المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الممثل المندمج في نظرية ستانسلافسكي

jamil hamdaoui2المقدمة: يرى المخرج الروسي قسطنطين ستانسلافسكي أن الممثل الحقيقي هو الذي يندمج في دوره المسرحي، فيعيشه بكل جوارحه الشعورية واللاشعورية، ويؤدي دوره عن طريق المعايشة الحقيقية القائمة على الصدق الفني، والإيمان بالدور الذي يؤديه.

ومن ثم، يعتمد الممثل المندمج على قدراته الداخلية التي تتمثل في العقل، والإرادة، والشعور، والتخيل، والتخييل، واستكناه دوافعه الداخلية الشعورية واللاشعورية، واعتماد الذاكرة الانفعالية على مستوى التخييل والتشخيص الميزانسيني(الإخراجي)، وافتراض الظروف والوقائع الممكنة المتشابهة لإسقاطها على المواقف الدرامية التي تقع في الحاضر والمستقبل، والتحكم في المسرحية ، بتقسيمها إلى وحدات كبرى وصغرى، وتحديد أفعالها وأهدافها وأغراضها من أجل ترجمتها نفسيا وعضويا .

وينبغي أن يبحث الممثل عن الهدف الأعلى للمسرحية، ويستخدم العقل الواعي والعقل الباطن معا من أجل الوصول إلى الفكرة الرئيسة للموضوع، مع خلق فلسفة المسرحية اعتمادا على قواه الداخلية الإبداعية، والتكيف مع الظروف بغية تحقيق التواصل مع الآخرين، والاشتباك معهم ذهنيا، ووجدانيا، واجتماعيا ،وحركيا.

ويقترن التمثيل المسرحي عند ستانسلافسكي بمجموعة من المبادئ النظرية والتقنيات التطبيقية التي تسعف الممثل في أداء دوره أداء جيدا، وتساعده على استيعاب دوره، وفهمه فهما دقيقا من أجل ترجمته ركحيا، وتشخيصه فوق منصة المسرح لعبا يرضي الجمهور، ويقنعه إقناعا جيدا.ويمكن حصر هذه المبادئ في التصورات المنهجية التالية:

المطلب الأول: الفعـــل المسرحي

يعد الفعل والحركة من أهم عناصر التمثيل المسرحي، ويرتبط الفعل المسرحي بغرض معين، أو دافع مثير وحافز، ينبع من إحساس داخلي صادق. ويعني هذا أن أي فعل على خشبة المسرح لابد أن يكون له مايبرره تبريرا داخليا، ولابد أن يكون فعلا منطقيا ومتصلا ببعضه اتصالا معقولا وواقعيا.(1)

ويعني هذا أن المدرب أو المخرج في حاجة ماسة إلى تقسيم المسرحية إلى مجموعة من الأفعال الحدثية التي تسهم في بلورتها ركحيا وميزانسينيا، في علاقة مع الملفوظات الصوتية أو الإيماءات السيميائية، والإشارات الحركية.

المطلب الثاني: إذا ولو والفعل المسرحي

من المعروف عند ستانسلافسكي أن " إذا" و" لو" من أهم التقنيات المسرحية السحرية، ومن أهم الرافعات الأساسية التي تخرجنا من عالم الواقع إلى عالم الخيال، وترتبطان بمجال الافتراض، وخلق الدوافع والحوافز من أجل تنشيط الذاكرة الانفعالية، وتوليد المشاعر والأحاسيس الصادقة، ومعايشة الدور من الداخل.فماذا يفعل الممثل إذا وجد لصا في حجرته؟ ماذا يفعل الممثل لو وجد مجنونا في داره؟ لو قمت بفك صامولة قضيب السكة الحديدية ماذا يمكن أن يحدث؟

يقول ستانسلافسكي عن "لو" السحرية:" إن الأحوال التي تكشف لكم عنها" لو" تنبع من مصادر قريبة من مشاعركم نفسها، ولهذه الأحوال تأثير قوي في الحياة الداخلية للممثل، وأنت بمجرد أن ترسي هذه الصلة بين حياتك ودورك سوف تجد هذا الدافع أو الحافز الداخلي، وإذا أضفت سلسلة كاملة من هذه الأعراض أو الأحداث الطارئة القائمة على تجربتك الخاصة في الحياة، ستجد أن من اليسير عليك كل اليسر أن تؤمن بإمكان حدوث ما تكلف بأدائه فوق خشبة المسرح.عليك أن تقوم بدراسة دور كامل على هذا النحو؛ لكي تخلق ذلك.إن المشاعر المثارة تعبر عن نفسها، ولابد خلال أفعال هذا الشخص المتخيل لو أنه وضع في هذه الظروف التي تصورها المسرحية".(2)

ومن هنا، فأداة " لو" توجد الحركة في الخيال الساكن، وتبعث نشاطا داخليا حقيقيا شعوريا ولاشعوريا، وتحفز على الفاعلية والإبداع والنشاط الحقيقي في مجال الفن المسرحي، كما تسهم في تحقيق الإخلاص في الانفعالات الإنسانية والمشاعر التي تبدو صادقة في ضوء الظروف التي يهيئها الكاتب للمسرحية.

المطلب الثالث: المعايشة الصادقة

يركز ستانسلافسكي كثيرا على مبدإ المعايشة الحقيقية القائمة على الشعور الصادق، والإحساس النابع من القلب والعاطفة والوجدان. وفي هذا السياق، يقول ستانسلافسكي:" إن التمثيل الزائف للعواطف أو للنماذج، أو مجرد استخدام الحركات والإشارات التقليدية هما من الأخطاء الشائعة في حرفتنا، ولكن ينبغي عليكم أن تتجنبوا هذه الأخطاء المجافية للواقع.

لاتقلدوا العواطف والقوالب، بل يجب أن تعيشوا هذه العواطف وتلك القوالب. ولا بد أن ينبع تمثيلكم لها من حياتكم فيها."(3)

ويعني هذا أن ستانسلافسكي يدعو إلى تمثيل خيالي وانفعالي داخلي، يقترن بالصدق والمعايشة الحقيقية للدور الممثل فوق خشبة المسرح اعتمادا على التذكر الانسيابي، واسترجاع الحوادث الماضية التي لها صلة بالدور المشخص فوق الركح.

المطلب الرابع: الإيمان والإحساس بالصدق

من أهم المبادئ التي يقوم عليه التمثيل المسرحي الانطلاق من الصدق في معايشة الدور، والإحساس به بدلا من الارتكان إلى التمثيل الآلي، والمحاكاة السطحية في الأداء المسرحي؛ "لأن الصدق القائم على المهارة الفنية هو من الأمور التي يصعب أن تستمر طويلا، لكنه إذا تحقق لا يمكن أن تعافه النفس أكثر من سواه على الدوام ، حتى يسري في كيان الفنان كله، وفي كيان النظارة كذلك. إن الدور الذي يكون الصدق مادته لابد أن ينمو، أما الذي تكون القوالب الجامدة مادته، فإنه يذوي ويصبح غثا سخيفا."(4)

فمن الصعب أن يقنع الممثل المشاهد الراصد، إذا لم يكن مقتنعا بدوره، ولم يعايشه عن إيمان وصدق، فلابد للممثل أن يندمج في دوره ، ويعيشه بشكل حقيقي وواقعي، كما يعيشه في الواقع المادي: " إن الصدق على خشبة المسرح هو كل ما يمكن أن تؤمن به إيمانا حقيقيا من أفعال أو أقوال تصدر منا أو من زملائنا، إن الصدق والإيمان صنوان لايمكن فصل أحدهما عن الآخر، إذ لا يمكن أن يوجد أحدهما دون وجود الثاني، ويستحيل عليك أن تحيا في دورك، كما يستحيل عليك أن تخلق شيئا بدونهما- إن كل ما يحدث على المسرح يجب أن يكون مقنعا للممثل نفسه، ولزملائه وللجمهور. يجب أن يولد الإيمان بأن كل ما يعانيه الممثل على المنصة من انفعالات ومشاعر، يمكن أن يتحقق نظيره في الحياة الواقعية، ويجب أن تكون كل لحظة مشبعة بالإيمان بصدق العاطفة التي يستشعرها الممثل، وصدق ما يصدر عنه من أفعال".(5)

وليس الممثل هو الذي يتصنع في دوره المسرحي، ويؤديه أداء آليا سطحيا زائفا خاليا من الإحساس والمشاعر الصادقة، وينعدم فيه الإيمان الحي والحياة الواقعية الطبيعية، بل هو الذي يخلق روحا إنسانية في دوره المسرحي. ويمكن الاستعانة بـ"لو" السحرية ومنطق الظروف لتقديم دور مسرحي صادق، ينبض بالحيوية والحركة والمتعة . ويتحقق الإيمان الصادق بتوظيف الأفعال الجسمانية الصادقة، وتشغيل العواطف المتقدة ، وتفتيق الانفعالات النفسانية الحقيقية، وربطها بالخيال والخبرة والشعور.

المطلب الخامس: الخيــــال المسرحي

ينتج الإبداع المسرحي عن ممارسة الخيال والتخييل، مادام يعتمد على أداة " لو" السحرية القائمة على الافتراض، وخلق الممكنات، وتوليد المشاعر الإنسانية والانفعالات الصادقة، كما أن" لو " بمثابة رافعة تنقل الممثل من أرض الواقع إلى آفاق الخيال.

وإذا كان الخيال يخلق الأشياء التي يمكن أن توجد، فإن التخيل يخلق الأشياء التي لاوجود لها، والتي لم يسبق لها أن وجدت، بيد أن الخيال والتخيل لازمان للمبدع والفنان المسرحي؛ لأن الخيال هو الذي يقود الممثل نحو الإبداع. لنتخيل مثلا: لو تأخرت في المدرسة حتى منتصف الليل ماذا يمكن أن يحدث؟ تخيل موقفك وموقف أسرتك! ماهي التغييرات الداخلية والخارجية التي ستحدث لك؟

وعليه، يسهم الخيال في إنعاش صقل الأشياء التي أعدها الممثل، وإعادة صقلها. وفي هذا الصدد، يقول ستانسلافسكي:" إن كل اختراع يقوم به خيال الممثل يجب أن يسبقه تفكير طويل في تفاصيله، ويبنى على أساس من الحقائق، بحيث يستطيع الممثل أن يجد فيه الإجابة على الأسئلة التي من قبل (متى وأين ولماذا وكيف). أي: جميع الأسئلة التي يوجهها الممثل إلى نفسه، وهو يشحذ ملكاته الإبداعية لكي تصنع صورة أكثر تجديدا لكيان متوهم. وهو في بعض الأحيان، لا يحتاج إلى كل هذا المجهود من المجهودات الذهنية الشعورية، لأن خياله قد يعمل بالفطرة وبالبديهة...إن التخيل بصورة إجمالية، ومن غير أن يقوم على مشروع محدد تحديدا جيدا، وفكر فيه الممثل تفكيرا طويلا، هو عمل عقيم.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن أي تناول صادر عن وعي وتفكير منطقي لموضوع الخيال كثيرا ما يعطي للحياة صورة زائفة لا حرارة فيها.

وهذا شيء لا ينفعنا في المسرح، لأن فننا يتطلب من الممثل أن يندمج لكل طبيعته اندماجا إيجابيا فيما يقوم به، ويكرس نفسه كلها، جسدا وروحا، للدور الذي يؤديه. إنه لابد أن يحس بالدافع أو المادة، يستطيع بطريقة انعكاسية أن يؤثر في طبيعتنا الجسدية، ويدفعها إلى العمل. وهذه الملكة ذات أهمية عظمى في مهارتنا الفنية العاطفية، من أجل هذا كانت كل حركة تقوم بها على خشبة المسرح، وكل كلمة تنطق بها هي نتيجة للحياة الصحيحة لخيالنا."(6)

ويعني هذا أن الخيال من أهم الملكات الافتراضية التي تساعد الممثل على الارتجال والتصرف، وأداء الدور المسرحي أداء جيدا ومقنعا.

المطلب السادس: تركيز الانتباه

يعد تركيز الانتباه من العوامل وراء نجاح الممثل والعرض المسرحي على حد سواء. وهو بمثابة توطئة للعمل الإبداعي، فلابد للممثل من تركيز انتباهه على نقطة معينة، وعلى الأشياء التي تسترعي انتباهه، وتستدعي التفكير فيها، والتركيز عليها سواء أكان ذلك في الضوء أم في الظلمة فوق خشبة المسرح، وقد نركز انتباهنا على الأشياء القريبة أو المتوسطة أو البعيدة لمدة طويلة أو قصيرة.

وإذا قدمنا هذا التمرين البسيط: اشعلوا الضوء، انظروا حولكم، واختاروا شيئا واحدا قريبا أو متوسطا أو بعيدا ، فركزوا عليه انتباهكم،فستلاحظون أن التركيز يساعد على إتقان الدور ، وتمثله تمثلا إيجابيا . وفي هذا الإطار، يقول ستانسلافسكي:" إن جميع أفعالنا، وحتى أبسطها، وهي الأفعال المألوفة لنا غاية الألفة في حياتنا اليومية تعدو عسيرة، عندما نظهر خلف الأضواء الأرضية وأمام جمهور مكون من ألف مشاهد. وهذا هو السبب الذي من أجله كان ضروريا لنا أن نصحح أنفسنا، ونتعلم من جديد كيف نمشي، وكيف نتحرك، وكيف نجلس ونرقد.وإنه لأمر جوهري أن نعيد تعليم أنفسنا طريقة النظر والرؤية على خشبة المسرح، وطريقة الإصغاء والاستماع".(7)

و على الممثل أن يختار موضوع انتباهه من بين الأشياء الموجودة فوق الركح والمنصة، وفي أثناء الاندماج في الدور المسرحي أو المشهدي . وعليه أن يتذكر تفاصيل الأشياء ومكوناتها وأوصافها، ويسترجع ما تم التركيز عليه فعلا اعتمادا على الذاكرة الاسترجاعية.

ومن المعروف أن الانتباه نوعان: انتباه خارجي، وانتباه داخلي، فالأول هو الموجه إلى الأشياء المادية التي تقع خارجنا. أما الثاني، فهو يتركز في أشياء نراها، ونسمعها، ونلمسها، ونشعر بها في ظروف متخيلة. ننتبه إلى كل ما تلتقطه الحواس الخمس. وفي هذا، يقول ستانسلافسكي " إن الممثل على خشبة المسرح إما أن يعيش داخل نفسه وإما خارجها. إنه يعيش إما حياة واقعية وإما حياة متخيلة. وهذه الحياة المعنوية تقدم موردا لا ينضب من مادة التركيز الداخلي لانتباهنا. والصعوبة في استخدام هذه المادة إنما تنحصر في أنها مادة هشة غير متماسكة. إن الأشياء المادية التي تحيط بنا على خشبة المسرح تحتاج إلى انتباه مدرب...أما الأشياء المتخيلة فهي تتطلب قوة من التركيز أكثر تنظيما مما تطلبه الأشياء المادية."(8)

ونقدم تمرينا آخر للتوضيح في أثناء ذهابك إلى السرير لتنام استرجع ما مر بك من أحداث، وتذكر كل شيء. خذ على سبيل المثال وجبة الغذاء، فركز على الأطباق ، ثم اسرد مشاعرك الداخلية حول المائدة، وأنت جالس مع أصدقائك؟ وعلى أي حال، فينبغي للممثل" أن يكون دقيق الملاحظة، لاعلى خشبة المسرح فقط، بل في واقع الحياة أيضا. يجب أن يركز تفكيره على الشيء الذي يسترعي انتباهه بكل ما أوتي من قوة. يجب أن ينظر إلى الشيء. لا كما ينظر العابر الشارد الذهن، بل يجب أن يتعمقه، وينفذ إلى صميمه. وإلا فإن طريقته الإبداعية كلها سوف تنتهي إلى الإخلال، وعدم التوازن، وانبتات الصلة بينها وبين الحياة الواقعية."(9)

ويعني هذا أن تركيز الانتباه من العوامل التي تساعد الممثل على إتقان دوره، وتوسيعه حيوية وحركة وتقمصا ونشاطا.

المطلب السابع: استرخاء العضلات

 يعد تحرير العضلات أهم خطوة في مجال التمثيل من أجل تفادي التشنج العصبي والتوتر النفسي، والابتعاد عن تقلص أعضاء الجسم؛ لأن تشنج العضلات يعوق دور الممثل بشكل كلي. ومن ثم، لاينجح في أدائه أداء سيكولوجيا جيدا. وفي هذا المنحى، يقول ستانسلافسكي :" إن الشخص الذي تكون نبرات صوته لطيفة بطبيعتها، إذا حدث لجهازه الصوتي شيء من ذاك، يصبح شخصا أشج الصوت، بل ربما فقد صوته، وإذا أصيبت قدما ممثل بتقلص، فإنه يمشي كمن أصابه شلل، فإذا كانت الإصابة في يده اعتراهما الخدر، وتحركتا كما تتحرك العصا. ومثل هذه التشنجات تحدث للعمود الفقري أو الرقبة أو الأكتاف. وكل هذه الحالات تعجز الممثل، وتحول بينه وبين التمثيل. على أن أسوأ هذه الحالات كلها ما يصيب منها وجه الممثل. إذ تلوى تجاعيده، وتصيبها بالشلل، وتجعل تعبير الوجه جامدا كأنه الصخر. وتجحظ العينان. وتضفي العضلات المتوترة على الوجه صورة قبيحة مضادة لما يجري داخل نفسه... صورة لا اتصال بينها وبين انفعالاته، وقد يصيب التشنج الحجاب الحاجز وغيره من الأعضاء المتصلة بجهاز التنفس. وعنئذ، يعوق التنفس الطبيعي، ويسبب قصر النفس. وهذا التوتر العضلي يؤثر أيضا في أجزاء أخرى من الجسم، ولا يمكن أن يكون له إلا أثره الوبيل على الانفعالات التي تجيش بها نفس الممثل، وعلى طرق تعبيره عنها، وعلى حالة مشاعره العامة."(10)

وإذا طالبنا الطلبة - مثلا- بأخذ البيانو، وحمله بعيدا. وفي الوقت نفسه، نمطرهم بمجموعة من الأسئلة، فإنهم لايستطيعون أن يجيبوا بشكل لائق حتى يتخلصوا من الحمل، ويسترخوا عضلاتهم، ويلينوها، ويستريحوا. ومن ثم، يؤثر التشنج في العملية المسرحية، ويؤثر سلبا في الانفعالات الداخلية والمعايشة الصادقة، ويدفع أحاسيسنا إلى التوتر والانفعال غير الوظيفي الذي يدمر كل تجربتنا الدرامية، ويصيبها بالشلل القاتل. وليس التشنج العضلي" هو وحده الذي يعرقل أداءنا لوظيفتنا أداء سليما، بل إن أي ضغط طفيف، في لحظة ما، قد يعطل عمل ملكة الخلق ".(11)

وعليه، يؤثر الضغط العضلي، والتشنج العصبي، والتوتر النفسي، في جسمنا وروحنا وعقلنا ذهنيا ووجدانيا وحركيا.

ومن أهم الآليات الحركية للتخلص من التوتر العضلي والتشنج العصبي أن يستلقي الممثل على ظهره لمدة ساعة أو نصف ساعة، فيمد عضلاته بمرونة، ثم يرخي جسده بلين من أجل إراحته.

ويمكن ملاحظة التوتر العضلي في أثناء القيام بمجموعة من التمارين ضمن الأوضاع العمودية والأفقية، ثم الجلوس المعتدل، والوضع القريب من الجلوس، والوقوف المعتدل، والوضع القريب من الوقوف، ثم الركوع، ثم جلوس القرفصاء على انفراد أو في جماعات، باستعمال الكراسي أو المنضدة أو قطع الأثاث الأخرى.

ولابد للتخلص أيضا من هذه المعوقات أن يعود الممثل جسمه على الرشاقة، والمرونة، والتكيف، والتوازن، والتركيز على مركز الثقل في الجسم.

ويمر الجسم على خشبة المسرح بثلاث لحظات أساسية، يمكن حصرها فيما يلي:

الأولى: التوتر الزائد عن الحاجة، وهو يصحب بالضرورة كل وضع جديد يتخذه الممثل، ويصحب اضطرابه العصبي، وهو يؤديه أمام الجمهور...

الثانية: الاسرخاء الآلي لهذا التوتر الزائد عن الحاجة بتوجيه من الرقيب.

الثالثة: تبرير الوضع إذا لم يكن في ذاته مقنعا للممثل، مثل: ممثل سمين يعدل وضعه، بعد أن يجلس على أريكة بطريقة غير مقبولة.(12)

ويعني هذا أن عملية الاسترخاء العضلي تتطلب ثلاث مراحل هامة هي: التوتر، والاسترخاء، والتبرير.

المطلب الثامن: الذاكرة الانفعالية

تستند الأدوار المسرحية الصادقة إلى نقل التجارب الشخصية الواقعية على خشبة المسرح. ويعني هذا أن الممثل لكي يؤدي دوره الصادق النابع من الإيمان عليه أن يستذكر تجاربه الشخصية التي وقعت له في الواقع، ويعيشها مرة أخرى على خشبة المسرح، ويتذكر تفاصيلها معايشة ومعاناة. ومن ثم، يعد تشغيل الذاكرة الانفعالية فوق الخشبة من أهم الآليات الفعالة لربط الدور المسرحي بالحياة، وربطه أيضا بالصدق النابع من الذات الحية.

وتقوم الذاكرة الانفعالية غير الذاكرة الحسية على إحياء المشاعر والانفعالات السابقة، وبعثها من جديد في مواقف درامية حسب سياقها الذهني والنصي، وإعادة المشاعر كما وقعت في الماضي لإسقاطها على مواقف درامية في الحاضر فوق منصة المسرح مشابهة لتلك التي وقعت في الماضي. وفي هذا، يقول ستانسلافسكي:" إن اكتمال تجاربنا الخلاقة كلها وقوتها يتناسبان مع قوة ذاكرتنا الانفعالية، ودقتها، ومضائها تناسبا طرديا.أما إذا كانت ذاكرتنا ضعيفة، فإن المشاعر التي تثيرها تكون باهتة وهزيلة، ولا قوام لها، وتنعدم قيمتها على المنصة؛ لأنها لا تستطيع التأثير على الجماهير التي تجلس فيما وراء الأضواء الأرضية.

وثمة درجات كثيرة لقوة الذاكرة الانفعالية؛ وأن كلا من مؤثراتها ومركباتها يختلف اختلافا كبيرا ."(13)

ومن هنا، تسهم كل من الذاكرة الانفعالية، والصدق الفني، والإيمان بالدور، والظروف الافتراضية، والسينوغرافيا الوظيفية، في تقديم دور مسرحي صادق وحي مقنع للممثل والجمهور على حد سواء.

المطلب التاسع: وجوب الاتصال الوجداني بين الممثلين على المنصة

إن الاتصال بين الناس في الواقع مهم، وفوق خشبة المسرح أهم بكثير، وهذه الحقيقة" مستمدة من طبيعة المسرح، تلك الطبيعة القائمة على الاتصال المتبادل بين شخصيات المسرحية.إذ لايمكن بأي حال من الأحوال أن تتصور مؤلفا مسرحيا يقدم أبطاله، وهو في حالة غيبوبة أو في حالة نعاس، وحينما تكون حياتهم النفسية غير قائمة بما هو مطلوب منها.

كما لايمكن أن تتصور أن يجمع ذلك المؤلف على المنصة بين شخصين لايعرف أحدهما الآخر فحسب، بل يرفضان التعارف، وتبادل الأفكار والمشاعر، أو يخفي كل منهما هذه الأفكار والمشاعر عن الآخر، بأن يجلس كل منهما من طرفي المنصة.

وفي هذه الظروف، لا يعود ثمة مبرر لدخول المتفرج إلى المسرح، مادام أنه لن يجد في المسرح ماجاء من أجله، أعني إحساسه بمشاعر الأشخاص المشتركين في المسرحية، واكتشافه لأفكارهم.

كم ويختلف الأمر عندما يدخل هذان الممثلان نفسهما إلى المنصة، فإذا أحدهما راغب في أن يشرك الآخر في مشاعره أو إقناعه بأفكار يؤمن بها، بينما يبذل الآخر قصارى جهده للمشاركة في تلك المشاعر أو تفهم تلك الأفكار.

والمتفرج عندما يشاهد مثل هذا التبادل العاطفي والفكري، يصبح كمن يستمع إلى محادثة، ويقوم بدور صامت في تبادل المشاعر التي تجري بينهما، وتستثيره التجارب التي يمران بها. ولكن المتفرجين لا يستطيعون أن يفهموا ما يدور على المنصة، ويشاركوا جزئيا فيه إلا في أثناء استمرار هذا الاتصال الوجداني بين الممثلين".(14)

ونفهم من هذا كله أن الاتصال الوجداني بين الممثلين أساس نجاح العمل المسرحي ؛ لأنه يحقق متعة لدى المتفرجين حينما يتم تبادل الأفعال والمشاعر والانفعالات بين الأنا والآخر، بطريقة قائمة على التواصل والتعايش والصداقة والمحبة والتكامل الإدراكي، أو يتم تبادلها بطريقة سلبية قائمة على الصراع والعدوان والاشتباك الصراعي الجدلي. وإذا أراد الممثلون - يقول ستانسلافسكي- " أن يستأثروا حقا بانتباه عدد كبير من المتفرجين، فيجب أن يبذلوا قصارى جهدهم في المحافظة على تبادل غير منقطع للمشاعر والأفكار والأفعال التي تجري بينهم. وينبغي أن تكون المادة النفسية لهذا التبادل مادة شيقة وهامة، بحيث تكفل للممثلين السيطرة على انتباه المتفرجين. إن مالهذه العملية من أهمية قصوى، يجعلني أحثكم على الاهتمام بها اهتماما خالصا، ودراسة أطوارها الرئيسية المختلفة بعناية."(15)

ويكون الاتصال ذاتيا أو غيريا، ويكون ذهنيا ووجدانيا وحركيا، حزينا أو مرحا، إيجابيا أو سلبيا. ويكون الاتصال مع الأشياء الموجودة فوق المنصة أو مع الممثلين، أو الدخول في علاقات اشتباكية نفسية واجتماعية مع الجمهور. ومن ثم، فالاتصال أنواع، فهناك الاتصال الفردي، والاتصال مع الممثل الآخر، والاتصال الجماعي الذي يتم بين الممثل وزميله والجمهور. ولايمكن أن يتم الاتصال بالجمهور بالطبع مباشرة:

" وتعود الصعوبة – هنا- إلى أننا نكون على صلة بزميلنا على المنصة وبالمتفرج في الوقت نفسه، فأما اتصالنا بالأول، فهو مباشر وواع، وأما اتصالنا بالمتفرج، فهو اتصال غير مباشر ولا شعوري، والطريف في الأمر أن صلتنا بكل منهما صلة متبادلة."(16)

ويرى ستانسلافسكي أن ثمة أنماطا ثلاثة من الاتصال في ميدان الفعل المسرحي هي:

Œ الاتصال الوجداني المباشر بالشخص موضوع الحديث. أي: بالزميل الموجود على المنصة، والاتصال غير المباشر بالجمهور.

اتصال الممثل بنفسه اتصالا وجدانيا.

Ž الاتصال الوجداني بشخص غائب أو بشخص من صنع الخيال...(17)

ومن جهة أخرى، يرفض ستانسلافسكي الاتصال الوجداني الزائف المتصنع الخالي من الإحساس والاندماج الصادق، أوالخالي من المعايشة الحية القائمة على التخيل، والذاكرة الانفعالية، والافتراض الظرفي والإمكاني. ويتم الاتصال عبر الكلمات الحوارية، والإيماءات الإشارية، والإشعاعات الجسمية، والإحساسات الجسدية، والمشاعر الوجدانية، والانفعالات الصادقة.

المطلب العاشر: التكيــــف

التكيف هو عبارة عن مجموعة من المبررات، وخلق الظروف التي تسمح للممثل أن يحقق ما يريد تحقيقه. ويدل التكيف كذلك على الوسائل الإنسانية الداخلية والخارجية التي يستخدمها الناس للتوفيق بين أنفسهم وبين الآخرين لإقامة علاقات شتى بينهم وبين غيرهم، كما يستخدمونها عاملا مساعدا لتحقيق هدف معين.(18)

التكيف هو الاستعانة بمجموعة من الحيل والخدع وخلق الظروف المناسبة من أجل الاتصال مع الآخرين، وإقناعهم إيجابا أو سلبا، وثانيا هو عبارة " عن المشاعر أو الأفكار الداخلية؛ والتكيف بمعنى ثالث يستطيع أن يهيء انتباه الشخص الذي تريد أن تتصل به، ثم هو بمعنى رابع يستطيع أن يهيء زميلك بوضعه في حالة نفسية تجعله يتجاوب معك، وهو بمعنى خامس يستطيع نقل رسائل خفية معينة لايمكن إلا أن نشعر بها فحسب، ولا يمكن التعبير عنها بالألفاظ. وبوسعي أن أذكر كثيرا من الوظائف الأخرى الممكنة، إذ إن مداها وتنوعها لاحد له"(19).

وانطلاقا من مثال تطبيقي يمكن للطالب أن يتصور هذا المشهد المسرحي، ويخلقه حركيا وشعوريا: فلنفرض أنك تحتل مركزا ساميا، وأنني مضطر إلى أن أطلب منك خدمة، وألا بد لي من الحصول على معونتك، ولكنك لا تعرفني على الإطلاق، فكيف يمكنني أن أتقدم إلى الآخرين الذين يحاولون الحصول على معونة منك؟

يجب في هذه الحالة أن أتكيف مع نفسي، وأركز على الشخصية المطلوب منها المعونة، وأستعطفها بشتى الوسائل، وبطرائق إقناعية دامغة للتأثير فيها إيجابا وسلبا.

وكلما ازدادت وسائل التكيف التي يستخدمها الممثل أصبح اتصاله بالشخص الآخر أقوى وأكمل. ويختلف التكيف من ظرف إلى آخر، ومن شخص إلى آخر حسب المواقف والمناسبات، وقد يكون شعوريا أو لاشعوريا، ويمكن أن يكون ذهنيا أو وجدانيا أو حسيا حركيا. ولابد أن يتميز التكيف بالحيوية والمرونة والطرافة والجسارة والرقة والبراعة والذوق.

ومن ثم، فكل شعور " تعبر عنه يقتضي، في أثناء التعبير عنه، شكلا غير محسوس من أشكال التكيف خاصا بذلك الشعور وحده. وكل أنواع الاتصال، كالاتصال الذي يتم في جماعة من الناس مثلا، أو الاتصال بشيء خيالي أو بشيء حاضر أو غائب ، كل هذه الاتصالات تتطلب طرقا للتكيف خاصة بكل منها، ونحن نستخدم حواسنا الخمس جميعا، وكل عناصر تكويننا الذاخلي والخارجي للاتصال، فنحن نرسل أشعة ونستقبلها، ونستخدم أعيننا وتعبيرات وجوهنا، وأصواتنا ونبراتها، وأيدينا وأصابعنا، وأجسامنا كلها، وفي كل حالة نحقق أشكال التكيف المناسبة تقتضيها الظروف."(20)

ومن ثم، فالتكيف الحقيقي هو الذي يقوم على المعايشة الصادقة، والعقل الباطن، ويبتعد قدر الإمكان عن القوالب والكليشيهات الجاهزة، والتقليد الآلي الجاف الخالي من الحركة والحيوية :" إن التمثيل الذي يجري في إطار القوالب الجامدة تمثيل تقليدي زائف وخال من الحياة ـ تمثيل يقوم على الطرق المسرحية المألوفة البالية، وهو لا ينقل مشاعر ولا أفكارا ولا أي صور من تلك التي يتميز بها البشر. أما أساليب التكيف الحركية فهي، على العكس، أساليب كانت تقوم على البديهة أصلا. ولكنها أصبحت آلية دون تضحية بصفتها الطبيعية، إنها نقيض القوالب الجامدة. وذلك لأنها تظل دائما أساليب حية وإنسانية."(21)

ومن أمثلة التكيف ما يعرف بالحيل النسائية، وحيل اللصوص والمتسولين في الاتصال بالآخرين، والتأثير فيهم وجدانيا. وهناك أيضا صور أخرى للتكيف الشعورية واللاشعورية، المباشرة وغير المباشرة.

المطلب الحادي عشر: القوى المحركة الداخلية

ينطلق الممثل في عمله المسرحي ودوره الدرامي من مجموعة من القوى الداخلية، وهي تسهم كلها بشكل متضافر في إثراء الإبداع التشخيصي. ومن هذه القوى الفعالة الإرادة، والخيال، وقوة المشاعر، والانتباه، والشعور، واللاشعور، والعقل الباطن، والعقل،والفكر، والوجدان، والظروف القائمة، والأهداف، والرغبة الفنية، والإحساس بالصدق الفني، والإيمان به.

ويزداد سلطان هذه القوى الداخلية المحركة للإبداع المسرحي" عن طريق نشاطها المشترك المتبادل، فكل منها تسند الأخرى وتحثها، ويترتب على ذلك أنها تعمل دائما في وقت واحد، وفي اتصال وثيق. وعندما تشرك عقولنا في العمل، فإننا نحرك- في الوقت نفسه- إرادتنا ومشاعرنا، ونحن لا نستطيع الخلق والإبداع في حرية وانطلاق إلا عندما تتعاون هذه القوى فيما بينها في تآلف وانسجام."(22)

وينبغي أن تخضع هذه القوى الداخلية لمنطق التوظيف المتوازن، والاستجابة الفورية الشعورية واللاشعورية لهذه القوى للتسلح بها في أثناء أداء دور مسرحي.

وإذا أخذنا على سبيل المثال مشهد مجنون مختل عقليا يدخل إلى الحجرة، بعد أن يكسر الباب، فيمكن أن نفترض مجموعة من الافتراضات والصور المشهدية تعكس لنا القوى الداخلية، كالعقل، والإرادة ، والشعور، والانتباه...

المطلب الثاني عشر: الخط المتصل

لايمكن للممثل أن يتفاعل مع المسرحية تفاعلا حقيقيا وصادقا إلا بعد قراءة المسرحية مرات عديدة لفهمها وتفسيرها واستيعابها بشكل أكمل وأفضل. فلا يستطيع الممثل" إلا فيما ندر من الأحوال ، أن يستوعب أهم ما في دور جديد في الحال، ويتأثر به تأثرا بالغا يمكنه من خلق روح الدور كله في دفقة واحدة من دفقات الشعور، إن ما يحدث في أغلب الأحيان هو أن عقله يدرك أولا معنى النص إدراكا جزئيا، ثم تتأثر عواطفه تأثرا خفيفا، وتحرك فيه أشواقا غامضة.

إن فهمه للمغزى الداخلي لمسرحية ما يكون- بالضرورة- في أول الأمر فهما عاما أكثر مما ينبغي. وهو لا يصل عادة إلى أعماق المسرحية إلا بعد أن يدرسها بعناية، وذلك بتتبع الخطوات التي اتخذها المؤلف عند كتابته لها.

فإذا لم تترك القراءة الأولى للنص انطباعا – ذهنيا أو عاطفيا- فماذا ينبغي للممثل أن يفعل؟ يجب عليه في هذه الحالة أن يقبل استنتاجات الآخرين، ويبذل جهدا أكبر للنفاذ إلى معنى النص. وعن طريق المثابرة، يمكنه أن يستخلص تصورا غامضا عن الدور، يجب عليه بعد ذلك أن ينميه. وأخيرا، تنجذب قواه المحركة الداخلية إلى العمل.

وعلى أن يصبح هدفه واضحا، فإن اتجاه نشاطه يظل غير واضح الصورة، ولايشعر من دوره إلا بلحظات فردية لا رابط بينها.

وليس مما يدعو إلى الدهشة أن يظهر تيار أفكاره ورغباته وعواطفه، ثم يختفي في هذه الفترة، ولو أننا رسمنا رسما بيانيا لهذا التيار، لكان خطه مفككا ومتقطعا... ولن يمكن أن يبرز هذا الخط البياني، فيكون بالتدريج خطا واحدا متصلا، إلا عندما يهتدي الممثل إلى فهم أعمق لدوره، وإدراك تام لهدف الدور الأساسي، وفي تلك اللحظة فقط، يكون من حقنا أن نتحدث عن بداية العمل الإبداعي."(23)

ولا بيدأ العمل الإبداعي إلا عندما يصبح الخط وحدة متصلة، وإذا" انقطع الخط على المسرح، فإن الممثل لا يعود يفهم ما يقال أو مايصنع، ولايعود يشعر بأي رغبات أو مشاعر.إن الممثل والدور يعيشان من الناحية الإنسانية بواسطة هذه الخطوط المتصلة. وذلك هو مايهب الحياة والحركة للشيء يقوم الممثل بأدائه. فإذا توقفت تلك الخطوط، توقفت الحياة، وإذا دبت الحياة فيها من جديد، استؤنفت الحياة. ولكن هذا الموت وذاك البعث اللذين يتناوبان الدور بتلك الصورة المضطربة ليسا شيئا طبيعيا ولا مألوفا، إذ يجب أن يكون للدور وجوده المستمر، وخطه المتصل غير المنقطع".(24)

يمكن للممثل- مثلا - أن يتخيل ماذا فعل طوال يومه منذ استيقاظه إلى منامه ليلا، ويمكن أن يعود بنا إلى الماضي والحاضر والمستقبل عن طريق الاسترجاع والاستشراف. بيد أن هذه الأحداث ينبغي أن تكون متسلسلة في خط متصل ، وهذا ما ينبغي الاستهداء به في مجال المسرح؛" إذ من المهم أن يشكل تتابع الأشياء التي تركز انتباهك عليها خطا مؤتلفا متصلا لا تباين فيه، ويجب أن يبقى ذلك الخط على خشبة المسرح، ويجب ألا يضل طريقه ولو مرة واحدة على قاعة النظارة."(25)

وينبغي أن تخضع الأشياء كلها فوق منصة المسرح لمنطق الخط المتصل وإلا وقع الاختلال، وانعدم التوازن الفني والجمالي:" إن انتباه الممثل ينتقل باستمرار من شيء إلى آخر. وهذا التغير المستمر في بؤر الانتباه هو الذي يكون الخط المتصل، ولو أن ممثلا تشبث بشيء واحد أثناء فصل بأكمله أو مسرحية بأكملها لاختل اتزانه الروحي، ولأصبح ضحية فكرة ثابتة".(26)

ومن هنا،لابد أن يتبع الممثل خطا متصلا في حفظ دوره، وأدائه بشكل جيد، وهذا له علاقة بالتركيز، والاستيعاب، وحسن التموقع والتخطيط والتصرف.

المطلب الثالث عشر: حالة الإبداع الداخلي

يستند الممثل المسرحي في أثناء أدائه الركحي إلى أداته الروحية والجسمانية الخلاقة، ويتضافر في هذا عقله وإرادته ومشاعره لتعبئة جميع عناصره الداخلية. وتستمد هذه القوى الداخلية للإبداع الحياة من " القصة الخيالية التي هي المسرحية، فتجعلها تبدو أكثر واقعية، كما تجعل أهدافها تقوم على أسس أفضل. وكل هذا يعين الممثل على الشعور بالدور، وبما يكمن في أعماقه من صدق، كما يعينه على الإيمان بما يحدث على المسرح، وبأن ما يجري فوقه شيء ممكن حقا، وبعبارة أخرى: إن هذا الثالوث المكون من القوى الداخلية) أي العقل والإرادة والمشاعر) يتشكل بروح العناصر التي تهيمن عليها تلك القوى، كما يتشكل بلونها وظلالها وأحوالها. إنه يستوعب مضمونها الروحي، كما أنه ينبعث فيها الطاقة والقوة والعزم والشعور والفكر. إنه يطعم " العناصر" بهذه الجزئيات الحية للدور؛ ومن عمليات التطعيم هذه ينبثق بالتدريج ما نسميه " عناصر الفنان في الدور"".(27)

ويعني هذا كله أن الممثل المندمج لايمكن أن يقدم فرجته المسرحية بشكل ناجح إلا إذا استحضر جميع قواه الداخلية والروحية تركيزا، وتبئيرا، وتشخيصا.

المطلب الرابع عشر: الهدف الأعلى

إن الممثل الحقيقي هو الذي يبحث عن الهدف الأعلى من المسرحية، ويبحث عنه جادا حتى يمسكه، وإن " كل تيار الأهداف الفردية الصغرى المتفرقة- في مسرحية من المسرحيات- وكل ما يصدر عن الممثل من أفكار ومشاعر وأعمال مما هو من وحي التخيل، يجب أن يتجه إلى تحقيق الهدف الأعلى الذي ترمي إليه عقدة المسرحية، ويجب أن تكون الرابطة التي تجمع بين هذه الأشياء من القوة، بحيث يظهر أتفه التفاصيل، إذا لم يكن متصلا بالهدف الأعلى، زائدا عن الحاجة أو خطأ.

كما أن هذه القوة الدافعة نحو الهدف الأعلى يجب أن تكون مستمرة طوال المسرحية كلها، فإذا كان منشأ تلك القوة الدافعة شيئا مفتعلا أو متكلفا، فإنها لاتتجه بالمسرحية وجهتها الصحيحة، وإن اتجهت إلى مايقرب من تلك الوجهة، أما إذا كان ذلك الدافع دافعا إنسانيا وموجها إلى الوفاء بالغرض الأساسي للمسرحية، فإنه يكون مثل الشريان الرئيسي الذي يمد كلا من المسرحية والممثل بالغذاء والحياة.

ومن الطبيعي كذلك أنه كلما كان العمل الأدبي عظيما، ازدادت جاذبية هدفه الأكبر- أي: غايته العليا"(28)

وعلى الممثل أن يستوعب فكرة الموضوع الرئيس، ويتمثله في أثناء أدائه التمثيلي، ويستحضره دائما، مادامت تلك الفكرة هي المنبع الأساس للمؤلف والممثل على حد سواء.

إن المسرحية الحقيقية هي التي تعتمد على الخط المتصل، وتنطلق من الهدف الأعلى. ويتفرع عن هذا الفعل وجود أفعال إيجابية وأفعال مضادة تسهم في تشابك الأهداف داخل المسرحية. ويقول ستانسلافسكي:" إن كل فعل يقابله رد فعل، ورد فعل هذا يقوى بدوره الفعل؛ وفي كل مسرحية تجد إلى جانب الفعل الرئيسي، رد فعله المضاد، وهذا مما يسعدنا لأن نتيجته المحتومة، هي مزيد من الفعل. ونحن نحتاج إلى ذلك الصدام بين الأهداف، وإلى جميع المشاكل التي تترتب على تطاحنها، والتي تطلب حلا، وذلك لأن تطاحن الأهداف يؤدي إلى النشاط الذي هو أساس فننا. "(29)

وعليه، فعمل الممثل مقترن أيما اقتران بثلاثة عناصر أساسية هي: الإدراك الداخلي، وخط الفعل المتصل الذي يربط أحداث المسرحية، والهدف الأعلى.

المطلب الخامس عشر: عند مشارف العقل الباطن

يرتكز عمل الممثل في إبداعه المسرحي على العقل الباطن تخييلا واستكناها للمشاعر الشعورية واللاشعورية، وينتقل الممثل من العقل الواعي إلى العقل اللاواعي عبر الذاكرة الانفعالية، والاستسلام للإلهام الإبداعي الخلاق عن طريق الصدق والإيمان. وفي هذا النطاق، يقول ستانسلافسكي :" إن عقلنا الواعي يرتب ظواهر العالم الخارجي المحيط بنا، ويدخل عليها قدرا معينا من النظام. وليس ثمة خط واضح يفصل بين التجربة الشعورية والتجربة غير الشعورية، وعقلنا الواعي يعين في كثير من الأحيان الاتجاه الذي يواصل فيه عقلنا الباطن عمله. ولذلك، كان الهدف الأساسي لمهارتنا الفنية النفسية هو أن تجعلنا في حالة إبداع، يتمكن فيها عقلنا الباطن من أن يؤدي وظيفته بطريقة طبيعية."(30)

ومن جهة أخرى، يتكون " خط الفعل المتصل من سلسلة من الأهداف الكبيرة، فإذا أدركتم كم تتضمن هذه الأهداف الكبيرة من أهداف لاحصر أصغر منها تتحول إلى أفعال لا شعورية، أمكنكم أن تتصوروا مقدار النشاط اللاشعوري الذي يتدفق في خط الفعل المتصل في أثناء مروره بالمسرحية كلها، باعثا فيها المقدرة على التأثير في عقلنا الباطن بطريقة غير مباشرة."(31)

ويعني هذا أن الممثل لابد أن يستحضر العقل الباطن حين تأدية دوره المسرحي من أجل تفتيق الذاكرة الانسيابية، والتعبير عن المشاعر الانفعالية بصدق وإيمان.

المطلب السادس عشر: دراسة الشخصية

يستوجب الدور المسرحي المقترن بالشخصية أن يلم الممثل بحيثياتها السيكوسوسيولوجية، والإهتمام بتفاصيل الشخصية، ورصد دقائق مظهرها الخارجي، مع استكناه أعماقها الداخلية، وإعداد بحث مفصل عن الشخصية التي ستخضع للتمثيل والمحاكاة والتقليد.

ومن أهم العناصر التي ينبغي التركيز عليها في دراسة الشخصية المسرحية ما يلي:

* دراسة الشخصية في بيئتها التاريخية والزمنية...

* تحديد البلد الذي عاشت فيه الشخصية، ورصد أحوال الحياة في هذا البلد، واستعراض مجمل الظروف المحيطة به، وما كتب عنه.

* سبر الأحوال النفسية لصاحب الشخصية وروحه وطريقة الحياة التي كان يحياها .

* تبيان مركز الشخصية الاجتماعي، ومظهرها الخارجي.

* دراسة الشخصية في عاداتها، وتحليل طريقة سلوكها، وسبر حركاتها، وتحديد صوتها، وتعيين أسلوب كلامها، وما تتسم به من نبرات.

وكل هذه المعلومات من أجل أن ينفذ الممثل إلى صميم الشخصية عبر مشاعره ومعايشته الصادقة للدور الفني.(32)

الخاتمة:

وخلاصة القول: يركز المخرج الروسي قسطنطين ستانسلافسكي، في كتابه (إعداد الممثل)،على الممثل المندمج في الدور المسرحي معايشة وصدقا، باتباع مجموعة من المبادىء التقنية التشخيصية في عملية تدريب الممثل الموهوب أوالمحترف، وإدارته ذهنيا ووجدانيا وحركيا. ومن ثم، لقد أضحت تقنيات ستانسلافسكي في تدريب الممثل منهجا عاما لدى أغلب المخرجين المسرحيين في العالم نظرا لطابعها العلمي الميداني، وقدرتها على إقناع المتفرج الراصد بشكل فعال.

ولقد طورت آراء ستانسلافسكي ذات البعد الواقعي السيكولوجي من قبل المخرج النمساوي لي ستراسبيرج صاحب أستوديو الممثل بنيويورك. وبالتالي، أصبح هذا المنهج التخييلي الداخلي طريقة مفضلة لدى الكثير من الممثلين والمخرجين في بقاع شتى من العالم بغية إتقان مهنة التمثيل المسرحي والسينمائي على حد سواء.

 

د. جميل حمداوي

 ....................

(1) قسطنطين ستانسلافسكي: إعداد الممثل، ترجمة: الدكتور محمد زكي العشماوي ومحمود مرسي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، بدون تاريخ للطبعة، ص:60.

(2)  ستانسلافسكي: نفسه، ص:63-64.

(3) ستانسلافسكي:نفسه، ص:53.

(4) ستانسلافسكي: نفسه، ص:39.

(5) ستاسلافسكي: نفسه، ص:161.

(6)  ستانسلافسكي: نفسه، ص:88.

(7) ستانسلافسكي: نفسه، ص:96.

(8) ستانسلافسكي: نفسه، ص:109.

(9) ستانسلافسكي: نفسه، ص:113.

(10) ستاسلافسكي: نفسه، ص:119.

(11) ستاسلافسكي: نفسه، ص:121.

(12) ستاسلافسكي: نفسه، ص:130.

(13) ستاسلافسكي: نفسه، ص:233.

(14) ستاسلافسكي: نفسه، ص:246-247.

(15) ستاسلافسكي: نفسه، ص:247.

(16) ستاسلافسكي: نفسه، ص:254.

(17) ستاسلافسكي: نفسه، ص: 261.

(18) ستاسلافسكي: نفسه، ص:282.

(19) ستاسلافسكي: نفسه، ص:283.

(20) ستاسلافسكي: نفسه، ص:285.

(21)- ستاسلافسكي: نفسه، ص:301.

(22) ستاسلافسكي: نفسه، ص:313-314.

(23) ستاسلافسكي: نفسه، ص:319.

(24) ستاسلافسكي: نفسه، ص:321.

(25) ستاسلافسكي: نفسه، ص:326.

(26) ستاسلافسكي: نفسه، ص:329.

(27) ستاسلافسكي: نفسه، ص:330.

(28) ستاسلافسكي: نفسه، ص:343.

(29) ستاسلافسكي: نفسه، ص:353.

(30) ستاسلافسكي: نفسه، ص:357.

(31) ستاسلافسكي: نفسه، ص:382.

(32) ستانسلافسكي: نفسه، ص:29.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4104 المصادف: 2017-11-30 00:17:05