المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

قراءة فلسفية لرواية ساق البامبو.. جدلية العلاقة بين تيمة السلطة وتيمة الحق (1)

1 - مدخل نظري لقراءة  نص الرواية: نعتبر كل عمل إبداعي، خاصة الرواية و الأعمال السردية، يقدم إمكانية قابليته الفعلية أن يقرأ  ويفهم، ويدرس علميا وموضوعيا، ويعالج معالجة نقدية دقيقة، انطلاقا من طبيعة موضوعه ومحتوياته، ونوعية بنائه الفني وتركيبه التقني ومواصفاته الجمالية.  بمعنى أنه يتمّ التعامل مع المسألة الإبداعية هنا، ليس ارتباطا بنظرية الأنواع المعروفة نقديا وأدبيا، بل وفق إمكانيات النص المتعددة المستويات الإبداعية، والممتدة عبر مجمل النصوص المعرفية، ومختلف المرجعيات الفكرية والواقعية والثقافية التي يؤسس عليها هذا النص معناه أو معانيه، سواء منها المتعلق بالزمن السردي الراهن، أو الزمن المقروء التاريخي السابق على كتابته.

هكذا، يطرح علينا نص رواية ساق البامبو إشكالية القراءة المنهجية الناجعة والمناسبة فعليا، للطبيعة الدلالية النوعية للنص، خاصة على مستوى علاقات تيماتها المتفاعلة، وأدواتها الفنية الجديدة، وجرأتها الفكرية الملفتة في طرح واختيار موضوع له حساسية اجتماعية وثقافية قوية. باعتبار أن هذا الموضوع يشكل قضية حينية (الوجه الآخر للسلطة هو فقر في توفر الرأسمال الرمزي)، ما يزال محتضنا من طرف قوى اجتماعية مهيمنة في بلد عربي كالكويت، مسقط رأس كاتب النص، البلد الموجود راهنا في طور التحول التاريخي والحضاري، تحميه وتكرسه وتناضل وتعيش من أجل وجوده و استمراره، بكل الأدوات الممكنة والوسائل المتاحة لها.

من هنا لاحظنا، بل اعتبرنا تيمة السلطة، بمفهوم السلطة الرمزي، من  التيمات الأكثر حضورا وهيمنة، في المسارات السردية للرواية ككل، سواء على مستوى الأسرة الفلبينية أو الأسرة الكويتية التقليديتين بطابعهما الممتد.  لهذا ارتأينا قراءة هذا النص الروائي المتميز، من منظور منهجي سوسيولوجي، انطلاقا من أساس طبيعة هذه الهيمنة الكبرى لتيمة السلطة، في علاقتها الجدلية مع باقي التيمات الأخرى التي تنتظم العوالم الروائية الواقعية والمتخيلة للنص، في مجموعه كنسق دلالي، يعبر باللغة الوصفية البسيطة، وبالفعل السردي الحكائي التشكيلي والمركب، عن ظاهرة اجتماعية (سلطة قيم التقليد الاجتماعية ورفضها للتغيير، باعتبارها سلطة ذهنية ورمزية تروم إبقاء الوضع كما هو) يعاني منها المواطنون، بصفتها سلطة عنف رمزي تعرقل حركية المجتمع، وتحدّ من نموه الطبيعي، ومن تحوله الإيجابي المفترض، وتغييره الممكن نحو المجتمع الأفضل، في ظل سيطرة سلطة الإكراه الثقافي والاجتماعي والذهني لهذا المجتمع.  ونذكر أنه في وضعية هذه التيمات الأخرى للنص، في إطار علاقاتها الصراعية الصغرى، تحقق تيمة السلطة، بسيرها الطبيعي حينا، والمتوتر العنيف أحيانا كثيرة، علاقتها الصراعية الكبرى بالتيمة المضادة لها في النص. نعني بها تيمة الحق، بامتداداتها التيماتية التكوينية العديدة في كلية دلالة النص، كالهوية، والحرية، والمساواة، والتسامح، والذاكرة، والمعرفة، والتحدي، والتحديث، والديمقراطية، باعتبارها جميعها مظاهر الحق الذي يحاول النص تبنيه والدفاع عنه، ضدّ نبذه لمظاهر السلطة ومساعديها الأساسيين الذين يعرقلون تحقيق ذلك الحق كالتقليد، والغربة، والاستعباد، والظلم، والتعصّب، والنسيان، والاكراه الاجتماعي .. إلخ.

وقبل البدء في ضبط ورصد وتحليل تجليات ومميزات تيمة السلطة، كما لاحظناها في نص ساق البامبو، نعرّف مفهوم التيمة أولا، ثم ماذا نعني بالسلطة لاحقا، حسب استخدامنا لها في التحليل، ومفهوم الحق، باعتباره تيمة رئيسية في النص، لا وجود لتيمة السلطة في غياب تيمة الحق، مبيّنين كيف تمّ توظيف الدلالة العملية لمفهوم الحق، والدفاع عنه من قبل فعل الممارسة الفكرية الفلسفية، وكذا الإبداعية الروائية في النص، كفعل كتابي مختلف ومبدع خلاق، بمفارقاته الجدلية بين الهدم والتأسيس. الفعل الذي لا قيمة له عندنا، دون أن يخدم قضية المجتمع والإنسان، في أقصى صورهما الجدلية الحقوقية والطبيعية والمجتمعية، بالمعنى السوسيولوجي لمسألة الكتابة الروائية وعلاقتها بالعمق المجتمعي    .

1-1 مفهوم التيمة

لعل التيمة كمفهوم نقدي، نستعمله في بحثنا كإجراء منهجي، نعتمده هنا للمقاربة الدلالية النصية، وممارسة القراءة النقدية المعنية. وتنتمي التيمة thème كمفهوم منهجي إلى التحليل الموضوعاتي.  أو لنقل تحديدا، ارتبط عمليا منذ ظهوره بالمنهج النقدي الموضوعاتي الذي يتمّ فيه التعامل مع مفهوم التيمة كأداة تحليلية مركزة، وذلك "من خلال غطس موضوعة ما، داخل سياق يشتمل على مواقف مختلفة، وعلى تفاصيل، فتكون التيمة مشخصا لمجموعة من المغايرات الملموسة، يمكن إرجاعها إلى كيان أو مفهوم تجريدي، وهي أيضا أداة لوصف النص ولتأويله "(3) . فلم تكن تيمة السلطة، بهذا المعنى، في نص ساق البامبو الذي نحن بصدده، سوى الوجه الآخر لاختلالات عميقة طبعت منظومة القيم في المجتمع الكويتي خاصة، و في المجتمع العربي عامة، نتيجة التحولات الكبيرة والمتغيرات السريعة التي يمرّ منها على كافة الأصعدة. وذلك كما هو معروف في الحياة العملية لكل المجتمعات، فإن "القيم ليست ثابتة، وأنها على العكس من ذلك، تتغير بتغيرات المجتمع. فإن خصوصية تطور القيم تكمن أساسا في كون هذا التطور ليس له نفس الإيقاع  الذي تعرفه ظواهر اجتماعية أخرى، باعتبار أن القيم لها علاقة وطيدة بوعي الإنسان، وبالعقليات والذهنيات. إنها تخضع لزمنية خاصة، يمكن أن تتميز ببطئها أو بإمكانية عودتها ورجوعها  إلى قيم قديمة في أشكال وصور حديثة"(4). تلك التحولات والمتغيرات العميقة التي يعبر عنها، ويمثلها في نص ساق البامبو بوضوح ما سميناه بمفهوم الحق، باعتباره يشكل حجر زاوية هذا النص الروائي الذي يفكر ويحلل، ويناقش وينتقد، مدافعا حينا، ومكرّسا حينا آخر لمجموعة من الحقوق الإنسانية الكونية، ضدّا على ما تنتجه وتكرسه وتؤسسه مؤسسة السلطة المتعسفة من شروط العرقلة والتعطيل والتشويش على حركية ودينامية المجتمع الطبيعية، في إطار صورتهما التيماتية وعلاقتهما الصراعية والجدلية المتفاعلة في النص. نعني بهما:  تيمة الحق من جهة، وتيمة السلطة من جهة أخرى.

1-2 مفهوم السلطة

ماذا نقصد بالسلطة في قراءتنا النقدية لرواية ساق البامبو ؟

انسجاما مع استهلالنا السابق، بكون هذا النص الروائي يقدم لنا مسألة الكتابة الإبداعية السردية كظاهرة اجتماعية، فهو إذن يغوص بالتفكيك والتشريح داخل المجتمع، محاولا طرح ومساءلة وانتقاد أهم القيم السائدة في واقع المجتمع الكويتي والعربي عامة، ونعني بها قيم التقليد والثبات والمحافظة باعتبارها سلطة رمزية، ضدّ قيم التغيير  والتحول والاختلاف والحداثة .

غير أن نص رواية ساق البامبو بإبداعيته المتميزة، ناقش وانتقد وكشف عن أعطاب مفارقات وتناقضات تيمة السلطة التي تعني هنا السلطة الرمزية تحديدا، باعتبارها سلطة اجتماعية وذهنية وثقافية وعرفية، تقودها العقلية التقليدية، المعتقِدة أنها تنفرد بحماية قيم الأسرة والعائلة والمجتمع، وذلك بالدفاع عن قيم التقليد والثبات، ضدّ قيم التغيير والتطور والتقدم، خاصة على مستوى قبول الاختلاف، ورفض الانفتاح على الإنسان وقيمه الكونية، مهما كانت حضارته ولغته وثقافته ومعتقداته. نستحضر هنا طبعا هاجس ثقافة التسامح المطروحة في هذا النص، بطريقة ضمنية غير مباشرة، الأمر الذي يضفي على تناول الكاتب لموضوع السلطة، في علاقته الصراعية مع مسألة الحق، في روايته هذه، ذلك الطابع الشعري الرمزي من جهة، والفلسفي الاجتماعي السوسيولوجي من جهة أخرى، باعتبار أن النص، بالحلم والأمل في ثقافة التسامح المضمرة، بكل أبعادها الإنسانية، يبدو لنا، كقراء في عمقه ودلالته المتوارية، كتجل طاغ ومهيمن لصوت السلطة بمعناها الاجتماعي والثقافي الإكراهي، يخترق المسارات السردية الحكائية  للنص  ككل.

 لننظر الآن، إذن، في مفهوم السلطة، حسب بعض الكتابات والدراسات والأبحاث النقدية التي تناولته بالدرس والتحليل. 

لقد عرّف المعجم الفلسفي لجميل صليبا معنى السلطة من الناحية اللغوية، وأيضا من الناحية الاجتماعية التي تعنينا هنا، باعتبارها "القدرة والقوة على الشيء والسلطان الذي يكون للإنسان على غيره..  وجمع السلطة سلطات، وهي الأجهزة الاجتماعية التي تمارس السلطة كالسلطات السياسية والسلطات التربوية والسلطات القضائية وغيرها"(5) .

غير أن العالِم السوسيولوجي الألماني ماكس فيبر يربط السلطة بالعنف، على أساس تبرير هذا العنف الذي تمارسه تلك السلطة، مؤكدا على ثلاثة نماذج للسلطة(6) وهي :

1-2-1  النموذج التقليدي:

نعني به سلطة الأعراف وقداسة الاعتقاد في السلف.  وهو النموذج الذي تمثله مواقف شخصية غنيمة في النص الذي نحن بصدده  .

1-2-2 نموذج السلطة الكارزمتية:

يقصد بها الاعتقاد الانفعالي في قدرات شخص خارق استثنائي، بسبب قداسته أو بطولته أو ميزاته المثالية. قدم النص شخصية  "ميندوزا"، في الجزء الروائي الأول، وشخصية  "نورية"  في جزئها الثاني، كأفضل نماذج بشرية تمثل هذه السلطة .

1-2-3  نموذج السلطة القانونية:

تستمدّ من الاعتراف العملي بمعقولية التشريعات والقوانين. غالبا ما يمثل هذا النموذج سلطة الدولة التي تكاد تكون غائبة، أو لنقل بتعبير أدق سلطة صامتة وضعيفة، أو تتسم بحضور محتشم في نص ساق البامبو، لأنها توارت خلف سلطة المجتمع المهيمنة، بصوتها الدفاعي الوحيد والفعال، باعتبارها كانت هي السلطة الطاغية والأقوى، وبالتالي فرضت عليها مشروعيتها، وصارت سلطة الدولة، بسكوتها المختار، جزءا مكملا لسلطة المجتمع. إن انشغال النص بفعل السلطة العنيفة الإكراهية لما هو ثقافي واجتماعي وذهني للمجتمع في علاقتها الصراعية ضدّ فكرة الحق وذوي الحقوق، فرض ضرورة على السلطة بمفهومها المادي والسياسي، كما أسلفنا، نوعا من التواري والاختفاء الذي هو وضعية طبيعية، نظرا للسيطرة المطلقة التي تفرضها تيمة السلطة في النص، بامتدادات مفهومها الرمزي والاجتماعي. وبالتالي، فسلطة المجتمع هنا تؤدي بنجاح كبير دور سلطة الدولة التي لم يعد لدورها أو تدخلها المباشر أية قيمة تذكر في سياق تفاصيل اللعبة السردية للنص. لأن " كلام الناس هنا سلطة "(7)، لا يحتاج إلى تدخل الدولة، كما قالت شخصية غسان لرفيقه عيسى، وهما في طريقهما إلى شقته بالكويت في النص.

هكذا، يفرض علينا إذن نص ساق البامبو، منهجيا ودلاليا على الأقل، التعامل مع مفهوم السلطة، كما هو مستعمل ومستخدم وموظف في المسارات السردية للنص، كنسق دلالي كلي، بمفهوم السلطة الرمزي الاجتماعي، المرتبط بالمرجعية الفكرية السوسيولوجية، كمنظور نقدي ومنهجي. باعتبار أن البعد المتواري للسلطة وسلطان السيطرة، بمعناها الاجتماعي والفكري التقليدي السائد والمفروضة من قبل مُنتجها (كفرد أو جماعة)، دون أن يدري (أو تدري)، هو العنصر الأساسي والجوهري في تحليلنا للنص، وهو الفاعل الممارِس هنا أيضا في إطار العلاقات الجماعية، وصراع القوى والأفكار والطبقات الاجتماعية، من أجل فرض وجودها، كقوى فاعلة ومتصارعة ومتواجدة في نفس الحقل الاجتماعي. يقول بورديو في هذا الصدد: "إن السلطة الرمزية هي سلطة لا مرئية، ولا يمكن أن تمارَس إلا بتواطؤ أولئك الذين يأبون الاعتراف بأنهم يخضعون لها، بل ويمارسونها "(8) .

هكذا يبدو لنا نص ساق البامبو نص السلطة الرمزية بامتياز. هذه السلطة التي توجد في وضعية صراع دائم ضدّ سلطة الحق، كقيمة عليا تحددها أفعال وسلوكيات أفراد المجتمع، تلك التي يؤسسها نص الرواية، كموضوع لقراءتنا، ذلك التأسيس التدريجي التطوري المتصاعد، باحثا عنها بالتفكيك والهدم حينا، وبإعادة التأسيس والبناء حينا آخر، من خلال مواقف شخصية جوزافين وابنها هوزيه/عيسى .

 إن المرجع الأساس لتيمة السلطة الرمزية المعنية هو الحقل المجتمعي التقليدي الثابت، كنسق لتفاعل وصراع القوى، ومُنجزها الرئيسي في النص هو شخصية "غنيمة الطاروف"، في الفضاء الروائي الخاص بالكويت كمكان، وشخصية "ميندوزا" في الفضاء الروائي الخاص بالفلبين. في حين، يبقى مرجع تيمة الحق ببعده الإنساني، كقيمة كونية عليا، باعتبارها هوية وحرية ومساواة وكرامة، مرتبطة بشخصية "جوزافين"، كمرجع أصلي لثقافة الحق الحداثية، ثم تليها لاحقا شخصية "هوزيه"/ "عيسى"، ابنها الوحيد، كشخصية تسلّمت مشعل الصراع والمقاومة، عبر لسان الحكي السردي المستمر لأمه "جوزافين"، من أجل فرض الذات والوجود، بحثا عن المعنى والقيمة وجدوى الهوية، والدفاع بالفكر والإبداع عن ثقافة فكر الحق والانفتاح والتنوير والتغيير وتحديث المجتمع.  وبالتالي، يمكن النظر إلى شخصية "عيسى"، باعتبارها تركيبا فكريا حداثيا وأيديولوجيا، انتصر به الكاتب لقيم الحق والتقدم والتواصل والانفتاح على كل ما هو حضاري ومختلف، ضدّ قيم السلطة والانغلاق والثبات والإقصاء، رغم عودة "عيسى" الجديدة إلى بلاد أمه بالفلبين، في نهاية النص، باعتبار أن عودته هذه كانت عودة نوعية وقوية، رفقة بداية كتابة نص رواية ساق البامبو. فصارت الكتابة الروائية هنا، إحدى الأدوات الفكرية البديلة الأساس  التي أعاد بها بطل النص "عيسى" الاعتبار والتوازن لذاته، ذلك الاعتبار والتوازن المفتقدان عنده في واقع مجتمعه الكويتي.  أي أنه فرض عليه من طرف قوى  ومعاوني تيمة السلطة في النص (عائلته الطاروف)، أن يفتقد حقه المشروع، ويحرم من الانتماء إلى هوية أبيه "راشد الطاروف" .  فماذا نعني بمفهوم الحق، كما سنستعمله وسنوظفه في تحليلنا لنص ساق البامبو؟

1-3 مفهوم الحق

لعل التفكير في مسألة الحق، من منظور فلسفي، يحيلنا على مختلف الأبحاث النظرية، والدراسات الفلسفية الهامة التي تناولت هذا المفهوم، باعتباره مفهوما غنيا وشموليا، لأنه يتركب من العديد من المكونات والمبادئ الأساسية التي لها علاقة بمنظومة القيم عامة، كالعنف والشرعية والمشروعية والسلطة والاستبداد والديمقراطية وحقوق الإنسان (9) .

من هنا يرى أندري لالاند في معجمه الفلسفي، أن كلمة حق recht،right، droit يمكن ربطها بفكرتين أساسيتين هما :

1- إن الحق هو ما يكون مطابقا لقاعدة محددة، وبالتالي فإن إقراره يعتبر مشروعا. مثلا لكل المواطنين الحق في اللجوء إلى القانون  .

2 - إن الحق هو ما يكون مسموحا به، مثلا ما جاء في الإعلان 1789 لحقوق الإنسان، (الفصل 11-) من كون حرية تبادل الأفكار و الآراء، هي أثمن حق من بين حقوق الإنسان. لهذا ركزت مختلف الإعلانات عن حقوق الإنسان على الحقوق الطبيعية كالحق في الملكية، والأمن، والحرية، والمساواة، ومقاومة القهر والاستبداد ..

كما ميز لالاند بين ثلاثة أنواع من الحق هي:

" أ - الحق الطبيعي الناتج عن طبيعة البشر، والعلاقات القائمة فيما بينهم، باستقلال عن كل تشريع  .

ب - الحق الوضعي الناتج عن القوانين المكتوبة أو الأعراف التي أخذت القانون، مثل:  الحق المدني والحق الروماني  ..

ج - حق الناس الذي تأسس على مبدأ المساواة، وتمّ في البداية تطبيقه على الأجانب غير الخاضعين للقانون الروماني، واتسع في العصور الحديثة ليشمل العلاقات بين الدول، وأيضا العلاقات بين المواطنين المنتمين لهذه الأخيرة "(10) .

هكذا نستنتج أن مفهوم الحق، متصل أقوى الاتصال بقيمة الحرية، والإرادة الحرة للفرد المنتمي إلى جماعة معينة، باعتبار أن الحق هنا هو "مجموع من الشروط التي يمكن للإرادة الفردية لكل واحد منا، أن تتآلف في إطارها، تبعا لقوانين كلية"(11) . وبالتالي، فاشتغال تيمة السلطة كعنصر نصي فاعل، رهين بحركتها وصرعها مع تيمة الحق بمكوناتها المساعدة، وكعنصر مضاد متفاعل أيضا .

فما هي تجليات وخصوصيات حضور تيمة السلطة هذه ببعدها الاجتماعي والرمزي، في نص رواية ساق البامبو ككل  ..؟ علما، أننا عملنا، إجرائيا، على تقطيع النص إلى جزئين روائيين كبيرين ورئيسيين، بالإضافة إلى جزء روائي قصير بمثابة خاتمة للنص، ليس فقط تسهيلا لعملية القراءة والبحث المنهجي في دلالة هاتين التيمتين المهيمنتين اللتين تخترقان النص في شموليته العامة، بل ارتباطا أيضا وانسجاما مع طبيعة النص كلعبة سردية، وكيفية طرحه دلاليا، وتفكيره العميق في مبحث السلطة والمجتمع، كحقل لصراع القوى، وبالتالي، فهو نص روائي بوجهين كوجهي سارد النص نفسه تماما: (هوزيه \ عيسى) الفلبيني والكويتي.  أعني نصا بجزأين كبيرين، يحمل كل منهما اسم الفضاء السردي والروائي، حيث تجرى أحداث الرواية، بجميع مكوناتها السردية الأخرى، ووصولا إلى الجزء الأخير / النهاية السردية الفكرية المتقدمة التي اختارها الكاتب لنصه وحكاية راويه، ذات الشكل الدائري، بحيث تصبح نهاية النص هي بدايتها عينها.  ليبدأ النص بقول سارده:

" " اسمي jose "

هكذا يكتب.  ننطقه في الفلبين، كما في الإنجليزية، هوزيه . وفي العربية يصبح، كما في الاسبانية، خوسيه.  وفي البرتغالية بالحروف ذاتها يكتب، ولكنه ينطق جوزيه.  أما هنا في الكويت، فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمي حيث هو .. عيسى ! "(12) .  

وفي نهاية النص التي صارت بدايته مشكلة مسار النص السردي، على شكل دائرة ولنفس الصوت، يقول عيسى في الصفحة 389: " أمسكت بالقلم، وبالفلبينية كتبت:  اسمي  jose، هكذا يكتب.  ننطقه في الفلبين، كما في الانجليزية، هوزيه.  وفي العربية يصبح، كما في الإسبانية، خوسيه.  وفي البرتغالية يكتب بالحروف ذاتها ولكنه ينطق جوزيه.  أما هنا، في الكويت، فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمي حيث هو .. عيسى! "(13) .

وهي، على كل حال، نهاية تنتصر بلا شك لقيم الحق والإنسان والتقدّم ولقيم الدمقرطة والحداثة، وتحتفي بأفكار التمدن والتسامح والحوار، والمثاقفة والتواصل بين كافة الشعوب، مهما كانت ألوان بشرتهم، واختلافاتهم الجنسية والدينية واللغوية والثقافية.. بعيدا عن ثقافة التحجّر، وفكر التقليد المطابق والإقصاء المنهجي، وسلطة الرفض المجاني، والعنف اللفظي والاجتماعي المتعالي، كما مارسته شخصية الجدة "غنيمة" في الجزء الأول من الرواية وابنتها الحاملة لنفس نزعة السلطة المُهيمِنة شخصية "نورية"، تجاه راوي النص، وقيم تيمة الحق في الجزء الثاني من الرواية، دون أن تعيا بمحمولهما، وكذا مجتمعها الأنثوي المستلب المثالي، الباحث عن حلم عقل ذكوري في عالم الأوهام الفسيح المنفلت، الذي لا مكان له إلا في رؤوسهما الضئيلة.. 

من هنا نظرنا إلى نص ساق البامبو، باعتباره نصا تسلّح بالجرأة الفكرية في طرح سؤال السلطة كإكراه اجتماعي وسياسي، ضدّ نقيضه سؤال الحق في خوض الصراع الاجتماعي إلى أقصاه، سعيا لانتزاع ذلك الحق المشروع. وتفعل رواية ساق البامبو كل ذلك بالمساءلة والمناقشة والتفكيك، منتقدة وكاشفة في كل ذلك، عن مسألة سلوك وموقف السلطة المتعسّف، بمعناها الرمزي الاجتماعي والتقليدي، خاصة وأن عائلة الطاروف في النص، ليست "سوى النمذجة التي تتخذها الطبيعة الاجتماعية المقترنة بالحساسية القبلية في المجتمع الكويتي"(14) .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3812 المصادف: 2017-02-11 04:55:29