظلم والطغاة، على الرغم من كثرتهم" وها أنا يا ازيريه في اتون الحصار أعاصر السموم واليورانيوم والسرطانات والتشوهات الخلقية واشهر هجرة إلى بلاد المهجر . أنا ابن مفردات الحصة التموينية الشحيحة، انا خطية يا ازيرية مزقتني الحروب والسواتر وعيون القتلى "، فالجوع، والفقر هو من حول العالم -الإنسان- إلى صورة مطابقة لصورة الذباب..

و(الزمرد): الحجر الكريم الراقي، ذا الشأن المرتفع، وهو صورة السلطة الطاغية، التي اتخذت لوجودها مركزاً  موازياً، لقيمة الزمرد.

الرواية نسيج مترابط مع بعضه، لينتج نصاً سردياً متكاملاً، منها الصوت، والصورة،و القضية، والنقد،و الكاريزما، والشخصيات، والسيرة الذاتية، والذاكرة، جاء فيها" كل قوارب نجاتنا مازالت مشغولة بالصدمة، والنهر يجري سريعاً يا ازيرية، والضفة الاخرى تبدو بعيدة. بعيدة جداً".

خص االسرد بمحافظة (البصرة)، وهي  عنصر اساسي في تقديم الحدث الروائي، وهو من الاساسيات التي لايمكن أن يتخلى عنها اي متن سردي؛ لأنه- المتن السردي- المحيط الذي تعيش فيه احداث الرواية، وهو السارد الاول للشخصية، وتبعاتها النفسية، فالمكان يختلف من منطقة لأخرى، فاذا جاء المكان راقياً نشأت الشخصيات موازية لرقية مكانها، والعكس هو الصحيح، لذا لا يمكن الاستغناء عن المكان في اي متن سردي، والذي يشكل مع الفضاء، والحوار، والصور، والقضايا السردية، شبكة متكاملة، لنسج قضية سردي، اتخذت من الواقع الأجتماعي اساساً لبناء حاضنها السردي.

الشخصيات جاءت بمسميات غير متداولة بكثرة في واقعنا المعاش، وهي مسميات موازية لمسمى المتن السردي، وهم (اوسم الشهيد، شفيق الخصيباوي، كمرة ضحية الزمرد، نيرون)، وهذا الأخير رمز الطغاة الذي يتسلى بمشاهدة عبيده وهم يتقاتلون حتى الموت، اي بمعنى أنه صراع للمتعة الذاتية .

اول صراع سجلته السردية هو صراع الشرطة مع الحرامية، ليشكل هذا الصراع مفتاحاً اولياَ لقراءة المتن السردي، وليعرض أحداث الرواية جميعها، بزمان ومكان معلومين.

منزلة الشرطي كانت في الأسفل دائماً، ويرتفع الحرامي عليها، وهي لعبة انقلابية معاشة بحقيقتها في واقعنا المعاش، وبالاخص عندما قدمت صورة الوطن الجحيم المنقلب على ابنائه، وقميص (أوسم) تناص رمزي مع قميص النبي (يوسف)، فكلاهما شاهد إدانة لظلم معاش، وصورة للحث على احياء حياة من دون(ذباب)، بلغة شعرية وسردية عالية.

أضيف، أن الأمل هو المفتاح الذي ختمت به الرواية متنها؛ لأن الظلم إلى زوال .

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

بليغ حمدي اسماعيل(مُقَارَبَةٌ نَقْدِيَّةِ فِي نُصُوصِ الشَّاعِرِ سَمِيح القَاسِم)

ذَاكَ الصَّوْتُ.. أنَا:

أن تكون صوتك أنت وحدك، إذن فعليك أن تمشي منتصب القامة، وكفيل بك أن تظل القصيدة وكلماتك عشاقك الذين لا يغادرون النظم والقافية، بهذه الكلمات العابرة ننفذ إلى عوالم الشاعر الاستثنائي سميح القاسم مستندين إلى أدواته الشعرية التي اعتاد استخدامها حينما كان يكرس هو وصاحبه محمود درويش الأكثر حضوراً ودهشة لدولة الشعر المعاصر، في الوقت الذي فقدت بعض الحكومات العربية ظلالها وسقطت أوراقها التي كانت تنتقب خلفها كانت القصائد التي تأتي إلينا من كليهما كفيلة بتدشين حكومة لا يمكن اتهامها بالتقصير أو التقاعس، لاسيما وأن الجمهور لديهما لا يعرف ميادين التظاهر، وشعبهما الشعري لا يؤمن بمنطق الاحتجاجات لسبب قد يبدو عميقاً، أن كليهما الثورة والحدث .

ولا أعرف على وجه اليقين الاعتقاد الذي ظل يلازمني لسنوات بعيدة أن سميح القاسم هو الذي قرر طوعاً وليس كرهاً لأن يقدم نفسه قرباناً للشعر الأخير الذي دخل مضطرا في معركة الحداثة التي سعت إلى النيل من هوية الشعر وبالفعل تغيرت الأقنعة وتبدلت واختلفت الأصوات الشعرية بقدر حجم اختفائها أيضاً، إلا أن سميح القاسم نجح حينما قدم نفسه قرباناً للقصيدة في الحفاظ على صوته، بل يمكن القول مجازاً بأن الشعر كما تسرد كتب النقد والتأويل لا يقوم بدون الخيال، لكن سميح القاسم دحض الفكرة بمنطق جديد وهو أن الشعر لا يقوم بدون الجمهور لأنه في حالة سميح القاسم الشعرية هو الذي يصنع الخيال، وإذا كان سميح القاسم يفجر ثورة الشعر فإن جمهوره العريض هو الذي يكسب هذه الثورة أبعادها الاستعارية ودلالاتها الرمزية .

وَجْهَا القَصِيْدَةِ.. شَاعِرٌ وقَضِيَّةٌ:

وربما في حالة سميح القاسم الشعرية والتي تفيض بدلالات استثنائية تشبه بعض الشئ مواجيد محمود درويش الشعرية، نستقرئ أنه استطاع بفضل جمهور القصيدة الوفي أن يستحيل هو نفسه قضية الشعر بعد أن نجح في جعل قصيدة الانتفاضة والأراضي المحتلة القضية الأرض لديه ولدى جمهوره، ومن الصعب نسبياً أن يفلح شاعر معاصر في الوصول إلى قرائه باعتباره قضية في حد ذاتها بجانب القضية الأبرز حضوراً في قصائده .

ففي قصيدته " مقابلة مع المدير " نرى وضوح الجانب الذاتي عند سميح القاسم الذي سيتنامى بعد ذلك لدى القارئ حتى يصير متلهفاً لقنص حكايا الشاعر الذاتية، والتقاط التفاصيل المدهشة عن حياته والمنظومة شعراً، يقول سميح القاسم:

(وضاع شهر آخر/ في البحث عن عمل/ في مصنع الحزن / وفي دائرة الملل/ وضربوا لي موعداً لألتقي بحضرة المدير . / كانت على المقعد،/ خلف مكتب المدير/ طائرة مقاتله/ وانتهت المقابله!) .

وهذا التنامي ربما غير المقصود من سميح القاسم في أن يصير هو القضية كما كانت الانتفاضة قضية رئيسة في شعره، وكما صارت غزة عروساً استثنائية حاضرة على الدوام في مجمل دواوينه، هذا التنامي جعله لا شعورياً أن يسير على نفس درب صديقه الرائع محمود درويش في أن يكون ملتحفاً بالمكان الذي صار قطعة منه، وصار هو أحد تفاصيله، ففي قصيدته (غزة) التي يشير في مطلعها إلى تفاصيل المشهد هناك من موتى وأسلحة وغول وعنقاء وسجن كبير واعترافه الشعري الأكثر شهوداً بقوله " قد تموت في الفجر ـ غزة ـ قد تموت ! "، نجده في نهاية القصيدة يعلن أنه غزة بتفاصيلها المادية والإنسانية، يقول سميح القاسم في نهاية قصيدة غزة:

(ولا أزال،/ يا حبي المحظور، /طفلاً لاهياً في ساحتك / وفتى ينازل غاصبيك، على تراب أزقتك / وأنا القتيل على الرصيف / وأنا الأشداء الوقوف /وأنا البيوت.. البرتقال../ أنا العذاب../ أنا الصمود../ أنا المئات / أنا الألوف / اليوم صار على المحبين اختيار الموت / أو أبد الفراق / اليوم عروس دمي المراق / وأنا.. وأنتِ / نعيش يا حبي المقاوم / أو نموت !) .

وفكرة العناق هذه نجدها بوضوح أيضاً عند محمود درويش ومشروعه الشعري المتفرد، لاسيما في قصية (الأرض) الذي يخلق من خلالها نفس الحالة التي وجدناها عند سميح القاسم في قصيدته (غزة) فنقرأ في قصيدة الأرض لمحمود درويش حالة التمازج الطبيعي بين الشاعر والمكان، يقول درويش:

((" أنا الأرض../ يا أيها الذاهبون إلى حبة القمح في مهدها /احرثوا جسدي !/ أيها الذاهبون إلى جبل النار/ مروا على جسدي/ أيها الذاهبون إلى صخرة القدس/ مروا على جسدي/ أيها العابرون على جسدي/ لن تمروا/ أنا الأرض في جسد/ لن تمروا/ أنا الأرض في صحوها/ لن تمروا... ").

وعلى هذا النهج نرى قصيدة (30 آذار) وهو اليوم الذي أعلن يوماً للأرض، وكما يقول سميح القاسم نفسه عن هذا اليوم: " أعلناه يوماً للأرض.. وأعلنته دماء شهدائنا عيداً فلسطينياً من أعياد الصمود والفداء "، وهذه القصيدة تسبح في فلك الاعتراف باستثنائية فلسطين وأرضها، وفي (30 آذار) نكتشف على الفور أن التعلق الحميمي بالمكان كفيل بتكثيف إحساس الفتنة بالأرض والافتتان بتفاضيلها وما تحمله من ذكريات ضاربة في القدم، وفتنة الأمكنة شاهد قطعي على وطنية القضية التي يتناولها سميح وغيره حينما يمرون على فلسطين، وهو رهان شعري لديه لا يمكن الفكاك من شركه، وحتى وإن كان المكان يبدو مرتعشاً ومضطرباً وفي بعض الأحايين ساحة رعبٍ فإن الألفة بينه والمكان تظل قائمة بغير إرادة للرحيل، يقول سميح القاسم:

(دمكم صوتنا   !/أين سخنين، عرابة، كفر كنَّه ؟/أين بحر البقر ؟/أين يا أخوتي دير ياسين أو كفر قاسم ؟/أين يا أخوتي عين جالوت أو ميسلون ؟/أين ؟/لا نسأل !/أين ؟/لا نجهل !/نحن لا نجهل الفرق يا أخوتي/بين معرفة الدم، والمعرفة/نحن لا نسأل الخارطة/دمكم وحده الخارطة) .

وإذا كان المنجز النصي المعاصر الذي يتفاخر به أهل الأدب مبدعين ونقاداً هو الرواية، بل صار بعض النقاد يلهثون وراء اقتفاء أثر الروايات أكثر من الروائيين أنفسهم وراحوا يؤسسون لعصر الرواية، فإن سميح القاسم اجتاز مثل هذه المقولات ليجعل القصيدة والجمهور معاً هما المنجز النصي المعاصر، ذلك حينما استطاع ببداهة العارف بالشعر أن يجعل قارءه جزءاً أصيلاً من النص، وأن يدفع غير الفلسطيني للتعاطف مع القضية والاكتراث بالأرض التي يتحدث عنها هو في شعره . وكم كان شاعرنا سميح القاسم الأكثر ذكاء ساعة ما قام بتوصيف المشهد في غزة مستخدماً في ذلك آلية الطفل وتفاصيله المدهشة وعالمه البرئ، ففي قصيدته (أطفال غزة) يبدأ سميح القاسم بتوجيه النداءات التي تماثل الاستغاثة لما يحدث في غزة، ثم ينتقل إلى أحد تفاصيل لهو الأطفال، مختتماً بدفع القارئ إلى التوحد والاتحاد مع النص الذي سرعان من يستحيل إلى تعاطف وتكاتف من أجل قضية الأرض،  وهنا سميح القاسم ينعطف بعض الوقت بعيداً عن التحريض على الكفاح ونيل الاستقلال ومقاومة الاحتلال الصهيوني الغاشم، ليرنو قليلاً لاكتشاف سحر المكان واختلافه، معلناً شرف الانتساب حتى وإن كان رمزياً ليسمح لغيره أن ينال هذا الشرف يقول سميح القاسم:

(للذي يحفر في جرح الملايين طريقه / للذي تسحق دباباته ورد الحديقة / للذي يكسرفي الليل شبابيك المنازل / للذي يشعل بستانا ومتحف / ويغني للحريقة  / للذي ينحل في خطوته شعر الثواكل / ودوال تتقصف/ للذي يصدم في الميدان دوري الفرح / للذي تقصف طياراته حلم الطفولة/  للذي يكسر أقواس قزح / يعلن الليلة أطفال الجذور المستحيلة / يعلن الليلة أطفال رفح  / نحن لم ننسج غطاء من جديلة / نحن لم نبصق علي وجه قتيله / بعد أن ننزع أسنان الذهب / فلماذا تأخذ الحلوي، / وتعطينا القنابل ؟ / ولماذا تحمل اليتم لأطفال العرب ؟ / ألف شكر بلغ الحزن بنا سن الرجولة وعلينا أن نقاتل.).

لِذَا وَجَبَ التَّنْوِيْه.. الشِّعْرُ ذاكِرَةُ  الأمَّةِ:

وحينما كتب إدوارد سعيد منذ أكثر من خمس عشرة سنة عن محمود درويش مقاله الماتع (تلاحم عسير للشعر وللذاكرة الجمعية) أكد في سياقه على أن درويش رغم صيرورة شاعريته وانتقاله اليسير تجاه القارئ العربي إلا أن التلاحم كان عسيراً بعض الوقت بين شعره وبين ذاكرة العرب الجمعية وعلل ذلك إدوارد سعيد بسبب اقتران محمود درويش الطويل باللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وأنه أدخل الخاص والعام في علاقات قلقة دائمة حيث تكون قوة وجموح الأول غير متلائمة مع اختيارات الصواب السياسي والسياسة التي يقتضيها الثاني . لكن سميح القاسم لم يجد عناءاً في التلاحم بين الشعري والذاكرة الوطنية من ناحية، وبين الشعري والشعبي من ناحية أخرى، ففكرة التحلل من الارتباط والتزاوج بين حالة الشعر والنظام السياسي كفيلة بأن تصل بالشاعر إلى مقام محمود لدى القراء من جهة، ونقاد الشعر من جهة ثانية . وحينما يقرأ المرء قصائد شاعر ما ويفطن لبعض توجهاته السياسية والأيديولوجية بصفة عامة فإنه سرعان ما ينقل تفاصيل السيرة الذاتية للشاعر في نسيج نصه الذي ربما لا يتضمن هذه التفاصيل، أما سميح القاسم الذي قدم نفسه قرباناً للشعر وللقصيدة فهو في حالة ذوبان دائمة مع النص، فأنت تقرأ القصيدة لشاعر إنسان دونما أن تكترث بوضع اسم سميح القاسم عليها، لأنه بالفعل في موقف اتحاد وحلول بالقصيدة لاسيما وأنه اجتاز فكرة عرض تفاصيل حياته اليومية في سياق شعري واكتفى أن يكون الصوت وحده . يقول سميح القاسم في قصيدته (كانت وتبقى) :

(يخبو الكلام / و تغرب الأصداء/و يغادر الخطباءُ . . و الشعراء/ و يظل قلبك نابضاً / . . و يظل في القلب الكبيرِ الإخوة الشهداء /يا أمنا الأرض ابشري و استبشري / ما زال يحرس عرضك . . الأبناء) .

وفي قصيدة (صقر قريش) نجد الوعي الشديد لدى سميح القاسم بالذكرة العربية الجمعية، إذ يرى أن من مهمات الشاعر الرئيسة أن يعيد السلطة المطلقة لتاريخه العربي والإسلامي، يقول القاسم:

(وداعا يا ذوي القربى/ وداعا.. والجراح النجل / في قلبي مضاضتها / طوال العمر /ونفسي يا ذوي القربى / وإن شيدت ملك الله في الغربة / ينازعها حنين السفر للأوبة).

وربما يظل سميح القاسم أكثر شعراء الأرض المحتلة حظاً بوعيه بالمشهد العربي جملة وتفصيلاً، وهو وعي يعكس معاصرته للحدث الذي يتلقاه كغيره من أبناء الوطن العربي الكبير حتى يتحول بفضل قصيدته إلى جزء أصيل من الحدث ذاته، هذا ما نجده في قصيدة (حلم عبد الناصر) على سبيل المثال، يقول سميح القاسم:

(ما طرحت زيتونة الذاكره / ثمارها، إلا وراء الرحيل / يا موت ! / فافتح شرفة الآخره / وماشياً / أخترق المستحيل) .

حَوَّاءُ فِي قَصِيْدَةِ سميح القَاسِمِ:

يقولون في الأثر على الشاعر أن يسير على أطراف أصابعه وهو يتحدث عن المرأة، لأنها الشاهد التاريخي على بقائه في دفتر الشعر العربي، وعلى رسوخ قدميه على النظم والقوافي، لذا فإن وعي الشاعر عموماً بقراءات نسوية لقصائده يظل خياراًَ شعرياً قائماً برهانات متباينة بين صورة الأم والزوجة والحبيبة والابنة ونساء الوطن، وللشاعر ما شاء أن يغترف من صمتهن الكثير من التعابير والصور البلاغية، ومن كلامهن وهج القصيدة، وإذا كان محمود درويش رفيق درب سميح القاسم قد أدهشنا بقصيدته المدهشة (أحن إلى خبز أمي)، فإن سميح القاسم يظل محفوراً بذاكرتنا بقصيدته الأكثر ثراء المعنونة بـ (حتى إشعار آخر) والتي يظهر فيها صدق الوصف والتوصيف لمشاعر ابن تجاه أمه، لاسيما وأن موقف سميح القاسم يختلف بعض الشئ عن رفيقه درويش، إذ أن حالة الغياب والرحيل والابتعاد القسري تضغط على روح القصيدة، مما تجعل القارئ مهيأ للتناص منها دون أن يعي فعل التناص، يقول سميح القاسم:

(واشتقت يا أمي إليك، اشتقت يا أمي كثيرا / لا غير صندوق البريد  / يهب اليتامى التائهين وراء آلاف الحدود / تهليلة أو حبل سرَّه / وعليك يا أمي السلام / وفي الحضارات التي قتلت أبي كل المسره / لا غير صندوق البريد / علقت منديلي عليه (شراع ملاح عنيد) / علقت منديلي المبلل بالدموع عليه / صارت لي سفينة / لكنني قرصان حبي / أرتكب الحنين إلى ملاذك / كالجريمه) .

وحينما يكتب سميح القاسم عن الحبيبة فيجب التوقف طويلاً لا لتأمل القصيدة فحسب، بل لتدبر الحالة التي كتبت فيها تلك القصيدة، فإذا تربينا على قاعدة أن أعذب الشعر أكذبه، وخصوصاً فيما يتعلق بمديح النساء والتشبب بهن، فإن هذا ينطبق تمام الوصف على شعراء الوطن العربي جميعهم باستثناء شعراء الأرض المحتلة، هذا الاستثناء مفاده أن هؤلاء الشعراء تغنيهم قضيتهم الأبدية عن الالتفات إلى وجد القلب وإخفاقه، وحجم المعاناة التي يعيشها المواطن الفلسطيني بوجه عام والشعراء الذين يحملون بصدورهم قلوباً تستوعب الدهشة بعنف على وجه الاختصاص كفيلة بأن تبعدهم أميالاً طويلة عن الاكتراث بالحب وقصص الغرام الذاتية .

لذا فإن حال الحب في القصيدة الفلسطينية تحمل دلالات أكبر من معاني العشق المألوفة، وأن الحبيبة في النص الشعري الفلسطيني لا تمثل جسداً أنثوياً يمكن التغزل في تفاصيليه الحسية، فإن المرأة هنا معادل موضوعي لأشياء أخرى، أهمها الأرض، والملجأ، وصندوق الأسرار، وصوت النحيب، و أم الشهداء، والاستسلام إلى العزلة . ولا أريد الجنوح بعيداً بالقول بأن المرأة في شعر سميح القاسم تشبه السؤال التقليدي الذي يوجهه منفذ الإعدام بالمعدوم قبل تنفيذ الحكم: ماذا تريد قبل أن تموت ؟ . لأن سميح القاسم ومحمود درويش وغيرهما في مقام كفاح مستمر بسلاح القصيدة، وأنهما حينما يتمنيان حلم العشق المتبادل فهما على وعي شديد بأن الأمنية لا ولن تدوم، وأن الرحيل والافتراق وارد لا محالة . يقول سميح القاسم في قصيدته (وأريد):

(أريد امرأة / تغفر أخطائي الكثيرة./  وتنساني/  إذا ما غبت قليلاً /  ثم تهواني / إذا ما عدت قليلاً./  وتغني لي وتبكي /  وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة) .

ولأن سميح القاسم بوصفه شاعراً ينتمي لمنطقة مضطربة ومسارعة بالأحداث الدامية، فإن ذلك ينعكس بالضرورة على شكل القصيدة التي تتناول المحبوبة من حيث قصرها، وبساطة الوصف والخيال بها، وسرعة التعبير والابتعاد عن الغموض، لأن الوقت لا يسمح من ناحية، وأن الحدث بالفعل (قصيدة الحب) ربما لن يتكرر بفعل المواجهة المستمرة مع الكيان الصهيوني الراهن، بالإضافة إلى التزام الشاعر بالمفردات التي تعبر عن واقعه بصدق ، يقول سميح القاسم في قصيدة له بعنوان (قصيدة قديمة):

(أنتقي من سوسن الحقل وشاحاً لحبيبي/غير أن الحقل مزروع بألغام جديدة/أنتقي من قصب الوديان، ناياً لحبيبي/غير أن الجند في الوديان/يجرون تمارين جديدة!/أنتقي من كرمنا أجمل عنقود/لأهديه حبيبي/غير أن الكرم..يا عيني/أحاطوه بأسلاكٍ جديدة/يا حبيبي..اطفيء القنديل/موتي..مددوه!/فترة أخرى...جديدة!) .

خَيَارُ السِّيْرَةِ الذَاتِيَّةِ:

في نهاية الرحلة التي طفنا بها في بعض عوالم سميح القاسم الشعرية، نقول إن النقاد المعاصرون رغم أنهم احترفوا الحداثة وفتنتها وفضلوا الابتعاد عن سيرة المبدع وعالمه الشخصي اجتراراً لنظريات نقدية وفدت إلينا من القارة الأوروربية أهمها إعلان موت المؤلف وأن النص أصبح قاسماً مشتركاً بين مؤلفه والقارئ، ثم ظهرت نظريات نقدية أخرى بعنوان القراءة التفاعلية أو التشاركية أهملت حتى اسم الشاعر أو الروائي، لكن رغم هذا الزعم فإن النقاد أنفسهم لا يستطيعون إغفال سميح القاسم عن قصيدته لأنه كما ذكرنا القصيدة الحدث، وأن سيرة الشاعر الذاتية التي تظهر بين حين وآخر في دواوين سميح القاسم لهي جديرة بالذكر والاهتمام، لأن حالة سميح القاسم السياسية والتي يعبر عنها شعراً لا تسمح له بادعء الكذب أو إخفاء جانب دون آخر، فالمشهد مكشوف تماماً ولم يعد الكلام عن حدث الانتفاضة وأهلها أمراً بالمسكوت عنه، وإن كانت السيرة الذاتية أقرب الصلة إلى سيرة فلسطين الجمعية، لأنه أحيانا يتكلم بصيغة المتكلم لكنه يتحدث عن مشهد تعرض له مواطنوه،  يقول سميح القاسم في قصيدته (أدافع):

(لم أتمدد على كرسي القماش الملون / في شرفة فندق صيداوي / لم أنشد مطلعاً لجماهير بيروت / هل قلت أطفالي؟ / أنا المحروم من شرف التفجر بديناميت الحب / أنا أسير الحرب المتمتع بحق الانتخاب / أنا المواطن المقيم دائماً على مجرود الزبالة / هل قلت أطفالي) .

وكما يقول أحد نقادنا المعاصرين عن الشعر الفسلطيني بإن أعظم إنجازات الشعب الفلسطيني عبر سنوات نضاله، ليست في استشهاد أبطاله، ولكن في إنتاج شعرائه، فالشهداء يتساقطون خارج حدود القصيدة، لكن القصيدة تمنحهم الحياة مرة أخرى، فينتصبون بداخلها رمزاً جديداً لمزيد من الاستشهاد، لذا فالقصيدة الفلسطينية على الدوام تنكر مقولة إن الرواية هي ديوان العرب، فقصيدة فلسطين ديوان العرب وتاريخهم لأنهم بالفعل يعاصرون الحدث ويشاركون في صنعه، يقول سميح القاسم في قصيدته (قصيدة الانتفاضة):

(تقدموا تقدموا ! / كل سماء فوقكم جهنم / وكل أرض تحتكم جهنم / تقدموا / يموت منا الطفل والشيخ / ولا يستسلم / وتسقط الأم على أبنائها القتلى / ولا تستسلم / تقدموا / بناقلات جندكم / وراجمات حقدكم / وهددوا / وشردوا / ويتموا / وهدموا / لن تكسروا أعماقنا / لم تهزموا أشواقنا / نحن قضاء مبرم) .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

بليغ حمدي اسماعيلالوُجُوهُ تَتَعَدَّدُ: يمثل محمود درويش حالة استثنائية في تاريخ الشعر المعاصر، ويعد كقامة شعرية متفردة نموذجاً مباشراً لخصوصية القصيدة في تفاصيلها التي سرعان ما تتحول إلى مزاجاً عاماً لمريدي الشعر بصفة خاصة وللثائرين والعاشقين، والرافضين لنظمهم السياسية الطاغية بصفة عامة، لذا فإن متعة تناول سيرة وأشعار محمود درويش تتأتى من رصد حالته الشعرية وتجربته داخل القصيدة التي يصر أن يكون فيها حاضراً بغير غيابٍ، وربطها بواقع تجعل القارئ يعيش يومياته المتأرجحة بين الثورة والعشق والرفض واسترجاع ذكرياته.

وتفرد درويش لم يتحقق من تفرد حالته التاريخية بوصفه مواطناً فلسطينياً يعاني وشعبه من الطغيان الصهيوني فحسب، بل إن حالة التفرد تلك تحققت من خلال لغة رمزية مسكونة بالدلالات التي لا تنقضي، فالقصيدة الدرويشية تشبه بالرسم الجرافيتي الذي يعبر عن حالة راهنة تستدعي المشاركة والتعاطف معها وهذا سر من أسرار تفرد قصيدته، بجانب أن محمود درويش كان حريصاً على أن يجعل كل حالات الغياب حضوراً مشهوداً ليس مستحيلاً، ومن ثم يستطيع القارئ والمتابع لنصه أن يكون حضوره القرائي موجوداً بالقصيدة بغير ملل أو كلل. كما أن هذا التفرد الشعري سُجِّلَ حصرياً باسم محمود درويش لاستباقه المعاصر ـ حيث إن شاعر العربية الأول أحمد أبي الطيب المتنبي صاحب السبق الأول ـ في طرح نفسه عبر سياقه الشعري وهو ما يستقرئ منذ ديوانه الأول " عصافير بلا أجنحة " 1960م، انتهاءً بديوانه " لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي"، مروراً بدواوين شعرية تتناص فيها صورة الشاعر الشخصية بالهم الوطني القومي.

وليس بغريب أن تتعدد وجوه محمود درويش الشعرية إذا ما رجعنا إلى بدايات التكوين مروراً بمراحل تقعيد وتكريس القصيدة لديه، فالبدايات عند محمود درويش تبرهن على هذا التعدد ومزية التنوع في قصيدته التي تجعله شاعراً مرغوباً لدى قارئه بتعدد وتنوع حالاته ووجوهه هو أيضاً. فبين بدايات شبيهة بالنص الشعري عند نزار قباني وبدر شاكر السياب مروراً بالنصوص المباشرة لعبد الوهاب البياتي وأدونيس حينما كان غير مضلل بنصه المغاير لطبيعة اللغة، انتهاء بصور شعرية ترصد حالات ومقامات كشعر أحمد أبي الطيب المتنبي، نجد محمود درويش يصنع لنفسه كرسياً في ديوان الشعر العربي حتى يكاد بعض النقاد المتأخرين يصفونه بأنه الوريث الشرعي للقصيدة العربية من أجل حفاظه على تنوع الشعر واختلاف أغراضه والتمسك برصانة قواعده مع السماح لبعض التجاوز الشعري الذي يضمن للقصيدة معاصرتها ومطابقتها لمقتضى الحال كما يزعم البلاغيون القدماء.

وهذه الوراثة الشعرية الشرعية لمحمود درويش هي التي مكنته من أن يمتلك خصوصية الشهادة الشعرية للتاريخ المعاصر، فإذا كنا قد نذهب بالرأي بأن أدونيس هو المالك الحصري للقصيدة في تنوعاتها الفلسفية المعاصرة، فإن محمود درويش بحق هو مؤرخ الواقع الإنساني شعرياً، لأنه بإيجاز استطاع رسم خارطة شعرية ممتدة ترصد حالات متباينة مثل تباين المناخات والطقس فيمكنك أن تلتمس واقعك الاجتماعي أو السياسي أو الشخصي من خلال التماس تلك الحالة من القصيدة نفسها.

الثَّوْرَةُ حُضُوْرٌ عَبْرَ الشِّعْرِ:

لم يكن غريباً التحاف الثوار بدول الربيع العربي مصر وتونس وليبيا وأخيرا سورياً بديوان محمود درويش، ولم تكن تلك الصور والمشاهدات التي رأينا من إلقاء شعري لبعض قصائده التحريضية على الأنظمة السياسية الفاسدة إلا توثيقاً تاريخياً لهؤلاء الثوار على نزاهة ونقاء قضيتهم الثورية، بل يمكننا الزعم بأن قصائد محمود درويش التحريضية الثورية وإن كانت فلسطينية الرائحة والتوجه إلا أنها كانت باعثاً قوياً لفورة الثائرين وشحذ عزائمهم باعتبار أن الثورات العربية في بدايتها كانت ياسميناً تارة وبيضاءَ تارة أخرى وهي بذلك تشبه القصيدة الدرويشية التي يمثل فيها العطر واللون ملمحين رئيسان فيها.

(نم، يا حبيبي، ساعة ً

حتى يعود الروم، حتى نطرد الحراس عن أسوار قلعتنا

وتنكســــــر الصــــــواري

كي نصفق لاغتصاب نسائنا في شارع الشرف التجاري

نم يا حبيبي ساعة ً حتى نموت

هي ساعة للانهيار

هي ساعة لوضوحنا

هي ساعة لغموض ميلاد النهار

كم كنت وحــــدك، يا ابن أمّي

يا ابن أكثر من أب ٍ

كم كنت وحـــــدكْ)

*********

ويعود الشاعر التحريضي بوجهه المباشر غير المقنع ليحرض على الثورة وإن كانت القصيدة كما أوضحنا تحمل رائحة وطعم ولون التراب الفلسطيني لكن ما فلسطين إلا صورة رمزية لشتى البقاع العربية التي تمارس عليها الأنظمة العربية السياسية كل صنوف وفنون الفساد والطغيان السياسي غير المشروط:

(وضعوا على فمه السلاسل

ربطوا يديه بصخرة الموتى،

و قالوا: أنت قاتل

أخذوا طعامه والملابس والبيارق

ورموه في زنزانة الموتى،

وقالوا: أنت سارق

طردوه من كل المرافيء

أخذوا حبيبته الصغيرة،

ثم قالوا: أنت لاجيء

يا دامي العينين والكفين

إن الليل زائل

لا غرفة التوقيف باقية

و لا زرد السلاسل

نيرون مات، ولم تمت روما

بعينيها تقاتل

وحبوب سنبلة تجف

ستملأ الوادي سنابل)

وإذا أردت أن تكتشف ماهية الثورة ودلالتها ودور محمود درويش التحريضي عليها فعلى القارئ دوماً أن يتجه إلى مواضعة (الولادة) لغة واصطلاحاً شعرياً درويشياً داخل ديوانه، فلفظة الولادة التي يصر محمود درويش على استخدامها الحصري لها هي معادل موضوعي لمفهوم الثورة والخروج الشرعي على الحكم السياسي غير الشرعي، والولادة داخل القصيدة تحمل دلالات متعددة كتعدد وجوه محمود درويش الشعرية نفسها، فهي تشير إلى ثورة آتية، أو رمزاً تاريخياً يحمل استشرافاً مؤقتاً للمستقبل:

(كانت أشجار التين

و أبوك..

و كوخ الطين

و عيون الفلاحين

تبكي في تشرين!

_المولود صبي

ثالثهم..

و الثدي شحيح

و الريح

ذرت أوراق التين !

حزنت قارئة الرمل

وروت لي،

همسا،

هذا الغضن حزين !

_يا أمي

جاوزت العشرين

فدعي الهمّ، ونامي!

إن قصفت عاصفة

في تشرين..

ثالثهم..

فجذور التين

راسخة في الصخر.. وفي الطين

تعطيك غصونا أخرى..

و غصون!)...

دَرْوِيْشُ ولَذَّةُ الحَكْيِ:

عندما تتعانق الطبيعة متمثلة في الأرض وأنهارها المطلة على النوافذ العربية المسكونة بالحيرة والقلق وتوجس انتظار الغائب، تظهر قامة الشاعر الفلسطيني المبدع محمود درويش الذي تزامنت ذكرى وفاته منذ سنتين الشهر قبل المنصرم. والشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي رحل عن دنيانا وهو يحلم بوطن فلسطيني على أرض عربية، غادر الحياة وفارقها بعد صمت طويل من الحكام العرب تجاه قضية وطنه، وسقوط بعض الأنظمة العربية وقت تهاوي سياساتها تجاه النخبة والقصيدة، وبعد انحسار مستدام للنخوة العربية التي لا نجدها إلا في مدرجات كرة القدم.

ومشروع القصيدة عند محمود درويش في مجمله الذي تحتفي هذه السطور القليلة بشعره يمكن أن نرصده في ملامح متمايزة ومحددة، أهمها ملمح الحرية، فكل من يقترب نحو شعر محمود درويش يدرك حقيقة الحرية التي حرص عليها وعلى نشرها بين المواطن العربي وإخوته وعشيرته. بالإضافة إلى ملمح آخر مهم في المشروع الشعري لدى محمود درويش هو الإنسانية، لذا من الأحرى على أولئك الذين تعاملوا مع شعره من منظور نقدي مجرد أن يتخلوا عن الأسس النقدية الجامدة ويعلوا القيم الإنسانية من جانب الحكمة الشعرية " وداوني بالتي كانت هي الداء" .

لذا فالرائي للمشروع الشعري العام له والخاص لدرويش يستطيع استقراء حالة العناق بين الإنسان ومفردات الطبيعة لاسيما المسكونة بالحركة وإن كانت من كنهها السكون والجمود كالتراب والحصى والضلوع والأرصفة الصامتة، إلا أنها تتسق مع عناصر أكثر حرية وحركة كالعصافير والشجر: ينظم درويش:

" أسمي التراب امتداً لروحي

أسمي يدي رصيف الجروح

أسمي الحصى أجنحة

أسمي العصافير لوزاً وتين

أسمي ضلوعي شجر

وأستل من تينة الصدر غصناً" .

ولعل درويش في قصيدته المتفردة " فكر بغيرك " ، يحاول أن يرسم لوحة تضامنية تجسد مشاعر المواطن العربي تجاه أخيه المفترش الأرض دونما غطاء، بل هو يسعى إلى أن يعري واقعاً ممتقعاً يمارس فيه المواطن البعيد عن سطوة الاحتلال كل أنواع رفاهية العيش، وهنا لا يكتف محمود درويش بدور المحرض فقط، بل يثير حفيظة ذلك المواطن تجاه ما يعانيه الفلسطيني المغتصبة حقوقه وأرضه وعرضه، بل وربما أحلامه أيضاً.

" وأنتَ تُعِد فطورك، فكر بغيركَ

لا تَنْسَ قوتَ الحمام

وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكر بغيركَ

لا تنس مَنْ يطلبون السلام

وأنتَ تسدد فاتورةَ الماء، فكر بغيركَ

مَنْ يرضَعُون الغمام

وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكر بغيركَ

لا تنس شعب الخيامْ

وأنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكر بغيركَ

ثمّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام

وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكر بغيركَ

مَنْ فقدوا حقهم في الكلام

وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكر بنفسك

قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلام" .

***

فها هو ذا الشاعر المحرض دوماً يدغدغ مشاعر المواطن العربي المنعم بالرفاهية بعيداً عن أصوات القنابل والرصاص وفوهات البنادق، ويحرضه أن يشارك مواطنه الفلسطيني همومه ويتقاسم معه قدراً من المعاناة اليومية، لا أن يكتفي بترديد التعاطف والمشاركة الوجدانية فقط، والقصيدة رغم قصرها إلا أنها اختزلت الحقوق الرئيسة التي يحلم بها المواطن الفلسطيني مثل حقوق الطعام، والشراب، والبيت، بل يتجاوز محمود درويش خطوط قصيدته لينبه على ما امتلكته الأمة العربية من جماليات لغوية كالاستعارات والتشبيهات والكناية والمجاز المرسل والفصل والوصل، وكل الأبواب البلاغية التي امتلأت بها المؤلفات العربية، ورغم ذلك فإن الطفل والرجل والمرأة والشيخ بالأراضي الفلسطينية المحتلة قد فقدوا جميعاً حقهم في الكلام.

ويظل محمود درويش مرتبطا بالفكر القومي، ترتفع معه فنيا ومعنوياً مضامين قصائده، كما تنخفض معه أيضاً، فهو مؤشر واضح وصادق لإيجابيات وسلبيات المرحلة، فهو يندد بالظلم الواقع على المواطن العربي في بلاده العربية، ونجده يرثي بغداد والعراق حينما تتحول إلى أراض غريبة مستهجنة، تعاني قمع الاغتراب والتنوع الديني والعرقي الذي يمزقها ويفتتها أشلاء متناثرة يصعب تجميعها في نسيج واحد. وهو في هذا العناق الأيديولوجي بالفكر القومي نجده مصراً على التواجد الفعال لعناصر الطبيعة من خلال مفردات بعينها كالنسر مثلاً:

" أنا آت إلى ظل عينيك آت

مثل نسر يبيعون ريش جناحه

ويبيعون نار جراحه

بقناع .. وباعوا الوطن

بعصا يكسرون بها كلمات المغني

وقالوا: اذبحوا واذبحوا..

ثم قالوا: هي الحرب كر وفر" .

ثم نجده تارة أخرى مشيراً إلى خطر الحكم الباطش الذي يكون الفرد مسوقاً لا إرادة له، مشيراً إلى تلازم هذا البطش والانتكاسات القومية والوطنية،هذا التلازم يجعله مضطراً لاستخدام آليات لغوية (مفردات وتراكيب) تشير إلى سطوة القيد ومحاولة الفكاك منهن ولعل قصيدته المشهورة " الأرض " هي خير نموذج للتأكيد على الملمح القومي والوطني بمؤشراته في مشروعه الشعري .

" هذا اخضرار المدى واحمرار الحجارة

هذا نشيدي

وهذا خروج المسيح من الجرح والريح

أخضر مثل النبات يغطي مساميره وقيودي

وهذا نشيدي

وهذا صعود الفتى العربي إلى الحلم والقدس " .

أنَا أرْفُضُ .. إذاً أنا مَوْجُودٌ:

ولعل السمة الأكثر وضوحاً وتميزاً في قصيدة محمود درويش هي سمة الرفض، والرفض عنده رفض سياسي سرعان ما يستطيع تطويعه داخل النص ليصبح رفضاً اجتماعياً لكل ما هو مغتصب غير مكتسب بفعل التجربة ومحك المحاولة والخطأ، وتراه مجتهداً في تمزيق عباءة الانكسارات العربية. لذا فإن قصيدة محمود درويش لم تجئ تعبيراً عن رفض الهزيمة العربية في يونيو 1967 فحسب، ولكن جاءت أيضاً تعبيراً عن رفض الاحتلال الإسرائيلي منذ بدايته وكشفاً لوجه جديد لم يعرفه العرب والعالم، عن أشكال المقاومة العربية داخل أسوار السجون الإسرائيلية .

وتمتاز القصيدة الدرويشية بسمة البعد عن اليأس والهزيمة، رغم أن الحالتين رهن اليقين، بل إن مشروع محمود درويش الشعري حاضن حقيقي لهاتين الحالتين بل يعد ديوان محمود درويش الشعري هو أبرز تجليات يأس المحاولة لتغيير الواقع السياسي بصورة أفضل، وهزيمة الإرادة الجماعية لنصرة قضيته الفلسطينية التي سرعان ما تحولت داخل مشروعه الشعري من حالة ذات خصوصية إلى معركة إنسانية عامة، ورغم العصافير التي تفر من قبضته على حد وصفه في قصيدته " لا جدران للزنزانة " إلا أن مجمل قصيدته دائماً ما تشع بالأمل في الانتصار المحتوم، وربما تأتي هذه المزية من أن شاعرنا ينطلق من موقع النضال الحقيقي والعملي ضد الاحتلال، حيث القصيدة التي تفضح جرائم الاحتلال، وتكشف دونما حماقة عن بشاعة ما يتعرض له الناس تحت الحكم الإسرائيلي، ولعل محمود درويش امتاز عن شعراء جيله في أنه لم يسجل موقفاً، ولم يكتف بالإدانة والشجب السلبي، ولكنه يثير فعلاً، إنه يحرض على المقاومة، بل وقصيدته نفسها تعتبر منشوراً سرياً يفرض على المواطن العربي تنفيذ ما جاء به من أوامر وتعليمات، لذا فالقصيدة محرضة، وصاحبها محرض على المقاومة، وإن شئت فقل إن محمود درويش يطلق رصاصة تحت اسم القصيدة.

(" أنا الأرض..

يا أيها الذاهبون إلى حبة القمح في مهدها

احرثوا جسدي !

أيها الذاهبون إلى جبل النار

مروا على جسدي

أيها الذاهبون إلى صخرة القدس

مروا على جسدي

أيها العابرون على جسدي

لن تمروا

أنا الأرض في جسد

لن تمروا

أنا الأرض في صحوها

لن تمروا... ").

الغَائِبُ حِينَمَا يَصيْرُ أكْثَرَ حُضورَاً:

قد لا يجد المرء حيرة وهو يعتزم قراراً بالحديث عن محمود درويش، لأنه بغير وعي سيتجه طواعية نحو قصيدته المطولة " جدارية " والتي زين بها عباءة الشعر العربي منذ المهلهل بن أبي ربيعة مروراً بالقامات الشعرية الكبيرة في تراثنا الشعري، فالجدارية باختصار دقيق تعد دليل التشغيل لمشروع درويش الشعري، وسيرة ذاتية للشاعر نفسه تركها لنا بعد رحيله كي نستبين شعره ومشروع قصيدته .فلقد نظم محمود درويش جداريته وكأنه يعلن بيانه الختامي، رغم أنه أعقبها بقصائد ودواوين أخرى، لكنه أراد أن يكون ما تمنى أن يريده في الماضي ؛ فكرةً، وطائراً، وشاعراً، وكرمة، ولغةً . ووصف أبجديته التي عاشها شاعراً ملأ الدنيا وشغل الناس، فكان غريباً، ورسولاً ورسالة ً، وحواراً للحالمين، وسماوياً، وغياباً، وطريداً.

(" سأصير يوماً طائراً، وأسل من عدمي

وجودي . كلما احترق الجناحان

اقتربت من الحقيقة، وانبعثت من

الرماد . أنا حوار الحالمين " .

ويقول في جداريته:

" سأصير يوماً شاعراً،

والماء رهن بصيرتي . لغتي مجاز

للمجاز، فلا أقول ولا أشير

إلى مكان . فالمكان خطيئتي وذريعتي ").

فالجدارية وثيقة مهمة لتأريخ القصيدة عند محمود درويش فهو يسعى بها لأن يكون حاضراً طيلة الوقت بين قرائه، ولأن يكون شديد الثقة لديهم حينما يهرعون لديوانه بعد موته وهذا ما تحقق بالفعل لأنه لا يرصد حالته الإنسانية فحسب، بل يكرس للصوت الإنساني العام الذي يأمل بقدر ما يعاني، ويحلم بالقدر الذي يحرم فيه من كل مظان الحياة الكريمة من حرية وعدالة ووجود كريم.

وفي الوقت الذي يسعى فيه محمود درويش إلى تأسيس شخصي له داخل تاريخ القصيدة العربية لم يكن يعلم أنه يحتفل بغيابه أولاً، وبجدلية العلاقة المطردة بين الموت والحياة:

(وكُلُّ شيء أَبيضُ،

البحرُ المُعَلَّقُ فوق سقف غمامةٍ

بيضاءَ . والَّلا شيء أَبيضُ في

سماء المُطْلَق البيضاءِ . كُنْتُ، ولم

أَكُنْ . فأنا وحيدٌ في نواحي هذه

الأَبديَّة البيضاء . جئتُ قُبَيْل ميعادي

فلم يَظْهَرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي:

ماذا فعلتَ، هناك، في الدنيا؟

ولم أَسمع هُتَافَ الطيِّبينَ، ولا

أَنينَ الخاطئينَ، أَنا وحيدٌ في البياض،

أَنا وحيدُ …)

والجدارية تمثل في مجملها خطاباً إلى الموت بدلالته الفلسفية لا بالصورة الجسدية، وهو يصر على أن يجعل لهذا الرحيل شعرية خاصة تدلل على الحضور من خلال استحضار الكائنات اللغوية التي تؤرخ سراً وعلانية لهذا الحضور الذي يستسلم طواعية لاحتفالية الموت باعتباره يقيناً لا لغط في موعده:

(سأَصيرُ يوماً فكرةً . لا سَيْفَ يحملُها

إلى الأرضِ اليبابِ، ولا كتابَ …

كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من

تَفَتُّح عُشْبَةٍ،

لا القُوَّةُ انتصرتْ

ولا العَدْلُ الشريدُ)

ونص " جدارية" هو النص الشعري الذي سمح لمحمود درويش أن ينتقل من خانة الشاعر الوطني القومي إلى خانة أكبر مساحة ودلالة وأهمية حيث صار شاعراً إنسانياً يخاطب حتفه الأخير وهو يستعرض حياة سريعة لم تلوثها عوارض الحياة وحركاتها وسكناتها، وهو في طريقه إلى الوصول لمقام الشاعر الإنساني يجتهد لأن يدلل على إنسانيته المعرضة دوماً لجدل الحياة:

(سأَصير يوماً كرمةً،

فَلْيَعْتَصِرني الصيفُ منذ الآن،

وليشربْ نبيذي العابرون على

ثُرَيَّات المكان السُكَّريِّ !

أَنا الرسالةُ والرسولُ

أَنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ) ...

وأكاد أظن أن محمود درويش بأسئلته التي لا تؤمن بالصدفة واللحظية لم يسع لأن يضع إجابات شافية لها فترك لنا عناء البحث عن تلك المهمة مستلهمين نصه الشعري ومسترشدين بقاموسه الشعري ذي الدلالات المتعددة لصياغة إجابات من شأنها أن تفتح باباً جديداً لأسئلة لا تنتهي:

(هل أَنا هُوَ؟

هل أُؤدِّي جَيِّداً دَوْرِي من الفصل

الأخيرِ؟

وهل قرأتُ المسرحيَّةَ قبل هذا العرض،

أَم فُرِضَتْ عليَّ؟

وهل أَنا هُوَ من يؤدِّي الدَّوْرَ

أَمْ أَنَّ الضحيَّة غَيَّرتْ أَقوالها

لتعيش ما بعد الحداثة، بعدما

انْحَرَفَ المؤلّفُ عن سياق النصِّ

وانصرَفَ المُمَثّلُ والشهودُ؟) ..

لاعِبُ النَّردِ ودَهْشَةُ النهايات:

أتوقف إجبارياً أمام النص الشعري الموسوم بـ " لاعب النرد" لا لأنه نص متميز ومتفرد لمحمود درويش فحسب ؛ بل لأنه نص يمثل الصوت الشعري النهائي لشاعرنا وهو يكرس لنفسه مساحة واسعة ومقاماً ثابتاً في ديوان الشعر العربي المعاصر، لقد أصر درويش رغم تاريخه الشعري الموصوف بالمباشرة ووضوح صوته الشعري مثل قضيته الوطنية أن يترك صوته أكثر غموضاً وهو يقدم نفسه في قصيدة " لاعب النرد " كرجل يفتش عن هويته، وثمة علاقة واضحة بين درويش القضية ودرويش الأنا التي تظهر بجلاء كاشف في لاعب النرد، وبات من الصعب إيجاد تعريف محدد لوطن تغيب تفاصيله شيئاً فشيئاً بفضل المؤامرة الصهيونية ضده، وبين اكتشاف هوية محددة لها دلالتها الوجودية في ظل حداثة من شأنها أن تضيع كل ملامح ممكنة .هذا يظهر بوضوح من خلال نصه الذي يؤكد فيه عن انشغاله المحموم بالإجابة عن سؤال وجوده:

(مَنْ أَنا لأقول لكمْ / ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ / رُبَّما صرتُ زيتونةً / أو مُعَلِّم جغرافيا / أو خبيراً بمملكة النمل / أو حارساً للصدى !).

ويظل محمود درويش في نصه " لاعب النرد " أشبه بزهر النرد نفسه الذي يأبى أن يستقر على رقم بعينه، بل تتقلب أوجهه معللاً بذلك حالات الحيرة الوجودية التي يعاني منها بحثاً عن مرفأ ليقين وجوده، تظهر هذه الحالة الشعرية بصورة دالة في المقطع الشعري التالي:

(أمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ /

أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أسرعُ / أبطئ / أهوي

أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ

/ أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ

/ أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى

/ أرى / لا أرى / أتذكَر / أَسمعُ / أبصرُ / أهذي /

أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أجنّ /

أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أدْمَى

/ ويغمى عليّ /).

وفي " لاعب النرد " يعود درويش لمزيته الفريدة وهي الحكي الشعري، حيث دائماً ما يجد الشاعر نفسه مضطراً اضطراراً رقيقاً لأن يؤطر لصوته الشعري عن طريق التقاط تفاصيل شعرية حياتية ـ وإن بدت شعرية لغوية لا تقارب الواقع ـ شديدة الخصوصية، وغالباً ما يلجأ الشاعر ـ أي شاعر ـ إلى تلك الحيلة الذهنية حينما يضيق واقعه برؤاه وطروحاته الفكرية، فيلتمس في حياته الشخصية ملاذاً أخيراً لتقنين وجوده وصياغته النهائية:

(وانتميتُ إلى عائلةْ

مصادفَةً،

ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ

وأَمراضها:

أَولاً - خَلَلاً في شرايينها

وضغطَ دمٍ مرتفعْ

ثانياً - خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ

والجدَّة - الشجرةْ

ثالثاً - أَملاً في الشفاء من الانفلونزا

بفنجان بابونجٍ ساخنٍ

رابعاً - كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة

خامساً - مللاً في ليالي الشتاءْ

سادساً - فشلاً فادحاً في الغناءْ) ... .

***

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

 

 عدنان الظاهر(بعض ُ قصص سناء كامل شعلان تلهمني ما تلهم.. شكراً للسناء).

إختطفها إذ غاب زوجها ليلاً عنها..

ما رآها قبل ساعة الإختطاف. رآها قبل ذلك مرّاتِ عدة ولكن، محتواة في إطار من فضة مُلقى ً على منضدة زوجها طبيب الأسنان الوحيد في القرية النائية. لم يرَ في سجنها الفضي ذاك إلا عينيها تشعان فيخترق الشعاع معدن الفضة البارد. تسخن الفضة فتنتقل الحرارة إلى قلب الشاب الباحث في علم حشرات الفاكهة. يلتهب القلب ويتقد. يشتعل العصب في الجسد فتتوهج الرغبة العارمة فيه. غاب زوجها الغيور عنها لفترة قصيرة أتاحت للباحث في علم الحشرات فُرصة إختطافها بعد عذاب وصراع وجرعة قوية فوق العادة من مخدّر أدمن تعاطيه درءاً لآلام أسنانه المزمن. العشق قتال في بعض الأحايين وغريب النشأة والتفاصيل.

ألم الأضراس يقويه ويزيده غرابة ً ووحشية ً وإصراراً على نوال مَن سببته. ألم الجوى والحرمان منه لا يضاهيه إلا ألم الأسنان القاسي. الألم هو الألم، وعصب السن واحد من أعصاب الجسد المسربل بالعشق المتوحش الضاري. إختطف معشوقته وأدخلها كوخه الصغير ليلاً. عرّاها وتعرّى. مارسها فإستمرأته. وجدته أكثر فتوة ً وشباباً وجبروتاً من زوجها العجوز الخالي العظم. نامت وقد إرتوت حباً وجنساً فلم يدعها عاشقها تواصل النوم. تذكَّر أنها أعرضت عنه مرة ً، طردته وقد باح لها بحبه. عاودته فجأة آلام أسنانه. ألَمان متساويا الدرجة والعنف والسيطرة. ألم ذل الطرد وألم أسنانه. تسلل عاريا ً رويداً من فراش ضجعتها الأخيرة.. تناول الساطور الضخم الذي إستعاره من فلاح البساتين المجاورة المستخدم في قطع وتشذيب أطراف وفروع الشجرغير المرغوب فيها ولتكريب جذوع النخيل. أهوى به على رقبتها العاجية وكانت غارقة في أحلام النوم وهي مخدرة الجسد لكثرة ما مارست من جولات الجنس مع مَن سيذبحها بضربة ساطور معد ٍّ لا لقطع رؤوس البشر ولكن لقطع أغصان الشجر.

أما أنا.. (أنا وقد لا أكون أنا).. فلقد رأيت عينيها في إطار من ذهب خالص عيار 24 قيراطاً. نادتني عيناها قبل أن أبادر للنداء. أشارت لي  تعالَ فما مضيتُ. ظللتُ واقفا ً أنتظر (وقوفا ً بها صحبي..). ذاك لأني بطبعي أخشى العواقب غير المحسوبة أو غير المتوقعة. هل سيذبحني زوجها؟ أهي متزوجة أم لم تزل عزباء في إنتظاره؟ طال وقوفي وطال إنتظاري فمللت ولم أتشكَ. تقحّمت خوفي وإخترقت الجُدُر الزجاجية (قصة زاجر المطر / كتاب قافلة العطش لسناء كامل) وأُطر الذهب الخالص وحواجز الفضاء والزمان لألتقيها هناك في دارها. ما طردت أحداً قبلي. ألفيتها غير متزوجة.. إحدى حوريات الجنان.. لم يمسسها ولم يطمثها إنس ٌ ولا جان. لم تسأل أو تستوضح سبب زيارتي المفاجئة. قدّمت لي ـ كعادة قبائل الطوارق ـ الطعامَ، وما كنتُ لأستطيع تحويل بصري وما فيه من هيام وعشق عن زمرّد عينيها وسحر جسدها وما إختارت من ملبس وألوان. خبيرة في اللون وتصاميم ملابسها. لم تتكلم كثيراً. كلامها بعيون الزمرّد والعقيق. أحياناً توظِّف أناملها في توضيح ما تود توضيحه. تتكلم بأصابع كفيها. تأمرها فتطيع وتستجيب. لم أكنْ جائعاً فأكلت أقل من القليل. رفعت الصحون وجاءتني بالشاي المهيّل والمخدّر بمسحوق القرفة (الدارصيني). قلت لها قد فقدت شهوتي للطعام وللشراب. سألت بعقيق محجريها لماذا؟ أطرقتُ ولم أجبْ. أعادت السؤال بسبابة كفها اليمنى فلم أجب. أرسلت لي حزمة من موجات غامضة عاتبة تحمل لي ذات السؤال. شعرت برهبة حقيقية فوقعت تحت طغيان قوة روحها السحرية. قوة غريبة في سحرها ومفعولها. جثوتُ على ركبتي ووضعتُ رأسي في حضنها مقبِّلاً معتذراً. رفعت برقة ِ يد ملاك ٍ أو إله ٍ أسطوري ٍّ رأسي وطلبت مني أن أنهض. قالت لايليق هذا الوضع برجل مثلك. قلت كذا المحب.. هذا هو شأن مَن يعشق. لا تأخذك سيدتي الدهشة (أردتُ لكني لم أجرؤ. أردتُ أن أقولَ لها: أهوى أن أقبِّلَ مزيج منصهر الذهب وعسل جنات الخلد في ثغركِ. في شفتيك. من بين شفتيك. مخلَّقا ً مع رضابك..) أفلم تقرأي قصة الباحث في علم حشرات أشجار الفاكهة وإلى أي مصير إنتهى به عشقه لزوج طبيب الأسنان العجوز؟ قالت كان ذاك باحثا ً في علم الحشرات أمضى جُل َّ عمره يجمع ويدرس ويصنّف حيوانات صغيرة تُسمى حشرات، لكنك باحث ٌ في علم الكيمياء والمعادن.. والبشر كما قد تعلم معادن شتى. ثم إنك لست حشاشا ً كذاك ولستَ مجنوناً. ثم إني إستقبلتك ضيفاً كريماً ولم أطردك. ثم إنَّ مَن أحبَّ صاحبُ الحشرات والحشرجات إنما أحب صورةً مؤطرة ً في إطار من فضة، لكنك وجدتني في إطار من الذهب الإبريز والعسجد النقي الصافي من أعلى عيار وميزان، والذهب غير الفضة. ذاك قد وقع في غرام إمرأة متزوجة وأما أنا فكما تراني لم أزل ْ في دار وعصمة أبي أنتظر الرجل الذي يستحقني وأستحق. قلتُ لها ـ وقد رفعتُ رأسي بضراعة ٍ نحوها ـ دونما إبطاء: ها إني أتيتُ إليك ماشياً على قدميِّ الجريحتين من أقصى أصقاع الدنيا.. إليك في دار أبيكِ فهل ترينني أستحقك وتستحقينني؟ إبتعدتْ قليلاً عني مبتسمة ً في حياء فتاة بكر ٍ شرقية أصيلة سليلة أصائل. وضعت كفها على رأسي فشعرت بنشوة وقعت عليَّ من أعالي السماوات. غبتُ عني وعنها وحين عدتُ لنفسي وجدت كف َّ المرحومة جدتي لوالدتي العلوية فهيمة بنت ناصر، أم خالي الوحيد رزوقي الذي سقط من شجرة السدر العملاقة التي تتوسط دارهم القديم ففارق على الفور الحياة، وجدت ُ كفها المرتعش على رأسي تتعوّذ وتبسمل وتقرأ شيئاً من آي القرآن الكريم وتنقر بالكف الأخرى على أرض الغرفة نقرات ٍ متتالية ً رتيبة الإيقاع. كان هذا دأبها معي ومع باقي إخوتي كلما شعرتُ بألم في رأسي زمان طفولتي. أحببت هذا الطقس حد َّ الإدمان حتى لقد كنتُ أفتعل صداع الرأس لتمارس المرحومة فهيمة معي ذات الطقوس الغامضة في أغلبها. تراتيل دينية وأدعية وشفرات شديدة الغموض ودفء حضن الجدّة وصمت الأهل خاشعين متضامنين مع هيبة العجوز الطاعنة في السن ومع طفلهم المتمارض الصغير. ما أن ْ وضعتْ عقيقيةُ العينين ذهبيةُ الإهاب والهيبة كفَّها فوق رأسي حتى عدتُ لطفولتي المبكّرة محمولاً على بُراق لا يعرف حكم الزمن.. بُراق يطير بسرعة البرق ضد مسار الزمن. يقول الشعراء إنَّ الحب سُكر ٌ ومَن لا يسكرُ لا يعرفُ معنى الحب ولا يتذوق طعمه حلواً أكان الطعمُ أو مرّا ً. سكرتُ بالفعل بين يديها وغبتُ عن الوعي والزمن. لم أسال نفسي عن سبب وسر تجاوبها معي حتى تذكّرتُ ما قالتْ لي قبل قليل: إنك كيميائي تتعامل والمعادن والبشرُ معادنُ. معها كل الحق. إنها فيلسوفة. الذي يتعامل مع المعادن يجيد التعامل مع البشر. ثم إنَّ الكيمياء سحر مُذ ْ عهود فراعنة مصر الأقدمين. هناك بدأت الكيمياء في معابد الفراعنة حيث أفلح كهّان هذه المعابد في تحضير مستلزمات التحنيط وكيمياويات حفظ الأجساد والأنسجة القطنية والصوفية والكتانية من التلف والرطوبة. فضلاً عن تحضير الألوان الثابتة التي تتحدى الزمن وتبقى محافظة ً على رونقها وبقيت لآلاف السنين. أنا كيميائي إذا ً حسبما قالت ساحرتي الفرعونية ورائحة الكافور ومسحوق القرنفل والمسك والحناء تفوح من بدلتها الكتانية الطويلة ومن بين خصلات شعرها المدلاة على كتفيها ومن خلل أناملها الدقيقة التكوين المطلية الأظافر بمزيج معجون الند والزعفران وخلاصة أندر الأزهار والورود. (أنتَ كيميائي).. قالت، والكيمياءُ سِحرٌ.. إذا ً سأسحرها أو أسحرُ لها فعسى ان تعشقني كما عشقتها.. عسى أنْ تحبَّني كما أحببتها.. وإلا فلسوف أطلب منها أنْ تقتلَني.. أنْ تحز َّ رقبتي بساطور الحشّاش خبيرِ الحشرات. لم يقتلْ ذاكَ الخبيرُ حشرةً لكنْ قتلَ بشراً، قتل إمرأة ً حية ً من لحمٍ وعظمٍ ودمٍ. فهل تُرى أمسخ نفسي حشرة ً صغيرة ً لكي تقتلني بإصبعها صاحبتي الفرعونية الشديدة الرقة أو أن تدوسَ عليَّ ولو من باب السهو بأحد قدميها لأتركَ عليها تذكارا ً لحبّي شيئا ً من دمي، ودمي يحمل إسمي وجيناتي وتوقيعي الذي تعرفُ؟ الموتُ تحت أقدام الحبيبِ أفضلُ وأهونُ من الموت بساطور تكريبِ جذوعِ النخيلِ.. لا ريبَ. ما أن فرغتُ من قول هذا الكلام حتى تناهي لمسمعي صوت ٌ قوي ٌّ جَهوري ٌّ أتاني من البريّةِ صارخاً: كلّا كلّا.. سأعيرُ حبيبتك ومليكتك الفرعونية ساطورَ تكريب جذوع نخيل [دقلة النور] في واحة وصحراء [تَوْزَرْ] التونسية لكي تقصفَ به رقبتك لأنك جبان ٌ خانع ٌ وذليلٌ.. ليس فيك شئ من رجولتي. لا تركع أمام مَنْ تُحبُّ. لا تطأطئ رأسَك حتى لكفِّ جدتكَ لأمّكَ. كنتُ أشجعَ منك فحولة ً ورجولة ً وأشد َّمضاء ً. إختطفتُ التي أحببتُ.. قدتها كقطة ذليلة جائعة لكوخي عنوة ً.. عريتها.. مارستها دون حسابٍ حتى خارت قوايَ وقواها فنامت كما لم تنم ْ من قبلُ.. ثم تعرفُ ما جرى بعد ذلك !! الحبُّ مقتلة تنتهي في جولة واحدة ميدانها الفراش. تخرج منها إما قاتلاً أو مقتولاً. أفلم يقل الفيلسوف نيتشة إنَّ في الحب حقدا ً أسودَ وكرهاً لا حدودَ لهما؟ أفلم يقلْ هذا الرجل ُ المعتوه إن َّ في الحروب والغزوات حباً وعشقاً مخفيين دفينين عميقاً في أعماق نفوس البشر منذ أزمنة وعصور الصيد؟ من غير حبٍّ لا تستطيعُ أكلَ صيدكَ. تجري كأيِّ عاشقٍ حقيقيٍّ سريعاً وراء صيدك حتى تتمكنَ منه فتقتله لكي تتناوله طعاماً سائغاً نيئاً قبل إكتشاف النار أو مشوياً بعد إكتشافها؟ الحربُ قتلٌ وفي القتل حبٌّ شاذٌّ ساديٌّ ولكنه يبقى حباً رغم آناف البشر. توقف صوتُ أو صدى القاتل ِ حبيبته ِ فأصابني صُداع في رأسي وآلام ٌ مُبرِّحة ٌ في أسناني: أحقاً ما قال هذا الرجلُ خبيرُ الحشرات الذي حذا حذو َ الشاعر ديك الجن الحمصي الشامي إذ قتل حبيبته غيرة ً عليها ثم َّ أحرق جثتها وجبل من رمادها قدحاً لخمرة سكرهِ؟ هل عرف هذا الشاعرَ أو قرأ عنه؟ هل زار مدينة حمص أو واحةَ توزر حيث نخيل تمور دقلة النور؟ هل كان سيقتل الصبية البربرية السمراء التي تحمل ويا للصدفة إسم (دقلة النور) لو كانت صدته وأعرضت عنه ولم تستجبْ لنداءات إغوائه وإغراءات ما عرض عليها من دولارات أمريكية ومما أغدق عليه شيوخ الخليج من أموال كي يسمسر َ لهم ويعرِّصَ ويزرعَ في رأسه شتلتي قرنين إثتين من قرون القوادين بدل َ فسيلتي نخيل؟ هل كان سيحز رأسها كما يفعل الجزّارون مع رؤوس الضأن والغنم والماشية؟ أتاني صوت الصبية دقلة النور صافياً رقراقاً قوياً حيث قالت: لا تنسَ أيها العاشق النبيل أنَّ وجودَ شبح الشاعر أبي القاسم الشابي فوق التلة الترابية التي تشرف على ما نصبَ على مسطّحِ الرمالِ شيوخُ الخليجِ من خيام وفساطيط هائلة وما نضدوا فيها من زرابي َ ونمارق.. مجرد ظهور هذا الشبح أذاب الشيوخ وخيامهم وسياراتهم الباذخة وسمسارهم ذا النظارة السوداء طويل القامة فتبخروا سوية ً مع تجار تهريب فسائل نخيل دقلة النور المشبوهين القادمين من ولاية كالفورنيا الأمريكية خصيصا ً لتهريب سيد الشجر النخيل والبشر المتواضع من فلاحي الواحات. إختفى صوت الصبية البربرية الشريفة العفيفة فأتاني صوتُ أبي العلاء المعرّي جهورياً يشق عنان صحراء توزر مادحاً ومبجلا ً النخيل في شعر يتذكر فيه إقامته في بغداد:

شربنا ماءَ دجلة َ خيرَ ماء ٍ

وزُرنا أشرفَ الشَجر ِ النخيلا

إشارة ً منه للنخلة التي ورد ذكرها مرتين في سورة مريم، المرة الأولى في الآية [فأجاءها المخاض ُ إلى جذعِ النخلة ِ.. / الآية 23] والثانية في الآية [وهُزّي إليكٍ بجذع ِ النخلة ِ تُساقط ْ عليكِ رُطباً جنيا / الآية 25].

أنتهى الفيلمُ المعروضُ أمامي على شاشة التلفزيون فصحوتُ من رقدتي وحلمي العميق "أنام عادةً أمام شاشة التلفزيون ونظارتي على عيني َّ والكتاب في حضني!!". فتحتُ عينيَّ المتعبتين الحمراوين باحثاً عن تفاصيل ما قد رأيتُ في حُلمي فلم أعثرْ على أي أثر ٍ منها سوى لوحة هائلة القياسات بدون إطار لصورة وجه لا أروعَ منه ولا أجمل تغطي أحد جدران شقتي كاملاً. تفحصت ُ وجه َ وعيني صاحبة الصورة فعدتُ لنومي مسحوراً بتعويذة ٍ سحرٍ مصرية ٍ فرعونية ٍ غيرَ مصدق ٍ ما ترى عيناي: صورة سناء كامل الشعلان كما رأيتها قبل يومين في موقع الصديق الفنان الناقد الجزائري محمد بوكرش. ركزتُ بصري فرأيت في أسفل الصورة إسمَ الفنان الغريق الذي رسم الصورة: طارق العسّاف !!

ملاحظة هامة: في هذه القصة الخيالية تفاصيل أخذتها بتصرف من قصص كتاب {أرض الحكايا / منشورات نادي الجسرة الثقافي الإجتماعي، قطر، 2007} للدكتورة سناء كامل شعلان. القصص التي عنيت ُ هي حسب تسلسل ورودها هنا: الصورة / دقلة النور / اللوحة اليتيمة.

 

عدنان الظاهر

15.04.2008

 

عدنان حسين احمديُبرهن القاص فاتح عبد السلام في مجموعته القصصية الجديدة "قطارات تصعد نحو السماء" الصادرة عن "ناشرون" مقدرته الواضحة في كتابة النص القصصي الذي يعتمد على البنية المتوازية، فما من حدث يقع في لندن إلاّ ويقابله حدث آخر في بغداد أو البصرة أو الموصل أو في جبهات القتال التي كانت مشتعلة في ثمانينات القرن الماضي على الحدود العراقية الإيرانية. وهذا التوازي هو الذي يمنح قصص فاتح عبد السلام نكهتها الزمكانية متنقلاً بين الماضي والحاضر بتقنية استرجاعية تقرّب البعيد، وتستفيد من حكمة الآباء والأجداد وهي تُلقي بظلالها الوارفة على مُخيّلات الأبناء وطرائق تفكيرهم في ظروف شاقّة وعصيّة لا يُحسدون عليها. أما الحبل المتين الذي يشدّ القصص جميعها فهو القطار بوصفه بؤرة مكانية تدور فيها غالبية الأحداث لكن ذلك لا يمنع من تشظّيها إلى أماكن أخرى كالبيت، والشارع، والمدينة، وجبهة الحرب وما إلى ذلك.

تتميز القصة الأولى "تحت سماء القبّعات" عن بقية القصص بفضائها السُريالي فكل الرُكّاب الجالسين والواقفين يرتدون القبّعات بعد أن تخلّوا عن رؤوسهم ما عدا الراوي الذي هرب من الحرب ونجا بجلده فهو الوحيد الذي احتفظ برأسه ولا يريد أن يفرّط به بعد أن خاطر بكل شيء وقطع آلاف الأميال كي يصل إلى برّ الأمان. أما الاستعادة الذهنية التي تضعنا في قلب البنية المتوازية فتتمثل بحديث الأم التي تتمنى على ابنها ألا يرثَ منها ألم الأسنان "فالألم يُورَّث، والعذاب مثل الرزق مقدّر من الله".

في قصة "من بغداد إلى ديفالي" تعود بنا الراوية إلى ذكرياتها القديمة عن طاغور، الشاعر الهندي الكبير الذي كانت تقرأ قصائده في المرحلة الإعدادية، وتتذكّر صورته الفوتوغرافية التي يقف فيها بين الملك وجدها رئيس الحكومة آنذاك. وعلى الرغم من جمالية البنية الفنية لهذه القصة إلاّ أن شذراتها الفكرية أكثر أهمية حينما تؤكد الساردة بأن العراقيين يفكرون بالمُشتركات ولا يعيرون بالاً للاختلافات العرقية والدينية والمذهبية. ولعل أغرب ما في هذه القصة أن الصديقة الهندية قررت ألا تحتفل بديفالي أو "عيد الأنوار" بعد الآن لأنها غيّرت ديانتها، وآمنت بديانة جديدة عمرها بضع سنوات. لابد للقارئ أن يبحث عن المعاني المجازية التي تكمن وراء تغيّير الديانة بهذه السهولة وبين التزمّت والقتل على الهُوية الطائفية.

كثيرة هي مفارقات هذه المجموعة القصصية، فالعراقي الذي هرب إلى لندن طالبًا حق اللجوء السياسي ينضمّ إلى قادة الإضراب الأربعة، ويُدخل الرمز لتتوقف حركة القطارات في محطاتها، فيتذمر الناس، وتتعطّل مصالحهم لبعض الوقت قبل أن يُدخل رقم كسر الإضراب لتعاود القطارات حركتها الطبيعية المنسابة، فلاغرابة أن تنضوي القصة تحت عنوان "العراقي الذي حرّر لندن" بعد أن ارتهنها لمدة عشر دقائق لا غير.

تجمع قصة "لو لم تكن المحطة الأخيرة قريبة" بين ثيمتي الهجرة والحُب، فقد طلب الراوي الإقامة الدائمة للمرة الثانية لكنهم رفضوا طلبه لأنّ مدينته أصبحت آمنة وليس هناك مبرّر لمنحه حق اللجوء. قد لايركّز القارئ كثيرًا على مسار الحدث لكنه ينتبه بالضروة إلى لقطة مقرّبة رسمها القاص بذكاء شديد يبيّن فيها تعلّق الفتاة البريطانية بأصابع يده التي تُحبها على وجه التحديد، وتتأكد محبة هذا الجزء من الجسد حينما يخبرها بنيّته في حرق بصماته حينما تقول:"أتحرق الأصابع التي أحببتها؟" علمًا بأن مُستهل القصة قد أخذ من كاتبها أكثر من صفحة وهو يصف هذا التعلّق الحميم بين أصابعها "الناطقة" التي تتحسس أصابعه "المتلعثمة" وتحتويها في كفها المرتعشة وكأنها تبحث عن شيء ضائع. ولعل استدراكها الاستفهامي أكثر وقعًا من فكرة التعلّق حين ترد عليه:"ألمْ تقل لي أنهم أخذوا بصمة عينيك؟" فهل يتمكن من مسح هذه البصمة أو إحراقها كي يعود من النافذة إن أخرجوه من الباب خاصة بعد أن بنى حياة أخرى في هذا البلد الذي لم تنتبه قاضيته إلى صعقة الحُب وأثرها على هذا اللاجئ القادم من أتون الحرب والدكتاتورية؟

في "قفزة القرد" يدخل مسلّحان ويحتجزان التلاميذ كرهائن ورغم أنّ الأب ينقذ ابنه سامي وصديقه الياباني يان إلاّ أنّ شرطيًا جاء متأخرًا ورآه يحمل المسدس الذي أعطاه إياه العقيد فأطلق عليه النار وأصابه برصاصتين أخرجهما الطبيب من ساقه. تحضر البنية المتوازية فيتذكر الأب قول الضابط المجنّد:"الأرض مثل جسد المرأة تتسع لك حين تشعر أنها تحبكَ فتحتويك وتضمّكَ وتتستر عليكَ إذا لزم الأمر".هكذا كان الأب يشعر وهو يفكر بالوصول إلى نافذة القاعة التي تمّ فيها احتجاز التلاميذ.

تنطوي قصة " المرأة القطة والرجل القنفذ" على قدرٍ كبير من البراعة والتشويق والإثارة ولعلها مكتوبة بنَفَس سينمائي واضح، فالمرأة هنا مومس لكنها في لحظة فارقة قررت أن تحمي الجندي الهارب وتنقذه من الموت لأن الإعدام هو عقوبة الهاربين من الجيش العراقي في أثناء المعارك. أجلست الجندي المذعور إلى جوارها وطلبت منه أن ينام أو يدّعي النوم وألاّ يفتح عينيه مهما حصل، وأن يترك الباقي عليها. وحينما اقترب منها أحد رجال المفرزة الذين تعرفهم قالت له:"حبيبي هذا من لوازم الشغل" بعد أن أسقطته في فخ الغواية ووعد بلقاءٍ قريب.

لا يمكن مقارنة قطة مفقودة مع ألفي طالب مختطَف من طلاب القوة الجوية لكن دقّة البنية المتوازية بين ضياع قطة بريطانية اسمها "لولايكا" سيتم العثور عليها في نهاية القصة التي تحمل الاسم ذاته وبين ألفي مُختطَف عراقي سيلقون حتفهم على أيدي عصابات داعش الأمر الذي يدفع شقيقه للعودة إلى العراق محملاً بالنقود التي استدانها من البنك على أمل مقايضة أخيه بفدية يحددها الخاطفون أنفسهم. وعلى الرغم من يأسه المطلق إلاّ أن شقيقته لم تقطع أملها في العثور عليه حيًّا.

تتمحور "الرغبات المتكسّرة" على قصة جندي يأتي مُجازًا من البصرة إلى الموصل، وهناك يلتقي بصديقته التي أحبّها في الجامعة ولم يستطع الاقتران بها لضيق ذات اليد. وحينما يعرف أنها ذاهبة إلى بغداد لإنجاز معاملة تتعلق بالسكن يقرر السفر معها في القطار ذاته على أمل أن يتسلل إلى مقصورتها في منتصف الليل لكنه لم يكن يعرف أن المرور عبر المقصورات ممنوع تمامًا.

ينجح الراوي في كتابة قصة كل يوم يرمي فكرتها في ذهن القارئ ويتركها تنمو بهدوء، وإذا لم تنضج جيدًا يُدرك أنها وُلدت ميتة، فلا يأسف عليها، ويشرع في كتابة القصة التالية. تُرى، هل كانت الكتابة اختبارًا قويًا لوقته وأفكاره وإرادته أم رغبة في الخروج من عزلته الاختيارية التي تحولت إلى عزلة إجبارية؟

أما قصة "الضفدع الرمادي" فهي تتمحور على شخص يُعتقَد بأنه متسوّل لأنه يجمع النقود في قبّعة متسخة خلال الدقائق التسع قبل الوصول إلى المحطة الأخيرة لكن براعة القاص الذي يفاجئنا دائمًا بانعطافة فنية محددة تكشف بأنّ هذا الشخص الذي لا يراه الرُكّاب هو آخر الخارجين من الحرب بعد أن احترق الجميع. ومع أنه يعيش بينهم منذ عشر سنوات إلاّ أنه لا يحمل سوى لقب مجنون تتلقفه الشرطة كلما أثار صخبًا أو روّع الآخرين في عربة هادئة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

وفي الأخبار على لسان العبسية يتعرف القارئ على إرث يتوارد في أفكار الآخرين، حيث يتأكد أنّ هواجس الخوف من الذي حدث متوارثة، إلاّ أن أحداً لم يعتد بها، وهذا يعود للتجاهل أو للجهل والحماقة، أو للمكابرة على الجرح، ما يرينا الشاعر وقد افتتح نصّه بنص قرآني متكامل البناء، حيث تمت عملية الربط بين الأشياء والواقع وما يربطها عبر الذاكرة الزمنية، إلاّ أنها أخذت الصدارة وبدأت تتعمق أياً كانت المتاعب والمشقّات وحالات العذاب المتعددة، فالصياغة التي تعبر عن الذات الشاعرة أتيح لها أن تعبر عن مأساة وأزمات يعيشها الناس، قبل نيسان وبعده، إلاّ أن الشاعر استطاع الوصول إلى لحظة الكشف عن مكنونات الجرح المتجدد، لذا نجد سمات مختلفة تسمح "بعرض التفاوت والتنافر والتناقض وتعدد أوجه التجربة".(عاشور رضوى111) .

الأخبار التي أوصلها الشاعر على لسان العبسية، ووصفها شكلاً، ذلك الوصف الذي أبان عن هم متجدد قد نال من بنية الراوي والمتحدث والمتلقي والمتيقن وبين حدوث معمعانية نيسان، نرى الإنسان يعيش في التجربة ذاتها والهموم عينها، لا ينفصل عن واقعه، ولا ينفصم عن ذاته فكانت النتيجة حتمية الوصول إلى قناعات مُسلّم بها، أوصلت إلى اللمسة الأخيرة في صنع صورة الحدث، لذا لم يخفت السؤال عن طبيعة الحدث كون المتحدث امرأة، وإنما أخذ الجميع يستطرقون مكونات الحدث موضع التساؤل الذي حملته العبسية، وإن جاء على صيغة القول المروي "قالت" وكأنّا أمام حكاية تُروى، حتى يتجسد لنا أن الحكاية تشكل الارهاصات الأولية لنص مكتوب، فتكون العبسية متحدثة عن الذاكرة التي توضح للآخرين ما كان وما يكون، من أجل إظهار مساحة من الدهشة والاستغراب، وخلق حالة من الاستمرارية في القص على الرغم من مرارة المروي والنتيجة السوداوية التي تجسّدت بعد مجيء نيسان، المحدث، إلاّ أن يستتبع الحالة التفصيلية للحدث المكتنز في أفقه الممتد والذاكرة المليئة بالمكونات، المتراكمة التي تحاول فقدان الترابط، إلاّ أنّ الصيغ الترابطية لم تزل قائمة ولغته لم "تتوقف عن أداء وظيفتها". (كوهن جان199). مهما اختلفت صيغ التعبير المختلفة.

إنّ فكرة الشاعر أخذت حيزاً كبيراً في عملية النظم الشعري، فعلى الرغم من امتداد أسطره الشعرية لم تفقد اللحظات المدهشة منذ دهشات عتبة نصه حتى اخر سطر فيه "هل يستطيع المرء أن يعيد لأم رأسه المقطوع، بالرقبة، ويستدير صاعداً إلى بقايا البيت فوق الهضبة؟!".

فالحكاية أو الحالة الاخبارية التي يقصّها الشاعر نظنها لعبة الإنسان مع الزمان والمكان، فيكون الشاعر قد شاغل نفسه "وكذلك الآخرون بالكلام للابقاء على عقله إزاء العدم والصمت المغلق والمريب الذي ترصّه بعشرات الأقنعة والوجوه" (الموسوي محسن جاسم13). لكن هذا ليس كل شيء... ثمة أمور أخرى يمكننا أن نحسّها في استمرارية التفاعل مع النص.

كذا روى من جاءه علمٌ من الكتاب، / أضاف: غير أنّ جسمها قد استعاد نضرة الشباب/ حين استقام الرمح في قامتها/

على منصّة العذاب/ فأخرجت، في غفلة الجلاّد، منديلاً معطراً/ في غفلة الجلاد. منديلاً معطراً/

 من بين ثدييها وعصّبت به جبينها/ وقبل أن ترتد للجلاد عينه إليها، غابت العبسية الحسناء/

ولم يلح لها أثر، والسوط ذاب لا ذكرى ولا خبر!/ يروى عن الجلاد قال:/ لربما زال الحجاب عنها، /

 وربما كنت أنا الضحية العمياء/ في مسرحية بلا نص ولا ممثلين/ على منصة بلا زمان، / أو مكان/ أو مشاهدين!/...

وجاء في حاشية الخبر: سمعتها تهمس أنّ قطرة من عطرها/ حطّت على المنديل/ طار بها في لمحة البصر، /

إلى حديقة من الحلفاء والبردي في (قرطاج)-/ قيل هناك الليل غير داج/ وليست السماء ذات أبراج/

وقيل أنّ الشمس فيها حارسة، / ولن تغادر الربيئة التي/ تشرف من قنّتها على الطلول الدارسة!/ (مصطفى خالد علي7).

العبسية غدت عرّافة تتداخل وظيفتها، ما جعل هيكلها الخارجي تتفاوت صوره البصرية تبعاً للمتحدث والمتلقي، فنراها استطاعت قراءة الماضي والحاضر والمتوقع، بلغة كسرت جبروت الخوف عند حالات التلقي، حتى يتيقن الآخرون أنّ المستقبل لا يبتعد كثيراً عن هموم وتوقعات العبسية، فنراها قدمت برهاناً على أنّ العلاقات بين الناس غير مرتهنة بحكاية أنثوية تُروى، أو قصة تُحكى، دون النظر عمن يقصّها، وإنما تتحقق بكينونة الخلاص من تبعات الثقل الواقع على كواهل الناس، لذا جاءت صور العبسية عند الشاعر متعددة، فمرة كانت "عجفاء" وأخرى تحرسها الشمس مزدانة، وهذا يمثل انتصاراً لواقعها، ما يعني أن الحدث سوف يتبدّل، وإن كثرت مرتكزات الشاعر أو متكأآته التي تشكل الحالة التلازمية في نصه كما مفردة "نيسان" التي أخذت الحظوة الكبرى، وتليها العبسية بهيأتها المتعددة، وبدون تلك المتلازمات نشعر أنّ النصّ ينهار ويصبح حالة من التكسّر والتشظّي لا يستطيع الشاعر جمعه وامداده بالانطلاقة، إلاّ أن مرتكزاته تميط اللثام والغشاوة وتؤكد حالة التوحد معه والتفاعل البناء، فتعيد حالة الصياغة سيرورة الزمن وانثيالات الواقع، لأن الصياغة تتسع وتتعدد اتساع أفق النص، "فثمة دائماً ما يمكنه أن يقيس حجم وعينا وشكل رؤانا".(جبر مريم63) .

إنّ الرمز أو الصورة الرمزية المتعددين في أوجه شتى، "يهيمنان على البناء العام للقصيدة، إذ يبينان عن طاقة وصفية واضحة، إلاّ أنها مختلفة الظهور من مشهد إلى مشهد، فالرمز يوصل إلى تطوير المساحة الشعرية وتعميق الدلالات تجاه خلق نسق عام مبحوث عنه، وتصبح مسألة الانزياح الشعري نسبية، إلاّ أن هذا الانزياح لا يجعل الانقطاع وعدم التواصل مع النص متحققا، بمعنى نجد نص الشاعر هنا بعيداً عن دائرة الغموض الكامل أو الجزئي، فليس صعباً على الباحث أو المتأمل في النص أن يتواصل مع النص واستقرائه، فلو أمعن الشاعر في الإبهام من خلال التكثيف وخلق حالة الانزياح، لأصبحت حالة التماثل مع النص مفتتة، ويكون التلاقي مع استقرائه عملية صعبة، والحالة الانفعالية هي السائدة، إلاّ أنّ الشاعر حافظ على حالتي التوازن والمواءمة في بنائيته للنص "حيث كل العناصر مكونة له (الدلائل- العلاقات المبنية) لها دور في إنتاج المعنى". (المرتجى أنور63).

لا شكّ في التفاعل القائم بين حالتي التذكر والتخيل لدى الشاعر، الواردة على لسان العبسية، وهذا يتماثل في كيفية التعامل مع المساحة النصّية، التي نستشفها من المادة المنتجة من حالتي التذكر والتخيل معاً، لذا نؤكد أنّ الشاعر عمد على ترهين الذاكرة وتعميدها بألم الراهن وانكسارات وهزائم الواقع، مع الخيبة المسترسلة منذ زمن عميق، وأظهر لنا المنطلقات المركزية التي تنبثق من أعمال الذاكرة، بذا تكونت لديه ذاكرة شعرية لها حظوتها في الزمان والمكان معاً.

لذا لم تعد رموزه وصوره للدعامة والتزيين والزخرفة الدلالية، يمكن الاستغناء عنها، بل غدت تمثيلاً جوهرياً لرؤية الشاعر وتجربته، مصدراً للخلق الدلالي في بنية النص الشعري، فنجد الصور النامية التي تساعد في عملية البناء العفوي، فنرى الصورة التركيبية (الصورة- الرمز) التي تحدث في النفس المتلقية كشفاً عن غوامض الشاعر ورؤاه، وكذلك نجد الصورة الرمز أي التي توصلنا إلى رمز ديني أو صورة تحيلنا إلى مكونات معرفية وثقافية يمتلكها الشاعر، فيكون نصه معبراً لنا حتى تتماثل في عقولنا على هيأتها التكاملية.

إذن صوره ورموزه أوصلانا إلى معرفة أشياء كانت مخبوءة إما في نفسه وفكره أو في التاريخ بعمقه ودلالاته المتعددة، فماحديث العبسية وحالات الاخبار التي جاءت بها، ومن ثمّ اخفائها، ما أدى إلى تعدد مسميات الأماكن التي اختفت فيها فمرة نراها "وراء رأس (يحيى) ومرة في (صور) وأسوار أريحا، وبحر الملح، كلّ ذلك رجماً بالظنون.

تلك المسميات تخلق عاملاً نصياً ينطوي على فضاء كامل من الاحتمالات الدالة على الهدف التفسيري فالرموز التي جاء بها مفهومه في المدلول المتوحد في ذاتها، إلاّ أن رمز "رأس يحيى" يحتاج إلى عمق في التتابع والاستدراك، إذ من حق الإنسان أن يتساءل هنا هل المقصود هنا "يحيى العمدان" عندما أعدمه أحبار اليهود، انتصاراً لشهوة حبرهم الأعظم، عندما طلب منه الافتاء بزواج الرجل من ابنة أخيه، فرفض منتصراً لعقيدته السمحاء، فكان جزاؤه الإعدام، أم أن المقصود برأس يحيى هنا، هو يحيى البرمكي الذي تربى في حجر العرب والبيت العربي والثقافة العربية والعقيدة الإسلامية، إلاّ أنه استأثر بالمال العربي خدمة للفكرة الفارسية وفلسفتها في الحكم، وانتصر للتقاليد الفارسية وقيمها، علماً أنه يحكم باسم الخليفة العربي المسلم، كلّ ذلك وغيره جعلت الخليفة والعنصر غير العربي ضد الخلافة العربية الإسلامية بمقوماتها المختلفة، وامتدت هذه النقمة حتى يومنا هذا، إذ توحدت الإرادة الفارسية الصفوية مع الإرادة الصهيونية والانجلوسكسونية، وربائب الأحلاف المذكورة، ونتاج المدرسة الرباعية، حتى تتوحد الأركان الخمسة، وتمثل ذلك في احتلال العراق، وتدمير البنى كلها.

إذن الذاكرة الشعرية لدى خالد علي مصطفى مليئة بالرموز والصور الرمزية الحاملة للفكرة والهدف معا، ونراها "متماهية مع عمق تاريخيته في الذاكرية البشرية وتجلياتها الابداعية"(عبيد محمد صابر114) . ونرى قصيدته وقد اكتسبت الحضور الأوسع والأكثر قوة في تجلّي الذاكرة التاريخية الرامزة وتفعيلها شعرياً، وجعلها حاضرة في صداها الدّال بإيقاعه وبنائه حتى تستقر في الضمير والوجدان الباحثين عن حقيقة مضمرة في شعره، وهذا يتوكد للقارئ من خلال مفردات رامزة مأخوذة من ثقافة متعددة المشارب ومتسعة الرؤى، فنراها تارة دينية وأخرى تاريخية وأخرى واقعية معاصرة، (خراف موسى، ومئزر المسيح أو خرقة الحلاج، ومواكب الحجاج والملائكة والقذائف المباركة").

إنّ ابنة عبس وما ترويه يرتبط جوهرياً وجدلياً بالزمان والمكان معاً، فنراها إلى جانب نيسان، تشكل عنصراً حيوياً فعالاً يمتد ارثها وعمقها إلى الجذور العميقة في التاريخ القديم والمعاصر، وهي بمثابة المرآة التي تعكس القوى الأسطورية والدينية والجمالية معاً، ما يجعل نص الشاعر ثرياً بالطاقة والحيوية والتجربة، ما يرينا نصاً مكتظاً بلغة تحمل ارثاً ثقافياً متعدد المشارب، إلاّ أنّ النزعة العروبية الصافية تأخذ حيزها الأوسع في عمقه التفكيري ودلالة نصه الفني والإيحائي، حتى تستقيم حكاية العبسية وتتغير ملامحها في الشكل والجوهر، فبدلاً من ارتمائها في أحضان التاريخ "في بلاط ذي يزن"نرى أن محاربيها ورافضيها يتفتتون وتتنصر في نهاية المطاف، فما سقوطها في بلاط ذي يزن إلاّ انتصاراً للفكرة العربية في عملية إعادة البناء بعد معادلة نيسان المعاصرة علماً أن "ذي يزن" من قاد الثورة التحررية ضد الاحتلال الفارسي لليمن قبل الفتح الإسلامي، وكأنّا به يقول: إن التاريخ يعيد نفسه، من أن الاحتلال الفارسي عاد إلى العراق بعد التوحد مع الصهيونية والامبريالية كما توحد الفرس مع اليهود عند حرق بابل عام 539 قبل الميلاد، ومن ثم الصراع الصفوي التركي الذي أوقع جزءاً كبيراً من الأرض العربية في العراق تحت السيطرة الفارسية، بمعنى لم يستطع الفرس تمرير أفكارهم واحتلال بلاد العرب في السابق واللاحق إلا بوجود ركيزتين اثنتين هما: العامل الخارجي متمثلاً بالأطماع الأجنبية والمكائد والدسائس، وأما العامل الثاني فيتمثل في العمق الداخلي، حيث تجد بعض المريدين لإعادة هيكلة الدولة الفارسية الصفوية كي تشمل العراق وبلاد فارس، فيصبح الحلم الفارسي حقيقة، إلاّ أن الشاعر ينتصر للفكرة العربية والثورة العربية من خلال العودة إلى "ذي يزن" حيث المستقر الأخير للعبسية وهي منهكة مغشي عليها، فتكون الإرادة العربية وثورتها هي الحصن الأمين للرافضين للاحتلال الجديد للعراق، كما رفض "ذو يزن" الاحتلال لبلاده منتصراً لعروبته الممتدة في التاريخ ارثاً وفكراً وحضارة، فيكون حلم العبسية قد تحقق ألا وهو حلم الشاعر المتمثل في الخلاص من الاحتلال مهما تعددت مسمياته وتنوعت أعراقه، ومثل ذلك يشكل جزءاً أساسياً "من حياة النفس البشرية، لا مفّر لنا من مواجهته إن نحن أردنا فناً يصف النفس، ويلمس حياتها لمساً دقيقاً". (الملائكة نازك23)، علماً أنّ العبسيّة استنجدت بالآخرين حتى تحقق الحفاظ على ديمومة الرفض والبقاء "تصيح من يبتاع منّى هذه الصحيفة، لقاء ما يخصّب رحمي" إلاّ أنّ صرختها لم تجد آذاناً صاغية، أدى بها إلى حالة الإعياء والإغماء اللا إراديين، وتكون إرادة العروبة النقية غير المؤدلجة هي المنتصرة، لأنّ العروبة أنقى وأعظم من أي فصيل أو فكرة ينتحلانها أو يتشحان بها، فيكون التاريخ النفي للثورة العربية هو من يتصدى للاحتلال ممثلاً بذي يزن.

ظِلٌّ لتمثالٍ وديع من بقايا الآلهة/ يسقي السكارى ما تبقى من دنان قرطبة./

قد رحل التمثالُ في سفينة الأسر مع (الزباء)/ وخلّف الظلّ وديعة/ في حانة المطار/...

قالوا: هي الأشباح، / ومرة قالوا: كلابٌ جائعة، / ومرة: تراءى آخر الهزيع في ثمالة الأقداح!...

نيسان ظل صامتاً/ وفي جيوبه تصلصل الملائكة، / وابنة عبسٍ، وحدها تحرس بئر الحبّ في الكثبان/...

لا ماء في الحدائق الغنّاء!/..../ وابنة عبس لم تقل: كان أبي يقول هذا.../

لقد تفجرت عظامها/ واساقطت على نوافذ القطار/ نيسان ظلّ صامتاً/ يفضّ ختم الليل عن قذائف النهار/

ماذا تقول رقعة العبسية الحسناء؟/ لم يدر أي قارئ عنها سوى نميمة/ قيل اختفت في زورق/

يدور أينما تدور في أفلاكها (عاصفة الصحراء)/ لكنّ لصاً من هذيل فاز بالغنيمة، /

فباع ألف نسخة منها لتجار الرّقاع في السّراي/ لقاء ألاّ يشهدوا على وقائع الجريمة؛/...

والمخبرون عاجزون أن يدّونوا/ أين استقرّت رقعة العبسية الحسناء!/...

جاءت صبا نجدٍ إلى "المجنون"/ ووسوست في قلبه ما جاء في الصحيفة/ فشدّ في ساقيه أشواط الصحارى/

إلى أماسي (مربد الفيحاء)/ وارتفعت أرجوزة مطمورةٌ/ من ظلمة البئر إلى منصة الإلقاء/

(أنا التي تأتيكم في كلّ ليل أليل 

أمرّ بالسادات من عمرو ومن مهلهل       

ولا يراني أحدٌ في موكب أو محفل

ولسوف تأتي غابة أثمارها من حنظلِ      

يغرقكم طوفانها في ظلمة لا تنجلي 

هيهات بعد الآن تزكو وردة في مشتل    

إذا خسرت مرسلاً خسرت كلّ مرسل!.../.../

وكان ما كان.../ وسارت الوجوه تستظلّ قبعاتها/ وتهبط النهر على طوافة مثقوبة/

والماء لا يغمر حتى موضع القدم/ لكم توقفتا!... وليس ثمّ إشارة/ والنهر ظلّ هادئاً. (مصطفى خالد علي، درس في التاريخ).

نرى أن معطيات الحس تختلط بالذهنيات، كي يبين عن حالة تعقل تسيطر على المعطى الشعري والدلالي، فتكون المعايشة قائمة بين الذهنية المتأملة والإحساس النامي تجاه الحدث، فهو من الذين يعرف قيمة الكلمة في توجهه التصويري والرمزي، فنراها أي الكلمة تدلل على المجرّد والحسّي والتأملي والتخيلي والتكرار والمتداول والغامض، فنرى لغته مليئة بالحركة والتخيّل والكشف عن المستور، حتى يصل إلى إذابة الملموس والمحسوس والمألوف في تجريدات ومتخيلات تقرّبه من موضوعه "غير أنه بوصفه شاعرا تصويرياً غالباً ما يعمد إلى تركيب الصورة بطريقة يصعب فهمها لأول وهلة، بل قد يضفي على الصورة الواضحة اليسيرة ما يثير أمامنا الغموض".(زكي أحمد كمال247) . أحياناً ما يستدعي الأمر إلى التأمل في النص والتريث في إصدار الحكم أو التقريب من معطيات الفهم، إلاّ أننا نرى بناءً متشعب الجوانب، ليس من السهل أن يضيع فيه الخط الرئيسي للموضوع أو الفكرة الكلية للحدث، لذا يشعرنا من خلال نصه أننا نمر بتجربة عاشها أو يعيشها، للاقتران مع دفقات الحدث والحس الشعوري تجاه أمله ومنطلقه.

تدخل رؤيا الشاعر في الفضاء المشتبك والمتداخل، ما جعله يحقق انجازاً لافتاً متمثلاً في النص الشعري بين أيدينا، موصلاً إلى أكثر المناطق سخونة على الرغم من أنّ موضوعه قديم متجدد، يحمل صوراً دالة ورموزاً مثقلة بالهموم، كثيفة في المعاني لكنها حيوية تدلل على عمق ثقافي ومعرفي متداخلين وصواب في النوايا.

إنّ طبيعة اللغة المستخدمة في النصّ نراها مؤسسة لملامح خطاب يغلب عليه آلسرد والإخبار والتداعيات وتجسيد الأحداث "والتجارب من حياة الكاتب التي تشكل معه نسقاً متكاملاً" (فراي نورثروب406). كما نراه يتعامل مع المروي والمحدث حتى تتلاحم مع معطى شعري خاص يبين عن مكنونات الداخل والخارج للأشياء على حدّ سواء، ولا شكّ أن محاولة التماهي أو التجاذب مع الطبيعة في أشكال متعددة من أشكالها المختلفة (مرتعش كعشبة، غابة أثمارها من حنظل، وردة في مشتل، والنهر ظلّ هادئاً، ...). بكلّ ما ينطوي عليه من معانٍ ومتغيرات في الدلالات، قد تكشف عن الوضع الحرج أو المأزوم الذي تعيشه الذات الشاعرة التي أخذت السياق السردي التقليدي الوصفي، بمعنى نجد الشاعر يصف ويعيد حالات البناء المتعددة على النحو الذي يسمح بكشف الحقيقة وخلق الدافعية للتفاعل معها.

ولعل واقع النصّ يجعل منطق آلسرد آلإخباري سائداً، علماً أنّ الشاعر استطاع أن ينهض الحواس كلّها ويدعها تتفاعل معه كي يخلق نصاً يستند على المشاهدة البصرية والإيقاعات السمعية والفاعلية الشميّة، والإحساس اللمسي والاتصال التذوقي باللسان، ما يجعل صوره ورموزه تتفاعل بقدر أكبر من الحرية حتى تخلق الحاسة الحدسية الفاعلة التي جسّدها في نصّه، وجعل ما ترويه العبسية حالة حدسية متحققة لا متخيلة فقط، وكأن إخباره آلوصفي يخضع لمنطق الحادثة الواقعة في الإطار الفضائي المحدد والمرسوم، وإن أسهب في عملية السرد ولم يعمد إلى الاختزال في بناء الحدث، بل جعل التكثيف في لغته أحياناً، وينسجم واستراتيحية الكتابة.

في كل ما تقدم من نماذج التصوير والترميز يتضح أنّ الرؤيا الشعرية هي التي تقوم بنتاج الدلالة المزدوجة ذات الطبيعة الخاصّة من خلال اختيار "مسمى العبسية" كتعبير عما يعانيه المجتمع ممثلاً بالمرأة، حيث يظهر الحالة الظاهر والباطن، الحال المتراوح بين المعروف وغير المعروف لدى الناس، أو الذي يجهله الناس ويدركه خاصة الشعراء، وهذا كما نعتقد ما جعل الشاعر يلتفت إلى اسم العبسية بعينه غير متناس الدلالات الهادفة التي يحملها المسمى، ما جعله "يضيف إليه سمات خارجية منتزعة من جوهرة الداخلية". (الهاشمي علوي53).ما جعل استخدام آلإسم كظاهرة تحمل مستويات رمزية تتداخل في رؤية الشاعر الانسانية الشاملة ويبقى المسمى هو السمة الوحيدة لم يمتلك صاحبها من خصائص أخرى في الحياة، على الرغم من تعدد الرموز في النصّ، علماً أن الشاعر بترميز آلإسم ووضع بعض الأشياء في إطارها التقريري التذكري تجاه الماضي، وصورة حيّة نابضة بالمشاعر الإنسانية تجاه ما يحدث للإنسان والوطن والحياة بأشكالها المتعددة في الوقت الراهن.

القراءة النقدية المتمعنة تكشف عن قدرات الشاعر، فلديه ما يستحق الوقوف والإشادة والتفاعل، لأنّ نصّه مليء بلهفة الشعر الصادق غير العصي على الفهم لمن يتثقف بثقافة متقاربة أو مناددة للشاعر، ما يجعل صوره مترعة بعنفوان الشعر وعذوبته، وهذا يجعل قارئ النص مأموراً لجماليات تحمل دلالات متعددة، زيادة على التعددية في الصورة والرمز معاً، أي أن نصه بعيد عن لحظة الاضمحلال التي قد تفتت حالتي التواصل والتفاعل معه، علماً أنه لم يعمد إلى التعابير المباشرة والخطايبة، وإنما نجد شعرية من نوع خاص، فتكون صوره ورموزه مستقاة من الطبيعة بدلاً من الصدور المباشر عن المعنى أو التعبير المباشر.

فما يعانيه الشاعر في نصه ليس بعيداً عما يعانيه الإنسان السوي، إلاّ أن مقدرة الشاعر على التعبير هنا تجعل نصه من صميم الإبداع التعبيري، فهو يدخلنا في فضاء الشعر الأوسع، الذي يرى الشاعر فيه نفسه، وإن لم يغادر نصه الغنائية.

فعلى الرغم من ذلك، نجد أن العبسية تشعر بنوع من الاغتراب لأنها لم تستطع الانسجام مع محيطها بل كانت ترى في ذاتها منعزلة، وإن كانت تهدف إلى أن تكون جزءاً من محيطها، إلاّ أن القائمين على المحيط لم يعطوها أذناً صاغية بالمطلق، علماً أن علاقتها مع المحيط لم تكن نفعية أو اقتصادية ومظاهر الاغتراب نجدها فكرية لا اجتماعية.

وما يميّز نصّه أيضاً أنّ الرمز يدخل ضمن بنيته التكوينية، حتى يتم استغلال الطاقة الايحائية التي يحملها ضمن السياق العام للنص فقد رُحّل التمثال في سفينة الأسر مع (الزباء)، لذا نجد المعادلة واحدة، وإن اختلفت الأزمان، بمعنى نرى أن "تمثال الوركاء" يمثل نتاج حضارة مكتنزة يقيم دلالات عميقة في العمق والأداء، (والزباء) تمثل فلسفة الحكم والإرادة الحرّة الرافضة للاستعمار، وكأنه يقول: إنّ الحضارة نتاج فلسفة وفكر وطنيين حرين، لذا لا بدّ من تفتيت أواصر اللقيا، مما يرينا امتداداً في العداء بين أسرى الزباء وفكرتها، ومن أسر الوركاء بقيمها، فما قامت به الزباء تتصوره فعلاً "حرضت عليه الإرادة الحرّة للإنسان القادرة على الحلم في حالتي اليقظة والنوم، كما أنها فعل إرادة لا تستسلم للواقع كما هو".(حسن جعفر69) .

إن التعاضد بين "الوركاء والزباء" له دلالة خاصة توحي بالانفتاح على فضاء الوحدة الإيجابية والرفض المتكامل لمعطيات الحال والواقع، وكأنه يثير فينا مجموعة من الأحاسيس التي تتوج الزمان والمكان، "نسأل عن آخر الأخبار في جريدتي (الأهرام) و(الزمان) حتى يتحقق الأثر الأخلاقي في الفن بشكل عام وتظهر المصداقية في الصحافة التي تمثل السلطة الرابعة عند الإنسان، لذا نجده يتفاعل مع رموز صحافية معروفة (الأهرام) وهي من نتاج العتبات الأولى للفكر الإنساني العربي، إلاّ أنها لم تعد كما كانت، بسبب فلسفة القائمين عليها الدافعة إلى تدمير الوركاء وأسرها كما أسرت الزباء، وكذلك صحيفة الزمان: التي ولدت مع الإعداد للحرب واحتلال العراق، بتمويل ليس واضح المعالم والدلالات، وإن وضح، فتكون الحقيقة في فم الإعلام المشري لا المستقل.

اللغة وظواهر أخرى

قيمة الفن، لا تكمن في الدلالة العميقة فقط، مع تغييب التقنية أو الأسلوب ، ولا بالأسلوب مع تغييب الدلالة، وإنما المعيار يكمن في علو الاثنين معاً، أو تظافرهما أو توالد أحدهما من الآخر،  وهذا ما يكشفه الفن الرفيع حيثما وجد وبأي لغة يصل إلينا.

لغة الشاعر متشعبة الجوانب، مطواعة إلى حد بعيد، لا يضيع الخط الرئيس الرابط بين الأفكار، علماً أن عواطفه تتداعى وروح الشاعر المعنوية تمر بتجربة ينفعل بها، وتتفاعل معها، ونلاحظ أنه يمتلك لغة قوية يُكثر في تكرار بعض المفردات التي تشكل لازمة إبداعية، أو متكأً خاصاً، لو اسقطت إحدى تلك اللازمات، لأصبح المعنى مختلاً كما هي مفردة "نيسان" أو مفردة "تصلصل" أو مفردة "بني عبس" إلاّ أن لازمته التي بنيت عليها الفكرة هي "نيسان" وهي شبيهة إلى حد بعيد بمفردة "المطر" في أنشودة المطر لبدر شاكر السياب، لذا نجد المفردة تنقلنا إلى المتحقق من تجربته الشعرية.

وبما أنّ الشعر ليس إحساساً يصاغ بمفردات مجتباة، وإنما إحساس وفكر حيان نابضان فهما "متعة للنفس وعلاج للحس، وبلسم للعاطفة من جهة، وفائدة للعقل، ورسالة للحياة من جهة أخرى". (الناعوري عيس241). فيكون نص خالد علي مصطفى من النصوص التي تعجّ بتلك القيم، حتى أنه استوعب قضية عظيمة ألا وهي "احتلال العراق" بل جعلنا نعيش في روحية الماضي وانكسارات الحاضر، والاحساس بالنهضة الآتية، وما النص الذي بين أيدينا إلاّ نتاج تفاعل نفسي وفكري وشعوري من الشاعر تجاه الحدث المعني، علماً أنّ لغته موزعة بين الأمل واليأس والرجاء والقنوط أحياناً، كل ذلك جاء بلغة واصفة أحياناً، سردية أحياناً أخر، تحمل دلالات التداخل والتشابك في اندماج صورة الأشياء، فيها بعض الإزاحة، تحمل رموزاً مثقلة بالفكر وصوراً معبأة بهموم وأثقال الحياة، فمرة يميل إلى المجاز وأخرى إلى المباشرة والتصريح، واستعماله الخيال لم يأت من فراغ، وإنما يحاول بذل غاية الجهد ليظفر بالتعبير الملائم للحاجة النفسية والفكرية المتزايدتين لديه.

ومن يستتبع يجد أن لغة نصه منتقاة بعناية توصل إلى المعنى بدلالة واضحة، فيكون المعنى المراد وليد اللفظ المدون، فمقدرته التصويرية والترميزية فاعلة إلى حد بعيد، مهما كانت طرائق تعبيره اللغوية نجده متمكناً من مراده، إن كانت كلماته مباشرة أو موغلة في التكثيف فهي فاعلة في الحدث لأنّ الشاعر "يصنع من المادّة الحسية بدعاً يغلو من القيمة ويعلو، ويفعل من قلب الجواهر، وتبديل الطبائع". (الجرجاني عبدالقاهر276).

أي أن كل فكرة ترغب في أن تكون كسوتها ملائمة لها، أي لا تقبل المفردات غير الجادّة أو الهادفة، فلا نظّن أنّ الكلمات النادرة أو المتروكة تتلاءم مع نسجها مع المفردات كثيرة الاستخدام إلاّ إذا كان الشاعر بارعاً في بنائه، ما يجعله قادراً على تذليل الصعب وترويض الممتنع كي تتشكل شبكة المعرفة الفكرية النابعة من نصّه أو المكتنزة في النص نفسه، فالكلمة بالنسبة للفكرة "كالمعرض للجارية الحسناء التي تزداد حسناً في بعض المعارض دون بعض".(العلوي ابن طباطبا21). فالكلمات لا نصيب لها من الجمال والعذوبة إذا كانت منعزلة عن بعضها، غير مستخدمة في بناء جسد القصيدة، لكن نستطيع القول: أن المفردة المعنية سوقية أو وحشية أو راقيقة أو غير ذلك، لا يكون جمالها في ذاتها، او القبح كذلك، وإنما الجمال التكاملي أو الثقل المراد لا يتضحان إلاّ بواسطة النسج المشترك بين المفردات.

أبعد هذا كله؟/ بعد الذهاب والإياب بين حانة ومئذنة؟ بعد انتشار النار في مباريات الأزمنة؟/

بعد انتهاء موسم الحصاد وابتداء موسم الحنظل في الطلول/ أبعد هذا كلهّ؟/

هل يستطيع المرء أن يعيد لأم رأسه المقطوع/ بالرقبة/

ويستدير صاعداً إلى بقايا البيت فوق الهضبة؟!.../(مصطفى علي خالد درس في التاريخ).

إذن اللغة كائن معطى بالنسبة للشاعر، يحاول أن يتعامل معه على وفق مقدرته، حتى تتداخل اللغة في الإبداع، وتكون عنصراً فاعلاً ورؤية حاضنة للإبداع بمكوناته المختلفة، فتكون اللغة تلك الإرادة التي تجلب الفعل من حيز الخيال والتصور إلى البناء المتحقق في بنائية القصيدة، لذا نجد مفرداته مليئة بالدهشة، لأنّ الدهشة ناتج لحالات التأمل أو السمو الإنساني تجاه الفعل ورد الفعل، فبعد الدهشة يبرز الحدث الثاني ألا وهو الوعي تجاه المرئي أو المحسوس أو المتخيل، لذا يكون الاكتشاف ويفجر فعل الدهشة تجاه المألوف، فمن يقرأ القصيدة أكثر من مرة قراءة فاحصة، يتيقن أنها مليئة بالهموم والاخبار وحالات الصراع، إلاّ أنّ نتيجتها تكمن في الضياع وامتلاك الدهشة مما حدث ويحدث وسيحدث: "أبعد هذا كلّه؟ بعد الذهاب والإياب بين حانة ومئذنة..." أي أنّ الصراع المتجدد هو المسيطر على أفق الشاعر، وليس النتيجة الحتمية، فعملية التماوج تجاه الحدث خلفت الصراع وعدم الاستقرار اليقيني، لكنه جسّد مجموعة من الظواهر تتعلق في عملية البناء الابداعي للنص.

ونراه ينجح في تحويل لغته من القيد الزمني إلى قيدها المكاني حتى تتضح معالم الرؤيا وفلسفة الحدث المعني، فالشاعر في نصه يتواصل مع المتلقي عبر مفردات وإيقاعات مختلفة، فهو لم يلغ القافية من نصه، بل نراها وقد تعددت قوافي المفردات، لكنها لم تكن مقصودة كما نحسها، وإنما جاءت عرضية، وهذا لم يخلق هنة في الإيقاع أو إثقالاً في السمع، فقد كرر قافية (الهاء) أو التاء المربوطة خمس مرات في خمسة عشر سطراً شعرياً، وكذلك الألف القائمة مع التنوين مرتين "قاسياً، صامتاً" وحرف الدال مرتين "جسد، مسد"، مما يشعر بالقوة الفاعلة في المفردتين، إلاّ أن قافية التاء المربوطة تأخذ حيزاً أكبر من غيرها في النص، علماً أنّ نصه مليئ بالكنايات والرموز الفاعلة والصور المتعددة في بنائها ومرادة في دلالاتها، فتكون كنايته ورموزه من الماضي والحاضر، لأن الصور مثلاً لا تنبعث عن الألحان في المقام الأول، وإنما تنبعث عن معانيه التي تتصف بالدهشة والحيرة، إلاّ أن هذا الادهاش لم يلغ الإيقاع النغمي للمفردات والبناء المنظوم بشكل عام، فتكون الأنغام التي ترافق تشكل الحروف واقعة لا محالة، ومختلفة من نص إلى آخر، أي أن جرسها الموسيقي يؤثر تباعاً في عملية خلق البحر الشعري حين يتلازم الأمر في البناء، فمهما كانت طبيعة البناء يحتاج النظم إلى هدوء وتؤدة "وفي النظم بخاصة يحتاجان لأن يكون نغم الوزن شيئاً منزوياً يصل إلى الذهن من غير جلبة ولا تشويش وكأنه إطار للكلام الموضوع فيه ". (الطيب عبدالله246).

فمن خلال العنوان والمطلع والعتبة في النص نجد التناغم الفاعل بين المبنى والمعنى، أو بين الإيقاع والدلالة، فالمعنى المقصود من القصيدة كلها ظهر كأحسن ما يكون الإظهار، لذا نرى حسن الأداء ممتزجاً بعمق الدلالة للمفردات والنص بعامة، وهذا شاهد على أن "الأسلوب بالنسبة للأديب وللمصور على السواء ليس مسألة تنفيذ فني، بل هو خاصة من خواص الرؤية". (بارتملي جمال522).

فالعروض أحياناً لا تلبي حاجة الجمال للنص، أو لا نستطيع من خلالها تقدير حالة الجمال في النص، بمعنى أدق ليست الموسيقا الخارجية هي التي تحدد الحالة التفاعلية مع النص، أو قيمته الجمالية، وإنما البناء التكاملي هو من يحدد جماليات النص، تلك الجماليات التي تستشف من المبنى والمعنى معاً، يضاف إليهما الحالة الحدسية أو الاستقرائية كما سيأتي من بعد التفاعل والتناغم مع النص، لأنّ عمل "الشاعر ليس رواية ما وقع بل ما يجوز وقوعه، وما هو ممكن على مقتضى الرجحان أو الضرورة".(أرسطو64) .

إنّ توزيع المفردات على الأسطر الشعرية جاء متناغماً إلى حد كبير مع طموحات الشاعر؛ فقد وازن بين الإيقاع وبنائية النص الجديد، الذي لم يكتب ليلقى من على المنابر، وإنما يستنبطه القارئ استنباطاً خاصاً، لكنّ طبيعة الحدث ومقوماته دفعته كي يجعل نصه على مستويين من الأداء، وكأنه يقر أن الشعر المسطر أو شعر التفعيلة يحتاج إلى تأمل ذهني ونفسي أكثر من غيره، في حين نرى الشعر المشّطر أو المبنى على الصدر والعجز هو الذي يحتاج إلى الالقاء، وهذا أمر واضح في قصيدته عندما قال: "فشدّ في ساقيه في أشواط الصحارى، إلى أماسي (الفيحاء) وإن جاءت القصيدة على بحر شعري واحد، ألا وهو بحر "الرجز" إلاّ أنّ المقام يستوجب طبيعة المقال، وكأنه استجاب مع معطيات "أماسي (مربد الفيحاء) وجاء نصه مبني على وفق الشكل القديم للقصبدة العربية إلى جانب النص الحديث أو شعر التفعيلة:

"وارتفعت ارجوزة مطمورةٌ، من ظلمة البئر إلى منصّة الإلقاء:

أنا التي تأتيكم من كلّ ليل أليل

أمّر بالسادات من عمرو ومن مهلهل

ولا يراني أحد في موكب أو محفل

هذا نذيرٌ للذين سمرّوا بالأرجل

أهدابهم، ولم يروا غير الحصى والجندل

زائغة أبصاركم عن كلّ أمر معضل. مصطفى خالد علي، درس في التاريخ).

وكأنه يقول: إنّ فن القول الشعري متداخل في الحياة العربية منذ فجر التاريخ، وهذا ما تؤكده مسمياته لكبار الشعراء "أمر بالسادات من عمرو ومهلهل" اللذين لهم بصمات في النتاج الشعري وكذلك المواقف الشجاعة لهما، فالمهلهل هو أول من قصد القصيد كما يقول، وهو الرافض للصلح على دم أخيه كليب، مما جعله محارباً لسنوات طوال، وكذلك عمرو بن كلثوم الذي استجاب لنداء الاستغاثة فرفض الذل وقتل ملك الحيرة، لأن أمه حاولت إذلال أم الشاعر، لكنه صاحب مواقف فكرية وأدبية أيضاً، فهما يحملان الأنفة والكبرياء، وكأنه يقول: إنّ كثيراً من أسياد العرب في السابق يزاوجون بين الفن والفكر والمروءة، فلا فرق في ذلك، وهذا نراه استنهاضاً للهمم المعاصرة، أو تعزية للذات على ما آل إليه الوضع العربي من سقوط وتردٍ في المتاهات كلها.

ونصّه هنا يتعامل مع مفردات اللغة لذا نراه يمارس وعياً أشبه بالحلم في لحظات اليقظة، يجسّد قيماً وأفكاراً وثوابت، يدافع عنها حتى النخاح والرمق الأخير، علماً أنّ الشاعر بدأ نصه بالسرد والوصف والاخبار وأنهاه بالتساؤل المريب؟ التساؤل الذي يُبني عن تشظي الواقع والمتأمل إلى حد بعيد، وإن كان عقل الشاعر من خلال نصه فاعلاً ومتحركاً لا مهمشاً، فالعاطفة لها مكانها، والعقل يظلل النص ويخلق الفضاء الرحب في تأمل الآتي.

فالفكر والعاطفة يسيطران على لغته والبناء العام للنص، فجاءت مفرداته تحمل الإرث الدلالي والمعاصرة، وفي قيمها تضمين العقيدة، وتمتاز بالتنوع الصوتي المتجدد، وكذلك نجد المفردة السلسة قريبة من التناول العام، على الرغم من اهتمامه بالتفصيلات، إلاّ أن العمق الدلالي يبقى شاخصاً، إلى جانب اللغة المحملة بالتخيل والخيال، إلاّ أنه يحمل العاطفة الصادقة تجاه فكرته وطموحه.

الخاتمة:

بعد التمعن في نص الشاعر خالد علي مصطفى "درس في التاريخ" واستقراء منطلقاته، تبين للباحث مجموعة من الأفكار والقيم توضح أنّ قصيدة (درس في التاريخ) نصٌّ متجدد في الدّلالات كلّها، فهو يحمل بصيرة خاصة ، حيث لم يكن العنوان منعزلاً عن النص، وإنما يشكلان لحمة واحدة، فالعنوان مع أجزاء النص الأخرى تشي عن فلسفة ورؤى عميقة، تُرينا أنّه أفاد من بُنى جاهزة، على اختلاف مشاربها وانبعاثاتها، إلاّ أنّ بُناه الجاهزة أصبحت جزءاً من النّص، تحمل أهدافها وأفكارها ومراميها.كل ذلك جعل البحث عن المعنى في النّصّ قائماً، فليس من السهل استجماع قيمه ، دون الغوص في العمق الدلالي والمعرفي للنص، فهو غني بأشياء متعددة، قادر على استنطاق الحال، لوضع لبنات المستقبل، بعد تعرية الماضي ونوازعه.فصوره الشعرية ورموزه، تشكل حالة السهل الممتنع، أي للوهلة الأولى ترى أنها ميسرة وسهلة، إلاّ أنّ المتمعن يحتاج إلى استنطاقها للوصول إلى المعنى المقصود، علماً أن صوره ورموزه متعددة المشارب والثقافات، ومتباعدة في الأزمنة والأمكنة كذلك.

أما لغته، فلم تأت على وتيرة واحدة، وإنما نراها وصفية وسردية، تحمل في طياتها الروح التهكمية أحياناً، والمباشرة والوضوح أحياناً أخر، ثم نراها تميل إلى التكثيف، والاخبار عن الماضي وسرد سمات الحاضر، ورسم ملامح المستقبل، كل ذلك بصوت الشاعر أو بطريقة السرد الوصفي أو الحواري إذا جاز التعبير، فكانت لغته موفقة، تحمل رقة المشاعر وقسوة الواقع والخوف من المستقبل العائم أو المشوش، إلاّ أنها تحمل بعضاً من الارث الاستبشاري وترسم فسحة من الأمل في دلالاتها، على الرغم من تعددية البناء أي أنّ مفرداته متعددة الدلالات.

في حين نجد موسيقاه الخارجية سارت على بحر عروضي واحد، ألا وهو بحر الرجز، لكنه لم يستغن عن جرس الألفاظ، أو الموسيقا الداخلية في نصه، بل فعّلها تفعيلاً ايجابياً، وقد كرر قافيته في بعض الأسطر الشعرية، علماً أنه لم يؤكد عليها قاصداً، وإنما جاءت عرضية، ما يرينا أنه بنى قصيدته على نظامين للقصيدة العربية، نظام التفعيلة، ونظام التشطير، وكأنه يوقن أن نظام التفعيلة لا ينفع للخطاب والمنابر، بينما يفي في حالات الهمس والتمعّن المقصودين، بينما نظام التشطير هو الأجدى لمخاطبة الناس في المحافل والمجالس الأدبية والشعرية، لأنّ الذائقة العربية اعتادت ذلك على مرّ آلأزمنة.

 

د. نادي ساري الديك

استاذ الأدب الحديث ونقده - فلسطين

..............................

المصادر والمراجع

1 - القرآن الكريم.

2 - إبراهيم خليل، النص الأدبي- تحليله وبناؤه مُدخل إجرائي، دار الكرمل، ط1، عمان، الأردن، 1995م.

3 - ابن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي الأحكام.د.ت.

4 ابن طباطبا العلوي، عيار الشعر، 1956م.

5 - ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج1، تحقيق أحمد محمد شاكر، دار المعارف، مصرـ د.ت.

6 - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان.

7 - أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين تحقيق البيجاوي، القاهرة.

8 - أحمد عمر شاهين، موسوعة كتاب فلسطين في القرن العشرين، منشورات المركز القومي للدراسات والتوثيق، ج1، ط2، غزة، فلسطين، 2000م.

9 - أحمد كمال زكي، دراسات في النقد الأدبي، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، ط1، القاهرة، 1997م.

10- أرسطو، فن الشعر، ترجمة شكري محمد عيّاد، القاهرة، 1986م.

11- أنور المرتجى، سيمائية النص الأدبي، مطابع إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 1987م.

12- جان كوهين، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، ط1، الدار البيضاء، المغرب، 1986م.

13- جعفر حسن، تمنع الغابة الطرية، توغلات في نصوص شعرية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2005م.

14- جمال مارتملي، بحث في علم الجمال، ترجمة أنور عبد العزيز، القاهرة، 1970م.

15- خالد علي مصطفى، "درس في التاريخ"، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد -430- شباط 2007م.

16- راضي صدوق، شعراء فلسطين في القرن العشرين، توثيق أنطولوجي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، لبنان، 2000م.

17- رضوى عاشور، في النقد التطبيقي، صيادو الذاكرة، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، المغرب، 2001م.

17- ريتشارد، مبادئ النقد الأدبي، ترجمة مصطفى بدوي، المؤسسة العامة للتأليف والترجمة والنشر، القاهرة، د.ت.

18- سعيد البازعي، أبواب القصيدة، قراءات باتجاه الشعر، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء، المغرب، 2004م.

19- سلمى الخضراء الجيوسي، موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر، الشعر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1997م.

20- سوزان بيرنار، قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا، ترجمة د. زهير مغامس، دار المأمون، بغداد، 1993م.

21- سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، ط1، القاهرة.

22- سي، دي، لويس، الصورة الشعرية، ترجمة أحمد نصيف الجنابي وآخرون، دار الرشيد للنشر، بغداد، 1982م.

23- صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، العدد 164، أغسطس، الكويت، 1992م.

24- عبد الرحمن محمد القعود، الابهام في شعر الحداثة، عالم المعرفة، العدد 279، الكويت، 2002م.

25- عاطف جودة نصر، الخيال مفهوماته ووظائفه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1984م.

26- عبد الله ابراهيم، التفكيك، الأصول، والمقولات، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، 1990م.

27- عبد الله الطيب، المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، بيروت، 1970م.

28- عبد الله عساف، الصورة الفنية في قصيدة الرؤيا، دار دجلة، ط1، سوريا، 1996م.

29- عبد الفتاح الجمري، عتبات النص، ط1، شركة الرابطة، الدار البيضاء، 1996م.

30- عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، استنبول، 1959م.

31- علوي الهاشمي، ظاهرة التعالق النصي في الشعر السعودي الحديث، كتاب الرياض، العدد (52-53) إبريل مايو، 1998م.

32- عيسى الناعوري، النثر، ثقافتنا في خمسين عاماً، الناشر، دائرة الثقافة والفنون، عمان، الأردن، 1972م.

33- فيصل دراج، معنى الابداع وصورته عند عبد الله ونوس، مجلة جرش الثقافية، جامعة جرش الأهلية، العدد الثاني، شتاء، 2005م.

34- قادة عقاق، دلالة المدينة في الخطاب الشعري العربي المعاصر، دراسة في إشكالية التلقي الجمالي للمكان، اتحاد الكتاب العرب، ط1، دمشق، 2001م.

35- لطيفة الزيات، الكاتب والحرية، مجلة فصول، خريف، 1992م.

36- محسن جاسم الموسوي، ثارات شهرزاد، دار الآداب، بيروت، 1993م.

37- محمد صابر عبيد، مرايا التخييل الشعري، عالم الكتب الحديثة، ط1، إربد، الأردن، 2006م.

38- محمد الواسطي، عتبة النص الشعري بين المبدع والمتلقي، مجلة جذور، العدد 13، السنة السابعة، جدة، السعودية، 2003م.

39- محمود عبد الوهاب، بنية العنوان في قصيدة السياب، الموقع والتحولات، مجلة الأقلام، العدد السادس، بغداد، 1999م.

40- محمود غنايم، تيار الوعي في الرواية العربية الحديثة، بيروت، 1992م.

41- مريم جبر، مالم تقله شهرزاد، جرش الثقافية، جامعة جرش الأهلية، العدد الثاني، شتاء، 2005م.

42- نازك الملائكة، مقدمة ديوان شظايا ورماد، ج2، ط2، دار العودة بيروت، لبنان، 1979م.

43- نورتروب فراي، ترجمة محمد عصفور، منشورات الجامعة الأردنية، عمان، 1991م.

44- وجيه فانوس، محاولات في الشعري والجمالي، اتحاد الكتاب اللبنانيين، بيروت، لبنان، 1995م.

45- باكبسون، آراء وأفكار حول اللسانيات، ترجمة فالح الإمارة، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد، 1990م.

46- يوسف الخال، الحداثة في الشعر العربي، ، دار الطليعة، ط1، بيروت، 1978م.

 

 

 

خالد علي مصطفى شاعر وازن بين الفكرة والشاعرية، متعدد النتاج، جمّ العطاء، موضوعاته متعددة ألبسها من روحه، وأصبغ عليها عاطفته وفكره، فكانت قصيدته "درس في التاريخ" حاملة لواء فلسفة واضحة المعالم والدلالات، لأنّها وُلدت من فكر نيّرٍ، ونفس ملتاعة لما حلّ بالعرب والمسلمين، بعد آحتلال بغداد في نيسان 2003م، وتدمير المجتمع العراقي وإلغاء الدولة العراقية بمقوماتها المختلفة، فجاء صوت الشاعر عبر رموزه ومقومات قصيدته يحكي بلغة سردية وصفية أحيانا، أو بلغة مكثّفة أحياناً أخر مقومات حدث جمّ، فنرى لغته معبأة بالسخرية والتأمل والاستبصار والمقدرة على استقراء الحدث، ما يرينا موقفه من الماضي والحاضر والمستقبل، مرة بلسانه، وأخرى على ألسن الآخرين، ما دفعنا إلى آختيارها لتكون مادة مختارة لدراستها، لاظهار حالات الإستجلاء التي جاء بها الشاعر عبر أسطره الشعرية، لذا تمت قراءة القصيدة قراءة تحليلية نقدية، إذ توزعت الدراسة على موضوعات متنوعة، أولها حياة الشاعر ومن ثمّ دلالة العنوان، واستثمار بنى جاهزة، والبحث عن المعنى، وفداحة الصورة وتكثيف الرمز وأخيراً اللغة وظواهر أخرى، ثم جاءت الخاتمة وقائمة المصادر والمراجع التي أعانت الباحث حتى شخصت الدراسة في النور، تعتمد على المنهج التكاملي، خدمة للفكرة وانتصاراً للحقيقة، علماً ان الباحث أفاد من منجزات غيره النقدية والتحليلية والتي تجسدت عبر أسطر البحث، وهذه المنجزات هي ما تم رصده عبر مسمياتها في قائمة المصادر والمراجع.

حياة الشاعر

خالد علي مصطفى، شاعر عربي معاصر، صاحب عطاء متميز، ولد في قرية عين غزال في الشمال الفلسطيني،  بالقرب من حيفا، عام 1936م، عاش سني عمره الأولى هناك، وبعد أن حلت مصيبة النكبة عام 1948م، هُجِّر مع أسرته إلى العراق، حيث تولت الحكومة العراقية مقاليد الضيافة، لأنّ سكان القرى الثلاث الصامدة "عين غزال وجبع وإجزام" تعهدت الحكومة العراقية استضافتهم ريثما تعود الحياة إلى طبيعتها في فلسطين.(شاهين أحمد عمر251).

أنهى تعليمه في مدارس بغداد، وأتمّ دراسته الجامعية والعليا بجامعة بغداد أيضاً، وقد انخرط في المجتمع العراقي انخراطاً ايجابياً، فكان نشطاً في الساحة الأدبية والثقافية، وبرز شاعراً وباحثاً جاداً، فهو صاحب فلسفة واضحة في حياته، إذ كان ولم يزل "قومي النزعة، فلسطيني الجرح والنزف والعناء، في شعره عمق، وحدّة وكثافة".(صدوق راضي215) .

عمل خالد استاذاً للأدب العربي الحديث بكلية الآداب، بالجامعة المستنصرية، وكان يتمتع بعلاقة حسنة وخلق دمث وأسلوب قشيب مع محيطه بلا استثناء، فهو من الذين لا يبخلون على الآخرين بمشورة أو عطاء علميين، وشغل مسؤولاً لتحرير الصفحة الأدبية في جريدة الثورة العراقية، ونتيجة مواقفه العروبية وانتمائه القومي، تعرض للمضايقات في العراق إبان المد الشيوعي بعد انتصار ثورة 14 تموز عام 1958م، ليصدر قرار الإبعاد في حقه ومكث على الحدود العراقية الأردنية بضعة أشهر، وبعدها عاد إلى بغداد، وانخرط في حياتها الإنسانية، إلى أن حلّت الطامّة الكبرى متمثلة باحتلال بغداد وحرق قيمها وثقافتها وتدمير كيانات فلسفتها، وسيطرة الاتباع على مقاليد الحكم، لذا غدا خالد علي مصطفى وكثيرون غيره على قائمة المطلوبين لمواقفهم وشجاعتهم الأدبية، وماضيهم الزاخر بالعطاء الجم، الذي يعبّر على محبّة الإنسان، وصفاء البصر والبصيرة لهم، فكان من الشخصيات الأدبية النشطة في الحياة الأدبية في بغداد" (الجيوسي سلمى الخضراء441). وعمل أستاذا جامعياً في اليمن لمدة فصل دراسي واحد , وعاد إلى بغداد ارض الدفء والمحبة والعطاء على الرغم من جراحاتها النازفة , كي يكمل المشوار الإنساني المتمثل في التدريس الجامعي وقد ساعده ذلك على مناقشة اطروحته العلمية لينال شهادة الدكتوراه عام 2004م من جامعة بغداد, وظل ملتزما بالعمل الجامعي حتى بلغ سن التقاعد , فهو الآن يعيش في مدينة أحبها وتماثل معها وتوحد مع نهرها فهو ودجلة يسكنان بغداد كما بغداد تتماثل في روحه, فروحه عالقة بين بغداد الهوى وحيفا الأمنية والرمز معا.

أصدر مجموعة من النتاجات الشعرية والبحثية، هي:

1- موتي على لائحة الانتظار، شعر، دار الحكمة، النجف، العراق، 1969م.

2- سفر بين الينابيع، شعر، بغداد، العراق، 1972م.

3- البصرة- حيفا، شعر، بغداد، العراق، 1975م.

4- سورة الحب، بغداد، العراق، 1980م.

5- المعلقة الفلسطينية، شعر، بغداد، العراق، 1989م.

6- غزل في الجحيم، شعرـ بغداد، العراق، 1993م.

 

وأما أعماله البحثية فهي:

1- الشعر الفلسطيني الحديث، 1948-1970م، ط1، 1976، ط2، 1986م، دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد، 1986.

2- شاعر من فلسطين، مطلق عبد الخالق، الموسوعة الصغيرة، بغداد، 1988م.

3- كتاب عن الرواية، نشر فصوله في المجلات العراقية. (شاهين احمد عمر252) .

وله العديد من الدراسات والأبحاث والمقالات منشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية في بلدان عربية مختلفة.

دلالة العنوان: درس في التاريخ

درس في التاريخ... عنوان له قيمة ومنطلقاته، عنونت به قصيدة تحمل ما تحمله من دلالات عميقة، لم يأت بها الشاعر كحالة اعتباطية، أو لتجسيد حالة التشويش الفكري، وإنما نراه "بنية إشارية إلى داخل القصيدة يتعالق معها بالسياق في بنية دلالية".(عبدالوهاب محمود18)، فاعلة.

لأنّ العنوان في النتاج الإبداعي، بمثابة العتبة من البيت، والعتبة في اللغة تطلق على خشبة الباب التي يوطأ عليها، وعلى الخشبة العليا التي تقابلها، وتسمى الأولى الأسفكة، وتسمى الثانية الحاجب، والجمع عتب وعتبات، وتطلق العتبة أيضاً على معنى الرقي، ومنه عتب الدرج: مراقيها: وكلّ مرقاة منها عتبة، وعتب الجبال: مراقيها، وعتبة الوادي: جانبه الأقصى الذي يلي الجبل، وتقول عتب لي عتبة في هذا الموضع إذا أردت أن ترقى به إلى موضع تصعد قبه.(منظور، مادة عتب)

فالمعنى اللغوي للعتبة لا يبتعد عن المعنى الاصطلاحي، أي أنّ عتبة النص هو عنوانه "والعلاقة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي الأول وطيدة، إذ إننا لا نسند العتبة إلى النص الشعري أو أي نص إلاّ إذ اعتبرناه بنية كبنية البيت أو الدار، والكلام كلّه على سبيل المجاز الاستعاري، حيث شبهنا البنية اللغوية بالبنية المادية، وهو من باب إخراج المعنوي إخراجاً محسوساً".(الواسطي محمد259) .

فمن يتمعن في العنوان "درس في التاريخ" يعطيه أكثر من دلالة رامزة وفاعلة كي تكون مدخلاً ناجحاً للتمعن في نصية القصيدة وبنائها التكاملي، فهل التاريخ هنا هو المقصود؟ أو الدرس الواقع ضمن سياقات التاريخ هو المقصود، وليس التاريخ بجزئياته أو كلياته، علماً أنّ التاريخ يُصنع من التراتب الحدثي في العمق الزمني، بمعنى ما دامت الحياة قائمة تكون العبرة من دروس التاريخ قائمة هي الأخرى، إذا أراد الإنسان المعني أن تكون له عبرة، وهذا يؤكد على أنّ الحياة بدروسها ومتناقضاتها سوف تبقى مستمرة وفاعلة، بما تحمله من حالات توالدية عبر الأجيال وسني حيواتهم، لذا يبقى العنوان فاعلاً "باعتباره أولى عتبات النص، تكمن أهميته في كونه عنصراً من أهم العناصر المكونة للنص".(الجمري عبدالفتاح23).

ومن يتمعن يجد أنّ العنوان "درس في التاريخ" جملة إسمية تتكون من مبتدأ، والخبر جاء شبه جملة، وهذا يؤكد على وعي الكاتب لأنّ "الجملة الاسمية تقدّم وعي الكاتب، بينما تقدّم الجملة الفعلية الحركة الخارجية للشخصية". (غنايم محمود286).

 وكذلك بناء الجملة له دلالته الواعية والناضجة معاً، من حيث استخدام حرف الجر، فهو لم يقل "درس من التاريخ" وإنما قال "درس في التاريخ" وهذا يؤكد على أهمية القول المراد، فالدرس المقصود هنا، درس من الدروس الفاعلة والمؤثرة في التاريخ، لأنّ حرف الجر "في" يدلل كما نظنّ على الانغراس والتوحد في الشيء ومع الشيء، أي أنّ درس الشاعر المقصود، درس متوحد ومنغرس في التاريخ، يبقى خالداً بخلود الحياة، واستمرارية صنع التاريخ من قبل الناس، لأنّ الإنسان من يصنع التاريخ أكثر من التاريخ أن يصنع التاريخ، وهذا لا يتوقف على نظرة الإنسان المعنى في التاريخ، وإنما يتوقف على قيمة الحدث، دون النظر إن كانت قيمته سلبية أم إيجابية، وهكذا يؤكد على صياغة "درس في التاريخ" على هذه الشاكلة أكثر عمقاً وأثراً من صياغة "درس من التاريخ" لأنّ الصياغة الأولى، تدلّل على التوحد والاندماج والاستمرارية في الدلالالة والهدف، بينما الصياغة الثانية تدلل على أنّ التاريخ مليء بالدروس والعبر، وهذا الدرس أحد تلك الدروس، وهنا لا يوجد تفرد في الدلالالة، وإنما التفرد يكمن في الصياغة الأولى. "درس في التاريخ".

ومثل ذلك يدلل على الشمولية والعمق في الإدراك الفكري والوجداني لدى الشاعر تجاه ما يجري من قضايا مصيرية وإنسانية معاً، فهو ينظر إلى الحياة ويتحسس ما تؤول إليه مصائر الناس، وكيف تكون حركة الحياة الدؤوب حتى يستخلص معانيها ودلالاتها الجوهرية، فالشاعر هنا من المتيقنين لدورة الحياة وتشعباتها، فهو لم يختر عنوانه بناءً على إحساس جمالي وفطري فقط، كما هو الحال مع الشعراء الوجدانيين، وإنما جاء اختيار العنوان فيه إعمال للعقل وكشف الغطاء عن الحال البصرية والاستبصار معاً، فيصبح الشاعر في حالة حدس استقرائي خاصة تجاه حياة الآخرين والمحيط، فيتماثل وكأنه الحقيقة القائمة، علماً أن الشاعر الوجداني "يلتقط عنوان قصيدته باعتماد ذائقته وحدسه وحساسيته في اختيار عبارة العنوان، وليس غريباً أن يجيء كثير من عنوانات آلنصوص آلإبداعية للعقود السابقة أميل إلى للاستئثار بالعنصر الجمالي".(عبدالوهاب محمود19).

إلاّ أنّ العنوان في قصيدة الشاعر هنا "درس في التاريخ" فيه استئثار بالقيمة العقلية والدلالة الشمولية والطاقة الحدسية المتجددة، حتى تتوحد في عنوان مقصود بذاته ودلالاته، فالعنوان مع القصيدة ليس موضوعاً أو مضموناً أو حالة من حالات التأنق التعبيري التي تستخوذ لباب الشاعر وعواطفه، وإنما نجدهما رؤية فنية تتواحد مع رؤى فكرية، تتماثل في المفاتيح أو العنوانات أو الكلمات المفاتيح كما يطلق عليها، إذ "عن طريق العناوين تتجلى جوانب أساسية أو مجموعة من الدلالات المركزية للنص الأدبي" ما يجعلنا نسند للعنوان دور العنصر الموسوم سيميولوجيا في النص، بل ربما كان أشدّ العناصر وسماً، ويصبح المشروع في تحليل العنوان، عندما يتعلق الأمر بوصفه عنصراً بنيوياً يقوم بوظيفة جمالية محددة، ... أو إلى إحداث يتمثل مؤشراً يحدد الطابع الفكري، والأيدلوجي للنص... كما يقوم العنوان بدور الرمز الاستعاري المكثّف لدلالات النص، إلى غير ذلك من الوظائف الدلالية والجمالية".(فضل صلاح226).

لذا نرى أن العنوان المعني "درس في التاريخ" يقف منه الدارس موقفين، الموقف الأول يراه مركباً في الفهم والمتناول، كما هي العتبة المباشرة أو البيت الأول الذي يوصل قارءه إلى المراد وهو ما يطلق عليه النقاد والبلاغيون القدماء، الابتداء، الافتتاح، والاستهلال والمطلع على وزن مفعل بمعنى مكان الطلوع أو زمانه. (العسكري ابو هلال74) وأما الموقف الثاني وهو الفهم الذي يحتاج إلى استبصار واستقراء وعمق في التأويل، كالشعر الذي يقال في المقدمة الغزلية، أو الطللية، أو مقدمة الرحلة أو الطيف. وغير ذلك، لأن كثيراً من تلك النصوص تحمل في طياتها إزدواجية الفهم "المدح والهجاء" وهذا ينطبق على العنوان قيد الدرس، فمن أراد أن يفهمه إيجابياً فله ومن أراد أن يفهمه سلبياً فله، لأن الدلالة تحمل الفهمين معاً، وهذا لا يشكل غرابة في الموضوع، ما دامت الضدية قائمة في الفهم والدلالة معاً.

والمتأمل في القصيدة لا بدّ أن يقف أمام عتبتها ألا وهي "عنوان القصيدة" "درس في التاريخ" ولماذا جاءت التسمية على هذه الشاكلة "درس في التاريخ" ولم يأت مثلاً "في التاريخ دروس" أو "دروس في التاريخ" أو أية صياغة أخرى توصل إلى فهم خاص، أو إلى فهم تبعيضي، بدلاً من الفهم الكليّ الذي نتعامل معه، ونستيقن ما نريده من الفهم، ولماذا لم تكن هذه القصيدة "كتاب التاريخ أو درس التاريخ"؟ هل لأنّ الشاعر استبطن بأنّ ما قاله ليس إلاّ جزءاً يسيراً مما تقوله مدونة التاريخ في حياتنا والناس أجمعين مثلاً، تلك المدونة التي حملت لنا منذ التكون الأول لسرمديات التاريخ حتى أن يشاء الله سبحانه، أم أنه يريد أن يعطي عنوانه نوعاً من الشفافية والمصداقية العالية، فهو لم يحصر عنوانه كي يحجم التاريخ فيه، وإنما نراه يتفاعل مع عنوانه حتى يؤكد على أهميته التاريخية التي سوف تتأكد متتالياتها من بعد لحظة التكوين الأولى لها، بمعنى ليس ما يكتبه هو التاريخ وإنما ما يكتبه هو جزء من تاريخ نافذ صادق، لأنّ ما سيأتي به عبر أسطر القصيدة مماثل للهم الإنساني الذي يسطره تاريخ الإنسان نفسه، بذلك جاء عنوانه متوازناً فاعلاً، وهو ما سنراه متجلياً في القصيدة "لإن البحث عن إيجابة لهذا السؤال على الرغم ما قد يحمله من إثارة أو متعة للباحث والقارئ على حدّ سواء "يظلّ خارج نطاق هذا النوع من الدراسات، ... فليس الهدف هنا نقل تملية حاجة فردية، أو ضرورات تاريخية، ولكنّ الهدف هو الكشف عن دلالة الشكل الفني بوصفه أداة أساسية لإنتاج موقف أيديولوجي تجاه ظاهرة بعينها".(عاشور رضوى23). وهذا يعني أنّ العنوان يدلل على فلسفة معينة يحملها الكاتب، أو أنه يبين عن أيديولوجيا بعينها يوضحها ويتبناها، أو كليهما معاً.

استثمار بنى جاهزة:

القارئ المتيقن لنص القصيدة "درس في التاريخ" يعتقد أنها تستثمر نمطاً من أنماط الثقافة العربية الإسلامية، ألا وهو الاتكاء على الموجود لإظهار ما هو مكتنز في ذهنية الشاعر وروحه ليس لإظهار حالة الضعف اليقيني عند الإنسان(المرسل والمستقبل)، ومثل ذلك يشكل الحالة الخاصة في خلق السّهل الممتنع، إذ ليس كل من يتكئ على جاهزية الأشياء ليظهر نصاً جديداً في الحياة، قادراً على أن يجعل نصّه فاعلاً ومفعلاً، لأن حالات الخلق متفاوتة هنا، أي ترى أنها تعتمد على الذات المرسلة وما تحمله من إرث متعدد الأوجه، وليس إرثاً منغلقاً، بل إلى إرث يجعل الذاكرة تتحول إلى رؤية حية فاعلة يتشبع بها المكان، حتى تظهر في الوجود إضاءة فضاء الرؤيا كما يتضح من النص.

لذا اعتمد الشاعر على نص قرآني وضمنه في نصه الشعري، كي يشكل العتبة المتداخلة مع عتبة العنوان، فتكون الآية القرآنية فسحة التأمل والتأويل الفلسفي المقصود به كي يوصل إلى التعمق في الفهم والدلالة للعنوان، وليس لخلق حالة الأنزياح اللغوي فقط، والنص القرآني هنا يحمل الإرث التأملي العميق، إذ لم يأت به للتمثل العابر، وإن كان القرآن عميقاً في الحالات كلها، وإنما للتمثل المبني على العمق الفلسفي والدلالة الهادفة "لقد كنتَ في غَفلةٍ من هذا" فَكَشفنا عنكَ غِطاءكَ فبصرُكَ اليومَ حديد".(سورة ق 22) .

إن اعتماد الشاعر على النص القرآني يعني البحث عن سمو المعنى والعمق في الفكرة والتفكير والأداء معاً، وهذا يعمق المتخيل الشعري، ليكون شاهداً على عمق العلاقة المبحوث عنها من قبل الشاعر أو الإنسان بشكل عام تجاه المعتقد والنص العقدي، لأن الآية الكريمة التي ضمّنها الشاعر في نصه، تخاطب الإنسان عامة، أو تخاطب مقصوداً بذاته، لأن الإنسان هو الذي يصنع الحياة، وإن لم يشر القرآن إلى إنسان بمسمى مقصود، وإنما جعل الأمر مفتوحاً، إذ كلّ إنسان يصبح مقصوداً في حد ذاته، وهذا ما فعله الشاعر، إذ لم يجعل مخاطبه واضح المعالم والدلالات، وإنما جعل الخطاب مفتوحاً، متمثلاً بالنص القرآني، أي من حق المتلقي أن يتمعن في النص متكاملاً صانعاً رؤية أو جاعلاً مخاطباً مقصوداً، أي بمعنى أقرب يكون الاجتهاد مفتوحاً على مصارعه لمن يقرأ النص القرآني المعني مضمّناً من خلال النص الشعري، فيأتي الإرث الثقافي للشاعر المتلقي على حد سواء فيصلاً في إماطة الغشاوة عن النص الإبداعي للشاعر، لأنّ النص الجاهز "عنصر مكون من عناصر هذه القصيدة".(القعود عبدالحمن محمد131) .علماً أنّ المفسرين للقرآن الكريم نظروا في نص الآية فأثبتوا أن الإنسان هو المخاطب، وإن آختلفوا في عقيدته فقط، فمرة قالوا الكافر هو المخاطب ومرة المؤمن ومنهم من جعل المناسبة هي التي تحدد طبيعة المخاطب فكما يقول الطبري لا يقال له: لقد كنت في غفلة من هذا الذي عانيت منه اليوم أيها الإنسان من الأهوال والشدائد، فكشفنا عنك غطاءك، يقول: فجلّينا ذلك لك وأظهرناه لعينيك، حتى رأيته وعاينته، فزالت الغفلة عنك، وينجوا الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، وان اختلفوا في المقول ذلك له، فقال بعضهم: المقول ذلك له الكافر... وقال آخرون: هو نبي الله صلى الله عليه وسلم... وقال آخرون: هو جميع الخلق من الجن والإنس... وذكر من قال: هو الكافر..."(الطبري190) علماً أن نظرة المعاصرين لم تختلف عن السابقين في فهم الآية على الرغم من اختلاف طرائق التفكير ومكونات القيم والثقافات ووسائط البحث، إلاّ أنهم يتساون في النظرة تجاه النص "لقد كنت في غفلة من هذا، فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد" "قوي لا يحجبه حجاب، وهذا هو الموعد الذي غفلت عنه، وهذا هو الموقف الذي لم تحسب حسابه، وهذه هي النهاية التي كنت لا تتوقعها، فالآن فأنظر، فبصرك اليوم حديد!". (قطب سيد3364).

فمهما كان المخاطب هنا يكون الخطاب قد حقق مغزاه، لكن المغزى الجديد هو ما ابتغاه الشاعر، فهل تحقق؟ علماً أنّ المخاطب هنا لم يحدد بالذاتية المقصودة، وإنما توكيداً لخطاب موّجه للإنسان، لكنّ أي إنسان هنا هو المخاطب، هل العرب عامّة أم الشعب العراقي بخاصة، أم أنّ صاحب القرار السياسي عند العرب هو المخاطب، حيث كان يعتقد أنّ ما يصدر عنه من قرارات فيها نوع من التقديس يجب أن تتبع دون نقاش أو تعديلات، وإنما هي كلّ متكامل ومثل ذلك أدى إلى حتمية الواقع المرير، وكأن قصيدة الشاعر تشكل كتاباً وضع ليحمل في داخله النتيجة الحتمية للإنسان العربي المعاصر في مسعاه ومبتغاه، لأنّ عمل الإنسان هو الإنسان نفسه، فتكون نتيجة عمله قد أوصلته لما فتحت عينيه عليه، وما آلت إليه الأمور من مهالك ومهاوي الردّى، ما يعني أنّ رؤية الشاعر اشتركت مع رؤياه في تشييد الأنموذج الشعري بوصفه فعالية خاصة، ونظام تفكير نوعي، لذا قد تكون رؤياه انجازاً ابداعياً، فإذا كانت الرؤية ربما تطوي عليه من عناصر ذاتية وموضوعية تحملها الحواس- هي المرجعية الأولى التي تتشكل منها، فإنّ الشعر هو المرجعية الثانية المقابلة التي تقوم على تشكيل الرؤيا وتكوينها، ومن دون حضور الطرفين المذكورين لا يمكن أن تكون هناك رؤيا". (عساف عبدالله165).

وهنا لا شكّ أن ما عاشه الشاعر من أحداث متواصلة في حياته ومحيطه، وما يمتلكه من حالات استبصار وحدس واستنطاق، هي التي ساعدت على خلق نصه الشعري(درس في التاريخ)، مما يزيد في اتساع حلقة التأويل تجاه المخاطب، حتى لكأنّا نشعر أن الذات الشاعرة هي المخاطب هنا، لما تمتلك من علائق وعلاقات مع الزمان والمكان، إذا ما علمنا أن القصيدة كتبت بعد احتلال العراق أرضاً وشعباً وحضارة ومكونات أخرى لأرض نبتت فيها الحضارة العربية الإسلامية كما النخيل على جنبات الأنهار والواحات والينابيع، تلك التي ردفت البشرية جمعاء بالنمو والنهوض.

إنّ القصيدة وما تحمله من إرث منجز، وما تظهره من متكئات نصية عقدية، شاهد على عمق تلك العلاقة التي تربط الشاعر بالمكان، لذا جاء الخطاب مفتوحاً لم يتحدد في مسمى المخاطب وطبيعة الصراع القائم يجّسده النص كذلك ليرينا "عذابات شتى يكتويها من خلال اصطراع البشر على خيرات هذه الأرض المعطاءة، كما يشير الحقل الدلالي "للقصيدة" إلى علاقته بالعلم بالمعنى القديم، والمعرفة بالمعنى الحديث، تلك المعارف التي تستجلي من خلال ما ورد في القصيدة من أسماء"(حسن جعفر115) .تبين بوضوح تام من الأعمال التي يقوم بها القادم من صحراء نيفادا المقدسة.

إن خروج الشاعر من دائرة الأنا المقفلة، إلى دائرة الاتساع الأشمل في خلق العلاقة بين الأشياء، جعل نصّه يتشح بنص عقدي واضح، إلى جانب حالات التضمين لمفردات عقدية ليست نصية عقدية، وهذا يؤكد على المحمول من دلالات التناول النصّي للمفردات، حيث جاءت حالتا السرد والإخبار متجاورتين مع فضاء التضمين المقصود، من أجل إعطاء المفردة القيمة الكبرى للدلالة من حيث الموثوقية، وإثبات حالة الإيجاب تجاه النص الشعري، في زمن لم يعد فيه للشيء قيمة، لأنّ "أبطال نيفاداالصناديد" هشمّوا عرى التلاقي مع الأشياء، وكأنه يريد انهاض الذات من كوبتها عبر نص شعري مقصود في ذاتيته ودلالاته، كي يستعيض بروحية الصدق في القول عن الصدق في الثبات تجاه الرأي والموقف من الأشياء، وكأنه يقول: إذا لم تتحقق فلسفة الثبات والدفاع عن الأشياء، لندع فلسفة القول الصادق ماثلة في العيان، فنكون قد حققنا شيئاً بدلاً من ضياع الأشياء كلها، لأنّ الشعر منتج لنوع من أنواع المعرفة التي تساوي أو قد تتجاوز بعض المعارف التي قد تبدو يقينية أو حتمية لا ظنية، لذا نرى الشاعر يريد إعادة اكتشاف المكتشف عبر قصيدته تسليطاً للضوء عليه، حتى يتبلور في بؤرة الوعي الفردي والجمعى على حد السواء، أو يحاول إعادة ترتيب الأشياء حيث تكون أقرب للمصداقية منها إلى حالات التخيل والنماء التخيلي، وإن كانت غير متحققة، أي أنها تعمل على منطقية الحلم في الفن، وهذا ما يجعل فن القول والخطاب الفني متحققة في أفق الممكن ما دمنا نلمس العلاقة الاجتماعية الإنسانية في البناء الشعري المتوحد مع الأنا والجماعة، للاننتصار على الواقع في القول على أقل تقدير، وإن كان الواقع ليس من صنعه، فكأنّا به يقول: "ليس من صنعي واختياري وإن ملكت أيضاً مع غيري من الناس السعي إلى القضاء على ضروراته ضرورة بعد ضرورة...".(الزيات لطيفة228)(البازعي سعد228).

فلا نظن ما قام به الشاعر من خلق العلاقة مع النص المنجز هو حالة تجريبية عبثية، وإنما حالة تتوحد مع النمو اليقيني في الذات تجاه أهمية النص العقدي المنجز، وما يحمله من إرث مبحوث عنه متجدد، فالشاعر يحاول تجاوز المألوف في الفهم والتفاؤل حتى تتسع دائرة المتناول، لذا نجد قصيدته تحتفظ بجانب من الأهمية "على المستويين الشعري والموضوعي، أي من حيث لا تخلو من البعد الجمالي من ناحية، ولأنها من ناحية أخرى، تثير قضية في غاية الأهمية" (البازعي سعد205) .ألا وهي قضية الاحتلال الواقع وتدمير البنى كلها للمجتمع العراقي والمواطن العربي في كلّ مكان فكما يقول الخليفة عمر بن الخطاب (العراق رأس العرب، فإن ضيعتموه ضاع العرب).

 

البحث عن المعنى:

نيسان ليس قاسياً/ جاء وفي جيوبه تصلصل الملائكة/ وبعض حلوى قيل عنها: لم يذق مثيلها إنس ولا جان/

ولم يكن للعاشقين منها/ سوى انتظار الأذن بالرحيل عن مفارق الطرق/ إلى جنان الخلد في صحراء (نيفادا) المقدسة/

 ولم يقل نيسان: أين المدرسة؟/ وجاء وظلّ صامتا/ وفوض الكلام للذين أنكروه قبل ألف عام/ ولم تعكر ماءهم شيخوخة الجسد.(مصطفى خالد علي1) .

يحاول الشاعر عن طريق الإخبار أو السرد الإخباري، أن يصف لنا نيسان الزمن وما يحمله من إرث مهول يترك في النفس أشياء جعلت من الشاعر متحدثاً واصفاً للمتغيرات التي أحدثها، نيسان، بدلالاته المختلفة، وإن كان الشاعر هو المتحدث والممسك بخيوط الصورة العامة لنيسان أو ما سيؤول إليه حال الناس فيما بعد، لذا نراه يرسمه حسب الصورة القائمة أو الصورة المتوقعة التي يحدسها الشاعر أو يتخيلها للموصوف، لأنّ نيسان الموصوف أو المتحدث عنه، يحمل في جنباته وجيوبه أشياء لم يكن من السهل أن تحدث لولا تداخل عوامل داخلية وخارجية معاً، أوصلت الناس إلى هذه النتيجة الموصوفة، التي جاء بها المتحدث، فكما جاء في الأرض اليباب للشاعر تي اس اليوت أنّ نيسان أقسى الشهور، حيث تحول من شهر الأحلام والمغنى وتوهج الربيع إلى شهر تتعدد فيه أوجه العذابات المتتابعة التي حلّت بالناس والطبيعة والبيئة، فغدا شعر نيسان قاسياً إلى حد بعيد، وهذا ما نلمسه في قصيدة (درس في التاريخ)، عندما تأتي صور الشاعر بتناصيّة مخاتلة، مخاتلة شفيفة وعميقة في آن معاً، مصورا الجزر المتعمد لبلاد الرافدين وإنسانها وحضاراتها وقيمها على أيدي من رمز لهم بصحراء نيفادا المقدسة(جاء وفي جيوبه تُصلصلُ الملائكة) .

إن المتأمل في النص يمتتالياته يجد الشاعر باحثاً عن الواقع والمستقبل في مسمّى نيسان الذي يشكل لبنة التغيير في الحاضر، فهو بمثابة الأس لحركة التغيير في المستقبل، كما لو كان المستقبل متحفاً يعرض أشياءه من مفارقات يحسّها الشاعر أكثر من غيره، وإن لم تكن مغيبة في مجملها عن الآخرين، إلاّ أن مقدرة التعبير عن الإحساس يميز الشاعر عن غيره، علماً أن الشاعر لا يبحث عن قناع بمفهوم القناع الدلالي في نصّه، وإن احتمل نيسان الشهر"الزمان" بمسّماه حيثيات القناع، وإنما يحاول الدفع نحو التأمل في النص والحياة المتغيرة التي احدثها ويحدثها نيسان، من أجل الموازنة بين السابق واللاحق "لأنّ كل عمل إبداعي حقيقي يحاور الزمن الذي يعيش فيه".(دراج فيصل126).

لذلك لا نرى صورة واحدة "لنيسان" أو صورة الزاوية التي ينظر منها الشاعر، وإنما نرى المسألة أعمق من ذلك بكثير، فهو كمن يتأمل ويرسم بعد تفاعل مع تأملاته، دون تغييب لمشعر من مشاعر التجسيد الصوري الحامل همه وقيمه، فهو يخبر إخبار المتهكم "نيسان ليس قاسياً" جاء وفي جيوبه تصلصل الملائمة لا الأخبار المراد نقل حيثيات الصورة دون ارتدادات تأثيراتها، فهو ينقل صورة الحدث مع الإتيان بالمشاعر وتفعيلها نفسياً عن تقليب الأمور كما يشاء، لا كما هي فقط، لذا نراه يعمد إلى استخدام الجملة الإسمية في الوصف إلى جانب الصياغات الأخرى التي يكثر فيها من الأفعال "الماضية والمضارعة" على حد سواء، فالصفات الخارجية لنيسان واضحة، إلاّ أنها تحمل عمقاً نفسياً يحاول الشاعر تصديره إلى الآخرين "جاء وفي جيوبه تصلصل الملائكة، وبعض حلوى قيل عنها، لم يذق مثيلها إنس ولا جان".

إذن نجد نيسان صاحب شخصية مؤثرة عالمة بالحدث والذي يليه، فهو يستمد قوته المؤثرة من قيمه وتفاعلاته مع مريديه من النفعيين، وإن لم يشر الشاعر إلى هذا المنطلق صراحة، فنيسان المتحدث عنه، ما هو إلاّ صنيع مرحلة يذهب لتأسيس مرحلة جديدة حسب مقاييسه ومنطلقاته، فتكون صورة مؤثرة حسب إرادة الشاعر، حتى يتمكن من جعل تلك الصورة مثيرة للعواطف المتلقية للنص، لأن قوة الصورة "تكمن في إثارة عواطفنا واستجاباتنا للعاطفة الشعرية".(لويس سي دي44). فتكون العاطفة حالة توكيدية لما يحسه الشاعر الناقل إحساسه للآخرين، علماً أن نيسان بمجيئه لم يترك مجالاً لبقاء العاطفة في النفوس تجاهه أو قيمه لأنه لم يمايز بين الناس، فكانت النتيجة واحدة على الجميع، زيادة على تجاهله للفكرة القائمة المتمثلة في المدرسة "ولم يقل نيسان أين المدرسة" فتكون حالة التجاهل مقصودة، لأنّه جاء كي يعبر أنماط التفكير عند الناس جميعاً وليس فئة دون أخرى، فكانه يريد حالة التأسيس القائمة على التغبير الكلي حسب منطلقاته، لا التغيير المبحوث عنه عند أصحاب فلسفة التغيير إن وجدوا، وهذا يجعل الحياة معقدة "كونها ترتبط بالتراث واللغة المستعملة، والعصر وثقافته، وحتى الأيدولوجيا السائدة" (عقاق قادة294 ) فيكون قد نفذ إلى السلطة القائمة ونجح في إلغائها ولو مؤقتاً، لأن سلطته القادمة سوف تنمو من رحم فكرة جديدة تقوم على محو الفكرة القائمة في تجاهله للمدرسة، وهذا يعطي صورة الشغف التدميري للكيان القائم بعد مجيء شهر نيسان.

هذه ليست حكاية جديدة، وحبلاً من مسد!/ هم يفتدون النار، ثم يبعثون بالذيول الطاهرة/ وتنقيهم واحداً فواحداً موائد المقامرة/

في حانة تديرها بنات آوى/ سلالة جميلة تنسلّ من حمالة الحطب/

 وفي أغانيها المهجنةّ، تحتشد الموانئ المدجنة/ لاجئة إليها من رجوم الليل في جزيرة العرب...(مصطفى خالد علي2) .

نلمح هنا شيئاً من الدلالة الرمزية، أو الأبهام الشفيف للرمز، أو نحسّ إيحاءً يذكرنا بالعلاقة الوطيدة التي تربط الحلف الصانع لنيسان المتحدث عنه، وهم: أهل نيفاداً كناية عن الأمريكان، والتحالف الفارسي، مع المريدين للفكرة الفارسية في الحكم، وسلالة حمالة الحطب والمقصود عنها الرافضين لفكرة العروبة والإسلام المتمثل في العراق وأهله، وهم المتحالفون مع الشقين السابقين في المعادلة، من أصحاب الضّغائن وآلأحقاد ، المنتمين للضّاد وأهلها ، تلك المعادلة التي صنعت نيسان مع المخدوعين بالأقوال والآمال المضللة حيث تصبح المعادلة قد ترسخت، وظهرت على حقيقتها.

ما يجعل الصورة وقد تماثلت مع اجتماع الأضداد مساهمة في خلق نيسان الجديد عند الشاعر، فالحانات تصنع من روّادها مقودين لفكرتها المسيّرة من "بنات آوى" الرامزة إلى الصهاينة إن جاز التعبير، فهم يمتهنون الخداع منذ آلاف السنين، وكذلك لهم اليد الطولي في حرق بغداد وتدميرها زمن المغول، كما تعيث أياديهم فساداً في بغداد نيسان المعني في خطاب الشاعر، فتكون العلاقة التحالفية قائمة بين الأركان الخمسة وهم "الأمريكان والفكرة الصفوية وأتباعها، وسلالة الكفر من زوج أبي لهب، وهؤلاء يمثلون عظم الرقبة، فهم المقربون من العراق وأهله كما كان أبو لهب من بني بيت عبد المطلب جد النبي عليه السلام ووالد أبي لهب وزجه حمالة الحطب وكذلك بنات آوى الرامزين لليهود، ورواّد الحانات المتغيرة أفكارهم وقيمهم فيما بعد، لأنهم يتعايشون مع بنات آوى، فتكون الدائرة قد اكتملت، وهذا الأمر ليس غريباً في الفهم والتأويل لأنّ النص الشعري الحديث ينفتح على احتمالات متعددة ومتنوعة ويتمخض عن رؤوى تتعدد بتعدد مستويات القراءة بوصفه "لعبة حرّة للدلالات تنفتح باستمرار بتعدد القراءة".(إبراهيم عبدالله 70) . للنص وأفكاره المتعددة.

لذا نجد الشاعر يعيد تشكيل المحسوس ويكون صوره خاصة فيما بعد، حتى يؤكد الانتماء والبقاء في منظومة الزمن المبحوث عنه، وهو زمن ما قبل نيسان، لأنّه يرينا مدى المصاحبة والتوافق العاطفي والنفسي مع زمنه السابق الذي تشكل روحية الشاعر وأفكاره جزءاً من كينونته، وهذا لا يتوكد إلاّ بسقوط الانتماء لنيسان الحاضر وما يصاحبه من التزامات ومسؤوليات تجاه ما يصبو إليه الشاعر نفسه.

وهذا ما هو إلاّ انتصار للفكرة السابقة للفكرة التي جاءت بها حالات التحالف ذي الأركان الخمسة، جاعلاً قاموسه الشعري مدخلاً لبناء القيم الهادفة، متمسكاً بحالات الطموح على الرغم من تعددية الحالة الصورية الرمزية التي صاحبته منذ أوليات البناء حتى متتاليات النماء، حتى أننا بها نتلمس الألفاظ "ذات الدلالات المزودة بصور معينة تستحيل بين يديه إلى أدوات يصوغ بها كل ما يريد". (زكي أحمد كمال467).

علماً أنه يبعث في بنائه الشعري علاقة خاصة يجعلها منسجمة مع بعضها، للكشف عن أثر الانطباع المتجانس فكرياً وعاطفياً وجمالياً، ما يسهل عملية التواصل مع النص وفهمه والوظيفة الهادفة من النص حتى تقرب المتلقين إلى عالمه النصّي، لأنّ عالم النص لا يقرأ بمفرده "دون الأخذ بنظر الاعتبار الأجزاء المكونة لهذا النص".(ياكبسون118) .

نيسان جاء بالهدايا واللّعب/ في يده برقيةٌ:/ من شاطئ النهر إلى مداخن الفضاء:/ العرس أوقد الشموع والضيوف/

يموسقون رقصة العريس والعروس بالضيوف/.... يتصل الهدير حتى تأزف القيامة/ ويرسلُ الجحيم من أبراجه قهقهة:/

"هذي هي الحمامة!/ كانت وجوه من تقوست ظهورهم/ في غرف ضيقة تنتظر الآتي يجيء هامساً: مع السلامة..../

وفي الظهيرة التي أزاحت الثلج، وعلقت/ على المشاجب المعاطف/

توقفت مداخن الفضاء من صناعة الهدايا. قلت لعلّ نزهة قصيرة/تتيح أن تحصي توابيت البيوت فوق الأرصفة!/

رأيت كل شيء/ توقفت في ساعة المئذنة العقارب/ على الدقيقة التي ليس لها رقمٌ ولا ميناء./ قال الخفير. هكذا!/

تطوعت فراشة عمياء أن تقذف النفش برمح خارق.../ وفجأة... فاض من التنّور/ أرغفة مسمومة/ وقاطرات تنقل (الوركاء)/ إلى جنان الخلد في صحراء (نيفادا) المقدّسة!./ (مصطفى خالد علي3).

يُعتقد أن النص له صلة عميقة بالواقع، أو بالحقائق التي تتجسد على أرض الواقع، لذا جاء يحتل مكانة خاصة أكبر من المكانة التي يحتلها النص التخيلي، لأنّ الشاعرية إذا توحدت مع الواقع تتفوق على الخيال والمتخيل إلى حد بعيد، فكما يقول "شارلز دكنز" "أستطيع أن أؤكد هنا أنّ كل ما ذكر في الصفحات التالية، حقيقة بالفعل". (خليل إبراهيم58). وعندما نقول بحقيقة النص فهذا لا يعني أنه نص مجرّد مثل النص الرياضي أو الفيزيائي، وإنما نصّ سيطرت عليه الواقعية مع مقدرة الشاعر على التخيل والاستبصار واستنطاق الحدث حتى تتسم لغته بهذه المقدرة الفاعلة على السمة التعبيرية الحقّة، لذا نجد الشاعر يعمد إلى ربط الأحداث بلغة تتسم بالشاعرية والتهكمية أحياناً أخر، حتى يتجسّد صدق قوله الشعري والتصاقه بالحقيقة الماثلة للعيان.

فالنص الذي بين أيدينا نشعره مزيجاً متفرداً لما يحمله من مكونات شعرية يسيرة لتلقي للوهلة الأولى، إلا أنها تحتاج إلى عمق بصيرة وفلسفة رؤيا حتى تستجلي بعض نظمها وأفكارها، علماً أن النص مليء بالإيحاء الرمزي والتهكم العباري أو الدلالي، كذلك المفردات لا تنفصل عن مضمونها، وتعبّر عن موقف شعري هادف، ما يرينا تخلخلاً في الزمن وليس في البناء الشعري.

لذا من السهل على المرء أن يقول: أنّ نيسان جاء كما يصوره الشاعر يحمل سادية مبطنة تؤدي بالآخرين إلى العذاب والانهاك، فنراه يصوّره بالعدوانية المدمرة حيث لم يبق شيء على حاله، لأن البنى كلها مهددة بالتغيير السلبي نتيجة للقوة التي تحركها مقومات نيسان، فما تحمله دلالات نيسان تظهر اللذة في عملية الهدم والنفي معاً، يتمثل ذلك في هدم الحضارة الممتدة في عمق التاريخ ومقوماتها، ومن ثم ترحيل رموز تلك الحضارة إلى المنفى القسري حيث صحراء "نيفادا" وقاطرات تنقل "الوركاء" إلى جنان الخلد في صحراء نيفادا المقدسة.

وهذا يمثل الحالة التهديمية إذا جاز التعبير، فما يحدث في أرض العراق من تغيير في البنى الفكرية والثقافية والإنسانية، لهو دلالة واضحة على إرادة الهدم المنظم، كلّ يهدم حسب نواياه ودوافعه ومبتغاه، وهذا يوصل إلى فساد متكامل، يحتاج إلى بناء متجدد حتى يتخلص منه المجتمع، لأن رمزية نيسان لا تفرّق بين دلالة التاريخ (الوركاء) وبين معطيات الواقع وعمقها التاريخي والعقدي "توقفت في ساعة المئذنة العقارب" (كما هو الحال مع الشاهد المدمّر من قبل طائرات العدوان ، الا وهو ساعة مرقد آلإمام آلأعظم أبي حنيفة النعمان في حيّ آلأعظميّة عند مدخل جسر آلأئمّة آلموصل بين الكرخ والرّصافة)ومثل ذلك يحمل الحقيقة بوجهيها، فالمئذنة شاهد على التواصل في البناء المعرفي والحضاري والعقدي للإنسان الذي أسس (للوركاء) التي تسفّر عنوة إلى صحراء نيفادا، نيفادا التي أصبحت موطناً للجنس الأبيض، بعدما أبادوا سكانها الأصليين (الهنود الحمر) وكأن نيفادا هنا رمز لحضارة متعددة كما هي حضارة سابقة ولم تزل تعيش على تدمير كيانات متعددة لحضارات متعددة كما هي حضارة جنوب شرق آسيا (فيتنام) وحضارات أمريكا الجنوبية و(الوركاء) فيما بعد، وما يصنعه أبناء نيفادا الجدد يتماثل مع طموحاتهم الهدّامة، وكذلك قد ترمز صحراء "نيفادا" إلى التخلف والخوف من الحضارة الموصلة، فتكون النتيجة حتمية في دمار الأشياء القائمة، فلسنا بإزاء فوضى فقط، "ولكننا بإزاء نظام غريب" (بير نار سوزان15). عن معطيات حضارة الوركاء والحضارات الشقيقة والمكملة لها في وادي الرافدين في محيطها العربي والإنساني.

فمن يتمعن في البعد التجريدي لصورة توقف عقارب الساعة في المئذنة (توقفت في ساعة المئذنة العقارب) يجد أن الخطاب أصبح أسير الفضاء المكاني والزماني معاً، بمعنى أن توقف عقارب الساعة عن الدوران، يدلل على التعاضد بين مكونات المكان والزمان، إظهاراً لحالات الرفض والتمرد والثورة وانبعاثاتها، علماً أن الفاعلية هدّامة تجاه "نيسان" وما يحمله من إرث تدميري، يقوم على تدمير بنى الحضارات وأسسها دون تمييز أو تمايز، فالصورة الفجائية التي جاء بها الشاعر "توقفت... على الدقيقة التي ليس لها رقم ولا ميناء" توصلنا إلى حالات اللامعقول التي يعيشها الوطن ومواطنوه، وقد تكون النتيجة صورة غير بصرية أو عمق من الحالة التحليلية أو مما يستطيع الإنسان أن يتخليه، وهذا يظهر "التوافق الجدلي بين المعنى والرمز". (نصر عاطف جودت262).الدلالي والإشاري للغة الشاعر ومقوماتها، وما ترمز بعض المفردات إلى دلالات متعددة، لذا نجدها تمثل "الجوهر الدقيق للغة الحدسية". (رتشارد384).

"الوركاء" و"المئذنة" وغيرها من الرموز الدالة على معطيات الحضارة في العراق تتجلى صورها، كي تتشكل أعمدة العلاقة مع الإنسان في الزمان والمكان معاً، على الرغم من صيرورة العداء للذات عند بعض المنتمين اسماً أو شكلاً للحضارة المتعددة الأوجه والتداخلات في العراق على مر الأزمان، إلاّ أن العراق بقي منبتاً للحضارة وحاضناً للجذورة الإنسانية فيها "قال الخفير هكذا!" تطوعت فراشة عمياء، أن تقذف النقش برمح خارق، وفجأة... فاض التنور، أرغفة مسمومة وقاطرات تنقل الوركاء، ...".

مما تقدم نرى أن من ربط مصيره بمعادلة "نيسان... الجديدة، مثله كالفراشة التي تندفع غريزياً نحو الضوء، فتكون النتيجة حرق الذات، أي أن المتحالفين مع "نيسان" حتماً حُرقوا نتيجة لإفراز معادلات المرحلة، فبدلاً من أن تفيد الفراشة من الضياء المتهالكة إلى وصوله، تكون قد حرقت ذاتها بمصدر الضياء ذاته، ما يرينا حرقاً كاملاً للرموز ومحيطها، فبدلاً من أن المئذنة والوركاء جسرّ للتواصل بين الإنسان وعمقه، غدت من قرائن الدمار الذي صنعه الإنسان الهجيبن والمتداخل في الحلف الخماسي التدميري" إلاّ أن تلك الرموز ترفض الواقع، لذا توقفت الساعة، ويكون توقفها كناية عن رفض المعطيات الجديدة.

(فداحة الصورة وتكثيف الرمز):

قالت فتاة من بني عبسٍ: أبى كان يقول هذا/ ولم يصدقه أحد؟/ وهذه هي الصحيفة التي ورثتها عنه- خذوا اقرأوها؟/

لتعرفوا وقائع الأيام في الغد القريب والبعيد!/ قالت وغابت في عباءة بنفسجية وراء رأس (يحيى)/

قيل رآها بعضهم في (صور)، قيل عند أسوار (أريحا)/ قيل في أوراق (بحر الملح)... قيل هذا./

وقيل غيره، وظلّ القول رجماً بالظنون./ نيسان ظلّ صامتاً، / لكنه ّدون في آجرة تالفة برقية/ ما قيل فهو صادق/

وربما ترونها ترعى خراف موسى/ في مئزر المسيح، أو في خرقة الحلاج!/ وصلصت في جيبه الملائكة/

نيسان ظلّ صامتاً/ والنهر يجري هادئاً/ بين العظام والخرق/ لم يدر أن الماء/ ما عاد قادراً على تقّبل ضفتيه/

وابنهُ عبس عند كلّ مفترق/ تكشف عن ساقين عجفاوين، لم تغرقهما يدان بحبوحة العرق/ تصيحُ من يبتاع منّى هذه الصحيفة/

لقاء ما يخصّب رحمي؟/... ظلت تنادي وحدها في وحشة المدن/ حتى تقطعت عظامها/

وأساقطت مغمى عليها في بلاط (ذي يزن). (مصطفى خالد علي5).

من العادة أن يستدعي بعض الشعراء صوراً معينة، حتى تتكاثف طبقات نسيجة كي يديم البنى العميقة للنصوص التي ينسجها ويتفاعل معها، دون النظر من مصدرية تلك الصور، إن كانت من المتراكم في الذاكرة والمحيط، أو من البناء التخيلي الذاتي في لحظة البناء النصّي، فكلما زاد الشاعر من عملية التكثيف نجد عملية الغوص في البحث عن الدلالة الصورية عميقاً هو الآخر، وإذا كانت بنائية الصورة تعتمد على البساطة أو التسطيح، فنقول: إن التعامل مع النص يكون مشابهاً للحالة المعنية، فالذاكرة الشعرية لا ينحصر شكلها ومضمونها وأداؤها في حدود خاصة يؤطرها المفهوم الزماني والمكاني للذاكرة، بل يمتد ذلك في عمق متجدد لكلّ من اللغة ذاتها والمحيط الموروث والذات الفاعلة للشاعر نفسه، ما يجعل حالتي التجدد والانبعاث قائمتين، وحالات الانجاز المتتالية للصور الفاعلة مستمرة، فتكون عملية خلق الصورة عبارة عن استجلاب للكنوز الدقيقة في الذاكرة وغيرها، حتى تتحقق الحالة الشمولية في بناء القصيدة التي تظهر التنوع والشمولية بلغة يحددها عاملان أساسيان هما: الذات الشاعرة وثقافتها وكذلك طبيعة الموضوع الذي يتفاعل معه في حالة بناء النص، وهذا يؤدي إلى خلق الإشارات والعلامات والرموز في أفق الرؤيا، فتصبح الذاكرة ميراث حي متشبع به المكان، كي تتجسد فلسفة الرؤيا المبحوث عنها، علماً أنّ تعبير الشاعر عن ذاتيته "إنما يدخل في صميم عمله الشعري، ويؤلف أنموذجاً شخصياً فريداً في الكشف عن رؤيا الشاعر الفريدة". (الخال يوسف81).

تلك الرؤيا التي تكشف عن خصوصيات متعددة، لا تتمثل في خصوبة الأنا الشاعرة، وإنما نجدها تبعثر الدلالات حتى تتم عملية الكشف عن الواقع المقصود، بلغة يقتضيها الموقف، عبر صور مختلفة الأغوار ومتباعدة في حالات الاغواء إذا جاز التعبير، فكثافة الصورة أو مباشرتها من العوامل الفاعلة في خلق عملية الوسوسة نحو التأويل أو عدمها، لأنها تقوم على تسخير المتاح للارتقاء بفلسفة الفكرة بحساسية تختلف عما يتعامل معه الناس دون شاعرية الشعر والأنا الشاعرة، لذا نرى صور خالد علي مصطفى الشعريّة تحمل أشياء كثيرة، على الرغم من تعدد أنماط الأداء الشعري في القصيدة ذاتها، حيث نجد صيغ الماضي والحاضر والسرد والوصف وتبادل الأصوات في الحديث، إلاّ أننا نجد الشاعر يتفاعل مع نصّه في الحالات كلها وهو بذلك يصل "بحديثه هذا إلى الآخرين، كلّ الآخرين".(فانوس وجيه81) .

فهو في نصّه يستطيع إيصال عواطفه وأفكاره وفلسفته إلى الآخرين، علماً أنّ ذلك لا يبعد رؤاه "كذلك عن قبولات الآخرين، وإن كانت ثقافة المحيط ومرتكزات الشاعر الأخرى لم تكن بعيدة عن مقومات النص ومكوناته، فكانت ذاكرته التاريخية ممثلة بفتاة بني عبس إحدى مرتكزاته كي ينطلق نحو فضاءات نصّه، قالت فتاة من بني عبس: أبي كان يقول هذا، ولم يصدّقه أحد!".

فما اختيار المتحدثة ونسبها إلى بني عبس إلاّ حالة مقصودة في حد ذاتها، علماً أنّ الفتاة تشكل رمزاً مقصوداً، "وبنو عبس" كذلك، فالفتاة قد تكون رمز الفتاة العراقية، وبنو عبس هم العراقيون، وهذه رموز عميقة على الرغم من بساطتها، وكأنه يقول: أن العراق عربي بمكوناته الثقافية وأن نسبه العربي لا يستطيع أن يلغيه أحد مهما تعددت حالات السوء ومحيطها، وبنو عبس من القبائل التي اشتركت في حروب محلية لكن تلك الحروب لم تلغ وجودها أو انتماءها العروبي كما هو الحال في العراق، الذي خاض حروباً متعددة في محيطه الاقليمي، إلاّ أنها لم تنه دوره الإقليمي والعربي، لذا بقيت حالات الطموح في السيطرة على العراق وخيراته من قبل الغرب قائمة، وهذه دلالة أوصلتها لغة الشاعر عبر رمزه "فتاة بني عبس" لأن ما حملته العبسية من نبوءة قادرة على اختراق الزمن ليرتفع الحدث بالإنسان كما يرتفع الإنسان بالحدث، ومثل هذا الفهم للدلالة الرمزية ليست قطعية، وإنما من حق الآخرين تأويله حسب الأطروحات الملائمة للواقع، علماً أن تعدد حالات الفهم ليست غريبة عن النص الشعري العربي المعاصر "وطالما أنّ النص الشعري الحديث نص احتمالي في تقدير قيمه الدلالية والسيميائية، فإنّ زيادة نسبة الاحتمال في النص يتوقف على استعداد المتلقي وقابليته على الاحتواء والتمثل والتعايش".(عبيد محمد صابر193) .

الحديث الذي اخبرته الفتاة العبسية، يدلل على حالة اليقين التي تماثلت لدى الشاعر، ويتمثل في جعل الفتاة تقف على اصرارها تجاه ما تقول: من أن إرثها مستهدف وهذا ما توارثته عن أهلها، وما دونه والدها على الصحيفة التي تقول "خذوها واقرأوها".

 

د. نادي ساري الديك

استاذ الأدب الحديث ونقده - فلسطين

 

جمعة عبد اللهقصائد تملك هالة من أنسيابية التدفق في الشعور الانساني. وتملك رؤية وموقف في هواجسها وخلاجاتها واحاسيسها. تتناغم مع مفردات الحب والعشق في صفحته المشرقة، وفي اوصافه البارزة في عمق نقاء الهوى والهيام، ولكنها ايضاً تعرج على ثيمات وعورات وعثرات الواقع وتعامله اليومي مع (نون) النسوة. في واقع يحافظ على ركود بالعقلية المغلقة والمتزمتة، وترفض وتتصدى لمحاولات التغيير والاصلاح في عقليتها. تجاه الحب والعشق ونون النسوة، في قسوته الطاغية في السلب والانتهاك. لذلك ان رؤى ورؤية القصائد تتصدى لهذه العقليات المتصابية، بالرفض والتحدي، في جوهر مفرداتها الشعرية الدالة، في المواجهة الحدية بالتمرد والتحريض في المواجهة، في التعامل وعدم التساهل مع الواقع الذي يرزح في عقلية الماضي المحافظ والمغلق والقبلي، لذلك ان قصائد المجموعة الشعرية، تنشد التحرر والانعتاق لنون النسوة، من الوصايا التقليدية الظالمة تجاه المرأة والحب والعشق. في الواقع الاجتماعي الذي يرزح تحت ثقل القهر الاجتماعي بالظلم والحرمان والتزوير. ولهذا تستخدم القصائد صيغة التحريض والاستفزاز لهذه العقليات الجامدة، تحاول القصائد رفض فكرة التساوم والتصالح على انتهاك شخصية (نون) النسوة، والتي تنحاز الى الاستغلال ونظرة الشؤوم الى الحب والعشق، يعني سلب هذا الحق الشرعي من (نون) النسوة، ليكون للرجل وحده، فهو المسيطر والامر والناهي في مصير المرأة، لانها حسب عقليته، بأن المرأة عورة وناقصة العقل، هذه الهيمنة العقلية السائدة في الخطاب الديني والاجتماعي، الذي مزقته (سجاح) في تفاصيل حياتها البارزة، بمحاولة كسر الحواجز في واقع يعاني من زخم التناقضات الصارخة، والتدخلات السافرة. لذلك تسبح قصائد المجموعة الشعرية (ن سجاح) عكس التيار في البنية الاجتماعية والدينية، التي ترفض الاصلاح والتغيير. ان قصائد (ن سجاح) تتعامل بالتحريض والتحدي، لتكسر العقلية المهيمنة في ظلمها الجائر، وتوظف فعل التمرد والرفض، من عمق المخاض العسير من الالم الاجتماعي الساقط في مظاهره على ظهر (نون) النسوة. ولهذا يدس الشاعر رؤيته وموقفه الثوري من الحياة والحب والعشق. فليس غرابة ان يستخدم عنوان مجموعته صادم ومستفز (ن سجاح) في الدلالة الفكرية العميقة في الرمز والتعبير. ليس التشبث بالقشور في حياة (سجاح) بانها توصم بالكذب والنبوة المزيفة، وانما في جوهر المعنى في عمقه الدال، بأنها تسجل اول خرق في جدار المحتمع القبلي والعشائري، بشكل غير مسموح وغير مسبوق، او انه خارق تعدى الحدود، في مجتمع ظالم في الانتهاكات ضدة المرأة بشكل خارق، ان تكون (نون) في مقدمة المجتمع، كقائد سياسي وعسكري وديني، في دعوتها النبوة، في اقناع جيش جرار من قومها واقوام اخرى لتطوعت لها، بعقليتها الفذة ان تكون قائدة لهم بطواعية اختيارية. هذا هو الجوهر الدال، في التحدي والجسارة التي قامت بها (نون) النسوة بأسم (سجاح) في مجتمع متخلف وقبلي وعشائري، هذه المرأة الخارقة، كيف اقنعت المجتمع الذكوري والبدوي والقبلي ان يسلم القيادة الى (نون) النسوة طوعاً. وتعاملها الند بالند مع (مسيلمة الكذاب) وحتى زواجها منه بشروطها هي، لا بشروطه كرجل في مجتمع قبلي. هذه هي روحية التمرد والتحدي، حتى انها اتخذت سمة الانقلاب في المفاهيم السائدة والرائجة، هذه اشراقة (نون) النسوة في الحب، وفي مفردات الحياة، لتحطيم القديم السائد، برفض اكوام قمامته، بأن تشعل نيران التمرد. هذه انطلاقات الثورية في قصائد المجموعة الشعرية، وهي تتناول اهم قضية حياتية ووجودية. الحب والعشق بعطوره الريحانية الزاهية في رونقتها، هكذا تطلعت (سجاح) الى الحياة والحب، في تكسير القيود والاغلال عنها،

 (سجاح)

لمْ تسجدُ للعهرِ

كفرتْ (سجاح)

بالكفرِ

ال (نون) مولدةُ الاسماء  الاسمى

هي سر الخصبِ

هيَ البحرُ هيَ

النهرُ

تحلمُ الزهور بسكنى فستانٍ

(نون) الفتنه

القداحُ يسجدُ بين النهرين

ويفارقُ

غصنهُ

كل آلهة الحسن ترقصُ

في يوم

(الحنه)

لا أدخل قفصاً ذهبياً

حوريتي

تقودني نحوَ

الجنه

حوريتي تدخلني قصر الخلد

قالتْ

في نقطة (ن) ي

كلمةَ

السر

ادخلي بسلام

بأمر النون فوضتكَ

أمري

لا دين للعشق فكل الاديان دينه. ولا يهتم باللون او الطائفة والمذهب. سوى مذهب العشق. ومن يروم السباحة وركوب امواج الحب والغرام، ان يبحر بروحية العاشق النقي، بروحية الظمأن ان يرتوي من مياهه العذبة في احساس صادق، وقلب مؤمن في آيات العشق والغرام، لا ندم ولا خواء، ولا وجل وارتجاف القلب امام العواصف والاعاصير، ان يملك التحدي بروح عاشق، ليبحر في أمواجه، ويقطف ثماره الشهية، وشراب خمره اللذيذ، ليغسل قلبه من الاحزان والآم

 أشربي صديقتي

واسقيني

بهمسكِ الوسنان

عن بعدٍ أسكريني

ولا تسأليني من أين أنتَ

أسمرٌ أشقرٌ

أبيضٌ

ولا من أي دينِ؟

فأنا دينُ العشاق

ديني

الا

هيا ألثميني

بالشفاهِ الشهدِ

ترويني

قَبلي الروح مني

وأغسلي آلآم

السنين

اسألي الاطيار عني

اسألي

ريح الشمال

اسألي

ازهار الياسمين

ان ضعتُ أنا أو ضاعتْ

عناويني

أرشفي الكأس خمراً

وناديني

الحب الصادق لا يعرف الزيف والمخاتلة، واذا انجرف الى هذه الهوية، فالاحسن الترك والشطب والهجر، وعدم الخوض في غماره وركوب امواجه. الحب النقي يطلق جناحيه في سماء صافية، لاغيوم ملبدة بالمال والجاه والسلطان، فالعشق وفاء وغرام، والشهوة الزائفة سرعان ما تخفت وتنطفئ. الحب لا يملك شيكات في البنوك والمصارف. وانما شيكات الحب نبضات وخفقان القلب. فأذا لم يكن على دين العشق، يصبح لعبة موقتة، والرحيل والفراق، مصيره لا محالة.

ماعدتُ من دينكِ

ولا صرتِ

منْ

ديني

ماعدت أهواكِ

أتركيني

ما علمني الحبَ قوالٌ

ولا قرأتهُ في كتبٍ

الحبُ يا حلوتي

مخبوءٌ

ب (جيني)

ما عدت معبودكِ

أتركيني

**

لا اشتريكِ أبنةُ

المال

أرصدتي في البنوك صفرٍ

عملتي شيكات حبًّ

دقات قلبٍ

واشواق تجري في

شراييني

لا يرضيكِ دربي

فأهجريني

الحب أمل والعاشقة هي أمل، اسم على مسمى، فهذه السمراء الفاتنة بالحسن والقبل، تغرف من عسل الحب والغرام، وتنام على وسادة الاحلام بالوصل والهيام ’ ولم يفارق عاشق روحها، فهي الغاية والمرام، وهي الحياة والوجود والامل. في اطياف الحب تروي الظمأن. وتتغزل بالعشق احلى كلام لهذه العاشقة (أمل)، ولكن ياحسافة فقدها كما لقيها. كحلم مرَّ على عجل

مازالت شفاهي عطشى

لم تزل الكلماتُ

حيرى

كالطيف لقيتها

كالطيف فقدتها

كحلم مرَّ على

عجل

قالوا ما أسمها ؟

قلت

وردتي

أمل

**

عندليبٌ على الغصنِ شدا

فجاء ملاكُ الشعر

والزجل

قال ما أسمها ؟

قلتُ

مليكتي

أمل

ومضات في الحب والعشق في توهجها الدال في الهوى والهيام

× حين يبرقُ مبسمك

تذوي كل...

المصابيح

--------

× حين ألمسُ كفيك

تنتشي كلُ

الرياحين

**

× حين ألثم ثغرك

ترقصُ نجوم

السماء

**

× حين تشتهيك

شفاهي

تورق كلُ

البساتين

 الامل في أمنية الحب ان يضيء ويزهر كالازهار. ان ترفع رايات الحب عالياً. تصبح الدموع ازهاراً، لتولد مواليد واناشيد جديدة، لترقص المناجل في سلال الحبوب

متى

تصير

دموعنا زهوراً

تعانقُ

المواليد

تكتب الاناشيد

ترقص

المناجل

فتمتلئ السلال

بالحبوب

حمامة الحب بيضاء صافية، ترقص لها الروح وتطير فرحاً، ومن دونها، لا زهور ولا رائحة عطور الازهار. من دونها تفقد الحواس خصبتها وجمالها، فهي الامل الذي يباغت الظلام. فهي الشمس تدور في الجود والشكر.

تجودُ حبيبتي

الشكربحقها قليل

الشمس حولها تدور

حبيبتي تستحق السجود

حمامتي بيضاء طليقة الجناح

حمامتي

تُقبل السنابلُ

حمامتي تعشق

الورود

حمامتي

تجدلُ ضفائر النجوم، ثم

تعود حمامتي

تمشطني

 تُلبسني، تقبل عيوني، تدللني كطفلها

الودود

حمامتي لا تخلفُ

الوعود

حمامتي لابد ان

تعود

حبيبتي لابد أن

تعود

× عنوان الكتاب؛ (ن) سجاح

× اسم المؤلف : حميد الحريزي

تصميم الغلاف: فلاح العيساوي

الطبعة الاولى: عام 2019

عدد الصفحات: 143 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

1239 اجساد تحترقإذا أردت الحكم على مجتمع ما، فما عليك سوى النظر في حال من يمثلون جيل الغد فيه، ولعلّ ابرز الإعمال المغربية التي قصدت التنبيه إلى مثل هذه الخلل في إشكالية إنسانية عميقة ومتشعبة، المجموعة الموسومة "أجساد تحترق في الشارع" لمؤلفها الأديب الصحفي محمد الصفي، هذه الباكورة القصصية الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، طبعة 2019، والتي خطّ مقدمتها الباحث الدكتور عبد الفتاح الفاقيد، نقتبس منها قوله: [لقد سعت المجموعة القصصية لمحمد الصفي، إلى تسليط الضوء حول ظاهرة أطفال الشوارع وما تعانيه الطفولة من حرمان واستغلال.إن الهدف من المجموعة هو نقد المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أسهمت في تقويض النسيج الأسري، وتحويل منظومة القيم عن مسارها التقويمي والإصلاحي.مجموعة اعتمدت السيرة الغيرية إطارا فنيا وجماليا لصوغ العوالم السردية والتخييلية، واستعمال اللغة الدارجة التي تحمل رؤية تحقيرية للواقع الاجتماعي، على حدّ تعبير أوركيوني].

من هذه الخلفية يمكن النفاذ إلى النزيف الأسري، والحاصل في منظومة مجتمعية تناست أولويات الطفولة والمراهنة عليها في التغيير والإستراتيجيات التقدّمية، بدل مراكمة الأخطاء، على نحو جدّ خطير يدفع ضريبته الوطن بالنهاية.

أستحضر تاريخ النخاسة ههنا، بأسواقه التي أمعنت في المتاجرة بإنسانية الكائن، وأفرزت ظواهر شادة، زعزعت استقرار العالم برمّته، غير أن ما شهده العصر المعروف ب" المماليك" شكّل مرآة أخرى صافية وصادقة وعاكسة بعمق وإيجابية لمعنى أطفال الشوارع، أو المتخلى عنهم، أو جيل اللقطاء، على جرأة هذا التعريف وقسوته وقوته وامتداد افقه التجريحي.

تقع هذه المجموعة في حيّز ناهز20صفحة، وقد لونته التيمة الأساسية " الطفولة المغتصبة " في إطار إستطيقي يناور بسيرة الآخر، وإن تمّ إنتاجه بلغة جد بسيطة خالية من الشعرية، ومستقاة من صلب العوالم الطفولية ونبضها.

نطالع للقاص في أحد مناسبات كوميدياه السوداء، وكأنّه يحاكم جيلا فّرط في أطفاله، بل ومارس عليهم شتى صنوف التوحش الذي لا يوجد له مثلا حتى في الجاهلية الأولى، يقول :

[أيام يتذكرها أيوب بسعادة، كما يتذكر أسوأها بكل مرارة وحرقة، لما شكلته له من عقد نفسية، كانت من أسباب ما هو عليه اليوم، " تربص به لما يزيد عن السنة، كان خلالها يقدم له حلويات وألعاب، وأحيانا قصصا وجلات، إلى أن أتيحت له الفرصة المواتية في ذلك اليوم، حين لعبت الأقدار لعبتها، يوم لم يحضر فيه أستاذه، التقاه وهو يعبر يغادر المدرسة، فريسة سهلة المنال، أسالت لعابه، وجعلته يزيد من حصة الأقراص التي يتناولها محوّلة إياه لذئب بشري، اقترب من أيوب وهمس في مسامعه أنه محظوظ بلقائه كون أمه تنتظره في منزلهم وأنه على عجل من أمره كي يوصله إليها، مانحا إياه خمسة دراهم، أيوب لم يتردد واستسلم لابن حيهم، "سيمو " كيف وهو يمتلك الآن خمسة دراهم، قلما تمنحها له والدته، غرق تفكيره وهو يسارع خطى " سيمو " فيما قد يشتريه بالخمسة دراهم، ما هي إلا دقائق حتى وجد نفسه داخل غرفة تم إيصاد بابها، غرفة ذات رائحة نتنة من كثرة الزبالة والفوضى التي تعتريها، لم تعد عينا أيوب تدرك بداخلها سوى خطوط نورانية دقيقة عابرة لشقوق النافذة الموصودة.أحس بذعر شديد وهو يرى الوحش الآدمي يزيل سرواله](1).

هنا تكمن الإشكالية، في تلكم الإزدواجية التي يكابده أطفالنا الأبرياء، بحيث تلقنه المدرسة العلم والأخلاق والقيم، والشارع يحقنهم بدوال النقيض لذلك جملة وتفصيلا، فيما تفشل الأسرة في خلق وتفعيل التوازنات المطلوبة، لأعطابها الكثيرة هي الأخرى وانشغالاتها بهموم اقتصادية في المجمل، تكون على حساب الروح وإنسانية الكائن، فلا تزيده إلا تغريبا وبعده عن أناه فما بالك بمن يعولهم ويتحمل مسؤولية رعايتهم، أضف إلى ذلك آفة الأمية.

وفي مقاربة شاملة للإشكالية، نلفي واقعا قاهرا متمثلا في رأس مالية متوحشة، تفرز وصايا ترعى المصالح الصهيو ـــ أمريكية، التي كامل همها ضرب الأسرة العربية والمسلمة، في العمق، لأنها النواة، وإفسادها يضمن استمرارية وخصوبة تلك المصالح، وإن كان الأوجب ألا نلوم الطرف الآخر، فهو عدو وهذا واضح، كي نتحرر نحن من عبء المسؤولية .

إن الأطفال الذين تم الاتجار بهم في العصر المملوكي، بصرف النظر عن شجرة نسبهم، بعدما نكلت الحروب بعائلاتهم وشرّدوا واقتيدوا إلى أسواق النخاسة ثم بيعوا بأثمان بخسة، هم الفرسان الذين سادوا وشغلوا منازل الإمارة، مخلّصين البلاد العربية من شرّ التتر وغزوهم الجنائزي الجنوني.

بالعودة إلى مجموعة " أجساد تحترق في الشارع " نستشف منها كعتبة، ما يحيل على الذهاب في عكس اتجاه ما قد تثمره خندقة الطفولي وخنق عوالمه، في تلك الحالة نجدها أفرزت جيلا ذهبيا إيجابيا، حوّل فرسانه المعاناة إلى بطولات وفتوحات وشجاعة وحكمة وبأس، وهاهنا، من خلال تقليب المنجز الذي بين أيدينا، نلفي مايثور منظومة مفاهيمية مغايرة بالتمام، فاختيار " أجساد " مثلا، عوض " أجسام " له أكثر من دلالة تختزل في الثقافة الإيروتيكية بل والبورنوغرافيا، وتجسدن الطفل وتقدمه على أنه بضاعة، أو بالأحرى ذئاب البشر المكبوتة والظمآنة للجنس، تتوهمه كذلك، وما فخخ العتبة أيضا، لفظة " تحترق " للإشارة إلى أن مستقبل البشرية إنما يربي موته، عبر استغلال واضطهاد وتهميش الأطفال.

نقرأ للقاص أيضا، قوله: [ أتقن سمير شمّ السيلسيون ومعجون السيراج وغيرها من المهلوسات، حتى صار مقززا من طرف الزبائن الذين كانوا يشفقون من حاله، تغيرت وهندامه، وكثرت الغرز بوجهه من كثرة الإصطدامات مع أترابه في المجال . أما عن الأهل فقد نسيهم وتجاهلهم، كما تجاهلوه . تم إيقافه من قبل الشرطة ذات يوم وهو متلبّس بسرقة محفظة نقود ليقتاد للإصلاحية، حيث قضى سنتان، كانتا بمثابة سنين، تعرض خلالهما لأعنف ما يمكن أن يتعرض له طفل في سنه، قرر بعدها الابتعاد عن كل ممارسة يمكن أن تعيده لهذا الجحيم](2).

أرى هذا يقترح من الإسقاطات ما هو أغرب، في عالم انحراف الطفولة، إنها الحالة الإنسانية الاستثناء، مثلما ترويها سيرة قيس المجنون، حتى ان انتقاء العنوان هنا تمّ بحكمة وعناية " سمير الليل "، ليرخي بمشهدية الهلوسة والبرزخية والوجود الهذياني، في حالة قيس، أنتجه العشق ورسمت ملامحه الصبابة والحب الأعمى، وفي حالات المجموعة هذه، أنجبته سياسة التعاطي مع العوالم الطفولية، فحتى القوانين والأحكام، تبدوا قاهرة وغير ناجعة ومؤججة لبؤر الغليان في قلب هذه الظاهرة.

قوانين تركت اللب لتعتني بما هو سطحي في الظاهرة، فهي لا تعاقب وتردع إلاّ بالقدر المنوّم، بحيث يكون النشاط في صمت سرعان ما ينجم عنه الأسوأ.

وختما، يمكننا القول أن القاص محمد الصفي أفلح في الإفلات من تقليد الكاميرا الواصفة لواقع الأوبئة المجتمعية والاقتصادية والسياسية، بتقديم منجز قيم حاول من خلاله الانتصاف للطفولة، وقد وضعها في مرايا سردية، لا تجدي معها تمريرات التابو والأقنعة، حتّى أننا شعرنا معها بما تصمت عنه بياضات الإشكالية، وهي تصنع مثل هذا الإنتماء، وتحاصر برؤى مختلفة ومواقف جريئة، أورام الطفولة فينا، وتصهل بانتهاكات الهوية العربية، وقد تعرّت من أخلاقها ورمزيتها ومثاليتها.

 

احمد الشيخاوي- شاعر وناقد مغربي

.....................

هامش:

(1) مقتطف من قصة " أيوب" صفحة 11/12.

(2) مقتطف من قصة " سمير الليل " صفحة55.

 

 

بسمة الشوالي(عادِ إلّي يْعَجِّزْ في بْلادَهْ غِيرْ إلّي يْعجِّزْ ضِيفْ).. الأبنودي

تمنح قصّة "ضيف على العالم" عنوانها لكامل المجموعة الصادرة في 2017 عن "فضاءات" للنّشر والتوزيع، والمؤلّفة من ثمان وعشرين قصّة، وتقع منها في المرتبة السادسة والعشرين، تليها قصّتا روابط عائليّة و" النائمون الجميلون". وهي إلى ذلك القصّة الطويلة الثانية مقارنة بالبقية التي تقتطع من النفس السرديّ للكاتب عشر صفحات.

التموقع الترتيبيّ المتأخّر للقصّة وثنائيّة الروّاة: راوٍ أوّل ينسحب سريعا لصالح الشّخصية الرئيسية التي تستلم فعل القصّ غيابيّا أيّ بعد وفاتها من خلال "قراءتها" للدفتر الذي تركته من بعدها، وكذا كثرة التفاصيل والمعلومات الشّخصيّة الحافّة ببطل القصّة إسماعيل الشيخ إبراهيم وآرائه ومواقفه من كلّ ما يتعلّق بمسألة الضيّافة في العالم، ليس مجانيّا فإسماعيل يمثّل النموذج الأقرب إلى الذات الكاتبة من جهة ٍ(فهو أديب، صديق للجميع حتى لأصغر الكائنات في المزرعة/العالم، يكسب رزقه من  مهنة الكتابة/ الخطاطة، يستقوي على الوحدة بالقراءة، يحبّ العزلة قدر الإمكان، خصيم للعنف، لكنّه يحمل في وجهه القلم لا السّلاح أو السيف، ويمدّ نحو النّاس الخطوط كما يمدّ لهم خيوط التواصل أمام أعينهم.) وهو من جهةٍ ثانية نموذج يُحتذى لما يجب أن يكون عليه كلّ ضيف أينما حلّ بدءا من رمزيّة اسمه المركّب من اسميْ نبيّين أحدهما أبو الأنبياء والآخر أبو العرب (إسماعيل)، فهو على معنى ما "سليل الأنبياء"، ( ونذكّر أنّ الكاتب انحدر أصله من أرض الأنبياء/ فلسطين) ومثلهم يترك من بعهده "كتابا"  عُثر عليه بعد موته (توفّي في مارس 2016)  بين متاعه القليل، وفيه ضبط كلّ القواعد الأخلاقيّة ومدوّنة السّلوك الواجب اتباعها من قبل كلّ من ينزل ضيفا على "دار" ما، وكلّنا في الواقع ضيوف على الله في هذا العالم، وعلى الحكّام في أوطاننا التي قد يحوّلونها في مرحلة ما من طغيانهم السياسي إلى مجرّد دار للضيافة المؤقّتة المشروطة بالخضوع تهدّد ضيوفها الخارجين عن "بيت الطاعة" بفقدان حقّ الإقامة المستقرّة الآمنة فيصير البعض أسيرا " يبكي عليه منبر وسرير" ويتعرّض  العض الأخر إلى النّفي والتهجير" حاملا أناه المتأّلمة عبر العالم. فضلا عن ذلك، حدّد إسماعيل في هذا "الكتاب" أشكال الخروقات الجسيمة لميثاق الضيافة وما ينتج عنها من فساد يطال الأفراد والمجتمعات والعالم برمّته، لذا كانت هذه القصّة في مجملها كما الشّجرة الأمّ الفارعة لكنّها لا تخفي عن المتنزّه/ القارئ "غابة السّرد" بقدر ما تدلّه على قواعد السّير الآمنة في مسالك الغابة سردا كانت أو واقعا، وتحدّد له ما به تتحقّق له الإقامة الممكنة سواء في ضيافة منازل القصّة المتعدّدة في هذه المجموعة أو في المضايف المختلفة عبر العالم الذي شبّهه إسماعيل "بالمزرعة هائلة الشّساعة" يفتحها "المضيّف الكبير" الذي هو الله لضيفه الإنسان.

من اللاّفت في هذه المجموعة أنّها قصص نهاريّة بامتياز، فأحداثها تتحرّك تحت ضوء الشّمس، وفي أوقات مختلفة من النهار، مع استثناءات قليلة جدّا كما في قصّة "حافة السرير"، إلى ذلك تمتاز بكثرة أماكن العبور أو منازل الضيافة الصغرى حيث الإقامة الوقتيّة المقنّنة بمدوّنة سلوك اتفاقيّة تحتّم على الضّيف أيّا كان "أن يتخلّق بأخلاق ضيف عابر"، " فلا آخذ أكثر من حاجتي، وأبقي على الرقعة من حولي نظيفة، وأخفض من صوتي ومن نظري، وأصادق من يصطفيه قلبي حتى لو كان زهرة بريّة فقيرة العبير أو خنفسة سارحة أو صخرة واجمة" (القصّة نفسها) وأماكن العبور هذه هي:  مظلّة صغيرة تستضيف تحتها سيّدة عابرة رجلا يريد أن يعبر الشارع تحت المطر الكثيف، المطارات، القطار(من الدار البيضاء إلى طنجة بالمغرب)، مدينة ببلد أجنبيّ ( بورغاس البلغارية مثلا)، شارع " بقلب روما"، أحد الفنادق، مقهى، مطعم.. الحياة نفسها تُعرّف بأنّها دار ضيافة والسكن فيها وقتيّ ومشروط بحسن السيرة والسلوك مع الله ومع الناس مهما طال أمدها: " نحن أيضا ضيفان على هذا العالم، هكذا فاتحته أمّه" يقول الراوي متحدّثا عن إسماعيل الشيخ ابراهيم.

المكان الوحيد الذي يمثّل "وطنا حقيقيّا" يسكن فيه الإنسان آمنا دون ذلك الشعور المزعج بالغربة، ولا تلك الترسانة الثقيلة من شروط الإقامة المجحفة أحيانا بحق الضّيف الأجنبيّ، ومن ضرورة التعبير المستمرّ عن الامتنان والسرور والشكّر للمضيِّف، هي المقبرة "حيث يرقد الرّجال إلى جانب النساء دون حرج خلافا لما يجري في الحياة"، أو قد يسكن الراحل الشابّ جميلا مطمئنّا وطببيا فلسطينيا مهاجرا على الدوام، داخل إطار لصورة معلّقة على الجدار، يعد أهله بالعودة إليهم في اليوم الموالي، ولا يأتي ذلك اليوم أبدا.

أمّا الشّخصيّات فقد كان أكثرهم تنويعات شكليّة إن شئنا عن ذات واحدة هي شخصيّة إسماعيل، ومعه يشكّلون جميعا صورة تقريبيّة عن الكاتب نفسه الذي كثيرا ما كان يلتحم بالراوي ويحمله على التكلّم المباشر بصوته لتغدو بعض القصص سِيرا ذاتيّة له مرويّة بضمير الغائب "هو".

هذه الشّخصيات هم على غرار إسماعيل رجال وحيدون، لا نعرف أسماءهم، يتنقّلون منفردين "كواحد من النّاس، من الأنام، من العوامّ"، ويحترمون كثيرا آداب الضّيافة، ويؤمن كلّ فرد منهم أنّه "ضيف عابر لا حول له سوى امتلاكه لذات بنفسه واستقوائه بوحدته"، ولعلّهم جميعا مثله قد قرّروا ألاّ يتزوّجوا "حتى لا يضيفوا إلى المزرعة المزيد من الضيوف". كما يبدو جليّا، وإن لم يتمّ التصريح بذلك، أنّ كلاّ منهم "يتّكل على شخصه في كلّ شيء"، ويؤمن مثل إسماعيل أنّ عليه "أن يجتهد ويكسب علما ويجيد حرفة ويعرف كيف يلتقط رزقه"، ولا مجال للاتكال على المُضّيف".

إنّهم غالبا "رجل مسفار"، مثقّف على صلة محبّة بالأدب، يحمل بعضهم كتابا أدبيّا أو يشير إليه  وإلى كاتبه، كهل عربيّ يتّخذ صفة "الزّائر المشرقيّ"، لكن " لا يروقه أن يُنعت بسائح، فهو محض عابر" (ق "آنّا كرنينا")، لذلك لا يفارقه إحساس المضاف إلى مكان ليس هو مكانه الأصليّ والمجرور بالتالي بجملة من الشروط وقواعد السلوك السليم، فهو بالضرورة محمول على التهذيب :" فالضيّف خليق بأن يكون على أدب" كن أديب يا غريب"، والضيّف غريب مهما طال أمد ضيافته" (ص 159)، ولمّا دعت  حفيدة "آنا كارنينا" الزائر الأجنبيّ إلى مشاركتها الطاولة حيث المقعد الشاغر الوحيد بالمقهى (بمدينة بورغاس)" تقدّم بشيء من الارتباك نحو المقعد البلاستيكيّ الرماديّ وهو يومئ بتحيّة مشفوعة بابتسامة مقتضبة للسيّدة" ( ص 107)، وليست الابتسامة فقط هي المقتضبة في العلاقات العابرة التي يعقدها الزائر المشرقي مع أشخاص من البلد المُضيّف، فالأحاديث وردود الأفعال والأقوال، والمواقف الشخصيّة ممّا يستجدّ من حوله كلّها تتّسم بالاقتضاب والدّقة والحذر. وهذه تقنية في القصّة تضيء أكثر منطقة الشعور بالغربة الذي يلازم الضّيف أينما حلّ من جهة وتتيح، من جهة اخرى،  للقارئ أن يتعرّف بشكل مباشر على الآخر المختلف المقيم في زاوية مغايرة من العالم، وعلى بعض عاداته كسكب "إبريق من الشّاي على قبر المرحوم حتى لا يُحرم ممّا يحبّ" (ق "إبريق شاي للمرحوم")، وأنّ يتعلّم بالتالي، من تجربة الضيف جليسِ "آنّا كارنينا" " كبح سوء الظنّ في نفسه، سوء الظنّ، والتّسرّع في الحكم على الآخرين"، بمعنى ما أن يصبح الضّيف مُضيِّفا بدوره للآخر في نفسه، يتلقّى منه ويعطيه من ذاته في آن، منفتحا عليه ومعه على كلّ ممكنات التواصل والتّشارك ضمن إطار " ثقافة الضيافة" التي تقطع مع منطق التملّك والاستعلاء من قبل المُضيِّف، وباعتبارها " السلوك المضادّ للانتقام"، من قبل الضيّف: "إنّ القيمة التي تمثّلها إمكانيّة الانفتاح على الآخر بالنسبة لجوهر البيت لا تقلّ عن تلك التي تمثّلها الأبواب والنوافذ الموصدة " (أورده رشيد بوطيّب عن ليفيناس).

لكن لمَ يصرّ الشيخ إسماعيل إبراهيم في قصّة "ضيف على العالم" وكذا بقيّة الشّخصيّات التي سبق تقديمها، على صفة " الغريب" الملازمة للضّيف (حتى وهو أديب على معنييْ التأدّب والأدب في آن)، أينما حلّ، سواء على العالم أو على آخرَ ما؟ هل يتعلّق الأمر بصعوبة تأقلم الضّيف مع محيطه الجديد وعجزه عن التواصل في يسر وأريحيّة مع الآخر؟ أم في المضيّف الذي ما يزال حتى اليوم (إسماعيل توفّي سنة 2016) ينغلق على نفسه موصدا إزاء الأجنبيّ أبوابه ونوافذه خوفا، أو توجّسا، أو رفضا تامّا لوجوده في بلده في أحيان كثيرة في عودة رهيبة لفوبيا الآخر: الغريب/ الأجنبي؟

أوّل أسباب الغربة بحسب ما يبوح به إسماعيل في الدفتر الذي تركه مكتوبا بخطّ يده هي أوّلا القدوم إلى العالم على نحو قدريّ لا خيار له فيه ليعيش يتيما وحيدا تؤويه "غرفة منخفضة السّقف ملتصقة ببيت في أقصى المدينة الجنوبيّ ومضافة إليه": يقول: "أتراسل صامتا مع المضيّف الكبير وإلاّ من أتى بي إلى هنا؟ لم آت بمفردي من مكان معلوم، وإن كنت سأغادر المزرعة ذات يوم قريب بمفردي"، لكن بعد أن تنال السّآمة والملالة من حشاشة كبده في متأخّر الأيام ( ص 162) وهي مغادرة غير اختياريّة كذلك، فهذا الشيّخ الحكيم ولئن استطاع أن يقدّر سنة عودته إلى ملكوت الرحمان فإنّه ترك تاريخ ذلك منقوصا من يومه المحدّد: يوم.../3/2016"، لكأنّا نسمع رجع صدى حيرة "إليا أبو ماضي" الوجوديّة: "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت/ ولقد أبصرت قدامي طريقا مشيت".

ثاني الأسباب ذاتيّ إذ تنشأ الغربة كمكوّن أساسيّ في بنية الشخصيّة التي تعرف منذ نعومة أظافرها أسباب غربتها في وطنها وخارجه: الخوف من الآخر المهيمن، الأقوى، والممتلك لكلّ أسباب استعباد الـ"غريب" جسديّا واجتماعيا واقتصاديا، فـ " النادلة الأندونيسيّة (المهاجرة ببلد عربي مشرقيّ من أجل العمل) تخاف الغراب رغم أنّه لا يؤذيها، تخاف من كبريائه واعتداده (..) تخاف انغلاقه على ذاته وعدم اكتراثه بوجود الآخرين"، بينما يحافظ السوري المهاجر من حمص " التي هدّمتها غربان معدنيّة نفّاثة وأرواح سوداء" على "صداقته" مع الغربان الحقيقيّة، " فأبناء المدينة لا يتطيّرون من شيء سوى العبوديّة" يقول لها.(ق "حسن ما سوف نفعله").

وثالثها موضوعيّ يتعلّق بالظّروف المجتمعة التي رسّخت الشعور بالغربة في نفس إسماعيل حتى وهو في غرفته التي بمسقط رأسه من المزرعة التي قضى بها نيفا وسبعين من العمر سالما مسالما محترما من قبل الجميع. يجرّ" إسماعيل تاريخا عريقا من الهجرة، فهو ابن الجارية المصريّة هاجر التي تسببت ربة البيت "سارةّ" في "تغريبها" بسبب الغيرة، فهجره أبوه النبيّ إبراهيم وهو رضيع صحبة أمّه في أرض غير ذات زرع، ليكون بعدئذ أبا للعرب الذين ابتلوا بقرون متتالية من الاحتلال والتهجير. ومن لم يُهجّر قسرا بسبب الحرب الدائرة ببلده أو لأسباب سياسيّة مختلفة، هاجر بنفسه في قوارب الموت السريّة بغرض النزول عند ضفة البحر الثانية ضيفا غير مرغوب به حتى من قبل وصوله، وغالبا ما يستبق بطنُ الحوت استضافته الجميعَ. الكاتب نفسه فلسطينيّ هُجّرت عائلته بسبب الاحتلال الإسرائيليّ لفلسطين سنة مولده: 1948م. في قصّة " سمفونيّة في قلب روما" يقول الراوي، الذي التحم بالكاتب هاهنا، وردّا على السائح التايوانيّ الذي قال له "بنبرة مشفوعة بمواساة  إنّ انفجار العنف لا يتوقّف عندكم" : "الزائر المنفرد لم يتمكّن من الإيضاح له في هنيهات الدّردشة بأنّه خصيم للعنف منذ تمّ اقتلاعه من يافا بأنياب حديديّة، وكما اقتُلعت أشجار زيتون روميّة بالطريقة نفسها"، مُرجعا بذلك العنف إلى مصدره الأصليّ الذي هو الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ومدافعا بالتالي عن كلّ العرب  المسلمين المهاجرين.

نبيل أيضا فلسطينيّ آخر مهاجر يعمل جرّاحا في رومانيا، يعالج المرضى بحبّ وتفان بينما هو جريح حرب لا يُشفى، "يصفه بعضهم بمسلم من بلد المسيح"، وعندما يقرّر العودة إلى وطنه تصدمه شاحنة عمياء عماء الاحتلال فتقصف عمره. (ق "جريح يعالج مرضى"). وما هذه الشّخصيّة إلاّ نموذج آخر لكلّ الفلسطينيّين المهجّرين، ضيوف غرباء مهما حاولوا التملّص من ذلك الشعور." أن تبقى طيلة حياتك ضيفا فذلك يبعث على الامتنان ثمّ الدّهشة فالضّيق"، يقول إسماعيل. لكنّنا في زمن تزاحم فيه المهجّرون العرب على نحو قسريّ على أبواب البلدان المضيّفة في بقاع مختلفة من العالم، مضايف مغلقة في وجوههم وأخرى نصف مفتوحة وأخرى مفتوحة للمقايضة بمآسيهم من أجل تعزيز السيطرة السياسية والاقتصادية على منطقة الشّرق الأوسط: السّوريون والليبيون واليمنيون ومن قبل العراقيين.. كما لو كانوا هم "العابرون في كلام عابر" وليس محتلّوا أوطانهم، أو حكّامهم الذين استقووا عليهم بالقوى الأجنبيّة، وكذا جيرانهم الذي فتحوا عليهم الحدود لدخول مافيات الحرب وتجّار الأسلحة والممنوعات والإرهابيين على اختلاف مشاربهم الأيديولوجية تنفيذا لسياسات قديمة متجدّدة متعلّقة بإعادة ترتيب "البيت المشرقيّ" ورسم خارطته الجديدة وتغيير شروط إقامة "أهل البيت" الأصليين في "بيوتهم".. أو هم "التوحيديّون الجدد " (نسبة إلى أبي حيّان التوحيدي): "أين أنت من غريب قد طالت غربته في وطنه !؟".

سقط جدار برلين الذي كان يفصل بين شطري ألمانيا الشرقيّ والغربيّ ويجعل سكّان البيت الواحد غرباء عن بعضهم البعض، وأفاض الفلاسفة والمفكرون والأدباء في تطارح مسألة الضيافة وأخلاقها وشروطها وكلّ إمكانات الصّداقة الناجعة بين الهويات المختلفة خارج منطق الهيمنة والتملّك والتعالي. لكنّ الجدران مذّاك لم تفتأ ترتفع وبأشكال عدّة: جدار العزلة الذّاتيّة يفصل المرء عن محيطه الواقعيّ والذي تؤّمن العولمة، جدار الفصل العنصريّ في القدس، الجدران الشائكة في وجه المُهجّرين من سوريا ووغيرها من البؤر المتوتّرة، وليس آخرها الجدار الحدودي الذي يريد ترامب بناءه بين بلاده والمكسيك. هناك رفض معلن وشاهق لهؤلاء الضيوف غير المرغوب بهم حتى من قبل دخولهم، من ناحية البلدان المستضيفة ومواطنيهم، مقابل عنف يخرج عن طوره ونزعات انتقاميّة نائمة تستفيق بنسق سريع فظيع من سباتها الإيديولوجيّ المتشدّد لتتحوّل إلى حوادث عنف خطيرة وأحداث إرهابيّة مرعبة اخترقت حتى أعتى الأنظمة الأمنية العالمية دقّة وحرفيّة.

إنّ العالم الذي جعلت منه العولمة قرية صغيرة قد تحوّل إلى حجور مظلمة للجرذان الفتّاكة والأفاعي الخطيرة التي أخلّت بالدورة الحياتية السليمة للعالم وأفسدت إمكانات العيش المشترك بين ضيوف الله من البشر تحت سمائه الواحدة وفي مزرعته الشاسعة التي هي العالم. لكنّ ذلك لم يصبح بعد مستحيلا، إذ يكفي بحسب الشيخ إسماعيل إبراهيم أن يحترم كلّ فرد ذاته والآخرين، بل وكلّ الكائنات الحيّة التي تقاسمه العيش على الأرض، وأن يلتزم بقواعد الضّيافة وقوانينها وآدابها حتى " يتحوّل (الإنسان) إلى نبع، إلى فسقيّة من الحجر يهطل فيها الكون مثل مطر دافئ" (كونديرا) وحتى يغدوَ الحلم بأن يكون العالم يوما ما "مظلّة صغيرة تجمعنا" ممكنا.

 

بسمة الشوالي - تونس

 

 

مادونا عسكرقراءة في قصيدة للشّاعر الفلسطيني فراس حج محمد

- النّصّ:

صباحك شهوة القبلِ

أضيئي الكون واغتسلي

ومدّي لي يديك رضاً

فإن مداهما جُملي

حبيبة قلبي الأسنى

شفاهك لثمة العسل

أحبّك كلما انتبهت

عقائد قلبي الثّملِ

قصائدنا الهوى لغةٌ

معرّفة بلا خجل

تجلَّيْ يا أمان اللهِ

واروي الطّيف في مقلي

***

- القراءة:

يدور هذا النّصّ البديع في فلك النّور حيث النّشوة المترامية في كون الشّاعر العشقيّ، حيث تمتزج عناصر النّور (الصّباح/ الأسنى) بشخصه وبشخص الحبيبة، فيبرز الكون العشقيّ النّورانيّ الّذي تتجلّى فيه الحبيبة  إلهة تمنح الشّاعر الحياة/ النّور. وإذ يستهلّ البيت الأوّل بلفظ الصّباح والشّهوة والقبل، يحدّد مسار كونه الشّعريّ النّورانيّ المرتبط جذريّاً بالحبيبة (صباحكِ). وكأنّي بها مصدر النّور الّذي من خلاله يطلّ على العالم. ويبدو لفظ (صباحك) خاصّ بها، فهو لا يرنو إلى صباح هذا العالم، وإنّما إلى صباح مختلف، صباح المحبوبة الإلهة الّتي تشرق في عالمه وتحوّله إلى عالم خاصّ يحيا فيه الشّاعر. وارتباط صباحها بشهوة القبل يبيّن صوفيّة الشّاعر المرتبطة بالجسد والرّوح معاً، ما يدلّ على توجّهه بكلّه إلى كلّها. وهنا يبرز المفهوم الآخر للصّوفيّة الدّال على انشغال الشّاعر بأعلى الدّائرة الإنسانيّة حيث الجمال والنّور والحبّ، فيرتقي بالمحسوس عن المحسوس ويتدرّج من الشّهوة الحسّيّة إلى الشّهوة المقدّسة ومن القبلة الحسّيّة إلى القبلة المقدّسة.

تبدو الشّهوة مقدّسة بفعل حضور المرأة الإلهة الّتي يتقدّس بها الشّاعر الّتي يتضرّع إليها، إن جاز التّعبير، حين يقول (أضيئي الكون واغتسلي). في فعل الأمر (أضيئي) استدعاء للمرأة النّور الّتي بيدها حجب النّور أو إظهاره وكشفه. ثمّ يضيف (واغتسلي) كمعطوف على (أضيئي) مرتبط بالشّهوة. لكنّ فعل الاغتسال هنا متلازم والنّور الّذي منه تُستَمدُّ الشّهوة وإليه ترنو. ولعلّها إشارة من الشّاعر إلى صوفيّة العلاقة الجسديّة كفعل حبّ نورانيّ ينطلق من الحسّ ليخلص إلى اللّاحسّ في دائرة النّور. ومن مظاهر ذلك الاتّحاد، اتّحاد اللّغة بين الشّاعر والمحبوبة، كما يبدو في قوله:

ومدّي لي يديك رضاً

فإن مداهما جُملي

ففي اليدين اللّتين تبعثان الرّضا تمدّد الشّاعر في الكون وترسيخ للغته (فإن مداهما جملي). هو يصوغ قصائده بها وهي قالبها وقلبها من جهة. وهو المتّحد بها يشكّل الوحي الشّعريّ ويترجمه حسّيّاً بلغة الجسد المعبّر عن الحبّ ويرتقي به ومعه إلى اتّحاد الرّوح فيخلق القصيدة. ولمّا وُجدت القصيدة حلّت فيها لغة الحبّ فكان الحبّ هو القصيدة وكان الجسد والرّوح عنصرين لا ينفصلان في كونيّة الشّاعر.

وليست اليدان وحدها من يكون دليلا ومشاركا في هذه العلاقة، فالشّفاه كذلك وسيلة لنطق اللّغة الخارجة من القلب الّتي منها يستقي الشّاعر وحيه الكامن في قلبه المتيقّظ أبداً بفعل حضور المحبوبة النّور. وإذا أشار الشّاعر إلى ثمالة القلب فليعبّر عن نشوة النّور العارمة الّتي تفيض بتجدّد واستمرار:

حبيبة قلبي الأسنى

شفاهك لثمة العسل

أحبّك كلما انتبهت

عقائد قلبي الثّملِ

قصائدنا الهوى لغةٌ

معرّفة بلا خجل

إذ يوحي هذان البيتان بعري داخليّ بين الحبيب والمحبوبة يقودهما إلى الاتّحاد الكامل ضمناً. ولعلّه أعظم من اتّحاد بالمعنى الحصريّ للغة، وأعمق من وحدة الرّوح والجسد. إنّه المعنى العذب الّذي عبّر عنه جلال الدّين الرّومي قائلاً: "في كلّ ما قد تعرفه يبقى العشق وحده لا متناهياً". فقصائد الشّاعر المعرّفة بلا خجل قصائد عشقيّة لا ينضب وحيها؛ لأنّها نابعة من نقاء لامتناهٍ، وصفاء غير محدود يصبّ في قلب العشق، قلب الله، وصولا إلى قوله:

تجلَّيْ يا أمان اللهِ

واروي الطّيف في مقلي

"المرأة هي إشعاع النور الإلهي." (جلال الدّين الرّومي)، والمرأة عند الشّاعر نور الله وأمانه. وبفعل الاتّحاد العشقيّ يمسيان معاً إشعاع النّور. ولا يكون العشق عشقاً ما لم يقد العاشقين إلى الله. ولا يكون العاشق عاشقاً ما لم يرَ في معشوقه نور الله، وما لم يمتزج بهذا النّور ليسير به ومعه نحوه. إنّ الارتواء الحقيقيّ يكمن في ذلك الماء الّذي إذا ما ارتوى منه العاشق لا يعطش أبداً. ومن عمق الارتواء يتفجّر الشّوق الظّامئ إلى مزيد من الارتواء. فمن يغرق في النّور لا يرتضي الخلاص أبداً.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

مالكة عسالقراءة في منجز روائي للأديب بوشعيب الإدريسي

1ـ مدخل إلى عامل: الرواية رسالة لغوية تحمل عالماً متخيلاً من الحوادث، التي تشكّل مبنى روائياً بشكل واسع على شريطي الزمان والمكان، والتعدد في الشخصيات بما فيها الرئيسية /البطلة، والثانوية كفروع مكملة، والوقائع والأحداث التي تتعاقب أو تتزامن؛ والسارد الذي يحكي لنا بالتفصيل؛ فهي تشتغل كالقصة على الحدث أو الأحداث، وكيفية بنائها داخل تقنيات الأزمنة وأنواع الأمكنة، وتحريك الشخصيات حسب الوقائع.. ومبدعنا دخل غمارها متسلحا بثلاثة أعمدة لا يمكن استثناء أحد منها عن الآخر، أولها الأفكار التي لملمها من الواقع المعيش، وخصّبها في دنّ المخيلة بالإضافات والحذف والتوليد.. ثانيها اللغة التي جمع قاموسها من تجارب متنوعة من محيطه عن طريق الاطلاع والتلاقح، وخزانه المعرفي الموروث عن الأجداد والأسلاف.. ثالثها الحبكة السردية التي مكنت مبدعنا من توظيف هذه العناصر، وتركيبها في بناء سردي /حكائي ... فهذه فالعوامل مجتمعة، كانت حافزا بليغا على الزج بمبدعنا في عالم الرواية ...

2ـ ملخص حول محتوى الرواية

كان لمكتبتي احتضان المنجز الأدبي، حين تسلمته شخصيا من صاحبه بإهداء محترم سرّني، تحت عنوان: (جراح غائرة) من الحجم المتوسط 196 صفحة، مجزأة إلى 43 جزءا، ممكن اعتبارها فصولا، ولو ليست مقيدة بعناوين تثبت ذلك.. تحكي الرواية عن قرية صغيرة تقطنها السيدة عائشة، اختطفت ابنتها زينب من باب المدرسة، وبحثت عنها، ولم تجدها، فاختفت هي الأخرى.. وأصبحت القرية تعيش فوضى باجتياح اختطاف التلاميذ من المدرسة، وهينمة أخطبوط العقارات، وأصحاب المصالح الشخصية وإفراغ الساكنة من بيوتهم، ومزارعهم، واجتياح المباني الإسمنتية؛ فتحولت من قرية جميلة بأغراسها وحقولها إلى قرية ملوثة، تتراكم فيها الأزبال، وتتناسل الأحداث؛ وتتفشى فيها ظواهر مقلقة كالفقر والبؤس والدعارة، والسرقة والقتل، وتطال يد الإفراغ عبد المالك زوج عائشة وأبا زينب هو الآخر.. وتتوالى الاحتجاجات.. أخيرا تعود عائشة فتجد مكان مسكنها خرابا ....

والقرية دون منازع هي رمز وإشارة حقيقية إلى الوطن، وما يجري فيه اليوم من أحداث مؤسفة وقاتلة، تشمئز منها النفوس ...

صدرت الرواية في حلة أنيقة عن مطبعة النورس زرار /الطبعة الأولى، تخلو من أي تقديم، تاركا مبدعنا بوشعيب الإدريسي المجال، ليقدم الإبداع نفسه بنفسه ..

3- العتبات النصية كبوابة لاقتحام المضمومة

أي كتاب يلمسه القارئ، لابد وأن يقلبه بين يديه، قبل بدء قراءته، يتفحصه، ويطلع على عتباته النصية التي تقوده إلى المحتوى، لتساعده على فهم المقروء: كالغلاف، والعنوان، واللوحة، والألوان وما جاور ذلك.. ولقد أسهم الوعي النقدي الجديد في إثارة علاقة العتبات والنصوص المحيطة، أو المجاورة بالموضوع الأساسي، فأضحى مفهوم العتبة، مكونا نصيا جوهريا له خصائصه الشكلية، ووظائفه الدلالية التي تؤهله للانخراط في مساءلة ومحاورة بنيات دالة، لها نفس الدرجة من التعقيد من بنية النص وأفق التوقع... وبدوري قمت كقارئة بنفس الفعل.. أسائل العتبات النصية عنصرا عنصرا بشكل متواضع قبل اقتحامي المحتوى ...

الغلاف الذي يحتضن المحتوى

لقد هيمن اللونان الأسود والرمادي على دفتي الغلاف، وعلى الرغم من أن اللون الأسود اليوم لون التبجح والأناقة، وفساتين السهرات الجميلة، والأفراح، فهو لدى البعض لون الحزن والكآبة والبؤس وحلكة الأيام، حين تكفهر ذات المرء، ويشتد الضيق بالنفس، يرى فيه النحس والشؤم، وإلا لما راج لون الغراب ونعيقه لدى البعض، كعلامة دالة على وقوع شيء غير محمود عقباه.. الدفة الأولى من الغلاف تمثل لوحة لطفل حزين فقير، يتربع على أرض عارية بها شقوق ودون فراش، يُكوّم ذاته في وضع يحرك المشاعر ويدمي القلب، يقبع رأسه داخل ذراعيه، حافي القدمين؛ وهو رمز بصيغة شمولية إلى الفقر والبؤس واليتم، وما جانب ذلك.. والأشياء مجتمعةً تعبير صريح عما تعانيه الذات المبدعة من حزن ولبس، وما يعتري النفس من انكسار وشقوق، جراء ما تتأمله وتراه وتعيشه ..

العنوان عتبة دالة على المحتوى

اختار مبدعنا الأديب بوشعيب الإدريسي، (جراح غائرة) عنوانا رئيسيا للمضمومة، صاغه في جملة بسيطة من لفظتين عاديتين متداولتين بشكل مباشر، حتى لا يلتبس الأمر على القارئ، فيستطيع اقتحام المحتوى دون أدنى كلل .. ولو كنت مكانه لاخترت عنوان (الشبح المباح) أو (الشبح المنتظر) بصيغته الرمزية، كما يجري على لسان الكاتب في قلب الرواية؛ لأضع القارئ في ورطة البحث عن عمق الدلالة من منظوره الشخصي فيأتيَ بما لم يخطر على بالي ..

 وميز الكاتب العنوان باللون الأحمر، ليس تعبيرا عن شقائق النعمان حين تزهر وتزدان بها المروج فتنتعش النفس؛ ولا وصفا لسحر الشفق حين تؤول الشمس للأفول، ثم تغْرب، فتترك خلفها أجواء رومانسية تلهم العشاق؛ وإنما تعبير على جرح نازف، ودم راعف دون توقف، إزاء ما يراه في الواقع من أوضاع مقرفة، هزت مبدعنا من الجذور، اقتنصها من خلال تأمله الثاقب لما يجري، وما يأمله من تصحيح ليس بيده آلياته؛ صراع مرير بين حلم جميل يراوده، وواقع عليل، اشتد به السقم ولا إمكانية لتغييره .. رؤية، وحرية اختيار.. وعلى القارئ احترامهما..

 تحت العنوان مباشرة، دُوّن اسم الكاتب بلون فاتح، مما يدل على أن الأمل مازالت فيه الروح، ولم يقتل بعد؛ وسيأتي عليه حين من الدهر، ويحيا، فتنجلي الغمة في النفس، فلابد لليل أن ينجلي **** ولابد للقيد أن ينكسر

(الشاعر التونسي /أبو القاسم الشابي وقصيدة / إرادة الحياة)

أما الدفة الثانية فتوشحت بصورة الكاتب، شردت به موجة التأمل، مسددا نظرته نحو أشياء شدته بقوة إلى درجة نسيان نفسه، وذيلت صورته بمستطيل أبيض ضم نبذة عن الكاتب ...ثم لفظة (رواية)..

4 ـ المحتوى وتعدد مواضيع الرواية

لقد استهل مبدعنا السيد بوشعيب الإدريسي منجزه بإهداء مختصر إلى أخته ربيعة، والإهداء عادة يكون للأعزاء، وهذا يبين بالواضح مدى تعلق أديبنا بأخته حد التوحد / الذوبان.. فالإخوة كل شيء في حياتنا، نتنفس السعادة في سعادتهم، ونحزن لحزنهم، فنودّهم يشاركوننا إبداعاتنا وأحاسيسنا، يواسوننا في اللحظات الحرجة، ويطْمئنون علينا إن غمرتنا السعادة ... وهذا ما ودّه ورغب فيه كاتبنا، فهو يريد مشاركة أخته في هذا المنجز لأمر، لا يعرفه إلا هو...

ثم يباشر كاتبنا حلقات الرواية على التو، دون أي تقديم من ناقد، أو من قِبَله شخصيا، ليعيش فصولها الضاربة في العمق الإنساني :(اختطاف زينب)، كعمود فقري رئيسي، يعلق على أغصانه أحداثا كبرى مكثفة ومتنوعة، كالهجرة والتلوث وإفراغ الساكنة من بيوتهم، والقتل والاغتصاب والسرقة والفساد بكل أنواعه، وتواثب الكاريانات، وغيرها من الأحداث المتزامنة والمتعاقبة التي سنقف على بعضها لاحقا، ما أتاح لي تلقيبه ب(مؤلف المبادئ والمواقف الإنسانية.)..

5- المبدع بوشعيب الإدريسي مؤلف المبادئ والمواقف الإنسانية

يلتقط مبدعنا السيد بوشعيب الإدريسي بعينه المجهرية مشاهد مقرفة للواقع المرير، الذي طرزته صفائح بشرية تعيش عيشة الحيوانات، وينقل إلينا بأدق التفاصيل، ما يعيشه الإنسان من فقر وغبن، بل حتى في طرق التحدث والتواصل في ما بينهم، حيث برِع في تصوير واقع الطبقات المهمشة المخزي بمهارة، وبأدق التفاصيل، واقع انتشرت فيه كل أنواع الإجرام بدرجات متفاوتة، وعمّ فيه الفساد بكل أشكاله، متوغلا في جيوب المجتمع، ملامسا حالة الفقر والقهر والتعاسة والتهميش، التي تعيش عليها شريحة من الطبقات المعوزة، يتلمظون من البؤس، ويتجرعون مرارة سوء الحال، والمسؤولون يغطون في نوم التغاضي، وعدم الاكتراث (إرهاصات عيش الفاقة ؟ إرهاصات عيش التعاسة والفقر؟ التفقير ؟ التهميش الممنهج ؟؟) ص 24، فكاتبنا يعي ما يقول، ويعرف أن هذه الظواهر لها مسبباتها وخلفياتها، فالأوضاع المزرية نتاج سياسة فاشلة، وخطط مدروسة وفق منهاج من أجل تكريس الفقر، وإبقاء الحال عما هو عليه، وعدم الاهتمام بمناطق المغرب غير النافع، لأن إصلاح الوضع، معناه إفساح المجال للجماهير، للطموح والتطلعات، وفرض مشاركتهم في القرار وإبداء الرأي، وهذا يقلق المهيمنين على السلطة وأعوانها ومشاركيها، مخافة كشف عورا تهم، وسياستهم المصلحية... ومن ضمن المعضلات الإنسانية المعقدة:

 ـ ظاهرة إفراغ الساكنة وتشريد هم

وضع كاتبنا إصبعه بدقة على مهازل الواقع المتعددة، وحيثياته المقرفة المتناسلة، ليحلق بنا حول أبشع ظاهرة مدمرة /ظاهرة الإفراغ، وإخلاء الساكنة من بيوتهم وحقولهم، لتحويلها إلى مشاريع كبرى؛ وهذا بالكاد يدل على هيمنة ذات اليد على البسطاء، وتشريدهم بتجريدهم من ممتلكاتهم بأبسط الأثمنة، وتحويلها إلى سيول مدرة للدخل، ليفضح سلوكا مبنيا على هدف مصلحي، لا يؤدي إلا إلى إفقار الفقير، وإغناء الغني ..

(تراهم علموا الناس

وعلاش أخويا

وراهم بغاوا يسكنوهم في الكريان الجديد) ص:39

ومن الإفراغ والتهجير، ينتقل بنا الكاتب إلى بعض الطبقات، التي ساد بينها العنف والاعتداء، والسطو والسرقة بالسيوف، فساد الهلع، وانتشر الخوف..

(تتناسل الاعتداءات وتتكاثر الجرائم بظهور السكاكين والسيوف، وتعنيف النساء والفتيات، والاعتداء عليهن) ص:41

لقد أصبح كالطائر الحر، يطوف بالحواشي الإنسانية، ليسجل قائمة من الخروقات، والأوضاع المأساوية التي يعاني منها الإنسان، ومن بين الظواهر التي تدمي القلب، والتي أهملها المسؤولون،التغطية الصحية لكبار السن..

ـ الجانب الصحي والتغطية الصحية لكبار السن

هم الذين وصلوا مرحلة الشيخوخة، فوجدوا أنفسهم في سحيق الضياع، اللهم المعاش البسيط للبعض، الذي لا يسد رمق الحاجيات الضرورية.. (قانعة بقدرها في المكان والزمان الموحش، لا تفكر في كبر سنها، ولا شيخوخة زوجها، أو الأمراض المحدقة بهما والتغطية الصحية، أو معاش بسيط في خريف العمر)ص:51...

ويسافر إلى أبعد من ذلك، ليسلط الضوء على الأحداث المباغتة، كالإغماء أو بعض الوعكات المفاجئة، في الطرقات أو الشوارع، فلا تتدخل العمليات السريعة للإسعاف أو الإنقاذ، مما يزهق الأرواح، ويعجل بالموت..

(فظلت غارقة في سبات حتى الصباح، لا طوارئ ولا إسعافات ولا دواء)ص:82..

وهكذا يفضح كاتبنا الحالة الاجتماعية، ويدين بشدة أسلوب الإهمال الذي يطال الشرائح المهمشة من المجتمع، ليشاركه القراء، فيتخذوا المبادرة لعلاج هذه المشاكل، ووضع حلول بديلة، خاصة لبعض الحالات المستعصية التي تستفحل في الخفاء..

- المسكوت عنه واللا مفكر فيه

فالتقاليد، والموروثات الثقافية طبعت الأخلاق بطابع الحشمة والخجل، ترى في التعبير عن الحقيقة بصراحة طامة كبرى، وجرما لا يغتفر، فأصبحت بعض الخروقات والانزلاقات تُمارسُ تحت الطاولات، ولا يمكن التطرق إليها حتى صارت لها خانة (لمسكوت عنه، أو ألا مفكر فيه)، الشيء الذي أشرع للمذنب الشرفات لتكرار شُنُعِه ببساطة، وللضحية تجرع سمّ كلومها بقلب جريح، ونفس مهزوزة /مضغوطة (وكم من ذكريات أليمة لأحداث مريرة، دامية ومرعبة توارت في النسيان، وطواها الماضي، بعد اعتبارها تابوهات مخيفة) ص:31

وهذا نتاج أمرين اثنين:

أ - أولهما الخوف من المجتمع من فضيحة ستظل تطارد الضحية طيلة العمر..

ب -ثانيهما تناسل واستفحال مثل هذه الظاهرة، طالما ليس هناك رادع قانوني يكبحها، أو صيغة مجتمعية تضع لها حلولا ناجعة لعلاجها .. وكاتبنا يتساءل بحدة ما الذي وراء هذه الجرائم المرعبة، هل هو منهج سياسي؟ أم هو تخطيط اقتصادي؟ أم هي أخطاء اجتماعية، والمقصود من هذه العبارات، أن هذه الظواهر لا تنشأ من ينابيع الأرض دون مسببات، أو تهطل من السماء دون دواع، وإنما نتاج عوامل اقتصادية، دافعها الفقر والحاجة، وأخرى سياسية، بعدم وضع تخطيط ناجح له هدفه الاستراتيجي للتوعية السياسية، وغيرها اجتماعية في غياب التربية والندوات التوعوية، والتواصل الاجتماعي بين الأقطاب المثقفة والمسؤولة والمربية وشرائح المجتمع،لإنشاء جيل واع صالح، له القدرة على بناء نفسه وبناء المجتمع..

ــ المرأة ترتع تحت ظلال التخلف

كما اقتحم كاتبنا بوشعيب الإدريسي بوابة الطبقات البئيسة، بوصف أوضاعها المزرية بأدق الأجزاء، طارقا باب كل شريحة بدقة، فكان للمرأة أيضا حظ وفير في احتلال حيز مهم من مشاعره، التي تسَوّق لحمها وعرضها من أجل لقمة عيش، واضعا إصبعه بإحكام على شبكات الدعارة والاتجار بالبشر، خاصة الفتيات اللواتي هن في عمر الزهور، حتى أصبح البعض منهن يغادرن القرية إلى المدن ليشتغلن خادمات في البيوت، فهو على الأقل أرحم من تزويجهن صغيرات، الشيء الذي يبث الذعر في النفوس..

(تزايد عدد الوسيطات في الدعارة من حين لآخر : نسوة يرغمن الفتيات اللائي ينتمين لعائلات فقيرة، اليتيمات فيتم استدراجهن إلى شبكات الدعارة للتجار في البشر) ص:107

متطرقا إلى أوضاع النساء اللواتي يبعن رضاعهن، أو يرمينهم في المزابل، أو يجهضن خشية الفضيحة والعار .. ولم يبق يراع مبدعنا قيد الظواهر الأخلاقية المتفسخة، بل غرز أنيابه في أوضاع الإنسان المهمش، وتقصى أشكال العوز والهجرة، والتسول والفقر، وحتى عدم صحة الإنجاب .. ومَن منا لا يردد أن هذه السياسة تساهم في إفقار الفقير وإغناء الغني؟ ومَن منا لا يعدد صنابير الثروات الطبيعية ويتساءل في أي مغارة تغور ؟؟ فالحقيقة وعى بها الكل، وباتت ثابتة من الرضيع إلى الشيخ.. تعرية فاضحة لعالم المرأة الحقير في القرية، الذي هو نتاج الإقصاء والتهميش وعدم التوعية، وكاتبنا صادق في ما شخصه وعرضه، فالمرأة القروية إلى حد كتابة هذه السطور، مازالت تعيش الأسوأ وبدون كرامة، محرومة من كافة الحقوق الإنسانية، بل يصل الحد ببعض العقول بمساواتها بالأتان، خلقتها الطبيعة للاشتغال، وليس للفكر، والتعلم وتطوير الذات، تصنيف ذكوري غير طبيعي، لم تشرعه النصوص الدينية، ولا القوانين الوضعية، ولا النظريات الفلسفية، والغريب في الأمر أن بعض وسائل الإعلام لا تنبش في مثل هذه الظواهر لتعريتها وفضحها..

ــ وسائل الإعلام والفراغ الثقافي

حفر كاتبنا بمهمازه في الحقول الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وغرز أنفه في كل شبر منها، ورصد أحداثها المزرية، وأوضاعها الموبوءة، لكن لم يفته الجانب الثقافي، خاصة وسائل الإعلام بكل أنواعها المرئية والمسموعة، التي أُفرِغت من محتواها، فأصبحت مدعاة لوصلات الإشهار، والمسلسلات والأفلام التافهة، التي تشحن الأذهان، بما يلهيها، لصرف النظر والتفكير عن الحقيقة، وتحريفها عن الرؤيا النقدية للواقع من منظور العقل والمنطق..

(في الجرائد ديالنا ماكاين غير الجنس وكور وعطي لعور) ص:92

وفعلا، هذا هو الملاحظ اليوم، حيث أصبحنا نرى بوصلة الإعلام بطريقة أو بأخرى، وَجّهت سفنها نحو ما يلهي الشعب، فسادت الأفكار الخرافية، التي تبلد العقول كالتكهن والسحر والعرافات، وانحراف الدين عن مجراه بالغلو، وإدخال عليه أشياء بريء منها، مما جعل الأمة تتخلف وتنحو إلى التردي، بينها وبين مواكبة الركب الحضاري ألف حجاب، بعدما كانت قيدوم الحضارات..

ــ رسالة نبيلة إلى القراء

مما سبق يبدو أن المنجز الروائي الذي بين أيدينا، لم يتفضل به كاتبنا لينال به حيزا في رف المكتبة المغربية، أو لإثارة المعضلات المجتمعية وانتهى، وإنما لتمرير رسالة توعوية إلى المسؤولين والآباء والأولياء وكافة المجتمع المدني، وإلى المؤسسات السياسية، ووسائل الإعلام، وحتى السلطات من أجل الحيطة والحذر، ومن وجهة أخرى لإدانة التسيب وانعدام المسؤولية، الشيء الذي تسبب في تفشي هذه الظواهر بحدة، مما زرع الرعب والخوف وعدم الأمان لدى عامة المواطنين، كأنه بذلك يدعو إلى فرض القانون، واتخاذ تدابير رادعة، تحُدّ من مثل هذه الظواهر بنهج إصلاحي بناء، ووضع برامج تحقق تنمية فعالة للمجتمع والوطن ..

6ـ الجانب الفني الذي ميّز الرواية (الأفكار/ الحبكة / اللغة)

فمن جملة العناصر التي ميزت الرواية (جراح غائرة) عن غيرها :

ـ الأفكار التي لملمها مبدعنا من قاموسه المعرفي واطلاعه على التجارب، وموروثه الثقافي، وتأمله العميق في البعد الإنساني، بعدما اختمرت وترابطت في ما بينها واكتملت ونضجت، طرحها بطريقة تحليلية /منطقية، من أجل حل المعضلات الإنسانية، حتى يعيش الإنسان حياة أفضل، واستقرارا نفسيّا أكبر..

ـ الحبكة السردية في قالب مسرحي درامي

لقد تميزت الرواية بصياغة فنية توالت فيها الأحداث وتعاقبت في مشاهد درامية، طبعتها حلقات من الخوف الهستيري، والهلع، والصياح الجنوني، يوضح ذلك صياح أم زينب كالمجنونة في المدرسة، وما انتابتها من أوهام وهي تبحث عن ابنتها، وكوابيس الرعب التي تهيمن على السكان، أثناء الشطط الذي لحق بهم وهم يتجردون من ممتلكاتهم، والفوضى التي عمت المدرسة أثناء اختطاف بعض التلاميذ، والصراخ المتصاعد للمتعلمين والطاقم التربوي بالمؤسسة (فنزلت إلى الساحة وهي في حالة هستيرية خرجت المديرة والمعلمون والمعلمات .....) ص:48

لقد نهج مبدعنا أسلوبا دراميا في بناء روايته لتمثل الواقع، وتشخيص الإنسان في صراعه الداخلي والخارجي، صراع نجَمَ عن شمولية الرؤيا، وعميق التأمل، وأفكار المبدع المتعلقة برغبته في التغيير، ليعيش الإنسان غدا نقيا.. والخط الدرامي كما لاحظتُ، سار في الرواية متصاعداً من بدايتها حتى النهاية، أذكاه الحوار بين الشخصيات والحساسية المفرطة، والخوف والتوتر ..

ــ (مالكي ؟ أش جاري ؟ غير الخلعة قاتلاكم)

ــ (ودخلي لدارك، را الوقت خيب) ص:99

والحبكة السردية لا تشفي نهم القارئ بمفردها، إن لم تحكمْها لغة ترفل في المتن والتنوع..

***ــ اللغة ترفل في عدة لبوس

لقد ساعدت على المتن السردي لغة أديبنا، التي لم تستقرّ على وتيرة واحدة، كشأن أغلب الروائيين، بل شاء أن ينمقها بالعامية المغربية، كأقرب لسان إلى المجتمع العادي البسيط، ليس لأن الكاتب يصعب عليه توظيف اللغة العربية، أو يجد صعوبة في اختيار ألفاظها، أو سبكها؛ فهي مطواعة حد الانزلاق بين الأصابع، يقول لها كوني فتكون؛ وإنما هي صياغة فنية، تداول فيها مؤلفنا زرع خصلات بالدارجة المغربية في حقل اللغة العربية، لأمرين هامين حسب اعتقادي :

أ ـ أولهما تبسيط الموضوع بشكل فني، حتى يكون في متناول الجميع..

ب ــ ثانيهما تلوين وتنويع النسق السردي، من أجل المتعة والاستمتاع، وهذا التنوع أثرى اللغة، ومكّنها من التكامل لتحقق للكاتب المراد..

(أنا هنا، أنا هنا قادرا باش نلقاك اليوم ولا غدا)ص:،66 والدارجة تسري في الرواية من مبدئها لمتمّها سريان الدم في الشرايين، ولم تصب الخط السردي بالتلف، أو الهدف الروائي بالضياع، ولا خلقت تشويشا على القارئ، بل بالعكس كانت مكملة للغة العربية، ما استعصى توضيحه في الأولَى، يبدو جليا في الثانية، والعكس صحيح ..

أ ــ اللغة والترميز

حين طفح الكأس بكاتبنا، وبلغ سيله الزبى، بسبب تراكم الأحداث المأساوية القاتلة، التي خلفت في نفسيته أزمة جعلته يعيش في أكمة من الصراع، أخذ يعبّر عن المفسدين والمهيمنين بالخفافيش والجرذان، التي تتساقط تباعا في الأزقة والشوارع، (حتى الخفافيش والبوم جاءت لتموت مع الجرذان فوق إسفلت الأزقة) ص:132 ..

وهذه أمنية مَن بلغ منهم النصلُ العظمَ، وأملنا جميعا أن يسقط أعداء الوطن والخائنون تباعا، ونتفرج على جثثهم وهي تتحلل ..

ب ـ القصص الشعبية وحكايات الجدات

ومن الدارجة إلى الترميز، فالحكايات الشعبية، فكاتبنا ممتلئ حتى النخاع بثقافة الأسلاف، من قصص وحكايات وأساطير، ومتشبع بثقافة الحاضر، ومما هو اجتماعي وسياسي وفلسفي، أضف إلى ما اكتسبه من تجارب متعددة وعميقة؛ عناصر متناقضة وأخرى متكاملة، خلقت منه مبدعا كرّس نفسه للجوانب الاجتماعية/ الإنسانية، راقصا على الوتر الحضاري المدهش، وأخرى يغرف من معين سحيق يبعث على الدهشة ..

 وهاينة

أش عشاك الليلة

عشايا فتات

وركادي بين البنات

الليلة

ص:114

ومَن منا لا يعرف قصة (هاينة) خطيبة ابن عمها، التي خطفها الغول، والتي سيسترجعها خطيبها بشكْل بطولي، ومَن منا لم يستمتع بمثيلاتها من قصص وحكايات جداتنا القديمة، التي تميس بين الخرافي الساحر، وبين تمرير قيم من النبل والإنسانية والمتعة والجمال ...

ج ـ اللغة والاستطراد والاسترسال

وكلما غاص مبدعنا في لجة الواقع المعتوه، واصطادت عينه تراكما من الظواهر والقضايا، يصبح لسانه رشاشا، تنطلق منه قذائف من الكلمات بشكل مطرد دون توقف، حتى يفرغ جعبته، وكأنه بذلك يحرق المستنقعات التي تتناسل منها المشاكل، فيتنفس الصعداء، ثم يتابع تأمله لتضاريس الواقع الإنساني الجريح ليرفع الغطاء عن جروحه وكلومه ..

(مجنون، معتوه، جبان، ضعيف، منحرف، نذل،)ص:30

(تقيهم من شر الفقر والعوز والتسول والهجرة)ص:39

(مواجهة التحديات: البؤس الحرمان المعاناة الاجتماعية والمآسي الأخلاقية)ص:42

(البؤس الحرمان البطالة الهدر المدرسي المعاناة الاجتماعية والمآسي الأخلاقية والتهريب) ص:92

كلمات تتلاحق إما بفضل الاشتقاق اللغوي، أو خريطة الكلمة، أو الترادف، والمراد من ذلك توسيع المعنى، وتوكيد الدلالة وتعميقها، كي تصل المعلومة إلى القراء، واضحة ليس عليها غبار حتى يفهموها ويستوعبوها .. أسلوب الاستطراد والاسترسال يغطي معظم الرواية...

د ــ اللغة تكتنز ويثريها التنوع

ليس من السهل على الأديب، أن يُلبس لغته التنوع،إلا إذا كان له قاموس لغوي فريد ومتنوع، وحتى إن حاول على فراغ، فقد يختل توازنها، وتبدو أضعف مما كان يتصور، وكاتبنا نظرا لما يتوفر عليه من قاموس لغوي متين، وما يملكه من حذلقة وبراعة في التلاعب باللغة واستنطاقها وتطويعها، فقد زينها ونمقها ليس بالمحسنات البديعية، وإنما بأشكال فريدة من البساطة، تحبب للقارئ المتابعة من أول قراءة، وتساهم في طرد الملل، والانكباب على الرواية حتى نهايتها، دون أدنى كلل يذكر؛ فقد حرص على انتقاء ألفاظها بعناية، وتطريزها في صياغة عالية مدهشة، وتزويقها بشذرات من الزجل المغربي ..

الميمة

ها الشتا سحات

ها النار طفات

ها البقرة ولدات

وها المرا توضات وصلات

ص:84

كما لايني يوشحها بأناشيد من وحي اختراع وتأليف الأطفال،

En avant

En avant

واش عندكم شي بنات أولا

En avant  

les partis

عندنا ميات وحدة

En avant

En avant

ص: 55

التي، يقترحونها أثناء لعبهم ومرحهم، فاللغة تتبرعم وتزهر، حين تكتمل بما هو متداول لدى العموم، ولدى الكبار والصغار، بكلام مألوف بالعامية له متعته ولذته لدى البعض، فالكاتب لا يضع قرّاءه في كفة واحدة، فهو ينوع أطباقه ويقول لهم انهلوا أنى شئتم ومن حيث تريدون ..

هـ ـ اللغة بين الجد والهزل والجانب الخرافي

لم تكتس اللغة طابع الدارجة وأناشيد الأطفال المستوحاة من ألعابهم فقط، بل أحيانا تميس بين الجد والهزل، لتخلق فرجة ممتعة لدى القارئ في ظل التسلسل الدرامي، لتتحلى بالروعة والجمال..

(هيا حنا غادين نوليو ممثلين، في مسلسل الاختطاف الأبيض، هكاوا هاكليه)

ص:69/70

ويقتفي أديبنا أثر الواقع بكل حيثياته الموجعة، ونكباته المتسلطة، يستعرضها بنفس متأزمة، بكل ما يستدعيه الأسلوب المنطقي الواقعي، الكاشف عما يجري في الواقع وفضحه، حافرا بمهمازه في صلب الخرافي المتحجر في الأذهان، الذي مازالت بعض العقول تؤمن بغيبياته، وكأنه بذلك يريد أن يرى الحقيقة في الخرافة، والعكس فيترفع عن المادي الملموس إلى عالم الخرافة...

يقول (يحكى أن هذه الطيور تخطف الأطفال الرضع، وتترصد لأخطاء أمهاتهم، في المكان والزمان،) ص:26

وهذا بالكاد ينم عن مهارة الكاتب وقدرته على امتصاص الواقع، في قالب فني من وحي التأمل والخيال، لإثراء اللغة، ووضع لمسة من الجمال على بناء السرد..

و- الفلاش باك /الذاكرة لا تقتلها الصدمة

لقد كانت اللغة مطواعة بين يدي كاتبنا،استطاع التلاعب بها كيف شاء، فخلق منها مشاهد ساحرة، أنطقها بالمحلوم به وبالمأمول، ولم يكتف، بل تابع الإبحار بخياله السحري، لنسج صور في شريط سينمائي بكل عناصره، باستعادة ذكريات الأم وهي تحاور ابنتها المخطوفة..

(يالله باركا عليك من اللعب ...)

(خليني نلعب شوية عافاك) ص:54/55

وقد تكرر هذا المشهد في أغلب فصول الرواية، ليس من باب الحشو والإطناب، للمزيد من الصفحات، بغرض النفخ في حجم الرواية، وتفخيمها، وإنما هو جانب فني، الهدف منه تكسير للسرد المسترسل رتابته، وجعل فجوات دخيلة، تدب منها الحيوية في النص بخلق مشاهد وصفية، تدحرج على امتداد السرد لقطات من الذكرى، تخلخل نمط الحكي، لبعث الحركة في الرواية؛ كوقفات استراحة للقارئ، ليجدد نشاط القراءة، فيتابع ويستمتع ...

7- الخاتمة

صيغت الرواية بحبكة فنية عالية، حيث السارد العالم بكل شيء، رغم أنه ليس شخصية من شخوصها، يقتفي أثر الأحداث، ويسردها فاصلا بينها بوصلات حوارية، داخلية، أو علنية،أو باستعادة الذكريات ...والحمد لله خرجت بكامل قواي العقلية من عوالم الظواهر الإنسانية المزرية، التي كانت دوامتها تتقاذف بي، مشَكّلة من اختطاف التلاميذ من المدرسة، والسرقة والاغتصاب والقتل، وإهمال الصحة والتعليم، كرافعتين أساسيتين للتنمية البشرية والوطنية.. ساقني إليها فضولي عبر قنطرة (جراح غائرة) بحنكة ومراس صاحبها في حبكته السردية الفريدة، وتنوعه اللغوي المبهر، وأسلوبه الشيق في تركيب الأحداث وتصفيفها ..أتمنى من القراء أن يطلعوا عليها ...

 

مالكة عسال

...........................

المراجع

 - البناء الدرامي في رواية فضاء واسع كالحلم / د. سمر الديوب/صحيفة المثقف

- طبيعة الفكرة، وأنواع الأفكار/ الموقع الرسمي للدكتور عبد الله بن سالم باهمّم

- عتبات النص مقاربة نظرية/عبد المجيد علوي إسماعيلي /مجلة (دادس أنفو) الإلكترونية

- السرد الروائي ومكوناته وعناصره وخصائصه / مبحث لمالكة عسال

- إرادة الحياة /الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي

- جراح غائرة المبدع بوشعيب الإدريسي

 

 

الكبير الداديسيفي إطار الملتقى الوطني للحكاية الشعبية في طبعته الثانية الذي نظمته رابطة كاتبات المغرب فرع آسفي يومي الجمعة والسبت 8 و9 نونبر 2019 كانت الخطوط العريضة لهذا الموضوع، بعد قراءة الفنانة والمؤلفة زهور الزرييق لأحدى حكاياتها الشعبية، وكانت مداخلتي قراءة في تلك الحكاية...

وحتى تتوضح القراءة أكثر نقدم للقارئ نص الحكاية كما ألفتها صاحبتها على أن نضيئ بعض جوانب هذا النص حسب ما يسمح به المقام:

نص الحكاية:

(من بعد الصلاة والسلام على الحبيب أرى المداحة وما تجيب على السفينة الي باقى غدا بينا البحر زين واحنا باقين في التقداف راميين الشبكة والحوت من كل اصناف شابل ودرعي قرب وبوري كول لا تخاف السفينة اديالنا ولبحر عامر اغرف علاش قديتي لا تشاور وحنا متعين بالبحر والحوت حكاية اليوم ما تفوت

كان في واحد لقبيلة حاكم طاغي جبار المتعة عندو يتبارز مع كبار وصغار ملي كانت صحتو صحة وهو يصول ويجول عيا واشرف باقي بحالو مغرور ما خلى ما طيح من شبان لقبيلة شي تيغلبهم بالصح وشي ديرها حيلة يخافو يغلبوه يخويهم لبلاد ولا يسبب ليهم قتيلة

واحد المرة واحد الشاب عجباتو صحتو قال اليوم نتبارز مع الحاكم قدام قبيلتو يلى أنا قضيت عليه وغلبتو نحكم عليه يعطيني بلغتو ويرجع حفيان حت خيمتو باش نهبط ليه الراس ونطيح قيمتو تبارز هو وحاكم وسط لقبيلة وبداو في المعاركة وفي لقتيلة الشاب خرج من صحتو ما عندو وزاد فيه اكثر من حدو حلف حتى يغلب وغلب بجهدو الحاكم كان طاغي بقوتو الي في الارض تحتو والي في السما ما تفوتو حتى تسلط عليه هاذ الشاب خلى سيرتو مؤلفة في كتاب لقبيلة فرحات بهاذ الشاب ومن فرحتها سماتو غلاب حيث طيح الحاكم قدام الناس وهو الي كان يقول راسي ما بعدو راس كيف دار غلاب لحاكم لقبيلة؟ هزو في السما كيف نحيلة طاف بيه وخبطو وسط بحيرة ورفسو رفسة غير فيلة وحكرات نميلة الحاكم مرض في ديك الليلة قلبو تفرك وتحك نحاس بقى ماشي ماجي ما طاب ليه نعاس من بعد شوهتو قدام الناس واحلف واحلف حتى يكون انتقامو حار أمر باختطاف غلاب الليل قبل النهار غبرو ولا من جاب ليه خبار فعلا غلاب تخطف بقات لقبيلة مقهورة ما عندها ما تدير قدام الحاكم محكورة غلاب تسجن في قلعة بعيدة ومهجورة ما مجاوراها لا دواور لا دشورة في غابة تصعاب على سبوعة ونمورة الحاكم سد على غلاب باب القلعة مزيان وزيرو بسلاسل حديد مثان كان معاه غير جوج الحراس رجعو ما على مريضهم باس بقاو يسولو بحالهم بحال الناس وقولو فين غاب غلاب رافع للقبيلة الراس الناس تسول وتهاكم فين غبر غلاب الحاكم الي خلى مناخرو بالارض تتلاطم من بعد غُلب ظالم لكن الشاب بوحدو في القلعة كف المجنون يخبط ويتدابز، بلقفولة والسلاسل مسكون اليوم يخبط غدا يخبط بحال مدكة من خارج القلعة تسمع الدكة بحال الخيل الى كانت حاركة ولا ثيران ودخلو في معاركة نبال الحقرة في صدرو راشكة خرجها في السناسل وما لقى مفاكة الحراس بجوج كانو يتناوبو عليه يجيبو ليه الماكلة وما يطلو عليه غير من الثقب العالي الزاد يلحوه ليه تيخافو عينيهم تجي في عينيه حيث ولد الدشر وصحبت الصغر يخافو يتوسل ليهم ويطلبهم يحنو منو والعطف يغلبهم على ما ربي قالو لا عين شافت لا قلب وجع بغاها لراسو وقلب عليها الثمن يدفع بقاو على هاذ الحال يرميو القوت غير من الثقب وهو باقي يخبط ويضارب ومع السناسل مغالب حتى عيا واستسلم ويأس وقال عمري لا خرجت من هاذ الضص منين يجيني يا ربي مفرج يدير ليا من هاذ الباب مخرج من بعد ايام وسنين لحمو كاع طاب بالمدابزة والمصارعة مع حلان الباب اكلس للارض ما بقى قادر على عذاب قال تمارة على خاوي وأمل كذاب سلم في الامرو وقال هذا ما اكتاب وبقى مقابل غير القوت ياكل ويتسنى الموت بقى على هاذ الحال وداز شحال من عام وعام هو في القلعة بوحدو عيى بيه الحال وتقطع جهدو رجليه دماو وتنكلو كاع تحردو وهو يسكن في مكانو لا حراك ما بقى قاد على عكير ولمحاك فقد الامل في الحركة وقال هذا جهدي وبراكة في واحد النهار واحد من الحراس غبر ليه الأثار سول عليه الحاكم ما عطاوه خبار بقى غير حارس واحد هو الي تيتردد على القلعة دازت يام ودازت أعوام غلاب في القلعة بالحكام والحريس والقوت دوام واحد النهار شاعت لخبار الحاكم تيحتضر ظهر الحاس الي كان غابر يغثة مشى بغثة كان ظاهر تلقى بصاحبو ما خلى علاش سول على حاجة بحاجة ويعاود من الاول من هاذ الهضرة كلها، كان معول يعرف مصير غلاب، عليه مهول صبر حتى عيا عليه سول قال ليه صاحبو: غلاب باقي هو غلاب ولكن بقى يضعاف وينحال ينقص ويهزال ما بقيت تعرفو هو من لخيال في الحين نطق احارس الي كان غايب وقال ولكن أنا لاش غبرت حيث حليت عليه الباب وهربت خفت الحاكم يسيق لي لخبار يسجني معاه أو يقتلني بلا شوار قال ليه صحبو آش تتقول يا مجنون وغلاب باقي في القلعة مسجون ياك إما انت كذاب ولا مهلوس مسكون قال ليه لكلام الي تتسمع هو الي يكون رجلي على رجليك للقلعة تعرف الكذاب شكون بالزربة الحارس ركب على العود مشى تيسرع يتأكد من لكلام الي سمع وصلو القلعة دفع الباب هو يتشرع دار في غلاب كالس في القنت ينين يا اصكع الباب محلول من سنين وانت لاصق في الحيط كف الودنين غلاب تفزع وتخلع وقف كيف المدفع يصدق ما يصدق خبط على راسو ونطق آويلي وعلى شمتة وقولولي من إمت بقوة الارادة غلبت الحاكم بموت الارادة بحبسي كنت حاكم من بعد ما دقيت ودقيت كلست للأرض وقلت عييت يا ريت يا ريت ما خرجت مني كلمة عييت

وهكذا اسيادنا عرفنا بالعزيمة القوية والارادة المستمرة نقدرو نخلقو المعجزات وبموت الارادة اشحال من فرصة جات ومشات حيت الناس

بعد ماتحفر وتحفر تقول عيات ما تتعرفش بقى بنها وبين الما غير شي هبشات نوصيك يا انسان محدك في الدنيا العزيمة قوية والارادة حية محد

اروح تطلع وتهبط وانت تخبط وتخبط حتى تصادف يوم الحظ يمكن يجي باثنين يمكن يجي بالحد المهم جاي جاي بالسبت) انتهت الحكاية

مرفولوجية الحكاية:

على الرغم من الاهتمام المتزايد بالثقافة الشعبية بمختلف تجلياتها فلا زال البحث في الأدب الشعبي مجالا بكرا في حاجة إلى المزيد من الاهتمام جمعا تدوينا دراسة وتحليلا ولازالت معظم متونه بعيدة عن النقاد، والأكيد لو توفرت النصوص في مجاميع لصيغت نظريات حول مختلف الفنون الشعبية في المغرب، مثلما فعل فلاديمير بروب لما نظر شرقا وجد أمامه أفناسييف وقد جمع ما يربو على 600 حكاية، ولما التفت غربا ألفى الأخوين كريم قد جمعا حوالي 1200 نص حكائي ليصوغ قواعد وضوابط مروفولوجية الخرافة ونحن لا زلنا نتلمس الطريق للوصول لبعض النصوص المنفردة ولا زالت معظم غبداعاتنا الشعبية شفوية... ونأمل أن يكون ما سنقدم في هذا الملتقى لبنة تضاف إلى هذا صرح نقد الثقافة الشعبية.

في مقاربتنا لحكاية الأستاذة زهور الزرييق لن نحيد عما سنه الرادة الأوائل من نقاد الخرافة ونقصد هنا مجهودات كل من فلاديمير بروب خاصة في مؤلفه مورفولوجية الخرافة، واجتهادات كريماص وإضاءات لفي ستراوس وشعرية توتوروف وغيرهم ممن اهتموا بالثقافة الشعبية ....

لا أخفيكم سرا إذا قلت لكم أنني وجدت نفسي محاصرا بعدة أسئلة، وأول ما تبادر إلى ذهني عند توصلي بالدعوة وبوثيقة الحكاية هو خصوصية النص : أيمكن اعتبار هذا النص حكاية شعبية وفي الذاكرة تصورات ومسلمات عن مفهوم الحكاية الشعبية كمفهوم يضعنا أما عدد كبير من المسلمات والفرضيات منها:

- كون الشعبي من الثقافة لا يُعرف مبدعه وعادة يكون مصدره الشعب ومآله الشعب (كالنكتة، الخرافة، الحكاية، الأحجية والمثل) ونحن أمام نص إبداعي صاحبته معنا على المنصة نعرفها جيدا...

- الحكاية والثقافة الشعبية عامة مرتبطة بالقدامة وبسلف ينقل متونا للخلف (يحكيها العجائز للصبيان) هل يمكن أن نصف بالشعبي نصا آنيا طريا يانعا بالكاد ألفته صاحبته...؟

- أن الشعبي لا يطلق على كل ما أنتحه الشعب فقط ولكن على ما قبله تبناه وتناقله الشعب من حكايا، أساطير ـ ملاحم،فنون شعرية أوسردية، أشعار، أغاني وأقوال سائرة ـ أمثال، الحكم،ألغاز، ... وغيرها من الأشكال التعبيرية بوصفها مخزونا ثقافيا بانيا للهوية الاجتماعية على مر الفترات التاريخية.. والسؤال هل تناقل أحد هذه الحكاية منقبل؟

- أين يمكن موضعة النص في ثنائيات تفرض نفسها ما أن نسمع الثقافة الشعبية منها: الثقافة العالمة/ الثقافة الشعبية . الخاصة / العامة. التداول الكتابي/ التداول الشفوي . المحلي/ العالمي الإنساني. التقليدي/ المحدث...

- هذه الفرضيات وغيرها من الثنائيات التي تحتم علينا وضع النص خارج الثقافة الشعبية، فنحن أما نص مكتوب سهرت صاحبه الليالي من أجل ديباجته وصياغته في اختيار ألفاظه مما يبعده عن التداول الشفوي، ونحن أمام نص خاضع لضوابط والشعبي عادة ينزع نحو الانفلات من القيود والضوابط الرسمية التي ترسمها الخاصة ...

- أضف إلى ذلك أن ما يميز الثقافة الشعبية والحكاية جزء منها أكثر هو الاستمرارية والتواتر شفويا داخل مجموعة صغيرة (أسرة، فئة (مهنية، أثنية، دينية...) صغيرة أو كبيرة) ونكاد نجزم أن لا أحد سمع بهذا النص من قبل؟ وأن لا وجود لمجموعة أو فئة قد تناقلته في ما بينها....

هذه المسلمات والفرضيات تسمح للقارئ بإصدار أحكام مسبقة ووضع النص خارج الحكاية الشعبية، وخارج الثقافة الشعبية عامة، وكفنا الله عناء البحث والتقصي...

لكن والحق يقال إن هذه الفرضيات والتقابلات لا تقلل من شأن هذه الحكاية، ففيها من الاجتهاد ومن المؤشرات ما جعلها تتفوق على الكثير من الحكايات التي تحفظها العامة وتتناقلها منذ أزمان، في لغتها وفي رسائلها ومضامينها في بنائها،

لذلك وحتى لا نغرق في التنظير دعونا أيها الحضور نرمي بشباكنا في أقيانوس هذه الحكاية ونرى ما يمكن اصطياده مع الإشارة حيرتنا أين نوجه هذه الشباك أمام تعدد الجوانب التي يمكن أن نقارب من خلالها حكاية شعبية: يمكن دراستها من حيث: مضمونها/ بنيتها / أصولها/ وظائفها/ الثابت والمتغير فيها/ خصائصها النوعية / طريقة سردها (وكل ما يتعلق بالسرد من ضمير، رؤية، زمن ...) / شخصياتها/ العلاقات فيها/ لغتها وأسلوبها، الحوافز...

لذلك تكتفي هذه القراءة احتراما لخصوصية اللقاء، وسلطة الزمن ء ببعض الفلاشات والإضاءات حول مورفولوجية النص عسى أن نعطي للنص حقه ونكرم مبدعته دون مجاملة:

أولا: نصنف الحكاية منذ البداية ضمن خرافات العادات والقيم، فهي ليست خرافة عجائيبة / وليست خرافة على لسان الحيوان و...

ثانيا : النص حكاية وكل عمل حكائي يتضمن بالضرورة حكاية (الأحداث مضامين) وطريقة للحكي (سرد وكيفية الحكي) والأهم بالنسبة لنا هو سؤال الكيف لأن الحكاية الواحدة قد تحكى بطرق متعددة وتكون في طريقة أحسن منها في طريقة أخرى، فقط لأن (المعاني مطروحة في الطريق وإنما الشأن في تخير اللفظ وكثرة الماء وجودة السبك و..) على رأي الجاحظ.

ثالثا : إن المؤشرات الأولى في الحكاية تبين وجود ثوابت راسخة ومتغيرات تمردت على المألوف يتجلى بعضها في الجملة الأولى للحكاية: فقد اعتدنا في الحكايات تخلص السارد من المسؤولية، وإسناد الحكي للأوائل، فيغيب ضمير المتكلم وأن تبتدئ الحكاية بجمل مسكوكة (زعموا، يحكى، كان يامكان، قيل أو يقال، قالوا زمان، حدثنا عيسى بن هشام قال، بلغني أيها الملك السعيد..) مما يعفيه من مسؤولية محتمى المتن ويجعله مجردا مجرد ناقل (وناقل الكفر ليس كافرا) لكن الأساتذة زهور أثرت أن تضع حكايتها بين دفتين بضمير المتكلم الجمع نحن الذي حضر في الاستهلال (حنا، غدا بينا واحنا) والخاتمة (أسيادنا، عرفنا نقدرو نعرفو...) وهذا التوظيف له دلالته. (نحن جميعا نملك الحقيقة) ونتحمل مسؤولية ما نحكي... وكان الثابت سرد الحكاية بضمير الغائب حيث السارد متوار غير ظاهر يشعر القارئ وكأن الحكاية تروى لوحدها، مع تحكمه متحكم في خيوط اللعبة السردية وفي رقاب الشخصيات يقتل يبعد ويعذب من يشاء (ورأينا كيف رمى بغلاب في أتون السجن وتركه يتعذب)

ولعل أكثر الثوابت تحكما في مرفولوجية هذا النص معنى ومبنى هو الالتزام الحرفي قلبا وقالبا لوضعيات الخطاطة السرية (schema narratif) كما جاء في مشروع كريماص فكانت هذه الحكاية في بنائها مع مختلف الحكايات الشعبية الإنسانية بالتزامها بالوضعيات الخمس لتلك الخطاطة، فجاءت على الشكل التالي : :

1- الوضعية البدئية وفيها عادة يتم تقديم المكان، الزمان، الأحداث والشخصيات وتجيب على أسئلة من أين متى وماذا ؟ وهذا ما فعلته ذ.ة زهور في بداية حكايتها (كان في واحد لقبيلة حاكم طاغي جبار المتعة عندو يتبارز مع كبار وصغار ملي كانت صحتو صحة)

2- القوة المخلة للتوازن هدفها قلب وضعية البداية وإدخال تغيير على حالة ووضعية الشخصية تجيب على سؤال ما الذي سيحدث من المهدد وغالبا يتم التمهيد لها بمؤشر زماني : فجأة/ ذات يوم ... وهو هنا (واحد المرة واحد الشاب عجباتو صحتو)

3- وضعية اللاتوازن وهنا الحكاية تضع الشخصيات في وضعية صعبة تجبرها على البحث عن الحل وتحتم عليها تجريب ى كل المحاولات والوسائل للخروج من هذه الوضعية وتجيب على سؤال كيف ؟ فوجدنا الحاكم (مرض في ديك الليلة قلبو تفرك وتحك نحاس بقى ماشي ماجي ما طاب ليه نعاس..) وألفينا الشخصية الثانية (غلاب) (يخبط ويتدابز، بلقفولة والسلاسل مسكون اليوم يخبط غدا يخبط بحال مدكة) وتشكل هذه الوضعية مرحلة العقدة وتكون بؤرة الحكاية أكبر وضعية من حيث الحجم.

4- وضعية القوة المعيدة للتوازن وتشكل عنصر انفراج، كحدث جديد يظهر فجأة ليغير مجرى أحداث العقدة (واحد النهار شاعت لخبار الحاكم تيحتضر ظهر الحارس الي كان غابر في الحين... نطق احارس الي كان غايب وقال)

5- وضعية النهاية : نتيجة المحكي وخاتمته وتجيب عن سؤال كيف خلصت الشخصية نفسها؟

ينظاف إلى التزام حكاية ذ.ة زهور بتفاصيل الخطاطة السرية، التزامها بالعوامل ووظائفها في الحكاية فجاءت عوامل هذا النص نمطية وهي :

1- العامل الذات كقوة تتجه صوب موضوع معين مع تبادل فوجدنا (الشاب يصبو لكسر شوكة الحاكم / الحاكم يصبو للانتقام)

2- العامل الموضوع كقوة فاعلة مبحوث عنها وهي في النص (الانتقام / القوة / الحرية)

3- العمل المساعد كقوة تؤازر الذات للحصول على موضوعها (الحراس الذين سجنوا الشاب وآزروا الحاكم في تحقيق ما يصبو إليه)

4- العامل المعارض كقوة تسيء إلى الفعل وتعرقل مساره (الحارس الذي خلف الوعد)

5- العامل المرسل كقوة فاعلة لها القدرة على دفع الذات نحو الموضوع (الإرادة / العزيمة)

6- العامل المرسل إليه كقوة مستفيدة من تلك العملية.....

بعد هذه الإضاءات السريعة نخلص لعدد من الخلاصات أهمها:

- خضوع الحكاية لثلاث مراحل اساسية لا محيد عنها في كل حكاية، استهلت بحالة من الأمن والاستقرار ثم اضطراب ولا توازن فالنهاية، وهذا ما يؤكده “تودوروف” بقوله: “إنَّ القصَّة المثالية هي التي تبدأ بوضعية هادئة تجعلها قوة ما مضطربة ينتج عن ذلك حالة اضطراب ويعود التوازن بفعل قوة موجهة معاكسة 1 وأنه ما كانت لتتحرك القوى الفاعلة، وتتغير الوضعيات لولا وجود حوافز ودوافع المقصود بالحوافز كما عرفها “بروب” هي “أسباب وأهداف الشخصيات التي تجعلها تقوم بأفعال مختلفة 2 وكلكم تابعتم أهداف غلاب من مبارزة الحاكم، وأهداف الحاكم من سحن غلاب

- أن بنية الخرافة بنية مسكوكة أنه قد تتبدل الشخصيات، الأمكنة/ الأزمنة في الخرافة لكن الوضعيات /الأفعال / الوظائف تبقى تابثة مما يجعل الخرافة تسند أفعالا متشابهة لشخصيات متباينة، فشخصيات الخرافة تنجز في الغالب نفس الأفعال وإن تغيرت الوسيلة والطريقة ومن تم يصبح السؤال المهم في الخرافة هو ماذا تفعل الشخصية ؟ أما من قام بالفعل؟ وكيف قام به؟ فأسئلة ثانوية.. لأن المهم من الخرافة هو الرسالة (Message) ورسالة هذا النص تكاد تشكل اليوم محور عدد من العلوم الإنسانية رفض السلبية، التخلص من الشحنات السالبة الإصرار العزيمة وعدم الاستسلام فالكثير من الناس (تقول عيات وماتعرقش بأن بينها وبين الماء غير هبشات)

- كون حكاية غلاب حكاية بسيطة البساطة هنا ليست حكم قيمة، وإنما غير مركبة خالية من التضمين وتناسل الحكايات، ووجود حكايات ضمن الحكاية الأم.

- بداية الحكاية كانت ديناميكية تضع القارئ مباشرة في قلب الحدث دون إغراق في وصف الفضاء الزمكاني أو الشخصيات

- نهاية فلسفية هدفها تقديم العبرة تتجاوز النهايات التقليدية في الحكاية (سعيدة / تعيسة/ حدث مفاجئ / غياب الخاتمة)

- خضوع الحكاية وصياغتها وفق تسلسل زمني تصاعدي للأحداث، لا حضور فيه للإرجاعيات،ولا تكسير للسرد بمشاهد حوارية أو مقاطع وصفية...

- تطور الأحداث وفق تسلسل منطقي، لا مفاجآت في مسار الأحداث مما يجعل كل حدث داخل هذه الخرافة يكون حافزا لحدث قادم...

- غياب العجائبي والعجائبي في هذه الحكاية فقد ظلت القوى الفاعلة المحركة لأحداث الحكاية في حدود الشخصيات الإنسانية (لا حضور لكائنات غريبة) أفعالها عادية لا تأسطر للشخصيات لا تأسطر للأمكنة أحداثها يمكن تصورها بالعقل ويمكن وقوعها في الواقع لا غلو ولا إيغال.

هكذا أخيرا يكون لهذه الحكاية بعد جمالي قيمي تربوي التزمت فيها كاتبتها بضوابط الحكاية الشعبية كما هي متعارف عليها عالميا مع وجود لمسات تفردها قد تتفوق بها على غيرها من الحكايات من حضور الذات في البداية والنهاية، وتوظيف لغة حبلى بالمحسنات البديعية، قائمة على الإسراف في توظيف البديع من جناس وطباق ومقابلة، وسجع وحسن تقطيع الجمل وتعادلها نحويا وتركيبيا إضافة إلى تناصها مع العديد من الحكايات الوطنية والعالمية التي تتقاطع معها في نفس التيمة وموضوع ولنا عودة في مقال قادم لمقاربة تناص هذه الحكاية مع غيرها من النصوص، واستنطاق النصوص الحاضرة فيها من خلال الغياب ...

 

ذ. الكبير الداديسي

....................

1 - الشعرية، تزفيطان طودوروف، ترجمة: شكري مخبوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، المغرب، ط02، 1990م ص68.

2 - ص 152

 

"لك التوأمان، لك النثر والشعر يتّحدان، وأنت" محمود درويش.

تجمع الشاعرة صليحة نعيجة بين الشعر والنثر. فلا غرابة أن يجتمع  لمولود الجوزاء من كل جنس إثنان.

 مواليد الجوزاء يسيرون في الحياة وفق " نظام التوائم" أي أنّه تنتظم عندهم الأشياء مثنى مثنى سواء في تفكيرهم أو في شعورهم.

بلاشك أنّ أقوى الصور التي يمكن أن تعبّر عن هذه الثنائية هي صورة الأم وابنتها وهذا النص" تداعيات امرأة منتقمة" شاهد. فضمن حوار تتفاعل فيه الشاعرة مع أمها ينشأ نظام ثنائي يقترن في أثر فني لإنتاج نص مضاعف. معنى هذا أن ردود الأفعال في الحوار تعدّد النص. النص الواحد يثنّى، يصير نصّين.

ليست هذه قراءة تأويلية أو تأمّلية إنّما تصوّر خاص لتبيين تأثير نظام التوائم على نصوص مبدعة من برج الجوزاء.

نظام التوائم مفهوم أقترحه لقراءة نص مختار لشاعرة لها طموح إنساني نحو الكمال ترومه بحكم برج الجوزاء من تلقاء ذاتها لكنّها ودائما بتأثير برج الجوزاء لا يمكن تكملته إلّا وفق نظام التوائم فيتحدّد بذلك وباختيارها، " المُفَضَّل" من الناس عندها ليتم الفعل الكامل / النص الفني. فكانت الأم. الشاهد قولها : علّمتني أمّي.

الجوزاء عند العرب هي التوأمان. الجوزاء في النظام، الثنائية والمثنى والمثنّى.

ونقول امرأة مجزّأة التي تلد الإناث. كأن نظام التوائم في الجوزاء يختص فقط بجنس الأنثى. ومن هنا كان نص امرأة منتقمة لصليحة نعيجة نموذجا لهذا ( الأم وابنتها).

الجوزاء تعني النظام.  ومنه نطاق الجوزاء الذي يضرب به المثل في الانتظام.

أجزأ بمعنى أغنى. الذي يكفي الحاجة. ومولود الجوزاء من خصائصه البحث دائما عمّا يكفيه حاجاته. فلديه شعور بافتقاد حاجة ما لابد عليه أن يلبيها.

ولأن مواليد الجوزاء من فصل الربيع فيشملهم المثل العربي القائل تمام الربيع الصيف. مثل الأزهار لا تبلغ أوّجها إلا مع بداية الصيف. وهكذا هم لا يبلغون كمالهم إلا بالآخر.

لكن حذار يا جوزاء، فكل كمال زوال ، موت أو ضياع.

ويحضرني أيضا المثل العربي الشهيرالذي يقول: الصيف ضيّعت اللبن. للتعبير هنا عن ارتباط المعنى السابق باللبن / الحليب. لأشير من خلاله إلى ارتباط نظام التوائم عند الجوزاء بالحليب ومنه بالأنثى ومنه لإلزام حضور نص محمود درويش: حليب إنانا. لمقارنة نص الشاعرة صليحة نعيجة به. فإني أجد تخاطرا كبيرا بينهما ربما لارتباط القصيدة الحديثة بالأسطورة. وأجد نظام التوائم يحضر بقوة في نص حليب إنانا .

لتناول نص الشاعرة في ضوء هذا المعنى ، أقيم دراستي على جمالية التواصل بين الشاعرة ووالدتها والتفاعل بينهما في حنان ورحمة. فما يعنيني هنا هو التكامل وليس الانقسام. الاتحاد الفكري والتلازم العاطفي بحيث لا توجد مفاضلة لواحدة منهما على الأخرى.

إذاً، ما مظاهر نظام التوائم في نص " تداعيات امرأة منتقمة" ؟

أتجاوز إلى حين  العنوان ومباشرة إلى عبارتها من النص " أيتها التحفة المزدوجة". فمن الجوزاء الازدواجية .  ونخطئ لو عنينا بها التناقض. بل هي من الجوز. وتعني وسط كل شيء. أمّا الازدواجية في دراسة اضطراب الشخصية فمن اللغة الفارسية  " جوز".

ومن الازدواجية المقارنة. ومن المقارنة القرين. ويأتي على معناه قول الشاعرة " يا قرين القلاع الشامخة ".

فبعد إثبات حضور نظام التوائم (الجوزاء) في النص نعود إلى العتبة لتنضيد رؤيتي بما هو متعارف عليه في النقد.

" تداعيات امرأة منتقمة". منتقمة من الانتقام. ومعناه في نص الشاعرة نستخلصه من استهلالها : نقاط الحسبلة علّمتني الانتقام. فانتقامها مثل انتقام الله ، مضاعف. يقول تعالى : " ... يضاعف له العذاب يوم القيامة"  آية 69 من سورة الفرقان . والانتقام قصاص.

 الضعف يدخل في النظام الثنائي / التوائم. ويقترب من هذا قول محمود درويش في حليب إنانا: أفعال ثانية ما فعلت؟

وهكذا ينمو النص وفق النظام المحتكم إليه في القراءة.

ندخل الحوار الذي سبق وأن قلنا عنه أنه يضعّف النص فيصير نصّين. وهو مقتطع من النص.

-هل أنا خراب يا أمي؟

-بنفسجة أنت يا بنيتي

-لأني امرأة يا أمّاه؟

-صه ، صه يا ابنتي

-أشمّ رائحة الموت يا أمي

-مالك تذكرين الموت كثيرا يا ابنتي؟

-الموت أهون يا أمّاه

ثم لا رد فينتهي الحوارعند قطع الشاعرة الخطاب.

بالطبع لن يكون ردّ حتى لا تكمل الجوزاء فكل اكتمال موت. مثل اسطورة التوأمان في الميثولوجيا اليونانية القديمة " كاستور و بوليديوكس".

فلماذا الربط بالأسطورة ؟  لاحتوائها على الثنائيات من نوع حرب، حب/ خلود ، موت/ سماء ، أرض/....،.... شمس ، مطر/ .....

في نص الشاعرة صليحة يمكن اختيار ثنائيات عامة مثل : نرجس وسوسن/ سؤال واحتمال/ خداع ورياء/ قضاء وقدر / ظل وشعاع/ شعر ورقص. وثنائيات نحوية مثل التوكيد اللفظي (التكرار) مثل إسم فعل الأمر  صه، صه. وثنائيات بلاغية من نوع الطباق مثل هنا وهناك/ رجل وامرأة/ خلود واندثار/ وجه وظهر/ . ومن نوع الجناس الناقص مثل كأس وفأس/ شمس ورمس. وثنائيات حسيّة من نوع المثنى مثل عينيها ، الحاجبين.

بالمقابل  يزخر أيضا نص محمود درويش بثنائيات متنوعة.

نظام التوائم المختص بالمؤنث يظهر في نص صليحة ابتداء من العنوان "امرأة منتقمة" وقد وضّحت كيف يدخل الانتقام ضمن هذا النظام.

مدينة النرجس والسوسن، تحفة مزدوجة ، بنيّتي / أمّاه، رضيع الحب.

خلفي رضيع الحب. الرضاعة ترتبط بالحليب

الكره امرأة ، الموت امرأة ، الظلم امرأة الحرب امرأة..... المرأة / أنثى

في نص درويش يبرز  النظام غنيا جدا وابتداء أيضا من العنوان " حليب إنانا".

الحليب، لارتباطه بالأنثى والأنثى ترتبط بنظام التوائم. ولارتباط الحليب باكتمال الجوزاء في فصل الصيف كما سبق تبيينه.

إنانا، هي رمز لأغلب الصفات الأنثوية ، وهي إلهة الثنائيات خاصة الحب والحرب، فإنانا لها ثنائية الجوانب السلبية والإيجابية معا للحضارة.

إنانا أيضا لها أخ توأم هو أوتو المعروف برب الشمس. وهي ربّة القمر.

ضمير المخاطبة.

الأسطورة

 الانتقام أيضا كما في نص صليحة يقول درويش: سأستل هذه الغزالة... وأطعن نفسي بها. 

**

في نص الشاعرة صليحة نعيجة تناص جميل وعميق بنص محمود درويش .  كأن فيه تخاطرا عجيبا. فوجبت الإشارة هنا إلى أن مولود الجوزاء يتميّز بتواصل غرائبي ليظل دائما على اتصال بالكون إذا لم يجد في الحقيقة موضوعا لتواصله. فكيف يمكن تحديد مواطن التناص وفق هذه الرؤية؟

يبدو جليا هنا تناص أسطوري بين الشاعرة وإنانا الأسطورة. فإنانا كائن سماوي يبحث له عن مكان في الأرض كأنها لا تكتمل إلا بلمسة ترابية . وهكذا هي الجوزاء أيضا. ففي الأسطورة تكتمل إنانا بشقيقتها الكبرى إريشكيجال ملكة الأرض/ العالم السفلي. والشاعرة صليحة تكتمل بأمها . فمن هنا تكون الشاعرة برؤيتها العجائبية هي إنانا. وتستحضرها معنى أقرأه في قولها: على صدر الجفاء أنثى قدري. تجتاح مخيّلتي. خطاها الرتيبة على الأرض.

يبرز هذا التناص جليا إذا وضعنا النصين جنبا إلى جنب أسطورة إنانا.

تقول الشاعرة : العرس،ابتسم القدر، وتأتي امرأة تسرق فرحتي .

في الأسطورة ، امرأة العصابات ببلولو سرقت فرحة إنانا. قتلت زوجها تموز

فإذا كانت إنانا قد قتلت امرأة العصابات قصاصا فالشاعرة ستقتص أيضا ولكنها بطريقة إيمانية " الحسبلة".

إنّه تناص عجيب بالقدر  فهل تعيش بعض الأرواح الأقدار نفسها في أرواح أخرى؟

لكن نص درويش حليب إنانا ، يقدّم فرحا بديلا لإنانا فلماذا لا يكون لصليحة مثله؟ يقول درويش:

لنكمل هذا الزفاف المقدّس، نكمله يا ابنة القمر.

*

بعد أن رأينا صور نظام التوائم في النصين لابد من طرح أسئلة . فالجوزاء وبحكم نظام التوائم تحتاج لجزئها المكمّل والشاعرة وجدته في أمها ، وأنا أبحث عن التكامل بين الجزأين في الجوزاء فهل  تحقق هذا الطموح؟

أجل ، وبدءا من  تصريح الشاعرة : علّمتني أمي.

وقد سألت إن كان تأثير الواحدة على الأخرى مسيطرا؟ فبدا لي أن الشاعرة رغم حاجتها لوالدتها تكملها فإنها تملك زمام أمورها . ففي آخر النص تقرّر وتفصل بأحكامها فتقول : الموت امرأة والحرب امرأة و.... إلخ

فهل يمكن أن توجد خصومة بين الجزأين؟ من النص تبدو الشاعرة في توافق عاطفي مع أمها . وفاق نفسي تام واتّصال من رحمة وحنان. يظهر هذا في الضميرالمتّصل / أمّاه، ابنتي. وفي توظيف أسلوب النداء.

ويبدو في السلوك الذي تمليه الأم على ابنتها في قولها : بنفسجة أنت.

*

لا يمكن بالرغم من الالتزام بموضوع القراءة " نظام التوائم في نص تداعيات امرأة منتقمة" للشاعرة صليحة نعيجة، ألّا نلتفت للجانب الجمالي فيه. فقد كانت تنتقل في حدائق بين الكلمات ، تتبع نداء القلب لتمنح قارئها الاستمتاع وتزوّده بثقافة إنسانية . فقد طرحت قضية متوقّدة موضوعها " اختطاف الفرحة" وهذه معاناة لا تخطئها النفوس البشرية. قضيّة ناقشتها الشاعرة بعظمة وحكمة فكانت فنّانة في عرض شخصيتها وهذا ما جذبني في النص. ورغم حرصها على إبداء الجانب الفكري الصارم فقد شعرتها تبكي في حزن وفي سحر إنساني بليغ .

عموما ، تعدّدت صور نظام التوائم في نص الشاعرة  وهذا لصلته بالجانب النفسي للمبدعة وقد ظهرت مستوياته في اللغة والأسلوب والسلوك داخل النص وهذا ما استدعى قراءة ثنائية أيضا وأقصد مقارنته بنص درويش " حليب إنانا".

إنها قراءة جديدة فهل أمكنها الكشف عن هذا النظام؟ يمكن تجميع مساحات أخرى واسعة لدراسة هذا النظام وأبنية نصيّة لتمكينه معيارا للقراءة الأدبية مع أنه لا يمكنني أبدا أن أدّعي بأنه معيار قائم في الدراسات النفسية. فما هو إذاً موقف النفساني؟ هو بالتأكيد مظهر صحي جدا ما وصلت إليه مادام النظام قد استقام بين الأصل والفرع / الأم وابنتها. فيمكن تجريبه في ثنائيات أخرى.

ويمكن اعتماده في الدراسات الأدبية لالتزام الأدب بالمشاعر ومن مزايا هذا النظام إبراز المشاعر واستلالها من النص مهما غمّت علينا. وأهمية هذا أنّه يكون بالإمكان تنمية مشاعر الحب والصلات العميقة وتحفيز أعضاء الحس للوصول إلى تناغم روحي تام.

لكن للأسف ، نظام التوائم يمكن هدمه بسهولة. فعند إحساس الجوزاء بفائض الحاجة فإنها تقطع عديد العلاقات وقد تبقى لفترات طويلة تفتقد جزئها المكمّل من جراء هذا. تبقى محمومة مثل شمعة  تماما مثلما وصفها محمود درويش في نهاية نص حليب إنانا حيث يقول:

أَنتِ المُصَابِة بالأنفلونزا

أَقولُ : خُذي حَبَّتيْ أسبرين

ليهدأ فيك حليب إنانا

والخطر في تعرض الجزءين من الجوزاء إلى خيبة . فيكون عندئذ على الجوزاء معرفة مكانها بالتحديد من الأرض. ( التواضع) وهذا ما يبرّره قول محمود درويش:

لنكمل هذا الزفاف ، هنا في المكان الذي نزّلته يداك على طرف الأرض ، من شرفة الجنة الآفلة.

ويقابلة من نص صليحة نعيجة اعترافها:

أحنّ يا أماه إلى تربة تحضنني ، أريد أن أحتمي بظل الإله.

**

خلاصة، كانت هذه قراءة محكومة بنص واحد لكنه ساعد في إسقاط موضوع القراءة عليه.

الشاعرة صليحة نعيجة من بين كل الشاعرات كانت منفردة في إسقاط برجها الجوزاء سلوكا داخل الكتابة ووضعت لنفسها مكانة أثيرة تتحرّك فيها لغويا وتصوّرا وتعبيرا فتكشف أن ّ ما يصلها بالشعر هو نزعاتها الشخصية نحو الكمال.

من هنا ، فإنّ القراءة تملأ فقط بعض الفراغات التي تجاوزتها الشاعرة .

يقول محمود درويش: سيطلع من عتمتي قمر . وأرى أن ّ هذا القمر هو إنانا العصرية / الشاعرة صليحة نعيجة.

وأستدعي لنفسي مثال الشاعرة أنخيدو أنّا  وأستعير منها نصّها " تمجيد إنانا" لأحيّي صليحة.

تقول الشاعرة السومرية أنخيدو أنّا (بتصرّف):

أيتها الشاهقة يا إنانا السماء والأرض

 التي نطقت بالكلمات المقدّسة

ياملكة الملكات العظيمات

يا من أصبحت أعظم من أمّك التي أنجبتك

عارفة وحكيمة

لقد نطقتُ بأغنيتي أمامك حسب ما يناسب موهبتك

أنا أنخيدو أنّا

لكن الآن،

كلّ ما أعطاني المتعة تحوّل إلى غبار.

***

 بقلمي / إلهام بورابة

 

وفاء شهاب الدينثمانون عامًا أو يزيد فاصلة بين زمن النائب توفيق الحكيم والمحقق أشرف العشماوي، في عام 1933 كتب الحكيم يومياته البديعة الفاتنة الشهيرة ونشرها عام 1939 بعدما استقال من وظيفته بينما العشماوي كتب رواية محكمة محبوكة صادمة وهو لا يزال في عمله وإن كان جعل زمنها أيام مبارك ليمرر نشرها بسلام، المقارنة ليست عن مَن منهما الأجرأ إنما اللافت أن الحكيم لم يقصد رواية بالمعنى المتعارف عليه في وقته بقدر ما كان رصدًا لحالات مرت أمامه ونقلها كما هي بأسلوبه الفاتن الشاعري، لكن الحكيم بدا وكأنه مستشرق يكتب عن مجتمع غريب عنه يراه بتعال ومن بعيد، بينما العشماوي انغمس بداخله لدرجة الانصهار وتوارى خلف شخصياته المتخيلة والمرسومة ببراعة وعبقرية خصوصًا شخصيتي رمسيس ونبوي الديب رغم ظهورهما القليل لكن حضورهما كان مدويا كل مرة،  العشماوي اختار لفكرته قالب الرواية بالمعنى الكلاسيكي الذي يبرع فيه ويُخلص له، وإن كان استعمل الحداثة في أسلوب السرد المعتمد على تبادل الأصوات بين بطلي الرواية نادر كمال وهدى حبيب كعادته في رواياته الثلاث الأخيرة ولم يخل أسلوبه من شاعرية وابداع، في ظني أن بيت القبطية علامة فارقة في مسيرة العشماوي الأدبية – رغم جودة وتميز رواياته الأربعة الأخيرة - ليست لأن القبطية محاكاة لتجربته العملية كوكيل للنائب العام أو قاض إنما لقدرته على خلق عوالم تبدو حقيقية للغاية من خلال خيوط عريضة عادية لقضايا مرت به مثل قضية سرقة طاووس حديقة الحيوان أو أحداث الكشح عام 2000، أو قرأ عنها كعادته في البحث الدؤوب قبل الكتابة لينسجها بهذه البراعة على شكل رواية محكمة تحمل من الدراما والصراع ما تحمله روايات عالمية من العيار الثقيل، هذه رواية مُحملة بالأسئلة شأن أعظم الأعمال الفنية التي تقوم على الدهشة ثم التساؤل ثم إلقاء كرة النار تلك في عقل القارئ لتتركه فريسة للتفكير والتدبير في حاله، هل يظل كما النعامة يدفن رأسه بالرمال أم ينتفض كأسد هصور ضد الجهل والتخلف والخرافات، الاجابة مفتوحة مثل نهايات غالبية روايات العشماوي .

أسئلة العدل والمساواة والتعصب والفتنة والقهر ومدى تحكم القبضة الأمنية في مجريات حياة أهل قرية الطايعة أو "التايهة " كما وصفها العشماوي على لسان أبطاله ساخرا، وهو أجاد في ذلك لدرجة الامتياز، هذه الأسئلة لن تجد لها إجابة شافية بالرواية بل ستدفعك لمزيد من الأسئلة التي ستتدفق على عقلك وتنهمر فوق رأسك بعد أن تطوي الصفحة 239 الأخيرة من هذه الرواية الدسمة، وربما يحدث لك مثلي ألا تستطيع تذوق روايات أخرى بعدها بسهولة .

لا أميل لصف القائلين بأن بيت القبطية معارضة ليوميات نائب في الارياف أو تشكل تماسا معها، وفي ظني أنها تحية ذكية من التلميذ لأستاذه وإشارة أدبية بأن لا شئ تغير وهذه أقوى رسائل الرواية في تقديري، وهي الرسالة التي تخيف بحق وتقلق بشأن مستقبل أمة في القرن الواحد والعشرين ولا زالت ترى غير المسلمين كفارا ؟!  ولا أنحاز أيضا لمن وصفوا الرواية بأنها تجربة شخصية للعشماوي فدونها بسهولة، فالمعلوم عنه أنه لم يعمل سوى بالمنطقة المركزية فقط طوال خدمته بالنيابة العامة على مدار عشرون عاما، سواء بنيابات الجيزة أو مكتب النائب العام بدار القضاء العالي وكان مختصًا بقضايا الفساد والجاسوسية وقضايا الصحافة أو الرأي ومعلوم سجله الناصع في هذا المجال تحديدا رغم أنه لم يكن قد نشر حرفا بعد وقتها، وأرشيف الجرائد خير شاهد على سجله القضائي المشرف، لكني أعتقد أن العشماوي الذي يحمل عين كاميرا تلتقط أدق التفاصيل استلهم من خياله قضايا غيره وبنى عليها عوالم متخيلة مستخدما قدراته الفذة التي لا ينافسه فيها أحد على الساحة الروائية الآن في الحكي الذي يدفع بالحدث للأمام، يحكي لك ببراعة كل شئ من خلال حركة أبطاله وتفصيلات صغيرة تظن أنها بلا فائدة لكن لاشئ مجاني في روايات العشماوي، وهي مهارة يفتقدها كثير من الروائيين العرب للأسف بينما العشماوي يجيدها بصورة منقطعة النظير وهو في ذلك السهل الممتنع بحق من بين أبناء جيله.

رواية بيت القبطية ليست رواية عادية وفي ظني أنها ستحقق دويا هائلا خلال الشهور القادمة مثلما سبقتها يعقوبيان عام 2003 وعزازيل عام 2009 . فالعشماوي هو أحد الروائيين العرب القلائل الذين يجيدون التشويق والجذب مع الحفاظ على العمق والبعد الأدبي وتلك الميزة التي يتمتع بها هذا الروائي القادم من صندوق القضاء المتحفظ نوعا ما إلى ساحة الأدب الرحبة والتي وجد نفسه بها جعلته يتربع على عرش النجومية منذ رواية البارمان وحتى الآن بجدارة، ست سنوات وهو الأكثر مبيعًا، حصد جوائز مهمة وترجمت بعض أعماله لعدة لغات، ونال احتراما واهتماما واسعا من كبار النقاد والكتاب لما يكتبه وله جمهور عريض متعطش لأعماله.

في رأيي أن بيت القبطية رواية كتبت لأمرين أولهما ناقوس خطر ينبهنا من الغفلة كي لا نعتاد على الدم والفتنة فنتبلد والأمر الثاني لتعيش هذه التحفة الأدبية للأبد كواحدة من أفضل الروايات العربية التي صدرت في الخمسين عاما الأخيرة وأظن أنها ستعيش خمسون أخرى على أقل تقدير وهي على القمة أيضا بعدما كتب العشماوي الخلود لهذه المرأة القبطية التي ماتت منا لأنها فقط أرادت الحياة.

 

وفاء شهاب الدين

 

1235  سعاد الناصركتبت الأديبة المغربية الدكتورة سعاد الناصر في أجناس تعبيرية وقضايا معرفية متعددة، وصدرت لها أعمال شعرية، وقصصية، ونقدية، إضافة إلى دراسات أدبية، ومقالات، وأعمال في التحقيق.

وقد كان القراء على موعد معها في الآونة الأخيرة في جنس أدبي لم تطرقه من قبل، هو جنس الرواية، إذ أقدمت على إصدار عملها الروائي الأول "كأنها ظلة" الصادر هذا العام(1).

وليس مراد هذه الورقة الاقتراب من جل ما تطرحه هذه الرواية من القضايا والأفكار، وإنما المبتغى الحديث في أمر واحد هو حضور الاختيارات الفكرية والاجتهادات النقدية للدكتورة سعاد الناصر داخل عملها الروائي. وبعبارة مغايرة متسائلة: هل يمكن الفصل بين سعاد الناصر الروائية وبين سعاد الناصر الناقدة والمفكرة؟ هل تنفك الكتابة الروائية عند أم سلمى عن كتاباتها النقدية والفكرية؟ هذا هو السؤال الذي تسعى هذه الورقة للإجابة عنه.

في المتن الحكائي

تحكي هذه الرواية قصة محامية متمرنة اسمها أندلس تعرّض خطيبها الأستاذ الطيب للاعتقال والسجن ظلما، إذ لُفّقت له تهمة اغتصاب تلميذته نجوى وصدمها بالسيارة.

 حُكم على الطيب بالحبس عشر سنوات، وفي السجن عاش فصلا جديدا من المعاناة بعد معاناته في مخفر الشرطة أثناء التحقيق معه. لكن خطيبته أندلس ظلت مقتنعة ببراءته، فانطلقت تقوم بمحاولات وأبحاث عديدة بمساعدة أبيها إلى أن تمكنت من فتح التحقيق في القضية مجددا حين ساعدها نائب جديد (وكيل للملك) تعاطف معها لأنه كان يقرأ مقالات الطيب الأسبوعية على صفحات جريدة "البنيان المرصوص" «وكثيرا ما شك في أنها قضية لتصفية حساب لسان طويل آن له أن يُقصّ»(2).

«أُطلق سراح الطيب بعد أن تقدم النائب إلى المحكمة بفتح قضية تتعلق بمجموعة من رجال الأمن تورطوا في عدد من الرشاوي، من جملتهم الضابط الذي تولى أول مرة التحقيق معه [الطيب]، واستطاع [النائب] أن يتوصل إلى كشف تزوير الخط»(3) في توقيع محضر نُسب فيه إلى الطيب ما لم يفعله من أعمال إجرامية.

هكذا تجدد اللقاء بين أندلس والطيب، واجتمعا في بيت الزوجية بعدما باعد بينهما الظلم مدةً من الزمن.

هذا تلخيص موجز لأهم معالم الرواية، مخلّ – دون شك – بمضامينها، غيرُ ملمّ بكل ما تناقشه من قضايا بالغة الأهمية كقضية «الحريات وغياب العدالة الاجتماعية والسياسية»(4).

قضايا فكرية ورؤى نقدية داخل الرواية

1- قضية الإنسان لا قضية المرأة

من أهم ما يثير الانتباه عند قراءة هذه الرواية أن المرأة فيها لا تشتغل بقضية المرأة، بل تشتغل بقضية أكبر وأهم، فبطلة الرواية (أندلس) تهتم منذ بدايات الرواية إلى نهايتها بالظلم الذي يقع على الناس، فتتساءل عن سبب الظلم، وتفكر في طريقة لرفعه، وتتواصل مع بعض الذين كانوا سببا في ظلم خطيبها الطيب، وتحاول إقناعهم بالاعتراف بالحقيقة لإنصافه، وتجمع قرائن جديدة، وتطالب بإعادة محاكمته..

إننا في هذه الرواية أمام صورة لامرأة مغايرة لصورة المرأة في كثير من الروايات النسائية العربية. نحن أمام امرأة تتبنى قضايا الآخر وتدافع عنها، ولا تنكفئ على ذاتها وهمومها الفردية.

نعم قد يذهب بعض القراء إلى أن دفاعَ أندلس عن الطيب ليس دفاع امرأة عن الآخر، ولكنه دفاعُ امرأة عن نفسها وعن سعادتها التي أفسدها عليها ظلمُ شريك لها في الحياة، وأنها لولا هذه الشراكة العاطفية والوجدانية لما اهتمت باعتقال الرجل وحبسه.

لكن إنعام النظر في الرواية كلها، وربط أولها بآخرها، والبحث في دواعي دفاع أندلس عن الطيب يؤكد خلاف ما تستنتجه تلك القراءة العجلى. تقول أندلس وهي تفكر في الطيب: «انتابتني الحيْرة، كيف سأصبح قوية؟ كيف والحزن يتشبث بصدري..وهذا الظلم الساري في كل ركن من أركان هذا الوطن لا يرحم..

صور عديدة كانت تنثال على ذاكرتي، تُبرز أن الطيب ليس حالة فريدة، وإنما هي حالات متعددة، تتكرر وتتنوع مظاهرها، فكم من أسرة مكلومة اتُّهم وليُّها، وغُيّب في السجن دون أي محاكمة تذكر، وكم من شاب اختُطف ولم تعد أسرته تعلم عنه شيئا، ولا يجمع بين هذه الحالات وغيرها سوى كلمة حق قيلت في زمن الظلم»(5).

إنه وعي بقضية وطن كامل، وليس وعيا بقضية فردية. وقد بقي هذا الوعي مصاحبا لأندلس حتى أواخر الرواية، إذ بعدما أفرج عن الطيب، واجتمعت به في بيت الزوجية، ولاحظت آثار التعذيب على نفسه ألفيناها تقول مرة أخرى: «يوما بعد يوم تيقنتُ أكثر أن قضية الطيب لم تنته، وأنها لم تكن أبدا قضية شخصية، بل هي قضية الآلاف من المظلومين الذين انزووا في الصمت دون أن ينتبه إليهم أحد..»(6).

واضح إذن من المقطعين النصيين المتباعدين (ص79 / ص209) أننا أمام امرأة لا تفكر في قضية المرأة، بل تخرج من هذا النفق الضيق إلى أفق رحب، فتفكر في "الآلاف من المظلومين" وفي "الظلم الساري في كل أركان الوطن"، وتَعي وعيا راسخا أن بين المظلومين قاسما مشتركا هو أنهم قالوا "كلمة حق في زمن الظلم" على نحو ما جاء على لسان أندلس.

والواقع أن هذا الوعي النسائي الذي عبرت عنه أندلس، داخل الرواية، لا يختلف في شيء عما عبرت عنه المؤلفة الدكتورة سعاد الناصر في عدد من أعمالها الفكرية ككتابها "بوح الأنوثة"(7) الذي عارضت فيه بصدق وشجاعة ما تطرحه أغلب الحركات النسوية بخصوص قضية المرأة، فوصفت هذه القضية بأنها «لا تطفو على سطح الوجود المتصابي إلا لاعتبارات سياسية أو مناسباتية»(8) وتحدثت عن «مبالغة في المعاناة النسوية من جهة، وهروب من الهموم الحقيقية من جهة ثانية»(9).

كما تساءلت أستاذتنا بشجاعة وأجابت بصراحة في هذا الكتاب قائلة: «لماذا هناك قضية للمرأة وليست هناك قضية للرجل؟ كثيرا ما يثيرني هذا التساؤل ويشعل في أعماقي لهيبا من ثورة مضمرة ومغيّبة في الواقع اليومي، فيفتح شهيتي للكلام المباح وغير المباح، الكلام المنطوق والمسكوت عنه، خاصة حين ألمس الرجل بجانبي ومعي يتخبط  في مستنقعات عدة، ابتداء من الجهل إلى الاستبداد العام، إلى الركض الأعمى وراء لقمة الخبز..»(10). إن القضية في رأي أستاذتنا «أعمق من أن تكون قضية المرأة، وإنما هي قضية الإنسان»(11)، وهذا ما عبرت عنه أندلس في الرواية حين ربطت قضية سَجن الطيب "بالظلم الساري في كل ركن من أركان الوطن" ولم تجعلها قضية شخصية.

2- خلخلة الصورة النمطية للمرأة عند العرب

من القضايا التي انشغل بها هذا العمل الروائي خلخلة الصورة النمطية الشائعة عن المرأة في الثقافة العربية. ومن المقاطع الروائية المعبرة عن ذلك هذا المقطع الحواري بين أندلس المحامية المتدربة وبين سائق سيارة أجرة جاءت أندلس إلى المحكمة لتدافع عنه بتكليف من المحامي الذي تتمرن عنده. نقرأ في هذا المقطع على لسان أندلس:

«فجأة نظر إليّ نظرة مذعورة وقال:

- "ألم يأت المحامي؟؟ كنت أنتظره.."

- "أنا التي سأدافع عنك"

- "ماذا ستنفعينني أنت؟؟ السائقُ مع محاميه الرجل، هل ستستطيعين مواجهته؟؟.."

- "إني أيضا محامية وإن كنت متدربة، ما الأمر؟.."

- "لن يحكم القاضي لصالحي حين يرى امرأة تدافع عني.."

تعالى صِياحه حتى بدأت الأنظار تتجه نحونا، نظرتُ إليه باندهاش، لا أصدق ما أراه أمامي، هل بمثل هذه العقليات سيتطور المجتمع نحو الأفضل؟؟ هل ما زالت النظرة الدونية للمرأة تعشعش في العقول؟..ألم أدرس في كلية الحقوق مثلما درس زميلي الرجل؟ وربما كنت أكثر انضباطا وحرصا على التحصيل منه؟..

حاولتُ أن أشرح للسائق بهدوء أن القضية سهلة، وهي في صالحه..رأيتُ مسحة اليأس على محيّاه. وحين سمع اسمه للدخول إلى الجلسة، جرّ قدميه جرا نحو القاعة»(12).

يكشف هذا النص نظرة دونية للمرأة تضعها في مكانة دون مكانة الرجل، ولا ترى فيها شخصا مؤهلا للقيام بما يؤديه الرجل من أدوار، وهذا ما يتبين من كلام سائق سيارة الأجرة الذي استهجن أن يكلف محاميه امرأة/ محامية للدفاع عنه.

لم يستسغ السائق ذلك، وعدَّه سببا للحكم عليه لا له فقال: "لن يحكم القاضي لصالحي حين يرى امرأة تدافع عني.."، وأحس بالهزيمة كما يستشف من وصف أندلس له قائلة: "رأيتُ مسحة اليأس على محياه. وحين سمع اسمه للدخول إلى الجلسة جرّ قدميه جرا نحو القاعة".

وإذا كان هذا المقطع النصي يُجلّي النظرة الدونية للمرأة فإنه لا يخلو من استنكار لتلك النظرة، وسعي لدحضها وبيان تهافتها. وذاك ما تبتغي تحقيقه الأسئلة المترددة في أعماق أندلس إذ قالت: "هل بمثل هذه العقليات سيتطور المجتمع نحو الأفضل؟ هل ما زالت النظرة الدونية للمرأة تعشعش في العقول؟ ألم أدرس في كلية الحقوق مثلما درس زميلي الرجل؟ وربما كنت أكثر انضباطا وحرصا على التحصيل منه؟".

إن في هذه الأسئلة إدانة وشجبا واستنكارا للانتقاص من قدْر المرأة واختزالِها في الجسد فقط.

ولا يجد الدارسون لمجمل الأعمال النقدية والكتابات الفكرية للدكتورة سعاد الناصر كبير عناء في تبين نقدها لتلك النظرة الدونية للمرأة. ولنقرأ على سبيل المثال قول أم سلمى في كتابها "السرد النسائي العربي بين قلق السؤال وغواية الحكي": «..ونجد غير بعيد عن صورة المرأة في الثقافة العربية القديمة، أن الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة استمرت في تفريخ هذا النمط (13)، مع التركيز أكثر على حصر مشاكلها [المرأة] وقضاياها في تحرير جسدها. ونظرةٌ سريعة إلى إنتاجات الثقافة سواء كان إعلاما أم تعليما أم فنا بمختلف أنواعه وأجناسه أم غير ذلك تكشف عن محاولات دؤوبة لتحجيم دور المرأة، وتقليص دائرة اهتماماتها في مجال الجسد. ولعل ما يُنشر عنها من أدب يبرز ذلك، وينبئ عن حجم محاولات إبعادِها عن قضايا الأمة وقضايا الإنسانية بصفة عامة، وحصْرِها في حلقة ضيقة تدور حول جسدها وأنوثتها، وتقديمِ صورة متدنية عنها»(14).

لعل في هذا الكلام من الوضوح ما يؤكد أنه هو وتساؤلات أندلس في المقطع السابق يصدران من مشكاة واحدة.

3- محكي المقاومة في "كأنها ظلة"

على امتداد صفحات الرواية وتطور أحداثها تقضي أندلس جل أوقاتها في مواجهة الفساد والظلم والاستبداد، فتخوض من موقعها خطيبة للطيب ومحامية متدربة معركة للبحث عن دلائل براءة الطيب وأدلة تورط شبكة من المفسدين في تلفيق التهم لإنسان بريء انتقاما منه لتعبيره عن آرائه الحرة في مقالاته الأسبوعية.

لم تستكن أندلس، ولم تستسلم، ولم تيأس رغم كثرة ما يحبط، ورغم وصولها إلى الباب المسدود في بعض الأحيان..وبذلك صارت أنموذجا من نماذج أخرى وردت في نصوص سردية نسائية مغربية شكلت صوتا للمقاومة. وهذا ما يجعل من هذه الرواية عملا مندرجا ضمن "محكي المقاومة في السرد النسائي المغربي" على نحو ما عنونت الدكتورة سعاد واحدا من كتبها النقدية.

لقد ميزت الناقدة سعاد الناصر في "محكي المقاومة.." بين ضربين من السرد النسائي المغربي المقاوم، وذلك استنادا إلى معيار التحقيب الزمني، فتحدثت عن محورين لهذا السرد:

 «- محور سردية المقاومَة الوطنية في عهد الاستعمار، المؤطِّرة لمفاهيم الانتماء، والحرية، والهوية، والكرامة، والتأكيد على مشاركة المرأة في البطولة المغربية، والانخراط في أشكال التغيير الاجتماعي والتحول السياسي.

- ومحور سردية الروح المقاوِمة لواقع القبح بعد الاستعمار، المؤطرة لمفاهيم الاستغلال، والفساد، والظلم، والعنف، واعتبار قضايا التحرر من مداخل الانفتاح على آفاق إنسانية رحبة»(15).

واستنادا إلى ذلك فإن هذا العمل الروائي "كأنها ظلة" يتنزل في صلب ما سمته الناقدة "محور سردية الروح المقاومة لقبح الواقع بعد الاستعمار".

لقد انتصرت الناقدة سعاد الناصر في كتابها "محكي المقاومة في السرد النسائي المغربي" للكتابات النسائية ذات النفَس النضالي، مفضلة إياها على الكتابات التي تمعن في ترسيخ النظرة الدونية للمرأة، وأفردت كتابها النقدي المذكور للاحتفاء العلمي بالسرد النسائي المقاوِم..وجاء عملها الروائي الأول شكلا آخر من أشكال الاحتفاء بنضال المرأة ومقاومتها للقبح بمختلف صوره وتجلياته. وهي بهذه الرواية تضيف عملا سرديا جديدا إلى الأعمال السردية التي تنسجم ورؤيتها النقدية لما ينبغي أن يكون عليه حضور المرأة في الأعمال الأدبية. وفي هذا تجل آخر من تجليات التناغم والانسجام بين النظر النقدي والعمل الإبداعي عند الأديبة سعاد الناصر.

خلاصة

إن ما وقفت عليه من مؤشرات مؤكدة للتناغم والانسجام بين العمل الروائي لسعاد الناصر وبين عدد من آرائها الفكرية واجتهاداتها النقدية يقود باطمئنان إلى استنتاج خلاصات أذكر اثنتين منها:

 - أولا: يدل امتداد الوعي النقدي والفكري للدكتورة سعاد الناصر داخل عملها الروائي على وحدة شخصية الكاتبة وانسجامها، فما يصدر عنها من آراء هو هو لا يتغير بتغير الجنس التعبيري، ولا يتبدل بتبدل الأزمنة. وقد لاحظنا مثلا أن هناك انسجاما في الرأي بين ما قالته أم سلمى في كتابها "بوح الأنوثة" الصادر في العام 1996 وبين ما قالته أندلس في رواية "كأنها ظلة" الصادرة هذا العام، وهو ما يؤكد أصالة رؤية أديبتنا وثباتها على أفكارها التي لا تسير مع التيار.

- ثانيا: يؤكد حضور الوعي النقدي والفكري للمؤلفة في عملها الروائي أن روايتها ذاتُ بعد رساليّ، فهي لا تكتب رغبة في الكتابة، أو رغبة في تجميل القول وتحسينه والمباهاة به، ولكنها تكتب لأن لها رأيا وموقفا ورسالة في الحياة، لذلك فهي لا تستبعد المتلقي من دائرة اهتمامها وتفكيرها، وتردد في أكثر من موضع من كتاباتها أن «على الأديب أن يخلص لرسالته، وألا يجعلها أداة انحراف وفساد»(16).

ذلك، وإن ما أشرت إليه من انسجام بين جوانب في هذا العمل الروائي وبين آراء وأفكارٍ للكاتبة في كتابات أخرى لا يعني أن عملها سيرة ذاتية، أو أن شخصية أندلس هي الوجه الآخر لأم سلمى، ولكن المقصود أن هذه الرواية ليست محض تخييل بعيد عن الفكر مفارق للواقع، ولكنها رواية ذات رسالة.

ومن الحق أن أؤكد أيضا أننا ونحن نقرأ هذه الرواية لا نشعر في أي من فصولها أو صفحاتها أننا نقرأ مقالة فكرية أو تحليلا نقديا، فالعمل محكم من حيث البناء، وآراء الكاتبة منصهرة فيه، لا تُدرك إلا بضروب من التأويل المرتكز على دراسة لمجمل مؤلفات الكاتبة في النقد والفكر.

 

أبو الخير الناصري

...............................

الإحالات:

(*) الورقة التي شاركت بها في حفل تقديم الرواية بنادي ابن بطوطة بطنجة يوم الثلاثاء 25 من يونيو 2019م.

(1) صدرت ضمن منشورات مكتبة سلمى الثقافية بتطوان، ط01، 2019م.

(2) كأنها ظلة، ص173- 174.

(3) نفسه، ص204.

(4) حوار مع الأديبة سعاد الناصر، جريدة الشمال، عدد يوم الثلاثاء 21 ماي 2019م.

(5) كأنها ظلة، ص79.

(6) نفسه، ص209.

(7) صدر ضمن منشورات سلسلة شراع بطنجة في العام 1996م.

(8) بوح الأنوثة، ص22.

(9) نفسه، ص22.

(10) نفسه، ص22.

(11) نفسه، 24.

(12) كأنها ظلة، ص 91.

(13) تقصد الصورة النمطية للمرأة.

(14) السرد النسائي العربي بين قلق السؤال وغواية الحكي، منشورات مكتبة سلمى الثقافية، تطوان، المغرب، ط01، 2014م، ص24- 25.

(15) محكي المقاومة في السرد النسائي المغربي، منشورات ملتقى الدراسات المغربية والأندلسية بكلية الآداب بتطوان، المغرب، ط01، 2016م، ص06.

(16) تفاعل القيم الإنسانية في الأدب، لسعاد الناصر، مجلة حراء، العدد 30، مايو-يونيو 2012م، ص51. وانظر أيضا "توسمات جارحة" لسعاد الناصر، ص150- 151 وص155-170..

 

 

عبد الجبار نورينجيب محفوظ 1911- 2006 روائي مصري أول أديب عربي حاز جائزة نوبل في الأدب، تدور أحداث جميع رواياته على مساحة جغرافية مصر، ويؤكد في نتاجاته الأدبية ثيمة (الحارة) التي توازي العالم، فقد شغل ذاكرة الأمة الأدبية والثقافية بعالمه الروائي والقصصي المتسم برموزه وشفراته المراوغة والتي أصبحت حبلاً سريا مغذياً للسفر التراثي الأدبي لعصرنا الحاضر ورافداً غزيراً لا ينضب من الأعمال الرصينة ذات الشفافية العالية لسفرالأمة الثقافي ...

فهو العزيز في زمن الجدب، فصاغ لنا مفهوم الحداثة ببراعته الفائقة وبشخصنة محفوظ المعصرنة بناءاً ومادة وتكنولوجية بمقاربات في التطور الجمعي السوسيولوجي والتي يهدف منها محفوظ في أعادة صنع الأنسان المصري ضمن حاضره ليستشرق فيه المستقبل بخطى واعية ونظرة حصيفة وقدرة على الأبتكاربدون قيود ويجعل لها رافعة واحدة  هي (التعليم)، لذا تفتحت أمامهُ كل سبل المجد بفوزه بسيمياء الشخصنة المحبوبة قبل فوزه بجائزة نوبل، حيث تمكن برصانة أسلوبه السحري في أختيار الألفاظ من الحصول على رضا (اليمين والوسط واليسار) والقديم والحديث، فنجيب محفوظ مؤسسة أدبية أو فنية مستقرة وضعت هذا الأديب الأسطوري بموقع المؤسسة الشعبية، ولأن أسلوبهُ يجمع بين الحدث التأريخي والحكواتية الشعبية الواقعية، ويعتمد الرمزية الجزئية وبواقعية سحرية غريبة ينحو مندمجاً مع الرمز الكلي بدلالاتٍ متعددة منتجاً أكثر من تفسير، وأن عالم محفوظ يضمُ بين جنباته عدة مدارس في آنٍ واحد فهو ينحو من الواقعية النقدية ألى الواقعية الوجودية ثم ألى الواقعية الأشتراكية أضافة ألى تزويق الرواية بجماليات السريالية، لذا وجد النقاد بأنهُ  (متحف) لألمامهِ الموسوعي بجميع مذاهب ومناهج وأتجاهات النقد الأدبي أبتداءاً من التأريخية وأنتهاءاً ب(البنيوية)، كما تحتوي كتاباته على مفارقات تنحو أحياناً كثيرة ألى التعداد والتنوع والتضارب والتعارض ومتناقض الأضداد فأنهُ يقدم حالة نموذجية لدارسي (الهرمينوطيقا الأدبية) فهو يقدم مادة غنية  لألوانٍ مغايرة في الدرس النقدي وهو ما أطلقتْ عليه الحداثة الأدبية أسم نقد النقد أو ما بعد النقد، وأن كتاباته الروائية أو مجموعاته القصصية تربطها مجموعة من العلاقات تتخلل النصوص جميعاً وتوحده ألى نصٍ واحد كما نرى هذا المنظور في رواياته : أولاد حارتنا واللص والكلاب والقاهرة الجديدة وعبث الأقدار .

أولاد حارتنا --- هذه الرواية قد كتبها محفوظ بعد ثورة يوليو1952 بعد أن رأى أن الثورة أنحرفت عن مسارها، ولم يتم نشرها في مصر ألا بعد 2006، ولعل ملخص القصة تبدأ ببطل الرواية (الجبلاوي) كان شخصاً عنيفاً صلباً متسلطاً ومزواجا لهُ الكثير من النساء – وهنا عقدة الرواية في أحتدام الجدل بين الأوساط الدينية بأن محفوظ يقصد بالجبلاوي الذات الألهية لذا كفروا الكاتب ومنعوا نشر الرواية، وتعرض لحادثة أغتيالٍ فاشلة في 14 تموز1994 من جانب أنصار التيار الديني المتطرف .

وحسب أعتقادي الفكري وقراءاتي المتعددة للرواية وفي أزمنة مختلفة : أرى أن محفوظ يقصد بالبطل رمزيا بالحكومات المستبدة الذين حكموا مصر الفراعنة والمماليك والأتراك والأسرة الفاروقية وعساكر أنقلاب تموز، أما الأخوة عباس وجليل ورضوان – عدا أدريس – يمثلون الطبقة الضعيفة والمستلبة في المجتمع المصري .

أنتهج فيها أسلوباً رمزياً يختلف عن أسلوبه الواقعي، فهو ينحو في هذه الرواية جاهداً على أبرازالقيم الأنسانية التي نادى بها الأنبياء كالعدل والحق والسعادة الروحية، ولكنها أعتبرتْ نقداً مبطناً لبعض ممارسات عساكر الثورة والنظام الأجتماعي الذي كان قائماً.

على العموم كانت أكثرجدلاً من حيث المضمون بين الأوساط الدينية بالذات، حاول الكاتب أن يصوّر للفقراء والمعدمين مدى الظلم الذي لحق بهم وبالبشرية عموماً منذ طرد آدم من الجنة وحتى اليوم حيث الأشرار يعيثون فساداً في الأرض ويستبدون ويستعبدون الضعفاء وقد غلقوا أبواب الأمل أمام الطبقات المسحوقة أن تتمتع من نصيبها في الحياة .

سلط ضوءاً على العبودية والقهر مبيناً وبجرأة فائقة حركة التأريخ في الصراع الطبقي للمجتمع المصري الذي يعيش الخوف والجوع ووضوح الفروق الطبقية بشكل مذهل ورهيب، ووضحها محفوظ ببراعة بليغة وهو يحرك خيوط شخوص الرواية في توزيع الأرث من قبل رب الأسرة بصورةٍ غير عادلة تكتنفها الأنتقائية والأزدواجية والتحيّزْ والتعسف بأعطاء الحظ الأوفر ل (أدهم) والذي يقصد به آدم وحرمان (أدريس) الذي يقصد به أبليس، وبهذه الرمزية وهي الصفة المتعارف عليها عند الحكومات المستبدة، وهي أدانة للنظم الشمولية والدكتاتورية .

وأنهُ لم ينتقص من الدين ورموزه ولا من ثوابته ومسلماته الفكرية بل هو أستعملها كماشة نار في تقليب الحوادث المأساوية على مساحة جغرافية مصر والعالم العربي، وما كانت حكاية (عرفة) في نهاية الرواية والتي رسم له شخصية معرفية وموسوعية لكي يجلب أنتباه القاريء والمتلقي بأن رافعة التغيير تكمن في (التعليم والمعرفة) الذي يمثله (عرفه) وجعل العلم البلسم الشافي والطريق القويم ألى " أولاد الحارة " في النهوض من كبوتهم، ولعل أهم شاهد على عدم تعرضه للأديان وبالذات الدين الأسلامي هو ما جاء في الصفحة 583 من الرواية (---الدين الذي هو منبع قيم الخير والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا).

وكان يرى أن الدين قد أُستغلّ ووظّف توظيفاً خاطئاً أدى ألى شقاء الأنسان كما رأينا في سطوة الكنيسة في القرون الوسطى والفتوحات الأسلامية في القرون الماضية وتعسف الدولتين الأموية والعباسية وعبث ولصوصية الدين الراديكالي  وتسلطه على رقاب العراقيين بعد الأحتلال الأمريكي البغيض .

وثم أعتقد بأن أتهام محفوظ بالزندقة والألحاد فهو محض أفتراء على الرجل حسداً وغيرة لنجوميته الأدبية المتألقة وهو الأديب العربي الوحيد الذي فاز بجائزة نوبل في الأداب ونتاجاته الثرة التي وصلت ألى أكثر من خمسين بين روايات وقصص وبحوث ونقد، وسوف أفند بطلان هذا الأتهام الظالم بأن محفوظ في مجمل سير الرواية آمن بالموت لجبلاوي، وهل تموت الآلهة ؟؟؟وكذا بطله العلامة (عرفه) مات وفنى كجسد وبقيت معارفه شاخصة ألى الأبد، وهنا أتكأ محفوظ على ركيزتين في أحترام الثوابت الدينية وهما { الخلود لله والموت والفناء للبشر وركيزة العلم }، وثم أصطفاف أعداء الرجل من رجال الدين والأزهريين والمد الأخواني ووعاظ السلاطين وجماعة الوفد وعساكر الثورة البورجوازية ورجال الحقبة الملكية التي عاصرها الكاتب والذين أخضعوا مصر للمستعمر، وهو الذي سفّه آراء من أعتقد ويعتقد أن الأمور سوف تتغيّرْبعد ثورة 1952 معلناً حقيقة تأريخية (أن صنماً هُدم ليبنى صنماً آخر أو بعبارة أدق ذهب الظالم وبقي الظلم) وعرض بشكلٍ جزئي سلبيات نظرية الحق الألهي في فرض عبودية بطل الرواية الجبلاوي على أسرته وهي رموز تشبيهية لدكتاتوريات حكام العرب قديما وحديثا، وأن تشبيهات الكاتب لشخوص الرواية بالرموز الدينية قد خدم النص والفكرة التي أنشيء من أجلها المتن .

أخيراً/ لقد آن الأوان لأولاد هذه الحارة أن يعرفوا سر ضعفهم وخنوعهم وأن يثوروا لكرامتهم وكبريائهم وأن يلقوا بالتخلف والجهل والأنقياد والعبودية بعيداً، هذه هي الروح التي تبنتها الرواية " أولاد حارتنا " فهو لم يدعو للحرب بل للحوار والسلم لذا أنهُ أستحق جائزة نوبل .

وأن الرواية تبشر بيومٍ يستطيع فيه الأنسان أن ينتصر على السلطة الغاشمة وأدواتها الفتوات والبلطجية وعاظ السلاطين والجهل وكانت آخر كلمات الرواية والتي حركت مشاعري وأحاسيسي من الأعماق { --- لكن الناس تحملوا البغي ولاذوا بالصبر وأستمسكوا بالأمل وكانوا كلما أضرّ بهم العنف قالوا لابد للظلم من آخر ولليل من نهار ونرى في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب }،  نعم... نعم سوف يولد يومٌ جديد في عراقنا المأزوم والمسروق وتشرق شمس الحرية في وادي الرافدين الجميل ويتحقق شعار الشباب المنتفض اليوم في عراقنا الحبيب { وطن آمن وحر} .

تحية لنجيب محفوظ الذي وصفته جريدة لوموند الفرنسية في أحد أعدادها في الثمانينيات قائلة (صباح الخير يا ملك الرواية) .

فهو كاتب البورجوازية الصغيرة والفقيرة المعدمة والتي تكافح من أجل البقاء ولآجل أثبات وجودها، فهو أكثر فهماً للطبقة الوسطى وأقدرهم تعبيراً عن مشاكلها وعرض دقائق حياتها وكشف واقعها وطبيعتها والظروف الحضارية والتأريخية وطبيعة القوى الأجتماعية وصراعاتها وحركتها التطورية في المجتمع المصري بالذات، فوضع للمتلقي رؤية واضحة عن الظواهر الأجتماعية بتقديرات سليمة، (فهو ديمقراطي تقدمي في مجتمع شرقي غيبي ----)

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

...................................

الهوامش

* الهيرمنيوطيقا: هي نظرية أدبية تعني بالمعنى الدقيق للكلمة: الدراسة المنهجية لطبيعة الأدب، فهي مرتبطة بمذاهب الفلسفة وعلم الأجتماع وهي فن دراسة فهم النصوص في فقه اللغة واللاهوت والنقد الأدبي لذا يستعمل الأصطلاح في الدراسات الدينية (ويكيبيديا للحرة)....

- جبرا أبراهيم جبرا – الأسطورة والرمز – ترجمة – بغداد 1973 ص 258

- سليمان الشطي – الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ- الكويت 1976 ص29

- لويس عوض – دراسات في النقد والأدب – القاهرة ص 345 – ص346

- احمد ابراهيم الهواري - مصادر نقد الرواية في الادب العربي الحديث – القاهرة 1979 .

- ادور الخراط – عالم نجيب محفوظ –مجلة المجلة 1963 – ص 37

 

 

 

تفاعلية النص: يقصد بها عملية تجاذب بين بؤرتين مختلفتين، احدهما كتابية، والاخرى: قرائية عن طريق القارىء بنوعيه: المثقف، والعادي.

تأتي التفاعلية عن طريق لغة سردية مفهومة قدمها الروائي، مما وفر الحاضنة الواعية المستقبلة لقراءة حيثيات المشهد السردي.

أعتمد السرد على مناقشة التاريخ، وبما أنه انطلق من هذا المنطلق هذا يعني أنه سرد معتم ومثقل بالهم؛ لأن التاريخ ماهو الا سلسلة مثقلة بالوجع، ومشاكل عالمنا العربي تعود في أغلبها إلى هيمنة التاريخ كسلطة حاضرة ومؤثرة في العقل والسلوك على الشارع، ومجال التعليم، و المؤسسات الرسمية.. الخ، فإنَّ التاريخ ليس مجرد حشو من الأحداث، وإنَّ بدا ظاهرياً كذلك، فعلى العين الفاحصة أنَّ تستكشف الباطن والمضمر.

فالتاريخ الذي نعيشه الان هو حشد من الأخبار والوقائع والشخصيات، تم تناولها بطرائق مختلفة في إطار أيديولوجي وعقائدي، وحقيقة هذا التاريخ تأتي من القناعة والإيمان بشكل ذلك التأريخ وقداسته من تلك القناعات التي لا يمكن المساس بها، ولا بد من التمييز بين الظاهري في الواقع مَنْ الباطني الجوهري .

نسجت الرواية متنها السردي بطريقة تفاعلية بنائية، وببنية تركيبية مفهومة، اشبه بلعبة الدومينو، التي تتطلب منا بعض التركيز في اللعب لأكمال حلقة لعبها، وهذا ما جاء في الرواية، التي ابتدأت بصيغة سردية جاذبة للقارىء، ودافعة به إلى الاجبارية الطوعية لأكمال قراءة المتن السردي، وهذا ينطبق على روايات الكاتب اغلبها، والرواية العراقية بصورة عامة؛ لأنها روايات حاضنة للظروف الاجتماعية، ساعية إلى نقد الضغوطات الموظفة بإزائه، ومحاكاة سوداوية المشهد المعاش.

بؤرة التحقيق التاريخي هو المرتكز الأول في بنية السرد، الذي صاغ التقاء هويتين متناقضتين، احدها عراقية، والثانية اجنبية.

البطل (منيب افندي) الذي يعشق كل ماهو اوروبي، نسج عن طريق هذه الشخصية تحولات المجتمع العراقي، والعربي خاصة، بعد مغادرة الاتراك لبغداد، ودخول الانجليز محلهم، "منيب افندي .. منيب افندي؟ لقد حاول جاهداً اللحاق بالترامواي فلم يستطع .. وكلما استطاعه هو التعلق بنافذة العربة التي يجلس داخلها منيب أفندي وصاح: منيب افندي أمضيت الليل كله وانا اقرأ كتاب الزهاوي الذي اعطيتني اياه بالأمس.. وأنا اتساءل لماذا لا نحرق الزهاوي "، فــ (منيب افندي) شخصية كولونيالية، وصورته قريبة من شخصية (الشيخ امين)، وهما صورة مزدوجة، ومتشابهة "كانت السماء تمطر مطراً حقيقياً ...كان الشيخ امين ومنيب افندي كلاهما ينظران إلى هذا المطر ..."

والعبد المطيع تمثل بشخصية (محمود بك) الضابط الصغير في الجيش العثماني .

استنطاق المسكوت عنه، هو الوظيفة الرئيسة في مهمة المتن السردي، بالاضافة إلى السخرية المعلنة للثالوث المحرم، واللصوص، والضغط الموظف بحجة رداء الدين وستاره، الذي اصبح مادة مجانية للكثير من التوظيفات السياسية الضاغطة، بحجة الدين يمرر الكثير من الممنوعات.

أما (الجنس) فقد جاء بطريقة معلنة لأزاحة جانباً كبيراً من الضغط المعاش، والهرب منه، إلى الوجهة المضيئة الجزئية.

أخيراً، اضيف، أن النتاجات السردية العراقية أغلبها، جاءت صورة درامية معاشة بلغة سردية ناطقة، وموثقة، شاهدة على عصر غيب ابنائه في ظروف سوداوية معتمة ضاغطة لواقعهم، بطريقة اجبارية ضاغطة.

***

د. وسن مرشد

 

جمعة عبد اللهللكاتب فيصل عبدالحسن

 هذه المجموعة تتميز في براعتها في الغوص في قاع المجتمع. وكشف سلبياته وعلله الاجتماعية. لذلك ان المجموعة هي نسيج متناسق ومترابط بين واقعية الاحداث الجارية، وتنسيق بالمخيلة الخيال الفني، الذي يمتلك المهارة الاحترافية في صنعة القص، والسرد الحكائي، بلغة مشوقة وجذابة، تشد القارئ في رهافتها الديناميكية. وهي تتناول مفردات وثيمات الواقع المعاشي بتجربته الفعلية. لتشكف اشكال المعاناة والقهر الاجتماعي، لواقع فقد بوصلته، وخرج عن جادة الصواب، الى الظلم والحرمان والحيف ، وهي نتيجة منطقية وطبيعية، تتسم بها السلطة الشمولية المتسلطة على رقاب الناس. في غياب الامن والاستقرار الحياتي. نحو الانفلات الامور عن السيطرة، وتصبح السلطة عاجزة في معالجة السلبيات والعلل التي خلقتها بنفسها ، بل انها شريكة فعالة فيها. لانها غير جديرة في المسؤولية والحكم، وتضع ثقل هزائمها واحباطاتها على عاتق الشعب المسكين. والمجموعة القصصية، تملك اسلوبية متمكنة في توظيف نهج الواقعية الانتقادية. واختارت اسلوب النقد الساخر والمتهكم من ثيمات ومفردات الواقع ومجريات أحداثه. وتوظيف متمكن في اظهار الواقع يعيش التراجيدية الكوميدية للاحداث السردية، وخاصة للبطل السارد، الذي هو شريك في تسجيل الحكايات من اعمامه اللصوص وغيرها من النصوص القصصية برع في تقمص دوره في السرد الحكائي. ويأخذنا في دهشة مشوقة لحكايات اللصوص، مغامراتهم ومجازفاتهم ومقالبهم. لاشك ان حكايات اللصوص مادة دسمة في الادب الروائي العربي والاجنبي. بكل اشكالها المشوقة. حتى برزت روايات مشهورة في الادب الروائي للصوص، ان صحت التسمية. والمجموعة القصصية (اعمامي اللصوص) للاستاذ الروائي المبدع فيصل عبدالحسن، الى جانب تناول مواضيع حيوية هامة أخرى، في الطرح والتحليل والرؤية. مثل العلل الاجتماعية في الظلم والحرمان والحيف، ومسألة الحصار والحرب والفقر والجوع، والحياة الخاوية، التي تحاول ان تصنع لنفسها شيء مهم، حتى تتسلى بها على معاناتها وقهرها الاجتماعي، وكذلك تكشف الافرازات السلبية. نتيجة الواقع المنفلت من عقاله عن جادة الصواب. وخاصة ان يكون الناس طعماً للسرقة والنهب والسلب. في مجتمع فاسد، بسلطة فاسدة.لتضعنا امام تدهور المنظومة الاخلاقية في قيم المجتمع. نجد هناك من يحاول ان يتجلد على بمعاناته الشديدة، ان يحافظ على عفته وكبريائه، محافظا على قيمته الانسانية بأبى وعزة النفس. رغم الفقر والجوع في قسوته الشديدة. نجد المبدع الاديب، يمتلك لغة مكثفة ومركزة في اسلوبها السردي المشوق. في كشف ادق تفاصيل العلل والسلبيات. كما يعرج على مسألة القتل والحروب العبثية، التي تخلق أزمة حياتية ووجودية. والمجموعة القصصية احتوت على ثلاثة أجزاء. وهي:

 1 - الجزء الاول. ضمت القصص القصيرة التالية: العين. الجثة. أعمامي من البخلاء. أعمامي السبعة. اعمامي المقلدون. أعمامي اللصوص.

- قصة (العين):

بعدما ضعفت ووهنت قبضة الحكومة المركزية، في الاطراف والمدن الصغيرة البعيدة عن المركز. اخذت تظهر مليشيا الحزب الحاكم بتغيير عدسة عينها لمراقبة وترصد الناس في الايقاع بهم بشتى التهم. اخذت هذه المرة، بتشكيل مجموعات في القيام بالنهب والسلب، كعصابات قطاع الطرق، تنهب وتسلب المسافيرين على الطرق. في ايقاف السيارات والقيام بسلب ما يمتلكون من اموال وحلي وحقائب، حتى مواد الطعام في سد جوعهم على سفرهم. اي ان نهج الحزب الحاكم تحول من السياسة الى اللصوصية.

- قصة (الجثة):

بعدما وقفت الحرب وهدأت الصورايخ وغارات الطائرات. في ضرب مواقع حيوية لسلطة البعث في العراق.. اصبحت المعدات الحربية. مواد مستهلكة (خردة) تباع في المزاد العلني، وصادف سوء حظ احد المقاولين المشترين من المزاد. اشترى سيارة محترقة من مخلفات الحرب المعطوبة. ولكن المفاجأة انه وجد داخل السيارة المحترقة. جثة طيار امريكي متفحمة، بما يستدل عليه من الزي العسكري. وبقايا اللحم المتفسخ والمتفحم، بجمجمة بيضاء ونتف من بقايا الشعر الاشقر. اما هذه المفاجأة السيئة وقع في حيرة من أمره (ابو جابر). ماذا يفعل بالجثة، هل يدفنها سراً بدون ان يعرف أحداً شيئاً عنها، أم يخبر السلطات الحكومية؟. وازاء هذه الورطة استشار شقيقه الصغير في الامر، واستقر الرأي في اخبار السلطات المحلية بالامر بوجود جثة متفحمة. ولكن بعد تبليغ السلطات، انقلب الامر ضدهم، وصخب الاعلام الداخلي والخارجي وحتى الامريكي. في الاتهامهم بتعذيب الاسير الامريكي حتى الموت وحرق جثته. وانشغال القضاء الدولي والاعلام بالقصاص من المجرمين الارهابين القتلة، وحتى اعلام النظام عزف على هذه المعزوفة. وترك الناس آثار فداحة الخسائر من الحرب المدمرة، وانشغل بهذه الجريمة الوحشية، ووجد طريقة لتملص من تبعيات الحرب المدمرة.

- قصة (أعمامي السبعة):

يتحدث السارد كمدون حوادث اللصوصية التي يقوم بها اعمامه اللصوص. بأن يدون حكاية كل واحد من هؤلاء الاعمام السبع في جلساتهم في السمر في ليالي الشتاء. تكشف احترافهم مهنة اللصوصية على اصحاب المواشي (المعدان). جندوا في الحرب الايرانية والامريكية وغيرها. وكانت النتائج كالاتي. أول الاعمام. أستطاع ان يأسر جنرال أيراني، وكوفئ كبطل بسيارة جديدة ومهر لزواجه. والثاني جلب ثلاثة أسرى جنود أمريكان ضلوا الطريق، فحاز على وسام الشجاعة. والثالث احترق او تهشم نصف وجهه من شظية مدفع. والرابع سرق آلة ضوئية تطبع الاوراق النقدية من الكويت ، فراح يطبع الاوراق النقدية المزورة. والخامس فقد ذراعه في الحرب، وارتكن الى تربية الدجاج. والسادس جمع ثروة طائلة من جيوب المقتولين في الحرب. أما السابع فقد رضي بغنيمة الحرب، بمجندة امريكية اتخذها للمتعة الجنسية حتى انجبت له طفلاً. وطالبته بالنفقة للطفل في المحاكم الامريكية، واتخذها حجة في تحقيق حلمه بالسفر الى امريكا.

- قصة (أعمامي اللصوص):

يأخذنا المبدع الروائي الى المتعة المشوقة بالسخرية المضحكة في طرائفها ، في الشيطنة في مهارة الحرامي او اللص بذكاء خارق، ولكنها تنتهي الى التراجيدية الكوميدية. لنأخذ واحدة من حكاياتهم على لسان لسارد المدون حكاياتهم. كيف تتم عمليات السطو والنهب. وكيف يتم التسلل الى البيوت. وذكر أحد هذه الطرائف من الحكايات التي تكون مادة مسلية في ليالي الشتاء وعلى منقلة النار والشاي في اجتماع عائلي. يدون بأن أحد اعمامه تسلل الى احد البيوت لسرقة الفرس، فأختفى بين الاغطية والوسائد. وحين جاء وقت العشاء لزوج والزوجة، استغل الظلمة ليشاركهم الاكل، ولكن الزوج شعر به، فمسك يده. فما كان من اللص، إلا ان امسك يد الزوجة، وهي بدورها صاحت بالزوج غاضبة (دعني آكل، لماذا مسكت يدي ؟ فترك المعيدي يد عمي، وقد ظن أنه قابض على يد أمرأته) ص59. ولكن بعدما نام صاحب الدار (المعيدي) تسلل الى الاسطبل لسرقة الحصان، في نفس الوقت كانت الزوجة في احضان احد العبيد لمضاجعتها. وحين شعر الزوج صاحب البيت بالسرقة. أستل سيفه، لكنه وجد أمرأته عارية يضاجعها احد عبيده في وضع مخزي، أستل سيفه وهشم رأس عبده، فهربت الزوجة عارية بالخوف والهلع، في حين استطاع اللص ان يهرب مع الفرس. وصاح به غاضباً (لا بارك الله فيك!! لم يفعل بنا لص ما فعلته !! فضحتني في عشيرتي وقتلت عبدي، وطلقت زوجتي، وسرقت فرسي، وأكلت عشائي) ص60.

 2 - الجزء الثاني:

تتحدث النصوص القصصية عن محنة الحصار العراقي القاسي، بسنواته العجاف والمؤلمة في معاناة الناس، ودفعهم الى فاقة الفقر والجوع ، وشحة وجفاف معالم الحياة المعيشية اليابسة تماماً. ويضم هذا الجزء القصص التالية:

1 - الكلبة التي صارات نمراً. 2 - المضحكة. 3 - في ظهيرة قائضة.

- قصة (في ظهيرة قائظة):

تتحدث عن قصف الطائرات الامريكية. وهي تدق بصواريخها العاصمة. وكانت هذه الطائرات تقف في سماء احدى المدن الصغيرة وتقذف بحممها الصاروخية للعاصمة. فما كان من الحزب الحاكم ان يحول هزيمته في الحرب ، لانه لم يستطع ان يدافع عن العاصمة، بهذا الانهزام والضعف والعجز، يتملص من تبعية الهزيمة النكرى، في اتهام هذه المدينة الصغيرة التي تقف الطائرات في سمائها، بالخيانة والتواطئ والعمالة، لانها سمحت للطائرات ان تقف بسمائها في قصف العاصمة. لذلك يجب حذفها من السجل المدني. وعدم التعامل معها والمطالبة بالقبضة على الجاسوس او الجواسيس المتورطين. ولكن احد الشطار الذين لا تفوتهم الفرص السانحة. اتصل بالرئيس ليخبره بخيانة مدينته. لذلك اعتبر بطلاً قومياً ووطنياً وكرم بنصب تمثال يؤرخ مأثرته الوطنية الكبيرة ، بهذه المسخرة التهريجية، التي تدعو الى السخرية والضحك، وهي تدل على خواء الحزب الحاكم.

3 - الجزء الثالث:

يضم القصص التالية. اللفافة العظيمة. لغة العيون الخائنة. وعاء الضغط. دنيا أخرى.

- قصة (اللفافة العظيمة):

امام اشتداد وطئة الفقر والجوع وشح الحياة في معاناة الفاقة والعوز. كان يضطر لسد جوعه اليومي، أن يبيع اثاث وحاجياته المنزلية، حتى ليأكل ليبعد شبح الجوع المؤلم، ولكنه انتهى من بيع كل شيء، ولم يعد يملك اي شيء يبيعه، مقابل وجبة بسيطة من الطعام، وظل على هذه الحاة المزرية يقرقر الجوع في معدته ثلاثة أيام. طرقت أمرأة متسولة، تعيش على عطايا الناس البسيطة لتطعم اولادها الايتام، وتدفع عنهم شبح الجوع، في جمع ما تحصل عليه من مواد غذائية من الناس، طلبت منه مساعدته بما يملك القليل من الخبز الى اطفالها اليتامى، سمح لها بالدخول، وعرفت حالته المزرية، واخرجت لفة الطعام، وطلبت منه مشاركتها في الاكل، رفض بحجة بأنه منذ قليل أكل وجبة طعامه. رغم ان الجوع يقرقر في بطنه. وطلب منها ان تعطيها الى اطفالها الجياع، واخرجت كعكة وطلبت منه ايضاً ان يتناول شيئاً منها، لكنه رفض بأن اطفالها اولى بأكلها، لكنها خرجت وتركت الكعكة في مكانها.وهو يتضور من الجوع المؤلم، لكنه كان يتحاشى ان يمد يده الى الكعكة ربما عادت واخذتها الى اطفالها، وظل على هذا الحال البائس والمرير في الاصرار في الممانعة في اخذ قطعة من الكعكة، وظل يبكي وينوح على الحياة المزرية. التي تدفع الناس الى التسول. ان معاني الدالة والبليغة، بأن القيمة الانسانية تحافظ عل الاباء والعزة والكرمة، حتى في الظروف القاهرة والمؤلمة.

 

- الكتاب: أعمامي اللصوص (قصص)

- الكاتب: فيصل عبدالحسن

- الطبعة: عام 2019

- الناشر: وكالة الصحافة العراقية (ناشرون) الجيزة / جمهورية مصر العربية

- صفحات الكتاب: 143 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

حدّثوني عن نفسي قليلا،

سامروني بالحكايات عن دجلة والفرات وسيرتا

أفرحوني بأغنية العيد

لا تتركوني وحيدة في العتمة.

....زهرة الثلج....

لكن أحلام الأزهار أكبر من ألا تتفتح، فما أكبر من ألا تتفتح الأزهار؟ العذاب؟" أفضل عذاب هو عذاب الزهرة/ الوردة في الأغاني"

إذاً؟

هذه الرواية أغانٍ. وفيها وردة تتعذّب/ زهرة الثلج

إنها أنين الوردة ويشبه "حديث القمر" للرافعي. كأن ارتباط الاسم بالاسم ليس صدفة.

وإنها الحلم، ويشبه زهرة الأمير الصغير لسانت اكزبيري'Antoine de Saint-Exupéry.

إنها المناجاة، ويمكن للمناجاة أن تكون رواية مثل الاعتراف . فهي قلب مفتوح حتى لو لم يكن ثمّة وجه لوجه.

أدخل الرواية من فصلها الثالث، وإن سألتموني أين كنت أقول يحدث أن. بابلو نيرودا

لذلك، أيضا تقول الكاتبة يحدث أن نحب في اللاشيء ونبني من الحلم كوكبا مبتكرا ونجعل من الغياب حضورا. يحدث أن، ليست عبارة عشوائية، بل مكان وفيه حدث حتى لو كان في الذاكرة. إنه مكان في القمر.

الحدث، شهر الميلاد / فبراير. وعند اليونان هو شهر يتطهرون فيه من الذنوب والخطايا. لعلّ الكاتبة تريد تطهير أفكارها الأولى بهذه الرواية.

في الحقيقة، وجدتني أمام تراكم قصاصات شعرية مذهلة من لدن ملكتها، وأخرى قطف أنيق مختار من أفواه شعراء الكون وأستأنس هنا بقول محمود درويش/ من أين تاتي الشاعرية،،،، من وردة حمراء في الصحراء أو " من زهرة برية تناور الحب في البرد" تضيف زهرة الثلج. هذا اختصار شعري لكلّ الرواية.فإلى التفصيل.

تبدأ الرواية بأسطورة دجلة والفرات كمرجع تأريخي ذكي للولوج إلى سرد ماتع يمزج السياحة بالحكاية فيبرز قسمان كبيران، المدينة والريف. مدينة بحرية أنتجت عناقا وقرية جبلية تعوض العناق بالذكريات.

لكن، السياحة لم تمح رصد الحياة في كلا المحلّين. المعاناة والمتعة على السواء. فمثلا في العاصمة (مدينة بحرية) تغرينا الكاتبة قائلة: التفرج على كورنيش البحر الأبيض المتوسط يبدو مغريا. والمدن الواقعة على البحر تحمل تراكمات أسطورية، يبهرني عناقها الدائم مع الأمواج. وهنا الانعطاف، إسقاط أمواج البحر على الأثير. ويأتي على قول سلمى أيلول إإحدى شخصيات الرواية: لطالما شغلت أمواج الأثير العاشقين .

إنها تمشي بحكايتها الخاصة بين الأماكن والأشخاص تشهد الكل على حب البطلة ميار لأرسلان / الأثير . أو تقحمنا فيها متعاطفين أو مشاركين. فأذكر حينما عرفت الكاتبة كانت باسم ميار، وقد جمعنا هوى الأثير أيضا، فأرجح أن الرواية كتبت أو عاشتها البطلة في ذلك الآوان، فأشعربوجودي أيضا ولو ضامرا فيما حدث. فأحببت البحر وشوارع العاصمة والأثيرورواية أرسلان الثالثة " سيرتا" ودجلة والفرات ومغراوة.

وتغرينا أيضا بالقرية، وتؤكد باشتقاقها الاسم مغراوة من الغواية. وتجمع بينها بألفة طبيعية فتقول: السفر من المدينة إلى الريف يشبه المشي حلما بين جسريين سماويين.

ثمّ تمضي بالسرد رشيقا ذكيا بين المدينة والريف . واصفة مقارنة لا تخلي موضعا لا ترصّع عليه قصّة الحب الأثير، لكن، ورغم هيمنة الحدث الشخصي للبطلة، فإن الرواية تأريخ للمكان.العاصمة ومغراوة. تاريخا، وحياة، وحوادث ونازلات.

ففي العاصمة، تأريخ للقصبة، لقصر رياس البحر، لشوارع العاصمة . وتأريخ للنوازل، بالتحديد اللجوء السوري في الجزائر من خلال سلمى أيلول. واللاجئين الأفارقة والمعاناة في الوطن من خلال وصف المشرّدين على حافة البحر في رمز مؤلم حاذق وهي تصف بقولها: ملابسهم ممزقة لا إبرة سترقعها غير التمرد أو الاستسلام وعلى حافة البحر، لا نداء غير البحر من ورائكم والعدو أمامكم، فاحرقوا المراكب / احرقوا.

حتى وهي تصف القرية مغراوة مسحورة بالطبيعة، لا تنفك بالرمز تشيرإلى درب ما للحياة أو الموت دونه. بل حتى في عرض الشخصيات / الجدة فاطمة الخالة مسكية العم نوبلي وحسن . خاصة حسن الراعي الشاعر الذي يقول ردّا على بابلو نيرودا:

إني مولع بالضباب، أتوق للبحر والعمر يضيع

أنحت من حجارة الوادي شعرا

أتأهب للشمس أقول لها أطيلي أو لا تطلّي.

أطيلي أو لا تطلي، هاهو الخيار أيضا الحياة أو الموت.

البحر أو لاشيء أيضا . فلم البحر للحد الذي يحدّ فعلا الحياة؟

مليكة رافع من الشجاعة بمكان، لتصحح رؤى سابقة، لا تقبل أن يكون البحر " بح"، فيوجد فيه راء، راء الرفعة، لذلك ترفض مايقال: يوجد في النهر مالا يوجد في البحر . بل ما ينهره النهر يشجعه البحر.

ومن هنا حضر البحر قويا جدا، ويتوق له حسن ابن الأنهار . مليكة رافع من الشجاعة لتقول إنّ الحضارة التي أبدعتها الأنهار، تصونها البحار. فلابد من صيانة وتلميع لكل إبداع. إنها تنقل الأهمية للبحر، لأن دجلة تخجل وفرات فتر. وهكذا تعلّمنا أن الأساطيرمازلنا نحياها بزي عصري.

مليكة رافع من الشجاعة لتغير في مفاهيم العظماء، فلكل إنسانه الخابر بالحياة، حيث تقول معارضة أفلاطون / معرفة الأشياء تؤدي إلى معرفة الأسماء.

وصحيح هذا، فها أنا، عرفت اسم ميار لأني عرفت مكانا على القمر. هل عرفت قبل أن ميار يعني " الضوء الذي يحيط بهالة القمر؟

المغزى / أليس العذاب لذيذا يا وردة؟

كانت البطلة / الوردة، فنانة، رسامة وشاعرة وهنا توافق وشخصية الكاتبة لذلك فاض التداعي وكاد يغرق الرواية لولا أن كان من التداعي استدعاء لما يخدم النص، وهو متعدّد، أحصر منه بعض السحرفيما يأتي.

اختارت الكاتبة الوصف وهو مايلائم السرد . خاصة في وصف العمارة سواء في العاصمة أو في القرية.

اللغة الجزلة المتنوعة الحاضنة لمختلف المشاهد . واعتماد الألفاظ الدلالية للأشياء خاصة فيما تعلق بالقرية مثل المراح، الكُدر، الشموخ الصحين، تغدف، البخنوق.

التناص الجميل مع روائع الأدب مثل حضور ابن الفقير لمولود فرعون وبقوة في الجزء الخاص بالقرية .

وطغيان جبران خليل جبران في الجزء ذاته حين تعانق الطبيعة.

حضور الأسئلة الفلسفية واستحضار ثقافي مهم متنوع من العلوم إلى الفنون وزخرت الرواية بأنواع عديدة

في البلاغة . فقد أظهرت الكاتبة بيانا ساحرا وقدرة على وضع المعنى تماما على ألفاظه. وآخذ لكم مثالا على حسن التقسيم / تقول مليكة: تدللني الشمس وتغدقني بالأمنيات بينما يغمرني المساء في العتمة فأعانقه وأنام.

استدراج المعنى بشكل ملفت للدهشة مثل /

رغبت في المشي على سكة القطار

ربما ماتت خجلا تلك القطارات التي أضاعت طريقها (بابلو نيرودا) هل يخجل حبيبي من غيابه؟

السفر على متن القطارات كأول تجربة سفر في الطفولة

الوقوف قبالة محطة قطار ذكرى

أشدو لمليون ذكرى

هناك مواعيد واللقاء الذي يشبه القطار اصطدم بسكة الوجع.

-حسن تضمين الحدث الشخصي في الجهاز العام للرواية مثل /

رائحة الخبز تتسلل وأغاني الشعبي

شباب توزعوا على الرصيف

المتسولون، اللاجئون، المطر، عون النظافة، بائع الورد

تغيرت لافتات الشوارع التي كانت تحتفظ بذكرياتنا. هذه الصدمة غير المتوقعة هي إقحام حسن للحدث الشخصي في الرواية / ميار وأثير

-ذكاء التعبير وأخلقته مثل: قلت لعون النظافة، ارفع رأسك يا عم

ومثل: التقيت سيدة تحمل قفة مقتنيات . ساعدتها، أمطرتني دعاء وقلت آمين.

- حسن الاستهلال /حديث في الضوء. تمهيدا لربطه بدلالة اسم ميار وبالأثير وبالبطل.

...

بقلمي/ إلهام بورابة