وليد العرفي تُحيل قصيدة حنين للشاعر: عبد الإله الياسري متلقيها على العاطفة التي جاءت في استهلال عنوانها بكلمة مفردة جمعت، ومنعت في الآن ذاته ما بين اتّصال معنوي بموطن، وانفصال بجغرافية محققة حسياً باغتراب الشاعر، وهو يُكابد ذلك التغيير الحاصل ليس على الصعيد النفسي وحسب، وإنما على مستوى الطبيعة والمناخ المُتبدّل؛ ما بين مناخ العراق وشمسه التي كانت لافحة، وما وجد الشاعر نفسه  أمامه، وهو في أتون برد وشتاء مختلف في منفاه عمّأ عهده:

أصدُّ الثلجَ مُغترباً بكفٍّ          وبالأخرى أصدُّ لظى اشتياقي

إنه تجسيد للحالة التي  يجد الشاعر نفسه أسير جانبيها في إطار المعاناة  ما بين واقع موجود مرفوض، وآخر مغيب مرغوب؛ وهذه الثنائية في الأضداد ستشكل لدى الشاعر رؤية جديدة، وهو يتحسس مرارة الموقف، وقسوة الحالة التي يكابد معاناتها ما بين حضور وغياب وإظهار وإضمار تلك الثنائيات التي لا تقتصر على الجانب الذاتي، وإنما تتعداه إلى الموضوعات المتصلة بالذات من إنسان، و مشهدية ما تزال صورتها تعبر على شريط الذاكرة  فلا يجد مؤنساً له من أبناء وطنه، ولا لحظة تجمعه بأصدقائه ممن كانوا ندماءه في  الوطن  يقول:

فلا للكأسِ في كندا نديمٌ                  ولا للكأسِ في بغدادَ ساق

إنها الغربة التي أجبر عليها؛فكانت محاولة تخلص وفرار من واقع مأساوي، ولكنها لم تكن في الوقت ذاته خلاصاً من معاناة عاطفية وحنين دائم يستدر مشاعر الشاعر، ويستهلك عاطفته  حيث تبدو الغربة باعثاً على انعدام توازن الإنسان، وعدم قدرته على التلاؤم مع واقعه؛ فتتساوى الأشياء في تماثلها النفسي، وإن اختلفت قيمتها على مستوى العاطفة والمشاعر التي تظل متعلقة بالوطن:

أُعاني في المكانينِ اغْتراباً             تساوى البينُ عندي والفراق

وبهذا الاستحواذ العاطفي جاءت انتقائية الشاعر لعنوان قصيدته الذي اختاره بكلمة مفردة (حنين) الذي وسم به  قصيدته  بما تشير إليه من دلالات رامزة إلى العاطفة؛ لتكون ليس مجرد علامة سيميائية على النص وحسب، بل لتحقّق ارتباطأ وثيقاً بالحالة النفسية التي تنثال منها اللفظة عبر القصيدة كلها بمرادفات جاءت صيغاً تعبيرية تتعالق معها في الدلالة، وإن اختلفت معها في اللفظ، والصيغة، وهو ما يكشف عنه الحقل الدلالي المشكل للنص؛

فقد وردت مفردة الحب، وما يتصل بها من ألفاظ مثل هوى، حبيبة، (13 ) مرة، هذا ما يجعل من مفردة الحب مقولة ًفي القصيدة التي  لم تفارق بحمولاتها الدلالية مفردة  الحنين وانثيالاتها الدالة عليها، والحنين إنما يتولد لمحبوب مفتقد عزيز، ومتخٍّف عن العين الباصرة لكنه مشاهد بالعين البصيرة، إنه العراق بلد الشاعر الذي يخاطبه مصوراً  حالته قائلاً:

تعِبْتُ ولمْ يتعَبْ بأَعماقيَ الحُبُّ

وشبْتُ ولم يبلغْ صباباتيَ الشَّيبُ

وأَشغلَ جنحيَّ الزمانُ بغربةٍ

ولمْ ينشغلْ عمّنْ أُحبُّ بيَ القلبُ

تتبدى ثنائية المطلع عبر اتكاء الشاعر على مقولة الزمن الذي يستدعيه بدلالات الفعل الماضي تعبت، وشبت المسندين إلى ضمير المتكلم ( التاء) الشاعر نفسه،والحاضر في الفعلين المضارعين يبلغ وينشغل، وعبر هذين الزمنين يبدو مشهد التحول ما بين حدث حاصل بفعل قوة الآخر ( الزمن)، وثبات بفعل ردع وتحدٍّ بفعل قوة ( الذات) وهو  ما يُعلّل استخدام الشاعر أسلوب النفي؛ ليفيد بقلب الحاضر إلى الماضي محاولةً منه في إيقاف دولاب الزمن، وحركته المستعجلة عبر تلك الثنائيات:

تعبت ــــــــــــــــــــــــــــــــ لم يتعب

شبت ـــــــــــــــــــــــــــــــ لم يبلغ

أشغل ــــــــــــــــــــــــــــ لم ينشغل

 

لينقل إلى تعميق تلك الرغبة بتجذير حقيقة وجوده؛ فينتقل من ثنائيات التضاد بين الأفعال التي تعني الحركة والتغيير المستمر إلى ثنائية السكون و الثبات برمزية الأسماء؛ فنجد الثنائية الضدية تقع بين الاسم: (حضوري) الذي أراد منه الإشارة إلى الثبات الذي يسعى إلى تأكيده،والفعل: (غيَّبني ) رمز الحركة والتغيير الذي يرفضه وفق هذه الثنائية:

غيَّبني ــــــــــــــــــــــــــــــــ حضوري

لئنْ غيَّبتْني عن بلادي عصابةٌ

ففي كلِّ ليلٍ من حضوري بها شهبُ

وسنلاحظ سيطرة الأسماء في في بقية الأبيات على حساب  حضور الأفعال، وهو ما يتساوق مع ما أشرنا إليه من رغبة تأكيد المواطنة، وانغراس الشاعر في عراقه، وقد تبدَّتْ تلك النزعة عبر دوال: " جذري، مائي، طيني "، وهي تكشف بما لا يحتاج إلى تأويل عن حالة العشق التي تسكن الشاعر، وتأخذ عليه كل مشاعره،إذ جاءت تلك الألفاظ بما تحمله من معان مستقلة بمفردها مسندة إلى ضمير الشاعر (الياء) التي تعني الملكية واستحواذ تلك الدلالات على كيان الشاعر ووجدانه، وهو ما يجعله يعيش ألم بلاده وأملها، كما يشاركها البسمة والدمعة  في توحد عاطفة،  والتصاق كيان روحي / جسدي:

بلادي بها جذري ومائي وطينتي

وضوئي وإنّي من قطافٍ بها اللبُّ

إنْ ابتسمتْ بِشراً فإنِّي شفاهُها

وإنْ دمِعتْ حزناً فإنِّي لها هدبُ

وإنْ أَصبُ في شعري لوصلِ حبيبةٍ

فإنّيَ أَعنيها، وإنِّي لها أَصبو

وتتجلى هذه الوحدة وذلك الاتحاد بين الوطن والشاعر بما في بلاده من ملامح في الطبيعة من نبات  وطير مُتَّخذاً منه رمزيات دالَّة مُوحية بإحالاتها، ومقاصدها الرامية إلى تدعيم مقولته المحورية التي لم يبتعد عنها إلا بالمفردة (حنين)؛ لكنها بقيت مُسيطرةً على النص في توجّهه معنىً ومبنىً :

يَسيرُ معي النخلُ الجميلُ وظلُّه

ويَجثو معي النَّهرانِ والطينُ والعشبُ

وللسعفةِ الجرداءِ منِّيَ خضرةٌ

وللطائرِ الظمآنِ من أَدمعي شربُ

وما كان بُعدي بُعدَ من نَسيَ الهوَى

ولكنَّه بُعدٌ يَزيدُ به القربُ

ـ وغير خاف أن استخدام الشاعر لرمزية النخيل، إنما جاء للتعبير عن دلالة تعيين تُفيد بحقيقة اـشتهار العراق بالنخيل من جهة، ومن جهة أخرى إرادة تأكيد تجذُّر الشاعر في وطنه على الرغم من بعده،إذْ يُمثّل النخيل بهذا المنحى  مُعادلاً موضوعياً لذات الشاعر التائقة للتجذُّر بأرض وطنها، بينما يبدو الطير مُعادلاً آخر لمعاناة الشاعر الذي وجد نفسه مُهاجراً برغمه عن موطنه الذي مهما نأى، فإنه يحمله و يُحلَّق به بعيداً بجناحيه؛ ليبقى في روحه ومشاعره يستحق منه بذل الغالي افتداءً وتضحيةً في سبيله، وهو بذلك الفعل يكشف عن عمق المأساة التي يعيشها بين عشقه وإخلاصه لوطنه، وما كان من  مُتسلّطي الوطن من إساءة له، وإلحاق أذى به، غير أن النفس الأبية لا ترضى إلا أن تُواجه الإساءة بالإحسان، وقد أحال على مرجعية الشاعر الذي قال قديماً:

بلادي وإن جارت علي عزيزة                وأهلي وإن شحوا علي كرام

فيقيم بناء نصه على تقابل الثنائيات الضدية بين:

أحلام  الشاعر وأمنياته ـــــــــــــــــــــــــــــ وواقع  البلاد وحقائقه

الافتداء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الإهانة

فَديتُ بنفسي بلدةً لم تُعزَّني

ولم يتّسعْ فيها لعاشقِها الدربُ

شرب الماء ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أكواب دم

أمن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رعب

أُريدُ بها شرباً وأَكوابُها دمٌ

وأَبغي بها أَمْناً وأَحلامُها رعبُ

وأَنسَى لها سمّاً وإنّي صريعُه

وأَهوَى لها وصلاً وما بيننا حربُ

التسامح ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحرب

صُلبتُ بها أَلفاً ومازالَ في دمي

حنينٌ لعينيها يَطيبُ به الصَّلبُ

وتبلغ المأساة ذروتها لدى الشاعر، وهو  يُقدّم  نفسه القربان في سبيل ذلك الحب؛ ليكون المسيح الذي يُضحّي بنفسه في سبيل خلاص الآخرين، وما ذاك الإيثار إلا بدافع الحبّ الذي تملَّك على الشاعر كيانه، وسيطر على أحاسيسه، وتغلغل شرايينه حتى صار مدعاة لتوجيه اللوم :

وكمْ من مسيحٍ هامَ قبلي بحبِّها

وسَارَ لأَعوادِ الصَّليبِ به الحُبُّ!

وإنّي لسكرانٌ هوَىً بخيالِها

وقد لامَني من فَرطِ سُكْرٍ بها الصَّحبُ

وينقل ليؤكد حميمية العلاقة الرابطة، ووشائج الصلة الجامعة بينهما، مُمثّلاً  لها بأكثر الصلات نُبلاً وقداسة ونقاءً إنها رابطة الأم بطفلها:

وماهيَ إلّا الأّمُّ فاضَ نزيفُها

وما أنا إلا الطفلُ من حولِها يَحبو

حبيبةُ قلبي لا حبيبةَ بَعدَها

فِدَى حَبّةٍ من رملِها الشرقُ والغربُ

تلك العلاقة التي تجعل قيمة حبة التراب الوطني أغلى من كل الأرض الأخرى .

وفي  المقطع الأخير يُنوّع  الشاعر في أسلوبه التعبيري؛ فينتقل من الكلام الخبري إلى الكلام الإنشائي  بصيغة النداء الخارج إلى الدعاء بهدف الكشف والمعرفة والاستفهام الذي جاء تعبيراُ عن توق الوصول،  وتجاوز الواقع؛ لتحقيق تلك الرغبات المكبوتة والأحلام المؤجلة؛  فجاءت (متى) المرتبطة بدلاتها على السؤال عن الزمن ترسيخاً لتلك الإرادة، وتجسيداً لحصولها بالرغبة في تحديد الزمن:

أَلَا أَيُّها السرُّ الإلهيُّ دُلَّني

عليكَ وأَنبئْني بما خَبَّأَ الغيبُ

متَى يَصفِق الدّيكُ العراقيُّ جنحَه

وينجابُ عن فجرٍ شفيفِ السَّنَى حَجْبُ؟

وتَرجِعُ أَطيارٌ نأتْ عن سمائِها،

ويَلتمُّ من بَعدِ الشَتاتِ لنا سِربُ؟

وتَطلَعُ من عمقِ المقابرِ بذرةٌ

وتُمطرُها من غَضْبةٍ حُرَّةٍ سحبُ؟

وأُلقي لجامَ الصَّمتِ عنِّيَ صارخاً:

لقد زالتِ الأَكفانُ وانتفضَ الشعبُ؟

 

سلاماً على البركان مادام ثائراً

وأَهلاً بفيضِ النَّارِ غايتُه الخصبُ

وسقياً ورعياً للرعودِ وراءَها

ربيعٌ لإنسانٍ يحاصرُه الجَدبُ

لتنتهي القصيدة بالدعاء وتحقيق الغاية التي ينشد، والهدف المأمول الذي يتمنَّى اقتراب تحقيقه، علَّه يرى فيه بداية جديدة لوطن حلم مُتمنَّى، وتجسيداً لآمال مُضمّرة .

 

د. وليد العرفي

.................

للاطلاع على القصيدة في صحيفة المثقف

نزيف الشمس / عبد الاله الياسري

 

 

وليد العرفي يُشكّل غرض الرثاء أحد أهمّ الموضوعات الشعرية ؛ لما له من لصوق بالنفس الإنسانية كونه يشتغل على موضوعة الفقد، والفقد بوصفه عرضاً حياتيّاً يستحوذ على مشاعر الإنسان كلها، لما يعنيه ذلك المفتقد من مكانة لا يُمكن أن يملأ فراغَها، أو يُعوّض عنها آخر، ولذلك يتصف الرثاء بأنه أصدق أغراض الشعر؛ لتنزّهه عن الغائية، كما أنه يستثير العاطفة في سمو مشاعرها، ونبل أحاسيسها، وقد شغل الرثاء حيزاً في شعرنا العربي الذي تعدّدت فيه المراثي باختلاف الأشخاص وعلاقاتهم بالشاعر الراثي ما بين رثاء الحكام والملوك إلى رثاء الأقارب من ابن أو بنت أو زوج، وهذا ما تشغله قصيدة الشاعر د. جواد غلوم الموسومة بعنوان:

"أستأذنكم بهنيهة حزن" وللعنوان دلالته من حيث البنية والنمط والتوجه ؛ فقد قامت بنيته اللغوية على: فعل مضارع + ضمير كاف الخطاب + ظرف زمان + مضاف إليه، ولهذه البنية التي، وإن جاءت عفوية في سياقها إلا أنها على مستوى الدلالة السيميائية تُحيل على أن الحزن موقف مضاف إلى الزمن، وهذه الإضافة للحزن تستوجب حيزاً من الزمن، وهو الزمن المقتطع من سيرورة الحياة المُتعاقبة التي لا تتوقف في لحظة ما لحدث طارىء، أو لموقف عابر، وهو زمنٌ بحاجة إلى مساندة جمعية ؛ لما يشعر به الحزين من حاجة للمساندة والوقوف إلى جانبه، وعلى هذا يكون العنوان نداء استنجاد، وإظهار حالة بحاجة إلى الدعم والمساندة التي جاءت بالزمن المضارع ما يُفيد باستمرار الحزن المؤقّت الذي أعلنت عنه دلالة الظرفية "هنيهة  من الزمن "، وهو ما يبدأ به القصيدة التي تتوالى فيها أفعال: " أنادي، أعاتب "، وهي أفعال مُعبّرة عن القول والحوار الذي يُشخصن الجماد والحواس  في إشارة رامزة إلى حالة الوحدة التي آلت إليها حال الشاعر بعد رحيل فقيدته يقول:  

أنادي عيوني

أعاتب دمعي:

كفى نظراً للمرايا التي ألِفتْ وجهَها

كلّ هذي السنين الطوال

أقول لكَـفّي وأرجف:

كفى عبَـثاً في الخزانةْ

فمازال عطر المليسيا

يحنّ إليها حنين الغريب الى ألفةٍ

الى وجهها الذي فرّ  كالطيرِ حين يأنس طلعتها

كالجناحِ من الخوف حين يأمن في عشّهِ

حين قالت وداعاً وفرّتْ

كأحلامنا الضَّائعةْ

وخيباتنا الشَّائعةْ

وذاك الشَّمعدان يذوي بلا شمعةٍ تحتويهْ

وتلك مخدّتها لا تنام

معبأةً أرَقاً مستدام

تلك أثوابها فقدتْ لونها

أنهكتني أزاهيرها في القماشْ

تريد رحيقاً شميماً

وعطراً يشذّبُ أحزانَها

يا لشمسي التي رحلتْ غيلةً

وهل تهرمُ الشَّمسُ عند المماتْ ؟

وذا خيطها الضوء يبزغ رغم السباتْ

يُجدّد فيَّ الحياة الزؤام .

تبدو جزئيات الحضور للفقيدة من خلال أثاث المنزل الذي يتحوّل  كل قطعة فيه إلى ذكرى، وغصّة حرّى تبعث على مزيدٍ من الألم، وتزداد حميمية العلقة بين الأشياء الجامدة، وذكريات الشاعر عبر تراكم صور تعبّر، ولا تُصوّر؛ وهو ما يكشف سبب ندرة الصور في القصيدة التي تغيت البوح والتعبير، لا إرادة التمثيل والتصوير، فلا نجد إلا صورة التشبيه التي قاربت بين رحيل الزوجة والأحلام الضائعة في إطار المشهد الكلي الذي جاء مؤطراُ ضمن لوحة الحزن الأكبر فافتقاد الزوجة التي غيّبها الموت تتماهى بالأحلام الضائعة، ولنلاحظ أن موت الزوجة يُعادل كلَّ الأحلام الضائعة، وهو ما يُبيّن مكانة المفتقدة في نفس الشاعر، ومدى الأسى الذي خلَّفه في نفسه ذلك الفقد:

 " ضاع السوارُ وفصّ عقدي

وبـقـيـتُ فـي بغـداد وحْــدي

كــانــَتْ صديــقـةَ خافِــقِــي

أدراج مُــرتَــفَـعي ومجدي

ولقد لجأ الشاعر للتعبير عن تلك الحالة بتنويع الإيقاع ما بين الشعر الحديث الذي جاء على إيقاع بحر المتقارب في بداية القصيدة  وصولاً إلى الختام الذي وجد في الشعر العمودي الوعاء الذي يسكب فيه دفقته الأخيرة ؛ فجاءت نهاية مُعبّرةً، بدفقةً شعورية سكبت جرعة أحزانها جرعةً واحدة، فها هو يبقى غريباً مفرداً في بغداد، وقد غادرته منْ كانت له السند والدعامة والملاذ والحب يقول:

 ما ضـرَّ لـو مُـتْــنـا مَـعـــاً

إلْـفانِ واشْـتَـركـا بِــلِـحْـــدِ

وحدي أيؤنسني الأسـى؟

عمرٌ بفقدكِ كيفَ يجدي"

وقد اعتمد إيقاع البحر الكامل الذي جاء على شكل تنويعٍ يندب فيه حالة الفقد عبر تكرار أسئلة أرادت أن تؤكّد وتُظهر  أكثر من أن تسأل وتستفسّر.

 

د. وليد العرفي

...................

للاطلاع على قصيدة الشاعر في المثقف

أستأذنكم بهنيهةِ حزن / جواد غلوم

 

تقوم رواية (برهان العسل) للروائية السورية سلوى النعيمي على لعبة الاختلاف والتطابق، ففيها يتأسس الاختلاف في السرد – التأويل، والتطابق في الرؤية – المعنى، فالنص هو الاختلاف عينه، ونصيته هي اختلافه عن نفسه، ومن هنا، فان النص من خلال نصيته يأتي بنصوص أخرى، يدمجها، يستحضرها، لدعم النص الأصلي، ولتشكيل بؤرة مركزية، وهذا ما اشتغلت عليه النعيمي، عندما ملأت نصها بمقتطفات مستلة من كتب التراث تدور جميعها حول الجنس والمعاشرة، حتى محتويات الرواية لم تضعها على شكل فصول، بل عمدت إلى تقسيمها على شكل أبواب على طريقة كتب التراث العربية الإسلامية، وهذه المقتطفات المختلفة تقرأ أو تؤوّل ضمن أنها جزء من النص، وأنها ضمن المعنى العام الذي يقرأ بوصفه دلالة.

 إن النص يخفي شيئاً ما، لذا يجب أن نكشف هذا الشيء، ونعلنه ونستدرجه، فالنص ينظر إليه هنا على انه لعبة تمنح المؤلف والقارئ إمكانية إنتاج معانٍ كثيرة، وعلاقات تواصلية لا نهائية محققة للعمل وجودة باللقاء بين النص والقارئ، ففي هكذا نص نعثر على الذات والموضوع، والذات والعالم، والمؤوِّل والمؤوَّل، وفي الاختلاف والتطابق – التأويل/ المعنى – يحدث اللعب، إذ أن لعبَ اللعب، هو تأويل التأويل، وتجلي المعنى، وفي الآخر تكون اللغة هي موضع اللعب.

أما الجسد في الثقافة العربية الإسلامية، فيكون شديد الحساسية والإرباك، شديد التوجس والحذر، وخاصة في النص الأدبي العربي المعاصر، الذي يتناول الجسد، جسد امرأة، امرأة تحكي عن مغامرات جسدها، وارتعاشاته، ولذته، وتشظيه في رغبته، وفناءه في الآخر، ولان (الثقافة تحرم الجسد المؤنث من حقه اللغوي العقلي وتحصره في حقل دلالي واحد لا يغادره ولا يخرج عنه، إلا إلى متاهات الإقصاء والإلغاء)(1)، عليه تصبح أية كتابة من قبل المرأة عن جسدها، ضمن سياقات وأنظمة هذه الثقافة المتموضعة في ذهنية الفحولة، معارضة ومخالفة، وتعمل على تخريب الذائقة السردية الذكورية المحفورة عميقاً في الذاكرة المجتمعية.

 إن رؤية الساردة للعالم وللآخرين وللأشياء تمر عبر جسدها، وهذا ما تعلن عنه منذ أول سطر في بداية الرواية: هناك من يستحضرُ الأرواح، انا استحضر الأجساد. لا اعرف روحي ولا أرواح الآخرين. اعرف جسدي وأجسادهم ص13 الرواية. فالوعي بالشيء، ينبثق من خلال الإدراك الحسي، من خلال الإدراك الجسدي، ان الجسد هو الوحيد الذي يستطيع احتواء واستيعاب الأشياء والتلاحم معها وتميز وفرز الآخرين، ففي تجربة الجسد (= التفاعل مع الاجساد والعالم) تتحقق التجربة الإنسانية، التجربة الوجودية. يقول موريس ميرلوبونتي (انني أرى اشياء العالم الخارجية بجسدي، المسها، اكتشفها، اطوف حولها)(2)، فالجسد هو الذي يوحدنا مع العالم، وهو الوسيلة التي نتوصل بها إلى صميم الأشياء، لذا لا جنس بلا جسد، ولا جسد بلا جنس، وبهما يتكامل ويتحقق الفعل الإنساني، باللقاء الجسدي بين الاثنين، بين المرأة والرجل، وبهذه الوحدة – الجنسية يتموضع ويتفصل ويتميز الأنثى عن الذكر.

 لماذا اختارت الروائية (برهان العسل) اسماً لروايتها؟ قبل ان نفكك العنوان علينا ان نعبر عبر الغلاف الأمامي للرواية، إلى الرواية النص، ولو عرفنا ان سرد – الصورة يتطابق مع سرد – النص ، لان الصورة، تمثل الجسد الإنساني، رغم ان اللغة فيها هي لغة الجسد، ولغة الصورة المشفرة هي جسد النصّ الدلالة، والغلاف عبارة عن صورة امرأة عارية، راكعة على ركبتيّها، لا يظهر في أعلى الصورة إلا اسفل ذقنها وجزء من فمها، وفي الاسفل يظهر أعلى مؤخرتها مطوقة هي وخاصرتها بسلسلة مذهبة، ملتصقة على فخذ رجل عاري، بكلتا يديها وكل صدرها، وشعرها مسدل على ظهرها وصدرها في حالة فوضى، يقول بارت: هناك صور معينة، انها تمتع المؤلف بنفسه وهو يضع اللمسات الأخيرة على كتابه، فلذته هي الافتنان وبذلك تكون أنانية تماماً). ان الصور في هذه الحالة أساسية، لان لذة النص أساسية، ولذة المؤلف تظل موضع نقاش، في الكلمة والصورة(3).

 برهان/ العسل! لنقرأ ما تقوله الساردة عندما تقابل الآخر الرجل:

- كنت أصل إليه مبللة وأول ما يفعله هو أن يمد إصبعه بين ساقيّ يتفقدُ (العسل) كما كان يسميه، يذوقه ويقبلني ويوغل عميقاً في فمي ص30 الرواية.

 اما البرهان فهو الحجة، وقد برهن عليه أي أقام الحجة عليه، كما جاء في صحاح الرزاي، فـ برهان العسل = حجة الفرج = الحجة التي أقامها الفرج على الذكر.

 تقول سلوى النعيمي: أردت أن أبرهن فعلياً على ان اللغة العربية قادرة على كتابة الجنس والتعبير عن الحميمي من قبل ومن بعد، وعلى ان لذة الجنس تحتل مكانة أساسية في هذه الثقافة بعيد عن مفهوم الخطيئة والدنس، عبر تداخل نصي الحديث مع الاستشهاد بكتاب قدماء مثل الجاحظ والسيوطي والنفزاوي والتيفاشي(4).

 لقد أرادت سلوى النعيمي ان تذكرنا بان كتب التراث في الثقافة العربية الإسلامية تحتوي على الكثير من الكتب التي تتناول الجسد – الجنس، وهي مكتوبة من قبل فقهاء كبار وعلماء لهم بصمتهم الواضحة في الثقافة الإسلامية مثل كتاب (السحاقيات) للصميري، وكتاب (نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب) للتيفاشي، وكتاب (روض العاطر في نزهة الخاطر) للنفزاوي، وكتاب (رجوع الشيخ إلى صباه) مجهول المؤلف، وكتاب (طوق الحمام) لابن حزم الأندلسي.

 ان برهان العسل (طرح سؤالاً اساسياً في علاقتنا بلغتنا العربية وبتراثنا العربي الإسلامي. لما نعيش هذا البتر المعرفي الذي يشوهنا؟ الذي يسمم علاقتنا حتى بأجسادنا؟).

 لما نعيش هذا البتر المعرفي؟ ولدينا هذا الكم الهائل من كتب التراث التي تبحث في موضوعة الجنس، والجسد، يرى الباحث والناقد هيثم سرحان في كتابه (خطاب الجنس: مقامات في الأدب العربي القديم) ان الثقافة العربية تمتلك رصيداً أدبياً هائلاً لم يُقرأ ولم يُفكك ويؤول، يقول في ذلك:

الناظر في الظاهرة الجنسية في العالم العربي يكتشف ان الجنس موضوع محظور في التداول والتفكير والنشاط الإنساني، وذلك لان هناك اكراهات فقهية واجتماعية وثقافية تمارس ضده وتؤدي إلى حجبه وإبعاده وإغفاله، ولعل من المثير للدهشة أن الثقافة العربية تملك سبعة قرون من الكتابة الجنسانية في تراثها لكنها تمنع وتراقب وتعاقب من يقترب من تناول الجنس(5). ليس ذلك فحسب، بل أن التراث كانت له انتهاكات كبرى في مجال الجنسانية مثل الاستحواذ على مصادر الجنس واحتكارها من قبل الخلفاء والوزراء والولاة والقضاة، في حين كانت الجماهير تعيش بؤساً وحرماناً جنسيين، وتخضع لمراقبة ومعاقبة اذا قامت بسلوك جنسي يتناقض مع الأنظمة التي وضعتها السلطة، هذا الاختلال بحقل الجنسانية مكن خطاب الفقه من الخروج ببديل منهجي قائم على التحريم والتأثيم التدنيس.

 لقد عملت الروائية على الاشتغال على التداخل النصي منذ الأسطر الأولى، بين السرد الروائي والنصّيات التراثية، بحيث شكل ذلك فسيفساء ملونة، جسدت الوحدة العضوية في جسد النص، وان هذا التناص حسب مفهوم جوليا كرستيفا ادى الى محاولة تقويض سلطة المحظور والخروج منه إلى سلطة المتخيل: (الجنيد الذي كان يقول: احتاج إلى الجماع كما احتاج إلى القوت، لدي حاجة عضوية للماء والمني والكلمات ثلاثة هي عناصري الاولية – ص 52- الرواية) فالماء دلالة ايمائية رمزية جنسية، ففيها التوالد والخصوبة والحياة، ولا حياة بدون ممارسة الجنس (= الفعل البيولوجي)، وبدون المني ، فالماء = المني ، وهذا يذكرني بما يقوله سليم بركات:

فلتكن المياه عربتي وجيادي

فلتكن المياه عصاي اذا اجتاز كالأعمى،

سراديب البطولة.

المياه المياه.

درعي المياه.

 تبدأ الرواية بباب ازواج المتعة وكتب الباه وبجملة (انا استحضر الاجساد) وتنتهي بباب الحيل وبجملة (لم اعش حكايتي فضيحة)،  والرواية تسّرد بضمير المتكلم (انا)، بضمير المؤنث للساردة التي لا تحمل أي اسم، وهي الصوت الوحيد، فهل الأنا هو صوت المرأة الذي تتحدث من خلاله؟ وتختلط علينا عائدية الأنا، ما بين الروائية والساردة، لان الوحدة التركيبية للرواية قائمة على الخطاب النسائي الواحد، وبناءاً على ذلك نرى ان عالم الحياة الذاتية الوجودية للمؤلف (هو ذلك الجانب من المؤلف الذي يتسرّب إلى النصّ، وبهذا يُقرأ المعنى او عالم الحياة الذاتية من طرف المؤول بوصفه معنى النصً، ورغم ذلك يتميّز معنى النصّ من النص، لأن ذلك المعنى يعزى إلى المؤلف، ان معنى النص، هو مضمون النصّ كما يتكشّف في أنواع الأنماط المختلفة: النفسية، والاجتماعية، والسياسية، والتاريخية، فهرمنوطيقا النصّ الأدبي هي تأويل للمعنى الذي يقرأه القارئ في النص)(6).

 ولكن من يؤسس معنى العمل هو القارئ، وفعل تأسيس المعنى هذا إنما هو طريقة يُعرّف النص طبقاً لها، ولكن هنا المعنى يختلف عن النص، ذلك لأن المعنى يتأسس في القراءة.

 هذا يقودنا إلى العثور على تطابق الرؤية (= التشابه في وجهة النظر، في نمطية الشخصية، في الفعل الوجودي) عند السادرة والروائية جزئياً، فكلتهما دمشقية: (دمشق مدينة طفولتي-ص53 الرواية)، (سلوى النعيمي، شاعرة وصحفية سورية. تعيش وتعمل في فرنسا – صفحة التعريف بالمؤلفة) كلفت الساردة بكتابة دراسة بحثية عن الكتب الجنسية العربية القديمة بناءاً على طلب المكتبة الوطنية الفرنسية التي تعمل فيها كأمينة مكتبة، فتأخذ إجازة وتغادر باريس مع كتبها ومراجعها إلى تونس: (طلبت إجازة من عملي في المكتبة، حملت كتبي وهربت من باريس إلى تونس- ص51 الرواية)، الرواية كتبت ما بين باريس / تونس: (كنتُ أظن ان الكتابة في موضوع الجنس لم تعد من المحضورات لأنني كنت اقرأ ما يكتب، قلت هذا في النص نفسه ساخرة من الرقابة العربية في زمن الانترنت – الحوار)، بالإضافة إلى ان الساردة شاعرة وروائية (عدتُ إلى كتابة قصائدي الصغيرة – ص96. الرواية).

 ولكن هذا التشابه ليس معناه تشابهاً حرفياً، وليس معناه ان السادرة في النص هي نفسها الروائية في الواقع، لا أبداً، بل هذا التطابق والتشابه، يقع في منطقة الما بين، بين التخييل واللاتخييل، حتى الفعل السردي مشمول بذلك، بالإضافة إلى التجربة، (فهي لاتسرد الحوادث إلى حدثت بحد ذاتها، ومع ذلك هي تقدم ادراكات حسّية ترمي إلى الإخبار، والإمتاع، والإثارة)(7)، للقارئ الذي يبني عالمه الخيالي أيضاً، وبالذات للقارئ العربي، المليئة ذاكرته التراثية بالأساطير والتخيلات الجنسية الجامحة كـ (ألف ليلة وليلة)، التي وضعها البعض في قفص الاتهام، بعد ألف عام، لمحاكمتها كداعرة تعمل على إفساد العقول، وتقوّض وتزعزع الأخلاق، رغم انها تعتبر من روائع ما أنتجه الفكر الإنساني، ورغم قيمتها الإبداعية والثقافية، وهي من أشهر كتب التراث في الثقافة العربية الإسلامية، ومصدر لكثير من الأعمال الإبداعية الأدبية في القرن العشرين.

 لقد أحدثت سلوى النعيمي خرقاً في بنية الدكتاتورية اللغوية الذكورية، وخلخلة المركزية الفحولية المهيمنة على السردية العربية، والعمل على تكريس خطاب الأنوثة الذي يؤمن بالثنائية الجنسانية.

 إن القارئ قد يكون مخطئاً في فهم النص على المعنى الذي قصده المؤلف – أحيانا يكون المعنى مراوغ – رغم ان سلطة النص مستمدة من التداخل النصي بين التراث واللحظة السردية في الرواية، فإذا قرأ القارئ النص، ثم يعلن رأياً قاطعاً يكون قد وصل إلى حالة التوحد مع النص، ليصبح متفرداً، لا يمس، بينما يظل النص مرجعياً من الناحية العملية، الا ان القارئ يصبح دكتاتورياً، والحقيقة تظهر فقط من خلال القراءة المختارة للنص، وان القارئ هنا وبالذات في هكذا رواية، يستطيع ان ينشئ أيضاً معنى النص، عن طريق اختيار مقاطع من النص لتقديمها إلى القراء، فيهدم مرجعية النص بعملية الاختيار هذه.

 لقد ابتعدت المرأة في كتابتها عن لغة الرجل، بعد ان تعلمت منه فن الكتابة، ثم طورت نفسها، ووضعت لها أسلوباً خاصاً بها يميزها عنه، لذا لم يعد نتاجها مكرراً لنموذج الرجل، وبهذا اكتسبت وعيها، وحققت خصوصيتها، مؤكدة على وجودها كذات مستقلة غير تابعة للرجل، بعد أن تحررت من مخاوفها(8)، فتحرير الذات يعتبر في الحقيقة تحريراً للجسد، وفي رواية (برهان العسل) يتحرر الجسد من خلال الذاكرة والخيال، وان فلسفة الجسد التي يمكن التعبير عنها عبر المظاهر والحالات السوسيولوجية والثقافية، لا يمكن فهمها الا من خلال استيعاب عميق سوسيوتاريخي ورؤية شمولية لوعي الإنسان بجسده.

 ان الذاكرة والخيال، مضافاً إليهما كتب التراث الجنسية، تحدد ملامح البطلة بها، وبهذه النقاط الثلاث تكون مكتملة، في تسطير رؤيتها لما ترغب، ولما تريد ان تعلنه، ولما تفضحه، بحيث أصبحت جزء من ثقافتها، ومخيلتها، وحياتها الجنسية، حتى تساؤلاتها كانت تتوقف عند معلميّها القدماء لأنهم كانوا اكبر من هكذا أسئلة:

هل كوني امرأة هو الذي يفخخ قراءاتي السردية؟.

أليس اعتباري لها سراً جزءاً من تلك التربية المخصية التي ربيت عليها. لماذا يمكنني ان اتباهى بقراءة الأدب البورنوغرافي الغربي والشرقي واخفي قراءتي للتيفاشي؟ ص22 الرواية.

 ان الحفر المعرفي الذي قامت به سلوى النعيمي في جسد هذه الرواية، وفي جسد بطلة الرواية، هو الجمع بين الرمز والخيال والواقع، مستمداً نسغه من كتب التراث العربية الإسلامية الجنسية، ومعتمداً على الرؤية السوسيوتاريخية والايديولوجية والسياسية والسايكولوجية في انطلاق وتحرر الجسد باعتباره لغةً ونصاً مفتوحاً على كل الاحتمالات الممكنة للتأويل.

 وبما ان الجسد الأنثوي حامل للعلامات فهو إذا يلتقي مع النص الذي هو نظام مفتوح من العلامات مع معانيها المتعددة، ولان القراءة تفكك النص بحيث أن العلامات من جهة أولى، تحقق الدلالة، والدلالة من جهة أخرى، تحقق معنى من خلال التأويل.

نقرأ في (باب المفكر والتاريخ الشخصي) الفقرة الآتية:

المفكر حكاية وحده.

قسمت حياتي قسمين ق.م: قبل المفكر وبعد المفكر.

كنت أصل اليه مبللة تماماً. يكفي ان أفكر فيه كي يفور دمي.

ألم يقل لي المفكر مرة، ونحن في المقهى، وانا أغالب شهوتي اليه في مكان عام: لم اعرف قبلك امرأة يعلن وجهها (انتصابها) ص29 الرواية.

 ان الكلمات (لم أعرف قبلك امرأة يعلن وجهها انتصابها) هي البؤرة التي تلفت الانتباه، فقد يتساءل أي مرء من الذي يتكلم هنا؟ أكيد لا يمكن ان تكون الراوية، حتى بصورة غير مباشرة، ما دام تؤول شهوة البطلة على انه شبق، ولا يمكن ان يكون المفكر لأنه يعرف ان البطلة ترغب به بقوة، ان الصيغة (يعلن وجهها انتصابها) تعني عن اهتمام شخصية واحدة، شخصية ليست هي البطلة ولا المفكر، وإنما القارئ، فالقارئ هو الباحث عن الحقيقة، وهو المتتبع للخطاب السردي، رغم ان الخطاب السردي الروائي موازياً للخطاب السردي التراثي وأحياناً يكون متداخلاً مع الخطاب الآخر، إلا أنهما يكونان مستقلين، ويملك كل منهما خصائصه، ومميزاته، وتوجهاته الدلالية، إلا أنهما يخضعان لقرائية تأويلية موحدة، ذات اتجاهات متعددة.

 وبالعودة إلى الصيغة (امرأة يعلن وجهها انتصابها)، يكون معناها الدلالي الخاص المتمثل في نصية النص، غير معناها الدلالي العام المتمثل في ايحائية النص، فان دريدا يقول ان هناك (نصاً عاماً ينقش، ويغمر عملياً، حدود خطاب تنظيمه، بشكل تام، الماهية، والمعنى، والحقيقة، والوعي، والمثالية، الخ)، مما يعني ان هنالك المعنى الغائب، الذي يكون باستطاعتنا استعارته ومواجهته مع الصيغة السابقة:

- قراءاتي السرية تجعلني اعتقد أن العرب هم الأمة الوحيدة في العالم التي تعد الجنس نعمة، وتشكر الله على هذه النعمة. ص43/ الرواية.

 اما مفاجأة الراوية الكبرى للقارئ، فهي ان المفكر، لم يكن موجوداً نهائياً، وان حكايته كانت لعبة سردية اخترعتها الراوية:

- قلت له: كن، فكان كما خلقته انا بكلماتي ص147 الرواية.

ليس ذلك فحسب، بل تقوم الراوية بالتأكيد على ذلك، ان المفكر (كان حيلة) من حيل الكتابة، وهذا الشيء يعمل على قلب موازين المعادلة للرواية جميعها ويضعها في خط اللاحسبان واللامتوقع، واللجوء إلى منعطف خطير في قرائية تأويلية منبثقة من سردية فجائية، تظهر لأول مرة، لرسم مسارات ونهائيات، يشتغل عليها القارئ، فقط القارئ، وخزينه المتراكم من معارفه المتواجدة في فكره:

- يخطر لي الآن، وأنا أعيد قراءة ما اكتب، ان المفكر كان حيلة من حيل الكتابة وانه لم يوجد أبداً، ولذلك كان لابد لي من ان اخترعه. ص147 الرواية.

 

أسامة غانم

..........................

الهوامش و الاحالات:

1- د. عبد الله الغذامي – ثقافة الوهّم: مقاربات حول المرأة والجسد واللغة. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. بيروت ط1 1998. ص83.

2- د. يوسف تيبس – تطور مفهوم الجسد – مجلة عالم الفكر . العدد 4. المجلد 37. ابريل – يونيو/2009. ص56.

3- ج. هيو سلفرمان – نصيّات : بين الهرمينوطيقا والتفكيكية. ت: حسن ناظم وعلي حاكم صالح. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. بيروت ط1 2002. ص191.

4- حوار أجرته الصحفية ريم نجمي في قنيطرة مع الروائية سلوى النعيمي. أعادت نشره جريدة الوطن العراقية في العدد (27) 16/أيلول/2010، و أي اقتباس آخر للروائية الواقع ضمن قوسين وبدون ترقيم هو مستل من الحوار.

5- حوار أجراه محمود منير في جريدة (العرب اليوم) مع الباحث والناقد الأردني هيثم سرحان في العدد 4990 في 6/3/2011 حول كتابه (خطاب الجنس: مقاربات في الأدب العربي القديم).

6- نصّيات. م.ن ص121.

7- نصّيات م.ن ص151.

8- د. فاطمة بدر – خطاب المرأة العراقية الروائية . مجلة جدل العدد 7-8/ك2 شباط 2008. ص35.

* سلوى النعيمي – برهان العسل – رياض الريس للكتب والنشر – لبنان/بيروت ط3/ايلول 2008.

 

 

ياسمينة حسيبي3في زمن الحجر، كتبت فاطمة الزبيدي كي تكسرقيود الروح، تحولت إلى "بؤرة حرية" ،

دخلت إلى نفسها بحرص ودراية ثم خرجت منها بمغامرة إبداعية هيعبارة عن نصوص قصيرة /مكثفة تضيف الكثيرإلى تجربتها الرصينة في الإبداع والتجديد.

ولست أعرف شاعرة كفاطمة الزبيدي- تحث الخطى في مسافات العمر لتمسك بالواقع وتحيله تجربة شعرية جديرة بالثناء؛ لست أعرف شاعرةمثلها تحاور ذاتها بشفافية و تتجلى عبر المفردة الشعرية المنتقاة منخلال ثيمات شعرية متنوعة في استمرارية  إبداعية تُحسد عليها.

في زمن الحجر، استطاعت الشاعرة أن تسبر دواخلها بطريقة"مختلفة"،  إعتمدت على بديهيتها الشاعرية لتشتغل لغويا وشعرياعلى ثيمة "الحجر الصحي" من خلال نصوص سهلة/ممتنعة اخترقتأرواحنا ببساطة مفرداتها وعميق معانيها وكأنّما الشاعرة تستقوي برقيقمشاعرها على واقع مظلم وقاتمِ المعالم.

فالحجر لم يسلُبِ الشاعرة حريتها الإبداعية بل على العكس حولها الى"بؤرة حرية" تسافر في كل مكان بخيالها الشعري الواسع وتلتقط صورًاناضجة في الإيحاء لواقع جديد فرَضه الوباء و"تساوت فيه المخلوقات " بفعل الخوف وبفعل الضعف الإنساني أمام المجهول "العادل" على حدّقولها.

تقول الشاعرة :

في الحظرِ ...

أنا بؤرةُ حرية ...

الهواءُ موبوءٌ  ...

وحمى تعتري لُغتي

قيثارتي مبحوحةُ البوّحِ

كورونا عادلٌ كالليل

تتساوى فيه المخلوقات

ويُلبسهم لونَهُ الموّحد .

فاطمة التي تعي الفرق بين الوجود والتواجد، عوّدتْنا على انتقاء مفرداتهابوعي شعري يُشهد لها ، فهي تشحن لغتها بمقومات جمالية ودلاليةوتكشف لنا -في كل نص- عن تقييمها الشخصي لمفهوم النص المتجددبقوة الواقع ولهذا استطاعت في هذه النصوص "المكثفة/المختلفة" أنترسم لنا صورة شعرية في المفاد الضمني لمشاعرها كامرأة/شاعرة من زمن كورونا .

لقد قررت الشاعرة أن الكتابة في زمن الحجر ستكون "مختلفة" وأنعملية بناء النص ستنطلق من ذاتها الشاعرة "البدائية" في رسم وتلوينحقيقة واقع جعلها تعود أدراج الطفولة وكأنّها تريد أن تؤرخ " لتجربة" جديدة شعريا أو كأن وقْع الوباء جعل روحها الشاعرة تهرب بالنصالشعري إلى منطقة  "غير موبوءة"حيث أطلقت ذاتها لطاقة البوح وجعلتالمسافة تضمحل بينها وبين القارئ -رغما عن الحظر - كي تشاركه  وعبرالشعر أدق التفاصيل من يومياتها المحجورة.

تقول الشاعرة:

في الحظرِ …

أصافحُ الصبحَ ، أكتبُ على شفتيه :

       شكراً  (كورونا )

أجلستني -  وأنا في السبعين  - على خشبةٍ الفصلِ من جديد …

لملمتُ أطرافَ قراطيسي  ، احتضنتُ قلمي ، ممحاتي ، ومبراتي

        الأحضان تخاصمت محظورة

ثم انتزعتُ فتيلَ القبلة ِ ،  ألحقتُ الباء بنون  …

 أمست محظورة هي الأخرى

تراقصت فراشاتُ عشقي ، تقبّلُ ألواني

وعلى وسائدي نقشتْ حقلَ خُزامى

                    أكرعُ عطرها … لأنام .

الشاعرة تعرف دور المفردة  في بناء الصورة الشعرية ولهذا تختارها فقط عندما تتجمع حواسها الخمس حول القلب فتأتي نصوصها تزاوجا جميلا  بين حسّها الإنساني الفريد وحسها الشعريالمتفرد ذلك لأنها -كشاعرة- تتميز بالفطنة أولا وبالمصداقية ثانيا  فينقل  "الحدث اليومي " الى مستوى الشّعر .

تقول سليلة الشعر:

في الحظرِ …

أُسَّرِحُ  جدائلَ المساءِ …

أُرْخي  ستائرَ الذكريات  …

أغرَقُ في بئرِ أحلامي التي سرقها (صينيٌّ) نَهِّمٌ

وأوقَدَ شعلةَ الفايروس  في أركانِ عِشّقي  …

 عِشقي لأحفادي الذين لم أُقَبلْهُم منذُ دَهرٍ وكورونا

مَنْ يُطفيءُ  غَلياني  ، ومطبخي أضاع  ( الشّخاط أبو النجمة)؟

وطفاية الحريق استعارها جاري مُذ كان هناك صلة قُربى  …

ولَمّة الجارات حول صينية ( الچاي وكعك ) …

                         و ……… ( أبو الحليب يابقصَم)

 

وهنا تتجلى قوة الانصهار مع الحدث : مفردات يومية/ومشاهد اجتماعية أثْرت بنائها للنص ونهضت بمكنوناته مع العناية بكثافة الصورة، مفرداتوظفتها الشاعرة في التقاطات شعرية ممهورة بالتجربة الشخصية حيثتشكل الذاتية أهم المصادر الإلهامية.

فــ  "الصيني" في زمن الكورونا - وبعيدا عن التجنيس والتّسْيِيس  - يشكل بالنسبة للشاعرة رمزاً لعوالم سقطت من أعلى البرج وأبانت عنضعف بشري كبير  وعن اختلال في كل المفاهيم وهذا ما دونته الشاعرة عبر تأسيسها لتراجيديا الحدث.

أما " كورونا البشعة" التي أتت على الأخضر من الخيال الشعري عندالكثير من الشعراء؛ فقد تعاملت معها الشاعرة بفطنة وذكاء بُغية التجديد والاستمرارية وسخّرتْها _وبقوة _ لمشاعرها كعراقية، كشاعرة، كأم، كجدة ، وكـجارة في التعبير عن مرحلة حساسة ومختلفة من حياتها اليومية والمجتمعية/الإنسانية.

تقول الشاعرة:

في الحظر

أخاصمُ الوقتَ فهو هاربٌ محتال

أقتنصُ من كواليسِه  ما  أحب …

أُقَيدُ معصميه ،  وأكتبُ نصاً في هجاء  (كوڤيد 19)

ثُمَّ أَتراجعُ …  وأكتبُ :

                    شكراً كورونا .

صديقتي تهاتفُني كلَّ  صباح 

 بعدَ أن تَصمتَ اللغةُ  … تتكلمُ الدموع :

تعاليّ نلتقي مصادفةً على مائدةٍ فكرة …

  سأهديكِ كمامةً من انزياحاتِ قصائدي

وأعلقُ على جيدِكِ بلاغةً ضدَ العدوى

في هذا النص المكثف… نلمس خبرة الشاعرة في التوظيف الشعري.

فحين أصبح الناس يتناقلون سيرة الملل في الحجر، نجد شاعرتنا قد تفاعلت مع الوقت  عبر علاقة حسية/انفعالية تجلت في نصّ نابض، متحرك بحركة مشاعرها حيث أن الشاعرة تمتلك القدرة علىالتعامل معه وتعرف تماما ما يجب ان تفعله تجاه هذا  "الوقت الموبوء" والمحجور عليه فأسقطت عليه مشاعرها المتضاربة بين هجاء ومدح ولاغرابة فالشاعرة تدرك تماما أن "كورونا" التي كشفت ضعف الكائن البشري في مواجهة فيروس لا يُرى بالعين المجردة هي نفسها التي أعادتِ البشر أدراج الانسانية على مستوى العلاقات الاجتماعية.

ومن المدهش حقّا أن نجد نصا قصيراً ومكثفاً يحتوي على هذا الزخم من المشاعر -كمنطقة  تمثّل الروحي- وعلى هذا الكمّ الهائل من المعلومات-كمنطقة  تمثّل المادي في الحدث- كما وأنّ استعمال مفردات من زمن الوباء (كوفيد ١٩،كورونا ، كمامة، عدوى) لم تُفقد النص شاعريته بلأبانت عن مقدرة الشاعرة في الموازنة بين تقارباتها الروحية وبين مايجري حولها من أحداث يومية.

لذا يمكن القول بأن فاطمة الزبيدي الشاعرة لا تحب العزف منفردة، ولاتحب الانسلاخ عن اليومي حين تشتد مرارة الواقع فهي لا تنفكّ تطرح رؤاها ومشاعرها تجاه الأحداث وتجاه حركة الحياة لتبرهن بان الشاعر له القدرة على ابتداع لغته من الواقع -أيضاً- بما يتناسب مع الظروف والأحداث بل وأنّ بناء بعض النصوص الشعرية  يجب أن يأخذ بعين الإعتبار مستويات معينة من الطرح والتلقي.

فالشاعرة، وإن كانت وفيّة لتجربتها الحياتية إلا أنها تعي تمام الوعي بمتطلبات النص الشعري الحديث بل وتبرع فيه بكل العمق والجمال وتجربتها الشعرية في " الحجر الصحي" هي استلهامات تنمّ عن ذكاء شعري في التقاط الفكرة عبر  تقنية الكثافة والتركيز في القول ، ذكاء يؤكد أننا أمام شاعرة متميزة تجعل الشعر طوع موهبتها الشعرية الموسومة بالإبتكار والتجديد. 

فتحايا المحبة والاعجاب لشاعرة الوفاء والتميز فاطمة الزبيدي ومتمنياتي لها بالمزيد من النجاح والابداع.

 

ياسمينة حسيبي

(انطباع شخصي)

١٤/٠٦/٢٠٢٠

 

 

 

صالح الرزوقمع أن حبكة “جزء مؤلم من حكاية” للسوداني أمير تاج السر* تغطي فترة سابقة على أيلول / سبتمبر 1750 فهي ليست عملا تاريخيا، كما هو الحال في “توترات القبطي” و“مهر الصياح”. إنها لا تتناول ماضي السودان ولا حاضره، وتتابع أخبار ممالك وإمارات ليس لها وجود على الخريطة. ومهما بحثت عن أسماء الأماكن التي ذكرتها مثل طير وقير وبوادي لن تجد في المصنفات شيئا. ونفس الشيء بالنسبة لتاريخ الأحداث فهو ليس مفصليا بتاريخ السودان الوسيط، لا يحدد نهاية مرحلة ولا بداية مرحلة، ويمكن القول إن الرواية ليست سردا لذاكرة حقيقية، ولا إعادة تركيب وتأويل لها. وكل ما ورد هو من بنات مخيلة الكاتب.

ومع أنها تتابع سيرة شخص واحد لا ثاني له، هو القاتل المأجور (مرحلي)، فهي ليست رواية شخصيات لأننا لا نعلم شيئا عنه. لا خلفياته ولا خططه للمستقبل. ويبدو لنا شخصية جامدة، منتهية، لا تقبل الحذف أو الإضافة. وفي لحظات المكاشفة النادرة يؤكد بلسانه وعلانية أنه بلا صلة مع أحد. لا يعلم ما يكفي عن عائلته. ص 13. ويسمع أخبارهم من أشخاص يلتقي بهم بالصدفة في الشارع أو السوق. ص 13. إنه وعاء لأفكار يحملها معه، وهي مسقطة عليه من القدر ومن النموذج. بتعبير آخر هو نمط لشخصية لها دور ولكنه بلا وظيفة. ويوضح هذه الفكرة العقد الشرير الذي يعقده مع ديباج الفارسي. وهو يذكر بصفقة مفيستوفوليس مع الشيطان أو دوريان غراي مع إبليس. لقد احتكر هذا العقد أكبر مساحة من الأحداث، وما تبقى مجرد ضخ لمعلومات جانبية تضاعف من خوفنا و كآبتنا. ولو أن رامبو كتب رواية لن تكون مغرقة بالفظاعة والدموية والإجرام لهذه الدرجة. لقد كانت الرواية أشبه بإعادة كتابة لـ “فصل في الجحيم” لرامبو. وهي مثله تأخذ موقفا يشك بالأخلاق، بل يدينها، وتضع سلم المعايير تحت المصالح الأنانية للأفراد. وهناك أيضا تعمية على المقاييس، فالمفهومات (كل المشاعر وطريقة الإدراك) تتطور بظلمة داخلية تضيع معها الأسباب وتتركنا أمام احتمالات لامتناهية على مستوى النتائج (وهذا ما سوف يوضحه ديباج قائد وموجه مرحلي في تفسيره لطريقة عمل الميتافيزيقا أو استغلالنا لها). 

وإذا كان مجموع جرائم مرحلي يتجاوز 20 ضحية،  فإن أكثر ما يسجل لها هو أسلوب القتل وبشاعته. ثم طريقة حواره معها وهو نائم. في هذه الكوابيس لا يبدي لنا أي درجة من الندم بل المتعة والإصرار. كأنه يكرر وراء رامبو قوله: أيتها الساحرات، أيها البؤس، أيها البغض، أنتم كنزي. ص 17**. وقوله قبل ذلك: هذا ما كان دائما نصيبي.. فقدان الإيمان بالتاريخ و نسيان المبادئ. ص 32.

حتى أن مرحلي يبدو بالمقارنة مع رامبو أشد فتكا وفظاعة. فرامبو لا يؤمن بالدمار الشامل، ولديه قناعات إيمانية بمخرج ولو أنه متأخر. وبهذا المعنى يقول قرابة نهاية قصيدته: عند الشفق سندخل مسلحين، بصبر متقد، المدن البهية. ص 75.

بينما يختار تاج السر لبطله في خاتمة المطاف السقوط بالعبودية. ويتركه مقيدا ومشدودا لفراغ أسطوري كما قال. ص 311.

وبالنسبة لبقية الشخصيات، التي تظهر وتختفي بلمح البصر فهي من النوع المساند أو أنها داعمة بتعبير النقد الفني. وتلعب دور إضاءة لشخصية البطل. بالإضافة لديباج الذي يشترك في تدوير أو توسيع عالم الجريمة، حتى تتحول الحياة لمربع من الأخطاء والمكائد، هناك سلالمي الكذاب الذي يبيع الوهم على أنه حقيقة، ويزيف موضع الإنسان من نفسه ومن غيره ويشجعه ليس على ارتكاب المعاصي بل على تهديم المعايير. إنه نموذج عالم افتراضي ليس لدينا براهين عنه. أو ما يسميه تاج السر “الاستهتار المكشوف بالمخيلة” ص 125. وما يقول عنه فرويد تزوير الوعي الباطن. وإن لم يكن سلاملي صورة من صور إبليس فهو رمز للإنكار والخطيئة، أو بلغة المرحوم يوسف اليوسف: هو دليل آخر على القحط النفسي الذي أصابنا وما رافقه من مشاعر خمول وركود جعلت لون حياتنا رماديا أو أسود. وربما لم يلتفت أحد مثل يوسف اليوسف لرمز اللون في الأدب العربي منذ أيام المعلقات وحتى حداثة حيدر حيدر وزكريا تامر، وما بينهما من علاقة تشبه الدال والمدلول،  أو صورة رمز ومعنى ماهية. 

ومن هذه النقطة يمكن الدخول في عوالم “جزء مؤلم من حكاية”. إنها رواية أفكار، وتعمل على توسيع فكرتها عن القوة السالبة في المجتمع وليس الحضارة، وعن شبكة العلاقات بين النماذج وليس الواقع السياسي. وهنا  عناصر قوتها وبنفس الوقت عناصر تحولها. فهي علبة حكايات أو صندوق للحكايات، ما أن تفتحه حتى تتطاير منه الأخبار والحوادث. وإن كان لا بد من مقارنة يمكن ربط هذا الأسلوب بـ “الديكاميرون” أو “ألف ليلة وليلة”، حيث الحكاية الأساسية تتفرع لحكايات أصغر حتى نصل في النتيجة لعنقود من القصص (حسب تعبير زيد الشهيد في معرض دفاعه عن كتاباته). بتعبير آخر: يحكم منطق الرواية تناوب وتجاور الحكايات  دون أي التزام بالتعاقب.

ويبقى توضيح آخر.

إن “ألف ليلة”، وبقية هذه السير والملاحم، صناعة ذاكرة تحاول أن تقاوم النسيان. فهي تبذل جهدها لتبديل قدر الشخصيات، إن لم يكن بواسطة العصا السحرية سيكون بالإصرار، وهو مبدأ أنوثي وفرويدي يشير للتصعيد أو لتأثير الوقت بالغرائز.  وكما نعلم إن الشيخوخة تفل من عزم العقدة الأوديبية. وربما هذا ما راهنت عليه شهرزاد، وهي تقاوم إيديولوجيا التملك عند شهريار. لقد كانت تربط الحياة بالنور والموت بالظلام، وتعمل على تبديل موضعها منهما. بلغة أوضح: بدلت دورة المؤنث أمام دورة الطبيعة، ليكون التأنيث مجالا معرفيا ولتحتفظ الطبيعة بأصلها الغريزي والفطري.

أما في حالة أمير تاج السر لم تمر الحبكة بمثل هذا التحويل، ولم ينكسر أوديب. لقد انتصر الأب على ابنه، وأودى به موارد التهلكة. وكما قال ديباج (السيد)  لمرحلي (خادمه المطيع):  كنت أرتكب الأذى بيدك. أو كما قال أيضا:  كنت أنتظر ظهورك لتنوب عني بالأذى. بمعنى أنه لم يكن العقل المدبر بل نائبه. وإمعانا بالسادية والإهانة يعترف أنه قتل زوجته (الأم الأوديبية) كي لا ينتفع منها الابن. ويمكن أن تتصور مبلغ دناءته وغدره حين تنتبه لحقيقة فاجعة: أنه لا يكتفي بنفي الابن المولود حديثا ولا بقتله، بل يقتل أمه ليبطل مفعول الرؤية. ويوضح ذلك بقوله: لقد ماتت على يدي، وساعدني الوباء الذي كان منتشرا يومذاك. وينتهي هذا الاعتراف المؤلم بالسؤال العجيب التالي: هل أنا مجنون يا أخ؟. ص 317.

ولنضع خطا أحمر تحت عبارة يا أخ. إنه يشير بالضرورة لتقاليد الرواية العائلية وصراع الأخوة، أو بأقل تقدير لذاكرتنا الميتافيزيقية وجريمة قتل قابيل لأخيه الأصغر، وهي جريمة أثرية تدخل في أحفوريات تاريخ الجنس البشري. بوجيز العبارة كلل خاتمة “ألف ليلة” نهاية سعيدة، صالحت بها الطبيعة نفسها، بينما فشلت رواية تاج السر بذلك. فقد وضعت في الأسر ابن الشرير (وهو آخر لقب يحمله السفاح وسارق الأرواح مرحلي)، وتركت الشرير متربعا على عرش الظلام.

وإن انتهت رواية “إيبولا” لتاج السر نفسه بالوباء وهو يقهقه في الشوارع، يمكن أن تسمع صوت ديباج وهو يضحك في الظلام، ويحوك خيوط مؤامرة جديدة. وهذا يذكرنا فورا بضحكة فومانشو، الشرير الصيني الذي استغلته الحرب الباردة في الهجوم على حضارة المشرق.

ولكن مهما قلنا عن مشاكل رواية “جزء مؤلم من حكاية”: أن بعض شخصياتها تحتاج لمزيد من الوقت والإنضاج، أو مزيد من التفاصيل. وأن شخصية بطلها مرحلي تمثل إنسانا من بعد واحد، يتطور جزئيا ولا يستكمال دورة حياته الطبيعية، تبقى عملا رؤيويا. فهي تسير في ركاب دايستوبيا معاصرة على شاكلة “الطريق” لكورماك مكارثي  و“القصر” لكافكا. إنها تعمم الجزء وتضعه قبل الكل. وتفسر الواقع بضوء إدراكنا له ونحن في لحظة ضعف وسقوط. عموما إن الدايستوبيات الحديثة تختص بالمدن، ونادرا ما تجد رواية قيامة تكتب عن الحقول والجبال والطبيعة العذراء، كأن المدينة الشريرة جزء من مملكة الموت والخراب الأعظم. وتستطيع أن تذهب لما هو أبعد من ذلك وتقول: إن الطبيعة في الأدب رمز للجنة، بينما المدن والمعامل والمخيمات رمز للعذاب بنار جهنم. وأهم مثال هو أدب المخيمات الفلسطينية وسياسة الستار الحديدي (مثل: زامياتين في “نحن”، وسوروكين في “يوم من حياة أوبريشنيك”). لكن تاج السر بدأ سيرة الشخص الخبيث في “زحف النمل”، وطورها إلى سيرة المدينة الملعونة في “صائد اليرقات”، ليصل إلى سيرة تاريخية عن بشرية تغرق بالأخطاء والآثام وهو ما رمز له بصورة بوادي عاصمة مملكة طير في “جزء مؤلم”. ومثل هذه القفزات بالمعاني والأساليب، ولا شك، حولت الدايستوبيا من فلسفة عن مرحلة إلى فلسفة عن حقبة. ويعبر مرحلي عن ذلك خير تعبير حينما يصل إلى بوادي ويرى على وجه المدينة الخامل حقيقته: إنها زوايا مخصصة للموت، وعيون تترقرق الدموع في داخلها. ص 17. وكأنه يريد أن يقول: إن أي إنسان في هذه الدايستوبيا ضحية لجلاد... وأنه هنا لا مجال إلا للشر. ص 322.

وأعتقد أن الشر كان بطل عدد لا يستهان به من الروايات المعروفة. “سيد الذباب” لغولدنغ مثلا والتي تؤكد على أن الشر فطري وغير مكتسب. وأنه ناجم من مبدأ دارويني كلنا سمعنا به: وهو البقاء للأصلح. و”لعبة طفل” لدايفيد معلوف، وهي إعادة سرد للصراع الدرامي والمميت بين غريزة الحياة وغريزة الموت عند البشر وتأثير الواقع الاجتماعي عليه. غير أن ميزة “جزء مؤلم” أنها تقدم الفكرة مجردة دون ميلودراما، وتفرض عليها منطق العود الأبدي كما لو أنها تاريخنا غير المكتوب والذي يكرر نفسه بشكل دوائر لا متناهية. ويصور لنا أمير تاج السر ذلك من خلال نهاية مرحلي واستمرار ديباج بالنشاط. أو بواسطة ما تسميه الرواية في الفصل الأخير (ص 313)  نهاية “مهنة” وبقاء “رسالتها” على قيد الحياة .

 

د. صالح الرزوق

.................

* صدرت الرواية عن دار نوفل. بيروت.  2018 .

** ترجمة رمسيس يونان. و منشورات دار التنوير 1998.

 

وليد العرفي تسعى هذه المقاربة إلى الكشف عن تقنياتىالأسلوب لدى الشاعر الأب يوسف الجزراوي من خلال بعض أنموذجاته الشعرية،

تقنية القصّ في قصيدة:

 (قبل صياح الديك) 

" في ساعةٍ متأخّرةٍ

من لَيْلَةٍ صَافِيَةٍ

ألتمَّ فيها شملُ

القمرِ مع النُّجومِ

رأيتُ ديكَ الوطنِ

يتسكّعُ مُتنكّرًا ومُرتَبكًا

بينما عيونُهُ مُثَقَّلَةٌ بالنّعَاسِ!

كان يدورُ حولَ نفسهِ كالنّاعورِ!

نظرتُ إليهِ مُبتسمًا وسائلتهُ:-

عَلامَ تسيرُ في آخرِ الّليل؟!

أجابني بصوتٍ خنقتهُ الحَسْرَةُ:-

لكي أرقبَ مَن سيُقبّلُ الوطنَ على خدِّهِ

ومَن سيسلّمُهُ بثلاثينَ من الفِضَّةِ!

نَزَعَتُ قبّعتَهُ من رأسهِ

وحللْتُ ربطةَ عنقِهِ

.ثُمَّ حاولتُ أن أُمرِّنَ صوتي معه

رغْمَ هذا اِمْتَنَعَ

وأبَى ان يُبشِّرَ العِراق

بطلوعِ فجرٍ جديدٍ!

سألتُه: لماذا ؟

فأجاب: .لئلّا ينكروه قبل صياحِ الدّيكِ "

يقوم نص الشاعر: يوسف الجزراوي على تقنية الحوار الذي يُشخصن فيه الديك بما يُحيل عليه من رمز غير خاف في دلالته  يبدأ الشاعر قصيدته بسردية القصّ التي تعتمد على وصفية المشهد و الزمن الماضي، وهما دعامتا السرد في هذا الاستهلال الذي يبدأ بشبه الجملة، وهو استهلا يُعنى بتحديد مكونات بقية عناصر القص من زمان:  (ساعة متأخرة من الليل ) ومكان : (الوطن) لينتقل بعد تلك الممهدات إلى قلب الحدث المبني على تقنية الحوار عبر السؤال والجواب، وهي تقنية تُكسب النصَّ أبعاده على مستوى الكشف عن مخبوءات النفس التي تُعبّر من خلال الآخر المٌشخصن: (الديك) بما يعتمل في داخلها، وبما تحسُّ فيه من وقائع ؛ لتقول بلسان الآخر ما تريد الإفصاح عنه، وعلى هذا تبدو تقنية الحوار القائمة على صيغة الاستفهام المكونة من السؤال والجواب استجابة لتكنيك الأسلوب الذي يلجأ إليه الشاعر في التعبير والإبانة

تقنية التسريد

"أحيدُ ولا تحيد" يقول فيها:

رأيتُ في المنفى

سحابةً سوداءَ تبكي

كلّما نظرتُ إليها بطرفِ عيني

تَحِيدُ عني ولا أحيد

ليقيني أنّها قادمةٌ

 من بلادي!.

تبدو في هذه الومضة إحالة رامزة على التعلّق بكل ما يأتي من الوطن، فالسحابة على الرغم من لونها الأسود الذي لا يحمل إلا الأسى، ولا يبعث في النفس سوى حالة من اليأس والإحباط غير أنَّ الشاعر رغم تلك الإحالة لا يحيد بنظرته عنها لمجرد أنها قادمة من جهة الوطن، إنها التعبير عن تعلّق المغترب بأرض وطنه، وقد اعتمدت السردية التي لجأ فيها الشاعر إلى التعليل بالبرهان والأدلة .

حُكَّامٌ مارقون

الحقَّ للحقِ أقولُ:

ثمّةَ حُكَّامٌ قبل حكمهمِ

ألقوا ببلدي في غرفةِ الانعاشِ

ثَمّ اِنهَمَكَوا في القَسّامِ الشّرعيّ

 واِنشَغَلَوا بتقاسمِ الميراثِ

فتناسوا العِبادَ والبلاد!!.

تعكس هذه الومضة حقيقة ملموسة، وتوصف واقعاً مأساوياً ؛فجاءت اللغة تقريرية تفضح طبيعة الحكام الذين لا هم لهم سوى الاستحواذ على ثروات الوطن واقتناص خيراته على حساب البشر والحجر.

تقنية السؤال والجواب

كما في قصيدته (سألهُ وأجاب)

سألَ المَكُّوكُ الخيَّاطَ:

لماذا الإبرَةُ تكسوُ النّاسَ وهي عاريةٌ؟

فمتى ستخيطُ لها ثوبًا؟.

هل أعمى الخيطُ عينيها

أم هي مَن ضلّت الخَيطَ؟

أجابَ الخيّاطُ:

آهٍ يا إبرَةُ

كم خَيطًا خذلتِ!.

تقوم هذه الومضة على السؤال الذي لا يبحث عن إجابة، وإنما يبقى مفتوحاً على إثارة الخيال، ومزيد من الرؤى والتأمل، إنها ومضات تختزل المشهد، وهي تنأى عن إيقافه ؛ لتتجاوز راهنية اللحظة إلى مساقات ليست وليدة وجودها، بل تتجاوزها إلى أفق متعدد ومنفتح على التأويل، واتّساع القراءات ؛ فيما يتّخذ الشاعر فيها دور الراوي .

إيقاعُ الأسدِ ورقصُ الكلبِ

الكلابُ الّذين رقصوا

فوق جثّةِ الأسدِ

نسوا أو تناسوا

أنَّ الأسدَ

هو مَن ضبط لهم الإيقاع

فالكلبُ يبقى كلبًا

وكذلك فإنَّ الأسدَ سيبقى أسدًا

حتّى بعدَ مَمَاتِهِ

فالموتُ لا يخبّئ العُظَمَاءَ!.

تُعبّر هذه السردية الومضة عن ثبات الحقيقة التي لا يُمكن أن تتغير نتيجة حالة عابرة أو راهنية ظرف  ؛ فقد جاءت الومضة تأكيداً لحقيقة واستمراً لمقولة لا تتغير بفعل  متغير، وهنا تبرز قيمة الإحالة التي لجأ إليها الشاعر في تجسيد قيمة الخلود للعظماء الذين لا يسطرون أسماءهم في سفر الخلود، ويبقون أحياء في ذاكرة التاريخ، ولو غيب الموت أجسادهم .

تقنية الأسلوب الإنشائي

(خُبزُ أُمّي)

أيّتُهَا الغربةُ

أقْسِمُ لكِ بالخُبزِ الماسخِ

الّذي أكلتهُ على مَوائدكِ

ما زال مذاقُ خُبزِ وطني

.في فمي يُلاك

وكَيف لي أن أستذوق خُبزًا

ليس فيه

ملح دموع أُمّي!.

ومضة راعشة بالحنين إلى الوطن من خلال رمزية الأم الحاضن الأولى للإنسان، والوطن الأصغر الذي يشتاق إليه الإنسان كلما أضناه التعب، وفاض به الشوق، إنها الأم التي طالما حنّ إلى خبزها، وما يرمز إليها عجينها من دلالات تحيل على البركة والخير والنقاء والطهارة، ويحضرني في هذا السياق قول محمود درويش أحن إلى خبز أمي، وقد نوّع الشاعر في أسلوبه بين صيغ النداء والاستفهام، وهو ما حقّق حركة النص وحيويته .

تقنية السرد باعتماد الزمن كما في قصيدة: (ومضة)

بعد عقدٍ ونيّفٍ

ما زلتُ ألفظُ الغربة

كَمن يريد بشدّةٍ

أن يلفظَ حصاةً

عالقةً في حالبهِ!!.

حالة تجسد حالة المغترب الذي يشعر الألم بعيداً عن موطنه، وهو يُعاني مرارة اللحظة في مغتربه،إنه الألم المستمر الذي يتمنّى انتزاعه .

لقد جسد الألم النفسي بالإحساس العضوي، وبهذا استطاع الشاعر أن ينقل  الشعور، ويمنحه هيئة، وشكل معاناة بالحواس باستخدام الزمن الذي جاء دالّاً تعبيرياً عن عمق المعاناة .

عَسَى المَانعُ

يا الله

مُنْذُ عام ٢٠٠٣

وأنا أُرْسِلُ لكَ الرّسائل

 مِن أجْلِ بلدٍ

لم يزل يَنثِر

.ملح الصَّبر على جراحهِ

ولكَنّكَ إلى اللحظة

لم ترد!

عَسَى أن يَكُونَ المَانعُ خيرًا.

ومضة تعتمد التوقع، وهي محاولة من الشاعر في تحقيق مقصدية رسالته الكلامية في التعبير عن حجم المعاناة والآلام التي تستنزفه أملاً في أن يكون الخلاص بفعل رباني، وقضاء قدري يتمنَّى حصوله، وقد قارب في هذه الومضة لغة الشاعر محمد الماغوط .

 

  د. وليد العرفي

 

مادونا عسكرأن تقدّم ديواناً للشّاعر يوسف الهمامي، فكأنّك تقرب الوحي وتلازم الأنغام العلويّة وتلامس الأسرار الأرضيّة. وفي ذلك تكمن صعوبة التّقديم لما يمتاز به الشّاعر من خصّيصة نادرة، ألا وهي التّماهي مع العالم الشّعريّ والانصهار به حدّ اعتلاء رتبة الشّاعر النّبيّ. فيخضع الشّاعر للشّعر/ الوحي ويستحيل شاعراً ولا يبقى عند حدود الصّياغة الشّعريّة.

يتجلّى الشّعر في ديوان "نشأة الظّلّ" إلهاً يوحي لشاعره الّذي اختاره من بين النّاس وانتزعه من بينهم ليكون رسول الشّعر والإنسانيّة معاً. فالقصائد في الدّيوان لم تُكتب لتعبّر عن جماليّة شعريّة معيّنة وحسب، ولم تترجم مشاعر الشّاعر وأفكاره ورؤيته وحسب. وإنّما القصائد أشبه بالسّرّ  / Mystère؛ تستدعي القارئ ليتأمّلها ويحسّها عميقاً في داخله. فيستيقظ فيه الإنسان، ذلك الكائن اللّغز. ويتحرّك في أعماقه الحسّ الّذي يقود البصيرة إلى النّموّ تدريجيّاً مع كلّ قصيدة.

"نشأة الظّلّ"، ديوان (مشفّر)، أشبه برؤية تستدعي التّفكيك لبلوغ المعنى الأصيل في قلب الشّاعر. وقد لا يبلغ القارئ هذا الحدّ، لأنّه لا يرافق الشّاعر وحسب وإنّما يرافق وحيه. وبالتّالي فهو ملزم أن يذهب إلى الينبوع الّذي منه يرتوي شاعرنا.

العنوان إنسانيّ بامتياز، ويدلّ على إنسانيّة الشّاعر المتوغّلة في عمقه والمتفجّرة من قلبه لتحمل على عاتقها الهمّ الإنسانيّ. ما يظهر تفاصيل الشّاعر النّبيّ الّذي لا يلعب دور ناقل الوحي وإصلاح البشر، وإنّما الاشتراك مع الوجع الإنسانيّ:

إلاهي إني أحبّ ..

وإني أضيء للنّاس جميعاً

ماذا لو فقد النّاس يوماً ضيائي؟؟ (ص 7)

/

أنا الكليم ..

أخبّئ في الغاب غصّة شجرتي (ص 53)

1563 نشأت الظلسيأخذ الظّل أشكالاً متعدّدة، سواقٍ تصبّ في نهر واحد هي كينونة الشّاعر. وإذ كان الحديث عن شاعر نبيّ، فذاك يعني أنّ الشّاعر يتوغّل عميقاً في الألم بفعل الاشتراك بوجع الإنسان. كما يدلّ على تعريف خاصّ للشّعر المرادف للنّبوءة؛ فالشّعر هو الّذي يتوسّط العالم العلويّ والعالم الأرضيّ. فكلّما تماهى الشّاعر مع الأرض والإنسان ارتقى إلى السّماء وأصغى أكثر إلى الوحي الّذي يقول. ألا يقول الشّاعر نفسه: "القصيدة الّتي لا تكتب شاعرها لا تستطيع الإنجاب"؟ وبالتّالي فالشّاعر يراعٌ في يد القصيدة تكتبه وتصوغه. والشّاعر قيثارة تعزف القصيدة على أوتارها الوحي/ النّور الّذي يتغلغل في نفس القارئ ليدلّه على الجمال.

الحقيقة تكمن في ما لم أقله... (ص 29)/ الحقيقة قطيع من الاحتمال (ص 33)

في قلب الشّاعر تكمن الحقيقة. وكأنّي به عاينها ويحياها، لكنّه لا يحتكرها بل ينقلها للقارئ شعراً. والقارئ الذّكيّ يستطيع سبر أغوار الكلمة ليتلمّس تلك الحقيقة. ذاك أبهى ما في الدّيوان. ما يدلّ على نقاء خاص، يلتقطه الشّاعر وينقله للقارئ تلقائيّاً. وسيتجلّى الشّعر النّبوءة في قصيدة (هوامش بوح) (ص33) لتتشكّل المقاطع ومضات نبويّة لا يبوح بها الشّاعر وإنّما ينقل ما باح به الشّعر/ الوحي.

يا أيّها الوضوح غيّبني

وطأة القلب في ما اعتلى

يا أيّها الغيب أنبئني

متعة الرّوح في ما لم أرَ.. (ص 34)

بالمقابل يرتسم في القصيدة مبدأ التّكوين الإنسانيّ للشّاعر، فيعود إلى أصوله الّتي هيّأها له الخالق من قبل إنشاء العالم. ما يعزّز مبدأ إدراك الشّاعر لكينونته ودوره في الوحي الشّعريّ، ومكانته من العالم.

انا انتظرتُ قبل ميلاد التّاريخ

قبل اندلاع الحياة بقليل من الموت

قبل القَبل (ص 35)

..

لكنّ الشّاعر لا يغفل عن أنّ كينونته ترتبط بالأنثى المتماهية معه حتّى تكتمل إنسانيته. وسيأخذ الظّل هنا معنى الاكتمال ليكون الشّاعر، بل لتتحقّق كينونته فيتحقّق الشّعر.

لا بدّ لي من ظلّ كي أراني

لا بدّ لي من أنثى كي أكون (ص 35)

تكوّن هذه الأنثى مع الشّاعر الصّورة النّهائيّة له، فهي ليست خارجة عنه، ولا جزءاً منه. وإنّما الاثنان متّحدان حتّى التحام الأنا- أنت، وانصهار الكينونتين لتصيرا كينونة واحدة:

أراك مع أطفال الكلمات

تضيئين من براءة يوسفك الأولى

تجمعين طيور الكون حول مائدة قلبي

وترسمين على ريشهم بماء الوحي العظيم (ص 49)

هذا الاتّحاد الضّمنيّ لا يحرم أيّاً من الطّرفين استقلاليّتهما ودورهما، وإنّما يحافظ على إشراقة كلّ منهما. فالشّاعر حريص على إبراز المعنى الاتّحاديّ المخالف للذّوبان بالآخر.

أنا - أنت

نحن ساقيتان تلتقيان معا

بين حقول الشّمس والحلم

قبل نهاية العالم برجفة واحدة (ص 51)

 هذه الأنثى ليست مصدر إلهام أو وحي شعريّ. وهي المتّحدة به تشكّل سنداً يؤسّسان من خلاله درباً يقود إلى الله. وهنا ينكشف التّجلّي الصّوفيّ في الدّيوان. فالشّاعر النّبيّ لا بدّ أن يكون على علاقة حبّ بالله، وقد يتلمّس القارئ أنّ الأنثى في هذا الدّيوان رفيقة درب إلى الله: أريدك أكثر كي أقترب أكثر إلى ربّي.. (59)/ أنت اتّحادي العظيم في حضرة الرّبّ (ص 68).

/

سنتراءى معاً هناك

نصلّي بروح واحدة

خفيةً عن الأجساد (ص 78)

يعرف الشّاعر من هو من العالم ومن الملكوت. كما أنّه يعي أنّه مفعول به لا فاعل. ولعلّ قدسيّة القصائد تظهر هذا الأمر وتستبين للقارئ فرادة يوسف الهمامي الشّاعر الّذي بشعره يعرّف الشّعر الّذي  من العسير تعريفه. ويكشف الدّيوان عن نقل الجمال الإلهيّ في سطور تقترب من القداسة لفظاً ومعنى. فإذا مرّ القارئ بها عليه أن يخلع أفكاره وهواجسه المضطربة لأنّه أمام نصوص نطقها الوحي فتجسدت الكلمة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

عواطف الغالي يشكل ديوان "خطى الذئب" تجربة إنسانية غنية، إذ يدرك القارئ أن الشاعر يمزج في شعره عددا من الأفكار التي يوظفها بجرأة الشاعر الذي ينبثق الشعر من همّه الذاتي إلى الهم العام، فيلح في قصائده على حرمان  نفسه من الرغبات التي يتعين أن تتوحد في العام في تجربته الشعرية؛ يقول في أول قصيدة بعنوان "بيت العزلة": لا أريد أن تكون لي طائرة من ورق أحمر ولا بيتا من الشوكولاتة .. ومن يتعمق في هذه البداية القصائدية يدرك أنه يعمل منذ أول قصيدة على تطوير مضامين شعره ليرقى بها إلى مستوى فني، وتقديم آليات فنية ذات معاني تفاعلية.

وتقارب هذه القراءة ديوانه الشعري هذا بما يُمثله من نضج تجربته الشعرية وتطورها. فالديوان يقع في(89) صفحة من الحجم المتوسط، ويضم(31) قصيدة، تتراوح بين الطول والقصر، وقد صدر  عن المطبعة الوطنية ضمن منشورات مركز الحمراء للثقافة والفكر في طبعة أنيقة.

ويضم هذا الديوان قصائد عديدة ومتنوعة في موضوعاتها، منها ما يلامس حدة الألم الاجتماعي، ومنها ما يغوص في العاطفة الحزينة، ومنها ما يحوم حول الانتكاس ومنها ما طرق القصائد العامة، بيد أن الرؤية العامة في هذا الديوان تتألف من بعدين أساسيين هما: البعد الاجتماعي والبعد النفسي، وهما يمتزجان معاً امتزاجاً عضوياً بارعاً؛ الأمر الذي سما بهما  إلى درجة عالية من النضج والعمق والتكامل في سبك القصائد.

انشغل الشاعر بعدد من الهموم انشغالاً كبيراً، بقدر ما نجم عن ذلك من ضياع  الحلم، حتى في فترات الأمل يعود ويتحسر بغيض، يقول مثلا: فاتني أن أخبر أمي أني جاهز للفرح حين أقبلها؛ ثم يستطرد: تجاوزنا الزمن وأصبحنا مثل أشجار الصنوبر شاخت ولم تسقط. والأمثلة كثيرة تعج في ما بين دفتي الديوان. وكل هذه المضامين أقضّت مضاجع الشاعر، فانعكست في تجربته الشعرية، فأضحى يرى أحلام الناس ويرى الواقع مختلفا عما يراه وكما ابتغاه. يقول: وتراءت لي أحلام الناس في الشارع ثم يقول في قصيدة أخرى أصبحت الأمور غريبة جدا.. فقد تضاعف لدى الشاعر الانشغال بالأحداث اليومية المريرة، وما يترتب عنها من مشاكل إنسانية.

1557 نور الدين بازين لقد شكل المضامين المتنوعة بلغة فنية شاعرية أكثر تأثيرا في القارئ، وهي منهجية تنم عن عمق المادة الشعرية لديه، وعن وعيه بأهمية الخطاب الشعري، حين يختطف الأحداث ويرنو بها إلى الجمال اللغوي والمعرفي والتصويري، وهو ما يؤكد فلسفته الشعرية خاصة وأنه يعاين بروحه الواقع المعاش، فينهمر بالإبداع الشعري في حلل جديدة من الإبداع في الصياغة الشعرية. ففي قصائده ما يدهش القارئ من معازيف فنية متكاملة، وعذوبة في الإيقاع الشعري، وسلاسة وتوازن في الحركات التي يتوسطها الشاعر بتأمل في الواقع، بعيدا عن كل تعقيد وعن المساحيق اللغوية. لأن الشاعر يبني مواقف إنسانية باستخلاص عناصر فلسفته وفكره ووجدانه، ليتفوق في اللغة الشعرية ويبصم بسمات مائزة البنيات الداخلية لقصائده. إنه يشكل تصورا عميقا ممتدا في العوالم الإبداعية ليقابل الحس الاجتماعي بنبض قصائده، بمضمون فلسفي وببساطة في التركيب، وباختيار المفردات الملائمة، ومراعاة قدر من الملاءمة والتناسب. فالشاعر يستهدف الاستعارة التي تتجاوز ثقافة النمط العادي إلى بلاغة شعرية بتأكيد مباشر وقيمة فنية. فالحمولة الفنية في هذا الديوان ناتجة أساسا عن تنوع المادة المصدرية وأشكال الإيقاع في شعره، إذ تمتاز قصائده بإيقاع توليفي بين الصيغ الدلالية والأشكال التناغمية، فضلا عن انتقاء كلمات محورية ذات إيقاع داخلي مميز، ووضعها في مكانها الدلالي الملائم لإيقاع القصيدة، لتعكس جماليتها الشعرية، في نهج جديد يرمز إلى الوضعيات المعرفية، وينمذجها في مفاهيم ذات أهمية شعرية، يقارب بها الخطاب الشعري بالمادة الفنية، معتمدا على مجموعة من الأساليب التصويرية وعلى عدد من المفردات، وعلى نظام من المعاني التي تستهدف الجانب النفسي والاجتماعي وعدد من التيمات، مما يمنح أعماله القصائدية بذخا شعريا، بقدر ما يطرحه من تصوّرات مغايرة ذات بعد حداثي تعيد قراءة الشعر برصد يترجم أحاسيس الشاعر ووجدانه باعتباره يستند إلى الأبعاد الدلالية للنظم بمفهومه الحديث، وذلك تبعا لـحركة المعنى وفعاليته في تنظيم الوقائع داخل الخطاب الشعري. فالشاعر يحدد خطابه في هذا الديوان ويبني القصائد في ضوء الخيارات الأسلوبية والفنية بتنظيم دوال القصائد وقيمها حيث لم يغب البعد الاستيطيقي عن كيان القصائد. وهو ما يحيل إلى اعتبار الجانب الحداثي في شعره تمثلا آخر يدعم تجربة الشاعر الغنية. وهو ما يؤكد بأن الشاعر نور الدين بازين يُقيم في ذاته الفعل النقدي المستند على المعارف النظرية والتصورية، وهي خاصية إضافية في قصائده الشعرية. ولذلك فكل قصائده التي يحتويها هذا الديوان تتبدى في عمومها مبلورة لرؤاه ومواقفه، تفصح عن تجربته التي تنم عن معنوياته الداخلية الجياشة في نسج مختلف التعابير الشعرية التي تتحرك في نطاق متنوع من التيمات والتصورات التي تنتج المعاني والأفكار، بل وتحمل مجموعة من القيم في إطار معرفي يحافظ على وحدة الدال وتعدد المدلول، ويروم وحدة البناء، وعلى خاصيته التنظيمية في الخطاب، ويحافط كذلك على البناء والتوازي النصي. فقصائده  كلها في هذا الديوان تحمل دلالات وأبعاد اجتماعية ونفسية وقيمية، ضمن منظومة النص الشعري العربي الحديث وثقافته الجديدة. يإدراك قوي للرسالة الفكرية والتأثيرية التي يحملها الشاعر ويؤكدها في شعره.

 

دة. عواطف الغالي

جامعة ابن طفيل القنيطرة - المغرب

 

احمد فاضلد. إنعام الهاشمي وفلاح الشابندر وقصيدة:

"سماء من ماء " أنموذجاً

(قراءة ترجماتية)

هل تكفي عشر سنوات مَضينَ على ترجمة أ. د. إنعام الهاشمي لقصيدة الشاعر فلاح الشابندر "سماء من ماء"، باستعادة قراءتها مرة أخرى للوقوف على المساحة الجمالية لتلك الترجمة، أبداً لا تكفي، لأنني دائماً ما أكتشف فيها الإحساس بالمفردتين العربية والإنكليزية، اللتان قربتا المعنى وبشكل مذهل من بعضهما البعض، ففي هذا المقال لن أتعامل مع نظرية الترجمة كمنظور مهني احترافي، ولكني سأحاول الإجابة على السؤال التالي :

ما معنى أن تترجم قصيدة ؟ الهاشمي أجابت على هذا السؤال حينما اختارت نص الشاعر الشابندر "سماء من ماء"، فالمترجم لا يختار إلا ما يوافق ذائقته، لأنه أولاً وأخيراً هو جزء لا يتجزأ من منظومة القارئ باعتباره قارئاً قبل أن يكون مترجماً، من هنا كان اختيار الهاشمي لهذا النص الذي وضعت له كل أدواتها الترجمية وظهر بالشكل الذي عليه، فإذا أضفنا معرفة المترجم بالشاعر وقراءته لإعماله والاعجاب بها، فسيكون سبباً آخراً يضاف لسؤالنا الذي بدأناه، الشابندر لفت انتباه الهاشمي باستخدامه: وهي الرمزية الشعرية المصطلح الذي Poetic symbolism

استخدمه الناقد الفرنسي جان مورياس لتمييز الرمزيين عن الانحطاطات الشعرية التي سادت في تلك الفترة قبيل انتهاء القرن الثامن عشر، وكانت إلى حد كبير رد فعل ضد الطبيعة والواقعية، وأساليب مناهضة للمثالية، كانت محاولات لتمثيل الواقع في خصوصيتها الجريئة، ورفع المتواضع والعادي على المثالية كانت الرمزية رد فعل لصالح الروحانية والخيال والأحلام، الهاشمي في توطئتها قالت :

" ماجذب انتباهي الى هذا النص الرمزية الأسطورية فيه، ففلاح الشابندر كما لاحظتُ بدأ في هذا النص سلسلةً من الفهارس، من فهرس الطير الى " فهرس الشاعر " في نص أخر يحمل هذا العنوان، وكأن الفهارس هي ملحمة أسطورية بين الطير والبحر .. يبدأها هنا بالطير المحلق فوقهم كالقدر، يتبعهم في حلكة ليلهم وتأهبهم لرؤية مايخرج من مأواه في تعلقهم بالمفاجئ، ولكنه يتأخر ثم يظهر هناك مرة أخرى يصفق بجناحه ويحط علي شراع مركبهم .. فيتبين لهم أنه صاحبهم الشاعر ! فلا غرو أنَّ بِذارَه الكلمات ! " .

كذلك وجَدتْ الهاشمي في شعر الشابندر مشاعر صادقة، وصور تتخطى عالمه، وإيقاع عجيب، جميعها تمثل في النص الذي اختارته " سماء من ماء "، وقد وضعت في حساباتها الترجمية أنه سيكون مقروءاً من الآخر بلغته ولكنته الإنكليزية، فتعاملت معه بمهنية عالية باستخدامها المفردة الدالة على المَعنَيين – عربي إنكليزي – وفق مفاهيمهما والتركيز على فحص إيقاعهما للتأكد من أنهما انتقلا بسلاسة من النص الأصلي وبالعكس، كما في مفتتح القصيدة * .

نحن هنا لن نفكك النص بل سنسعى للوقوف على جماليات ترجمته بالاستماع إلى صوته الأصلي، وحمل تلك الأصوات نفسها إلى ترجمتها بالحفاظ على معانيها ونبرتها، أنظر كيف وضعت الهاشمي الأبيات الخمسة الأولى العربية مقابل مرادفاتها الإنكليزية وبلغة Shakespeare's poetic language شكسبير الشعرية

التي غالباً ما نجد فيها عند قراءتنا لها، جاذبية محببة، وتكرار الأصوات المتشابهة الدالة على تنوع المعنى وإغناؤه، كالحروف الساكنة أو التجمعات الساكنة في مجموعة من الكلمات، هي أحد العناصر الأساسية في قصائده، تتجلى جميعها في مسرحيته روميو وجولييت، و " الجاذبية " التي قصدناها كانت واحدة من أبرز ميزات اللغة الإنكليزية القديمة التي لجأ العديد من الشعراء الإنكليز أليها في قصائدهم – هي هنا في بلادنا العربية القصيدة الكلاسيكية التي حينما تترجم تصبح نثراً مع احتفاظها بإيقاعاتها وتفعيلاتها -، وهي نموذج مهم آخر لشكسبير، أما الإشارة إلى مختلف المجالات الثقافية مثل التاريخ والأساطير والفلسفة والدين وعلم الفلك، فهي سُمات قوية في شعر شكسبير حاولت الهاشمي تقريبهم للمعنى الإنكليزي وهي تضع مرادفاتها، إلى جانب الجناس وإيقاع المفردة العربية وما يقابلها من إيقاع المفردة الإنكليزية، دون أن نشعر باختلاف أو خلل معهم، كما في المقاطع الثمان منها .

ومن البديهي أيضاً أن ميزات الشعر قائمة على الصوت أو النحوية أو الهيكلية أو البراغماتية بطبيعتها، وبصرف النظر عن تحولات النص، فإن ترجمة الشعر تشتمل أيضاً على الإدراك والخطاب والعمل من قبل، وبين الفاعلين والنصوص في سياق مادي واجتماعي، فعادة ما يهدف مشروع ترجمة الشعر إلى التعريف بالشاعر أو الشعراء، يهتم مترجمو الشعر بتفسير طبقات معنى قصيدة المصدر، وترحيل هذا التفسير بشكل موثوق، و / أو " إنشاء قصيدة في اللغة الهدف تكون قابلة للقراءة وممتعة كنص أدبي مستقل "، فقد تنطوي ترجمة الشعر على تحديات، فالشعر يمثل نسبة ضئيلة من مخرجات الترجمة العالمية، ومع ذلك فقد هيمنت دراسات الحالة والأمثلة المأخوذة من الشعر على بناء النظريات في دراسات الترجمة على حساب الأنواع الأكثر منها، الهاشمي لم تغفل عن كل ذلك لسبب بسيط كونها أستاذة تمرست على إتقانها للغة غير التي كانت تتكلمها وهي العربية، ومن جهة أخرى دراستها في نيلها شهادتي الماجستير والدكتوراه، اللتان مهدتا لها الإمكانية العلمية وإقامتها الطويلة ولا زالت في الولايات المتحدة الأمريكية، والتعرف عن قرب على اللهجات المختلفة التي ينطق بها الأمريكي المتعدد الأعراق، وهي " ضرورية " بنظري

للقيام بعملية ترجمة غير منقوصة المعاني والأحاسيس، فقد يتوقف معارضو الترجمة الشعرية مثل دبليو . بي . بيتسون و توركو، أمام الأسباب التي تمنع ترجمة الشعر خاصة منه الفلسفي، لأنها وكما يقولون:

" لا تصبح قصائد مترهلة فحسب، بل قصائد جديدة بلغة جديدة، ويشددون على أن الشعر في الترجمة يفقد بالتأكيد عناصره الأساسية، تتماشى هذه الآراء مع الاعتقاد بأن الشعر ضائع كليا في الترجمة، أنا مع هذا القول، إلا إذا انبرى له أستاذ متمرس يفهم اللغة الأخرى كما فعلت د . إنعام الهاشمي مع قصيدة الشاعر فلاح الشابندر وقصائد أخرى لشعراء كُثر .

ويبدو البروفيسور هاء . جيم . ويدوسون في كتابه:

، Stylistics and the Literature of Literature

"علم الأسلوب وأدب الأدب"، أقل تطرفاً من غيره ويفترض أن ترجمة الشعر صعبة للغاية بسبب " نقش الصوت والإحساس في المعنى الواحد "، وقد تم التعبير عن آراء عديدة في هذا الصدد فعلى سبيل المثال، يعتقد أحد النقاد أن الشعر غير قابل للترجمة في حالة ترجمته، سيتم تشويه عداده، وتعطل نغمته وتختفي المتعة، ينبع هذا الرأي من حقيقة أن كل لغة لها عدادات شعرية وموسيقى خاصة بها، فهل يجب علينا إذن الامتناع عن ترجمة الشعر أم محاولة ترجمته بغض النظر عن جميع الاحتياطات ؟ والرأي الثاني، إذا تُرك الشعر بدون ترجمة، فإن القارئ له سُيحرم من عدد كبير من الأعمال الشعرية التي تعتبر روائع بحد ذاتها، فلا يمكن تحقيق ذلك ما لم يكن لدى المترجم موهبة خاصة، وقد أثارت بعض الترجمات الشعرية العميقة إعجاب القراء باللغات الأخرى، وهناك قلة من النسخ المترجمة تم اعتبارها أكثر إضاءة من النسخة الأصلية .

إن صعوبة الترجمة الشعرية تقود الكثيرين إلى الاعتقاد بأن مترجم الشعر يجب أن يكون هو نفسه شاعراً، وإلا فلن يجرؤ على ترجمته، ظهرت هناك أيضاً محاولات أخرى لترجمة الشعر إلى نثر إيقاعي، فخليل مطران الشاعر اللبناني الكبير والملقب بشاعر القطرين والذي عاش معظم حياته في مصر، على سبيل المثال ترجم بعض مسرحيات شكسبير بتطبيق النثر الإيقاعي، ومع ذلك لا يوصى بالترجمات النثرية الصافية حيث يتم فقدان الكثير من موسيقى الشعر فيها .

في الختام، يمكن ترجمة الشعر من قبل أولئك الذين لديهم اهتمام عميق بالشعر والذين يمتلكون الإحساس والشعور الشعري، بالإضافة إلى إتقانهم للغة الأخرى، الشاعر في هذا الصدد، مترجم رئيسي، ولكن، كم عدد الشعراء الذين يتقنون لغة أجنبية ؟

 

كتابة / أحمد فاضل

...................

* لرؤية نص الشاعر فلاح الشابندر "سماء من ماء"، وترجمته من قبل أ . د . إنعام الهاشمي يرجى الذهاب للرابط أدناه:

http://www.alnoor.se/article.asp?id=80084

 

وليد العرفي للشَّاعر : نزار سرطاوي

تبدو قصيدة الشاعر: نزار سرطاوي مشغولة بحمولاتها الدلالية على مستوى الفكرة التي تُعالجها، وهي من أكثر الموضوعات حساسية، ما يقتضي جرأة في مقاربتها وفق هذه الرؤية، ووفق هذا البعد تبدو اللغة بنت بيئتها، وواقعيتها، إذْ تعكسُ القصيدة علاقة المواطن بالحاكم  في موضوعة السلطة التي تُورث  من الآباء إلى الأبناء.

 يبدأ الشاعر الاستهلال بسردية تقوم على فعل القص، وهذا القص يرتكز إلى أركانه البنائية إذ يُحدّد زمان بـ (مساء) والمكان بـ (الحانة) والشخصيات بـ كل من: الشاعر والصديق، والصوت الثالث، وتوحي طبيعة المكان، والمشهد الموصوف بما وراء الغاية من ذلك؛ فالحانة التي يجلس فيها الشاعر وصديقة تتيح له التعبير بحرية أكبر من أي مكان آخر، كما يكشف المشروب  عن غاية ثانية، وهي أنها لحظات لا حرج فيها، وهي من أكثر اللحظات قدرة على الكشف والمواجهة التي ربما لا تتحقق في أوقات مغايرة للحظة تعاطي المشروب، ما يعني غياب الوعي، وإمكانية الاسترسال في الحديث من غير التزام بضوابط، أو تفكير في عواقب تلك الأحاديث، بينما يبدو الصوت الثالث الذي جاء مُبهماً في دلالته التجسيدية، وهي لفتة ذكية، وإلماحة حقّقت دلالتها في هذا التعتيم على طبيعة صاحب الصوت الثالث، أو حتى الكشف عن مصدره، وفي هذا يتخذ الصوت دور المحرّض على استجرار الحديث، وهو يؤدي تلك المهمة عن وعي، وتفطّن ما يؤكد ذلك أنه يشرب القهوة، وهو مشروب عادة ما يكون لزيادة فعالية النشاط الجسمي، ولهذا السبب يقترن تناول القهوة بالصباح عادة، وهكذا يتبدى بدء الحديث الذي يبدأ بفعل استدراج من الصوت الثالث لكل من الشاعر وصديقه :  

 

كلَّ مساءٍ نجلس في الحانِ

أنا

وصديقي

والصوت الثالثْ

  الصوتُ الثالثُ يشربُ

قهوتَهُ

وأنا وصديقي نشربُ

كأسين

وننفثُ دُخّان سجائرِنا

ونثرثرْ

 الصوتُ الثالثُ أمسِ اسْتَدرَجَنا

فتَحاوَرْنا حولَ

الحُكّام

 ويبدأ الحوار بتحديد فكرة القصيدة العامة التي يدور حولها موضوعة المناقشة بين  كل من الشاعر وصديقه والصوت الثالث الذي يُفاجىء الشاعر وصديقه بالسؤال  غير المتوقع ورثة، ومفاده (مّنْ يرث الحكّام) ؟

الصوتُ الثالثُ فاجأنا:

من يَرِثُ الحُكّامَ إذا... لا سمحَ اللهُ؟

أجيبُ:

متى سمحَ اللهُ –

ولا بدَّ سيسمحُ، هذي سُنّته في الأرض –

فأبناءُ الحُكّامِ 

همُ الـ يَرِثون الحُكّامَ

يُصوّر الشاعر حقيقة الإنسان العربي في تعاطيه السياسة التي غالباً ما يكون الحديث فيها محفوفاً بالمخاطر، وهو ما يقتضي الحيطة والحذر في الكلام، وهنا يبدو الاعتراض الذي جاء على شكل رجاء وتمنٍّ مُبطنٍ غير خافٍ  في التركيب ـــ لا سمح الله ـــ إشارة إلى مدى ما يعتمل في نفس الإنسان العربي من الخوف القابع في داخله من السلطة والحكام، غير أنَّ حقيقة نهاية الكائن الحي بالموت لا بدَّ أن تكون حتمية المصير والمآل، وهذه الحقيقة غير القابلة للنكران، أو التجاهل يعمد الشاعر إلى تجميلها بتأكيد توريث الأبناء للحكام، وهو ما يُخفّف ربّما من وطأة ذكر الموت من دون ذكر استمرار الحكم في الابن ؛ إذ إنَّ استمرار الحكم له دلالته لدى الحكَّام الذين لا يتصوّرون زواله منهم .  

" صديقي الثوريُّ – وقد لمعتْ عيناهُ –

يُلوّحُ بالسبابة،

يسأل:

كيف يموتُ الحُكّامُ؟

يلوّحُ بالسبابة ثانيةً، ويجيب:

يموت الحُكّامُ وأولاد الحُكّامِ وأحفاد الحُكّامِ –

وأنتم أيضًا يا أتباعَ الحُكّامِ

تموتون جميعًا –

حين تجيءُ الثورةُ،

والثُوّارُ هم الـ يَرِثون الحُكّام

(أغمغمُ: لا سمحَ الله) "

 يبدو صوت الصديق الذي يُجسّد نبض الثورة التي لا تعترف للحكام بذلك الحق في التوريث  نبرةً حادَّةَ الصَّدى، إنَّهُ الصَّوت  الذي يُراهن على التغيير، وإنَّ الثوَّار هم ورثة الحكَّام، فيما يظهر صوت الشاعر مُعبّراً عن حقيقة الخوف المتأصّلة في داخله عبر عدم اتّضاح رؤيا، ولا استشراف أفق مستقبلي ؛لما يُمكن أن يكون عليه الحال لو تغيّر الحكَّام :

" الصوتُ الثالثُ يتركنا بعض ثوانٍ ثم يعودُ إلينا مبتسمًا:

وإذا مات الثوّارُ...؟

يسود الصمتُ قليلًا

ثمّ أتمتم كي لا تسمعَني

الجدران

إذا مات الثّوّارُ

فأبناءُ الثّوارِ هم الـْ...

وأخبّىء رأسي... "

ينفتحُ النصُّ على تسلسل أسئلة مُوجعة تتَّخذ من الواقع مأساوية أجوبتها ؛ لما أكَّدته الوقائع، وأثبتته الحقائق ؛ فلا الحكّام الذين ماتوا لم يُورِثوا، ولا الثّوَّار الذين وصلوا إلى الحكم غيّروا من عادة التوريث، وهكذا يبدو المشهد العربي مُجرّد تغيير شخوص، وتمثيل أدوار يُؤدّيها كلٌّ منَ الحاكم والثائر على خشبة مسرح كبير اسمه الوطن .

لقد كشفت قصيدة الصوت الثالث للشاعر : نزار سرطاوي عن جمالية المُضمَر الذي أظهر أكثر ممَّا أخفى، وكان بهذا التخفّي أبينَ قولاً،وأوضحَ كشفاً ؛ فقد ينشغلُ القارىء بتحديد رمزيّة الصوت الثالث الذي ربّما يتعدّد فيه التأويل والإحالة، وفي هذا التعدّد وتلك الإحالات تتبدّى جماليّة المُضمَر أكثر من المُصرَّح به، إذْ إنَّ الصوت الثالث  في حقيقته إنَّما هو صوت الضمير الجمعي الذي يسكن أعماق الشاعر الذي يُعبّر عن لسان  حال كلّ مواطنٍ  في كلّ زمان، وفي أيّ مكان . 

 

د. وليد العرفي

.....................

للاطلاع على القصيدة في صحيفة المثقف

الصوت الثالث / نزار سرطاوي

 

 

تمتلك الرحلة في رواية "رحلة الضباع" (المجلس الأعلى للثقافة –2013 ) للروائية سهير المُصادفة، بعدين متوازيين هما البعد التاريخي/ المجازي والبعد الواقعي / الاستكشافي، المستندة على المرجعية التاريخية – المعرفية والمتكئة على الواقع، لتشكيل رؤية مندمجة متفاعلة مع النصَ والمتلقي، فالمجازي يتمدد على رقعة زمنية تقارب ألف وأربعمائة عام مضت، تحديدًا بعد الهجرة النبوية بنحو خمس وثلاثين عامًا، تبدأ بالفتنة الكبرى وذلك بمقتل الإمام عثمان محققة نبوءة الإمام علي بن ابي طالب "أحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذي يقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها ويتركها شيعًا لا يبصرون الحق لعلو الباطل، يموجون فيها موجًا ويمرجون فيها مرجًا"*1، أما الواقعي فهو حكاية – رؤية رجل نحو المرأة التي هي زوجته، هذا الطرح المرتكز على الدم والجنس جعلته سهير المُصادفة يتداخل ويتنافذ فيما بينهما، وتتداخل أحداث الرواية بين التاريخي والتخييل من حيث يقوم الحاضر بالعبور إلى الماضي وبالعكس، مما أعطى هذا التنافذ الرواية زخمًا شعريًّا جماليًا و تحولاً حداثيًا في سرديات نصْ الرحلة.

واذا علمنا أن الرحلة مشتقة من الارتحال وهي تعني الانتقال من مكان لآخر، لتحقيق هدف معين، ماديًا كان ذلك أو معنويًا، فان دافع "رحلة الضباع" كان لسبيء النساء بغرض إستغلال أجسادهن والتمتع بها، والسيطرة عليها "- آهٍ، لو كنتِ تعرَفتِ إلى سيد هذه الدار منذ أيامٍ وهو يزعق مثل ديك الفجر في أهله بأنه ذاهب الى نصرة الله والحق، والمصيبة أن جميع أهله وجميع الناس يعرفون جيدًا إلام هو ذاهب.. لاشيء سوى جمع الغنائم والاستيلاء على المزارع وأسر الجواري – ص 116 /117  الرواية"، وذلك لايتحقق إلا بالقتل وسفك الدم فرحلة الضباع ماهي إلا عبارة عن رحلة العربي في التوغل في الدم العربي وإهانة واضطهاد وقمع المرأة عبر القرون، فالاستعارة للضباع استمدتها سهير المصادفة من قتل الواحد للآخر ومن الرؤية الدونية للمرأة "وكانوا هم مثل قطيعٍ من الضِباع أثناء رحلته ما إن يسقط أحدهم حتى يأكلوه ثم يواصلوا العدو خلف الأنجم – ص 166 الرواية.

وفي رحلة الضباع نعثر على رحلات إضافية، فهنالك رحلة "السوداء بنت الرومي" في الرواية – الحكاية تبدأ منذ البداية، في السفر في دروب المسلمين، حاملة معها مئزر وحيد ونبوءة سوداء فوق أكتافها، وروحًا قلقة ملتاعة، وحبًّا بالاستكشاف:

ـ كان عليَ أن أخترق قلب الصحراء لأصل إلى الربذة وفيد والثعلبية والأساود وذي قار ومنها إلى الكوفة، سأسير في الدرب نفسه الذي سيختاره بعدي ابن الإمام 2، ص101 الرواية.

كذلك "نرمين" تبدأ رحلتها حين مغادرتها للشقة وهي مطلقة، نحو التغيير، نحو انعطافة جديدة، حاملة معها ذاتها فقط، وحبًّا بالاستكشاف والحرية:

ـ ما زال عليكِ قطعُ أميال من الألمِ المرير واذا ما أردتِ اختصارها ياسيدتي فكوني شجاعة، ص 232 الرواية.

لقد قامت الروائية بالاشتغال على تقنية رواية داخل الرواية، كما في حكايات "ألف ليلة وليلة" حيث تشتغل حكاية داخل حكاية، محكي داخل محكي، زمن الحكايات متداخل متشابك لايشعرك باختلافه حتى لو كان هنالك اختلاف فيه.

تتكون الرواية من سبعة فصول، كل فصل مسبق بهامش عن وصف طبائع الضباع مستمد من كتاب الجاحظ "الحيوان" بدون عنوان ثانوي، حيث يصبح الهامش هنا جزءًا أساسيًا من المتن، وإضاءة له، موضحًا اقتران صفات الرجال بالضباع، بعكس رواية "لَهْو الأبالسة" وضعت عنوان ثانوي على كل الفصول العشرة اسمته "سمكة الجيتار" والهامش مستقل تمامًا عن المتن، ولايمت له بصلة، وكانت رواية واحدة، أما في "رحلة الضباع" فقد وضعت الروائية العنوان الرئيس مرتين، مرة على كل الرواية حتى قبل الإهداء والمرجعية (طه حسين وفتنته الكبرى- الأصفهاني وأغانيه –  الجاحظ وحيوانه -  الجبرتي – المقريزي)، ومرة أخرى وضعته داخل الفصل الرابع ابتداءً من صفحة 99 حتى صفحة191، هذه القصدية في كتابة عنوان الرواية هكذا، تدلل على أن رحلة الضباع لم تنتهي لا في تراثنا و لا في زمننا المعاصر رغم الأمل الذي سربته إلينا في نهاية الفصل السابع.

تبدأ الرواية ومنذ السطر الأول بداية استفزازية مبطنة بهلوسات الزوج المدعو "جمال إبراهيم" / الراوي ونظرته الذكورية المتخلفة والمحقرة لزوجته بشكل خاص وإلى النساء بشكل عام – إن البطل "جمال إبراهيم" قد رسمته الروائية كنموذج حي للرجل الشرقي بكل أفكاره وأوصافه وتصرفاته – "قررتُ منذ عام تقريبًا أن أرمي يمين الطلاق على هذه الحيوانة الصغيرة – ص 9 الرواية" ، وعلينا قبل أن نتوغل في الرواية أن نتعرف على هذه الشخصية المركزية والمحورية من خلال لسانها والتي هي "جمال ابراهيم" / الراوي، صحافي يعمل مصححًا لغويًا في جريدة "أندلسية"، عديم الموهبة، محدود التفكير، ضيق الأفق، كتبه التي في مكتبته لم يقرأها، بل موضوعة في المكتبة كديكور، تجاوز الخمسين من عمره، جعلته سهير المصادفة يصف نفسه بخبث لكي تكشف باطنه أمام المتلقي في تجسيده صورة الضبع أو المثقف المزيف:

ـ في الحقيقة لم أخلق لأكون صحفيًا فأنا كسول للغاية ومخي لا يبدع أي شيء جديد وهناك عطب ما في مشاعري، ص 15 الرواية.

ـ أتأمل بازدراء عضوها التناسلي بعد الانتهاء منه، ص 46 الرواية.

ـ لا أريد الآن إلا أن أستسلم تمامًا لهذه النفس الخربة التي أمتلكها، ص 79 الرواية.

ـ يبدو أنني لم أقرأ شيئًا من الكتب التي أقتنيها على الاطلاق، ص 196 الرواية.

يقع "جمال ابراهيم" فريسة للشك والارتياب في "نرمين"، وتجتاحه وساوس وأفكار غير سوية البتة، ومما يزيد شكه وارتيابه بها، هو استدراجه إلى الفراش كل ليلة باستماتة من قبلها:

ـ هل تخونني هذه الحشرة؟ ماذا وراء تلك العاقر التي جعلتني طوال سنوات أعتقد أنها تحبني حتى العبادة ولا أفكر إلا في مصيرها بعد أن أهجرها.. هل ستنتحر مثلاً؟ هل ستمرض بالسرطان من جراء الحسرة وتموت؟ هل ستدفن نفسها في حجرة ما حتى تجن تمامًا؟ ص 10 الرواية.

ثم يتفجر الموقف عند عثوره على قصاصات ورقية في سلة المهملات بخط يدها، فيلتقطها ويعيد ترتيبها بعد أن يقوم بكويها ورصها ولصقها بشريط اللاصق الشفاف، وهو يظن أنها خطاب إلى عشيق ما، ولكن يا لهول المفاجاة له، حين يتبين أنها فقرات من حكاية جارية عربية مسافرة في الصحراء،  تغتصب من قبل إمرء ما من دبرها – كم من الدلالات التأويلية في هذا الفعل الجنسي الشاذ، حينما تغتصب المرأة من دبرها وليس من فرجها، فالدبر لخروج الأوساخ بينما الفرج لانبعاث الحياة، ففي هكذا ظاهرة نعثر على العقلية السادية، المأزومة، المشوهة، وهنا في هذه اللحظة ينهار تحت وطأة المتركمات السوسيولوجية ـ التاريخية الذكورية المرتكزة على المركزية القضيبيَة*3 في العقلية العربية، والموروث الثقافي الجنسي الأصولي، حينما يظن أن زوجته "نرمين" هي المؤلفة، فالمرأة الكاتبة أشد خطورة وأعمق خطيئة من المرأة العاهرة في نظر مؤسسة الفحولة التخييلية، وليس من الممكن أن تكون المرأة مبدعة موهوبة، وهي منقبة محجوزة مهجورة:

"هل تنقل هذه الحشرة طوال فترة غيابي عن البيت أوراقًا من مخطوطات النثر العربي الممتلئة بكل الموبقات والممنوعة من التداول في المكتبات العربية – والتي حرصتُ على اقتنائها بصعوبة – ثم تمزقها بعد نقلها؟ من أين جاءت الفاجرة بتلك الكلمات؟ ظللت أؤخر عودتي ولقائي بها، وظللت أقترح كل الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة ولكنني لم يرد بخاطري أبدًا أنها هي المؤلفة، ص 31 الرواية".

عندئذ تتلبس جمال ابراهيم / الراوي حالة معرفة واكتشاف ماتفعله زوجته في الشقة أثناء غيابه، عليه يقوم بنصب كاميرات مراقبة في الشقة ليخترق أفعالها ويطلع عليها، ولو كان باستطاعته لقام باختراق أفكارها والاطلاع عليها، ولكنه لايشاهدها إلا وهي تكتب ثم تكتب، فالكتابة في هكذا حالة تصبح فضاءً لا محدودًا من ممارسة "فعل" الحرية المفقودة، ففي الكتابة تحقق حياتها وتثبت وجودها الذي يحاول زوجها الغاءهما،  وفي الكتابة أيضًا تتحرر منه وتنتصر عليه:

ـ هل ستكتب الآن امرأتي؟ هذه المرأة تكتب! ماذا تكتب هذه المرأة التي لم تخرج من عباءاتها ثم لم تخرج من جدران بيتي؟ ماذا تعرف عن الحياة لتكتبه؟ وإذا كنت أسخر من الكُتَاب من الرجال الذين خبروا الحياة وخبرتهم فماذا عساني أن أقول عما تكتبه تلك الناقصة العقل والدين؟ ص 68 الرواية.

ويصور الراوي مخطوطها الذي يعثر عليه في أحد مجلدات "ألف ليلة وليلة" والذي لم يتجاوز تسعين صفحة، والذي يحكي حكاية امرأة اسمها "السوداء بنت الرومي" التي لم يعرف أحد سنوات عمرها، حكاية شفاهية تناقلت ألف وأربعمائة عام عبر لسان الحريم، بشروط تتسم بخبرة نسائية، على أن تحكى الحكاية من قبل الجدة لحفيدتها من ابنتها لا من ابنها، وقبل موتها بثلاثة أيام، "قالت الجدات حفيدات الجدة عبر قرون" حتى لاتبقى الحكاية/ الشفاهية محفوظة في سلالة واحدة، وتمنع الوصول إلى ذكور القبيلة، هكذا وبهذه الطريقة وصلت الحكاية إلى "نرمين" من الجدة الكبرى "السوداء بنت الرومي" التي حكتها لحفيدتها هاجر ابنة بنتها الحبابة، ولكن عندما تسئل نرمين جدتها أسئلة كثيرة منها أنها عاقر وكيف سوف تستطيع إيصال الحكاية، ولمن؟ تقول لها جدتها بحزم:

ـ للمرأة يا بنتي دروبها الخاصة التي لم يطأها سواها إلا الأبالسة، ص 97 الرواية.

وللحكاية لعنة لا أحد يستطيع الخلاص منها أبدًا إلا بأن تُحكى، فكيف بآخر حفيدة عاقر، لا حفيدة لديها، فتتخذ قرار حاسم بأن تحول الحكاية الشفاهية إلى نصَ / مخطوط مكتوب – هذا القرار كان نتيجة المعاملة اللا إنسانية لـ "نرمين" من قبل الزوج "جمال"، ونتيجة عزمه الزواج بأخرى رغبة في الإنجاب رغم أن الحكاية قد نُقلت إليها منذ خمسة وعشرين عامًا وبالضبط قبل زواجها بعامٍ وموت جدتها بثلاثة أيام - وبهذه الطريقة تحول التاريخ الشفاهي السري المهمش للنساء إلى تاريخ مدون معلن يفضح المسكوت عنه، ليقرأه الجميع، ولتعثر على دربها الخاص بها في نقل الحكاية، وبهذا العمل تلغي "نرمين" شروط الحكاية وتجعلها مستباحة للكل، مثلما كانت الجدة "السوداء بنت الرومي"  مُباحة لجميع الرجال.

أما نبوءة الجدة الاولى فكانت مختلفة عن لعنة الحكي التي لعنت بها الجدات، فبينما كانت في خبائها تنشق الأرض أمامها ويخرج كائن بلا ملامح ويأمرها بتبليغ المسلمين بالتوقف عن القتال فيما بينهم، وبعد هذا الظهور تشعر بأنها منحت قدرة على رؤية ما مر من أحداث سابقة وما سوف يمر منها.. "كنت أعرف أنني صرت قادرة على رؤية ما أشاء من سابقات الحوادث، ورؤية ماهو قادم منها بإذنٍ من الله.. لاحظت أن زواحف الأرض السامة وحشراتها تبتعد عني دون أن تمسسني بسوء كأنني صرت فجاة محصنة ضد كل ما يؤذي في الحياة، ص 105 الرواية"، وعلى اثر منادتها للمسلمين وتحذيرهم بالابتعاد عن الفتنة التي أصبحت متجذرة فيهم، وذلك بالاصغاء والاستماع للآخر، وتحريم سفك الدم، ولكن تنبيها لا أحد يستمع له، لأن ليس هناك من يسمع، لهذا يفتح على هذه الأمة القتل والقتال إلى يوم الدين، ويطلقون عليها نعت "الرائية" ص 112 ويصبح عملها وهي في خضم الحروب الضروس الحاصلة بين المسلمين الإخوة في الله أن تواريهم التراب ص 113، ومن أجل الخلاص ومن أجل حبيبها "عمر بن عدي" الذي هجرها ومضى على أساس الجهاد في سبيل الله تسلك درب الكوفة لتلحق به ولكنها تتيه سنوات وسنوات ـ يتبين أن "عمر بن عدي" يتاجر بالأسلحة والدروع بين الفرق المتحاربة، ولوضاعته عندما تعثر عليه أخيرًا يقوم ببيعها كجارية للقعقاع بـ ألف دينار وبرذونة وناقة، لكن نبوءتها تنتشر في أرجاء الصحراء وتصل إلى المتحاربين، ولكن..

"لم أفهم شيئًا مما خطته يدها على الإطلاق هل هذه رواية؟ ص 195 الرواية."

هل هو حقًا لم يفهم "مضمون" المخطوط؟ ومن الذي قال له أن هذا المخطوط هو رواية؟ ماكان يود أن يقرأه في المخطوط توسلاتها وآهاتها وتوجعها ومشاعرها وضعفها وإنكسارها، ولكن ذلك لم يحصل، بل نرى أنها تقول شيئًا مغايرًا ليقيناته وثوابته، تقوله "نرمين" على لسان السوداء:

"ضيعتُ عمري كله خلف سرابٍ.. خلف ضبعٍ من ضِباعهم بَري قلبي بريًا. ص 184 الرواية."

لقد بنى تصوراته وأرائه على الفعل الجنسي، أي على الممارسة الجنسية التي كانت تحدث بينهما المغلفة بهلوساته وتصوراته المنبعثة من قمقم مارد "ألف ليلة وليلة"، ومن دار "السبع بنات"، عبر مركزيَة لاهوتيَة ـ قضيبية متراكمة في السوسيولوجية – التاريخية تعمل على نشوء خطاب ثقافي دينيَ يكرس العنف السادي تجاه المرأة والنظرة اللا إنسانية:

"إزاء يقيني بأن كلَ أجزائها ملكي، مزقت للمرة الأولى في حياتي معها كلَ ماكانت ترتديه بكل ما استطعت من قوة فتناثرت الفيونكات الحمراء الحريرية الصغيرة التي تزين حمالات قميصها الوردي، تحسست بهدوء مثير صدري.. شددت شعرها وأكلت شفتيها أكلاً وابتلعت تأوهاتها التي لم أسمعها بهذا العنف من قبل أبدًا وأنا مفتوح العينين، ثم توقفت لأتأمل كل جزءٍ من جسدها العاري، كنت أحاول أن أدخلها من كل فجاجها علني أختفي فيها، كان صراخها العاتي يهزني وعلى إيقاع يدها التي تضرب ظهر السرير اكتشفت أنني يمكنني الاستمرار هكذا وإلى الأبد إذا تحكمت في انقطاعي عمًا أفعل فجأة أو استغراقي في محاولة الإجابة عن سؤالٍ واحدٍ: مِمَ صُنع هذا الكائن الفاتن؟ ص 235 الرواية.

هذه رؤية الزوج تجاه "نرمين"، رؤيته الأنانية، فهو لم يحاول يومًا أن يتعرف على مشاعرها وأحساسيها، ولم يتقرب منها نهائيًا وهي المجروحة والغارقة في المهانة، والتي أصبحت خارج حياته، لأنها هي ليست طريدة لكي تحتاج إلى صيادٍ، بل هي امرأة كاملة تحتاج إلى رجلٍ، ولذا نرى أن وصفها للعملية الجنسية تأتي من قبلها مختلفة تمامًا بل مناقضة لرؤيته  وتصوره، بل تكون على الضفة المغايرة الأخرى:

"أنه واجبه المقدس أن ينكب فوقكِ لاصقًا صدره بصدركِ خانقًا إياك ضاربًا بعرض الحائط كلَ وصايا ابن حزم في ممارسة الحب ومشرعًا رأسه لأعلى لُيخفي وجهه بعيدًا عن وجهكِ ولكي يتحاشى بالمرةِ تقبيلك ودونما كلمة واحدة ودونما همسة محبة ودون أن يشير من بعيدٍ أو قريبٍ إلى أنه يرغبُ في ملامسة حتى يدكِ أو أنه يحبُ أن تحتضنيه هكذا سيدخلك ممددًا عليكِ صامتًا ولن يُسمع في الفضاء إلا هديلك دون أي صدى، ليس لأنه وصل إلى ذروة محبته، وإنما لأنه أدى واجبه ولسوف ينهض عنك مخلفًا إياك جائعة لإنجذابه الأوَل وولعه الأوَل بجسدكِ، وقد تروحين وقتها في تخيله وهو يفتش في أعضائكِ عضوًا عضوًا عن أكثر من باب للدخول، ص 225 الرواية.

دون قبلة دون همسة محبة دون لمسة حنان، يدخلها، وهكذا كان "عمر بن عدي" مع جدتها "السوداء" عندما يعتليها، ويحول جسدها إلى ضلع من ضلوعه – رؤية الأسطورة التوراتية نحو المرأة بأنها خلقت من أضلاع الرجل ـ ثم لينفضها من تحته فجأة ويركلها كأنها كلب أجرب وهو الذي كان ينكحها منذ لحظات، وهو الذي حرثها ـ أي نكحها حسب تعبير الروائية – خلال عام واحد خمس وسبعين ليلة متفرقة، تناقض في الفعل وفي الرؤية وفي الموقف.

الصور السردية تتناغم متلاحمة في البنية الحكائية المتواجدة في مخطوط "نرمين" مع بقية الرواية المكتوبة من قبل سهير المُصادفة, وتشترك جميعها عند تناولها في المنظور "الفنتازي" و "المتخييل" و "الواقع"، فالحكاية التراثية المتخيلة تلتقي مع الحكاية الراهنة المتخيلة في الكتابة، بل أن "السوداء" / المخطوط  و "نرمين" / الحاضر والروائية /الرواية يتحررن عن طريق الكتابة، ففي الحكي الشفاهي تتحرر "السوداء":

ـ لم أعد أدري الآن يا بنيتي كم لبثتُ في كنفه أتمرغُ في الحرير وأتثاءب من السعادة وأساعده في كتاب الأخبار التي يمكنُ كتابتها على لوح الزمان بعد أن علمني الكتابة. ص 190 الرواية.

كذلك "نرمين" تحررها ينبثق من كتابتها لمخطوطها المنتسب لسلالة النساء / الجواري فقط:

"لقد وضعتِ في مخطوطكِ: لحظاتِ الأسرَة كلها، ووجع البلاط من فرط كثرة وثقل خطواتكِ عليه، وتعب المرايا، ونيران غضبكِ التي تشتعل في وحدتكِ، أحلامكِ التي لملمتها بحرصٍ بالغٍ من ليالٍ شديدة السواد وحبستها الى الأبد في سطوركِ. ص 230 الرواية.

وهي في انفصالها عنه تصبح روائية مشهورة، وتشارك شباب مصر في شهر يناير 2011 النوم في ميدان التحرير، أما الزوج فيدرك بعد فوات الآون كم هو غبي وأحمق، ولكن الندم لايفيده في شيء، ولا يفيده تتبع حواراتها على الفضائيات، ولا مراقبته لها وهي مع زوجها تجلس على مقهى الفيشاوي بالحسين، وهي تشرب الشيشة التي طلبها لها زوجها، فهو كما يقول عن نفسه صارخًا:  "أنا طائر الحباري"، الطائر الطريدة الأولى والتراثية للصقارين في صحاري الجزيرة، وهو يشكل التحدي الكبير لهم ولصقورهم، واصطياده يعطيهم الإحساس بالفخر والنصر.. فهو طريدة نفسه، وطريدة العقلية الظلامية.

يقول "أدونيس": "تاريخ الإنسان هو تاريخ حريته"، وحرية الإنسان في أن يكون ذاته ـ مثلما عملت "نرمين" عند مغادرتها للشقة عندما ارتدت بنطلون جينيز واسعًا وبلوزة زرقاء وجاكيت أسود، عاقصة شعرها بدبوس شعر كبير فالتغيير لم يكن وليد الصدفة أو اللحظة، لا لقد حصل التغيير منذ زمنٍ طويل من الداخل، وبما أن الحرية تقترن بالكتابة، فإذًا تصبح الكتابة جزءًا مهمًا من الحرية، والكتابة بهذا المعنى كتابتان: كتابة تعمل على غلق النص، وتتوقف في زمن معين، وكتابة تعمل على فتح النص، وتجعله دائمًا محايثًا، وبين هاتين القراءتين، تقع مسألة الحداثة، فإن كتابة وقراءة هكذا نص، هي لذة، وهذه اللذة ليست قطيعة مع المتخيل التراثي، ولا مع اللحظة الراهنية، بل هي امتدادًا لهما، وتجذيرًا وترسيخًا فيهما، وأخيرًا سوف أتساءل كما تساءل "رولان بارت": "إذا كنت أقرأ هذه الجملة بلذة، وهذه القصة، أو تلك الكلمة، فلأنها كتبت ضمن اللذة (فهذه اللذة لا تتعارض مع عذابات الكاتب). ولكن ما هو قولنا في العكس منها؟ هل الكتابة ضمن اللذة، تضمن لي – أنا الكاتب – لذة قارئي؟*4.

 

أسامة غانم

........................

الهوامش والإحالات

1– ابن الاثير – الكامل في التاريخ، تحقيق الشيخ خليل مأمون شيحا، ج 3 دار المعرفة، بيروت – لبنان، ص128.

2– الإمام الحسين بن علي (رض).

3– هذا المصطلح قمنا باستعارته من كتاب "بنيان الفحولة: أبحاث في المذكَر والمؤنَث" للدكتورة رجاء بن سلامة، دار المعرفة للنشر – تونس.

4– رولان بارت – لذة النص – ترجمة: د. منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، حلب ـ سوريا1992 . ص25.

 

 

محمد الورداشي1- حول الرواية: "على أعتاب غرناطة" ملحمةٌ روائيةٌ تاريخيةٌ للكاتب أحمد أمين، حاول من خلالها أن يقدم لنا مشاهدَ من التاريخِ الأندلسي الغرناطي بعد سقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، في يد المماليك الكاثوليك سنة 1492. فالروايةُ حفرٌ في التاريخ والوقوف عند أحداثه البارزة، ومن ثم، صياغتها في قالب روائي فني، ينقل للقارئ الأفعالَ المدمرةَ التي مارستها الإمبراطوريةُ الإسبانيةُ على المسلمين الذين أطلق عليهم، من قبل الإسبان، لقب الموريسكيين تحقيرا لهم، فضلا عن الإبادات والمحارق والاعتقالات التي كانت محاكمُ التفتيشِ تقوم بها بزعامة الكنيسة الكاثوليكية. كما أن الرواية، قدمت لنا لمحاتٍ تاريخيةً بطوليةً عن صمودِ ومقاومةِ المسلمين في غرناطةَ بعدما تخلى عنهم السلاطينُ المسلمون-وهذا ما ذكرنا بالوضع الفلسطيني والاحتلال الصهيوني-  للعدو الإسباني، والمعارك والثورات التي خاضوها؛ كثورة "البشرات"، و"فركسالة"، و"جاليرا"، دفاعا عن هويتهم الثقافية والدينية، وعن وطنهم الذي لم يتوانوا في التضحية بأرواحهم وممتلكاتهم في سبيل تحريره، وقد شارك في هذه المعاركِ الرجالُ والنساءُ والأطفالُ. فمنطلقُ الروايةِ أسرةٌ مصريةٌ، كما يخبرنا الكاتب في بداية الرواية، تعود جذورُها إلى غرناطة، كانت من بين الأسر التي فرَّتْ، أو تم تهجيرُها قسرا وجبرا في ظل الحملات التهجيرية الإسبانية للمسلمين، من الأندلس نحو البلدان العربية والإسلامية (المغرب، الجزائر، مصر ..إلخ).

وهكذا، يمكن القولُ إن هذه المشاهدَ السرديةَ المتضمنةَ في الرواية، تعيدُ كتابةَ فترةٍ من التاريخِ الإسلامي، الأندلسي والغرناطي، في قالبٍ روائيٍّ ذي بنيةٍ سرديةٍ وفنيةٍ محكمتين. ومن ثم، سنحاولُ الوقوفَ عند مرجعيةِ الشخصيةِ في الرواية، هذا الكائنُ الورقي، كما قال بارت، الذي يعيش ويحيا في الورق، بيد أنه يحيل على مرجع خارجي يمكن تحديدُ دلالتِه إما في السياق العام لثقافة الكاتب وبيئته، وإما في السياق الخاص بالنص من خلال تفاعل الشخصيات فيما بينها، فضلا عن مواقفها وحالاتها وتحولاتها وأدوارها، ومنه يكون الانطلاقُ من داخل السياق النصي الخاص إلى السياق الخارجي الثقافي العام، وذلك أن اختيارَ الشخصيةِ واسمِها يعزى إلى أن "هناك الكثير من المؤلفين الذين يعتمدون في اختيار أسماء شخصياتهم الطاقة الصوتية التي يشتمل عليها (أي الاسم)، سلبا أو إيجابا"(1).

2- مرجعية الشخصية: الشخصية المرجعية

تضم الشخصية المرجعية: الشخصية التاريخية والأسطورية والمجازية والاجتماعية(2). فالشخصيةُ التاريخيةُ حاضرةٌ في الرواية من قبيل: فرج ابن فرج، صفية، الشيخ، الثغري، السعدي، فيليب... والأسطورية مثل: الشيطان الذي نسج حوله المخيالُ الجمعيُّ للشعوبِ مجموعةً من الأساطير تهدف إلى إعطائه وجودا فيزيقيا بعدما كان، ذهنيا، رمزا للغواية دينيا، والنبوءة..إلخ، والمجازية؛ كالعقيدة والدين والحب والتضحية... والاجتماعية مثل: الصباغ، الخياط، القس، الملك، القائد، الجنود، السجان..إلخ.

وما يحددُ دلالاتِ الشخصياتِ هو السياقُ المرجعيُّ سواء أكان سياسيا أم تاريخيا أم اجتماعيا..إلخ. وفي الرواية، نجد أن شخصياتِ الموريسكيين مثل: محمد، غالب، صفية، حمزة، زايد، يحيى، منصور، فاطمة، عائشة، رضوان، فرج،..إلخ، كلها تحكمها مرجعيةٌ عربيةٌ دينيةٌ سواء أتعلق الأمرُ بالرواية أم بالتاريخ العربي الإسلامي، نظرا لتداولها من جهة، وإحالتها على رموز دينية مثلت دورا كبيرا في التاريخ العربي الإسلامي من جهة ثانية. أما داخل النص، فإن سياقَهُ العامَّ يحيل على أن ثمة صراعا بين مرجعيتين أو أدلوجتين:

- دينيا: بين مرجعية إسلامية وأخرى مسيحية كاثوليكية، وهذا ما ورد على لسان الشخصيات بكثرة: "...نعم يا بنيتي إنها العقيدة والدين"(3)، "...لكن ألقت المحكمة القبض عليه بتهمة عودته إلى الإسلام"(4)، "أنا مسلم.. أنا عربي"(5)،

- ثقافيا: بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الإسبانية الكاثوليكية، وبين اللغة العربية واللغة الإسبانية، ونمثل لذلك ب: "أسوف أستطيع أن أعلم أبنائي لغتي وديني...؟"(6)، "هم فقط يريدون سلخنا من ماضينا وديننا وثقافتنا حتى نصبح أمة مشوهة سهلة الانقياد والخضوع لهم"(7)؛ وهنا نودُّ طرحَ السؤالِ الآتي: هل تغيرت حالُ المسلمين الآن عن الوضع الذي نقرؤه على لسان الشخصيات؟

- سياسيا: بين المستعمَر (مسلمو غرناطة)، والمستعمِر الكاثوليكي،

- اجتماعيا: بين فئةٍ تنشدُ الكرامةَ والحريةَ والعيشَ الكريمَ في وطنِها وخيراتها، وفئةٍ أخرى تسعى إلى استعباد الفئة الأولى، واستنزاف خيراتها وإبادتها في موطنها.

إن ما يحرك هاتين المرجعيتين هو البعد الديني؛ فما دام مسلمو غرناطةَ يثورون من أجل الهوية الثقافية الدينية واللغوية، فإن السياقَ يتطلب من المؤلف اصطفاءَ أسماء لشخصياته تنتمي وتحيل إلى بيئة غرناطية إسلامية. أما الشخصياتُ الأخرى: أسبينوزا، ديسا، دون خوان..إلخ، فإن لها مرجعيةً إسبانيةً كاثوليكية. هاتان المرجعيتان متصارعتان في المتن الروائي، وكلُّ صنفٍ منَ الشخصيات متمسكٌ بمرجعيته.

3- ممارسة الشخصيات للتقية:

اضطهادُ أوربا الكاثوليكية أجبر مسلمي غرناطةَ على ممارسة نوعٍ من التقية سواء في ممارسة الطقوس الدينية أو التسمية. على مستوى الممارسة الدينية، تنقل لنا الروايةُ مشاهدَ المسلمين الذين منهم من تكبدَ المعاناةَ من قبلِ محكمةِ التفتيشِ حفاظا على دينه ولغته وتاريخه، ومنهم من ادعى اعتناقَ النصرانيةِ سلوكيا في حين ظل محتفظا بمعتقده الأصلي داخليا. أما على مستوى التسمية، فإن كثيرا من الشخصيات تسمّتْ بأسماء إسبانية: لوبيز، فلورا، فينجاس، ميجيل..إلخ، ليكتشف القارئُ أسماءَها العربيةَ في سياقِ أحداث الرواية، حيث نجد، مثلا، أن ميجيل اسمه العربي محمد بن داود..إلخ.

ختاما، حاولتْ هذه القراءةُ الوقوفَ عند السياقِ المرجعيِّ الذي تحيلُ عليه الشخصياتُ من أسمائها، وأفعالها، ومواقفها، ومعتقداتها، وحالاتها وتحولاتها، ما ينعكسُ على الجانبِ النفسيِّ السلوكيِّ للشخصية، فضلا عن الجانب الفيزيولوجي. كما أننا نود التنبيهَ إلى أن ثمة كثيرا من الأخطاء، الإملائية والنحوية، في الرواية التي قد تكون سهوا من المدقق اللغوي. وفي الأخير؛ هل سيعود المسلمون إلى الأندلس؟ هل سيرد العربُ فلسطينَ المحتلة؟ طرحتُ هذين السؤالين؛ لأن قارئَ الروايةِ يحسُّ أن ثمة حنينا مضمرا في نفس الكاتب وفي نفوسِ العربِ المسلمين للعودة إلى الفردوسِ المفقود، نضيف إليه أملَنا في تحريرِ الأراضي الفلسطينية من الاحتلالِ والعدوانِ الصهيونيين.

 

محمد الورداشي

.........................

1- فيليب هامون: سيميولوجية الشخصيات الروائية، ترجمة سعيد بنكراد، الطبعة العربية الأولى 8/2013، دار الحوار للنشر والتوزيع، ص16

2- نفسه: انظر ص35

3- أحمد أمين: على أعتاب غرناطة، ط1/2016، تبارك للنشر والتوزيع، ص 89

4- نفسه ص88

5- نفسه ص 47

6- نفسه ص 46

7- نفسه ص 36.

 

مزجت الروائية المصرية سهير المُصادفة في روايتها “ لَهْو الأبالسة ” بين الحكاية الشعبية والغرائبي واللامعقول، لانتاج نص سردي مغاير تمام المغايرة عن نصوص سردية عربية كثيرة، فهو يعمل –أي النص –علىً خرق المنطق والقانون الطبيعي، لكنه في الوقت ذاته، يعمل على تاسيس منطقه وقانونه الخاص به، ليحقق التماثل بين البنية الاجتماعية – الاقتصادية – السياسية، وبين بنية الرواية، وتعميق الجوهر المفارقي المتآصل فيه.

ان تطعيم الكتابة الروائية بالحكاية الشعبية والغرائبية، لا يفسر على انه تهرب من الواقع، بل استغواراً وتجسيدا له، والواقع الذي يعكسه هو الواقع اليومي، انه واقع مخيف، فالرواية كما يقول لوسيان غولدمان، قصة بحث عن قيم اصيلة بصيغة متدهورة، وفي مجتمع متدهور(1)، هذا يعطي سهير المُصادفة رؤية موسعة، ومرونة عالية في التحرك داخل النص، مع حرية كبيرة في التقنية السردية من حيث الاضافة والتغيير، ويحقق جمالية الكتابة السردية أيضاً.

بداية ساتفق مع د. محمد مفتاح بان "انتاج أي نص هو معرفة صاحبه بالعالم، وهذه المعرفة هي ركيزة تاويل النص من قبل المتلقي ايضاً" (2)، أو لنقم بترتيب ذلك على الشكل التالي:

المؤلف – العالم = النص.

المتلقي – النص = التأويل.

بمعنى وجود علاقة جدلية - حوارية متداخلة فيما بينهم، متعددة الاتجاهات، هذه العلاقة تخضع بشكل كامل، لثلاثة محاور اساسية في النص الروائي: التاريخي – الواقعي – التخييلي، لتفجير القدرة التأويلية عند القارئ أو المتلقي، والقدرة تعتمد على مرجعياته الثقافية، ورؤيته للعالم، ومدى عمق إطلاعه على تراثه.

هنالك جانب مهم جداً لا يمكن تجاوزه، الا وهو عنوان الرواية “ لَهْو الأبالسة” وعناوين وفصول الرواية العشر المُعْنونة جميعهاً "سمكة الجيتار"، ملحق به كتابة حول السمكة ذاتها، ومستقلة تماماً عن متن الفصل، ثم قامت الروائية بوضع عنوان آخر داخلي لكل فصل، ومبتدأ به، اسمته "حوض الجاموس"، واذا ما عرفنا بأن جيرار جينيت يعتبر العنوان احدى المداخل الرئيسة إلى قراءة النص فذلك يقودنا إلى معنى المعنى، ومعرفة مدى عمق قصدية الروائية فيه، إذ يكتب رولان بارت قائلاً: "فالتسمية هي التي تخلق السلسلة السردية "(3). فالناقد أو القاري إذا لم يستطيع الامساك بدلالة التسمية فسوف لن يخرج من متاهة السلسلة السردية، لان التسمية حبلى بمضامين ومعاني لا محدودة مع اعطاء المجال للتأويل اللامحدود.

هذا يجعلنا امام تساؤل ضمني، لماذا هذه الاسماء بالذات: سمكة الجيتار، حوض الجاموس، لتكون عنواناً لجميع فصول الرواية ؟ أو لماذا لم تضع الروائية لكل فصل عنواناً فرعياً مختلفاً ومستقلاً عن الاخر ؟ الاجابة، لا نعثر عليها الا من خلال قراءة تأويلية تسمح لنا بدخول اجتماعية النص، ولمواجهة الاعماق السرية له، فالاسماء "كلها بعد استدعائها وتحريرها وتحريكها ليست في النهاية الا تأويلاً لمسمى ارحب: مسمى الحلم" (4)، وعندما نقرأ ما تقوله البطلة – مها السويفي لاختها نجوى نعثر على مرتكزات التسمية الاستعارية، ومنطلقاتها الايديولوجية:

- إذا ما صحوت ساحكي لك: كيف اصبحت بالتدريج سمكة جيتار ص104.

ليس هذا فحسب، بل شمل ذلك اسماء شخصيات الرواية ايضاً، من الذكور، فالشخصيات المحورية الرئيسة في الرواية اطلق عليها جميعها اسم "احمد": احمد الدالي، احمد منصور، احمد العتر، احمد القط، احمد ابو خطوة.

هنا يكون القارئ محشوراً تحت طائلة علامة استفهام كبيرة، ما الغاية من هذه القصدية العالية في التسمية – الدلالة؟ فحالما تقع عين القارئ على عبارة "حوض الجاموس"، تضعه في مواجهة مع دلالاتها الاجتماعية- الاقتصادية معها، وهذا ما يؤكده الراوي برؤية طبقية، عندما يتناول سبب تسمية الحي بهذا الاسم: "في البداية كان اسم هذا الحي "الزريبة" ثم لجأ اليه الموظفون بعد انفجار الازمة السكانية فسمى تأدباً "حوض الجاموس" ص10 ".

ذلك ان تفاعل العلاقات الاجتماعية – الاقتصادية مع مخيلة الراوئي تنتج نصاً برؤية طبقية، متفاعلة مع التجربة التاريخية ايضاً، والمتبلورة بالممارسة الفردية والجماعية، ولذا لايمكن ان نقوم بفصل الجزء عن الكل، فاي فصل يكون معناه تشويه النص، وتحريفه، فيقول في ذلك لوسيان غولدمان في كتابة الاله الخفي:" كيف نستطيع فهم نص أو مقطع ما؟... بدمجهما في العمل المتماسك "(5).

ان التشكيل الادبي (=الكتابة الادبية ) يستمد بنيته وفضاءاته من التشكيل الواقعي، الذي بدوره يفرز البعدين الجنسي والجمالي في الرواية، فالبعد الجنسي في هذه الرواية يتشكل معه الياً البعد الجمالي، بمعنى عندما ناتي لقراءة سمكة الجيتار الموضوعة كمقدمات للفصول العشرة، نعثر على البعدين معاً، لكن قراءتنا لهذه المقاطع، ستجعلنا نغامر في كشف ماتقوله الكتابة سراً عكس ماتقوله علانية، وما بينهما وفيهما يشتغل الجسد بوتائر مختلفة:

- تنزلق عارية الا من جلدها، على ذراعيه المتوحشتين تغفو قليلاً، تنساب من بين احضانه تاركة اياه يصفعها على كل جزء من اجزاء جسدها ص7.

- جسمها يشبه كثيراً الة الجيتار.ص37

- لحمها لذيذ، كل الصيادين يعرفون ذلك.ص105.

- سيكون خلاصها الوحيد ان يعزف جسدها اغنيته ص239.

فضلاً عن ما قلناه، نقول ان هذا الخطاب للراوي يقع ضمن خطابين مختلفين ومتوازيين في آن، خطاب المعلن / المتحرر وخطاب المسكوت عنه /المقموع وهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالجسد / الانثى، وتحليلنا يزداد وضوحاً اكثر، عندما نتوصل الى ان هذه رواية عن امراة، لاتجد في العلاقات الجنسية ملاًًًذاً لها، انما تجد نفسها في جسدها المثير، وفي ما يحيط به وما يتفاعل معه، من خلال وعيها بذاتها، ومعرفتها به، فان "معرفة الذات هي المعرفة الموضوعية لجوهر المجتمع" (6) كما يقول جورج لوكاش.

استخدمت سهير المُصادفة الصورة المجازية، عندما وضعت مها السويفي وسمكة الجيتار في صورة واحدة من التشابه والاختلاف للاستعارة، حيث ان القارى اصبح لا يستطيع التميز والفصل بينهما لشدة الدمج، فعندما يتكلم الرواي، تغيب الحواجز، ويبقى القارى لا يعلم عن ايهما يروي، يتكلم، يصف، لتداخل الصورة، واختلاطها مع بعضها، وهذا يجعل الصورة المجازية تقوم باعادة تجميع الاجزاء وفق رؤية جديدة، وطرح جديد في التجريب، رغم ان الاعمال التجريبية تبدو لا شكل لها بتاتاً، بل تتكون من اجزاء غير مترابطة فالعمل الادبي "اذن مفصول عن الواقع على نحو مضاعف، لانه رمزي، ولانه يستخدم اداة هي ذاتها ملوثة بعناصر ذاتية" (7).

تبدا الرواية هكذا:

ثلج في حوض الجاموس !!

يبدو انني معفرة لم ازل ببروة "موسكو" التي تركتها منذ ساعات قليلة. مازال ازيز الطائر يطن في اذني وخمول مطار القاهرة في الثالثة صباحاً وعبارات زوجي الاخبارية المتقطعة التي تريد الاعلان عن الاحداث دفعة واحدة، فلا تعلن عن شىء، انا لا احلم اذن ص9.

المقطع يسير في خط واقعي، باستثناء الجملتين الاستهلالية، "ثلج في حوض الجاموس"، جملة يجب ان تأؤل بـ"لماذا" لانها تثير تساؤلات معينة فيما سياتي من احداث، والختامية "انا لااحلم اذن !"، فهي جملة ملتبسة، الوهم والحقيقة متداخل فيها، والروائية في جمل اخرى، تعمل على تشويش القارى، وارباكه، واعادة النظر فيما قرأ، او فيما فاته من صيغ سردية، كما في الحوار التالي:

-يكفي هذا يا "احمد" هل جاء النور ؟

-أي نور يا "مها". النور لم ينقطع عن الحي ابدا.

-النور لم ينقطع عن الحي أبدا يا سلام. هذا اذن خيالي المريض ص364.

فعندما تعيد "مها السويفي" جملة زوجها "احمد الدالي" على ان النور لم ينقطع ابداً، فذلك معناه تاكيد ضمني بان النور كان موجوداً، دائماً، هذا يناقض مع ما جاء في بداية الرواية، بان النور مقطوع:

-ضغط "احمد الدالي" جميع مفاتيح النور ولما قابله الظلام عرفوا ان التيار الكهربائي منقطع. ص11.

نعم، ظاهرياً المقطعين متناقضين، ولكن داخلياً ( =باطنياً) لايوجد اي تناقض بينهما، فثنائية النور / الظلام، تتجاوز واقعية الرواية الى مجازية جدلية، تعطي مفهومية مختلفة في الرؤية، وفي وجهات النظر كآن تكون هكذا:

النور = العلم - التطور - الحضارة – الخير. (الحياة)

الظلام = الخرافة – الرجعية –التخلف – الشر.(الموت)

هذه الثنائيات التأويلية مستمدة من مرجعيات اوحفريات عدة كالعقلانية والاجتماعية والايديولوجية والاخلاقية، ولكنها في الوقت ذاته تعتمد على ما اطلق عليه كينيث بيرك في كتابه فلسفة الشكل الادبي بـ"استراتيجية الاتصال" ما بين المؤلف والقارىء، ومدى سعة الاستيعاب والتاثير الذي يحدثه النص في القارى لذلك "ينبغي فهم النص كمجموعة من الاشكال والعلامات الموزعة لتوجيه خيال القارىء " (8)، ودور الناقد يكون هنا في تفعيل فاعلية النص، لمساعدة القارىء في تحطيم وتعديل توقعاته في قراءته للنص.

ربما يتسأل البعض، لماذا استخدمت المُصادفة الغرائبية بهذا الشكل المكثف والاصرار على ذلك ؟ اولاً علينا ان نعلم بان مفهوم الغرائبي – الفنتازي – يعني خرق للقوانين الطبيعية والمنطق كما يعرفه البروفسور ت. ي. ابتر، وان البعض من الكتَاب يلجأ اليه لعدم قدرته على مواجهة الواقع، بالرغم من ان الغرائبي يُعتبر المدخل الى الواقع، ولكي يؤكد "تشظي الادراك الحسي المألوف، لإلغاء الاحساس بالنظام، وللتوكيد بان المنطق والنظام هما بحد ذاتهما فنتازيا " (9).

تبدأ الرواية بعودة مها محمد السويفي، وزوجها احمد الدالي في سيارة الاجرة المؤجرة من مطار القاهرة قادمة من موسكو، لتدخل في شارع ضيق أسمه: د. طه حسين – طريقتها في اختيار الاسماء قصدية وذكية جداً – بعد ان اجتازت مجموعة بيوت سوداء متناثرة، لتقيم في بيت جميل مكون من طابقين، منذ لحظة نزولها، تبدأ احداث الرواية، وتبدأ حكاياتها العديدة المنتشرة فيها، ليكون حي الجاموس عالمها: بناسه، وحيواناته، ومشاكله، وارهاصاته وجنونه، وتنتهي الرواية بموت مها في بيتها، ويلازم القارىء عند قراءته للرواية شعور عميق، بان المؤلفة كانت حريصة في عباراتها، ودقيقة في اختيار كلماتها، مع عناية فائقة في رسمها للشخصيات، فانها رسمت عدة افاق محتملة مليئة بالتناقضات، ولكنها تبقى امينة في منطق القص، أما تاثير الغرائبية "الاهم والاروع فمصدره صلاتها بما هو مألوف والطريقة التي تسلط بها الضوء على عدم الاستقرار والتناقض او حتى اللاعقلانية التي ينطوي عليها المألوف "(10).

لقد منحت سهير المُصادفة حيزاً كبيراً في تناولها للجسد، بحيث جعلت الاخر يظن بان الجسد بطل الرواية بلا منازع، وهو المحور الرئيس:

" يالهذا اليقين امن المفترض ان اغوص، واغوص بلا نهاية ولا اصل لحدود هذا الجسد ؟ نفذت كل حيلي ياحبيبي للدخول والخروج والحصار، ولم تزد معرفتي بك عن الولوج في متعة الى متعة الى اخرى، أسيرة انا حتى الموت فيك فهل سأظل اعتلي هذه القطرات من الشهد وانا غائبة في غموض ابيض ؟ ص43"

يصبح الجسد عند المُصادفة لعنة، كما تجسد ذلك في الليلة السـوداء لنجوى السويفي، عندما تكتشف بانها فاقدة لعذريتها دون ان يمسسها رجل: - قلت له، انا لااعرف، وكنت فعلاً لااعرف، لم يصدقني، ظل يبحث في كما فهمت عن بقعتي دم الى ان طلع الفجر، وفي الصباح اعادني الى امك التي اغلقت مع حجر قبرها سري هذا، ورغبتي في كل الرجال ص20.

فان هذا الحدث يعتبر خرق للقوانين الطبيعية، كذلك فانه يعتبر خرق للقوانين الاجتماعية في بلادنا، ولولا ادراكنا بان الحكاية تقع في داخل عالمنا، لكانت فقدت معناها الغرائبي والاجتماعي والاخلاقي.

ليس هذا فحسب، بل تعمل الروائية على إن يتجاوز الجسد وظيفته الوجودية- البيولوجية في تحقيق اللذة، والعمل على تحرره، حيث تحوله إلى رموز ودلالات ويتبين ذلك في علاقة جسَدي احمد ومها، واستمرار هذه العلاقة رغم عدم اكتمالها فيزولوجياً لكنها ملتهبة وحميمية، وهذا يجعلنا نعلم سبب الزيجات الكثيرة لاحمد، وسر عدم مكوثه معها طويلاً، ف مها تمثل بالنسبة إليه الأرض العذراء: "إنا الذي لم استطع بعد فض بكارتها والولوج في أسباب عيشها كما ينبغي. ص11"، فهذه العلاقة الانسانية العميقة ليست مبنية على أساس اختراق الجسد، بل على أساس اختراق الذات، والولوج إلى داخله، وفي حكاية ماريان المصرية، ترسم لنا انتهاك الجسد والسلوك الإنساني المنحرف اجتماعياً وأخلاقيا، عندما يقوم بعض الشبان باغتصاب ماريان، لقد اخترقوا الجسد ولكنهم لمْ يستطيعوا اختراق الذات، فهنا الصورة الغرائبية في الحكايات تكشف وتبحث عن المعاني السوسيونفسية للمجتمع، ومدى تحكم اللاوعي الجمعي فيه:

أنها لم تصرخ، ولم تستغث وإنهم كانوا يزدادون شراسة وسفالة كلما وضعت يدها على انفها وعينيها هربا من رائحتهم وملامحهم، فقط مشت إلى جوارهم بعريها المهتوك، كما لو كانت تسير إلى جوار بهائم ص180.وفي مكان أخر تبين لنا شذوذ الجسد، وانحرافه، وموقعه في المسار غير الطبيعي، ولكن هذا الجسد يأخذ حريته في علاقته الشاذة وسريته في فعله، رغم أنها علاقة غير متكافئة، غير متوازنة، غير منطقية من وجهة نظر الأخر، بسبب نوع الفاعل في العلاقة، لكن المرأة- بطة "لسلوك المرأة الحيواني أطلقت عليها اسم حيوان بطه "هي التي تريد ذلك، وتعمل على ديمومة هذه العلاقة، بطقوسها السرية، إلى حين موتها بفضيحة انشقاق بطنها، وهي راقدة على طبليتها العالية: "بطة الفاسقة كانت تدهن جسمها بروثه وتلبس بردعته حتى إذا هم بها ليلاً، استلقت له على طبليتها العالية.ص32".

فـ"بطة" تمثل الواقع المخالف والمسكوت عنه في حياتنا اليومية، وفي قول الممنوع، لذا اننا كما يبدو لانستطيع ان نعرف على وجه الدقة اي الصور رئيسة وايا منها ثانوية، ولانعرف اي الصور مجازية وايا منها روائية حقيقية، لذا يجب علينا "ربط النص بالتأويل، هي الطريق الفضلى في البدء بدراسة القراءة"(11).

ان عرض الحكايات (= تحليل وقائع الجسد فيها) من مختلف وجهات النظر: الاخلاقية- الاجتماعية- النفسية، عن طريق الواقع الذي يقترب من تخوم الغرائبية، بل واحياناً اخرى يمتزج فيها، وبيان القوة المختلفة التي تسيطر على الجسد، وعلاقة الانسان بجسده، واجتياح الفوضى الاخلاقية له، كما في حكاية بطة المدانة بتدمير جسدها، والمسؤولة عن تمزقه، لنوازع ذاتية، واختلال في التفاعل مع العالم الخارجي، وانعدام الرؤية فيما حولها، وحكاية ماريان المصرية اللامسؤولة عما جرى لجسدها من اعتداء واختراق بوحشية مكشوفة، وبحيوانية مرعوبة ضعيفة في داخله، فتكون الحكايات هنا مصدراً للمعنى او التأويل، عند الناقد او القارىء، بسبب امتلاكهما السلطة القرائية عنهما.

تقول الناقدة اللبنانية يسرى مقدم في كتابها "مؤنث الرواية" (دار الجديد ـ بيروت 2005): تريد المؤلفة ان تكتب المرأة من خلال جسدها، لكن هذا يستدعي ان تقبله اولاً وتتعرف عليه وعلى أحاسيسها(12). وبدورنا نتساءل، لماذا يجب ان تكتب المرأة من خلال جسدها، اذا كان جسدها موازاً لجسد الاخر، واختباره يكون بوجود جسد الاخر، كما تعلن الروائية العراقية عالية ممدوح (13)، فالجسد هو الصانع لقوانينه واّلياته وطقوسه دون التخطيط الكبير في ذلك.

ان الحكايات الموّظفة في "لهْو الابالسة " ترتكز اغلبها على المتخيل الاسطوري، وتستمد منه الحكي، وتستلهامه حتى في حالات الجسد المتنوعة، وبالذات في صور غيابه (= موته)، رغم انها اي الحكايات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمتخيل الروائي، ولا تحيد عنه، وتستند عليه، فالروائي الذي يخلق الاسطورة يعلم انها الطريقة المثلى للخيال، وانها في الوقت ذاته، نقيض ما هو تقليدي وضيق، لان المتخيل الروائي الاسطوري يمنح "واقعيته فيبدو العالم الروائي او القصصي الوهمي حقيقياً، وهو، في تبديه هذا، مغادر لعالم الواقع دون انفصال عنه، ومغادر لعالم المتخيل دون خيانة له"(14)، لذا المتخيل الاسطوري يعطي المؤلف / القارىء القدرة على التأويل ودخول مجالات لولاه لما استطاع النفاذ اليها والقيام بمعاينتها، وان الصراع والتنافس والاختلاف وتمييز المعنى يجري تعميقه بواسطة الخيال، وشحذ القدرة التأويلية، يقول كيرمود: "تفقد القصص الخيالية قدرتها حين تفقد قدرتها التأويلية".

بتقابل المخيله الكتابية بالمخيلة القرائية ينتج التأويل، وكما ان "فعل الكتابة وعي للذات وللعالم – جريدة الحياة 4/8/1993" كما تقول الناقدة فاطمة محسن، كذلك فعل القراءة وعي للذات وللعالم، بل الفعل القرائي/ النقدي يتخطى الرؤية الكتابية للذات وللعالم احياناً، مما يجعله يتماهى مع النص وفي موقع الند له، اذا لم يكن متقدماً عليه ففهم نص" لَهْو الابالسه" المتضمن الحكايات الخرافية والتي يطلق عليها علماء الاجتماع الاساطير الاجتماعية، تكون صناعتها واعتناقها رائجة قي هكذا بيئة، لتحارب بها الظلام الطبقي وظلم السلطة، يعني اكتشاف رؤيته للعالم، ومدى تداخل العلاقة بينهما، ضمن البنية الايديولوجية – السوسيولوجية، وان هذه الرؤية جزء لايتجزأ من الوظيفة السوسيولوجية، وان ادماج تاريخ فئة اجتماعية في التاريخ العام هو شرح لدور ووظيفة هذه الفئة لفهم المجتمع ذاته، وابراز سلطة الكتابة مقابل سلطة المجتمع.

اذا ما عرفنا بان الرمز والاسطورة نقطة التقاء بين المعقول واللامعقول عندئذ يكون الراوي نقطة التقاء بين الخيال والواقع، وهذا ما يقودنا الى الرمز المكثف والمتواجد في الرواية الا وهو الموت، شفرة تحمل في طياتها الولادة من جديد، والانبعاث كالعنقاء، شفرة يتواجد فيها وحدة الاضداد الغياب/الوجود، الاختفاء / الظهور بحيث تكون لحظات الموت هي لحظات ولادة: "وقفزوا في الهواء عالياً لمنتصف الجدار المقابل لسفارة "قرفبيا" والتصقوا عليه محتفظين بطزاجة خروج الروح من الجسد. ص123 "، بمعنى اننا امام شفرة تأويلية جامعة للرمز واللغز والحدث، مكونات الرواية المدرجة في خانة البنية.

وشعرية السرد للراوي تستمد شرعيتها من حكايات الف ليلة وليلة في القص ومن الواقعية – السحرية الحديثة، وخاصة في صور الموت العجائبية والمنحرفة في المعنى، لإبراز مأساوية الإنسان، وعبثية الحياة، والتركيز على ثنائيه العقل /الجنون، وتصوير بشاعة الأخر حتى في استغلاله للموت فمقتل "سيد "عامل ماكنة صنع الحلوى، الذائب في عجينتها عند سقوطه في الخلاط، وقول صاحب المصنع بلا مبالاة مخيفة:" اخلطوا عليها نصف صندوق سآنس فراولة حتى تغطي على دمائه لوناً ورائحة.ص 195"، او مشهد مراحل موت الخالة كفاية الداية، عندما تتفتت أجزاء جسدها وتغادره متساقطة بين حين وأخر قطعة قطعة "216" أو وضعية وردة التي تقطع جثة زوجها بعد أن تقتله، إلى أكثر من مائه قطعة و لتضع كل قطعة في كيس بلاستيكي، ثم توزعها على حافة نهر النيل على ( أبعاد متساوية ص 76)، هذه الجملة التهكمية "إبعاد متساوية "تضعنا حال قراءتها (=وصور الموت الاخرى) أمام دلالات /ذهنية –مجازية، وصور /حسية –مادية كثيرة، ونتسأل لماذا هذا التوزيع في المسافة المتساوية لدفن الاجزاء المقطعة من قبل الزوجة بشكل هندسي جمالي ؟عندئذ هنا تتدخل سوسيولوجيا الفكر للعثور على القيمة الجوهرية لكل حياه اصيلة عن طريق الصراع بين المعقول واللامعقول، بين الخرافة والوقع، بين الخير والشر، بصورة سخرية او مآساة تعبيرا عن العالم، وتمهيدا لانبعاث مستقبل جديد، وهذا يبين لنا حساسية الروائية سهير المُصادفة تجاه مشاعرها وأحاسيسها، ومدى اتساعهما وثرائهما في التعبير عما هو جوهري بالنسبة للتحولات الاجتماعية-ألاقتصادية التي تمر بها، والمحصلة النهائية تكون في مزج الإنسان /بحفرياته و مرجعياته وثقافته، في الكون /بغموضه ولا محدوديته وابديته للعثور من خلالهما على الطريق المؤدي إلى إنتاج وعي شمولي.

إن الحكاية المركزية في الرواية، هي حكاية مها السويفي، وبقيه الحكايات تكون متداخلة في جسد هذه الرواية، أو ملحقة به أو تابعة له، وظيفة هذه الحكايات العمل على تفكيك الحكاية الرئيسة، أو أضاءة الجوانب المعتمة منها أو لإملاء الفراغات الموجودة في المشاهد السردية، فالحكاية ما هي إلا مجموعة من الأفعال السردية تتوق الى نهاية كما يقول الناقد عبد الفتاح كليطو، إذ الحكاية الملحقة او التابعة هنا مهمتها تقوم باعادة صياغة الحكاية الرئيسية أيضا، إي حكاية مها السويفي، وهذا يقودنا إلى معرفة المشكلة الحقيقية لمها - أنها لا تستطيع أن تتفاعل مع الواقع اوتختبره، لان مداركها الحسية تنتقل باستمرار من معنى إلى معنى، أنها تؤمن بان المعنى في الحياة ذاتها- وهذا يؤدي الى عدم الاستقرار، والقلق، والتحفز، والتشظي، ويحس القارئ عندما يسمعها بأنها متفرجة على عالم ليس لها علاقة به:"ف "احمد الدالي " لا يجيد إلا الفعل إي انه يعيش الحياة، وإنا لا اجيد إلا البوح إي إنني مثل سمكة الجيتار أتفرج على الحياة ص291".

بالاضافة إلى ذلك عملت هذه الحكايات على فتح مغاليق النص الشامل، ودخول شبكة المفهومية له، من خلال تداخل العناصر الخارقة أو السحرية المؤثرة في تنامي الإحداث السردية كما يذكر ذلك فلاديمير بروب في كتابة "مورفولوجيا الحكاية الخرافية"، كما أنها تحفز مخيلة القارئ وتثير المتعة فيه، وتعمل على التلاعب بتصوراته الذهنية.

عودة لعنوان الرواية "لَهْو الابالسة " الحامل لدلالات رمزية –جنسية، ترتبط ارتباطا وثيقا ًبشكل خفي بالدلالات السياسية-الاجتماعية، وهذا يحتاج من القارئ الانتباة الشديد في عملية القراءة للنص، من اجل فهم وتفسير دلالات العنوان ورموزه، فالعنوان لم يوضع جزافا ًبل وضع بقصدية عميقة مستوحاة من مرجعياتنا الدينية المؤسسة لتراثنا، ففي مختار الصحاح للرازي يقول:ابلس من رحمة الله إي يئس ومنه سمي إبليس، والابلاس ايضاً: الانكسار والحزن، إما لهوْ: ولهَا بالشيء من باب عدا لعب به، وتلاهو اي لهَا بعضهم بعض، وقوله تعالى:( لو أردنا أن نتخذ لهَوا) قالوا: امرأة وقيل:ولداً، فعندئذ يكون العنوان لغةً: امرأة الحزن، أو امرأة الانكسار، إما إذا تناولناه في دلالته الايحائية –الرمزية فسنحصل على معنى مختلف كلياً عن معانيه اللغوية السابقة، كا أن يكون:"لعب السلطة بالفقراء"، لذا يعتبر العنوان نصاً موازياً للنص الأصلي، كما يطرح ذلك جيرار جينيت، وعليه يكون نصا فنتازياً انفتاحياً يمتلك إبعاد مختلفة ؛"ورقصنا مترنحات مرددات وراء المرشحين شعاراتهم بسيقان عارية غارقة في رغاوي صابون رخيص: لمبة لكل مواطن، يسقط الظلام –وفكرت "مها "على إيقاع اهتزاز ردفي "انشراح السبتاتي" وهي تستمع من الشرفة لخطيبة احد المرشحين، الذي كان غاضبا بإخلاص وثائراً ومقطباً ما بين حاجبيه...هل تكون له نفس التقطبية يا ترى وهو بارك فوقها وهل وعدها حينذاك بشقة قي المساكن الشعبية ؟ص72، "هذا التواجد الظاهري للنص يلعب دوره، ضمن البنية الايديولوجية للبرجوازية "إي إيديولوجية السلطة "في تشكيل القارئ وتكوينه بوصفه فاعلاً منسجماً ذاتياً ومساوياً للنص، ولكن هنا الأيديولوجية تظهر كصيغة من صيغ الفوضى والتزيف، عندئذ تكون مهمة النقد فحص آليات التحريف والاختلال التي تنتج الخطاب الممزق، لاعادة تشكيل وتأسيس العملية التي ينتج عبرها العمل حيث يعاني النص ازاحة داخلية، ومفارقة حادة تعمل على ترسيخ (=وكشف ) جماليته، كما في المقطع التالي، عندما يقتل المأمور بيد احد الأصوليين المتطرفين، وهو مدير سابق لجهاز مكافحة الشيوعية:

- يجب ان نكمل التحقيق، خاصة وان الباشا الله يرحمه كان قبل ان يصبح مأموراً رئيساً لجهاز مكافحة الشيوعية.

- لكن قتله شاب من الجماعات الاسلامية، واضح ان الباشا بتاع حضرتك كان بيكافح كل حاجه، شيوعيين، مسلمين، وحتى "علي القزعه " ص135

يشكل تحليل الخطاب جزءاً مهماً من تحليل المجتمع، ومن جهة اخرى فالبحث عن الحقيقة هو بالضرورة ووفقاً لكل الاعتبارات يتم داخل وعبر الاتصال، ومن الممكن احالة هذا المقطع الى واقعة تاريخية هي واقعة مقتل الرئيس انور السادات بيد احد المتطرفين الأصوليين، ولكن النص تعامل مع التاريخ بطريقة المخيلة الادبية عليه "اذا لم نستطيع قراءة التاريخ الواقعي قراءة تخيليية في هذه الحالة فاننا نكون قد قرأنا خطاباً تاريخياً لا خطاباً ادبياً" (15)، بينما غاية الخطاب الادبي واضحة بالعمل على تقويض وزعزعة وادانة الخطاب الديني الاصولي، واعتباره حركة سياسية متطرفة، من خلال سرديته الشعرية.

ان ما يميز السرد الفنتازي ان له رؤية مغايرة للاشياء، فحالة المتلقي "بعد " القراءة تكون مختلفة تماماً عن حالته "قبل" القراءة، الاختلاف هذا يعمل لتحطيم الرؤية الساذجة بين الواقع واللاواقع، وبين الظاهر والباطن، عندئذ تصبح الكتابة الفنتازية مغامرة واستجلاء للذات الانسانية (الشخصية الروائية) ولتحليل الرموز، وعليه يمكننا ان نكًوْن رؤية ( =وجهة نظر) واضحة، حول الشخصيات التي في الرواية، وهنا سا تناول شخصية احمد القط فقط، الشخصية الاكثر انحطاطاً والاكثر وضاعة، وما يصلنا عنه، عن طريق احمد منصور وامه انشراح السبتاتي، حتى الراوي لم يظهره بشكل مباشر الا مرة واحدة عندما يكون في بيت مها السويفي "ص52". مع امه لتصليح الحمام، لذا فكل ما نعرفه عنه مصدره الاثنين، شخصية متغيرة (= ليس بالضرورة ان تكون متطورة)، متحولة، متناقضة، وما يهم الروائية في الشخصية / البطل بوصفه "وجهة محددة عن العالم، وعن نفسه هو بالذات، بوصفه موقفاً فكرياً، وتقديماً يتخذه انسان تجاه نفسه بالذات وتجاه الواقع الذي يحيطه "(16)، وبه نكتشف ونفهم من هو احمد القط، ومن يمثل، ومدى تطابقه واختلافه مع الواقع، ولرسم ملامح شخصيته غير المنجزة، غير المتكاملة، غير الناضجة، بسبب تناقضاتها العميقة، وازدواجية الرؤية، وتعددية الرموز "يسميها غاستون باشلار خلل الصور "، وسلبيتها اللامحدودة تجاه الذات والعالم، ورغم ان كل الشخصيات الرئيسة تموت، الا هذه الشخصية الوحيدة:لا تموت (= الشر)، وشخصية احمد القط تلتقي وتتقاطع مع شخصية سعيد مهران بطل رواية اللص والكلاب "1961" لنجيب محفوظ، حيث ان سعيد مهران جاهل غير مثقف، لا يمتلك رؤية واضحة للاشياء، غير متعرف على ذاته، انكفائي، سلبي تجاه الذات والعالم، الاانه يموت في نهاية الرواية، فمن خلال هذه الشخصية الشريرة(=احمد القط)، تسلط الروائية الضوء على الواقع المصري – العربي، ومن وجهة نظر مونولوجية " يعتبر البطل مغلقاً، اما حدوده الدلالية واضحة المعالم: انه يفعل، ويعاني، ويفكر، ويعي ضمن حدود وجوده المتحقق اي في حدود صورته الفنية المحددة بوصفها واقعاً حقيقياً انه عاجز عن التوقف عن كونه ما هو عليه بالفعل " (17)، وتأكيداً على ذلك نستعرض الحالات التي مر بها احمد القط في الرواية افقياً: عاطل عن العمل، تاجر مخدرات في العاصمة، مطرب في الاذاعة والملاهي – ثم امام ومؤذن جامع، يفتي لنفسه بقتل امه بعد تعذيبها.

ان سهير المُصادفة قد تفوقت في تحويل الاحداث والمشاهد والشخصيات الواقعية الى فنتازيا، من خلال العلاقة التي اقامها السرد كأدب بالاسطورة "الفقراء – المهمشيين – المنسيين – اليسار المحبط " كايديولوجية، وربط هذه العلاقة وتفاعلها بالجسد في كل اوضاعه: مشاكله، اشواقه، هيجانه، انفجارته.

 

أسامة غانم

.........................

الهوامش والاحالات

1- جانييف موييو – الرواية والواقع. ترجمة. د رشيد بنحدو. الموسوعة الصغيرة – دارالشؤون الثقافية ط1 1990 بغداد ص126.

2- د. محمد مفتاح – استراتيجية النص. دار التنوير بيروت 1985 ص123.

3- جونثان كلر – تحديد الوحدات السردية. ت. فاضل ثامر. مجلة الثقافة الاجنبية العدد الاول / 2004 بغداد ص33.

4- منى طلبة – من يسترجع الاحلام من تأويلها؟ مجلة فصول العدد 62 / شتاء وربيع 2004 القاهرة ص265.

5- د. جمال شحَيد – في البنيوية التركيبية. دار ابن رشد ط1 بيروت 1982 ص.

6- جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي. ت. د. حنا الشاعر. دار الاندلس. ط2 بيروت 1982 ص133.

7- جاكوب كورك – اللغة في الادب الحديث – ت:ليون يوسف و عزيز عمانوئيل دار المامون 1989 ص 93.

8- سمو ليت – السيطرة الاجناسية والاستجابة الجمالية ت، ، هناء خليف الدايني مجلة الثقافة الاجنبية العدد 3 – 4 /2005 ص 64.

9- ت.ي.ابتر – ادب الفنتازيا. ترجمة / صبار سعدون السعدون. دار المامون 1990. بغداد ص 163.

10- م. ن ص 191

11- جونثان كلر - مقدمة نقدية في نظرية القرأءة. ت. د. نبراس عبد الهادي مجلة الثقافة الاجنبية العدد الثاني 1998.

12- مي باسيل، المرأة - الكاتبة متحررة من طغيان الاسطورة. جريدة الحياة العدد 15336 في 28/3/2005.

13- حوار مع الروائية عالية ممدوح – جريدة الاديب العراقية العدد 71 في 11/5/2005.

14- يمنى العيد – في معرفة النص. منشورات دار الافاق الجديدة ط3 بيروت 1985.

15- تيري ايجلتون – نحو علم للنص. ترجمة / فخري صالح. مجلة الثقافة الاجنبية العدد 2 / 1991.

16- ميخائيل باختين – قضايا الفن الابداعي عند دوستويفسكي. ترجمة: د. جميل نصيف التكريتي ومراجعة: د.حياة شرارة. دار الشؤون الثقافية ط1 1986 بغداد ص67.

17- المصدر السابق ص73.

18- رواية "لَهْو الأبالسة". ميريت للنشر-القاهرة ط1 2003.

* نشرت في جريدة الاديب الثقافية – بغداد، العدد 168 في 28 / ايار / 2008.

 

نبيل الشرعللشاعر مصطفى ساهي كلش

المدخل والداعي

الطوق المعرفي بأبعاد المشكلة الإنسانية يلقي بهمة على رقبة الكون أذا ما ما توجهنا إلى هدف الوسيلة في تمكين العقل من جنبة الوضوح وهنا ينتج مجال تعبوي يحتاج معالجة مناطقية ونفس هذا الطوق المعرفي هو البحث عن العلة والداعي إلى وجود المعلول بقطع النظر عن إلقاءات الفكر الإنساني لهذه المنطقة .

(دين، إلحاد، طبيعة) فالكل يعلل والكل يقود عقله إلى نتيجة لكن تبقى الفحوى هي الوسيلة الحياتية وهنا على كل مدون لمتن ما أن يتدبر معنى متنه قبل تجسيدة للذوق العام وحسب منطلقه العملي في تحديد علاقته بالوجود بمعنى أن يكون منطلقا من (كليات حقيقة) يؤمن بها ويعيشها لكن عندما يجد مطابقة التطبيق تختلف عن النتيجة التي كانت تعيش في خلد فكره يصبح التمرد الإنفعالي مرجعا آخر يوازي ألقائته الفكرية ليصنع لنفسه جدلية قوية يخوض من خلالها غمار الخروج من سيرة التوجيه إلى سيرة التوجه، فالحياة على ماهي واضحة لكنها تبقى غامضة ملبدة غير مستقرة ولم تصل الإنسانية في ظل تقلبها إلى كلمة مطابقية ونهائية عنها (كل يفلسف الحياة من منظاره) وعليك انت أن تبحث عن الواقعية نعم الواقعية وليس الحقيقة لأن الأخيرة أمر نسبي يدور مع تقدم الزمان فالشكل الماورائي والشكل المادي والشكل الفوضوي كيانات أسست قصديات عدة وعالم الشعر توغل كثيرا في هذه القواعد فالذي يربط واقعه بالإله يؤمن بحكمته من الوجود والخلق وعليه فالنص المعنون (دموع الشيطان) له ماهية التمرد ولو بنحو الترديد بين الإسقاط الكلي وبين الحفاظ على هوية الفكر والعقيدة فالشاعر كون حلبة الدخول بعنوان ضنين يحمل طعنا واضحا بجدوى وجود البشر على ماهم عليه .!

(دموع الشيطان) فكرة كاملة وتيار واعي وتعنيف عميق للبشرية في أنها لم تفلح ولم تجد مرتسم الصيانة الكونية لهدفها وبعدها تأتي مطلعية النص هل نحن فائضون عن الحاجة؟

وإذا كنا كذلك إذن لم خلقنا؟

الى أخر أوتار الفكرة في ما وظفه الشاعر في معينه.

ما يوجه للنص من اشكلة هو محاولة خرقه للمثالية والقواعد التهذيبية إذ أن منطلقه هو منطلق الإيمان وليس الأنكار لكن هو يوحي لنا استنكارا قويا وكدفاع عن النص نقول هذا الإستنكار تارة كان بريئا محضا وتارة كان لازما ومطلوبا بفضل ما وجد من تناقضات حياتية معاشة .

ثم اشكلة أخرى وهي أن الموجد لا دخل له في وفرة الأخطاء البشرية رغم أنه هو الموجد لأن في أول ظهور على بصورة ادم عصت موجدها واطاعت ذلك المخلوق الذي وسوس لها

وهذا هو أحد أسرار النص إذ يريد أن يقول إن بعثنا في الأرض ماهو إلا عقاب تستوفيه البشرية وتنتهي منه

الوتر الأول

التواجد في منطقة السؤال من حيثية النتيجة الغريبة الحدث البشري بتقريب الربوبية اعترافا بسلطة الإله والرب على الشاعر لكن سؤاله المعبر عنه بالأبكم كنوع من التقابل مع الضد (نطق / أبكم) فعلية التمرد لكن بهدوء خلقت من العتبة نمطا طريفا شاسعا :

ياربُ قد نطقَ السؤالُ الأبكمُ

هل خلقنا كـ(لزومِ ما لا يُلزمُ)؟

طاقة الوجع وهذه شرعة جديدة يخلقها النص تجعل القابل يمزج وجعه في أوراق التساؤل عن الهوية الحقيقة للخلق؟

ويصل بنفسه إلى مدعى (لزوم ما لا يلزم)

ويبقى في فلك الحيرة الأخاذة شكلا ومضمونا عند دائرة الغرائبية التعجبية :

هل من مُرادٍ في سُلالةِ (آدمٍ)؟

أفصحْ لنا فيما تراهُ وتكتمُ

أن مدعى الشاعر في خلفية المتن هو رغم كل ما توضح من لدى الخالق (على يد الكتب)

من أسباب الإيجاد والإنشاء لم تفلح في فهم الحدث البشري لإن الواقع مغاير .

هذا من جهة ومن جهة أخرى تبرز خاصية التعاطي التي فحواها أن كل ما وصلتم إليه من واقع مختل هو بفعلكم لا غير، وتأتي اجابات النص عن هذه الإزدواجية في ما يأتي من جسد النص :

ياربُ عُذراً من سؤالِ مُعذبٍ

فالقلبُ في ملحِ المدامعِ مُتخمُ

مطالع متخمة بالوجل والتعجب والسخرية من هذا الوكم الفريد

(اعتذار / عذاب / دمع / تخمة)

قصص قائمة جريئة تبحث في خضم خبرتها عن مطلع فهم وجزئية ضوء، ثم يدور مع زمن النص ويعنون الإتجاه بسؤال :

أتُراكَ حقاً قد أمرتَ بسجدةٍ

كُلُّ الملائكِ واعتلاهم (آدمُ)؟

لازالت فاعلية التمرد والجرئة تعيش في عمق القصد لأن (آدم) لدى الشاعر كتلة من الأخطاء فكيف يكون اعلى شأنا من الملائكة؟ هذا ادم المخيف في كل ما يفعله وفعله وسيفعله بحكم افعال أبناء ادم .!

يكون موضعا لسجدة من لدن الملائكة .!

وبعدها الحدث التالي :

وطردتَ شيطانَ التعبدِ إذ أبى؟

وهو المُتيمُ في هواكَ وأقدمُ

مجال التعبير اللطيف (شيطان التعبد) هو الروح السيمائية في فترة الأعداد للنص وقد أودع الشاعر في فكرته هذه لغزا كونيا تصويريا لماهية الصراع بين الشيطان والإنسان الأولوية فيه حسب النص للشيطان بحكم القدم فمن هو آدم وماهو فعله أمام الشيطان وما قدمه سابقا .

غفل الشاعر هنا عن جزئية مهمة وهي أن هناك من الواصلين من فرق بين ابليس والشيطان وان هناك من حقق أن النفس هي ذاتها الشيطان وهذا مغفور له لأنه يمشي مع المشهور الموروث

يكمل لنا دعواه الشقية المرحة رغم الألم :

رفضَ السجودَ لغيرِ وجهكَ سيدي

أتُرى يُلامُ على المحبةِ مُغرمُ؟

المعصية من حيث هي طاعة لم تكن في مجمل دواعي ذلك المسمى (شيطان) بل حسب أطروحة الشاعر هناك :

اولا: دافع الغرام بالمبدأ

ثانيا :وعلى حساب معرفة الممتنع عن السجود كيف يسجد لمن هو مخلوق .!

كأنما يريد أن يقول هو لا يرى غيرك (آدم أو من سواه) بل يراك انت فقط فلما الملامة لرفضه سجدة .!

لكن التوجه الذي يعصف بهذه الفكرة كرد على هذا المنطق هو هيمنة الآمر بالسجود وإرادته ولا يملك المقابل إلا الإنصياع والإمتثال فكيف حدد الشاعر وجهة نظر المأمور ولم يطل بوجهه إلى وجهة نظر الآمر وهذا الخط ستكون أجابته واضحة في سفر النص إذ تمكن الشاعر من توحيد الفقرات بلا خروج عن الحد التام .

فمن خلال خبرة الشاعر اوجد لقصته أفقا يخرد الإشكالات حيث يقول:

شيمُ المُحبِ بأن يثورَ لحبهِ

ويغارُ إن سلبَ المحبةَ تؤامُ

فرفعتَ (آدم) في الجنانِ مكانةً

والحُزنُ في عينِ الملائكِ يجثمُ

وعصاكَ .. يا من قد عفوتَ لذنبهِ

حملَ الخطيئةَ عاشقٌ يتألمُ

ركز مبدأ الدفاع عن موضوع قصيدته وهو (الشيطان) من منطقة معصية آدم فهما صنوان في هذه الدائرة لاحظ بداية المظلة (سلب محب / رفع الآخر / حزن الجمهور) وبالتالي وقع في نفس السهم (عصاك / عفو)

وحصة الآخر (حمل / خطيئة / ألم)

علما أن الكائن الجديد توغل في الخطيئة

من هنا وعلى ركن الواقع الذي تبلور ثوبا جديدا للتقابل بين جنسي (آدم) و(الشيطان) يأخذنا المتن إلى حلية جديدة ووتر منتج وهو ما سيعالج تاليا .

الوتر الثاني

تناول جرف التضاد والتقابل بلغة الوضوح ولم يبتعد عن الشكل الضروري إذ يقول:

من ذَلِكَ اليومُ القديمُ ولَم تزلْ

الناسُ تُخطئُ والأبالسُ تُرجمُ

كبداية ونتيجة وخطة جديدة أصبح الوجود محكوم بجزئية ثالثة وهي أن الطريق الجديد هو الحكم بضلال الشيطان واستحقاقه الرجم بسبب رفضه السجود ويقابل ذلك السيرة التراكمية من اخطاء البشرية على مر العصور لكن من الذي ينال العقاب .!

نفسهم هم من يخطئون يعاقبون ذلك الكائن الذي كان رفيق سجدة طويلة في حضرة الله

الشيطان يزين لكن من الذي يرتكب الفعل؟

وهذا هو منحى الشاعر في فرضيته :

من حطموا الاصنامَ، في خلواتهمْ

في كُلِ منهم ماردٌ يتصنمُ

جمراتهم لو انها قد أُلقيت

في وجهِ طاغوتٍ لكانوا اسلموا

لكنهم غزلوا القبورَ على المدى

حتى الغيومُ بمشيها تتلعثمُ

انظر إلى الدُّنْيَا وما صَنَعت بها

كفٌ على وترِ العذابِ يُنغمُ

سبقت قيامتكَ القنابلُ إذ بها

أجسادنا في نارها تتفحمُ

وطبولُ حربهمُ التي لا تنتهي

في قرعها نادت لنا : (دمٌ) دمُ

أنفعالية ذهنية بديعة وجدت لها حيزا انتقائيا بليغا من خلال سرد العمق الواقعي للبشرية وتصوير لمأساة الأيام الكونية ولم يغب الشاعر عن فترة الخديعة البشرية للزمن والتحايل على ثوابت الدائرة الخلقية بطعنات شوهت المشهد الذي أراده الخالق، أختزال صوري وتصديقي للمعنى بعيدا عن تجريب الصبغة الغارقة في الرمزية بل ترى إشارات الرؤيا تجود بالقصد بلا تعقيد .

الوتر الثالث

الساحة الباذلة هي مفتاح جديد يرتقيه النص ويرتدية فالمقابلة التحليلية لم تعمل خيالا بل أرخت لشكل الوقائع الإنسانية وتسلط البعض على البعض لتبقى للدنيا طبقتها الأليمة ومزاجها السفلي في ترويع الفرد :

إن كانَ تُفاحٌ أطاحَ بـ(آدمٍ)

فاليومُ في قطعِ الرؤوسِ نُعظمُ

هذي سُلالةُ (آدمٍ) في أرضنا

هرمَ الزمانُ وذنبهُ لا يهرمُ

سلبوا بإسمكَ عمرنا وحياتنا

في كُلِ بيتٍ يا الهي مأتمُ

عُذراً فما الشيطانُ أدنى منزلاً

من عُهرِ ناسٍ بالفضيلةِ مُلغمُ

إن كانَ ميزانُ الخطيئةِ عادلاً

في ذنبهِ الشيطانُ اتقى من هُمُ

إن كانَ ثمةَ من سجودٍ آخرٍ

أتلومُ من رفضَ السجودَ وتلجمُ؟

قمع الشاعر فكرة الهدف الإيجادي وعدم مشروعيته امام الضغط الهائل من المشاكل والتبعات والإسقاطات التي وفرها العنصر البشري لنفسه، لغة السؤال ولغة التمحور ولغة الدفع بإتجاه البحث عن علة الصراع البشري البشري، وبعد هذا هل يلام ذلك الكائن على عدم سجودة .!

الإقفال

الحركة الداخلية للنص كشفت كمالات بلاغية إحيائية ليذهب الشاعر بها إلى معنى حيرته وتساؤلاته ليكشف مرتبة الإطلاع لديه من بداية الأمر بالسجود إلى تقاتل بني البشر فيما بينهم ، رفض السجود هو المحور في ما وصلت إليه القضية كهذا يرى بعد النص ليرجع المتن إلى منطلق الإيمان بأن الخطوة الغير محسوبة تؤدي إلى فصائل من الوجع .

هذا من جهة ومن جهة أخرى هذا الموقع المتغطرس بشريا سيبقى يمد زوايا وجودة بنفس الألم :

قد كانَ فصلُ بدايةٍ في سجدةٍ

وبقتلِ بعضٍ في الحياةِ سيُختمُ

هكذا تذهب وتعود حكايات النص متوجة بفكرة العتبة (لزوم ما لا يلزم) لان الناتج هو التقاتل بشتى الطرق ليس المادية فقط بل المعنوية.

 

نبيل الشرع

 

.......................

للاطلاع على القصيدة في المثقف:

دموع الشيطان / مصطفى ساهي كلش

 

 

وسام عبدالعظيم عباسشكل ظهور المسرح التفاعلي نقطة انطلاق لدخول عصر جديد في المسرح، إذ تجسد ذلك في رصيده الوافر، من عروض ونصوص وتنظيرات وتجارب تسعى الى اعادة ثقة جمهور الشارع في المسرح، من خلال رؤية مركزية شاملة، رسم بها ملامح إستراتيجيته الفنية، مرتكزاً على مفاهيم أظهرها في تجاربه المسرحية تطبيقياً من خلال مجموعة من التقنيات التي ظهرت في المسرح التفاعلي دون غيره من المسارح فلم تقف وسائله التقنية والجمالية من تحقيق العرض التفاعلي في حدود خصوصية كتابته للنص المسرحي أو الرؤية الإخراجية وما تحمله من معالجات، بل سار بها إلى توظيف جمالي جديد وشامل، شمل العملية المسرحية برمتها، محققاً معها نمط لعلاقة جديدة في المسرح بين الممثل والمتفرج، وقد امتدت اشتغالات المسرح التفاعلي في مجمل توجهاته الحديثة إلى منعطفات متنوعة, ابتُكِرَتْ لتغطي الاحتياجات المتطورة للمسرح وردم الفجوة بينه وبين الجمهور , فضلا عن استعراض القدرات التي يمكن للمسرح التفاعلي الوصول إليها, عبر مخاطبة فئات المجتمع كافة، لما يتميز بيه من مرونة ويُسر في الخطاب والاداء والتواصل، اذ جاءت خلال العرض صيغ ومرتكزات جديدة قادرة على تحويل المتفرج تدريجياً من منطقة المتلقي السلبي، الى المتلقي الفاعل المشارك بصورة حقيقية في منظومة العرض المسرحي، اذ ان هذه الانماط من العروض توصف بشموليتها وقدرتها على التوجيه والمتعة والتسلية معا بإشراك الجمهور إشراكا فعليا وإنزاله إلى ميدان التمثيل . (1) بوصفه  (المسرح التفاعلي) مسرح حي للتنشيط الاجتماعي، يتيح للجمهور امكانية التفكير التواصل والتفاعل والتعبير والمناقشة مع الممثلين وفيما بينهم بكامل الحرية لدرجة يصبح المتفرج مشتركاً بالنص والتمثيل ورسم الحركة .

ومن جملة المرتكزات التي يعتمدها هذا المسرح هي (المُيَسر) في المسرح التفاعلي، وهي تسمية اطلقها الباحث على الشخص الوسيط بين الممثلين والمتفرجين للتحكم في سير العرض وتوجيهِ الممثلين، ودفع المتفرج بالاتجاه الذي يساعدهُ للاشتراك والتفاعل مع احداث العرض، اذ انه بمثابة الشريان الرئيسي في العرض التفاعلي يأخذ على عاتقه ضبط ايقاع العرض من خلال توجيه بوصلة العرض اثناء فتح النقاشات مع المتفرجين .

ولهذه التسمية مرجعيات عديدة ومتنوعة، اختلفت من بلد الى اخر، واذا ما اردنا ان نبحث عن مقاربات هذه الشخصية ومرجعياتها يمكن ان نلتمسها في الموروث العربي من خلال شخصية (الحكواتي) و(الراوي) و(المعلم)  فيما اطلق عليها الكاتب البرازيلي اوجستو بوال بــ (الجوكر) كل هذه التسميات يمكن ان تُشَكل ملمح اولي عن شخصية (المُيَسر) وفي الحقيقة هي تسمية متعددة ومتشعبة المعان، الا ان الباحث يرى ان هذه التسميات جميعها لا تتطابق مع تقنيات مرتكزات المسرح التفاعلي، بوصفة صورة متطورة ومُحدثة للمسرح، وان التسميات السابقة الذكر ألتصقت بجملة من العوامل البيئية والاجتماعية التي بلورت هذه المصطلحات بما ينسجم مع اماكن ظهورها، لان كل مصطلح اكتسب العوامل الاجتماعية والثقافية للبيئة التي ظهر فيها، اما اختيار تسمية الـ (المُيَسر) بوصفها تسمية اكاديمية ولها دلالات واضحه تتسق وطروحات المسرح التفاعلي، كنمط قائم بذاته، يختلف عن تقنيات المسرح الارسطي والملحمي على صعيد النص، والاداء، والفضاء، الروى الاخراجية، اذ ان بنية النص في المسرح التفاعلي تختلف عما هو علية في النص التقليدي، بوصفه مسودة اولية تنقسم الى جزئيين، الاول يقوم بأنشائه فريق العرض، اذ يكتبوا الخطوط العامة للموضوعات المراد طرحها ومناقشتها، اما الجزء الثاني من النص يُكتب بعد نهاية العرض، اذ تُدرج حوارات المتفرجين المشاركين في العرض، وهو متعلق بالجمهور الذي بامكانه ان يُغيير النص الاصلي ويطوره بما يراها مناسباً، وبذلك فهو نصٌ مفتوح لا يكتمل الا بنهاية العرض عن طريق اضافة حوارات ومداخلات الجمهور المشارك، اما على صعيد الاداء فان الاداءات في المسرح التفاعلي متعددة تبعاً لتقنيات العرض المقدمة، وتقنيات العرض في المسرح التفاعلي تنقسم الى سبعة تقنيات.(2)

منها تقنية مسرح الجريدة، الذي يمتاز اداء الممثل فيها بالاداء التمثيلي لان الممثل فيه يحتاج الى المبالغة والتكلف، كونه يتقمص شخصية معينة، مراد ايصالها للجمهور كما لو كانت في الحدث الرئيسي، اما التقنية الثانية هي تقنية مسرح الصورة الرمزية فهو يحتاج تقنيات الاداء الصامت لان هذه التقنية قائمة على انشاء العرض التفاعلي بأجساد الممثلين فقط من خلال تقديم صور ثابته تحمل مضامين متعددة باجسادهم، ويمكن في هذه التقنية تقديم مشاهد تمثيلية متحركة باجسادهم دون اللجوء الى الحوار، اما تقنية حلقة النقاش .   فان الاداء فيها هو اداء تقديمي، لا ينتمي الى المبالغة والتكلف، اذ ان المؤدي يسعى لتقديم ذاته بصورة عفوية بخاصية الـ (performance)، اذ انه لا يسعى لتقديم شخصية غير شخصيته ليُقنع الناس بها، وانما يقدم ذاته كما هي . وكذا الحال بالنسبة لبقية التقنيات ولكل منها نمط ادائي خاص بها .

اما شخصية (المُيسَر) فهو شخصية متعددة الانشطة والوظائف داخل العرض المسرحي، اذ يستمر عمله منذ دخول الجمهور فضاء العرض حتى مغادرته اياه، فعلى مستوى المواصفات يتميز بوصفه شخصية تواصلية بأمتياز، مطواع مرن على الصعيد الجسدي , قادر على استيعاب الحالة التي تتنامى أمامه,  وانه يعطي اللعبة المسرحية مجالاً اوسع في تكوين علاقاته مع المتفرج للارتقاء بجدل واسع النقاش من خلال تبديل الدور واختيار اللحظات التي من شأنها تغيير مجرى الاحداث، وان شخصية الممثل المُيَسر اضافت رونقاً فكرياً بجعل الحراك المسرحي نحو بلوغ الهدف وتعميق افكار المسرح، كما يسعى لجذب الجمهور تجاه صيغة اللعب الجماعي او المشاركة سواء بأستدعاء بعضهم الى مناطق التمثيل  للدخول في اللعبة، او لتعديل الاداء او حتى لمجرد التعليق، اذ ان دور الميسر قائم على جعل التواصل ممكن بين المرسل والمتلقي، ويكون دوره توجيهياً تعليمياً تحريضياً في آن واحد، حيث تكمن مهمته في ربط العلاقات الموجودة على خشبة المسرح والمحافظة على توازن امكانية التواصل وجذب الاخر كمتفرج ليشارك في عملية تبادل الآراء، وفي بعض الاحيان يكون له الحق في تغيير مفردات النص وابدال الممثل بأخر من المتلقيين ليقوم الاخر بالدور وطرح همومه من خلال الشخصية الممثلة .

ان المُيَسر يشكل النواة العملية او المركز الذي تقع عليه الانظار ويحظى بمتابعة مكثفة من قبل الجمهور، وان ما يقدمه المُيَسر يساند المتفرج  الذي ابدى استعادة للتفاعل والتمثيل في الوقوف على الطريق الصحيح لأنشاء الاسلوب المطلوب للأداء ـ بوصفه حلقة الوصل بين الاحداث على خشبة المسرح وبين المتفرجين، تمتاز هذه الشخصية بحياديتها العالية ووسطيتها، اذ انه لا يتبنى ما يطرحه العرض ليُشعر المتفرجين بحياديته واعتداله، كما لا يتبنى طروحات المتفرجين، لانها قد تكون متضاربة وغير دقيقة، بوصفها منطلقة من تقافات متعددة وكلها جديرة بالاصغاء والاحترام، فهو لا يؤيد ولا يؤكد حتى في الحوار، اذ ينتقي الفاظه بعناية كبيرة ويتجنب كلمات كـــ (الصح) او (الخطأ) الـ (نعم) والـــ(لا) بوصفه ميسراً فقط يسهل عملية التفاعل بين الممثلين وبين المتفرجين، ويحفز المتفرج على المشاركة في منظومة العرض المسرحي من خلال كسر حاجز الجليد الذي يفصل بين الخشبة والصالة، اذ انه يبدأ بتوضيح فكرة ونمط العرض في المسرح التفاعلي، كما يبدأ بتعريف الجمهور بالممثلين بشخصياتهم التمثيلية وشخصياتهم الحقيقية كخطوة اولى لمد جسور التواصل والتفاعل بينهم وبين الممثلين، ثم يبدأ بطرح الاسئلة العامة على المتفرجين، هذه الاسئلة تمتاز بعموميتها وبساطتها لان الغاية منها جعل المتفرجين يشعرون بالاطمئنان تجاه العرض، بوصفه يطرح اشياء لا تجلب الحرج للمتفرج، ثم تتطور عملية الميسر من خلال طلبه من الممثلين ان يعرضوا صورة ثابته باجسادهم، هذه الصورة تحمل معان متعددة، يبقى الممثلون في موقف الثبات ـ (Still picture )  ليُعاود الميسر الى دوره، من خلال فتح باب حوار جديد من خلال توجيه الاسئلة للمتفرجين بطريقة ودية عالية تشعرهم بذواتهم واهميتهم كأن تكون صيغة السؤال، لو شاهدت هذه الصورة في مجلة، او جريدة، او مواقع التواصل الاجتماعي ماذا ستعلق عليها ؟ ان هذا السؤال في حد ذاته مفتوح وسهل وبأمكان الجميع ان يُجيبوا عليه، فيبدأ الميسر، بالاستماع لآراء المتفرجين واحداً تلو الاخر بشأن الصورة الثابتة التي قدمها المتفرجين بأجسادهم، ويحاول ان يشجع المتفرجين المشاركين، ويحفزهم بعد نهاية جواب كل متفرج، ويمكن للميسر ان يكون مهذباً معهم وينهي جواب كل فرد من المتفرجين، بكلمة شكراً وبلطافة، ان هذا الاداء التفاعلي للميسر، يساعد في تحفيز الاخرين للمشاركة والتفاعل مع الصورة التي عرضها الممثلين بأجسادهم، هذا ما تحقق في عرض في مسرحية (ERROR) التي قدمها الباحث لصالح المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) ومنظمة الاغاثة والتنمية الدولية في بغداد، قُدم هذا العرض في منتدى شباب الفاروق في حي الجامعة ببغداد بتاريخ  22/8/ 2017، استمر العرض لمدة يومين، ناقش اهم القضايا العالقة بين المجتمع (المُضيف) والمجتمع (النازح) في بغداد، اذ تناول جملة من القضايا التي يواجها المجتمع النازح في مخيم حي الجامعة ببغداد، ومن اهم هذه المشاكل هي مشكلة التعليم والالتحاق بالجامعات بالنسبة لخريجي الدراسات الثانوية من النازحين وطريقة التحاقهم، بوصفهم نزحوا قسراً من مناطقهم، ما سبب التخلف بالالتحاق في جامعاتهم الام، وعدم السماح لهم بالقبول في جامعات اخرى، بسبب جملة من المعوقات الادارية التي تواجههم، تناول العرض هذه الموضوعات بمشاهد مسرحية قدمت من قبل شباب هم غير ممثلين ولم يُمَثلوا من قبل وهم من المجتمع النازح ومن المُخيم ذاته جاء هذا العرض نتاج ورشة قام بها الباحث استمرت لمدة (14) يوم  اذ عملت المنظمات الراعية للعرض، بدعوة جميع المسؤولين في وزارة التعليم والتربية الذين هم اصحاب قرار وذات صلة بالمشاكل المطروحة، فتناول العرض معاناة الطلاب النازحين من مدينة الموصل باتجاه بغداد، ومشكلة عدم التحاقهم بالجامعات والموقع البديلة لجامعاتهم الاصلية بسبب المعوقات الادارية، وعندما انتهى  العرض، قام المُيَسر بفتح باب الحوار والنقاش مع الجمهور، تمثل الحضور بالمسؤولين واصحاب القرار في الوزارة المعنية، والمجتمع النازح في مخيم حي الجامعة، اذ قام الميسر بفتح حوار واضح وصريح امتاز بدرجة كبيرة من الشفافية، اذ اتاح الوقت للمسؤولين المختصين بوزارة التربية والتعليم، كما اتاح للطلبة النازحين ان يدافعوا عن طروحاتهم ضمن انساق العرض، وقد انتهى العرض بجُملة توصيات، ألزَمت ممثلي وزارة التربية والتعليم بمتابعة الموضوع، وتسجيل جميع الطلبة الذين تخلفوا عن الالتحاق بالجامعات البديلة، او الذين لم يتسنى لهم الالتحاق، وقد تابع الفريق الاداري المختص بعد فترة من نهاية العرض وتم تلبية الاحتياجات للحالات القانونية .

ان العرض المسرحي التفاعلي يعتمد في مجملة على جهد ادارة الميسر للحوار بين طرفين المعادلة، وضبط ايقاع العرض، وتلافي المواضيع الجانبية التي لا تمت للعرض بصلة، عن طريق ثكثيف الحوار وايجازه بالشكل الذي يتناسب مع اهداف العرض وجمالياته، آخذاً  بنظر الاعتبار نهاية العمل المسرحي بالطريقة الحرة التي يمكن من خلالها الوصول الى نتائج مجدية تساهم تقريب وجهات النظر .

 

وسام عبد العظيم عباس

...........................

1- للمزيد ينظر، وسام عبد العظيم، المسرح التفاعلي من الصفر الى العرض، (دمشق، دار ومؤسسة رسلان للطباعة والنشر والتوزيع، 2019)  .  ص27 .

2-  للاستزادة ينظر، وسام عبد العظيم، المصدر نفسه، ص17 .

 

ليث الصندوقأضواء على أدب ال facebook (9)

بودّي أن أنصح القاريء ألا يطمئنّ لهذا الشاعر، فهو سيستدرجه من حيث لا يدري إليه بادعائه البساطة التي يتحوّط لتمويهها بمرادفات وصيغ عدّة، بعضها قد يبدو قريباً منها، وبعضها غير ذلك . وسيجد القاريء المستدرج بعد فوات الأوان نفسه ملزماً بالانخراط في إكمال اللعب وحلّ الألغاز والأحاجي، وعبور الموانع والفخاخ التي نصبها الشاعر له . ولعل هناك ثمة مقومات يستعين بها الشاعر لإنجاح مخطط الإستدراج في المقدمة منها الإستعانة بآلية قديمة ما زال يراهن على فعاليتها وإمكانية استخراج الجديد والواعد منها متمثلة بقصيدة الموضوع التي تتحقق من خلال وحدته، مع إثرائها بالموازنة مع الجوانب الشكلية موازنة لا تفرّط عن أي جانب لصالح الآخر .

وفي إطار الموضوع تتداخل عدّة نصوص غائبة يمكن تعقب مرجعياتها سواء في حقل الأدب أو في حقول موازية أو مجاورة أخرى كحقل التاريخ أو الميثولوجيا، وعادة ما يُستحضر ذلك الغائب على هيئة صور متلاحقة تُشكّل بمجموعها مشهداً أقرب ما يكون للفلم السينمائي، حيث الغزاة الذين يعبرون السور، وآثار السهام على الجدران، ووثيقة الإستسلام المثبتة بخنجر، والأنبياء المطرودون من أقوامهم . وحتى عندما يفلت النص من أسر الموضوع الواحد فأن شبكة الصور المتفرعة عن الموضوع الأساس تبدو منضومة في خيط رفيع لا يكاد ينقطع بدءاً  من العنونة وحتى السطر الأخير ككتلة متماسكة من العسير إزاحة أي وحدة بنائية مهما صغُرت منها دون أن يُخلخل ذلك كامل البناء .

والمغري في مواضيع الشاعر أنها في الغالب تُصبّ في قالب سردي بشخصيات محورية وأحداث متزامنة وفق تعاقب لا يمليه منطق السببية، ولكن تمليه ضرورات البناء، وحتى عندما لا يتجلى الموضوع الواحد بحدث محوري لتلك السرود فإن سلاسة تعاقب الصور وتدفقها، وتوالدها من بعضها من دون أن يكون هناك رابط منطقي، كل ذلك يوحي باستنادها إلى قاعدة سردية مقصودة ومحددة . بيد أن تلك السرود هي ذات صوت واحد هو صوت الشاعر، ووجهة نظر واحدة هي وجهة نظره، وحتى عندما يُفرد الشاعر نصاً بكامله لمخاطب ما يخصصه للتوغل فيه إلى الطبقات العميقة من خصوصياته على طريقة الراوي العليم، فإنه يعزل المخاطب المعني دون أن يمنحه فرصة التعاطي والرد وينفرد لوحده في الحديث عنه مما يدفع القاريء إلى تأويل الموقف بكون ذلك المخاطب ليس سوى هو الشاعر نفسه، وأن الخطاب ليس سوى نوع من المونولوجات المموهة . والحال هو ذاته في النصوص التي يستعير فيها الشاعر خطاب الجماعة حيث تبقى وجهة النظر واحدة حتى في تمحورها الموضوعي حول شؤون فردية خالصة وبما لا يتواءم مع التعدد الجماعي المفترض، مما يجعلها أقرب إلى خطاب الفرد / المتكلم منها إلى تعددية الخطاب الجماعي . 

أما من الناحية العاطفية فربما يكون دافع الحميمية التي يشعر  بها القاريء تجاه تلك المواضيع أنها هي ذاتها مواضيع القاريء، يتوحد فيها الشاعر معه، ويحرضه على المشاركه معه في خبرته وتجاربه واستعادة ماضيه بدءاً من الطفولة التي كثيراً ما تحضر في ذكريات الطفل الذي كانه (الشاعر) وهو يركض حافياً في دروب القرية، أو ينتظر مع أترابه الأعياد بثياب رثة وآباء غيبتهم الحروب، أو عبر الطفولة كمفهوم انتهكه الآخرون، وانتهاءً بموضوعة الموت التي يتماحك فيها بحثاً وتوصيفاً - وهو الذي لا يعرفه - مع من عرفوه . وفي أغلب مواضيعه الأخرى، إن لم يكن في جميعها تتحقق القراءة المنتجة تداولياً من خلال حالة من التعالق والمحاورة ما بين التراكمات الثقافية والاجتماعية للقاريء، وبين نص الشاعر وذلك عبر أكثر من تجربة فاشلة يتقاسم مرارتها الإثنان معاً كتجربة الحرب على سبيل المثال وليس الحصر، حيث تسمح الذاكرة الحرة التي تفتقد الحصر والتقنين للنص المكتوب بنبش طبقاتها الجيلوجية وتأويلها وكشف بنيتها المخفية تحت سطح المسكوت عنه . وفي هذا السياق تبدو الدربة والخبرة المهذبتين لغوياً، إضافة إلى الثقافة العامة موجهات لنقل المعنى، أو الإرتقاء به من منطقة التداول في مستواه الشعبي إلى مستوى الشعرية لتصبح ذات الملفوظات والصيغ والصور والأفكار والرؤى الخام بعد أن تلمسها عصا الشاعر السحرية نصوصاً براقة ومبهرة . ويبقى سرّ التميز لوهم البساطة المُدّعاة والتي يُعالج بها مواضيعه المألوفة ليمنحها حساسية تُعيد معها المواضيع صياغة متنها، وتضمينه بالمفاجيء المدهش والغريب فتُنسي القاريء المناصات التي خرجت منها، والتي تجمعه بها - وهو يدري، أو ربما لا يدري - أكثر من آصرة، فيتلقفها بانبهار من يبحث عن الذهب في أرض واعدة .

والبحث عن مصداقية ادّعاء البساطة لدى نامق سلطان، وتفكيك آلياتها ليس مجرّد ادّعاء ترويجي، أو مغالطة رؤيوية، بل هو أحد سنن البحث عن المعنى لديه، فهو شاعر بسيط إلى درجة الريبة، أو بالأحرى إلى درجة الإدهاش، يتستر وراء بساطته، أو ادّعائها من أجل إلا يلفت الإنتباه إلى نيّته في تفجير نصوصه من داخلها، وبذلك يطمئن القاريء ويقتاده طائعاً إلى مناطق الإنفجار من دون أن يُمنح فرصة للإستعداد، والتزوّد للرحلة بأدوات ولوازم مقاومة وإطفاء الحرائق . إنها قصائد مضللة بمهارة وذكاء،  تتوارى أكثر من طبقة تحت طبقتها الخارجية، أو تحت طبقة البساطة التي لا تكتفي بادّعائها، بل تسعى لتؤكدها عبر المنظومات الإشارية التي تتخذ منها مفاتيح إجرائية للدخول إلى المتون، فكل مفردات القاموس الحياتي خاضعة لهذا التوصيف، أو مقاربة له . ومن أجل إقناع الآخر بصدق التوصيف يلجأ إلى أحد خيارين أو كليهما معاً، فأما تكييف الموصوف بتحويله من عنصر لغوي مجرّد إلى كائن أليف وملموس وقابل لتفعيل حميمية القاريء، أو بتفجير طاقة الصفة بوضعها في سياق مرادفات بديلة  :

من حياتي التي قضيتها بينهم

ظفرتُ بحكمة واحدة

لكنها كانت بلا جناحين

حكمة بسيطة

وهكذا تمّ تفكيك بنية الصفة / البساطة من خلال تفكيك دلالة الموصوف / الحكمة، فبساطتها (أي الحكمة) لا تتأتى من كونها عاجزة عن التحليق (بلا جناحين) فحسب، بل هي إضافة لذلك:

1 - لا تُحسن حتى عبور شارع مزدحم

2 - لا تتقن السباحة في نهر صغير

3 – مرتابة / تُفضّل أن تمشي شهراً

4 - تبحث عن جسر آمن

5 - تُغلقُ الأبواب على نفسها

6 - تخاف أن تعبث الريح بشعرها

لكنّ الإحالات السابقة تُشير للدال البسيط / الحكمة مجازاً بمدلول آخر غير الذي تواضع عليه الناس وتناولته بالبحث مدارس الفكر والفلسفة، وانقادت إليه الأعراف الإجتماعية، فالشاعر يتحدث عن شيء، ويعني شيئاً آخر مستعيناً برؤية جديدة لتقنيات البلاغة بحيث يُعيد تركيب  الدلالات، بله تخليقها من جديد، مؤكداً بذلك أن مفهومه للبساطة هو الآخر خاضع لتأثيرات المجاز الذي يمنحه القدرة على المناورة وإعادة البناء .

وعبر استفهامه الإنكاري (لماذا عليّ أن أجيب على أسئلة غامضة) يعلن الشاعر انتماءه للبساطة والوضوح من خلال الإيحاء برفضه لنقيضهما / الغموض، بل هو يعلن ذلك الإنتماء من خلال تبني ملفوظات البسطاء من الناس دون أن يتعدى ذلك بالتأكيد إلى تبني رؤاهم، وفي هذا السياق لا يكتفي الشاعر بتبني الملفوظ / البسيط، بل تضمينه إدانة المتسترين وراء نقيضه / التعقيد الذي هو مثله قابل للتنكر بأكثر من مرادف وصورة، فعلى غير المعهود يستعين الشاعر بملفوظ يتبناه العامة لتحريف دلالة الفلسفة وإلحاقه بنقيضها بالرغم من أن الملفوظ المحرف / التفلسف هو من جنس الدال / الفلسفة . وهذا المحرف يعني في لغة العامة المبالغة في اجتراح الفكر، وتصنع العقل والحكمة . بيد أن استعانة الشاعر بهذا الملفوظ لا تعني بأي شكل من الأشكال تبني دلالته واستبدالها بدلالة الدال الأصل كعلم، بل لفضح زيف من تنطبق عليهم الدلالة المحرفة، والذين يربط الشاعر ممارسة انحرافهم الفكري بظرف خارجي يتسترون وراءه / ألعتمة، مع ملاحظة الإستخدام الذكي والنقيض لذات الملفوظ المحرف عندما لا يعني أهل العتمة، بل يعني (الدواب التي لا تتفلسف) ويمكن عدّ الدواب في المقبوس باعتبارها نوعاً من الإستعارة العنادية وذلك لتعاند طرفيها (المشبه / أننا) و (المشبه به / باقي ألدواب) حيث أن العلاقة ما بين الطرفين ليست المشابهة بل المنافرة، ولعل الشاعر أراد من مغالاته في التشبيه خلق حالة من التهكم:

وهناك من يتفلسف

عندما تشتدّ العتمة

ولا يبقى من أمل سوى أن نرفع أصواتنا

كي نطمئنّ إلى أننا ما زلنا ندبّ على الأرض

كباقي الدواب التي لا تتفلسف أبداً

وتنقل الدوافع التبسيطية الشاعر إلى منطقة أخرى أكثر اتساعاً، وأكثر انفتاحاً على كلّ المناطق البسيطة المجاورة، إلى الحياة التي لا أقول أنها أكثي تعقيداً لكي لا أربك القراءة:

(لن تكون الحياة أبسط من ذلك

سأدور حولك مثل رحى

اطحن المسرات الناعمة

من أجلك

ومن أجل العصافير

التي خلفتها الحرائق

بلا مأوى)

ولتتبع مسوغ الوصف بصيغة التفضيل (أبسط) نبحث في المقصود بالأداة المركبة (ذلك) عائدين مع الشاعر إلى نقطة البداية حيث الإستهلال بسلسلة أفعال إنسانية حميمة تمّ تحديدها  ككتلة لغوية متماسكة بحصرها ما بين فعل (نحاول) المسبوق بلام الأمر (لنحاول) المكرر مرتين، الأولى في بداية السلسلة، والثانية في ختامها على شكل قوسي الإبتداء والانتهاء، تعقبه مباشرة الإحتمالات المتوقعة من تنفيذ سلسلة الأفعال مسبوقة ب (ربما) التي يختلف اللغويون في تخصيصها للتكثير أو التقليل، وهو اختلاف لا يُلزم الشاعر في شيء، ما دامت السلسلة الفعلية مقصورة على التبادل العاطفي ما بين فاعلين هما المتكلم / الشاعر والمخاطب / إمرأة ما، والغاية من التبادل ليس من أجل تحقيق تقاربهما وتواصلهما، فهو أمر متحقق بداهة، ولكن من أجل تحقيق حسن التواصل مع الفضاء الأوسع بشقيه الطبيعي والإنساني، أو كما يمكن أن يُفهم مع:

1 – ألطبيعة متمثلة ب (ألغيمة التي أمطرت بهجة)

2 – وكذلك مع الآخرين، أو مع الأسوياء الذين هم بلا شكّ أفضل الآخرين:

(.. ألأسوياء الذين يُبادلوننا

فرحاً بفرح

وزهوراً بفراشات)

مع ملاحظة أن ثاني المبادلتين مع الآخرين / الأسوياء، أي مع (الزهور بالفراشات) هي في الواقع من نواتج التواصل مع المجموعة الأولى / الطبيعة، وليست من نواتج عالم الآخرين إلا في المجاز، وما انتقالها من عالم الواقع إلى عالم المجاز إلا لإزالة الفواصل ما بين العالمين وتحقيق التواصل والتداخل ما بين المجموعتين من جهة، ومع الكتلة البشرية الثنائية ممثلة بالشاعر والمخاطَبة من جهة ثانية . وتلك مفارقة من مفارقات الشاعر أن تقود سلسلة الأفعال المركبة والمعقدة الحياة ليس باتجاه البساطة فحسب، بل باتجاهها في صيغتها الفضلى (الأبسط) المشار إليها بالأداة (ذلك) . ويبقى هذا مجرّد حلم مرتهن بنجاح المحاولة (لنحاول) في إنجاز تلك السلسلة الفعلية من أجل تحقيق الصيغة المثلى للبساطة التي لن يتحقق نظيرها أو أحسن منها مستقبلاً .

ويبدو هذا النص (النص – 24) من أكثر النصوص حيوية وإدهاشاً، فهو من جانب يحتفظ بتماسكه ضمن إطار موضوع محدد متمثلٍ بحلم الحياة البسيطة، وكذلك في ضوء توفره على عناصر سردية واضحة . ومن جانب آخر يبدو على العكس من ذلك موزعاً بشكل يصعب لمّ شتاته ما بين سلاسل فعلية متدفقة ومتداخلة، وأحداث مهشّمة وغير مكتملة، وشبكة من المفاجآت الصورية والتعبيرية خارج حدود التوقعات .    

وليؤكد الشاعر ذات النزوع السابق لحلم الحياة البسيطة، يقرن الحياة في (نص – 21) بصفة مرادفة أخرى مع فارق في تزمين الصفتين في كل نص من الإثنين، فالصفة الأولى ذات وجهة مستقبلية يؤكدها حرف الإستقبال (لن) بما يجعل من البساطة ليس حلم الحاضر فحسب، بل حلم المستقبل أيضاً، بينما المرادف في النص الثاني مرتبط بالماضي، إضافة إلى أنه مرادف في الإيحاء وليس في الطبيعة، فهو وصف لملموس بصيغة وجه شبه تتفكك معه الجملة الشعرية إلى ("مشبّه / الحياة"–  "وجه شبه / خفيفة " – "مشبه به / فساتين قصيرة ") ومن الواضح بُعد المسافة ما بين الحدين الأول والأخير والتي جسّرتها حساسية الشاعر بآلية بساطته:

عندما كانت الحياة خفيفة

مثل فساتين قصيرة

وهذا التوصيف، أو وجه الشبه يتكرر ثانية لذات الموصوف / الحياة في قصيدة (أبواب) مع مشبه به آخر:

كانت الحياة خفيفة

مثل دخان المدافيء الطينية

وقد يعمد الشاعر إلى التدليل على البساطة باللون، وليس أفضل من اللون الأبيض لتجسيدها وتمييزها بدلالة بينة تُرى بالعين، ولا يختلف عليها الآخرون . مع التأكيد على أنّ هذا الإتفاق هو على دلالة اللون / الأبيض، وليس على دلالة الأشياء، فليس الناس جميعهم مولعين بالبساطة . إلا إن الشاعر يعمم بطريقة طفولية بريئة لونه ليس على الأشياء التي يتفق على دلالة بياضها الجميع، بل أيضاً على الأشياء الملتبسة أصلاً، فتصبح الوشايات التي لا يختلف أحد على سوادها بيضاء، بينما تتوحّد لديه الآراء المختلفة عادة في دلالة الحكايات، فتصبح كلها بيضاء دون تمييز:

كان يمكن للحكايات أن تدخل بيضاء

وتخرج بيضاء

والوشايات كذلك

ويسري التبسيط باللون حتى على الأضداد حين تتحول الظلمة إلى البياض، وتتحول صفحته غير الصالحة للكتابة إلى نقيضها (فاصل شرقي):

حيث يبدو الظلام صفحة بيضاء

صالحة للكتابة

ويستبدل الشاعر ثنائية اللون الضدية (الأبيض / الأسود) كمقابل عن ثنائية (البساطة / التعقيد) معلناً إنتماءه إلى البساطة من خلال بحثه (أو من خلال الفعل نبحث الذي يجمعه مع جماعة الباحثين) عن ما يمكن أن تكون شبيهته . والطريف هو في تقابل كل طرف من طرفي كل ثنائية مع الطرف المقابل له في الأخرى، فالبياض في الثنائية الأولى، والذي (يبحث / نبحث) عن شبيهه (المتكلم / المتكلمين) يقابل البساطة في الثنائية الثانية . بينما الرسالة / السوداء في الثنائية الأولى تقابل التعقيد في الثنائية الثانية ولذلك تأخر المتكلم (أو المتكلمون) في فكّ رموزها:

لأن الرسالة سوداء

تأخرنا كثيراً في فكّ رموزها

كنا نبحث عن ما يبدو كأنه بياض

وقد تكون هناك أكثر من ثنائية ضدية في مقابل ثنائية (البساطة / التعقيد) مثل ثنائيات (الإرتقاء / الإنحدار) و (البداية / النهاية) و (المقنع / غير المقنع) و (ألهروب من / ألهروب إلى) و (ألوضوح / الغموض) وتتبادل حدود الثنائيات الخمس الأخيرة المواقع ليس مع حدّي الثنائية المحورية الأولى فحسب، بل مع بعضها البعض سواء بالإشارة أو الإيحاء، أو بتداخلها عن طريق تحوّل حدودها إلى صفات لحدود بعضها البعض:

كلّ نشيد أنشدته

كان بلا نهاية مقنعة

حيث يمكن أن أهرب منها

إلى نهاية غير مقنعة أخرى

تماماً

مثل هذا العالم الممتدّ

إلى أكثر من عالم غامض 

ويضيف (النص – 28) نموذجاً لافتاً للتفاعل والتقابل ما بين ثنائية (البساطة /  التعقيد) وثنائية (المعرفة / الجهل) . فقد أفرز سياق الحديث عن الموت صنفين من الناس، ألصنف الأول يمثله من خاضوا تجربة الموت وعرفوه، والصنف الثاني هم الذين لم يعرفوه . وقد تمخضت عن هذا السياق الحكائي مفارقتين الأولى هي أن يدلي من خاضوا تجربة الموت (أو بعضهم) بشهادتهم عنه، وكأنهم قد مُنحوا بعد موتهم فرصة العودة للحياة ثانية للإدلاء بتلك الإفادة التي تتمحور حول عدم وضوحه مقوّماً بحاستي التذوق واللمس:

(بعضهم يدّعي أنه غامض ومحيّر

فهو ليس حاراً ولا بارداً

لا حلواً ولا حامضاً

بل أن طعمه لا يُدرك)

 والمفارقة الثانية أن الذين لم يخوضوا التجربة (وهم الذين يتحدث النص بصوتهم) يدّعون المعرفة بالموت بالرغم من أنهم أنفسهم يُشككون بصحة هذه المعرفة في ضوء اقتران إفادتهم بأداة التشبيه (كأنّ) التي تفيد الظنّ باعتبار أن خبرها جملة فعلية (كأننا نعرفه):

نكتب عن الموت، كأننا نعرفه

كأننا تذوقناه بأطراف ألسنتنا

وما بين الذين لم يعرفوا الموت ولكنهم أسهبوا في الحديث عنه حديث العارفين، وبين من عرفوا الموت لكنهم اكتفوا بالإشارة إلى غموضه تتحكم آليتي البساطة والتعقيد في تحديد دوافع الفريقين .

ويقدم النص (من ملفات بلدة آمنة) قراءة للطبقة العميقة من نص البساطة، أو للعلاقة ما بين التصريح بها، وبين بنيتها وذلك عبر إشارة أولية لأمر ما يبدأ (هكذا) ببساطة، من دون الكشف أو حتى من دون التلميح عن الممائل الشبيه الذي تُشير إليه هذه الأداة، على عكس الدور التلميحي للأداة  (ذلك) في (النص – 24)، وحتى من دون توضيح طبيعة الأمر المعني بالبساطة، والذي يبقى حتى إلى ما بعد البداية، أي إلى آخر القصيدة أمراً مبهماً:

هكذا

يبدأ الأمر ببساطة

ولكي تنطلي الإشارة على القاريء يوهمه بوضعه في المكان الذي يتخيل فيه أنه معني بالأمر وذلك بتغيير لغة الخطاب من لغة محايدة بفاعل مجرّد (يبدأ الأمرُ) وتوجيهها مباشرة إلى القاريء (كأنْ يمرّ بك رجل غريب)، تستتبع هذا المرور ثلاثة أفعال، الأول منها مخصص للقاريء حصراً، بينما الفعلان الآخران يتقاسمهما القاريء مع رجل غريب مع بقاء القاريء محركاً محورياً لتلك الأفعال الثلاثة بغض النظر عن دوره اللغوي فيها:

* تجلس - في ظلّ حائط

* تدعوه - إلى خبز ولبن

* يدعوك – إلى سماع بيتين من الشعر        

تنساق الأحداث منطقياً بتأثير القاريء + الرجل الغريب + الأفعال الثلاثة من منطقة الرجل الغريب إلى منطقة القاريء بنفس طريقة الإنسياق اللغوي الإبتدائي التي قادت الخطاب من المنطقة المحايدة إلى منطقة القاريء، ومن ثمّ لتقود الدعوة في الفعل الثالث (يدعوك) القاريء إلى سماع شطر من:

... قصة فشله في ترميم حائط

يشبه هذا الذي تستظلّ به

هذا التركيب البنائي الدائري الذي يُفترض أن يكون بسيطاً لا يتوقف عند هذا الحدّ، فهناك سلسلة فعلية ثانية من فعلين مخصوصين لمجهولين أولهما معبر عنه بالشيئية (لكنّ شيئاً سيتغير)، وثانيهما معبر عنه بالفردية (لا أحدَ) . هذه السلسلة الثنائية تتشكّل في أعقاب الإقرار بوجود تغيير في معطيات المشهد الأولية، وهذا التغيير سيؤدي منطقياً إلى تغيير في النتائج . لكنّ المشكلة أنّ لا أحد يعرف كيفية التغيير:

لكنّ شيئاً سيتغير في المشهد

لا أحد يعرف كيف

التغيير المحوري في المشهد الختامي تقوده سلسلة فعلية ثالثة لا تحيل هذه المرة إلى الغريب الفرد ذاته، بل إلى غرباء آخرين، بعضهم راقب وآخرون أدلوا بشهادتهم، والجميع يشترك في توريط القاريء / المخاطب  بجريمة لا قِبل له بها حسب ملفات التحقيق .

هذه التركيبة البنائية المعقدة هي أحد نماذج الشاعر في بناء منظومة بساطته، فالقاريء الذي ورطه الشاعر ليس في جريمة لا قبل لها فحسب، بل ورطه أيضاً في المشاركة في سردية النص من خلال توجيه لغة الخطاب إليه سيورطه في (بنت الملك) بإيهامه في صعوبة تقدير عُمر وردة لتقود المفارقة ما بين البساطة والصعوبة في النصين (هكذا يبدأ الأمر بسيطاً) و (من الصعوبة تقدير عمرها) إلى تركيبة بنائية مقاربة لتلك السابقة مع اختلاف في توجيه الخطاب مما ينجم عنه اختلاف في القصد، فالقاريء الذي يخاطبه الشاعر في بداية نصّه يتحول في نهايته إلى مجموعة المتكلمين، وبذلك فهو لم يرد فحسب أن ينفي مسؤولية القاريء / الفرد وحده عن الحالة التي تردت إليها وردة ويُحمل مسؤوليتها لجماعة المتكلمين – وهو أحدهم – في صورة من صور تأنيب الضمير، فتلك القراءة ربما لا تُستبعد وهي حاضرة بالبداهة، ولكنها لا تمثل سوى صورة البساطة المخادعة التي يريد استدراجنا إليها وإيهامنا بها الشاعر، لكنه إضافة لذلك أراد أيضاً أن يُنجز المعنى  بثلاثة اتجاهات:

-  الأول: أن يُحدد ويعزل الشخصيتين المعنيتين بالسردية، وتحديداً وردة ووالدها .

- والثاني: أن يُفكك النص الواحد من دون أن يخلّ ذلك بكتلته الموضوعية .

- والثالث: أن يُفرد لكل من الشخصيتين نصّه الفرعي الخاص

وهذه الإتجاهات تُساهم في منح منح بنية القصيدة طابعاً سردياً مكوناً من ثلاثة مقاطع مخصصة للحديث عن الشخصيتين المحوريتين المشار إليهما في الإتجاهات الثلاثة (وردة ووالدها الملك) بغض النظر عن الراوي، وعن الأشخاص المُخَاطَبين فهم خارج إطار الحدث، وتقتصر أدوارهم على المراقبة، وفي أحسن الأحوال على تحمّل تبعات القصور .

تتذبذب داخل هذه المقاطع حركة مؤشر الزمن في كلّ الإتجاهات، وكالتالي:

ألمقطع الأول:

ويمكن اعتباره حصراً مروية (وردة) وتتجه حركة مؤشر الزمن فيه عكسياً إبتداءً من الحاضر / الآن (من الصعب أن تُقدّر عمرها الآن)، ثم ترتدّ مباشرة وبحركة مفاجئة إلى الماضي (ألتي كانت تركض على العشب) ثمّ تعود إلى الحاضر (صارت تكبرني بسنين كثيرة) . وعدا وردة تتوالى ضمن هذا المقطع ألحضور الشكلي ثلاث شخصيات إفتراضية دون أن يكون لأي منها حدث فاعل، وهي المروي له / المخاطب (كما في المقبوس الأول)، والراوي / المتكلم (كما في المقبوس الثاني)، والغائب (كما في السطر الأخير من هذا المقطع) والذي يمكن تأويل عدم اهتمامه كمظهر فعلي لغيابه اللغوي كفاعل مجهول من دون تحديد أو تسمية (لم يعد أحدهم يهتمّ بذلك) . ومن الملاحظ أن الدخول إلى فضاء هذا المقطع يتم بتوسط من المروي له الذي يحضر لمرة واحدة في السطر الأول ثمّ يختفي نهائياً.  

ألمقطع الثاني:

ويمكن اعتباره حصراً مروية الملك المزيف والد وردة، وتتجه حركة مؤشر الزمن فيه ابتداءً من الماضي (لم يكن أبوها غير مقامر بائس) ثمّ تتوقف مباشرة في نقطة ما من الحاضر (وما زال من وقت لآخر يصيح / " أنا الملك ")، وتتعاقب في هذا المقطع حال الرجل صعوداً ونزولاً بحسب حركة مؤشر الزمن، فالحركة باتجاه الماضي شهدت ثلاث حالات معاً:

- نزول (لم يكن أبوها غير مقامر بائس)

- صعود (بعد أن فاز بجائزة كبيرة)

- ثم نزول آخر (ثمّ تردّى بخسارات متتابعة)

أما الحركة باتجاه الحاضر فأكثر تعقيداً، فهي تجمع ما بين نزول فعلي، وصعود إفتراضي، ولكن يبدو أن الحالة الأولى / النزول هي التي تتحكم بواقع الرجل طيلة الوقت، بينما الحالة الثانية / الصعود فهي حالة وقتية ومحكومة بظروفها (من وقت لآخر ...) ولكنها مع ذلك حالة قائمة .

ألمقطع الثالث:

وهذا المقطع مخصص لوردة أيضاً ولكنه ليس استكمالاً لمرويتها / المقطع الأول، بل هو مروية أخرى موازية لها في الزمنية، وفي الأحداث . حيث تُستهله حركة مؤشر الزمن عكسياً من الوراء /  الماضي ثمّ ترتدّ إلى الحاضر . وكما وُظفت هذه الحركة في المقطع الأول لتحقيق المقارنة ما بين حالتي وردة في الزمنين، فهي في هذا المقطع تحقق ذات الوظيفة :

 وردة التي كانت بستاناً 

يبست أشجارها

وردة التي كانت معبداً

تمرّغت آلهتُها بالتراب

وردة التي تكسّرت قلوب كثيرة

عند قدميها

لا تستطيع الآن عبور الشارع

ويلتقي المقطع الأول بالأخير عبر الإشارة الزمنية (الآن) التي تمكّن الراوي من استعادة الزمن ومنح المقطعين صفة الإستذكار، ولكن غاية الإستذكار تختلف في المقطع الأول عنها في الأخير، ففي الأول يُمكّن الإستذكار من إجراء مقارنة عُمرية ما بين الراوي الأكبر عُمراً ووردة الأصغر عمراً لتبيّن كثافة تأثير الزمن على الإثنين، بحيث يتحقق التأثير المعاكس ويصبح الأصغر أكبر بسنوات كثيرة ممن كان أكبر منه :

وردة التي كانت أصغر مني

صارت تكبرني بسنين كثيرة

أما الإستذكار في المقطع الأخير فقد تحقق في إطار الإحساس بالندم المقرون بإدانة وجَلد  الذات، ويبدو أن دافعي هذا الإحساس وقرينه غير مرتبطين بما سببته لوردة وحدها فقط خيبة الراوي، أو بالأحرى خيبات جماعة الرواة التي يتحدث نيابة عنها الراوي بصيغة (خيباتنا)، بل يبدو ان هناك عدا وردة وردات أخريات تحمّلن وِزرَ تلك الخيبات، ما دامت تلك الخيبات لسن خيبات طارئات، بل هنّ خيبات مزمنات:

لا تستطيع الآن عبور الشارع

إلا على عُكّاز خيباتنا المزمنة

ولا أحد منا يشعر بالعار

ولا بالأسف

..............................

نماذج من نصوص نامق سلطان على موقع ال facebook

نهايات (نص – 1)

كلُّ نشيدٍ أنشدْتُهُ

كانَ بلا نهايةٍ مُقنعةٍ

حيثُ يمكنُ أن أهربَ منها

إلى نهايةٍ غير مُقنعةٍ أخرى

تماماً

مثل هذا العالم الممتدِّ

إلى أكثر من منحدرٍ غامض،

مثل إجاباتٍ محبوكةٍ

تقودُ إلى صمتٍ بليغ

يتكرّر،

مثل أملٍ شحيح

تنثّهُ غيمةٌ عابرة

فوق سهلٍ شاسعٍ ...

هكذا تحاشيتُ أنْ أتردّى

في خيبةِ أنْ أقولَ لكم:

إطمئِنّوا.

 

**

من ملفّاتِ بلدةٍ آمنة (ص – 2)

هكذا

يبدأ الأمرُ بسيطاً

كأنْ يمرَّ بكَ رجلٌ غريبٌ

وأنتَ تجلسُ في ظلّ حائطٍ

في بلدةٍ آمنةٍ

فتدعوهُ إلى خبزٍ ولَبَن

ويدعوكَ إلى سماع بيتين من الشعر

وشطراً من قصةِ فشلهِ في ترميم حائطٍ

يشبهُ هذا الذي تستظلّ به.

لكنّ شيئاً يتغير في المشهد

لا أحدٌ يعرفُ كيف ...

الغريبُ،

لم يكن وحده

كان هناكَ من يراقبهُ من بعيد ...

ثم يدلى شهودٌ قريبون منكَ

بانّ الغريبَ أسرَّ بأذنكَ أمراً

ودسَّ في جيبكَ أوراقاً صُفراً

وأنكَ ودّعتَهُ بكيس ثقيل

وأنّ شعاراتٍ مريبةً

كانت مكتوبةً على الحائط

ما زالت صورُها

محفوظةً في ملف التحقيق.

**

إبنة الملك – (ص – 3)

من الصعب أن تُقدِّر عمرها الآن

وردةُ ابنةُ الملك

التي كانت تركضُ على العشب

دون أن يتكسّر

وتعرفها العصافيرُ، كأنها شجرةٌ

أو أغنيةٌ بجناحين من أحلام ودلال

وردةُ التي كانت أصغر مني

صارت تكبرني بسنين كثيرة

لكنْ

لم يعد أحدٌ يهتم بذلك.

*

لم يكن أبوها غير مقامر بائس

توهّم مرّةً أنه صار ملكا

بعد أن فاز بجائزة كبيرة

ثم تردى بعدها بخساراتٍ متتابعة

إلى أن باع وردةَ لمقامر وسخ

ومازال من وقت لآخر يصيح

"أنا الملك"

*

وردةُ التي كانت بستاناً،

يبستْ أشجارُها.

وردةُ التي كانت معبداً،

تمرّغتْ آلهتُها في التراب.

وردةُ التي تكسّرتْ قلوبٌ كثيرة

عند قدميها

لا تستطيعُ الآن عبور الشارع

إلا على عكاز خيباتِنا المزمنة.

ولا أحدٌ منا يشعر بالعار

ولا بالأسف.

**

قناديل الغَجَر (نص – 4)

ليس هناك من سببٍ

يجعل الأضواءَ تنطفئ

في ذلك الكوخ الوحيد في الوادي

حيث تعيشُ عائلةٌ

خلّفَتْها قافلةٌ من الغجر

مرّتْ من هنا قبيل الحرب ...

*

كان الطريقُ الترابي

يمنح الصبايا فرصةَ أن يظهرن فجأةً

كما لو كُنَّ ظلالاً

لنباتاتِ عبّاد الشمس

التي تملأ الوادي نهاية الربيع،

لا أحدٌ يعرفُ عددهن بالضبط.

أحياناً يدُرن على البيوت

يعرضن مصوغاتٍ فضيةً

وعطوراً

ووصفاتٍ سحريةً لطرد النحس

لكنهن لا يفصحن عن أسمائهن

ولا أعمارهن التي يقال إنها

لا تتغير ...

أما الرجال

فلا يظهرون أبداً

لعلهم يحرسون القناديل

التي لا تنطفئ

طوال الليل.

*

نحن أيضاً

عرفنا كيف نتوهج

في تلك الليالي الدافئة

على صوتِ ربابةٍ يأتي من هناك

ومغنيةٍ تردد لحناً من زمن آخر

لتنفتحَ الشبابيكُ على نجوم

تضيءُ أحلاماً صغيرة

تَعَوّدنا أن نخبّئَها

في أكثر الأماكنَ برودةً

من نومنا الموحش.

*

ليس هناك من سبب واحد

يجعل النجوم تخبو

في سماء الوادي ...

لكنها الحرب.

**

قوس قزح أسود (نص – 5)

كان ذلك في صيفٍ بعيدٍ

لكنني أتذكّرهُ جيداً

كانت أمّكِ تخيّط لكِ فستاناً أحمر

وأنتِ تجلسين على الأرض ...

على الأرض تجلسين

واجمةً

كأنك لا تسمعين صوتَ الماكنة

بينما عيناك ترقبان النهار الآفل

في النافذة

والماكنةُ تدور

أنتِ لم تري أباك منذ عامين

لكن صوتَه مايزال يملأ قلبكِ ...

منذ عامين لم تري أباكِ

وغداً عيدٌ

فماذا لو لبستِ أحمرَ أو أخضر

كان يقول: لا تلبسي الأسودَ أبداً

فأنتِ صغيرةٌ

ومازلتِ طريّةً مثل طين الحقول

سنزرعُ فيك فرحاً لا يذبل

وقوسَ قزح من أحلام

وأمنياتٍ صغيراتٍ ...

صوتُهُ مايزال في الغرفةِ

والماكنةُ تدور

وصورتُهُ على الجدار

بأربعةِ أشرطةٍ سود

على ذراعهِ الأيسر

مثل قوس قزح

أسودٌ.

**

(نص – 6)

سأعودُ مرّة أخرى إلى الشوارع،

ولكنْ،

ليس كمتسكع هذه المرّة

فلقد تذكرتُ أن هناك أفكاراً عظيمةً

تساقطتْ منا

عندما كنا نعبرُ من رصيف إلى آخر

أو نخرجُ مسرعين من حانةٍ أو مقهى

لندركَ ما فاتنا من إجاباتٍ

على أسئلةٍ

كانت هي الإخرى

حائرةً مثلنا

**

(نص – 7)

بلغةٍ بسيطةٍ

يفهمها طفلٌ

يركض حافياً في دروبِ القرية

من أوّل المطر إلى آخره،

سأحدّثكِ عن الطين.

**

أمنية (نص – 8)

أتمنى أن لا أعرفَ عن هذا العالم

أكثرَ مما تعرفُهُ شجرةٌ في وادٍ

أو غيمةٌ منسيةٌ فوق حقولِ القمح.

هكذا ستولدُ بين أغصاني عصافيرُ كثيرةٌ

ويمرحُ في ظلّي مغنون

ويستريحُ أنبياءٌ مطرودون من أقوامهم

هكذا سأطوفُ في الأسواق حافياً

ومن جعبتي تطيرُ فراشاتٌ وهدايا

لمن أخطأتهُ الحياةُ،

مثلي.

**

البرزخ (نص – 9)

 منذ أنْ نجَحنا بالهروبِ من الكارثة

وأنا أقولُ لكَ:

ربما نحن، يا صاحبي

نركضُ في الإتجاهِ الخاطئ،

فالذين هربوا قبلنا

لم يخلّفوا أثراً من دمٍ في الطريق

ولا رائحةً من فوزٍ مزعوم،

والذين سرّبوا لنا الخارطةَ

لم نقرأْ سجلَّ خياناتهم

في تراث الذين انتهوا قبلنا.

فهلّا أقمنا هنا

في الحقول المحروقةِ

حتى يدركَنا شتاءٌ تأخّرَ عن القافلة

فيملأ الآبار المهجورةَ.

عندها يمكن أن يصير أحدُنا دلواً

والآخرُ فزّاعةً

تلوّح للهاربين

كي يقيموا معنا

في البرزخ.

**

حريق (نص – 10)

كان الحريقُ قد أتى على المنزل

ولحسن الحظّ لم يُصَبْ أحدٌ بأذى

-هكذا يقول الشهود-

لكنني بحثتُ عن قارورةِ العطر

هديتكِ التي أخفيتُها بين الملابس

بحثتُ عن صورنا

ونحن نراوغ الحزنَ من يوم لآخر

عن الساعةِ التي تعطلت قبل سفرك

بيوم واحد

حتى صوتُ خطواتِك الأخيرة

لم يبق منه شيء ...

الآن، إذنْ

يمكن أن أقول

أنني صرت وحيدا.

**

فاصلٌ شرقي (نص – 11)

حين رفعتُ رأسيَ أول مرة

كانت السماءُ واطئةً

وسقفُ البيت واطئاً

حتى أنني كدتُ ألمسُ الحقيقة

بأطرافِ أصابعي

دون حاجةٍ إلى النهوض من السرير

وكنتُ أهربُ من العائلة

كلما لاح لي ضوءٌ من ثغرةٍ في اللغة

أو سمعتُ هاتفاً ينادي من خلال القصب:

إذهبْ إلى المياه

إذهبْ إلى مربط الشمس

إذهبْ إلى الرمال

حيث يبدو الظلامُ صفحةً بيضاء

صالحةً للكتابة

وللأحلام

ولمزيد من المصابيح ...

وكنتُ أذهب حافياً

على سجادة من حصى ناعم

فأصادفُ بين الصحراء والشاطئ

عرباتٍ تجرّها بغالٌ

وشعراءَ تائهين بين أطلالٍ مهجورةٍ

وفلاحين يدفعون أتاواتٍ إلى أفاقين

وينتظرون المطر القادم من بعيد

كما كنا ننتظر الأعياد، بثيابٍ رثةٍ

وآباءٍ غيّبتهم الحروب

كنتُ أرى راياتٍ خضراءَ وسوداءَ

تحجبُ الضوء

وتاريخاً يشبهُ الفكاهةَ المُرّة

وجغرافيةً تضيقُ وتتسع

حسب قواعد السوق التي لا أفهمها،

حتى إذا ما عبرتُ سواد يقيني

وعُدتُ بأكتافٍ متعبةٍ

لم أجد بُدّاً من امرأة

تشبهُ فكرةً جديدةً ما زالتْ غامضةً

من هذه البلاد التي لا تمل

من مواصلة الحياة.

**

أبواب (نص – 12)

 في البدايةِ

لم تكن فكرةُ الأبوابُ سيئةً

ولا قاسيةً، كما هي الآن

كان يمكن للحكاياتِ أن تدخلَ بيضاءَ

وتخرجَ بيضاء

والوشاياتِ كذلك

وصيحاتِ العراكِ التي تنتهكُ الليلَ

وغالباً ما تنتهي

دون أن تثير حفيظةَ المغلوبين.

كانت الحياةُ خفيفةً

مثل دخان المدافئ الطينيةِ

في الشتاء

أو مثل أرواحٍ شِريرةٍ

تعودتْ أن تقيمَ معنا

ولا تفعلُ ما يعكّر علينا نهاراتنا

لكنها في الليالي التي تخلو من النجوم

ينتابُها مللُ البطالةِ

فتعبثُ بنومنا

وأسِرّتنا

كأنْ تستبدلَ نساءنا بأخرياتٍ لا نعرفهن

أو أنْ تُعيدَ إلينا أحلاماً مرحةً

من حياةٍ سابقةٍ

في هيئة كوابيسَ أحياناً.

**

مرتزقة (نص – 13)

 بضعةُ رجال مسلحين

لوثوا هواء المدينة

وروّعوا أشجارها ...

لا أحدٌ يعلم من أين جاءوا

ومن أين لهم تلك البنادق

التي تلمع حتى في الظلام

ربما يكونون من فضلات الليل

فهم لا يشبهوننا أبداً

وليس في أصواتهم طراوةُ لكنتنا

لكنهم يحفظون وجوهنا

وأسماءنا

ويعرفون الشتائم التي نُسِرُّها

حين يمرون مسرعين

في الدروب الضيقة بين البيوت

تاركين ظلالاً كثيفةً على الجدران

وعلى الأبواب التي تئنّ

من قسوة رفساتهم.

**

(نص – 14)

بعض الصور توحي أَننا من عائلةٍ واحدةٍ

ربما يكون أحدنا قد ولد على شاطئ نهر

فنفذ الدفءُ إلى قلبه

والآخرُ عاش بين أغصان شجرة

فنبتتْ له أجنحةٌ وريشٌ ناعم

وهناك من ورثَ دماً على أصابعه

وما زال يغسلُه بأدعيةٍ وصلوات

حتى صار قلبُه أبيضَ من ضوءٍ.

*

سنعبر جميعاً هذه المحنةَ الباردة

حتى وإن سقطتْ أوراقُنا كلّها

فهذا الخريفُ يحفظ القلوبَ من التلف

فلا تحفظي حروفَ اسمي

في دفتركِ المدرسيّ

فهي سرعان ما تتمزق

ولا تثبّتي شعركِ بمشابكَ من ذهبٍ

فالريحُ تريدكِ هكذا، واضحةً

مثل جدول صغير

وربما أكون أنا القصبةَ التي نبتت

على ضفافكِ

لتصير ناياً عندما يدركها الحزن.

*

سنعبرُ المحنةَ

حتى لو ضاقتْ الدروبُ أمامنا

وتعالت الجبال

وانحدرتْ سيولٌ من الأعالي

فلا تُثقلي رأسك بالنّدم على شيء.

*

ألسْنا من عائلةٍ واحدةٍ:

نحنُ، والطيورُ المهاجرة

والأشجارُ

وبناتُ آوى

والسلاحفُ ...

**

(نص – 15)

هكذا أو هكذا

ستفقدُ، في النهاية، قدرتكَ على الحزن

مثل حصانٍ جاءوا به إلى المدينةِ

وحجبوا عينيه،

كي تبقى أحلامُه تتأرجح في عربةٍ يجرها

ثم تبدأ بالذبول

شيئاً

فشيئاً.

*

مبكراً

أدركتُ أنني ذاهبٌ إلى حربٍ ما

بصحبة أصدقاء أبرياء

كان يقرّبُنا ضحكٌ من اليأس

وقدرةٌ على التسلل من معسكراتِ الموت

إلى حاناتٍ في وسط المدينة

ثم العبورُ على حبل رفيع

فوق خنادقَ من تاريخ زائفٍ ودسائس

نرددُ أغانيَ قديمةً لا تتعفن

أو نحاولُ أفكاراً عصيةً على الوقت

تشبه قصب الأهوار

التي نراها من نوافذ القطاراتِ المعتمة

عندما كنا نحشر فيها

مثل أوراق مهيئةٍ للحرق.

*

كان الجندي يعيد الحكاية ذاتها

واللجنةُ الطبيّةُ تصغي جيداً

لكنها لا تفعل شيئاً

حتى تعبَ الجندي من الحكايةِ

والحصانُ تعب من الركض

فلم يعد يصغي إلى أحدٍ.

 

 

بليغ حمدي اسماعيلمسارٌ إجباري: سُئِلَ الصَّحابيّ الجَليلُ عبد الله بن عبَّاس (رضي الله عنهما)  يَومًا: بأنَّىَ أصَبْتَ هذا العِلم ؟ فأجاب بقولِهِ البليغِ "بِلسَانٍ سئولٍ وقَلبٍ عَقُولٍ"، أي أنَّ السُّؤالَ دومًا هو مفتاح المعرفةِ المُخلص الذي لا يخطئ الطَّريق، وهو البوَّابةُ السِّحريَّةُ التي يمكن من خلالها التقاطُ واقتناصُ كُنْه الأشياءِ وتفاصيلها المختبئةِ عن الأنظارِ وربما عن الألبابِ أيضاً، ويظلُّ السؤالُ في عُرْفِ النُّصوصِ الفلسفيَّة واللغويَّةِ هو الحَرَاك المُدهش لحالاتِ السُّكونِ المعرفيَّةِ وهو أشبه بأصوات وهتاف الثَّائرين وقريب التَّشبيه بفوران البراكِين المحمومة لما يتضمنه السؤالُ من تسارعٍ ذهنيٍّ بحثًا عن إجابةٍ شافيَةٍ .

ولعلَّ المُؤَسِّسَ الاجتماعيَّ العَربيَّ ابن خلدون لم يتنبَّه وهو يسطِّر مُقدمَته الخالدة الذِّكر إلى خَصيصةٍ رئيسةٍ تميز العقل العربي وليست الثَّقافةَ العَربيَّة فحسب، وهي هوس الإنسانِ العربيِّ وشغفه بالسُّؤالِ كنَمطٍ ثقافيٍّ متميزٍ، هذا الشَّغف الذي شغَل العَربيَّ جعله دائم الولوع بإلقاء أسئلتِه محاكِمًا تراثه لاسيما الشَّعبي حتى استحالتْ حَكاياه الشَّعبيَّة التي أسهم هو دونما قصدٍ في تأطيرها إلى جزءٍ أصيلٍ من عقيدته الاجتماعيَّة التي تتحكم في سلوكِه الفرديِّ والاجتماعيِّ على السَّواء بنسب تكاد تكون مُتساوية، وربما ثراء التُّراثِ الاستفهاميِّ الذي يدور في فَلَكِ الحكايةِ والتي عبر عنها العربي القديم بقصصه وحكاياه ونوادره وطرائفه المرتبطة بواقعه وماضيه هو الذي دفع هذا المواطنُ العربيُّ ولا يزال يدفعه إلى أخذه ـ أسئلة التُّراثِ ـ أساسا راسخًا متينًا لثقافته التي تتحكم في دوافعه واتجاهاته ومن ثم استجاباته الاجتماعيَّة.

والرَّسولُ الكريمُ مُحَمَّد  قد استخدمَ السؤالَ قبل إلقاءِ الحديثِ ؛ بغرض تهيئةِ الأذهانِ إلى ما سيلقى عليها، ولقد تعددت الأحاديث التي بدأت بأدواتِ الاستفهام مثل: ألا أحدثكم،ألا تسمعون،أترى بكم سبقك أصحابك؟هل شعرت أن الله ؟ ألا أدلكم؟.وقد اتبع الرسول  المناقشة والحوار كأسلوب تربوي قوي الأثر وأكثرها نفعاً، فاعتمد على الخبرة المباشرة في أغلب مواقف التعليم،كما أنه أحسن استغلال حاجاتِ المسلمين للاستفهامِ والسؤالِ عن أمور الدين.

وإذا تدبرنا صور الحوار والمناقشة في القرآن الكريم والسنة النبوية لاستطعنا استقراءَ الأيديولوجية الإسلامية لهما، فالحوار والمناقشة بطول القرآن الكريم وعرض السنة النبوية تتضمنا التفاعلِ والمشاركةِ، ويقوم فيها المناقش / السائل بدور رئيس في منظومة التحاور مع الآخر / الآخرين، وهذا الدور يتوقف عليه نجاح هذه المنظومةِ أو فشلها في تحقيقِ الهدفِ المرجو من تلك المناقشةِ .

وتظهر ملامحُ هذه الأيديولوجيَّة أيضاً في انتقال المعرفةِ من شخصٍ لآخر، حتى تصبح المعرفةُ (الخبرة) مشاعاً بينهما. ويؤدي هذا التواصل إلى تفاهم مشترك بين هذين الشخصين أو أكثر. وهذا التواصل والتفاعل بين أطراف المناقشة يحققان تقدماً في نقل المعلومات والأفكار والمفاهيم،والذي يساعد بالضرورةِ على فهم حقيقة إيمانية أو سنة كونية أو تحقيق الاستسلام للعقيدة الربانية الصَّحِيحة. كُلُّ مَا سَبق يُؤكد حَقِقة مَفادها أن السؤال وأشكال وأنماط استخدامه هو انتصار المعرفة عن طريق تقرير إجابة شافية واجبة له.

ـ الفَارِسُ القَدِيْمُ .. فَرَسُ الحَدَاثَةِ الدَائِم:

يمكن أن تتناولَ قصيدة شاعرٍ ما عن طريق التَّناصِ النقديِّ السَّابق، وذلك من خلال الاعتماد على منظورٍ نقديٍّ معينٍ أو رؤى وطروحات نقديَّة متقدمةٍ عن التناولِ الرَّاهن للشَّاعر والقصيدة، وهذا في الغالب أمر بدهي قد لا يحتاج إلى تنظير أو سرد طويل، لكن هذه القاعدة بالضرورة لا تصلح تطبيقا على شاعرنا صلاح عبد الصبور، فهو وقصيدته لا يصلحان أبدا للتناول من معطيات سابقة عليهما ؛ لا من حياة الشاعر كعرف النقاد الأوائل الذين اعتادوا أن يربطوا ويدمجوا الشاعر بالنص كوجهين متماثلين لعملة واحدة وهم بذلك أفسدوا النص في تناوله أحيانا، ومارسوا فعل الإقصاء على الشاعر بتقييد حياته داخل نص لغوي أحيانا أخرى، ولا يمكن تناول قصيدة صلاح عبد الصبور من خلال التأريخ الأدبي الذي جعل نصه قاصرا على حقبة تاريخية معينة عُرفت بقصيدة التفعيلة أو حركة الشعر الحر أو القصيدة الجديدة، فكل هذا محاولات قمعية تمارس كرها على الشاعر والنص والقارئ على السواء.

لكن صلاح عبد الصبور كونه شاعر الأسئلة المدهشة لا يمكن تناول نصوصه الشعرية إلا باعتبارها إحداثيات لغوية وفكرية تأبى تقييد الإجابة والاستجابة عنها، وترفض رفضا واضحاً أن تكون الإجابة عن التساؤلات المتضمنة داخل مشروعه الشعري نهائية وقطعية لا يمكن تجاوزها، لذا فمن الأحرى عند تناول شعر الفارس القديم صلاح عبد الصبور صاحب ديوان (أحلام الفارس القديم) التعامل مع نص دون إشارات مرجعية نقدية سابقة لأن هذا سيخل بفعل التلقي المدهش .

وربما تبدو مشكلة وتظهر للناقد الذي سيتعمد تناول نصوص صلاح عبد الصبور من خلال طروحات سابقيه لاسيما وإن كانوا من أساطين وأباطرة النقد لذلك فهو أحرى بالاستخدام النقدي السابق، هذه المشكلة تتلخص في كون نصوص صلاح عبد الصبور تمثل أيقونة لغوية أقرب إلى جماليات المقاومة، بمعنى أنك من الصعب تنبؤ ما سيطرحه الفارس القديم في نصه استنادا لطرح شعري سابق، فصلاح عبد الصبور يمثل ومعه الشعراء أمل دنقل وأدونيس ومحمد علي شمس الدين وقاسم حداد ومحمد عفيفي مطر حركات احتجاجية ضد ممارسات النقد القمعي الذي يسعى جاهدا بغيل كلل أن يقمع النص في زوايا محددة لا يمكن رؤيته إلا من خلال عدساتها المحدبة والمقعرة والمستوية .

لكن من يملك اللغة احتجاجاً والصورة الشعرية سؤالاً حائرا وقلقا ومدهشا من الصعب اقتناص قصيدته والتعامل معها على أنها مجرد سرد أو حكي لغوي لفظي يحمل مضمونا يمكن فك شفرته تاريخيا أو اجتماعيا، وهذا التوصيف ينطبق تمام الوصف وكماله على شاعرنا الفارس القديم صلاح عبد الصبور والذي دوما يراهن على نصه بتيمة لغوية وقصدٍ شعري أشبه بالصدر والعجز في الشعر العمودي التقليدي لكن هذه المرة من خلال تشكيل لغوي فكري يبدأ بالتقرير وينتهي بدهشة السؤال، تماما مثلما يصنع الشاعر الاستثنائي (أدونيس) الذي يبدأ نصه بعبارات وجمل شعرية تقريرية تجعلك تطمئن للنص وصاحبه والطريق الوثير الذي تمشي فيه، حتى يباغتك بسؤال يجعلك مجبرا بين أمرين ؛ إما أن تقفز طوعا ومستسلما داخل النص لتكون جزءً أصيلا منه ومن تشكيله اللغوي، او أن تضطر إلى التخلي المطلق عن إرهاصات التكوين النقدي القديم لديك.

ومن جُمْلَةِ هَذه الإحداثيات الشعرية التي تم تجسيدها في بدايات تقريرية ثم طرح سؤال مباغت يستدعي القلق والدهشة، يقول صلاح عبد الصبور:

 " لكنها قديمة معروفة لهيبها دموع

 معذرة يا صحبتي، قلبي حزين

 من أين أتي بالكلام الفرح ؟ " .

وأيضا يقول:

 " الله وحده الذي يعلم ما غاية هذا الوله المؤرق

 يعلم هل تدركنا السعاده

 أم الشقاء والندم ؟

وكيف توضعُ النهايةُ المعاده

الموتُ أو نوازع السأمْ ؟ " . 

غوَايَةُ النَّصِّ:

ثمة علامات يمكنك أن تقتنصها وأنت تتناول نص صلاح عبد الصبور تتمثل بغير استطراد في غواية النص ؛ بمعنى أن الشَّاعر على الدوام قد يدفعك إلى الاستسلام بتقرير حالاته النفسية تماما مثلما جاء في قصيدته الافتتاحية لديوان (أحلام الفارس القديم) بعنوان (أغنية للشتاء) التي يقول فيها:

" أموت ... لا يعرفني أحد

أموت لا يبكي أحد

وقد يقال بين صحبي ـ في مجامع المسامره

مجلسه كان هنا، وقد عبر

فيمن عبر

يرحمه الله

ينبئني شتاء هذا العام أن ما ظننته ..

شفايَ كان سمِّي

وأن هذا الشعر حين هزني أسقطني

ولست أدري منذ كم من السنين قد جُحت

لكنني من يومها ينزف رأسي " .

وبينما يبدو القارئ مستسلماً للحالة الوجدانية الأكثر حزنا في النص، يضطر لأن يكون إيجابيا إزاء تلك الحالة ليس فقط عن طريق التضامن النفسي مع الشاعر وحالته، إنما عن طريق البحث عن طرائق وسبل للخروج من تلك الحالة السلبية التقريرية حتمية النهاية، والغواية التي يصنعها النص هي وعي شديد من الشاعر لأنه يدفع القارئ دفعا لمجاوزة حد القراءة وتخوم التلقي المعتاد إلى مساحات من التخطي لدور القارئ التقليدي الذي يجد نفسه صوب الفعل الشعري محاولا أن يضع نهايات أخرى أو يواطن الشاعر في محنته . يقول صلاح عبد الصبور:

" الليلُ ثوبُنا، خباؤنا

رُتْبَتُنا، شارَتُنا، التي بها يعرفُنا أصحابُنا

لا يعرف الليل سوى من فقد النهار

هذا شعارنا

لا تبكنا يا أيها المستمع السعيد

فنحن مزهوُّون بانهزامنا " .

وبنفس الغواية التي يصنعها صلاح عبد الصبور في نصه الشعري، ينجح تمام النجاح وفلاحه في عرض لحظات إنسانية أكثر عمقاً، مستخدماً في ذلك كافة مستويات التَّتابع النَّصِّي، الذي يمكن توصيفه على سبيل الاجتهاد لا التقعيد النقدي النهائي بأنه نص قلق على الدوام . فهو يقدم مشهداً يبدو برمته حزين الوصف والملامح يمكنك كقارئ أن تكمل بقية المشهد ورغم ذلك يجعلك أكثر قلقا عن طريق صور شعرية متتابعة وسريعة تجوبها ألفاظ ومساحات لغوية مغايرة لجو النص العام . يقول صلاح عبد الصبور في قصيدة (أغنية إلى الله):

" حزني ثقيلٌ فادحٌ هذا المساء

كأنه عذابُ مصفدين في السعير

حزين غريب الأبوين

لأنه تكوَّن ابن لحظةٍ مفاجئة

ما مخضته بطن

أراه فجأةً إذا يمتد وسط ضحكتي

مكتمل الخِلقةِ

موفورَ البدن

كأنه استيقظ من تحت الركام

بعد سباتٍ في الدهور " .

ونفس الفعل الشعري الذي مارسه صلاح عبد الصبور، يحاول إعادة إنتاجه مرات أخرى وهو بذلك يدشن وحده اللغة فعلا انقلابيا لا مجرد ألفاظ متراصة بغير دلالة، وهذا الفعل الشعري الانقلابي من بالغ الصعوبة أن يقبل لعبة رهانات تحديد الزمن أو وقت القصيدة، لأنه نص في المطلق، وتعامل قصدي مع الحدث والحالة الشعرية لا مع وقتها المنقضي، لذلك هذا الملمح الشعري يؤكد لما تم ذكره من قبل بأنه من الصعب تأريخ الشاعر من خلال قصيدته ولا يمكن توثيق التطور الشعري لشاعر مثل صلاح عبد الصبور بدأ كما انتهى لا من حيث التطور على مستوى الاستعمال اللغوي للمفردات أو من خلال الصورة الشعرية إنما من حيث البدء بالعبارات والجمل الشعرية التقريرية انتهاء بطرح الأسئلة المثيرة لأسئلة أخرى . يقول صلاح عبد الصبور في قصيدته (أغنية من فيينا):

" ثم نزلنا للطريق واجمين

لما دخلنا في مواكب البشر

المسرعين الخطو نحو الخبز والمئونة

المسرعين الخطو نحو الموت

في جبهة الطريق، انفلتت ذراعها

في نصفه، تباعدت، فرّقنا مستعجلٌ يشد طفلته

في آخر الطريق تُقْتُ ـ ما استطعت ـ لو رأيتْ

ما لونُ عينيها؟

وحين شارفنا ذرى الميدان غمغَمت بدون صوت

كأنها تسألني ... من أنتْ ؟ " .

ـ فِي قَصِيْدَتِنَا .. لَيْلٌ:

على غرار رواية إحسان عبد القدوس الرائعة (في بيتنا رجل) والتي تم تقديمها على شاشة السينما في ستينيات القرن الماضي بصورة تعادل إبهار الحدث الروائي نفسه يمثل الليل حدثا مهما داخل النص الشعري عند صلاح عبد الصبور، وهو ليل ليس بالضرورة ليل ينتمي لخريطة النظريات النقدية التقليدية وإن كانت صورة الليل تماثل الصور الشعرية التقليدية التي توحي بالعزلة والضيق الداخلي واتساع الزمن والحزن الكئيب، إلا أن نظرية المحاكاة الشعرية وتركيب الصور بطريقة أقرب إلى المشاكلة بعيدة تماما عن صورة الليل في نصوص الفارس القديم صلاح عبد الصبور .

وصورة الليل في نصوص صلاح عبد الصبور هي تدفق يفيض بدلالات مصاحبة لطبيعة الطقس الزمني ولتلقائية المشاعر القوية التي يسرها الشاعر فنجده يصَوِّبُ اللغة تجاه الليل بمفردات مصاحبة مثل: وأن كل ليلة باردة تزيده بعدا / الليل سكرنا وكأسنا / الله لا يحرمني الليل ولا مرارته / في ركني الليلي في المقهى الذي تضيئه مصابح حزينة / ثم تساقط المساء فوقنا / في آخر المساء شعشعت سحابة بنور / وهكذا مات المساء .

ـ يَبْدُو عَاشِقًا:

تربط معظم النظريات النقدية المتقدمة والمتأخرة زمنيا النص الشعري بعالمه الخارجي، أي قصة الشاعر وإحداثياته الشخصية المتواترة ومحيطه الاجتماعي، والناقد في ضوء ذلك يشبه الشرطي أو رجل المباحث السري الذي يتتبع الجاني في خفية من اقتناص تفاصيل تزيح الستار عن سر أو غموض، وهكذا يصنع الناقد في ضوء الإحالات الخارجية للنص الشعري،فيحاول إيجاد علاقة تماثل بين النص وصاحبه رغم أن الشاعر ـ أي شَاعر ـ هو صوت استثنائي قد ينفصل تمام الانفصال عن تفاصيله الاعتيادية ومكوناته الاجتماعية وهو ينظم قصيدته ويبدعها مما يجعل مهمة الناقد البوليسي صعبة وهو يتتبع شاعره لاصطياد حكما نقديا عن النَّصِّ .

ورغم أن تأطير نصوص الفارس القديم صلاح عبد الصبور جعلته بحكم النقاد حبيس الطرح القومي والتيار الإنساني المهموم بقضايا مجتمعه إلا أن غلبة الجانب الإنساني جعلته يبوح بسر العاشق بملامح قد لا تكون متماثلة بالشاعر التقليدي العاشق، لكننا مضطرون قبوله عاشقا استثنائيا بسطوة نصوصه غير المسكوت عنها، والتي تبوح بأسرار العشق والعاشق بطريقة معاصرة، ويمكن إعلان لحظة القبض على صلاح عبد الصبور عاشقا من خلال الجمل الشعرية التي تخللت نصوصه ومنها ما يقول في قصيدته (الحب في هذا الزمان):

" اليوم .. يا عجائب الزمان !

قد يلتقي في الحب عاشقان

من قبل أن يبتسما

ذكرت أننا كعاشقين عصريين

يا رفيقتي

ذقنا الذي ذقناه

من قبل أن نشتهيه

ورغم علمنا بأن ما ننسجه ملاءًة لفرشنا

تنقضه أنامل الصباح " .

وفي قصيدة (أغلى من العيون) يضيئ صلاح عبد الصبور مساحات واسعة من حالات الحب البسيطة وفيها مكاشفة لغوية سهلة بغير تعقيد أو استطراد يدفع القارئ للملل التدريجي،ففي الوقت الذي يصطنع أي شاعر حالة الحب داخل قصيدته فنجده يصب لعناته ويوجه براكينه الثائرة في صدر قارئه ويبالغ في رصد وتحليل مشاهداته على حالته تلك، نرى صلاح عبد الصبور بسيطا جدا في سرده الشعري حتى يظن القارئ أنه يقدم تعويذة قصيرة عن الحب بغير أبطال أو معارك وهمية أو قصص أسطورية، وتحديدا في قصيدة (أغلى من العيون) نلمح تمازجا قويا بين لغة القصيدة وحكايتها وبين لغتنا المعاصرة التي نستخدمها في حديثنا اليومي المعتاد أو في حديثنا بالهاتف، وكأن صلاح عبد الصبور في مشروعه الشعري الذي بدأه بديوان (الناس في بلادي) كان على وعي شديد بلغة المواطن العصرية التي تخلو من الغرابة والوحشة، لذا لجأ صلاح عبد الصبور في قصيدته إلى لغة مباشرة ومفردات معاصرة شديدة الصلة بواقعه بجانب حرصه على غنائية الجمل الشعرية، يقول صلاح عبد الصبور:

" عيناك عشّي الأخير

أرقد فيهما، ولا أطير

هدبهما وثير

خيرهما وفير

وعندما حط جناح قلبي النزق

بينهما، عرفت أنني أدركت

نهاية المسير " .

ويقول في المقطع الثاني من نفس القصيدة مستخدما سلاحه الاستفهامي الذي يبدأ بعبارة تمثل صدر الكلام ثم استفسار أو تساؤل يجسد عجز البيت الشعري:

" من أين نبع رائق يفيض حبنا

يغمرنا سعادة كأننا طفلان

لم نعرف التجوال في هذا الزمان

أي نسيم ناعم هذا الحنان

وأي كأس حلوة تلك التي نذوقها

حين تطل من عيوننا قلوبنا المجنحة

تبحث في الأحداق عن طعامها ومائها

ثم تنام في أمان " .

وصلاح عبد الصبور حينما ينظم الحب شعرا فهو لا يقتصر عند حد الوصف والتوصيف، بل يتجاوز هذا الشرح الاعتيادي إلى تقمص دور الناصح الأمين، وهنا لا يستطيع عبد الصبور أن يتخلى عن دوره الاجتماعي أو الطابع القومي الذي طغى على شعر هذه المرحلة الشعرية التي يمثلها هو بجانب شاعر الرفض أمل دنقل، فهو عاشق غير مبتذل، وشاعر يؤمن ويقدر دوره الاجتماعي في التنوير والتبصير، نجده يقول:

" يطيب لي في آخر المساء أن أقول كلمتين

شفاعة أرفعها إليك يا سيدة النساء

الحب يا حبيبتي أغلى من العيون

صونيه في عينيكِ

واحفظيه

الحب يا حبيبتي مليكنا الحنون

كوني له مطيعة سميعة

الحب يا حبيبتي هدية الحياة لي، ولك

لمتعبين حائرين في السنين

الحب يا حبيبتي فردوسنا الأمين

حين تؤود ظهرنا الرياح

وتنتهي لشاطئ المنون " .

ـ أقْنِعَةُ صَلاح عَبْد الصَّبُورِ الشَّعْرِيَّة:

اتفق كثير من النقاد والمنظرين للفكر العربي المعاصر أن نصوص الصوفية وأخبارهم وحكاياهم هي المصدر الرئيس لشعر التفعيلة وأجازوا بأن النص الصوفي هو الذي شكل قصيدة النثر الحديثة، مستندين في ذلك إلى علامات متشابهة بين النصين / الصوفي والشعري، من تلك الملامح والعلامات الأقنعة المستعارة أو اللغة المجازية التي لا تكشف عن معنى محدد يبصره الرائي بسهولة ويسر، ومنها اللغة الرمزية التي يتكبد القارئ فهم دلالاتها الضمنية، وأيضا استخدام التساؤل الاستفهامي بصورة توحي بإقرار الإجابة بغير تفكير أو الاختيار من بدائل، وصلاح عبد الصبور يكاد يكون قريب الشبه بين شاعرين أجادا في استخدام الأقنعة الشعرية في نصوصهما ؛ أمل دنقل وأدونيس، والفارس القديم وإن كان استخدم أقنعة شخصية مثل لوركا وبودلير وغيرهما، إلا أن الوقوف النقدي الإجباري سيكون عند قصيدتي (مذكرات الملك عجيب بن الخصيب) و (مذكرات الصوفي بشر الحافي) لما يمثلان من إشارتين تراثيتين يمكن توصيفهما بالإحالة المؤثرة والفاعلة .

وأظن أن وقوفي الإجباري عند حافة القصيديتين قد جعلني أؤكد أن استلهام صلاح عبد الصبور لرموز تراثية هو إحالة رمزية من الذاتي إلى العام، وشهادة لعصر مشهود ولإحداثيات استشرافية قد تقع في المستقبل، ففي قصيدة (مذكرات الملك عجيب بن الخصيب) نرى صلاح عبد الصبور يقدم نقدا لمجتمعه من خلال الارتكان إلى صورة تراثية، ونظرا لطبيعة صلاح عبد الصبور البعيدة تمام البعد عن المواجهات السياسية أو الفكرية التي تحمل قدرا بعيدا من المشاحنة والعراك غير الإيجابي فالتجأ إلى شخصية الملك عجيب بن الخصيب ليقدم من خلاله نظرته لعصره مستعينا في ذلك بأحد أدوات المتصوفة وهو الالتفات بالخطاب بين الأنا والآخر، وعلى حين يبدو صلاح عبد الصبور في مجمل نصوصه رقيقا في بداياتها إلا أن تلك القصيدة الطويلة نسبيا يبدو أكثر مكاشفة وحدة بغير مقدمات، ويسعى كأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي في قصائدهما الغاضبة في جلد المجتمع وفكره ورفض سطوة المدينة وأضوائها، يقول في المطع الأول من القصيدة:

" لم آخذ الملك بحد السيف، بل ورثته

عن جدي السابع والعشرين (إن كان الزنا

 لم يتخلل في جذورنا

لكنني أشبهه في صورة أبدعها رسامه

رسامُه ... كان عشيقَ الملكة) .

وهو يسعى في رسم ملامح مجتمعه الذي ضج بالمنافقين ومدعي المعرفة والثقافة ووصول الكثير من المنتفعين إلى أصحاب السلطة وصناعة القرار على حساب أهل العلم والثقافة الحقيقيين، ورغم الإحالة التاريخية داخل نصه إلا أنه يعكس استشرافاً لغد آخر يعقب النص الشعري ذاته ويكشف فساداً قائماً وآخر يجيئ، وربما سبب نجاح القصيدة المعاصرة تحديدا جيل صلاح عبد الصبور أنها تناولت العصر ومعطياته ولم تغرورق في الأطر الذهنية المبهمة والتي حصرت قصيدة النثر نفسها في فلك التضييق الذهني المحض الذي دفع القارئ إلى العزوف عن شكل ومضمون هذا النمط الشعري، وفي قصيدة (مذكرات الملك عجيب بن الخصيب) يراهن عبد الصبور في نصه إلى مجاوزة الدهشة إلى المعرفة، والتلميح إلى التصريح، ويقامر على تقرير القارئ وموافقته لأحداث ومشاهدات القصيدة مما يدفع القارئ أن يتضامن مع النص والقصة الشعرية،  يقول عبد الصبور:

" قصر أبي في غابة التنين

يضج بالمنافقين والمعلمين والمؤدبين

من بينهم مؤدبي الأمين (جورجياس)

وكان لوطيا مسيحيا

ورغم تعاليمه قد عرفت النساء

إماء أبي كن حين يجن المساء

يجئن إليَّ يلاعبنني ويضاجعنني

ويفضحن لي ما يسرُّ أبي

إليهم، حين تثور الدماء، وتهمد ظمأى

فيسحب ثوبه

وحين يطيب له كاهنوه، فتبتل رغبته بالرذاذ

ويحمد ربه " .

ومزية شاعر الزمن الجريح صلاح عبد الصبور أنه أحد رواد المسرح الشعري ولعل رائعته (مأساة الحلاج) خير دليل على ريادته لهذا الفن الأدبي، وهذه المزية هي التي دفعته لأن يكون أوبراليا في نصه بعنى أنه لا يكتفي بصوته الشعري، بل يتجاوز الذاتية إلى خلق مساحة من الفضفضة أو البوح الجماعي عن طريق اصطناع أصوات شعرية أخرى تعبر النص وتتخلله من أجل مشاركة القارئ في ارتداء قناع شعري يجسد صوته أو حالته، وهذا ما أراده حقا صلاح عبد الصبور في المقطع الخامس من القصيدة إذ تعددت الأصوات الشعرية المصاحبة لموت الملك، وتلك الأصوات هي معادل موضوعي لفصائل وطوائف المجتمع التي تختلف في رؤاه صوب المشهد الواحد، يقول عبد الصبور:

" صوت حيران:

هناء محا ذاك العزاء المقدما

صوت فرحان:

فما عبس المحزون حتى تبسما

صوت ريان:

فأنتَ هلالٌ أزهر اللون مشرقُ

صوت أسيان:

وكان أبوك البدر يلمع في السما

صوت غضبان:

وأنت كليث الغاب همك همه

صوت بالدمعة نديان:

وكان المليك الراحل اليوم قشعما " .

ولجوء صلاح عبد الصبور إلى التاريخ والقصص الشعبي ليس هروبا إلى تاريخ ميت، أو النزوح بمنأى عن المعارك المباشرة وجها لوجه بقصد ما يريد أن يجعل القارئ المثقف أكثر وعيا وإدراكاً لواقعه ومجتمعه والحالات الطارئة التي تعتريه من وقت إلى آخر وهو أحد أدوار المثقف الأخلاقي أي الذي يلتزم بقضايا مجتمعه حتى وإن كانت الصياغة الشعرية غير مباشرة، وهذا اللجوء أشبه بكتابات صادق جلال العظم الفكرية حينما كان يلجأ إلى التاريخ ليس هروبا لكن لكشف البنى الإيديولوجية والثقافية للمجتمع تحديدا في كتبه (النقد الذاتي بعد الهزيمة)، و(ذهنية التحريم)، و(نقد الفكر الديني) أو حتى في كتابه (في الحب والحب العذري) وهو إحياء للتراث عن طريق ربطه بأحداث حية مشهودة وبقضايا ومشكلات يحياها المواطن المصري بخاصة والعربي بصفة عامة، وربما كلاهما / عبد الصبور والعظم كانا يريدان إعادة النظر على السواء في التراث والواقع المجتمعي القائم آنذاك . يقول صلاح عبد الصبور:

" لو قلت كل ما تسره الظنون

لقلتمو مجنون

الملك مجنون

لكنني أبحث عن يقين

في مجلس الصبح أنا تاج وصولجان

تقطيب عينين وبسمتانْ

أو بسمة تعقبها تقطيبتانْ

وعلى كل حال

لها أوانْ

لكنني في مخدعي إنسانْ " .

ـ تَغْرِيْدَاتُ صَلاحِ عبدِ الصَّبُورِ .. مُمْكِنَاتُ المُسْتَقْبَلِ:

والقصيدة الثانية التي تجبرنا للوقوف عند حدودها هي قصيدة (مذكرات الصوفي بشر الحافي) وهي عن الصوفي أبي نصر بشر بن الحارث، ودوما يعتقد النقاد المتأخرون أن اقتناص الشعر أو القاص صورة الماضي هو جمود الحاضر وتيبس مفاصله، لكن النظريات النقدية المعاصرة لا ترى الأمر كذلك، بل هي تصر على الدور الكاشف للتراث في إماطة اللثام وإزاحة الغموض عن واقع المجتمع الراهن، وقد يلتمس الشاعر في ماضيه علامات وإشارات يمكن من خلالها البوح بنقد عقلاني وموضوعي لمجتمعه، وهذا تماما ما صنعه صلاح عبد الصبور في قصيدته، فهو اعتبر أن عنايته بالصوفي بشر الحافي هو عناية بمجتمع قائم والكشف عن ممكنات المستقبل الآتي، لذلك فبدايات القصيدة تبدو قصيرة وسريعه تماثل مجتمع عربي متسارع، يقول صلاح عبد الصبور:

" حين فقدنا الرضا

بما يريد القضا

لم تنزل الأمطار

لم تورق الأشجار

لم تلمع الأثمار

حين فقدنا الرضا

حين فقدنا الضحكا

تفجرت عيوننا .. بكا " .

ولا أريد أن أبالغ في أن صلاح عبد الصبور يكاد يعبر زمنه التاريخي في ابتداع شبكة التواصل الاجتماعي (تويتر) بتغريداته الشعرية القصيرة جدا والتي تجسدت في قصيدته (مذكرات الصوفي بشر الحافي)، حيث نلمح جملا شعرية قصيرة رغم بساطتها اللغوية إلا أنك تقف أمامها لتسبر أغوار معانيها، لاسيما وأنها تتمثل في صورة أمرية وكأنها نصائح أو توجيهات ينبغي الالتزام بها، يقول صلاح عبد الصبور:

" احرص ألا تسمع

احرص ألا تنظر

احرص ألا تلمس

احرص ألا تتكلم

قف ...!

قف ...!

وتعلق في حبل الصمت المبرم

ينبوع القول عميق

لكن الكف صغيرة

من بين الوسطى والسبابة والإبهام

يتسرب في الرمل ... كلام " .

خاتمة:

إن الحديث عن المنجز الشعري عند صلاح عبد الصبور طويل لاسيما وأنه شاعر لا يمكن اقتناصه بأحكام نقدية سابقة، وبات من الصعب إحالة نصوصه الشعرية إلى سيرته الذاتية التي قصدنا بوعي إلى عدم تناولها بدعوى أن الشاعر دوما في غياب، أما النص فهو شديد الحضور وهو ما استدعى قراءة معاصرة لنصوص شاعر متميز وهو نفسه لم يسع في نصوصه الشعرية إلى إضفاء عقدة التخمة والأنا في الحديث عنه، بل كان دوما صوتا لغيره، وتجاوز الصوت الآخر إلى حضور أصوات أخرى متباينة في قصيدته، وربما جاءت القراءة المعاصرة نتيجة منطقية لشاعر شكل ثورة في الشعر هو وصاحبه أحمد عبد المعطي حجازي بقصيدة التفعيلة التي رفضها آنذاك المفكر المصري عباس محمود العقاد، فجاءت اللغة بسيطة كوجوه الناس، وأتت الصور الشعرية سريعة وأكثر تسارعاً لتتزامن وعصر القصيدة .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ  المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية  (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

وليد العرفي تتناول قصيدة الشاعر عادل الحنظل موضوعة الغربة والبعد عن الوطن، وطالما كانت الرحلة من الموضوعات الرئيسة في القصيدة العربية منذ شعر ما قبل الإسلام وليس انتهاء بالعصر الحديث ؛ فقد كانت موضوعة الرحلة من الأركان الرئيسة البانية في هندسة القصيدة العمودية التي انتهج الشعراء مسارها وفق نمطية لم يحيدوا عنها، وعدّوا الرحلة ركناً أساسيّاً تقوم عليه، وتُبنى على أساسه، وليس بعيداً عن الذهن أنَّ الرحلة كانت في تلك الحقبة من الزمن رحلة بحثٍ عن كلأ، وسعياً وراء مصادر المياه، وإمكانية الاستقرار.

ولم تتغيّرْ الدوافع كثيراً على الرغم من تباعد الأزمنة غير أنَّ الأسباب أصبحت أكثر، وأقسى وفي نص الشاعر عادل الحنظل

خلجات يقدّم العنوان مفتاح الدخول إلى النص فالدلالة المعجمية للفظة تُشير إلى تلك الغصّة التي يشعر بها الإنسان في غربته .

ساءَلْتُ العطّار

عنْ نبتٍ يشفي داءَ التَّرحالْ

ويزيلُ الغربَةَ في النفسِ

ويطَرّي يَبَسَ الأحزان

أخبَرَني

ما عادتْ في بَلَدي أمكِنَةٌ

يهواها الزرعُ .. أو ماء

حتَّى الرّيح

تحملُ أدرانا .. وترابا

تذروهُ بأعين مَنْ عشقوا

في الليلِ مناجاةَ الأقمار

تلك الغصة التي تحتاج للتعبير عنها إلى بوح يفترض وجود أذن تسمع، وقلب يصغي للشكوى، وهو ما يتبدّى بافتراض طرف آخر، ومن هنا يبدو استدعاء الشاعر للعطار بما تُحيل عليه دلالة التوصيف من إحالة مرجعية على مأثور المثل الذي يقول لا يُصلح العطّار ما أفسد الدهر، وبهذا يظهر النص أول تلك الغصات التي تكشف عن استحالة التغيير، وهو ما يكشف عنه الحقل الدلالي للألفاظ التي اتَّشحت بالقتامة، أدران، تراب، تذروه، وهي ألفاظ دالة على القفر الذي بدأ مشهده بإخبار العطار للشاعر عن خلو البلد من أماكن الخصب، والمياه التي تدل على الحياة في دلالتها الأخيرة، "وجعلنا من الماء كل شي حيٍّ "، وعلى الرغم من أنَّ لغة القصيدة سعت باتّجاه البوح والتعبير أكثر من انشغالها بالتصوير إلا أنَّها لم تغفل اقتناص اللحظة التي جاءت غايةً في الحيوية، ومكتنزةً بقدرتها البلاغية التي تجسّدت في هذا التركيب اللغوي: " ويطَرّي يَبَسَ الأحزان" التي منحت الأحزان حيزاً فيزيائياً، وهيئةً تملأ الفراغ الذي يعتمل في نفس المغترب، وقدْ نقلت الأحزان من مجال المشاعر والأحاسيس إلى مجال المدركات الحسيَّة الملموسة .

 وتتكشَّف الخلجة الأولى في قفلة المقطع بما تحمله الريح للعشاق الذين يناجون القمر من تراب وأدران تذروها في عيونهم، وهنا تبدو مفارقة المشهد بإحالته على ما هو غير متوقع بين مناجاة العشاق للقمر في الليل، وفعل الرياح وما تحمله لهم .

مسحوا عنْ وَردِكَ يا وطني

قَطَراتِ ندى الأصباح

خدشوا في الليلِ حياءَ الصَّمت

جعلوا أُمّا تبكي

أختا تندبُ مَن راح

وأبا ما عادتْ في عينيه

غيرُ خيوطِ العزّةِ

تنسجُ في وهنٍ

سترا يخفي جبلَ الاحزان

سرقوا يا وطني

منكَ صلاةَ الفقراء

ذبحوا ايمانَكَ قرباناً

لعبادةِ أوثانِ الغُرَباء

وفي المقطع الثاني الذي نهض على خلجة جديدة تمثَّلتْ بفعل الأحداث التي حصلت في هذا الوطن، وما جرته من متغيرات بفعل مقصود، ويدٍ متعمدة، وهو ما جاء بدلالة الضمير واو الجماعة الذي أسند إليه أفعال: (مسح، خدش، ذبح، سرق ) وإنَّ تأمل هذه الأفعال يكشف بجلاء عن مدى الأذى، وهول الفعل الذي ألحقه هؤلاء بالوطن، وفي العلاقات الرابطة بين الفعل، وما أحدث فيه أو عليه ثمة إضاءات أخرى لتلك المآسي فنلاحظ: أنَّ العلاقات بين الأفعال وما أحدثت فيهم جاءت بصورة تجسيدية ما يفيد بتعميق المعنى فقد ارتبط الفعل مسح الذي يرمز إلى تجفيف السائل، أي بلوغ مرحلة الجفاف، والجفاف في دلالته الأخيرة يعني الذبول والموت، وفي الفعل خدش ثمة إشارة إلى مدى الألم الناتج عن الخدش لحياء الصمت، وهو دلالة واضحة عن مدى الانحلال الأخلاقي الذي جردهم من الشعور بالخجل من اقتراف أي فعل، وهذا ما جعلهم يبكون الأم والأخت والأب، وهؤلاء الثلاثة هم من أكثر من يجب إحاطتهم بالرعاية والمرحمة، وعندما تتقطع تلك الصلات، فإنَّ الإيمان بلا شك سيكون لدى هؤلاء محل ريبة وارتهان لغير ما فطرت عليه النفس السوية والفكر النبيل . 

وتوضيحاً للعلاقة بين الفعل وما وقع عليه نُبيّن ذلك بالجدول:

الفعل -  النوع  -  الحدث -   الرمزية -  المآل والدلالة الأخيرة

مسح   تجفيف      ندى      إزالة       ذبول

خدش  ألم          تبكي       أسى      حزن

سرق  عبادة     صلاة     كفر        شرك

ذبح    عقيدة     إيمان    إلحاد       ضلالة

 ففعل المسح الواقع على الندى يؤدي إلى جفاف مصدر الماء عنه، وهو ما يعني حالة انعدام الحياة والموت، وفي الفعل خدش ثمة حالة من القسوة الحاصلة بفعل تجاوز العُرف والأخلاق، وهو ما يُسبّب ألم أعز الناس ممن يتوجب على الإنسان احترامهم، وتوفير الحماية، وصون الكرامة، وغير خاف ما تحمله مقصدية كل من الفعلين: سرق و ذبح من إشارة على استشراء حالة المخالفة لدى هؤلاء، وما آلت إليه حالتهم من البطش، وتجاوز كل قوانين الشرائع، وتوصيات الأخلاق .

أنبأني

شيخُ الأديان

أنّ عمامَتَهُ

تحوي أسرارَ الكونِ

وخبايا الخلقِ

وتفاسيرَ كتاباتِ الإنسان

من آدمَ حتى الآن

يعرفُ أين هوى الجدُّ الأكبرُ

لمّا رَفَستهُ الى الأرض

أقدامُ الرحمن

حدّثني

أنّ علومَ الإنسِ وأخبارَ الجان

منْ تحتِ عباءَتِهِ

أخرجَها الكفّار

أنّ بهاءَ سماحتِهِ

تكشفُ كلّ الأقدار

تغفرُ ما فاتَ وصار

لمَ يا شيخُ إذنْ

في بلَدي

يُقتَلُ مَنْ قالَ لكمْ ..

لا

وفي المقطع الأخير يسرد الشاعر ما يمكن للشيخ بوصفه قارئاً للغيب، ومطَّلعاً على التاريخ الماضي، وما آلت إليه الأحداث في الزمن الحاضر، وأمام تلك الإحاطة بالعلوم، وتفسير مخبواءات الكون تأتي القفلة الصادمة بالسؤال الاستنكاري الذي يأتي على شكل خلجة الخلجات بالحرف: (لا) الذي جاء انتهاء يدلُّ على ابتداء، وأحال على فضاء مفتوح من الأسئلة التي لا تعرف أجوبة لها إلا بطرحها مزيداً من الأسئلة الشائكة بانتظار أجوبة معلّقة لا تبعث إلا على مزيد من الخلجات التي جاءت عنواناً رامزاً لكل ما ورد في النص من مفارقات ظلَّتْ صدى أصوات مبحوحة ، وخلجات أحزانٍ مفتوحة .

 

 د. وليد العرفي

....................

للاطلاع على القصيدة في المثقف

خلجات / عادل الحنظل

 

وليد العرفي يطرح نص الشاعر: ماجد الغرباوي مقولته انطلاقاً من الواقع الذي يبدو مثالاً يستقي  الشاعر منه معطيات قراءة بصرية تنعكس في لغته التي تتمرأى أبعاد التجربة بما فيها من آمال وآلام، وإذا  كان الأدب بشكل عام يبني اشتراط رؤيته بما يستطيع التعبير عنه؛ فإن الشعر يبدو وفق هذا الفهم أكثر قدرة على نقل الواقع، وتجلية إرهاصاته، ويظهر في شعر: ماجد الغرباوي  أنَّ النص الشعري يجسّد تمثلات الواقع وفق بعدين بعد الواقع الحقيقي، وبعد الواقع المثال، وهو ما يتبدّى في قصيدته الموسومة بــ: (يتهادى حُلماً) التي يعلن فيها العنوان عن أولى تبديات تلك العلاقة في بعدي الواقع المثال، الواقع الحقيقي، فقد جاء تريب العنوان على النمط الفعلي، وهذا البناء يرمي إلى تأكيد الحركة التي تتولّد عبر صيغة الزمن للفعل الحاضر يتهادى، وما يحمل هذا الفعل في بنيته الصرفية من إيحاءات دالة على الحركة التي تتشكّل وفق نمط يقوم على التدرّج والمتابعة وهو ما يتساوق دلالياً مع حالة الارتقاء التي تستبطن دال (حلماً)، والحلم هنا دال تعبيري على العلو، ورغبة في تحقيق مأمول بعيد المنال .وبهذا يُؤسّس العنوان لعلاقاته البانية للمتن في السياق النصي الذي يبدأ بالحالية يقول:

نافرةً هوتْ زنابقُ البحرِ

توقاً الى رَعشةِ اندهاشٍ

سَرَقَتها آلهةُ النارِ

فَطافَتْ بها سبعةً ..

تَتَهجد ...

تُرتّـلُ قداساً مكتومةً أنفاسهُ

وتَطوفُ حولَ مَدارٍ

مشدودٍ لذلك الفجر

لأولَ يومٍ تَمايلتْ فيه الريحُ

تُشاكسُ دَمدَمات المَطر

وتُدندنُ أغنياتٍ مهمَلةً

لا تُداعبُ زَغبَ العَصافير

يكشف عن  مثال الواقع  والواقع المثال؛ فمثال الواقع  يتمظهر بدوال: (البحر، النار، المطر، الريح، العصافير، جاءت هذه الألفاظ واقعية مرتبطة بالحالة الحسية للإنسان؛ فهي مما يرى ويُسمع) فيما يتجلى واقع المثال بدوال: (توق، اندهاش، طافت، تتهجد، الفجر، عشة، ترتل، قداس،) فهي ألفاظ ترتبط بالجانب المعنوي للإنسان ومشاعره السامية ، وفي هذا الجمع بين طرفي الواقع والمثال يبدو النص الشعري مرتهناً للحظة إبداعه التي تتشوّف إلى رؤية خاصة تُمكّن من الجمع بين الواقعين في إطار العاطفة التي تجمع الشاعر بالمرأة الحبيبة يُماهي بين الجسد والروح في لحظة توهّج عاطفي:

يبدو الواقع المثال والمثال الواقع واقعاً يمازج فيه الشاعر بين الممكن والمستحيل، والأمنية والحقيقة، وهو ما يتكشَّف بإظهاراته اللغوية التي جاءت في الزمن الحاضر عبر ترداد أربعة أفعال: (يتوهَّج، يُغازل، تراود، تُطارد) وإحالات هذه الأفعال غير خافية في دلالتها الزمنية التي تعني الاستمرارية في الحدث المستقبلي، وعلى الحركة المتنامية على المستويين الحسي الانفعالي  ولنتأمل قول الشاعر:

أَغدو وأنا المُتَيمُ ... شفقاً

يَتَوهجُ فوقَ شَفَتَيكِ

يُحيل الفعل الأول:  يتوهَّج على التألق والإشعاع، وإضفاء النور على المدى المؤطّر للحالة الموصوفة، وفي قوله:  حينما يُغازلُ دفؤكِ لهاثَ أنفاسي نلحظ أنَّ الفعل يُغازل يشير إلى اللغة، (كلام الحب)، وهذا الكلام هو من أجمل أنواع الحكي؛ لأنه من أكثر الفنون جاذبية للإنسان،وأكثرها قدرةً على منح المتحدّث طاقة خلَّاقةً مُضافةً، إنها تعبير عن تشظّي الدلالات القادرة على تطييف ألوان اللغة بإشاراتها الرامزة التي تنهض باللغة وفق مستويات من التشكيل الذي ينحرف عن مسارات اللغة بمواضعاتها المعجمية المألوفة إلى انزياحات تُسهم في توليد لغةٍ من اللغة:

تُراودُ أَحلامي جَمراتُ شَوقٍ

وحَفنةُ آهاتٍ تُطاردُ ظِلاً

يُسابقُ البَنَفسَجَ عطرُهُ

إنَّها لغة تنداح في مساقات لا متناهية من الرؤى والأخيلة التي تتفتّق عبر موشور رؤيا الباصرة والبصيرة، وقدِ اقتنصتْ منَ التَّزامن الحسيّ عبر تبادل وظائف الحواس، وأدوارها تقنيةً أسلوبيَّة فالبنفسج المرئي بالبصر يسبق رائحته، وهي من حاسة الشمّ، وحفنة الآهات، وهي من دائرة الصوت، وتقع في حيز حاسة السمع تطارد الظل، وهو من معطيات حاسة  البصر .

إنَّه الواقع المثال الذي يُحلّق الشاعر في آفاقه عبر مرجعية لغوية مستعادة على شريط الذاكرة التاريخية، وتراثية الحالة الواصفة، إذْ يستعيد عيون المها التي ذكرها الشاعر: علي بن الجهم  باستهلال قصيدة له:[1]

عيون المها بين الرصافة والجسر      جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

" ضاحكةً عيونُ المَها

تُلامسُ شغافَ قلبٍ

يَسهو في مِحرابهِ

يتبتلُ ساعةً وأخرى

يَعكفُ "

ترمز مرجعية تمّوز أو دموزي في الواقع المثال إلى الأساطير السومرية،، وهو إله الزراعة والرعاة والخصب، وتُشير الأسطورة إلى أنَ تمّوز أو دموزي هو خامس ملوك مدينة باد تييرا قبل الطوفان، وقد اقترن بفصل الربيع، ونمو  النباتات وإله الرعاة، وتروي الأسطورة أنَّ عشتار: (إلهة الحب والحرب) أحبَّتْه ثمَّ قتلته وأعادتْهُ إلى الحياة، وبهذا أصبح يُجسّد انبعاث الطبيعة في فصل الربيع، [2] " وتعتقد شعوب الشرق القديمة أنه مات في الصيف نظراً لجفاف الأرض، وزوال الخصب، ولهذا يُعلن الحداد في سومر على وفاة دموزي في شهر (تمّوز) الذي يقع في منتصف فصل الصيف؛ وتُشير القصيدة السومرية إلى المنافسة بين دموزي والفلاح أنكيمدو  لكسب ودّ عشتار التي فضّلت تمّوز في نهاية المطاف، وتنتهي القصة برغبتها بزيارة العالم السفلي، وتعرضها للموت هناك بمكيدة أختها التي تقبل بإحيائها بعد تدخّل إنكي  إله الحكمة والذكاء والحِرف ، وتوسّطه الذي ينتهي بإحيائها وإعادتها إلى عالمها بشرط  إيجاد بديل لها يحلُّ محلها في العالم السفلي، وهو ما وجدته في تمّوز الذي وجدته سعيداً بغيابها، وقد جلس على كرسيها ما أثار غضبها، ودفع بها إلى إنزاله مكانها إلى العالم السفلي، غير أنها تعود وتُشفق عليه؛ فتمنحه فرصة العودة إلى العالم الحي كل سنة مرة، وهكذا تتناوب دورة الطبيعة والفصول حسب الأسطورة بعودة تموز أو نزوله إلى العالم السفلي .

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنَّ أسطورة تمّوز قد حظيت باهتمام الشعراء كثيراً، ويأتي الشاعر: بدر شاكر السيّاب في طليعة شعراء الحداثة العرب احتفاءً بتوظيف الأسطورة التموزية إلى جانب الشاعر السوري أحمد علي سعيد إسبر  الذي لقَّب نفسه بأدونيس، وهو الاسم الإغريقي لـ: (تمّوز) في قصيدته البعث والرماد [3]  حتى إنه سُمّي به . وقد نوّع الشعراء في تكنيك استخدامهم الأساطير ما بين الرمز العام العابر، والرمز المستثمر للمغزى: " لما تتصف به الأسطورة من حيويّة قادرة على إكساب الشاعر مجالاً أوسع  للتعبير؛ ليُفصح عمّا يجول في ذهنه من فكر، وما يعتمل في نفسه من رؤى وأفكار في إطار جمالي، يُحلّق بالنصّ الشعري بعيداً عن التقريرية والسرد والمباشرة، ويعصم نفسه منَ المساءلة،  ويتجنّب أذى المتابعة  . ووفق هذا الوعي للأسطورة؛ فإنَّ إفادة الشعراء من تلك الأساطير تجعلنا نتلمَّس المنابع الأصلية لإنسانيتنا، إذْ إنهم ربطوا ماضي الإنسان بحاضره في حيويّة تحفّل بالتدّفق، وتتخطّى العادي؛ لتقيم علاقة مع الأبدي ". [4]

وهو ما يُشكّل علامةً فارقةً في نمطية التكنيك التي لجأ إليها الشاعر الحديث الذي   " يفترق عن الشاعر الكلاسيكي في استخدام الأسطورة؛ فالشاعر الكلاسيكي استخدمها لمجرد مغزاها الذاتي، أو كلصق استعاري في أدنى مراتبه، بينما نجد الشاعر الحديث يستخدم الأسطورة والدلالة الميثولوجية كنوع من التوحّد بين الرمز الذي تهيّئه الأسطورة وبين ما يرمز إليه " كما أنّ استغلال أسطورة تموز في الشعر العربي الحديث يُعدّ من أجرأ المواقف الثورية فيه، وأبعدها آثاراً حتى اليوم؛ لأنّها تٌؤسَّس على  استعادة للرموز الوثنية، وتوظّفها في مفهوماتها الإشارية للتعبير عن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر، أضف إلى ذلك أنَّ لهذه الأسطورة جاذبية خاصَّة، لأنّها تصل بين الإنسان والطبيعة، وحركة الفصول وتناوُب الخصب والجدب"[5]،

أما في المثال الواقع؛ فإنَّ لتموز ارتباطه بالزمن الذي يُحيل على استيلاء داعش على بعض مدن  العراق، وإعلان البغدادي نفسه خليفة للمسلمين في دولته الجديدة، وكان ذلك بتاريخ 29 يوليو 2014 م . وهو ما يقابل تسميته تموز في بلاد الشام والعراق،

كما يرتبط  الواقع المثال بالزمن الماضي الذي لا يُمكن أن يعود إلا بالذكرى،آية  ذلك أننا  نجد أفعال الحاضر التي احتشدت في لحظة الذكرى بكثافة: (يُلامس، يتبتل، يسهو، يعكف، يُرتّل) جاءت مُكتنزةً بإلماحاتها التعبيرية الفائضة بتجليات السموّ والتجلّي والتلّذذ، وسرعان ما تنداح في مثال الواقع الذي يُغيّر تلك الحالة  في واقعيّة المشهد الذي يُرجع الشاعر إلى أرض مثاله المُشاهَد، إذْ يبقى الواقع المثال مُجرّد قراءة مُستعادة يقوم بها الشاعر، وهو:

يُرتّلُ آياتٍ ..

مرَ بِها طيفُكِ ساعةَ سحرٍ

فظلّتْ مَركونَةً في زوايا ذكرياتٍ

وبقايا أُمنياتٍ تَسربلتْ

ويقوى المثال الواقع بكلّ ما فيه من عتمة، وانسداد أفق؛ فيأتي:

حُزناً سَرمدياً

جادَ به تَموز

فما عادَ لنا فرحٌ

والموتُ يَنشرُ راياتَهُ السود

فوقَ سحابات بلدٍ خانتْ به

نفوسٌ أدمنتْ الغدر

وفي هذه النهاية تتبدّى لنا قصيدة السيّاب: "أغنية في شهر آب" التي يقول فيها: في شهر آب يمّوز يموت على الأفق وتغور دماه على الشفق في الكهف المظلم والظلماء " [6]

فأية أقدار تلك التي تُعيد الزمن في دورته ؟! وكأنَّ التاريخ يُعيد دورته الزمنية من جديد؛ ليلتقي تاريخ السيّاب وتاريخ الغرباوي في إطار المأساة الجامعة الدامعة .

ويُوحّد اللون الأسود تلك الثنائية: بين الواقع المثال، ومثال الواقع؛ ليُصبح واقعاً أوحد؛ فاللون الأسود في إحالته المرجعية يشير إلى الرايات السود التي ترمز إلى قيام الخلافة العباسية على أنقاض الدولة الأموية، وما في هذا التحوّل من تغيير للتاريخ، والمصير العربي في تلك الحقبة من الزمن، ويُشير تموز الواقع المثال إلى الأسطورة المرتبطة بـ دموزي أو تموز، وهو إله الخصب او اللون الأسود في إحالته النصية ترميز إلى شعار دولة الخلافة الإسلامية في بلاد الشام والعراق التي عُرِفتْ باختصار: (داعش) وهو ما حوّل مصير الدول التي وقعت تحت سيطرتها في تلك المدة من التاريخ، وجعلها تعيش واقعاً يُمثّل أسوأ حقبة في تاريخها ربّما ــ رغم أنَّ الخلافة الداعشية الزائلة لم تختلف كثيراً عن الخلافة الداعشية اللاحقة لها إلا بالتسمية، والتوصيف، واكتسابها شرعنة؛ فالخلافة التالية لخلافة الداعشية لم تختلفْ عنها بالممارسة الأدائية إلا من حيث المظهر، إذ استبدلت العمامة والعباءة والكوفية بالبنطال والقبعة الأجنبية، وعلى ما تأسَّس نجد القصيدة التي كُتبتْ عام 2016 م إنما كانت بوصلةً حدَّدت سمت رؤية ورؤيا الواقع من خلال الحقيقة والرغبات، ولذلك بدا الواقع مُتشظّياً بين واقعين يُجسّدان: واقع الحال البشري ، وواقع الخيال الشعري .

للاطلاع على القصيدة في المثقف

يتهادى حُلماً / ماجد الغرباوي

 

د. وليد العرفي

  ............................

هوامش

[1] ــ ديوان:علي بن الجهم، تح: خليل مردم بك، دار صادر، بيروت، ط 3، 1996 م  .

[2] ــ يُنظَر: موسوعة المورد: منير البعلبكي،  دار العلم للملايين، بيروت، 2005 م، ص 167.

[3] ــ الأعمال الشعرية الكاملة: أحمد علي سعيد إسبر (أدونيس)،ج 2، ديوان أغاني مهيار الدمشقي، دار العودة، بيروت، 1988، ص  331.

[4] ــ يُنظَر: لغة الشعر  ــ قراءة في الشعر العربي الحديث ــ : رجاء عيد، منشأة المعارف، 1998 م، ص 229.

[5] ــ يُنظر: اتّجاهات الشعر العربي المعاصر: إحسان عباس، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، مايو / 1978 م،   ص 65.

[6] ــ  المجموعة الكاملة: بدر شاكر السيَّاب، دار العودة، بيروت، 1971 م،  1/ 328 .

 

 

حسين فاعور الساعديترجمة الأديب الشاعر نزار سرطاوي

في هذه القصيدة تخاطب الشاعرة والدها مباشرة دون لف أو دوران.  وتعبر عما جاش في صدرها قبل وبعد أن غادر البيت. هل هي الجرأة أم الوقاحة؟ أظن أنها الجرأة حتى لو كانت وقاحة. فما أحوجنا لجيل يواجه ويفكر. ما أحوجنا لأبناء لا يعبدون آباءهم وأمهاتهم ويوافقونهم على كل شيء. ما أحوجنا لفتيات لا يقلدن أمهاتهن في كل شيء.

الشاعر نزار سرطاوي في ترجمته لهذه القصيدة كان يكتبها من جديد بلغة عربية أنيقة وهو عمل لا يقدر عليه إلا المبدعون. فأن تكون مترجماً لا يكفي أن تجيد اللغة. يجب بالإضافة إلى ذلك أن تكون مبدعاً أيضاً لأن عملية الترجمة هي عملية خلق في قالب حُدّد لك مسبقاً حجمه وشكله.

شارون أولدز شاعرة أمريكية. في كل كتاباتها لا تتناول إلا طفولتها، تجاربها الجنسية، زواجها وأولادها. من خلالهم تطل على العالم من حولها. في كتابها الأول "الشيطان يقول" ركزت على حياتها الجنسية وحياة عائلتها. وفي كتابها "وثبة الظبي" تحكي عن طلاقها من زوجها بعد ثلاثين عاماً من زواجهما. رأت العالم الخارجي من خلال عالمها الخاص. وهي شاعرة متمردة (ككل شاعر حقيقي) لها مواقف خاصة ومميزة كما حدث معها عندما رفضت دعوة لورا بوش زوجة جورج بوش الابن عندما رفضت دعوتها للمشاركة في أحد المعارض لأن زوجها شن حرباً على العراق دون قرار ديمقراطي.

إن اختيار الشاعر نزار سرطاوي لقصيدة "الضحايا" وترجمتها جاء موفقاً وفي أوانه. فكل أطفالنا في عالمنا العربي الواسع هم ضحايا. إما ضحايا الإهمال وإما ضحايا الصراعات الزوجية العلنية وغير العلنية، وإما ضحايا تسلط الأهل، أنانيتهم وتحكمهم، وإما ضحايا الفكر السلفي المتحجر، وإما ضحايا الأسلحة الحديثة التي يجربونها في أجسادهم الغضة. هؤلاء الأطفال لديهم الكثير الذي يريدون قوله لآبائهم وأمهاتهم ومن حولهم. لكن ثقافتنا وأعرافنا وعاداتنا وتقاليدنا لا تسمح لهم حتى بالنظر في وجوه آبائهم وأمهاتهم وتوجيه الأسئلة لهم حتى عندما يكونون مجرمين بحقهم. لأننا نربي أطفالنا على مسح شخصيتهم وتقديس حتى غير المقدس.

في قصيدة "الضحايا" لم يكن من السهل على الشاعرة أولدز مواصلة توبيخ والدها ووصف مشاعرها السلبية اتجاهه بعد مغادرته للبيت فلجأت  إلى آلية الإسقاط  projection. وهي آلية حماية ذاتية معروفة في علم النفس يلجأ إليها الفرد في حال شعوره بالضيق أو بالحياء مما هو فيه أو مما يفعله. هذا الإسقاط جاء بعد البيت الرابع من القصيدة وبعد أن وصفت الشاعرة كم كانت سعادتهم عندما طردته أمهم من البيت.

الوالد يظل والداً حتى لو كان سكيراً أو متعاطياً للمخدرات. فالولد يحتاج لصورة الأب كما يحتاج لصورة الأم، مهما كانت هذه الصورة، وهو ما لا يعيه الكثير من الآباء والأمهات في صراعاتهم فيما بينهم وفي حروبهم الضارية لكسب ثقة الطفل وتجريم الطرف الآخر وتشويه صورته. ليتنا نجنب أطفالنا هذه الصراعات ونفهم أن الطفل بحاجة لأم وأب مهما كانت صورتهما سوداء. ليتنا نفهم أن خلافاتنا الزوجية لا علاقة لأطفالنا بها ولا يجب إقحامهم فيها.

الشاعرة أولدز لم يهن عليها هذا الفرح الذي شعرت به هي وأخوتها بمغادرة والدها للبيت فأسقطت هذا الفرح على فرح كل الناس في أمريكا عندما غادر نيكسون البيت الأبيض.

هذا الإسقاط الذي جاء في البيت الخامس جعل نيكسون، الرئيس الأمريكي بعظمه وشحمه ولحمه يأخذ مكان والدها السكير، لتبدأ الحديث عنه:

" ثم طردت وابتسمنا

في أعماقنا، كما ابتسم الناس حين

أقلعت مروحية نيكسون من الساحة

الجنوبية للبيت الأبيض للمرة الأخيرة"

ثم تواصل التساؤل والتشفي بما حدث لنيكسون وكيف جردوه من سكرتيراته وبدلاته وأحذيته وأقلام الرصاص ورزم الأوراق وحتى وجبات غداءه وكاسات مشروبه. هل هو الحقد الطبقي؟

هذا الوصف لرحيل نيكسون عن البيت الأبيض والخلط بينه وبين رحيل والدها بعد أن طلقته والدتها يخفف من معاناتها ومن شعورها بالدون. فها هو نيكسون أيضاً يطرد وليس والدها لوحده. أي أن هنالك في هذا العالم من هو سيء كوالدها. وهذا يخفف من شعورها السيئ  وعذابها الداخلي.

الإسقاط هو آلية معروفة وشائعة يلجأ إليها الإنسان في ضائقة ليخفف من مصابه فحتى "الموت بين الناس نعاس".

أولدز لم تكتف بالرئيس الأمريكي الذي أصابه ما أصاب والدها وإنما انتقلت إلى وصف المعاناة الظاهرة في عيون كل الناس الذين مرت بشققهم ورأت عذاباتهم. ومن يعرف أمريكا أو عاش فيها يعرف حجم المتناقضات في هذا المجتمع.

الشاعرة تعبر بصدق عما مرت به وعاشته:

" لقد علَّمَتْنا أن نصبر، أن نكرهك ونصبر

إلى أن انتصبنا واقفين معها من أجل

القضاء عليك يا أبي"

القضاء عليك يا أبي!! بكل هذه البساطة تتحدث عن والدها وهي قمة المأساة التي تعيشها الشاعرة.

في هذه الأبيات تبلغ الشاعرة قمة الصدق. ويظهر لنا مدى المعاناة التي عاشتها. الأم علمت أطفالها الصبر وهو أمر جيد بحد ذاته ولكنه سيء جداً عندما يكون في سبيل مصلحتها في مواصلة العلاقة مع زوجها لأن الأولاد في هذه الحالة تحولوا إلى أدوات لخدمة أهداف الزوجة التي علمتهم الصبر ليس في سبيل ثقافة الصبر وإنما في سبيل أن تلقنهم كراهية والدهم لتكسبهم إلى صفها فيما بعد عندما تقرر الاستغناء عن خدماته. وفي رأيي هذه قمة الأنانية عند الأم.

لذلك قالت الشاعرة "نكرهك ونصبر" فكره الأب ليس بالأمر الهين حتى لو كان سكيراً.

الشاعرة وصفت بكل بساطة وشفافية دور الأم في الزج بأطفالها في أتون المعركة بينها وبين زوجها والهدف كسبهم إلى صفها. وهذا ما يحدث لكثير من الآباء والأمهات حتى المثقفين والمتعلمين.

قليلون هم ألآباء والأمهات الذين يبقون أولادهم خارج الصراع الزوجي عندما يبدأ. لان كل طرف يريد أن يأخذ الأولاد إلى صفه كبرهان أنه هو المحق والطرف الآخر هو المفتري.

هذه القصيدة تظهر حجم المعاناة التي يعيشها الطفل وهو يرى الصراع الدائر بين والديه. وتظهر كذلك أن الحياة الشخصية إنما هي صورة مصغرة للعالم الواسع.

لقد أحسن الأديب نزار سرطاوي الاختيار عندما ترجم هذه القصيدة إلى العربية لأنه يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد: فما أحوجنا للالتفات إلى ما يمر به أطفالنا من معاناة وجرائم تقترف بحقهم يندى لها جبين الإنسانية وإعطائهم حقهم في كتاباتنا ومؤلفاتنا. وما أحوجنا للالتفات إلى ذاتنا والكتابة بشفافية عن معاناتنا دون خجل. حتى لو استعلمنا آلية الإسقاط كآلية للدفاع أو لحماية ذاتنا. وما أحوجنا كذلك للحفاظ على الكثير من الأشياء الجميلة التي تملكها الأسرة العربية ولا يملكها الغرب المتحضر.

شكراً للأديب الشاعر نزار سرطاوي على الاختيار اللائق وعلى الترجمة الرشيدة.

***

حسين فاعور الساعدي

...............

للاطلاع على القصيدة المترجمة في المثقف

الضحايا / بقلم: شارون أولدز / ترجمة نزار سرطاوي