المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الرؤيا الجمالية في شعر بشرى البستاني (2)

1 - المغامرة الجمالية: ما من شك في أنه ما من متعة أسمى، ولا أرقى من متعة الجمال، والمغامرة الجمالية؛ فالفن مغامرة جمالية قبل أن تكون مغامرة إبداعية، ومغامرته الجمالية تبدأ من لحظة إحساسه، وصولاً إلى لحظة إنتاجه، واكتمال بذرته الإبداعية، وتقييمه، وروز قيمه الجمالية؛ فالفنان الجمالي هو خالق إبداعي يتحثث الأشياء، يتلمسها، يحركها، لينفث فيها روح الحياة من جديد، ولن يرقى الفنان في مغامرته الجمالية إلى آفاق إبداعية خصبة إلا حين يرتاد عوالم تخييلية جديدة، ويبتكر طرائق فنية جذابة في جعل منتجه الجمالي يحايث عوالمنا الداخلية، ليحرك فينا مشاعر قد خمدت، وآمالاً قد انقطعت، وكأننا خرجنا تواً من روتين الحياة، مصقولين بالموهبة، والشعور، والحس الجمالي، فالفنان ليس من مهمته على الإطلاق إبهارنا، ومفاجأتنا بمنتوجه الإبداعي جمالياً، بقدر ما من مهمته الرئيسة جذبنا إلى لذة قد فقدناها، وإحساس جمالي قد رانه الصدى طويلاً، وفجأة تحركت فينا المشاعر في أخاديدنا القديمة؛ واتقدت جذوة الجمال فينا من جديد؛ لحظة أن وجدناها في هذا الشكل الفني أو ذاك، فعادت جذوة المتعة والشرارة الإبداعية التي خمدت منذ زمن طويل لتصطلي من جديد في أعماق أعماقنا، وبهذا المعنى يقول جان برتليمي: "لست واثقاً من أن يكون لدى الفنان النية حتى ولو كانت لا شعورية- في منح الحياة والحركة لأعماله، كما تفعل الطبيعة بالحيوان، والإنسان؛ ولا أظنه يشعر بشيء من الألم إذا لم ينجح في هذا" (20) .

وهذا القول على ما فيه من مجازفة كبيرة، أو مغالطة قد تبدو للمتلقي منذ الوهلة الأولى، صحيح لأن المبدع –لا يأخذ باعتباره- أن يحرك الأشياء، وإنما يحرك الأحاسيس إزاء الأشياء، ويبعث فيها روح الجمال، أو روح النبض الجمالي في نمنمة الأشياء، وتشكيلها كما لو أنها مخلوقة من جديد، وتظهر لأول مرة، بحيويتها الخصبة، وألقها الجمالي، يقول (مالرو): " الواقع أن الفن يدخل بنا عالم الإبداع الفني الذي يحل محل عالم الواقع، التافه، اللاإنساني. والحركة التي يبديها الفنان حركة رجل ثائر ينافس العالم، ويضع في وجه هذا العالم عالماً آخر" (21) .

فالفنان لا يهمه فقط المغامرة، والمجازفة الجمالية، وإنما يهمه أن يبني عالمه الإبداعي بعيداً عن حيز الواقع الروتيني الممل الذي أنهكته القوى البشرية، والنظرة التافهة إلى حركة الأشياء، فالفن لغة تحطيم الأشياء، والخلوص من خلالها إلى فن الإخصاب الجمالي، ونمنمة الأشياء بصورة غير مألوفة، ولهذا، يبقى الفنان في رحلة اغتراب وقلق دائم، يجسد هذا القلق بشكل فني جمالي؛ وبقدر ما يرهقنا المبدع بتأزماته، وانكساراته الشعورية الحزينة، بقدر ما يمتعنا بلذة التجربة وجمالية التعبير عنها يقول جان برتليمي: " يعمل الشيء الجميل على إسعادنا وإنهاكنا في آن واحد" (22) .

فالفن الجميل هو الذي يهزنا من الداخل، وينهكنا في متابعة حيثياته الجمالية لتلمس مسبباته الجمالية وخلفياته الشعورية، فالفن الجمالي هو فن إثارة الغريزة المدهشة- حسب العالم الجمالي برادين: " إنها هذه الغريزة المدهشة الأزلية للجمال التي تجعلنا ننظر إلى الأرض، ومناظرها كملخص وتقابل للسماء. إن العطش الذي لا يروي لكل ما هو فيما وراء الدنيا، والذي تكشف عنه الحياة لهو دليل على أبديتنا، والروح ترى عن طريق الشعر، ومن خلال الشعر" (23) .

فالدهشة التي يثيرها المنتج الجمالي هي التي تحفزه وتثيره، وتبعث فيه اللذة الجمالية من جديد، ولذلك، تعد المغامرة الجمالية مغامرة إبداعية شاقة؛ لأنها تتطلب مهارة، ووعياً، وإدراكاً فنياً، وخبرة إبداعية حقيقية في تحقيق اللذة، والإثارة الجمالية، يقول برتليمي: " إن اللذة الجمالية تملأ كياننا الروحي، وتكشف عن مطالبه، في حين تشبعها في نفس الوقت، ولهذا، كان التأمل الجمالي علاجاً عظيماً لضجر الحياة، ولا نقصد هنا" الضجر العابر، أو ذلك الضجر الذي نرى منبته، أو هذا الذي نعرف حدوده، بل نقصد الضجر الكامل، أو السأم الخالص، السأم الذي لا يرجع إلى سوء الحظ، أو إلى العجز، والذي لا يختفي بظهور ظروف طيبة. أي ذلك الذي لا مادة له إلا الحياة نفسها... إنه هذا الضجر المطلق الذي هو في ذاته الحياة عارية عندما تنظر إلى نفسها بوضوح" (24) .

ومن أجل ذلك، تعد المغامرة الجمالية هي المحرك الشعوري الداخلي للتفرد، والتميز الإبداعي؛ وتأسيساً على هذا، فإن ما يستثير اللذة الجمالية هي المغامرة الجمالية في التقاط الشكل الفني المناسب والأسلوب الجمالي الرائق في التخييل الفني؛ من حيث بداعة العالم التخييلي المجسد، وغناه المعرفي؛ وبقدر ما تزداد المغامرة سموقاً، واختراقاً فنياً لأساليب جمالية معتادة، إلى آفاق خصبة من الإبداع والتخيل الجمالي، بقدر ما تزداد جاذبية المنتج الفني، وسحره الإبداعي، يقول جان برتليمي: " الفن موهبة.. وجدية الفن جدية تتحول إلى مأساة" (25) .

والفنان لا يمكن إلا أن يكون جاداً في مغامرته الجمالية في البحث عن أسلوب جديد، وطرائق تشكيلية مبتكرة، تساعده على الارتقاء بمستوى منتوجه الفني، بالارتكاز على أسس جمالية، تتفتق لحظة النشوة والانعتاق الوجودي القصوى، ولهذا لا تثمر المغامرة الجمالية، إلا بالارتكاز على محفزات ومثيرات فاعلة تعزز الموقف الشعري، وتستثير الحساسية الجمالية.

وما ينبغي التأكيد عليه أن فاعلية المغامرة الجمالية المؤثرة في قصائد بشرى البستاني تتمثل في مغامرتها بالشكل اللغوي، عبر النسق الجمالي المؤثر، والحياكة الفاعلة التي تعتمد الرشاقة والحساسية التعبيرية، والدهشة التصويرية التي ترفع سوية الأنساق، وتستثير الرؤية الصدمة، لدرجة التكثيف، والإثارة واللذة الجمالية على شاكلة قولها:

"تتهشَّمُ العبارةُ ويضيقُ الأفقْ..

وأبحثُ عنكَ في كل شيءٍ

فلا أجدُ في الغياب شيئا وأجدكَ في كلِّ شيءْ.

أتلمَّسُ أفياءَكْ

أغيبُ عنك لألتقيكْ.

أغيب لأتوحّد بكْ

أغيب فأتلعثم بأنوارك

أغيب فأجدك تفتح عينيك في شغف قلبي

أصمتُ فأسمعكَ في خلايايَ تدعوني" (26) .

إن المغامرة الجمالية تتبدى في الحنكة التعبيرية في بث الصورة الدافقة التي تفيض بحالتها الوجدية، وحالة الاستغراق الصوفي في الأشياء؛وكأن ثمة اعتكافاً في اللغة نلمسه على صعيد الاستعارات التي تفيض بدلالاتها ورؤاها ومداليلها الصوفية المكثفة للحالة الصوفية باحتراقها الشعوري، وكثافتها العالية، كما في قولها: [ أتلمَّسُ أفياءَكْ/أتلعثم بأنوارك/أسمعك في خلاياي]؛ إن هذه الأنساق فاعلة في مغامرتها الجمالية وإصابة المعاني الصوفية الملتهبة في توصيف الحالة بكل اتقادها واحتراقها الصوفي، وبثها الرؤيوي العميق، ودلالاتها المفتوحة على أشدها؛ ممايدل على وله مطلق في الكشف والإثارة والفاعلية والتأثير.

وقد تثبت مغامرتها الرؤيوية الناجحة عندما تشكل النسق اللغوي الاستعاري الخلاق في توصيف الحالة الوجدية أو الصوفية الملتهبة، والارتقاء بها جمالياً على شاكلة قولها:

"يا أشلاءَ العذارى المنثوراتِ على أرصفة الوحشة ِ

دثريني

بما يتساقط من عناقيد دمعٍ يلوّنُ عينيك ِ

وبأقواس قزح الحزنِ التي أستظلُّ بكِ منها،

بنقاء كل نبياتِ الكون ينهمرُ من طُهر وجهك..دثّريني

بأنوار غربة مريمية تسري

بوجعٍ عراقيٍّ ضاقتْ أزرارُ جروحه ِ

وخانه الإيجازُ والمجازْ." (27) .

لابد من الإشارة بداية إلى أن المغامرة الجمالية الفاعلة هي التي تحرك الأنساق الشعرية، وتكشف مؤثرات الرؤيا، وفواعلها النشطة داخل المتن الشعري؛ ولهذا، عمدت الشاعرة بشرى البستاني في قصائدها إلى شعرنة الأنساق التصويرية الدالة التي تتحرك بكل اتجاه؛ مما يدل على حرفنة جمالية تشكيلية في اختيار النسق الجمالي المتحرك على مستوى الدلالات، والصور الموحية بدلالاتها ومؤثراتها الجمالية، وهاهنا، تشتعل الرؤيا الشعرية جمالياً، بالارتقاء بالمشهد الصوفي، إلى آفاق رؤيوية، منفتحة في إحساسها وبريقها الجمالي؛ من خلال زخم الدلالات التي تفيض بها كل صورة على حدة؛ معبرة بقوة عن وقعها الجمالي، وإحساسها المتقد، على شاكلة الصور التالية: [ يا أشلاءَ العذارى المنثوراتِ على أرصفة الوحشة ِدثريني/ بما يتساقط من عناقيد دمعٍ يلوّنُ عينيك ِ /وبأقواس قزح الحزنِ]؛ وهذا يعني تعدد المعطيات الدلالية والصوفية الفاعلة التي تتحرك بكل اتجاه، لإبراز حركية النسق وتناغمه مع الموقف الشعري، وإحساسها الصوفي اللاهب بالتوق والصبابة والوجد العميق.

ومن فواعل الحدث الجمالي والمغامرة الجمالية الآسرة في قصائد بشرى البستاني تنويع الاستعارات، والأنساق التصويرية المتحركة لتشتغل على الحدث الجمالي والمشهد المتوتر، كما في قولها:

"وأعرّيك بأصابع اللهب فتُقبلينْ.

وأقولُ.....

أحبك ِ،

فينفرطُ الرمانُ، وتشتبكُ الأضواءُ بالألوانْ

وتقولين للتقوى، هيت َلكِ.

وللمعصية...تزلزلي.

والمعصية ُهذه الوحشةُ الموصدة ُعن اليقين

واليقينُ حضورُكِ في أمن صدري

حيث تبتدئ صحارى الكون ِ،

وترتعشُ بالنشوةِ الجذورْ" (28) .

من الملاحظ أن مؤثرات المغامرة الرؤيوية الناجحة في أية قصيدة- على الإطلاق الرؤيا العميقة والدلالة المزدوجة البليغة التي ترمي ما وراء الملفوظ الظاهر إلى جوهر الرؤيا ومحورها الارتكازي؛ وهذا يعني أن محركات الرؤيا الحدث الجمالي، والإحساس الرؤيوي الخلاق؛ وهذا ما ارتكزت عليه القصيدة في سيرورتها وحراكها الجمالي، مما يدل على حرفنة، بالانتقال من نسق إلى آخر؛ ومن متحول جمالي، مؤسس على التناغم، والاتقاد العاطفي إلى حدث جمالي آخر؛ من خلال عمق الاستعارة الملتهبة (أعرّيك بأصابع اللهب فتُقبلينْ.وأقولُ.....أحبك ِ، فينفرطُ الرمانُ، وتشتبكُ الأضواءُ بالألوانْ/ اليقين حضورك في أمن صدري) ؛ وهذه الاستعارات بدلالاتها الصوفية تفتح آفاق المعاني والدلالات المضاعفة، لتؤكد مخزونها الجمالي، وحراكها النصي.

وما ينبغي ملاحظته أن المغامرة الرؤيوية الناجحة هي التي تفتح آفاق مداليلها على ماهو ماورائي، أو غير ملتقط، في اللغة والحساسية وبداعة التعبير، أي تلك الرؤيا المواربة أو المخالفة في نسقها، والتي- بدورها- تعزز بكارتها وعمقها من عمق متغيرها أو مؤثرها الجمالي الخلاق الذي تقوده في نسقها، وتعززه في خانة موقفها، وحدثها، وحالتها الشعرية المجسدة؛ولهذا تتنوع فواعل الرؤيا الشعرية في قصائدها جمالياً، باختلاف مؤثرها اللغوي البليغ المزدوج الدلالة، الكثافة، والإيحاء، كما في قولها:

"روحي وردةٌ وروحك الماءْ

وصوتك المعنى

وأنت... مضمرٌ في تلافيف أحبُّك،

في ضمتها المقفلة على الباء

في اللهب الحامل على أجنحته أساورَ الموج،

في حرير تشرعه الغيماتُ إذ تجيء إليْ" (29) .

إن هذه الفاعلية في التلاعب بالمحسوسات، لاجترار المجردات والمعاني الماورائية البعيدة من خصوبة الشعرية وفواعلها المؤثرة في تعضيد شعرية الرؤيا البليغة، ومرجعيتها الخلاقة، وهنا، تلتقط الشاعرة المؤثرات الجمالية البليغة في نسقها الصوفي المشتعل دلالة وخصوبة، وفاعلية، وإيحاء، كما في قولها: [روحي= وردةٌ/ روحك = الماء]، إن هذا المزج ما بين المحسوس، والمجرد، في بنية الصورة عبر الجسد اللغوي المتقد الذي يتضمنها من فواعل الرؤية الجمالية، والمخيلة الخلاقة، وكأن الشاعرة تتخير اللقطة التعبيرية الخلاقة في تصوير عمق الحالة الصوفية وانفتاحها الجمالي، مما يدل على شعرية خلاقة في هذا الشكل أوذاك، وهذا النسق التعبيري أو النسق الآخر؛ وهكذا، تتأسس فواعل الرؤيا الصوفية في قصائد بشرى البستاني على الدلالات المراوغة والحدث الجمالي المثير، والمغامرة الناجحة في ارتياد آفاق دلالية خصبة في الخلق والتعبير الجمالي الآسر.

2 - الصدمة الجمالية أو الحدث الجمالي الطارئ (المفاجئ):

لاشك في أن لكل فن صدمته الجمالية، ولعل من أولى مهام الرؤيا الجمالية إحداث الصدمة الجمالية، إثر مشهد، أو صورة، أو نسق لغوي جذاب؛ يستثير الحساسية، والرؤيا الجمالية؛ وهذه الصدمة هي التي تفعِّل الرؤيا الجمالية، وتحقق متغيرها الإبداعي الخلاق؛ ولا نبالغ إذا قلنا:

إن أي منتج إبداعي مؤثر يتمتع بروح الفن، أو روح المتعة الفنية لا بد وأن ينطوي على صدمة جمالية، أو صدمة إيحائية؛ حفزته، وأكسبته قيمته الفنية، أو الجمالية؛ وغالباً ما تأتي هذه الصدمة الجمالية إثر الحدث الطارئ، الذي يقدح الشرارة الإبداعية؛ كما قلنا من قبل؛ ولهذا، عمد عدد من الفنانين التجريديين إلى ممارسة بعض الأفعال التجريدية، لاستحداث الصدمة الجمالية، للرقي بنتاجاتهم الإبداعية، ولوحاتهم الفنية إلى منتهى المتعة، واللذة الجمالية، وهذا ما نوه إليه عالم الجمال (جان برتليمي) بقوله: " ألا يحكى أن (ماكس إرنست) كان يحك لوحته على الأرض، ويستخدم ما تقدمه له المصادفة الرئيسة نتيجة هذا الاحتكاك بين اللوحة والأرض، ليبني خيالات شيطانية مذهلة؟" (30) .

وبهذا، فإن التجريديين سعوا عبر تقنية التجريد، إلى البحث عن المصادفة، لعلهم بذلك يجدون طريقة لصناعة المصادفة الإبداعية، أو الصدمة الجمالية التي تحرف مسار الفن، وتخلق المتعة الجمالية الخاصة؛ يقول (ريفردي) : " إن الفن يبدأ حين تنتهي المصادفة؛ ومع هذا فإن كل ما تجلبه المصادفة يضفي عليها ثروة جديدة .. ودون هذه المصادفة، بصفتها مصدراً لن تبقى إلا القواعد الثابتة" (31) .

فالفن- إذاً- هو نتاج لحظة انحراف أو تصادم شعوري مع المعارف، لاكتساب اللذة الجمالية، أو الفن الإيحائي الهادف.. وتبعاً لهذا، يعد فن الشعر من أكثر أنواع الفنون غنىً بالمصادفات، أو الصدمات الجمالية، لأنه الفن الجمالي الأرقى بين الفنون؛ يقول (سترافنسكي): " إن المبدع الحق لا يحتاج إلى الجري وراء شيء يبحث عنه ليكتشفه.. لكن المعروف هو أن الذي يثيره- دائماً- ويدعوه للعمل هو أقل حدث يسترعي انتباهه.. حدث يقود عمليته، ويوجهها. فإن انزلقت إصبعه مثلاً التقط هذه الانزلاقة العشوائية، واستخرج منها فائدة، أو استبان عيباً" (32) .

وبهذا التصور، فإن الصدمة الجمالية/ أو الحدث الطارئ (المفاجئ) عنصر إبداعي تحفيزي بارز في المجازفة الفنية، أو المقامرة الجمالية، وبقدر ما ينتشي الفنان بالصدمات الإبداعية، التي يولدها في منتجه الفني بقدر ما يستثير الاهتمام، وينتج الإبداع الإيحائي المؤثر، وتبعاً لهذا يقول: " فإن الفنان لا يخلق الحدث الطارئ، بل هو يلاحظه، ليستوحي منه، ولعل هذا هو الوحي الوحيد له.. فمؤلف الموسيقى يبدأ في تأليف دوره، كما يبحث الحيوان عن شيء يأكله.. ونحن نبحث وننتظر... نبحث عن لذة تقودنا، توجهنا في هذا حاسة خاصة.. لكننا قد نصطدم فجأة بعقبة مجهولة، فنشعر بصدمة تعمل على إخصاب قدراتنا الإبداعية" (33) .

إن الصدمة الجمالية إذاً- هي الصدمة الفاعلة في تحفيز المبدع والمتلقي في آن. الأول (المبدع) في خوض المقامرة الجمالية الهادفة، خوضاً فنياً إبداعياً (غير متوقع) ؛ والثاني (المتلقي) في خوض المقامرة الجمالية الهادفة عبر كشف المنتج الجمالي، وتفكيك جزئياته، لكشف مغرياتها، ومحفزاتها الجمالية، يقول (ريفردي): "إن هذا التعاون الذي تقدمه المصادفة غير المتوقعة مليء بإمكانات لم تكن قائمة، ولم تبحث عنها، وهي تأتي في ميعادها، لتخفف من جفاف ما قد يكون جافاً في الأعمال الصادرة عن إرادتنا الهادئة" (34) .

وهنا، لا بد من التنويه إلى أن الصدفة الجمالية أو الحدث الطارئ لا يزيد فاعلية المقامرة الجمالية إثارة إلا حين يتم التقاطها من مبدع جمالي حساس، قادر على التقاطها، وترجمتها بالأسلوب جمالي يستطيع أن يولد من هذا المثير طاقة إبداعية خلاقة لا غنى للمنتج الفني المقامر جمالياً الاستغناء عنها، يقول (سترافنسكي) : " إن القدرة على الملاحظة والإفادة من مزاياها أمران لا يتمتع بهما إلا من كان متملكهما، أو على الأقل في المجال الذي يعمل فيه " (35) .

وما ينبغي التأكيد عليه أن الصدمة الجمالية أو الحدث الطارئ هي بمنزلة المادة الإبداعية الخام، فهي بحاجة إلى مبدع متمرس، حساس قادر على تحويل هذه المادة بمغامرته الجمالية، ومقامرته الرؤيوية إلى منتج إبداعي مثير، يقول جان برتليمي: " إن أحسن ما يمكن أن تقدمه المصادفة للفنان هو أن تقترح عليه فحسب، وعليه بعد ذلك، أن ينظم ويؤلف ويكون. لذلك لن تكون هناك مصادفات سعيدة[ مفيدة] إلا بالنسبة لرجل يعرف كيف يلتقطها ويفيد منها" (36) .

فالمهارة في تحويل هذه الصدفة إلى منتج فني مؤثر هو الذي يحدد نجاح المبدع في مقامرته الجمالية، أي أن المقامرة الجمالية تكتسب أهميتها من قدرة المبدع على الارتقاء بالمنتج الجمالي إلى حيز إبداعي ممتشق فنياً؛ فالصدفة الجمالية أو الحدث الطارئ بمنزلة شيك بلا رصيد، تمليه ثقافته ومهارته في تمويل المنتج، وإكسابه رصيده الجمالي الإبداعي المؤثر.

ومن يطلع على تجربة الشاعرة بشرى البستاني يلحظ الصدمة الجمالية التي تثيرها قصائدها على مستوى الأنساق التصويرية المراوغة في حسها الجمالي، وتشكيلها الفني المراوغ، هذا يعني أن من فواعل الرؤيا جمالياً احتشادها بالصدمات التشكيلية التي تباغت القارئ، وتحفزه جمالياُ، كما في قولها:

"أشدُّ بضفائركِ عروقَ قلبيَ كي لا تفرّي

وأدخلُ قلبك فردوسَ الفراديس

في الفجر أشدّكِ إلى النيران كي تنطفي،

وأقرأُكِ في الليل على ضوء الينابيعْ" (37) .

هنا، تلفتنا الشاعرة بصدماتها التشكيلية المراوغة، وحنكتها على مباغتة القارئ بالنسق الملتهب جمالياً للدلالة على اتقاد الحالة الصوفية، وكشف مغرياتها عبر الاستعارة الصادمة، أو النسق التشكيلي المراوغ، كما في النسق التالي: [ في الفجر أشدّكِ إلى النيران كي تنطفي، وأقرأُكِ في الليل على ضوء الينابيعْ]؛ فالصدمة التشكيلية اللافتة (ضوء الينابيع) أدت دوراً جمالياً في تفعيل الحالة الصوفية بكل فيضها وإيحائها الجمالي؛ وهذا الاشتغال على الاستعارة الصادمة والنسق اللغوي الحساس هو ما يعزز من شعرية القصيدة، ويرفع من وترها الجمالي الذي يفض رقة وحساسية جمالية، وقد جاء قول الناقد العراقي علي جعفر العلاق صائباً في الدلالة على توجهات القصيدة لديها وفواعلها الشعرية، إذ يقول: "تحتشـد قصيـدة البستاني بكل ما يمنحها القدرة الاستثنائية على البوح تارة، والتمزق المأزوم بالوحشة تارة أخرى . يتم كل ذلك في مـــزيج دلاليّ عصيّ على الفصم، وهكــذا فإن قصـيــدة البستانيّ تــذهب إلى هدفها دونما جهــــد تــزويقيّ مفتعل، تذهب مثقلة بالغضب أو مثقـلــة بالعذاب، صـادقـة في كلتا الحالتـين إلى أبعـد الحــدود. وهنا مكمن العـــذوبة في قصيدتها دوما" (38) .

وهذا القول يشير إلى دقة المرجعية الجمالية التي ترتكز عليها قصائد بشرى البستاني، لاسيما في مجال الابتكار والخلق النصي، وإثارة الصدمات المفاجئة في إلها ب الصورة والنسق اللغوي في السياق النصي، كما في قولها:

"في الليل ترسم خرائط َعمري.

ملونة ًببلاغة أصابعك

في الليل تنبثق أسرارُك وأشجارك في دمي

أقرأك على شعاع نغم خافت..

وأقول للطائف: اقتربي

لنحاصرَ المحنةَ، ونكسِّرُ عُراها.." (39) .

لابد من الإشارة إلى أن فاعلية الرؤيا الجمالية – في قصائد بشرى البستاني- تتمثل في الصدمات التشكيلية التي تخترق الرؤيا المباشرة لتصيب الرؤيا العميقة، والدلالة المباشرة لتخلق الدلالة الخفية أو الدلالة الفاعلة في التحفيز النصي؛ مما يجعل النسق الشعري –لديها- نسقاً مراوغاً متحركاً برؤى ودلالات مفتوحة على أشدها؛ ممايدل دلالة أكيدة على مرجعية الرؤيا ومحفزها الجمالي، وهذا يدلنا على أن شعرية النسق الجمالي تتمركز على فواعل الرؤيا الصوفيسة ومؤثراتها التي تبعث الإثارة بالصور الملتهبة لإيحاءات والدلالات المراوغة كما في قولها:

"أعرني انتباهك

لأتعلق بغصون النور المتدلية من عينيك

وأطلقَ راياتِ حزني المشتعلِ في عشب صمتك

متسائلة عما وراء الأكمة من مخاض" (40) . (105-106) .

هنا، تبدو الأنساق متفاعلة في بث الحالة الصوفية، وكأن الصدمة التشكيلية في نسقها تؤسس ذاتها لتخلق نوسة جمالية في المسار النصي؛ وهذه الزحزحة والنوسة الجمالية من شأنها أن تشعرن الرؤيا وتخلق مؤثرها الجمالي الخلاق، مما يدل على أن من فواعل الرؤيا الجمالية الخلاقة تنويع الرؤى والدلالات وإثارة الأنساق الصادمة في وقعها، كما في الأنساق التشكيلية التالية: [ عشب صمتك= رايات حزني= غصون النور المتدلية من عينيك]؛ وهذه الأنساق تعبر بعمق عن الحالة الصوفية بانفتاحها ورؤاها العميقة.

وقد تنوع الشاعرة في مسارب الشعرية عندما تنتقل من إطار الصدمات الجزئية لتخلق الصدمة التشكيلية في الرؤيا الشعرية ذاتها، أي تخلق صدمتها في الرؤيا الجوهرية المحركة للمشهد الصوفي بحراكه وإحساسه العميق، كما في قولها:

"آه.. جبلي شاهقٌ وعلى استحياء يكشف يواقيته

وجبلك الغيابُ يرتدي شجر الزيتون ثوباً

فأتدحرج على سفح نجومه

وأتضرع تحت أكاليل ورده: أطلقني

لأسقيَ بذور الوديان بكؤوس من ذهب

وأخلعَ قميص العتمة عن بحرك اللجي

وادخلَ حدائقه لأضيعَ في الشعاب" (41) .

إن الصدمة الجمالية هنا تنتقل من إطار النسق الجزئي، لتدخل صلب الرؤيا، وهي بدلالتها تعبر عن فيوضاتها الوجدية لتتيه في شعاب التجلي الإلهي، وحدائق الوصال، ولتظفر بكأس الرضى، والقبول، بعد ليالي التيه الضياع، وعناء البحث الشاق المضني، وهكذا، تؤسس الشاعرة بشرى البستاني فواعل الرؤيا الجمالية في قصائدها على الأنساق التصويرية الصادمة في سياقها النصي، لدرجة تحفز النص، وتستثير حساسيته الجمالية، وهذا يدلنا على أن إثارة الصدمة الجمالية في نسقها يحقق للمشهد الصوفي أو الحالة الوجدية قمة الإثارة والخصوبة الجمالية.

وتأسيساُ على ما تقدم يمكن القول: إن تفعيل الرؤيا الجمالية – في قصائد بشرى البستاني- ينطلق من الأنساق الصادمة التي تفاجئ القارئ في سيرورتها واستراتيجيتها الدلالية لتخلق متغيرها الجمالي الآسر؛ وهي بذلك ترتقي بالحدث والمشهد الصوفي الذي تجسده بحراك دلالي وتكثيف إيحائي بالغ الاختلاف والتنوع.

 

................................

هوامش

(20) برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، ص 240.

 (21) المرجع نفسه، ص 584-585.

 (22) المرجع نفسه، ص 385.

 (23) المرجع نفسه، ص 385.

 (24) المرجع نفسه، ص 384.

 (25) المرجع نفسه، ص 387.

 (26) البستاني، بشرى، 2014- البسي شالك الأخضر وتعالي، دار فضاءات، ط1، الأردن، ص45.

 (26) المصدر نفسه، ص35.

 (27) المصدر نفسه، ص46.

 (28) المصدر نفسه، ص18-19.

 (29) المصدر نفسه، ص 166.

 (30) برتليمي، جان، 1970 –بحث في علم الجمال، ص165.

 (31) المرجع نفسه، ص 167.

 (32) المرجع نفسه، ص 167.

 (33) المرجع نفسه، ص167.

 (34) المرجع نفسه، ص 167-168.

 (35) المرجع نفسه، ص 168.

 (36) المرجع نفسه، ص 168.

 (37) البستاني، بشرى، 2014- البسي شالك الأخضر وتعالي، ص88.

 (38) المصدر نفسه، ص75.

 (39) المصدر نفسه، ص101

 (40) المصدر نفسه، ص105-106

 (41) المصدر نفسه، ص 106-107.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3850 المصادف: 2017-03-21 02:51:12