المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

صيغة الحداثة في "أباريق مهشّمة"

sulayman joubranفي سنة 1954 أصدر الشاعر عبد الوهاب البياتي (1926– 1999) مجموعته الشعرية الثانية "أباريق مهشّمة"، بعد أربع سنوات على صدور مجموعته الأولى "ملائكة وشياطين". هذه الفترة بين المجموعتين تبدو طويلة نسبيًا. فباستثناء "النار والكلمات" (1960– 1964) لم تستغرق كتابة مجموعة أخرى من مجموعاته هذه المدّة الطويلة. فقد عُرف عن البياتي غزارة إنتاجه وتوالي مجموعاته، بحيث أصدر 17 مجموعة يضمّها "ديوان عبد الوهاب البياتي" بمجلّداته الثلاثة في مدّة 25 سنة (1950- 1975)، بالإضافة إلى بعض إصداراته النثرية وترجماته.

في السنوات الأربع هذه، بين مجموعتيه الأولى والثانية، كتب البياتي فيما يبدو قصائد اخرى كثيرة لم تضمّها مجموعة "أباريق مهشّمة". ففي مقابلة مع الناقد غالي شكري، في "دراسات أدبيّة"، يصرّح البياتي قائلا: "كتبتُ حتّى عام 1951 كثيرا من الأشعار التي تعدّ امتدادا لديواني الأول "ملائكة وشياطين"، لكنّي مزّقتها وأحرقتها لأنّها كانت تعبيرا عن عالم متخيّل لفظ أنفاسه الأخيرة". هكذا يتبيّن لنا أنّ الفترة الفاصلة كانت فترة تجريب ومعاناة فتّش فيها الشاعر عن طريقة لتجاوز صيغة "ملائكة وشياطين"، حتّى اهتدى أخيرا إلى أسلوب شعري جديد يختلف تماما عمّا كتبه في المجموعة الأولى.

يكاد يُجمع النقّاد أنّ "أباريق مهشمة" هي مجموعة البياتي الأولى المكتوبة بأسلوب جديد، وأنّ هذا التجديد فيها كان شاملا، وفي طفرة واحدة أيضا. يشير الدكتور إحسان عبّاس، مثلا، في كتابه النقديّ"عبد الوهّاب البياتي والشعر العراقي الحديث" وكان أصدره بعد "أباريق مهشّمة" مباشرة، وكرّسه أساسًا لدراسة هذه المجموعة، إلى هذه الجدّة المفاجئة فيصفها قائلا: "إنّ ما أراد البياتي أن يحقّقه ليس هيّنا- أراد الجدّة دفعة واحدة، في الصورة والموضوع والنغمة، ولا بدّ لمن يضطلع بهذا العبء أنْ يسير حينا ويعثر حينا آخر، وأنْ يضحّي بشيء، في سبيل الحصول على غيره".

 ولا يكاد يختلف رأي عبد الواحد لؤلؤة في مقالة له في "الآداب" البيروتيّة عمّا سبق، في تأكيده التجديد في "أباريق مهشّمة" ، بعكس مجموعة  "ملائكة وشياطين" مجموعته الأولى قبله: " .. ولكنّه في ديوانه الثاني (أباريق مهشّمة، 1954) يندفع في أسلوب العمود المطوّر بشكل لم يكنْ منتظرًا، بالرغم من أنّ البياتي لم يدرس الآداب الأوروبيّة بلغاتها الأصليّة، لكنّه انفتح على ثقافات عديدة منذ أوائل عهده بالشعر". ثمّ إنّ البياتي نفسه يعتبر "أباريق مهشّمةّ فتحًا جديدا في الشعر العربي الحديث، فيذكر إنجازه هذا بكثير من الفخر والاعتزاز. ففي مقابلة معه في مجلّة "شعر" يقول الشاعر: "ويوم كتبت أباريق مهشّمة كنت أقتحم آفاقا جديدة دون وجود طريق ممهّدة أمامي. والجديد الذي جاء في شعري ظهر فيما بعد عند كثير من الشعراء البارزين اليوم". كما أنّ البياتي في حديثه المذكور مع غالي شكري يذكر صراحة أنّه يعتبر "أباريق مهشّمة" أوّل مجموعة شعريّة يظهر فيها "مفهوم الحداثة"، إذ يقول: "لا شكّ أن هناك تطوّرًا بين ملائكة وأباريق. فأباريق مهشّمة يعدّ بالنسبة للشعر العربي الجديد عامّة أوّل ديوان كامل يظهر فيه مفهوم الحداثة ورؤيا المعاصرة... لأنّ أشعار السيّاب مثلا، التي كتبها بين 1950 و 1954 (وهي نفس المرحلة التي كتبتُ فيها "أباريق مهشّمة") كانت امتدادًا لعالمه الأوّل، عالم "أزهار ذابلة" و"أساطير"، وهو عالم رومانسي باستثناءات نادرة. ولم يستطع السيّاب أن يتخلّص من رومانسيّته المكثّفة إلا بصدور ديوان "أنشودة المطر"، وقد ظهر بعد ديواني بسنوات".

ونحن هنا لن نعرض للظروف الشخصيّة والموضوعيّة التي كانت عونًا للبياتي في إنجاز "صيغة الحداثة"، بل سنحاول فقط تقصّي أهمّ المقوّمات الفنيّة التي تتشكّل منها هذه الصيغة الجديدة: المبنى الثيماتي، المعجم الشعري، التكرار، التناصّ.

المبنى الثيماتي

تضمّ مجموعة "أباريق مهشّمة"، في "ديوان عبد الوهاب البياتي" 37 قصيدة، وهناك أربع قصائد أخرى ظهرت في الطبعة الأولى من المجموعة، لكنّها لم تظهر في الديوان الكامل. إلا أنّنا نتناولها هنا لأنّها في الواقع تنتمي إلى الأباريق.

حين ينتقل القارئ من "ملائكة وشياطين" إلى "أباريق مهشّمة"، يجد نفسه يواجه فجأة صياغة شعريّة جديدة تختلف تماما عن الفنّ الشعري في الشعر الكلاسيكي الجديد والشعر الرومانسي على حدّ سواء. في الملائكة قبلها كان الشاعر هو الشخصية المركزية في القصيدة، يعبّر فيها عن عواطفه الذاتيّة، بل يصف ما حوله أيضا بعين ذاته، مُسبغًا عليه كلّه ما في داخله هو. أمّا الآن، في الأباريق، فالشاعر يغدو أشبه ما يكون بالراوي في الفن القصصي، يعرض صوره ومواقفه فيما يشبه السرد الموضوعيّ، وهو ملمح يهيمن تماما على مجموعة الأباريق كلّها.

معظم النقّاد عرضوا للشكل الجديد لكنّهم اكتفوا، على الأغلب، بالقول إنه شكل يقوم على الصور وسيلة في التعبير، ثمّ انصرفوا إلى دراسة الشكل الإيقاعي واللغة الشعرية برموزها وتشبيهاتها واستعاراتها. كرّس إحسان عبّاس، مثلا، فصلا كاملا من كتابه لدراسة الصورة في الأباريق، فميّز بوضوح بين نوعين من الصور: الصور العريضة وتتكوّن جزئيّاتها عادة من المنظروات والمسموعات، كما في سوق القرية مثلا، والصورة الطويلة التي تدور حول شخص واحد، وتتردّد فيها هواجسه وآلامه، بحيث تغدو أقرب إلى المونولوج الداخلي، كما في القرصان والملجأ العشرون، أو الآفاق. كذلك أشار نقّاد كثيرون إلى أنّ الصورة غالبا ما تكون مجزّأة، يكتفي منها الشاعر  بلمحة عابرة، بصريّة أو سمعيّة، دونما الخوض في تفاصيل أخرى. يقول الناقد جلال العشري، مثلا: "فشعره يتميّز بتعدّد الصور الجزئية المتناثرة التي تتكامل فيما بينها لتعطي الانطباع الكلّي العامّ، كما يتميّز  باللمسة السريعة واللمحة القافزة".

أمّا عن الروابط الداخلية التي تضمّ شتات الصور المجزّأة، وصِلة هذه الصور بالهيكل العام للقصيدة، فقد انصرف النقّاد في تناولها عادة إلى تبيان العوامل النفسية، والتأكيد بوجه خاصّ على تكنيك التداعي الذي اعتبروه السلك الوحيد الذي يضمّ هذه الصور إلى بعضها. يرى إحسان عبّاس، مثلا، أنّ "التداعي عند البياتي لا يحمل دائما حقائق نفسيّة، وغالبًا يجيء عدّا لمظاهر الصورة الخارجية [...] وهذا العدّ لا يدلّ إلا على تحويم النفس حول الصور الخارجية".

في رأينا أنّ معظم الصور في "أباريق مهشّمة" تقوم، في الواقع، على مبنى ثابت متكرّر، بسيط في بعض القصائد، ومركّب في الأخرى. هذه القصائد بالذات هي القصائد المهيمنة على المجموعة كلّها، بحيث يمكن اعتباره مبنى مركزيّا في الأباريق عامّة. يتألّف هذا المبنى عادة من متواليات من "الصور المجزّأة"، أو العناصر، وهذه المتواليات تنتمي إحداها إلى نطاق معيّن، واقعيّ أو نفسيّ، تتلوها أخرى من طبيعة مختلفة تمامًا، بحيث يخلق هذا التناوب بين المتواليات المتضادّة مبنى جدليّا واضحًا، ينجم غالبًا عن استخدام عنصرين متضادّين، من المجال ذاته عادة: قاتم ومشرق، متمثّليْن في الواقع منافيا للأحلام مرّة، والحاضر منافيًا للماضي أو المستقبل مرّة أخرى. لا تقوم القصيدة، طبعا، على مبنى هندسيّ دقيق يضمّ عددا متساويًا من المتواليات القائمة والمشرقة، وعددا متكافئا من العناصر أيضا. إنما هو مبنى عامّ مركزيّ، كما أسلفنا، قد تدخله أحيانا بعض التغييرات أو "الانحرافات" بينما يبقى الهيكل الأساسيّ واضحًا تماما.

في سبيل التمثيل على هذا المبنى الجدليّ المذكور، ننظر مثلا، في قصيدة "أباريق مهشّمة"، وهي قصيدة سهلة المبنى نسبيًا، ويبدو أنّ الشاعر أولاهما أهميًة خاصّة حين جعل عنوانها نفسه عنوان المجموعة كلّها، كما هو مألوف في عناوين مجموعات القصص القصيرة.

مضمون القصيدة، أو ثيمتها، هو الصراع بين القديم والجديد، بين القوى الرجعيّة وقوى التقدّم بأسلوب السياسة. لذا فإنّها تجمع كما يرى الدكتور عبّاس بين صور "التردّد والحيرة والعمى" من ناحية، وصور "التفتّح والانعتاق والاندفاع" من ناحية أخرى. وفي فحصنا هنا للمتواليات المختلفة من الصور سوف نقف، رغبة في التوضيح، على الشكل الأساسي للقصيدة، بحذف بعض الألفاظ والروابط التي لا نراها ضرورية في فهم القصيدة وتحليلها، مضحّين طبعا بالوزن والقافية، مُبقين من ناحية أخرى ألفاظ القصيدة ذاتها ما أمكن:

1) الله، الأفق المنور، العبيد يتحسّسون قيودهم [مردّدين]:

"شيّد مدائنك قرب فيزوف"

"لا تقنع بما دون النجوم"

"ليملأ قلبَك الحبّ والفرح"

2) الرجال الذين باعوا نسورهم يتضوّرون جوعًا

 أشباه الرجال العور يقفون حائرين في مفرق الطرق الجديدة [مردّدين]:

"لا بدّ للخفّاش من ليل وإن طلع الصباح".

3) الشاة تنسى وجه راعيها

الابن على أبيه

 الخبز المبلّل بالدموع له طعم الرماد.

4) العين الزجاجية في رأس القزم تنكر الضوء الجديد

الأرامل يتبعن أشباه الرجال بلا غد.

5) الله، الأفق المنور، العبيد يتحسّسون قيودهم (مردّدين):

"نبع جديد تفجّر في حياتنا المجدبة".

"ليدفن الأموات موتاهم".

"لتكتسح السيول الأباريق القبيحة والطبول".

"لتشرق الشمس وليحلّ الربيع".

المتوالية الأولى، كما نرى، تتألف من عناصر ثلاثة: الله- رمز الإيمان والعدل؟ الأفق المنوّر- رمز النور والتحرّر، ثم العبيد وهم يحاولون كسر قيودهم، وقلوبهم طافحة بالثقة والطموح والحب، كما ورد في جملة القول الثلاثية. واضح أنّ الصورة الثالثة، صورة العبيد الطامحين إلى الانعتاق، هي صورة طويلة نسبيًا، إذا قارنّاها بالصورة الأولى التي تقوم على كلمة مفردة- الله، والثانية المؤلّفة من اسم وصفة- الأفق المنوّر. ما يلفت النظر هنا أن الصور الثلاث في هذه المتوالية هي صور ذات دلالة إيجابية، أو هي صور مشرقة، وإذا كان العنصر الأول- الله- "محايدًا" فإنه بطبيعة الحال يكتسب "إشراقه" من سياقه، أو من العنصرين المجاورين له.

المتوالية الثانية هي متوالية قاتمة، ما في ذلك شكّ. فهي تتألّف من صورتين: بائعو النسور (من كنايات البياتي لمن فقدوا ضمائرهم) يعانون الجوع، أو الخواء الروحي، وأشباه الرجال العور (من قاموس البياتي الهجائي لأعداء التقدّم وأتباع السلطة) يقفون مشدوهين في الظروف الثورية الجديدة، لكنهم لا يفقدون الأمل في انتصار الظلام على النور، فالخفّاش لا بدّ له من ليل يعيش فيه. يلاحظ أيضا أنّ القصيدة، كما يظهر بوضوح، تنتقل من المتوالية الأولى إلى الثانية مباشرة، دونما رابط سوى الواو لا غير.

 تنتقل القصيدة بعد ذلك مباشرة إلى المتوالية الثالثة، بالطريقة ذاتها، لتتضمّن ثلاث صور مشرقة مرّة أخرى: الشاة تنسى وجه راعيها. في إشارة إلى انتهاء عهد التبعيّة، عهد "الراعي والقطيع". وعلى الأب يقوم الابن: باعتبار الابن ممثّلا للجيل الجديد والعهد الجديد، بينما يمثّل أبوه الجيل التقليدي السابق، في تناصّ واضح مع التراث المسيحي. والخبز المبلّل بالدمع بطعم الرماد: في تصوير النضال المرّ القاسي الذي يخوضه المناهضون للحاكم. الصورة الأخيرة بالذات قد لا تكون مشرقة حرفيًا، إلا أنّها بوضوح من تبعات التحوّل والتغيير،  ترافق وتكمّل الصورتين السابقتين.

المتوالية الرابعة تتألف، مثل الثانية، من صورتين فقط: القزم بعين واحدة من زجاج ينكر الضوء الجديد. والقزم في القاموس الهجائي عند البياتي لا يكاد يختلف عن العور وأشباه الرجال. والعين الزجاجية الواحدة ربما تشي بالقيامة أو "أشراط الساعة"؟ والأرامل المخدوعات بأشباه الرجال لا مستقبل لهم جميعًا. كلتا الصورتين، دون شكّ، صورتان قاتمتان، تمثلان أعداء التقدّم، أعداء النور.

المتوالية الخامسة والأخيرة تكرّر عناصر الأولى، إلا أن العبيد هنا ليسوا من كانوا في بداية التغيير/ الثورة. إذ اختلفت حالتهم تمامًا كما تمثّلَ ذلك في جملة القول الطويلة المفعمة بمشاعر التفاؤل والانتصار: النبع الجديد/الثورة يتفجّر في حياتهم. فليُدفن الماضي البغيض، ولتُشرق الشمس، ويتمّ التحرر نهائيًا.

قبل النظر في المبنى الجدليّ لهذه القصيدة المركزية في المجموعة، لنا ثلاث ملاحظات أخيرة:

1) رغم أنّ عنوان القصيدة، والمجموعة كلها، هو "أباريق مهشّمة"، إلا أنّها وردتْ، في ثنايا القصيدة، الأباريق القبيحة. ولا نظن أنّ هناك سببًا لهذا التغيير سوى ضرورة الوزن. من ناحية أخرى يمكن القول إنّ الشاعر باتّخاذه الأباريق المهشّمة عنوانا للمجموعة كلها، أراد القول بأن هذه المجموعة حرب على الرجعية والمؤسسات القديمة، وفي ذلك ما يبرز طابعها التقدّمي بصراحة.

2)  يكنّي الشاعر عن المناضلين في القصيدة بالأموات: "فليدفن الأموات موتاهم". وتتردد هذه الكناية في مواضع أخرى من المجموعة بالدلالة السابقة ذاتها. وقف الدكتور عبّاس طويلا عند إيليوت والفلسفات القديمة والمتنبّي والتراث المسيحي، محاولا تفسير الدلالة التي أرادها الشاعر بهذه الكناية. وفي رأينا أن البياتي استقى هذه الكناية من الإنجيل حصرًا، إلا أنّ المسيح يقصد هناك بالموتى من لم يؤمنوا بالرسالة، فاقتبسها البياتي وجعل دلالتها المناضلين والأحرار، وفي ذلك بعض التناقض غير المبرّر، في رأينا.

3) الملاحظة الأخيرة أن قصيدة "أباريق مهشّمة" قصيدة متفائلة، تغلب عليها الصور المشرقة كمًا ونوعًا. ثمّ إنّ الخاتمة كما رأينا هي خاتمة متفائلة مشرقة واثقة بانتصار النور على الظلام، والحقّ على الباطل، في هذا الصراع المصيري. إلا أنّ معظم القصائد الأخرى ذات الشكل الجدلي المماثل لا يغلب عليها التفاؤل والإشراق والتحرّر، كما في هذه القصيدة. فأغلب الظنّ أنّ القصيدة كّتبت بعد إعداد المجموعة لتكون موتو أو "واجهة" توحي بالتفاؤل المذكور. أمّا القصائد الأخرى فقد حملت في معظمها  طابع التشاؤم بالذاتّ. إذ تغلب فيها العناصر القاتمة على المشرقة. لذا فإنها هناك، تمثّل في رأينا موقف الشاعر عامّة، أكثر مما تمثّله قصيدة "أباريق مهشّمة" التي تطفح بالتفاؤل والثقة الكاملة بالنصر!

على كل حال، ما يهمًنا هنا أن القصيدة تنتقل من متوالية إلى أخرى، لتضمّ خمسًا منها: مشرقة- قاتمة- مشرقة– قاتمة- مشرقة. وهو مبنى جدليّ من الأضداد، يهيمن على جوّ المجموعة عامّة. إذ تتتابع في القصائد المركزية من المجموعة هذه المتواليات، وإن اختلفت نوعًا وترتيبًا، بحيث يمكننا اعتبار هذا المبنى الجدليّ المبنى المهيمن على كلّ المجموعة. بل إن المبنى الإيقاعي ذاته في "المطلع" يتردّد أيضا في قصائد كثيرة أخرى.

المبنى المذكور القائم على الجمع بين الصور، مشرقة مرّة وقاتمة مرّة أخرى، ولا يجمع بينها سوى الواو، نجده أيضا في قصيدة "الحريم" حيث يقوم التضادّ بين الحبيبة كما تبدو في نظر العائق الرومانسي وواقع المرأة البائس في الشرق حيث ما زالت "جسدًا بأسواق المدينة بالمزاد/ جسدًا يباع". ويقوم هذا المبنى متلاحقا بعنف في "الباب المضاء" حيث يزحف المتظاهرون بشعاراتهم وهتافاتهم من ناحية، ويقوم "الليل والحمَى وعصائب البوليس" من الناحية الأخرى، وهكذا..

هذا المبنى الجدلي شكّل في رأينا إطارًا، أو أساسًا لكلّ نواحي التجديد الأخرى في المجموعة. ولعلّ في هذا المبنى ما يعكس رؤية الشاعر الازدواجية في الواقع والحياة عامّة: فهي رؤية قاتمة في جوهرها تتوقّف طويلا على مشاهد الظلم والفقر والشقاء، بينما تظلّ الصور المشرقة قليلة نسبيّا وضامرة. بل إنها في بعض الأحيان تبدو مجلوبة بعيدة عن الأصالة والعفويّة. فالبياتي كما وصفه الدكتور عبّاس "إنسان يحسّ بما حوله، بمأساة لا يستطيع أن يغرقها في تفاؤل عريض، ومع ذلك فلا بدّ له من جرعة كبيرة من الإيمان بالإنسان، ومن قبضة من أثر التفاؤل تحوّل نفسيّته وشعره بقوّة من السحر، عن التشاؤم القاتم".ِ

المعجم الشعري

من الطبيعي أن ينعكس التجديد الكبير في "أباريق مهشّمة" لا على المبنى فحسب، وإنما على اللغة الشعرية بمعجمها وصياغاتها أيضا.

ننظر في قصائد المجموعة فنجد أن البياتي، في معظمها، هجر الأجواء الرومانسيّة الحالمة والمضامين المهيمنة على "ملائكة وشياطين"، منتقلا إلى عالم الواقع حوله، يصف ما يرى فيه من مشاهد مشرقة وقاتمة، أو جميلة وقبيحة، على حدٍّ سواء.

أوّل ما يلفت النظر هنا هو قاموس البياتي الشعري، متمثلّا في مفرداته وتراكيبه المغايرة تمامًا لمجموعته السابقة والصياغات العربية الرومانسية عامّة. فهو هنا يركّز على مكوّنات الواقع، العظيمة والتافهة معًا، مستخدمًا الألفاظ الواقعية البسيطة، لا يبالي إذا كانت هذه الألفاظ من "اللغة الشعرية" المألوفة في التقاليد الشعرية السابقة، أو من الألفاظ "اليومية" ، لتدخل "محراب" الشعر لأوّل مرّة. وسواء كان هذا التحوّل في النظر إلى الألفاظ متأثّرا بأسلوب إيليوت، أو بموقف شعراء اليسار العرب وغير العرب، فذلك ليس من شأننا هنا. ما يهمّنا هنا هو أنّ الشاعر ينظر إلى العالم من حوله نظرة واقعيّة، فيصوّر ما فيه من جمال ومن قبح أيضا، بالألفاظ السهلة المتداولة التي تبدو، ربما، نابية في الآذان "المرهفة" في تلك الفترة. بشير عبّاس إلى هذه الظاهرة فيعتبرها من صميم النهج الجديد، بل يقارن البياتي بالمدرسة التصويرية في الغرب أيضا: "فالتصوير شيء مشترك بين البياتي وشعراء المدرسة التصويريّة، لولا الخلاف في الغايات، أمّا في نثر أجزاء الصورة فربّما لم يكنْ هناك فرق أبدا، ويكفي أن تضع قصيدة "سوق القرية" إلى جانب قصيدة لفلتشر ((Fletgher عنوانها "حيّ مكسيكي" لتدرك التقارب الشديد في الطريقة".

لا يكتفي البياتي في اتجاهه الواقعي بذكر "التوافه" في الحياة، بل يذكر أيضا في قصائده أماكن وأشخاصًا واشياء يستقيها من اللغة الصحافية، مثل: المقهى، المذياع، البنادق، المستعمرون، البغايا، البوليس، البترول، اللصوص، الباعة المتجوّلين.. الخ، وفي ذلك ما يؤكّد نظرة البياتي إلى الواقع واللغة الشعريّة، وإن لك يكن أول من أخذ بهذا الأسلوب. يلاحظ أيضا أن البياتي يستقي ألفاظا كثيرة من الصحافة اليساريّة بالذات، بما فيها الشعارات والتراكيب الجاهزة: يسقط المستعمرون، صنّاع الظلام، حصن السلام، الموت للمستعمرين، حقّ تقرير المصير، الرفاق، الكادحون، عصر الكادحين، سفّاكو الدماء، أعداء الحياة.. الخ، وهذه الألفاظ لا تمثّل فقط واقعية الشاعر بل تعلن صراحة انتمائه إلى الأوساط اليسارية في العراق، في تلك الفترة ايضا.

حاولنا تقصّي المعجم الشعري عند البياتي في "أباريق مهشّمة"، فاقتصرنا على مجالات ثلاثة يستقي منها الشاعر معظم ألفاظه وتشبيهاته، ومنها تتشكّل إلى حدّ بعيد الصور القاتمة والمشرقة التي تتداول المبنى الجدلي المذكور آنفًا: الإنسان والحيوان والطبيعة.

يقسّم الشاعر الناس إلى فئتين: الحكّام وأتباعهم من جهة، يشكّلون الصورة القاتمة طبعا، والمحكومين؛ سواء كانوا من الناس البسطاء العاديين أو الثوّار والمناضلين، ويشكّلون عادة الصور المشرقة. من الفئة الأولى نقرأ عند البياتي: أشباه الرجال، العور، بائعو النسور، الأقزام، الجثث المعطّرة، صيّادو الذئاب، تجّار القول المزيّف، الأوغاد، البغايا، المومسات، التافهون، التنابلة، البوليس، البرابرة اللئام، أعداء الحياة. ومن الشخصيات التاريخية: هولاكو وهرون الرشيد. أما الفئة الثانية من الناس فهم: البؤساء، المستضعفون، الطيّبون، الملايين، العبيد، الكادحون، الرفاق، القافلة، الفارس، العائدون.

من الطبيعة يستقي البياتي ألفظا "قاتمة" مثل: الصحراء؛ صحراء السهاد، صحراء الصقيع، الصحاري الموحشات، الثلج، البرد، الليل، الظلام، الشوك، العشب الخبيث، التينة الحمقاء، الزنابق السود، أوراق الخريف، الأنهر السوداء. أمّا العناصر المشرقة من الطبيعة فهي: الشمس، الفجر، الضحى، الربيع، السماء الزرقاء، شذى الخمائل، ريح الجنوب، السنابل، المراعي، الغابات العذراء.

والعناصر القاتمة من عالم الحيوان، أخيرًا: الذباب، الجراد، الخفّاش، الجرذان، القمل، الحمر الهزيلة، الخنفساء، الحلزون، العنكبوت، الكلاب، العنزة الجرباء، الأفاعي، البوم، القرد، الصرصور، الذئاب، الديدان. بينما تبدو الحيوانات "المشرقة"  قليلة نسبيًا، سواء في عددها أو المرّات التي ترد فيها في المجموعة، وتقتصر على: السنونو، القبّرات، النحل، العصافير، الفراش.

بعد تقصّي هذه العناصر، في المجالات الثلاثة، في "أباريق مهشّمة"، يمكننا استخلاص ملامح هامَة دالّة بالنسبة للمجموعة كلّها:

1) في المجالات الثلاثة المذكورة، نجد العناصر القاتمة مهيمنة بوضوح، سواء في عددها أو عدد المرات التي تتردّد فيها، وفي ذلك ما يؤكّد رأينا أنّ موقف الشاعر، في الأساس، هو موقف قاتم متشائم، بخلاف ما ورد في قصيدة أباريق مهشّمة، كما ذكرنا سابقًا.

2) يلاحظ، أحيانا، أن اللفظ ذاته يمكن استخدامه قاتمًا أو مشرقًا، وذلك تبعًا للسياق الذي يرد فيه. فالشمس، مثلا، قد تمثّل النور والحرّية والانطلاق في سياق ما، كما رأينا في قصيدة أباريق مهشّمة آنفًا، وقد تكون دالّة على التعب والإرهاق والضجر في سياق آخر، كما يظهر في قصيدة سوق القرية. وهناك عناصر أخرى هي، في جوهرها، مشرقة أو قاتمة، إلا أنها تغيّر دلالتها إذا أضيفت إلى عنصر آخر، أو لحقتها صفة معيّنة. فالعشب والمطر والزنابق، مثلا، هي بحدّ ذاتها عناصر مشرقة، توحي بالخصب والربيع والحياة، إلا أنّها تكتسب الدلالة القاتمة حين ترد منعوتة على هذا النحو: المطر العقيم، العشب الخبيث، الزنابق السود. في هذا المجال تتجلّى رؤية الشاعر في صورة أوضح، ذلك أن الجوّ العام في القصيدة يسبغ حتى على هذه العناصر قتامته. إنها قتامة ذاتيّة، إذا صحّ التعبير، تنعكس على هذه العناصر فتصبغها بلونها هي، لتنضمّ بذلك إلى العناصر القاتمة في المجموعة.

3) هناك ألفاظ وردت في "ملائكة وشياطين" رومانسيًا، وفي هذه المجموعة استخدمت من جديد "واقعيًا". فالصحراء في المجموعة الأولى مثلا دلالتها الحرمان والعطش الروحيّ وهجر الحبيبة؛ صحاري الظماء، صحاري الحرمان. أمّا في السياق الواقعي، في هذه المجموعة، فدلالتها الفقر والضعف والحرمان الاجتماعي؛ صحراء الصقيع، صحراء العدم، الصحارى الموحشات. والأفعى أو الثعبان وردت في السياق الرومانسي، في المجموعة الأولى، تحمل إيحاءات الخطيئة والجنس، أجواء التوراة وإلياس أبو شبكة. إلا أنّها هنا تقترن بالعفاريت وخوف الصغار وأوهامهم المفزعة في الليل: "وفي الظلام/ مأوى الأفاعي والعفاريت الضخام/ كانت مدائننا الجديدة في خواطرنا تقام".

4) هناك قصائد قليلة في المجموعة تختلف عن المثال المهيمن المذكور، من حيث مبناها وألفاظها واستعاراتها، وهي في الغالب قصائد ذاتية، وتتناول موضوعات مثل الحب وذكريات الطفولة خاصّة. في قصيدة أمطار، مثلا، نجد حنينًا إلى القرية والحياة البسيطة فيها، وفي هذه القصيدة يستمدّ الشاعر معجمه من: القرية، العاشقين، الحقل، العصافير، السنديان، الربى، الأقحوان، الكوخ، الصبايا، البيدر. وهي جميعها ألفاظ رومانسية واضحة، ومثلها أيضا قصيدة وحشة. هذه القصائد في رأينا، تدلّ أن الشاعر لم يقطع صلته تمامًا بالأجواء الرومانسية في "ملائكة وشياطين"، ولعلّ هذه "البقايا" بالذات تبرز إلى أيّ مدى كان التجديد في "أباريق مهشّمة" شاملا، بحيث بدت هذه القصائد هنا "شاذّة" تمامًا.

التكرار

التكرار ظاهرة عامّة في شعر البياتي، بحيث يمكن اعتبارها من مميزات أسلوبه، بل إن بعض النقّاد رأوا أنه أحيانًا "يسرف كثيرًا في استغلال هذه الناحية حتى يخرج عن حدّ الاعتدال المقبول". حاول الدكتور عبّاس تفسير التكرار الذي يتخلّل معظم قصائد "أباريق مهشّمة"، فرأى أنه "يصوّر الاضطراب النفسي ويكمّل النغمة الموسيقية ويؤثّر في دورة اللحن، ويقرّب القصيدة من الأغاني الشعبية ذات اللازمة المردّدة". وأشار نقّاد آخرون إلى الإيحاء في الجملة أو التركيب المكرّر. يقول مجاهد عبد المنعم مجاهد مثلا: "ويغرم البياتي بالتكرار، إنّه يكرّر أبياتا بكاملها، أو مقاطع بكاملها، ليحدث إيقاعًا معيّنًا هادفًا إلى التأكيد على شيء معيّن بالذات ليحدث في النفس هزّة ودفعة إلى الأمام، ويعمّق الإيقاع أكثر عندما يستخدم التلميح والكلمات الموحية بدل التصريح والكلمات المباشرة".

رغم أن نقّادا كثيرين تناولوا ظاهرة التكرار في شعر البياتي، ودرسوها بالتفصيل، إلا أنّهم لم يحاولوا تصنيف هذا التكرار، والبحث عن دلالة كلّ نوع منه، كما أنّهم لم يعرضوا أيضا لوظيفة التكرار المبنويّة في القصيدة، سوى ملاحظة الدكتور عبّاس السابقة بأنه يشكّل ما يشبه اللازمة في نهاية القصيدة.

أوّل نوع من التكرار يلفت النظر هو التكرار في الخاتمة. والسطر المكرّر في الخاتمة قد يكون السطر الأول من القصيدة أو سطرًا آخر ورد في ثناياها. هذا النوع من التكرار يتردّد كثيرًا في القصائد ذات المبنى الإيقاعي التقليدي في "ملائكة وشياطين" خاصّة. إنّه تكرار حرفيّ لا يشكّل عنصرًا مبنويّا في النصّ. فهو مجرّد تكرار بيانيّ، كما سمّته نازك الملائكة، يعيد تأكيد المعنى، خصوصًا حين يشكّل السطر المكرّر تلخيصًا للقصيدة كلّها، كما أنّ تكرار المعنى والإيقاع معًا يسير بالقصيدة إلى الخاتمة المثلى؛ أشبه ما يكون بالخاتمة في الأغاني الفولكلورية. الأمثلة على هذا النوع من التكرار نجدها مثلا في قصائد وحشة، الأسير، طيفها. في بعض الأحيان، يطرأ على هذا التكرار تغيير طفيف بما يلائم السطر أو الأسطر السابقة، فيكون التغيير عبارة عن كلمة أو تحوير بسيط في مبنى الجملة، دونما أثر يُذكر على المعنى العامّ في القصيدة، كما نجد في قصيدة سارق النار. هذا النوع من التكرار يتردّد كثيرًا في المجموعة الأولى، "ملائكة وشياطين"، كما أسلفنا، ويقلّ تدريجيا في "أباريق مهشّمة"، حيث يغلب شعر التفعيلة، كأنّما هو من "لوازم" الصياغة الرومانسيّة!

إذا كان شكل القصيدة عامّة قد تغيّر في "أباريق مهشّمة"، فمن المتوقّع أن يتغيّر تكرار الخاتمة أيضا، كما تؤكّد ذلك الناقدة بربارة سميث بقولها: "بما أنّ السمات الأسلوبيّة العامّة تتغيّر، وتظهر بالذات أنواع جديدة من الشكل، فإن الأشكال السابقة من الخواتم لا تعود بالطبع ذات أثر". لذلك لم يكنْ غريبا، في "أباريق مهشّم أنْ تطرأ بعض التغييرات على الخاتمة المكرّرة بحيث تُكسبها معنى يختلف عنه حين وردتْ لأوّل مرّة في القصيدة. مثال ذلك ما نجده في قصيدة موعد مع الربيع. فالأسطر الأصليّة في البداية تعكس أمل العاشق وإصراره على عودة الحبيبة: "وصرختُ من أعماق يأسي: لا أريد/ هي السنونو والربيع، غدا تعود/ هي والوجود، غدا تعود"، وفي الخاتمة يتكرّر هذا المقطع تكرارا مطوّرا بحيث يحمل دلالة جديدة فيها الإقرار باليأس، بل والسخرية من الأمل بعودتها أيضا: "وسخرت من نفسي: تعود؟/ هي والربيع غدا تعود!". وهناك مثال آخر لهذا النوع من الخاتمة في قصيدة في المنفى أيضا. على كل حال، هناك بعض قصائد من شعر التفعيلة أيضا، ظلّت فيها الخاتمة من التكرار البياتي، كأنما الشاعر لم يستطع التخلّص من هذه السمة الأسلوبية في مجموعته الأولى، مثل: مسافر بلا حقائب، تمّت اللعبة.

النوع الثاني من التكرار يتردّد فيه سطران أو أكثر، مرّة بعد أخرى في القصيدة حتى الخاتمة، وفي كلّ مرّة يلاحَظ بعض التغيير في الأسطر المكرّرة، من حيث شكلها أو نوع مفرداتها، بحيث يشكّل هذا التكرار عاملا شكليًا في القصيدة يختلف في وظيفته تماما عن التكرار البياتي المذكور آنفا. كما أنّ هذا النوع من التكرار هو أشبه بالسلك يمتدّ في القصيدة من أوّلها إلى آخرها، فيقوم بربط الصور المتفرّقة وجمعها، مذكّرا أيضا بثيمة القصيدة العامّة، أو تذكر دائما بموضوعة القصيدة التي تتلخّص مثلا في تأملات وهواجس السجين:

1- عين السجين/ من قبوه الأرضيّ للنجم الحزين/ من قبوه الأرضي تضرع ..

( مطلع القصيدة )

2- عين السجين/ من قبوه الأرضي تضرّع والمصير... [السطران 9، 10]    

3- وتفرّمن عين السجين/ بعض الدموع [السطران 38، 39]

4- وتفرّ من عين السجين/ بعض الدموع/ وفي الدروب/ أصداء قافلة تغنّي، إنّها:  ريح الجنوب [الأسطر 46 – 49، وهي الخاتمة أيضا]

هكذا تتردّد العبارة، مع بعض التغييرات الطفيفة، أربع مرّات في القصيدة، مذكّرة بصاحب هذه الهواجس والأحلام، وبواقع السجين القاتم في سجنه، مناقضًا لصور الثقة والأمل والنصر المشرقة المبثوثة في هواجسه.

في أحيان كثيرة يتردّد في القصيدة أكثر من تعبير أيضًا، بحيث يكتسب إيقاعها شكلا لولبيّا، دوّاميّا، كما في قصيدة ريح الجنوب ذاتها، حيث تتكرّر صورة "القوافل العائدة من الجنوب" خمس مرّات أيضا، بالإضافة إلى التكرار المذكور أعلاه. ونجد النوع نفسه من التكرار أيضا في قصيدة فيت مين، حيث يتكرّر أكثر من تعبير واحد على امتداد القصيدة، وتقوم القصيدة كلّها على صور الذكريات من باريس حيث ترك المتكلّم زوجته وابنته سوزان، من ناحية، وصور النضال ضدّ الفرنسيين في الشرق الأقصى، من ناحية أخرى، دونما رابط بين هذا الحشد من الصور سوى الواو وجملة "وكرنّة العصفور، صوتك لا يزال" التي تفتح سيل الذكريات الباريسيّة، وتبتدئ القصيدة وتختتمها أيضا.

بالإضافة إلى ربط الصور المتناثرة في القصيدة، هناك توظيف أعظم شأنا للتكرار، يتمثّل في تعزيز الوحدة العضوية في القصيدة أيضا. فإذا كانت صور القصيدة، في معظمها، جامدة لا حركة فيها، تتألّف عادة من صور إسمية أو فعلية مضارعية، فكيف يتوصّل الشاعر إلى التقدّم في تشكيل النصّ وتطوير الأحداث حيث يكون ذلك ضروريًا؟ ذلك أنّ قصائد قليلة فقط تقوم على الوصف الفوتوغرافي الجامد بينما نجد قصائد أخرى كثيرة ترسم وضعا ديناميّا، كالمظاهرة مثلا، حيث يشكّل التغيير والإيقاع جزءًا جوهريّا لا غنى عنه. في هذا النوع من القصائد يستخدم الشاعر التكرار في التعبير عن الحركة والأوضاع الديناميّة، بحيث يمكن اعتباره عاملا مبنويّا هامّا في "أباريق مهشّمة". هذا النوع من التكرار قد يكون بسيطًا أو مركّبًا، ويقوم على تكرار الجملة أو الصورة محْدثا بعض التغيير في عناصر الصورة المكرّرة؛ سواء بالإضافة أو بالحذف لبعض أجزاء المتوالية. في قصيدة أباريق مهشّمة ذاتها، التي عرضنا بالتفصيل لمبناها الجدليّ آنفًا، يختتم الشاعر القصيدة بأسطر "المطلع" ذاتها، إلا أنّ جملة القول على لسان العبيد تختلف في الخاتمة اختلافا كبيرا عنها في المطلع، بحيث يؤكّد التعديل الذي طرأ على الخاتمة تحقيق الثورة والنصر: "نبع تفجّر في موات حياتنا/ نبع جديد [...] ولْتُفتح الأبواب للشمس الوضيئة والربيع". وفي قصيدة فيت مين أيضا نجد هذا النوع من التكرار البسيط:

   وطلائع الثوار تقتحم الحصون [سطر 13]

  وطلائع الثوار تعدم بالرصاص الخائنين [سطر 25]

أما النوع البالغ التركيب من هذا التكرار فلعلّ قصيدة الباب المضاء، هي خير مثال عليه، حيث يتردّد التكرار مرارًا حافلا بالصور، تحذف مرّة أو تضاف أخرى، ليتحقّق بذلك للشاعر وصف مشهد ديناميّ لمظاهرة دمويّة في الشارع، من خلال الصور الإستاتية المذكورة:

1) الليل والباب المضاء وأصدقائي الميّتون/ بلا وجوه يحلمون/ بالفجر[1- 3]

2) والليل والباب المضاء/ والشارع المهجور والقتلى وأقنية المياه [11 – 12]

3) والشارع المهجور/ والباب المضاء موارب، دامٍ، يواجه قتيلْ [26 – 27]

4) والشارع المهجور تذرعه الكلاب/ وفصائل الجند المدجج بالسلاح [30-31]

5) والميّتون الأصدقاء/ والشارع المهجور يغمره الضياءْ [الخاتمة 55 – 56]

يشهد تركيب "الشارع المهجور" تغييرات كثيرة سواء بسقوط بعض العناصر أو إضافة أخرى إليها، أو بوصف مختلف للعنصر ذاته، مثل "الشارع المهجور". هناك أيضا بعض العناصر المذكورة في المقتبس أعلاه، تتناثر وتتكرّر على امتداد القصيدة، مثل "الأصدقاء الميّتون"، ولم نذكرها هنا رغبة في الاختصار. على كلّ حال، يكفي أن نتابع في المقتبسات السابقة عنصرًا واحدًا هو "الشارع المهجور" لنرى التغيير والحركة واضحين من خلاله: ورد هذا التركيب في العبارة الثانية لأول مرّة وأضيفت إليه "القتلى"، ثم ورد هذا التركيب في العبارة الثالثة دونما إضافة، لكن القتيل هنا أمام "الباب المضاء"، وفي العبارة الرابعة يذرع الشارع المهجور الجنود والكلاب، وأخيرًا في الخاتمة يغمر النور هذا الشارع المهجور! وهناك قصيدة أخرى، "الأفّاق"، يتخلّلها التكرار المركّب أيضا، وفي أكثر من تعبير، يتغيّر كلّ منها في كلّ تكرار جديد، بحيث يمثّل التكرار اطّراد النصّ، ودوران الأفّاق المذكور في حلْقة مفرغة أيضا.

هكذا نرى التكرار في "أباريق مهشّمة"، على اختلاف عدده ونوعه، يشكّل "حيلة" أسلوبيّة طيّعة في متناول الشاعر، وظاهرة أسلوبيّة بارزة أيضا، استغلّها البياتي على أمثل وجه في المبنى الجدليّ المذكور، في سبيل تطوير النصّ وربط عناصره معًا.

التناصّ

التناصّ أيضا هو ظاهرة أسلوبيّة واضحة في هذه المجموعة، وفي فنّ البياتي الشعري عامّة. ونحن هنا لن نشير إلى كل التناصّات أو الإلماعات التي أدرجها الشاعر في قصائده، كالأعلام التاريخية، والإلماع إلى الشعر الغربي، مما جعل بعض النقّاد يتّهم البياتي بالسرقة الأدبية. سوف نصرف همّنا أساسًا إلى المقتبسات، من حكم وأمثال وأقوال، المستقاة من الأدب العربي والفولكلور الشعبي، لأنها أقرب إلى القارئ العاديّ، ويُفترض فيه معرفة معظمها لكي يتأتّى التفاعل بين القارئ والتناصّ خلال عملية القراءة. ذلك أن مشاركة القارئ في "إبداع" النص ثانية تعتبر ذات شأن في تقصّي التناصّ واستغلاله على أكمل وجه. هكذا تشير نوقوتني أنّ: "من الضروري أنْ يكون الإلماع واضحًا لا تخطئه العين لأنّ تطوير العبارة يعتمد على ذلك، كما أنّه من الضروري أيضا أن يشكّل الإلماع جزءًا عضويّا من العبارة، دون أنْ يطغى عليها".

يعتبر عبّاس التناصّ ظاهرة أسلوبية جديدة استحدثها البياتي في الشعر العربي، وكان أحد النقّاد القلائل الذين بيّنوا طاقة هذا التكنيك المتأثّر بالشاعر ت. س. إيليوت: "ولا يزال المنهج العامّ في قصيدة إيليوت يؤثّر في بناء قصيدة البياتي، وخاصّة في ارتكاز القصيدة على نوع من التلفيق الذي تسخّر به الأساطير والاقتباسات من الرواسب المحفوظة في هيكل القصيدة حتى تصبح لبنات منسجمة مع البناء العام. فالاقتباس جزء أساسيّ من الشكل هنا، وليس هو عدوانا على أملاك الاخرين ومحصولات قرائحهم". الواقع أن الشعر الكلاسيكي الجديد، قبل البياتي، يتضمّن مقتبسات كثيرة مستقاة من المخزون الشعري الكلاسيكي، كما نجد عند البارودي وشوقي والجواهري وآخرين. إلا أنّ هذه المقتبسات/ الإلماعات في معظمها هناك لا تلتحم بسياقها الجديد، ولا تُقتبس غالبًا لتشكيل صورة جديدة تختلف عنها في النصّ الكلاسيكي. إنها في أحسن الأحوال لا تتعدّى كونها مقتبسات، لها نفس الإيقاع عادّة، بحيث تكمّل النصّ الذي تتخلّله وتندمج به كأنّها جزء منه لولا علامة الاقتباس. وهي بذلك أشبه بالأمثال والحكم وأبيات الشعر التي تتخلّل المقالة أو الخطبة، وتختلف تماما عن التناصّ الأدبي الدينامي، كما هو عند البياتي.

إذا ألقينا نظرة على التناصّات، كما وردت في شعر البياتي في هذه المجموعة، نجد أن الشاعر يستقي إلماعاته من الأدب القديم والأمثال والحكم وما شابه، إلا أنها توظّف في قصائده، عادة، على نحو مختلف تماما. الوسيلة الأولى في استخدام هذه المقتبسات هي الانتقال بها إلى سياق جديد مختلف، بحيث تلتحم في جوّ القصيدة العامّ حتى إذا كان الاقتباس حرفيّا أو قريبا من ذلك. فكما توضّح ذلك زيفة بن بورات "يكون التحوّل نتيجة التفاعل بين نصّين، ويتمخّض عن تشكيل نمط تناصّي  واحد على الأقل. حتى حينما يكون في النصّ الثاني مماثلا لما في النصّ الأوّل، فإن التفسير المحلّي للمقتبَس يجب أن يكون مختلفا عمّا في النصّ السابق بسبب السياق المختلف".

فيما يلي أمثلة من تناصّات الأمثال التي يستخدمها البياتي في المجموعة:

1- ما حكّ جلدك مثل ظفرك [1، 191]

2- لن يصلح العطّار ما قد أفسد الدهر الغشوم [1، 191]

3- والطريق إلى الجحيم/ من جنّة الفردوس أقرب [1، 191]

4- أبدًا على أشكالها تقع الطيور[1، 192]

5- كل الدروب هنا إلى روما تؤدي [1، 444]

6- والذئاب/ تسطو على من لا كلاب له[1، 444]

7- لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى/ حتى تراق على جوانبه الدماء [1، 444]

مثل هذه المقتبسات تظهر في المجموعة حرفيّا، باستثناء تغييرات طفيفة هي من مقتضيات الوزن. بقي علينا أن نرى فيما إذا كانت تستخدم "جامدة"، كما في الشعر النيوكلاسيكي، أو هي تناصّات دينامية تتفاعل مع النصّ الجديد، بحيث يمكن اعتبارها تناصّا أدبيا مطورًا.

المقتبسات الأربعة الأولى وردت جميعها في قصيدة "سوق القرية"، حيث يصوّر الشاعر الضجر والتعب والكسل تخيّم على السوق، وتبعث الكآبة في مرتاديه. وهذه الأقوال ترِد على لسان الناس المتمسّكين بالقيم المتوارثة في حياتهم، العائشين حياة الكسل والاستكانة. بذلك تكتسب هذه المقتبسات هنا دلالة جديدة، لأنّها تصوّر حياة الكسل والتواني. أي أنّ السياق يتضمّن السخرية من هذه القيم أيضا. والمقتبسات الثلاثة الأخيرة وردتْ في قصيدة "الباب المضاء"، واستقاها الشاعر من مصادر متنوّعة، إلا أنّها تؤدّي جميعها نفس الوظيفة. فجميع هذه المقتبسات هي أقوال يردّدها "صنّاع الظلام" و "سفّاكو الدماء"، بحيث لا يترك الشاعر شكّا حول دلالتها الجديدة في سياقها هنا، بتسميتها "السموم" مرّة والرصيد المتبقّي للقتلى مرّة أخرى: ".. وصنّاع الظلام/ يتاجرون بما تبقّى من سموم: / "كلّ الدروب هنا إلى روما تؤدّي"/ والذئاب/ تسطو على من لا كلاب له، وسفاّكو الدماء/ يقامرون بما تبقّى من رصيد:/ "لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى/ حتى تراق على جوانبه الدماء". وهكذا نرى أن القصيدة لا تستخدم هذه المقتبسات بسياقها الأصلي وإيحاءاتها المألوفة، بل لإظهار خطئها باعتبارها بضاعة فاسدة، يتّكئ عليها رجال السلطة لفرض الأمر الواقع ومقاومة كلّ تغيير.

إلا أنّ البياتي لا يكتفي، غالبًا، بما يمكن أن تحقّقه هذه التناصّات بشكلها الأصليّ من تسخيف وسخرية بالقيم القديمة، بل يُقْدم أيضا على تحوير القول في سبيل ملاءمته للقيم الجديدة التي يأخذ بها الشاعر أو إحدى شخصياته. فالحكمة المعروفة "زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون" تؤكّد تواصل الحضارة من جيل إلى جيل، بحيث يستثمر الجيل الجديد مجهودات الجيل السابق، وهو بدوره يؤسّس ويمهّد للجيل الذي يليه. إلا أنّ الشاعر يورد هذا القول على لسان "الحاصدين المتعبين"، في قصيدة سوق القرية المذكورة، بعد إجراء تغيير هام فيه: "زرعوا ولم نأكل، ونزرع صاغرين فيأكلون"، وبذلك يلغي الشاعر مسألة التواصل والاستمرارية بين الأجيال، ملتفتا إلى الواقع المعاصر، مؤكّدا الاستغلال وانقسام المجتمع إلى طبقتين: واحدة مستغِلّة وأخرى، مستغَلّة، أو طبقة مضطهِدة وطبقة مضطهَدة.

من الواضح أن التناصّ يُحدث، أحيانا، المفارقة أيضا في السياق الجديد. فالعبيد في أباريق مهشّمة يردّدون قول المتنبّي "إذا غامرتَ في شرف مرومٍ/ فلا تقنع بما دون النجوم". فإذا تذكّرنا أنّ المتنبّي خلال حياته كلّها كان مشغولا بطموحه الفرديّ والأمجاد الذاتيّة، وجدنا أن المقتبَس على لسان العبيد هنا يكتسب دلالة إيرونية واضحة فعلا.

مثال آخر، أكثر وضوحًا وطرافة، ربّما، هو التعبير اذي يستقيه الشاعر من ألف ليلة وليلة، حيث يختم الراوي عادة قصص شهرزاد التي تمتدّ وتمتدّ ليلة بعد ليلة بقوله: "وأدرك شهرزاد الصباح، فسكتت عن الكلام المباح". يستعير الشاعر هذه العبارة/ الخاتمة، مع تغيير طفيف لملاءمة الوزن، في وصف خاتمة الليلة التي قضاها الأفّاق في مخدع امرأة (زانية؟) ليعود إلى تطوافه في الشوارع والمقاهي: "سكتتْ وأدركها الصباح، وعاد للمقهى الحزين/ كالسائل المحروم، كالحلزون/ ينتظر المساء". فهذا التناصّ بما يستدعيه من أجواء ألف ليلة وليلة، في تصوير حياة الأفّاق يقضي ليلته بين أحضان إحدى الزانيات، يخلق أثرًا إيرونيا جادّا لا تخطئه العين.

هذه الأمثلة، وهي قليل من كثير، تمثّل استخدام البياتي للتناصّ استخدامًا ديناميّا متطورًا. وهي سمة أسلوبيّة حديثة في الشعر العربي المعاصر، أخذت تتعاظم وتطغى على الشعر العربي بعد مجموعة "أباريق مهشّمة" خاصّة. صحيح أنّ البياتي استفاد في مجموعته هذه من إنجازات الأربعينات فيما يخصّ تطوير الشكل الإيقاعي للقصيدة بابتكار شعر التفعيلة المهيمن على هذه المجموعة تماما، إلا أنّ ذلك لا ينفي دور الشاعر في الانتقال بالشعريّة العربية خطوة حاسمة إلى الأمام، ولا ينفي أيضًا أنه أوّل شاعر، كما ورد في تصريحه آنفا، أصدر مجموعة شعريّة كاملة تتضمّن، كما أظهرنا في هذه المقالة، المقوّمات الأساسيّة لصيغة الحداثة في الشعر العربي الحديث.     

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4127 المصادف: 2017-12-23 01:04:23