المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

بقايا النهار ونزعة الكتابة البصَرية

adnanhusan ahmadأليس من المستغرب أن يتساءل اليابانيون على وسائل التواصل الاجتماعي إثر فوز الروائي البريطاني، الياباني الأصل كازو إيشيغورو بجائزة نوبل للآداب عام 2017: مَنْ هو هذا الرجل؟ وكأنه انبثق من فراغ على الرغم من حضورة الفاعل في المشهد الثقافي البريطاني منذ أوائل الثمانينات من القرن الماضي وفوزه بالعديد من الجوائز الأدبية الرفيعة مثل جائزة "وينفريد هولتبي" عن روايته الأولى "منظر شاحب للتلال" 1982، وجائزة "وايتبريد" عن رواية "فنان العالم العائم" 1986، وجائزة "مان بوكر" عن رواية "بقايا النهار" 1989، كما نال وسام الإمبراطورية البريطانية عام 1995، ووسام الفنون والآداب الفرنسي عام 1998. وفي السياق ذاته أدرجت مجلة "تايم" رواية "لا تدعني أرحل أبدًا" ضمن قائمة أعظم رواية إنكَليزية منذ تأسيس المجلة عام 1923 ولحد الآن. كما صنّفتهُ صحيفة "التايمز" اللندنية في المرتبة الثانية والثلاثين ضمن قائمة أعظم 50 كاتب روائي بريطاني منذ عام 1945. وأكثر من ذلك فهو قاص، وسينارست، وكاتب أغاني وقد حُوِّلت روايتيه "لا تدعني أرحل أبدًا" و "بقايا النهار" إلى فيلمين سينمائيين حصدا العديد من الجوائز، وتنقلا بين مهرجانات دولية كثيرة ومع ذلك فإن اليابانيين لم يتعرّفوا على إيشيغورو وربما لم يقرأ كثيرون منجزه الروائي الذي يرقى إلى مستوى التحف الأدبية وخاصة روايته التي تحمل عنوان "بقايا النهار" التي ترجمها طلعت الشايب إلى العربية وصدرت عن المركز القومي للترجمة عام 2000.

لم يكن اختيارنا لدراسة وتحليل رواية "بقايا النهار" اعتباطيًا، فعلى الرغم من فوزها بجائزة "مان بوكر" التي تؤشر على موهبة إيشيغورو الأدبية، وتحويلها إلى فيلم سينمائي جميل تألق فيه أنتوني هوبكنز، وإيما تومسون، وجيمس فوكس، وغيرهم من الفنانين الذين جسدوا الرؤية الإخراجية لصانع الفيلم الأميركي جيمس آيفوري الذي كان أمينًا للنص الروائي ولم يُحدِث فيه إلاّ بعض التغييرات الطفيفة هنا وهناك.

ما يميز روايتيه "منظر شاحب للتلال" و "فنان العالم العائم" أن أبطالهما يابانيون، وأن موضوعاتهما يابانية أيضًا، بينما تتصف رواية "بقايا النهار" بشخصياتها، وثيمتها البريطانية الصرف، ولعلها تنقِّب في التاريخ البريطاني المعاصر حتى أن البعض صنّفها رواية تاريخية مع أن التاريخ الوطني لإنكَلترا يتماهي مع الذاكرة الفردية لبطل النص وسارده، ولعل هذا التماهي بين الذاتي والموضوعي هو الذي منح النص الروائي نكهته الخاصة وجعلت كاتبه يسند دور البطولة إلى شخص ثانوي قد لا يلتفت إليه أحد.

على الرغم من كثرة ثيمات هذه الرواية مثل الكرامة، والمزاح، والحُب، والعلاقات الإنسانية، والذاكرة، والسجالات السياسية إلاّ أنّ القارئ يشعر بغياب القصة المُحكَمة التي تنتظم النسق السردي، ولعل الخيط الوحيد الذي يمكن تتبّعهُ هو طبيعة العلاقة الإشكالية التي تربط بين ستيفنس، رئيس الخدم في قصر "دارلنغتون هول" وبين مُدبِّرة المنزل مس كنتون التي تركت العمل بعد أن طلب يدها للزواج مُساعد رئيس خدم كانت تعرفه سابقًا، بينما كانت تُحب في أعماقها ستيفنس الذي كرّس حياته لخدمه سيده اللورد دارلنغتون وأظهر لهُ ولاءً منقطع النظير.

تبدأ أحداث الرواية بعد أن انتقلت مِلكية القصر من عائلة دارلنغتون إلى مستر فراداي، الثري الأميركي الذي نصح ستيفنس أن يأخذ سيارته الخاصة ويقوم برحلة إلى الريف الغربي، ووعده بتحمل ثمن الوقود، فما الذي يمنعه من القيام بهذه الرحلة الاستجمامية طالما أنه لم يغادر هذا القصر منذ سنوات طوالا، ولم يستمتع بجمال الطبيعة بسبب انغماسه المُطلق في العمل، وتفانيه في خدمة سيده السابق اللورد دارلنغتون؟

وقبل أن يشرع في الرحلة يستلم رسالة من مس كنتون توحي إليه بأنها لم تكن سعيدة في زواجها لذلك يقرر زيارتها في قرية "ليتل كومتون" واللقاء بها بعد أكثر من عشرين عامًا. وخلال هذه الرحلة يستذكر شريط حياته على مدى 35 عامًا عاشها كرئيس خدم في بيت عريق، وتحركت مشاعره من دون أن يدري تجاه مس كنتون لكن إيمانه الكامل بضرورة خدمة سيده على أكمل وجه أنساه حياته الخاصة، ومشاعرة الدفينة التي وضعها في نهاية اهتماماته اليومية المكرسة كليًا للسيد دارلنغتون.

من أبرز الأشياء التي يتذكرها هي وقائع المؤتمر العالمي الذي انعقد عام 1923 وقد حقق فيه قدرًا من "الكرامة" فهو يؤمن إيمانًا مُطلقًا بأن "تحت سقف هذا المبنى سيتمّ صنع التاريخ"(127). فقد اجتمعت فيه أهم الشخصيات السياسية الأوروبية والأميركية التي تتحكم بمصير العالم وكان الهدف النبيل لدارلنغتون هو أن يخفف من بنود معاهدة "فرساي" التي سببت معاناة كبيرة للشعب الألماني بينما كانت خطة هتلر هي خداع إنكَلترا لأطول فترة ممكنة، وأن من ينسِّق هذا الخداع هو الهير ريبينتروب. أما من الجانب الأميركي فقد حضر السيناتور لويس الذي تطاول على الجميع وأعتبرهم هواة في السياسة وأنه يتوجب عليهم جميعًا أن يعتمدوا على خبراء وألا يضعوا ثقتهم في شخصيات هاوية لا تعرف من السياسة حتى أبجديتها الأولى وقد تطاول حتى على اللورد دارلنغتون حينما وصفه بأنه "هاوٍ أخرق وعلى وشك أن يغرق في المياه العميقة"(ص328).

يستدعي إيشيغورو إلى هذا القصر العديد من الشخصيات البريطانية المهمة أمثال تشرشل، وإيدن، وبرنارد شو، وهاليفاكس، وأوزوالدو موسلي، ومسز بارنيت وغيرهم من الشخصيات السياسية والثقافية التي غيّرت مزاج الشعب البريطاني. وفي لقاء آخر جمعَ بين رئيس الوزراء ووزير الخارجية والسفير الألماني وكان هدف دارلنغتون أن "يمنح كرمهُ وصداقته المخلصة لعدو مهزوم"(327) لكنه، مع الأسف الشديد، سوف يُقصى من الحياة السياسية البريطانية ويموت ملطخًا بالعار نظرًا للاعتقاد السائد بأنه دعم النازيين خلال الحرب العالمية الثانية.

صحيح أن ستيفنس كان يفكر في ضمّ مس كنتون إلى طاقم مستخدمي قصر دارلنغتون بعد التغيرات الجديدة التي طرأت إثر مجئ المالك الجديد لكنه ذهب إليها مسكونًا بهاجس الرسالة ومضمونها الذي حرّك مشاعره من جديد. وحينما يلتقيها بعد أكثر من عشرين عامًا يسألها إن كانت تحب زوجها أم لا؟ فتغرقه بسيل من المعلومات التي تفيد بأن زوجها لم يعاملها معاملة سيئة لأنه ليس إنسانًا قاسيًا ولا نكد المزاج، ومع ذلك فهي لم تكن تحبهُ لبعض الوقت، وأنها قد انفصلت عنه ثلاث مرات لكنها اكتشفت ذات يوم بأنها تحب زوجها، وقد نما هذا الحب الذي أثمر بنتًا جميلة تنتظر مولودها الأول بعد أيام. ولأنها كانت تحب ستيفنس فلاغرابة أن تبوح له في خاتمة المطاف بحقيقة مشاعرها الإنسانية حينما قالت:"فأنا مثلا أفكر في حياة كان يجب أن أعيشها معك يامستر ستيفنس"(ص348) لكن عقارب الزمن لا تعود إلى الوراء، وعندها فقط يكتشف بأنه أضاع عمره هدرًا على الصعيد العاطفي في الأقل لأن قناعته المهنية لم تتزعزع أبدًا على الرغم من بعض المنغصات والإحباطات التي ألمّت به على مدى ثلاثة عقود ونصف العقد بالتمام والكمال.

تتميز رواية "بقايا النهار" بلغتها البصرية وهذه الميزة متأتية من كون إيشيغورو سينارست محترف ويكتب بتقنية العدسة في كثير من الأحيان ويكفي أن نشير إلى أن صحيفة "الغارديان" عام 2007 قد أدرجت "بقايا النهار" ضمن "1000 رواية ينبغي أن يقرأها كل إنسان".

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4118 المصادف: 2017-12-14 03:15:30