المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

تأثر المجتمع الاسباني بالرواية الصعلوكية

ولم يظهر الأدب الصعلوكية في إسبانيا إلا تأثرا بالفن الشعبي العربي بالأندلس، ولاسيما ظهور طبقة اجتماعية من الشطار العرب المسلمين المهمشين المشردين الذين آثروا حياة الصعلكة والبطالة والتمرد عن قوانين المجتمع والسلطة، وكانوا يعيشون على حافة المجتمع سواء بالأندلس أم في ربوع أخرى من العالم العربي الإسلامي التي انفتحت عليها إسبانيا . ويقضي هؤلاء الشطار (Picaros) حياتهم في التسول والارتحال والغناء وممارسة الكدية والاحتيال قصد الإيقاع بالآخرين من أجل الحصول على المال أو الحب أو لقمة العيش. وكان هؤلاء الصعاليك المحتالون المرحون يسمون في الثقافة الإسبانية بالمورو Moro . وتحضر صور هؤلاء كثيرا في الرواية الشطارية الإسبانية، إذ يقول أستاذي الدكتور محمد أنقار:" لم تكن الرواية الشطارية الإسبانية تتبلور، من حيث هي نوع سردي، بعيدا عن التيارات والأنواع الأدبية كالغنائية والمسرح الشعري والقصة الموريسكية، والقصة العاطفية أو الرعوية التي حفلت كلها بصور غزيرة للمسلمين والعرب والمغاربة خلال القرنين: السادس عشر والسابع عشر[1].

إلا أن مما يلفت النظر في الرواية الشطارية هو ضآلة صور المورو على الرغم من أن الظاهرة الموريسكية لم تكن قد تلاشت نهائيا خلال تلك الفترة. ويتعلق الأمر على الخصوص بالروايتين النموذجتين"لاثاريو" و" تاريخ حياة البوسكون""[2].  وتعتبر رواية لاثاريو دي تورميس" نموذجا شطاريا في إدانة المسلم وتصوير وضعيته الرديئة حتى لدى الأوساط الدنيا، لكي يعلم الناس أن المورو(العربي) لايؤدب إلا بعقابه وتوبيخه وصده عن غيه"[3].

ولكن السؤال الذي ينبغي طرحه كما يطرحه الأدب المقارن هو: هل تأثرت الرواية البيكارسكية الإسبانية بأدب المقامات؟

للإجابة عن هذا السؤال انقسم الباحثون إلى قسمين: فريق ينكر هذا التأثير وفريق آخر يؤكده ويثبته.

ومن بين المثبتين لهذا التأثير نذكر الدكاترة: محمد غنيمي هلال، وسهير القلماوي، وأحمد طه بدر، وعبد المنعم محمد جاسم، وعلي الراعي الذي يرى:" أن أثر المقامات، الذي يعترف به دارسون عرب وغربيون يأتي ذكرهم في غضون الكتاب شخصية المحتال، ربما كان أقوى أثر مفرد تركه العرب في الأدب الغربي، فعن طريق محتال المقامة قام الأدب الاحتيالي في إسبانيا وامتد من ثم إلى فرنسا وألمانيا وانجلترا، ليكون الأساس لصرح الرواية الواقعية التي أسهمت في خلقها أقلام كتاب مرموقين من أمثال: ديفو وفيلدينج وديكنز في انجلترا وليساج وبلزاك وفلوبير في فرنسا. بل لاتزال هذه الرواية الواقعية الاحتيالية موجودة بيننا في عملين محددين أولهما: فيليكس ترول، لتوماس مان الألماني، والثانية: مغامرات أوجي مارش للكاتب الأمريكي: صول بيليو".[4]

ولقد انتقل نموذج بطل المقامات العربية القديمة في العصور الوسطى(العصر العباسي) إلى " الآداب الأوربية – يقول غنيمي هلال- فأثر فيها بخلق نموذج أدبي آخر، تطورت به القصة الأوربية، بعد أن عرفت تلك الآداب المقامات العربية عن طريق الأدب العربي في إسبانيا.

وقد أثر نموذج بطل الحريري في الأدب العربي الأندلسي، ثم الأدب الإسباني بعامة، ثم تعاون هذا التأثير كله في خلق قصص الشطار الذي تعد قصة حياة لاثاريو دي تورميس نموذجا له.

ويؤيد رأي الدارسين العرب باحثون إسبان هم أيضا ذهبوا إلى تأثر الرواية البيكارسكية بأدب المقامة العربية، ومن هؤلاء مؤلفا دائرة المعارف الوجيزة في الحضارة العربية حيث يقولان:" إن هذا النوع الأدبي ( يعنيان المقامة) قد تسرب إلى الأدب الفارسي وغيره من آداب شرقية، ويبدو أنه قد أثر أيضا- إلى حد ما- على كتاب الرواية الأوائل في كل من إسبانيا وإيطاليا"[5].

وينفي الناقد الإسباني أنخل فلوريس التأثير المباشر للمقامات في البيكاريسك لانعدام الطابع الاوطبيوغرافي في مقامات الحريري باستثناء مقامة واحدة وهي (الحرامية) ، ولأن الترحال كان موجودا في الآداب القديمة: اليونانية والرومانية:" فإذا سلمنا جدلا بأن بطل المقامات يقوم في كل مقامة منفردة برحلة تورطه في شتى الملابسات مع أناس من مختلف الأوساط والطبقات الاجتماعية، فلا يجب أن ننسى أن هذا التراث القصصي الذي يمثل البطل المتجول والذي يبدو واضحا في رواية البيكاريسك الإسبانية هو في الواقع سابق لظهور هذه الرواية وسابق لانتقال أدب المقامات من الشرق العربي إلى المغرب وإلى الأندلس الإسلامية."[6]

ويجاري الدكتور عبد المنعم محمد جاسم مذهب المستعرب الإسباني أنجل فلوريس حينما قال:" والذي أريد أن أقوله في نهاية هذا المطاف حول إمكانية التأثير العربي في الرواية الإسبانية هو أن هذا التيار العميق الغور والبعيد المدى من القصص والنوادر والطرائف الشعبية العربية كان ذا أثر أبعد في التمهيد لظهور رواية البيكاريسك الإسبانية من المقامات التي وقف عندها الباحثون مرارا وتكرارا وحاولوا إعطاءها دورا لم تكن بطبيعتها مؤهلة له.

فالمقامات كانت تكتب للتداول في صفوف الضالعين والمتبحرين في علوم اللغة. وبما أنها كانت عسيرة اللغة وعسيرة الفهم وكثيرة المجاهل فإنها لم تترجم إلى اللغة اللاتينية أو اللغة الإسبانية.

وعلى كل حال فأنا لاأحاول في هذا البحث الاستدلال على أية فصول من الأدب الإسباني جاءت منقولة أو واضحة التأثر بأصول عربية، لكن القارئ قد يجد فيما عرضت إثباتا جديدا لوجهة نظر الكاتب والناقد أنخل فلوريس القائلة بأن الرواية بمظاهرها المختلفة قد ظهرت في إسبانيا قبل أي بلد آخر بسبب أثر الحساسية العربية في الآداب الإسبانية."[7]

ويذهب الدكتور محمد أنقار إلى ضرورة التريث في الحكم على مدى تأثير المقامة في البيكارسك الروائي حتى تتوفر الأدلة العلمية الدقيقة والحجج القاطعة، ولكن هذا لا يلغي إمكانية مقاربة البيكاريسك على ضوء السرد العربي القديم ومن خلال قواعد فن المقامة:" تلك صور نادرة للمورو في هذه الرواية( لاثاريو دي تورميس) التي لايعدم بعض النقاد الصلة بينها وبين الحكي العربي القديم على مستوى العلاقة بفن المقامة، أو ببعض النوادر وللحكايات: وإذا كانت مثل هذه الاحتمالات لاتزال في حاجة إلى تمحيص علمي مقنع، فإن ذلك لايلغي بتاتا إمكانية قراءة هذه الرواية الشطارية بموازاة مع أعراف السرد العربي القديم وأساليبه، مثلما هو الشأن في دراسة محمود طرشونة".

وليس الهدف من إيراد هذه الأقوال المتضاربة هو إثبات أثر العرب على إسبانيا في إبداع الرواية البيكارسكية أو نفي ذلك التأثير؛ لأن كل هذا من اختصاص باحثي الأدب المقارن؛ ولكن المهم في رأيي أننا في حاجة إلى الاستفادة من هذه الرواية الشطارية الإسبانية مع استثمار الشكل القصصي العربي الأكثر فعالية-المقامة- واتخاذهما وسيلة لتمتين الأساس الواقعي للرواية العربية، و ذلك بتوسيع نطاقها ومدى رؤيتها، وموقفها من الناس، بحيث تحكي عن المنبوذين والمقهورين والخارجين عن المواضعات إلى جوار المطحونين والكادحين، وما أكثرهم اليوم في عالمنا العربي والإسلامي.[8]

 

 م.م. ابتهاج عباس احمد

 ..................

[1]  Juan Hurtado y J. De Laserna, y Angel Gonzalez Palencia : Historia de literatura Española, Madrid, 1949, pp : 352-351

[2] مع الدكتور محمد أنقار: مواجهة النص الأدبي بعيدا عن تكرار المقولات والخطط الجاهزة.1996

[3] د. محمد غنيمي هلال: الموقف الأدبي، ص:55

[4]  السّيرَة الذّاتيةَِ في مِعْطَفِ الرِّوايَة الصَّعْلوكِيّّة فؤاد اليزيد السني

[5] د. إسماعيل عثماني: الأدب الشطاري- تعريف جديد لأدب قديم، آفاق، عدد مزدوج 61/62، السنة 1999صص:131

[6] محمد غنيمي هلال: النقد الأدبي الحديث، دار العودة، بيروت، لبنان، ط1973، صص:505

[7]  السيرة الشطارية للكاتب والفنان المغربي العربي باطما - ديوان العرب

[8]  د. محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، دار العودة، بيروت، لبنان، طبعة 1983، صص:313

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4051 المصادف: 2017-10-08 00:23:54