المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الشاعر العراقي عبود الجابري والكتابة بعيون طفل!

1015 abudالشعر نوع استثنائي من الخطاب. في هذا الخطاب تكون اللغة العمود الفقري، لكن اللغة لا تكون شعرا بمجرد تحولها الى خطاب، فالخطاب يتعدد بتنوع استخداماته.

احدى سمات لغة الشعر انها لا تفضي الى معرفة، بل الى الكشف عن سعة وعمق التجربة الانسانية والاحاسيس والتصورات المصاحبة لها. وليس هناك اكثر تجليا لهذا الامر عندما نقرأ لشاعر يكتب عن نفسه واحساسيه ووجوده الانساني بعيون طفل. الطفل يحيلنا الى عالم آخر، تتحول فيه اللغة الى بلورات قزحية تضيء دهشة الطفولة التي تقربنا، و الى اقصى حد،  الى تلك الاماكن الصافية في حياة الانسان وتجاربه، ناهيك عن انها لغة تحتفل بتجربتها الخاصة، تجربة الشاعر، وعوالمه.

صوت الشاعر .. رؤية الطفل:

يمكن القول ان قراءة ديوان "متحف النوم" للشاعر العراقي عبود الجابري، الصادر عن دار فضاءات، عمان، عام 2012، تترك شعورا بان قصائده من هذه التجليات الحسيّة التي تتشكل في اللغة عبر رؤية طفل. فحتى حين يحاول الشاعر ان يدفع الحس الطفولي عن قصائده في مسعى كي تبدو في عمر أنضج، فإن هذه الطفولة تبقى مرافقة الى حد الذوبان في طيّات القصيدة، ولا تكشف عن نفسها الاّ عند قراءة ممعنة، وهي تتجسد في رؤيةٍ للاشياء بطريقتها الخاصة:

" قل

تعالوا نقرأ الايام

بمرآة واقفة على رأسها

لكم ما أنا فيه

ولن اطلب منكم سوى ما انتم فيه " ص.7

او حين يحلم:

" أرسم حصانا

أتراني

أحلم بفروسية الغبار ..؟" ص.15

او حين يكتب:

"حين سقطت

لم أحدث رنينا

لذلك

لم يلتفت لي احد" ص.11

تجتذب الطفل الاشياء المثيرة غير العادية، فهو يقرأ الأيام بمرآة واقفة على رأسها، وهو لا يطلب الكثير، فعالمه يكفيه، وفي هذا الاكتفاء، الذي يرمز الى الحدود التي يعرفها ويطمئن اليها، و لا يطلب اكثر منها.علاوة على ذلك، إنه يتصور نفسه خفيفا، بلا رنين مثل خفة الشاعر ذاتها، غير مرئي، في لعبة يعرفها هو وحده، تؤكد وجوده، بحركة سقوطه واعلانه عن هذه الحركة، غير معني بالرنين- الآخرين، الذين لم يتلفتوا اليه، بل بمتعة مقصودة؛ أن يكون بلا اثارة خارجية. ربما انها المتعة التي تروق له رغم عزلتها وتجاهل الاخرين له، وهي متعة تتجدد متجلية بصورة أخرى، حين يتطلع من خلالها هذا الطفل - الشاعر الى هدف صعب، وهو يعاين الاشياء والوجود:

" مطرقا

أنتظر  وصول الشمس

لعلّي أرى  شيئا

يلمع في سواد التراب " ص.14

هو لا يتطلع كأي طفل آخر الى الشمس البعيدة، بل يكتفي بهذا الانتظار الذي يروم اكتشافَ شيء لامعٍ في سواد ما هو أرضيّ، قريب، معرف، أليف، ربما يمنحه معنى ما، ويصير عنصرا في صيرورة حياته. وهي حياة لا تخلو من إثم، لكنه إثم عاشق، رؤوف يفيض فيه حنان الطفولة الشفاف الى امرأة، يختلط مذاق دمعها بتلك المرارة التي يحملها هو؛ تمثال الملح، الذي عاقبه الله عقابا، يضفي عليه الشاعر صفة رومانسية، بعبارة المطر ليخفف ضراوة صورة العقاب:

" أنا تمثال الملح

الذي عاقبه الله بالمطر

عرفت ذلك

حين تذوقت دمعك

في يوم ماطر " ص.12

في مخيلة الطفل تمتزج الصورة المادية " تمثال الملح" والصورة الحسية المتخيلة التي تكثف حالة العقاب " حين تذوقت دمعك في يوم ماطر ". وهذا الامتزاج يربط بين زمنين؛ الحاضر والماضي، وربما مكانين تلخصهما تجربتان،  لكنه يبقى شاخصا عند حيز الطفولة، الى درجة يتم فيها اختصار هذا التزاوج الى حالة لا ترصدها الا عين طفل تبقى عالقة بطعم الدمع المالح في يوم ممطر. في عين الطفل تتحول رؤى الاشياء والتجارب الى روائح او صور او اصوات، ويذيعها علينا صوت الشاعر.  وفي هذه التحولات تكون الحواس مشرئبة نحو كل شيء مختلف، جذاب او  يترشح من الألم. على الرغم من أن مفهوم العقاب الشائع سلبي، فإن الشاعر يتمكن من خلق صورة شعرية ايجابية، معاكسة، غير مؤذية ..لا نرى هنا عقابا تصاحبه خدوش او ألم او دم، بل يصاحبه ذوبان يرمز الى رّقة وحساسية الذات التي تتألم ؛ الطفل- الشاعر. وهكذا نعثر في هذا النص الشعري  على صوتين؛ صوت الشاعر وصوت الطفل او رؤيته كونه " لا يتسم فقط بحقيقة كونه ممثلا بل إنه يحيل، بصورة متوافقة، الى سياقين من سياقات النطق: سياق النطق الحاضر وسياق النطق الذي مضى."(1)

وهو امر يتكرر في قصائد اخرى ايضا، إذ  لا تقتصر الثنائية في العديد من القصائد على الزمن او المكان، بل تتعداه الى ثنائية الحدث- التاريخ ومفاراقاته:

"فكهرمانة لم تكن

تصب الزيت الساخن

على رؤوسهم

كان ماءا باردا

غسل اللصوص به وجوههم

وانتشروا في شوارع بغداد "ص.95

اوثنائية الصورة:

لا اعرف اللازورد

كنت الوّن التراب بماء طفولتي " ص.61

او حين يتلوع مناجيا ربه في صورة مفارقة:

" أنا لستُ سوى ذلك الذي تعرفُ

قلب يتملل في جسد ناحل

وقدمان تتبعان صورة المجداف في الماء " ص.44

ثم ثنائية المسافة:

" متى تلوذين بالقلب

حين تكونين في مرمى البصر؟ ص.128

وفي كل هذه المقابلات اللغوية والصورية نكتشف مفارقات وجودية وانسانية تنفتح على شفافية شعرية تتوسل الدهشة واسئلتها كادوات للاطلال على عالم الشاعر ودواخله.

أسئلة الدهشة:

تحيلنا هذه الشفافية، شفافية الطفل- الشاعر، على هذا النحو، الى انشغالاته  الخاصة والعابة، إذ تتحول هذه الالعاب، وهي أخيلة،  في احيان كثيرة، الى شكل أسئلة تنقب عن معانٍ كبيرة ليس بمقدوره ان يجد لها تفسيرا، او على الاقل، انه يطرح اسئلة مندهشة، حائرة، تنفتح على غرائبية معقدة ذات أفق طفولي، انها اسئلة الطفولة، التي تبدو في ظاهرها ساذجة، لكنها في عمقها ذات بعد فلسفي عفوي:

" أين ستذهب هذه الحمامة ..؟

حين يشيب جناحاها

ويشيخ منها الهديل " ص. 19

في هذه الشفافية تنساب ما يوازيها من لغة طريّة، تلمع فيها براءة ورؤى الطفولة، عبر تصورات تهيؤ لنا  مدخلا للعبور الى عالم الكبار الصعب و المعقد، واحيانا الى آلامهم و ذكرياتهم المريرة، دون ان تفقد مخيلته فكرة عن

"الجرح القديم

يشبه سكينا جديدة

له حواف لامعة

ربما لانه مقطع طولي

من حياة

عبرت جلودنا " ص. 27

لكنه يفضح مفارقات الكبار، حين ينشغلون بالبحث عن تفاصيل اخرى لا تمت بجوهر القضية المعنية:

"في اللغة

غالبا ما نننسى الخيط ونوغل في تفاصيل العصفور المقيّد

ننسى الرصاص

ونحتفي بحزن امهاتنا " ص. 29

نحن نحيد عن المتن- الخيط، أس المعضلة، لنفتش في الهامش - تفاصيل التقييد.  ننسى فزع الرصاص والموت المحتوم المرافق له، ونضيع في حزن الامهات. وكلّ ذلك يحدث في اللغة، باعتبارها وعاء التجربة وادوات التعبير عنها والتواصل بها.

لغة الشعر وممتلكات الطفولة:

في كل لغة شعرية هناك اقتراب ملحوظ، الى حد  ما، من توصيفات الطفل لممتلكات عالمه. الشاعر، مثلما الطفل، لا يحاكي الواقع، رغم ان كليهما يستخدمان "الكلام في هذه المحاكاة". انهما يعيشان في حالة دهشة وانبهار في صيرورة اكتشافهما للواقع، ولهذا فهما يبتعدان في هذا السياق عن استنساخ الواقع ومحاكاته المباشرة، حتى يمكن القول باطمئنان الى انهما يحاكيان " كائنات وافعالا ليس لها وجود ."(2). وهذه المحاكاة الابداعية هي نوع من البحث عن الحرية، او كما يقول الشاعر الجابري:

" أحاول أن اركل اليوم المكرر،

وأن احرر اصابعي " ص.39

لا تغيب عن هذه اللغة الرائحة، العشب، العصفور، النهر، الضفاف، الريح، الصباح، الشمس، الغمامة،الظلال،  النهار، المرأة الحبيبة والام .. انها مخيلة الطفل الغضة ومفرداتها التي تفيض بشعرية آسرة، كأنها تريد ان تأخذنا بعيدا عن خراب العالم والاشياء والناس، مكتفية بافق الطفولة الرحب:

" ساصيرُ نهرا

عندما تكونين النبعُ في الولادة

والمصب عند الممات " ص.104

او

" نومك يجعل الشمس تنجب نهارا حزينا

وشوارع بلهاء

ونوافذ باكية "ص.60

وحين يواصل في مقطع آخر كاشفا عن الفقدان وخيبة البلوغ :

" لم تعد سماؤك في متناول اجنحتي

أنا طائر قديم" ص. 59

يستخدم الشاعر اللغة استخداما خاصا ويتوقف نجاحه في كتابة نص شعري على بلوغ هذا الهدف. وما اعنيه بالاستخدام الخاص للغة، هو قدرته على تطويع اللغة لاستنطاق المعاني والاخيلة التي تضمها الرؤى والافكار النيئة لذلك الطفل الذي ما يزال يسكن الشاعر. وفي هذه القدرة على تطويع اللغة تتجلى شاعريته. يشير رومان ياكوبسون في كتابه قضايا الشعرية الى ان " الشاعرية تتجلى في كون الكلمة تُدركُ بوصفها كلمة وليست مجرد بديل عن الشيء المسمّى ولا كأنبثاق للانفعال. و تتجلى في كون الكلمات وتركيبها ودلالتها وشكلها الخارجي والداخلي ليست مجرد أمارات مختلفة عن الواقع، بل لها وزنها الخاص وقيمتها الخاصة" (3)  من هنا، فان تطويع الكلمة شعريا، هو في المحصلة،  ليس عكسَ صورة الواقع، او الاغتراف من الاحاسيس والمشاعر المنبعثة للتو،  بل عبر منحها حياة  مستقلة خاصة بها. وهو الامر الذي تحقق، والى درجة كبيرة، في العديد من قصائد الجابري .

" كلّ صباح،

أعد لك حروفا مترفة

أرتبها في جمل مرتبكة

أعرف انها ستضيع

حين ينشغل لساني بترطيب شفتي." ص.33

يمكننا ان نتتبع هنا واقعا يعرفه اكثرنا، الا انه واقع غير مادي، انه واقع تخلقه الكلمات وتسمو به يخيل لنا انه اصبح امرا واقعا مألوفا. او حين تتحول هذه الكلمات الى صورة شعرية تنأى عن الفتها المعرفية الراسخة في الذهن عن "فكرة الجاذبية "، ليقدم لنا ثيمة مغايرة:

" كيف سأكتب عن الجاذبية

وغصنك يزداد ميلا

ولا تسقطين " ص.132

او في لجوئه الى الفلسفة ليتلاعب بالكلام وينتهي الى نفس الفكرة التي تكشف لنا موضوع العزلة:

" لست وحيدا ابدا،

كلّ ما في الامر

أنني صرت رفيقا لوحدتي " ص.130-131

وليس من الصعوبة بمكان أن نعثر في شعر الشاعر الجابري على ما يتسم باحتفالية التجاوز، العبور من النوم المؤقت الى الصحو الباهر، الا  انها احتفالية يقيّدها بعض الشيء من التقريرية والوصفية اليومية:

" حين صحوتُ

وجدتُ كلّ شيء على حاله

الولد الذي نتظر عصير البرتقال

البنات اللواتي

يكرهن نوم الاب في غلائل النهار ."

اشارة اخيرة

وهكذا نرى ان الشاعر عبود الجابري قدم لنا، في ديوانه الراهن، تجربة جمالية شعرية ممتعة، سعت الى الحفاظ على مسافة متجاورة بين وعي الشاعر وانضباطه وبين لاوعي شاعريةٍ طفوليةٍ تستمد مصادرها من رؤاها الخاصة .. وبهذا يكون قد حقق توازنا، باستثناء بعض القصائد، التي طغى عليها الهم السياسي وانشغلت بموضوعات السياسة، حيث حل فيها عالم الكبار الخش، واختفت عنها عين الطفل المارقة المحلقة الباحثة عن الخيال والغرائبي.

 

قحطان جاسم

............

الاستشهادات المشار اليها دون احالة الى المصدر هي من: عبود الجابري، متحف النوم، دار فضاءات، عمان، 2012

المصادر:

1) تزفتيان تودوروف، ميخائيل باختين- المبدأ الحواري، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996، ط.2.ص.139

2) سفتيان تودوروف، مفهوم الادب ودراسات اخرى، ترجمة عبود كاسوحة، دمشق: منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، 2002، ص8

3) رومان ياكوبسون، قضايا الشعرية، ترجمة محمد الولي ومبارك حنوز، المغرب، الدار البيضاء، دار توبقال، 1988، ص.19

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3861 المصادف: 2017-04-01 06:34:25