المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الانتحال في الشعر الجاهلي

shady mjalyshogarالمقدمة: الشك في الأدب القديم، الذي أنشأته الأمم في جاهليتها وبداوتها، ظاهرة لا تقتصر على الشعر العربي وحده، ولكنها عامة تكاد تشمل الأدب القديم عند جميع الأمم التي كان لها أدب معروف ومدروس ولعل خير ما نمهد به بين يدي بحثا هذا عن النحل والوضع في الشعر العربي الجاهلي.

مفهوم الانتحال (لغة واصطلاحا)

أولا: الانتحال (لغة)

ورد مصطلح الانتحال في القاموس اللغوي (1): انتحله وتنحله: أي ادعاه لنفسه وهو لغيره، ونحله القول كمنعه: أي نسبه إليه .

فأصل هذه الكلمة يدل على أن الانتحال: ادعاء الشيء للنفس وهو في الواقع للغير والنحل: النسبة للغير، ولم يبين صاحب القاموس هل النسبة إلى الغير مطلقا تكون نحلا أم لا يطلق عليها نحل إلا نسبت إلى الغير وهي ليست له .

لكن الذي رأيناه في استعمال العرب وفي إطلاقهم هنا اللفظ سواء كان مجردا أو مزيدا أنه لا يطلق إلا حيث يراد الإنحراف بالنسبة وإضافة شيء لغير صاحبه، فيقال انتحل الشعر: أي ادعاه لنفسه وهو غير له ونحل هذا الشعر فلانا: أي ألصقه به وهو غير صاحبه .

و لم يكن الوضع والانتحال موجودا عند العرب في الجاهلية، وقصارى ما كان يقع بينهم أن يدعي بعضهم لنفسه شعرا ليس له وهو الذي يسمى بـ (الاجتلاب)، قال الراجز: (2)

يا أيها الزاعم أني أجتلب وأنني غير عضاهي أنتجب

فمعناه أنني أجتلب الشعر من غيري، فكأني إنما آخذ القشر لأدبغ به من عضاه غير عضاهي، والانتجاب: بفتح الجيم هو لحاؤه .

ثانيا: الانتحال (اصطلاحا)

يـقصد بالانتحال (3) أن ينسب شاعر أو راو ما شعرا مزيفا إلى شاعر آخر قديم ليس هذا الشعر له، وقد درس القدماء أمثال محمد بن سلام الجمحي قضية الانتحال في الشعر الجاهلي، وذكروا بعضا من مشاهير الرواة المنتحلين مثل خلف الأحمر وحماد الراوية وغيرهم .

قضية الانتحال عند القدماء

لم يكن من سبب في جاهلية العرب يبعثهم على وضع الشعر غير قائله وإرساله في الرواية على هذا الوجه، لن شعرائهم متوافرون ولأنهم لا يطلبون بالشعر إلا المحامد والمعاير، وقصارى ما يكون من ذلك أن يتزيد شاعرهم ويكذب فيه وعلى أن ذلك لا يكون إلا في الأخبار التي تكون في التاريخ لأن الشاعر موضع ثقة وهو مصدر رواية في العرب فإن أرسل القول أرسل معه التاريخ فيجريان معا .

و هذا التزيد هو الذي يسميه الرواة أكاذيب الشعراء، أما أن يكون في عرب الجاهلية من يصنع الشعر وينحله غيره فذلك ما لا نظنه ولما جاء الإسلام واندفع به العرب إلى الفتوح واشتغلوا عن الشعر بالجهاد والغزو جينا من الزمن، فلما راجعوا روايته بعد ذلك وقد أخذ منهم السيف وذهب كثيرا من الشعر وتاريخ الوقائع بذهاب روايته صنعت القبائل الأشعار .

و نرى أن الرواة بعضهم كان ثقة وأمينا يطمئن الناس إلى روايته ويثقون في صدقه وأمانته وبعضهم كما قالوا: كان جريئا كذوبا متحللا لا يقف دون زيفه ونحله حاجز . (4)

و هذا هو الذي جعل القدماء يتبعونهم بالبحث والنقد والتمحيص لتخليص هذه الثروة مما لحقها من شوائب أو ساورها من كدر وتعكير .

نظر القدماء في الأشعار المروية وتتبعوا القصائد فقالوا: إن هذه صحيحة أو منحولة وهذا لفلان وليست لغيره ممن نسبت إليه زورا، قال ابن قتيبة: بعد أن أورد قول الأعشى

والأرض حمالة لما حمل الله وما إن ترد ما فعلا

قال: وهذا الشعر منحول، لا أعرف فيه شيئا يستحسن إلا قوله:

ياخير من يركب المطي ولا يشرب كأسا بكف من بخلا

و يقول أبو الفرج الأصفهاني:) (5) يدفع أكثر الرواة أن يكون لعنترة.

هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم

و قد نبه الجاحظ المتوفى سنة (255 هـ) على بعض المنحول المصنوع في كتبه ونبه كذلك ابن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء على شيء من هذا، وقد نبه عبدالملك بن هشام صاحب السيرة النبوية على كثيرمن الشعر الذي يتسرب إليه الشك أو يلازمه القطع بأنه موضوع منحول . (6)

و يقول ناصر الدين الأسد: لم يكن أمر الوضع والنحل في الشعر الجاهلي لا يخفى على الرواة والعلماء فقد تنبه كثيرون منهم، بل قلما نجد رواية عالما من القرن الثاني والثالث لا تذكر لنا الأخبار المروية عنه، أنه نص نصا صريحا على أن بيتا أو أبياتا بعينها منحولة موضوعة . (7) )

 ابن سلام وقضية الانتحال

أكثر من تكلم في الانتحال وفصل أسبابه ودواعيه وبسط القول في هذا بسطا وافيا وتعقب الرواة وكشف عنهم القناع محمد ابن سلام الجمحي (8)، وألف كتابه طبقات الشعراء ذكر فيه العرب وأشعارها والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها، إذ كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب وكذالك فرسانها وسادتها وأيامها ولا يستغنى عن علمه ناظر في أمر العرب فبدأنا بالشعر . (9)

وعرض ابن سلام أول ما عرض للشعر المنسوب للعرب وما ألصق به من شبه وساوره من شك وزيف فقال: وفي الشعر المسموع مفتعل موضوع كثير لا خير فيه ولا حجة في عربيته ولا أدب يستفاد ولا معنى يستخرج .... وقد اختلف العلماء في بعض الشعر كما اختلفت في بعض الأشياء، أما ما اتفق عليه، فليس لأحد أن يخرج منه . (10)

ثم تحدث في فقه وعمق عن الشعر وأبان أنه فن يحتاج الى ذكاء وفطنة ودقة وحكمة، فقال: وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات . (11)

والشعر في عهد ابن سلام محنا طاغية من أثر الوضع والانتحال وترصد الثقاة الأعلام لأولئك الوضاعين، وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه محمد بن اسحاق بن يسار وكان من علماء الناس بالسير فقبل الناس عنه الأشعار .

و قال ابن سلام: يروي عن الشعبي بن خراش أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم الذي يقول:

فألفيت الأمانة لم تخنها كذلك كان نوح لا يخون

وهذا غلط على الشعبي أو من الشعبي أو ابن خراش، أجمع أهل العلم على أن النابغة الذبياني لم يقل هذا .

نظر ابن سلام في الشعر الجاهلي وما أن تكون الرواية قد جرت عليه من العلل الموهنة والعوارض المشككة، وكان يرى أنه قد أسقط منه الكثير ضياعا أو اهمالا وزيد عليه وضعا وانتحالا، فهو لم يسلم من آفات النفس الإنسانية التي قد يستبد بها الإهمال أو يساورها العبث وقلت الإكتراث .

أما الإسقاط من الشعر والنقص فيه فإنه يقول عن الشعر: فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب وتشاغلوا بالجهاد وغزو الفرس والروم ولهت عن الشعر وروايته (12)، وقال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير .

و مما يدل على ذهاب الشعر وسفوطه قلة ما بأيدي الرواة المصححين، وأما الزيادة عند ابن سلام فإنه يتحدث فيها ويبينها في مواضع متفرقة من كتابه ويعزوها إلى عدة عوامل منها:

1- الشعر الذي أدخل على العلماء غفلة منهم .

2- اختلاط الأمر على بعض الرواة .

3- محاولة بعض العشائر أن يستكثروا من الأشعار، ويتزيدوا في الوقائع والأخبار.

4- كذب الرواة رغبة في الكسب واقتناء المال .

ومما تقدم يتبين لنا أن نظرية الانتحال قديمة وأن الحديث عنها قد سلف في سعة وافاضة وتحدث عنها علماء العرب ولم يدعوا شبهة يمكن أن تخالج النفس أو تتسرب إلى الذهن إلا سلطوا عليها أضواء البحث والتمحيص .

آراء العلماء القدامى والمحدثين في قضية الانتحال

رأينا أن قدماء العرب من علمائهم ونقادهم قد فطنوا إلى ما أصاب الشعر الجاهلي أحيانا من آفات الوضع وما لحقه من علل الكذب والاختلاق، وقد اقتضتهم أمانتهم العلمية أن ينهوا على كل ما ساورهم من شك أو داخلهم من شبه، بل ربما أوغلوا في الشك وبالغوا في الاتهام رغبة في تخليص الشعر الجاهلي مما يمكن أن يلحقه من قتام أو تطاير هذا مع قرب عهدهم في الجاهلية وسهولة تثبتهم من المعمرين أو ممن روى من العمرين عن أهل الجاهلية، ثم غفا الشرق غفوته ونام أهله عن كل تراث مجيد يثبت مكانتهم في ميدان الفكر الإنساني ومجال التصوير والتعبير ولفهم الضعف بأغشية سميكة من الإهمال والانصراف، وجاء المستشرقون في القرن التاسع فتلقفوا هذا التراث والمجد الأدبي ووقفوا إزاءه مواقف مختلفة وذهبوا في النظر إليه مذاهب متناقضة كان بعضهم يدفعه الحقد على العرب ومحاولة النيل منهم والتقليل من شأنهم وتلقف المعايب وتصيد المثالب وخلق المساوئ والزلات، وبعضهم كان يصطنع الإنصاف، إذ نرى أنهم يفتشون في آداب العرب بعين حاقدة وقلب مدخول فإذ برز في العربية شاعر بمعانيه الأبكار وأخيلته الرائعة فالفضل فيما يجري في عروقه من دم غير عربي .

و كانت قضية الانتحال في الشعر الجاهلي من القضايا التي درسها المستشرقون وكتبوا فيها بنفس حاقدة فخلقوا حولها ظلالا من الشكوك وخطوطا من الخرافات والأكاذيب، يمكن تروج الباطل ويستند إليها الواهمون، ويقول شوقي ضيف: (13) لقد لقت هذه القضية – انتحال الشعر – أنظار الباحثين من المستشرقين والعرب وبدأ النظر فيها (نولدكه) وتابع بعده أمثال (رسيه وبروكلمان ومارجليوت) أكبر من أثاروا هذه القضية في كتاباته إذا كتب فيها مقالا مفصلا نشره في مجلة (الجمعية الآسيوية الملكية)، جعل عنوانه أصول الشعر العربي.

1- رأي مارجليوت في الشعر الجاهلي

هذا المستشرق الانجليزي كان حريصا أشد الحرص على الطعن في الشعر الجاهلي، والتماس الأدلة واصطياد الحجج على أنه منحول كله نُظم بعد الاسلام،وأُضيف الى اسماء الجاهلية.

وفي كتاب محمد وظهور الاسلام المطبوع سنة (1905) يرى أن في لغة القرآن مشابه كثيرة من لغة الشعر الجاهلي كما يرى أن الشعر الجاهلي في معظمه مصنوع وُضع على مثال القرآن.(14)

وقد هبّ بعض المستشرقين للرد عليه ومنهم تشارلز جيمس في مقدمته المفضليات المطبوعة سنة 1918 وقد احتج عليه بأن من وضعوا هذا الشعر على فرض التسليم بذلك كانوا يحاكون نماذج سابقة وتقاليد أدبية موروثة قلدوها وحاكوها .

ونفس هذه المحاكاة تدل على وجود أصل كانوا يحاكونه اذ لا يمكن أن يحاكوا شيئاً لم يبق منه ما يتيح لهم هذه المحاكاة.

ثم عاد مرجليوت (15) وكتب في مجلة الجامعة الملكية الآسيوية مقالاً مسهباً بعنوان (أصول الشعر العربي) أتى فيها على الشبه التي جرت إليه نظرية الشك في الشعر الجاهلي الذي نقرأه على أنه شعر جاهلي إنما نُظم في العصور الاسلامية ثم نخله هؤلاء الواضعون المزيفون لشعراء جاهليين. (16)

ويهمنا أن نسوق هنا أهم الملاحظات التي أبداها ونلخصها من كتاب ناصر الدين الأسد: (17)

يقول مرجليوت: لو فرضنا أن هذا الشعر حقيقي فكيف أمكن حفظه حتى وصل إلينا بهذه الصورة .

ثم يتحدث عن الرواة من علماء القرنين الثاني والثالث الهجريين من أمثال (حماد وخلف الراوية وأبو عمرو بن العلاء والأصمعي ثم يقول: إن هؤلاء العلماء لم يكن يوثق بعضهم بعضاً.

ما في هذا الشعر من إشارات إلى قصص ديني ورد في القرآن وما فيه من كلمات دينية إسلامية مثل الحياة الدنيا والحساب وبعض صفات الله.

إختلاف لهجات القبائل غير أن هذا الشعر كله جاء بلغة القرآن.

وأحب أن أناقش هنا مزاعم مرجليوت مناقشة عابرة من خلال بعض الآراء التي فندّ بها العلماء رأيه ونقضوا قوله:

أولاً: الرواية ومدى ما وُهب العربي من حافظة قوية لاقطة مستوعبة، واعتماد العرب على الذاكرة في جميع ما يمس حياتهم أو ما يتصل بدنياهم .

ثانيًا: على أن موقف القرآن في النعي للشعراء في الآية: (و الشعراء يتبعهم الغاوون) إنما يهدف إلى تغيير الأخلاق وتبديل الطباع والانسلاخ من عبث الشعراء .

ثالثا: أما إنكار الشعر الجاهلي لأن الرواة والعلماء لم يوثق بعضهم بعضا، فذلك يجانبه الصواب، فإن طبيعة الناس يجرح بعضهم بعضا ويتهمون بعضهم بالكذب وعدم الإمانة .

رابعا: أما الشعر الجاهلي فربما حاكاه حماد وخلف ولكن هذه نفسها المحاكاة تدل على وجود أصل يحاكى .

خامسا: ومن الغريب أن يدعي مارجيليوت أن هذا الشعر إسلامي ولا يبت للجاهلية بصلة لأن فيه إشارات إلى قصص ديني ورد في القرآن الكريم، ولأن فيه كلمات دينية وذلك لأن كان بينهم أحبار ورهبان مثل: ابن نوفل والنابغة الذي كان كثير الرحلات والتنقل بين بلاط الملوك .

سادسا: والشك في الشعر الجاهلي اعتمادا على اللهجات فإن الإسلام لم يعتمد لغة واحدة يدعو بها .

سابعا: وأما تشابه القصائد في موضوعها ومنهجها، فلا يرجع ذلك لأنهم اكتسبوا هذه الرتابة من القرآن كما يدعي، ولكنه يعود إلى نظام حياتهم ومعيشتهم وتقاليدهم .

2- رأي الرافعي

ألف المرحوم مصطفى صادق الرافعي كتابه: تاريخ آداب العرب سنة (1911 م) وتحدث فيه عن وضع الشعر ونفى أن يكون في الجاهلية نحلا ووضعا .

ثم ذهب كما ذهب ابن سلام إلى أن العرب بعد الإسلام شغلوا بالجهاد عن الشعر، فلما راجعوا روايته بعد ذلك وأخذ منهم السيف والحيف، وذهب كثير من الشعر وتارخ الواقائع بذهاب روايته صنعت القبائل الأشعار ونسبته إلى غير أهلها تتكثر بها وتعتاض عما فقدته .

لما كانت الرواية القلمية في القرن الثاني وشعر الرواة في طلب الشعر للشاهد والمثل استفاض الوضع في العرب وتفرغ قوم لذلك كمحمد بن عبدالملك وضع للرواة أشعارا كثيرة أدخلها في روايته عن قومه .

الاتساع في الرواية: وهوسبب من أسباب الوضع يقصد به فحول الرواة أن يتسعوا في روايتهم، فيستأثروا بما لا يحسن غيرهم من ابوابها ولذا يضعون على فحول الشعراء قصائد لم يقولوها ويزيدون في قصائدهم التي تعرف لهم ويدخلون من شعر الرجل هوى وتعنتا ومثل ذلك حماد وخلف . (18)

و قد يجد الرواة للشاعر الأبيات الحسنة في المعنى الجيد وهي تحتمل الزيادة فيضعون عليها ويولدون منها حتى تبلغ قصيدة كأبيات الطيرة، للحارث بن حلزة، وهي أربعة، ولكن جعلوها قصيدة طويلة كقصيدة أبي طالب التي اولها:

خليلي ما أذني لأول عاذل بصغواء في حق ولا عند باطل

قال ابن سلام: زاد الناس في قصيدة أبي طالب وطولت بحيث لا يدري .

3- (رأي طه حسين) في الشعر الجاهلي

ثم جاء الدكتور طه حسين وألف في سنة (1926 م)، كتابه في الشعر الجاهلي، وأعاد طبعه بعد ذلك وبعد تنقيحه وزيادة وحذف بعنوان: (في الأدب الجاهلي)، وموضوع هذا الكتاب قائم على انكسار الشعر الجاهلي وادعاء أنه موضوع منحول لا يمثل الحياة الجاهلية، ولا ينم عن حياتها العامة في شيء، إنما هو نمط القرآن الكريم مقتبس من نهجه مستمد من أسلوبه وصياغته وألفاظه ولغته . (19)

و ينكر شعر الجاهلية وشعراؤها جملة ويقول: (و لا أضعف أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة ابن العبد أو ابن كلثوم أو عنترة، ليس من هؤلاء الناس في شيء) . (20)

و الدكتور طه حسين يصور فكرته التي يقدمها في كتابه بقوله: (و أول شيء افجؤك به في هذا الحديث هي أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألحقت في الشك ..... ألح على الشك فأخذت أفكر وأقرأ وأتدبر حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينا فهو قرين من اليقين ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهلية) . (21)

و هذه الفكرة القائلة نفسها هي التي أثارها ورددها مرجيليوت ومن شايعه أو صار على مذهبه من المستشرقين، وهي التي نبه إليها قدماء العرب في عدالة وإنصاف حتى لا تأخذ كل مادة جاءنا من شعر جملة واحدة دون بحث أو نقد أو تمحيص، فهي ليست جديدة وإنما الجديد فيها روح الهدم الذي لازمها وسيطر عليها، إن العجيب في أمر هؤلاء الناس أنهم يسوقون الشك على أنه يقين ويأخذون من شبهه قامت عند علماء العرب الأقدمين قاعدة علمية ثابتة ثم يدعون أنهم اهتدت إليها بعد بحث وتفكير .

و الكتاب الذي ألفه لعرض هذه الفكرة التي يصورها أولا منهجا ارتضاه لنفسه في البحث، ويتحدث ثانيا عن الدوافع التي دفعته إلى الشك الذي أفضى به إلى اليقين وهو أن الشعر الجاهلي لا يصور حياة الجاهلية ولم يقل في العصر الجاهلي وإنما قيل بعد القرآن وتحدث بعد ذلك عن الأسباب التي دعت إلى نحل هذا الشعر وإختلاقه.

أسباب الشك في الشعر الجاهلي

مما قوى في صدره الشك وأثار في نفسه مظاهر الريبة أن هذا الشعر الجاهلي لا يمثل في رأيه الحياة الجاهلية تمثيلا صحيحا فهو ليس صورة عنها يحكي ما كانت تموج به من عقائد وطباع ويشيع فيها من أخلاق وعادات وأوضاع.

لقد كانت هناك حياة جاهلية حقيقية بل هي حياة قيّمة مشرقة ممتعة لكنها مخالفة كل المخالفة لهذه الحياة التي يجدونها في المطولات وغيرها مما نسب إلى الشعراء الجاهليين.

فحياة الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طرفة وعنترة وغيرهم.

ولا شك أن القرآن هو أكبر دليل موجود على حياة الجاهليين فهو مرآة الحياة الجاهلية فلغته هي اللغة العربية وصور الحياة الدينية للعرب ففيه رد على الوثنيين وعلى اليهود وعلى النصارى ويصور الحياة العقلية للعرب بينما لا يصورها الشعر .

وكذلك يصور الحياة الاقتصادية التي كان عليها العرب بينما لا يصورها الشعر الجاهلي، والقرآن يصور الحياة الاجتماعية تصويرا قويا.

وملخص قوله أن الظواهر التي كانت تشيع في العصر الجاهلي من عقيدة تستولي على النفوس وتمتلك القلوب ومن علوم ومعارف تنير العقول وتصقل الأفكار، ومن مشاركة في سياسة الأمم واتصال بالشعوب ومن حياة اقتصادية واجتماعية كانت تستبين كلها في القرآن بينما الشعر الجاهلي لا يمثلها ولا يمثل سمتها في قليل ولا كثير، فهو اذن لا يمثل الحياة الجاهلية وليس صورة عنها وانما هو مختلق موضوع . (22)

أسباب انتحال الشعر

حين أراد مؤلف الشعر الجاهلي أن يبسط الأسباب ويشرح العلل التي أدت إلى انتحال الشعر الجاهلي عند العرب، قدم بين يدي بحثه مقدمة يعلن فيها أن الانتحال عند العرب ليس بدعا قد انفردوا به دون غيرهم من اليونان والرومان (فقد قدر لهاتين الأمتين في العصور القديمة مثل ما قدّر للأمة العربية في العصور الوسطى) .

والواقع أن الفطر الانسانية والخلائق البشرية قد تتشابهة في كثير من الظواهر وتتفق في كثير من الاتجاهات وخاصة لدى اولئك الذين تشابهت حياتهم وتماثلت أوضاعهم .

واختراع القصائد جائز في كل أمة ولكن الانتحال بهذا القدر ضرب من المستحيلات التي يعجز العقل عن تصديقها وقد رجع المؤلف أسباب نحل الشعر الى أسباب:-

- السياسة: بمعنى أن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب على انتحال الشعر . (23)

- الدين: فكان هذا الانتحال يقصد به في بعض الأطوار الى اثبات صحة النبوة وصدق النبي وكان هذا النوع موجها لعامة الناس .

- القصص: بمعنى كل ما يروى من قصص وأخبار وأشعار التي تتصل بما كان بين العرب والأمم الأجنبية من العلاقات قبل الاسلام كعلاقتهم بالفرس واليهود والحبشة خليق أن يكون موضوعا وكثرته المطلقة موضوعة من غير شك .

- الشعوبية: يتحدث طه حسين عن الشعوبية وعداةتهم للعرب وبان لهم أثرا قويا في انتحال الشعر والأخبار واضافتها الى الجاهليين ولم يقف أمرهم عند هذا بل اضطروا خصومهم ومناظريهم الى الانتحال والاسراف فيه .

- الرواة: مجون الرواة واسرافهم في اللهو والعبث وانصرافهم عن أصول الدين وقواعد الأخلاق فقد كان حماد زعيم أهل الكوفة وخلف زعيم أهل البصرة وكلاهما برأيه ليس له حظ من دين ولا خلق ولا احتشام .

الخاتمة

فهذا البحث على تشعب طرقه وحدة عامة تنتظمه كله، تقرب منه ما تباعد وتجمع ما تفرق ولهذه الوحدة العامة دعائم ترتكز عليها وتقوم بها أولها أن هذا الموضوع كغيره من الموضوعات يدور في نطاق اطار معين من الزمان والمكان، فكان لا بد لنا من أن نمهد بين يدي بحثنا بتحديد معالم هذا الاطار، ومن هنا كان حديثنا في الفصل الاول عن مفهوم الانتحال لغة واصطلاحا وم ثم انتقلنا الى الانتحال عند القدماء أمثال محمد بن سلام الجمحي ثم نظرية الانتحال عند المحدثين وكان أبرزهم مرجليوت وبعد ذلك تناولنا رأي الرافعي ومن ثم طه حسين وكتابيه في الشعر الجاهلي وفي الادب الجاهلي وأياب الانتحال والشك في الشعر الجاهلي.

وقد أتممت بحثي هذا بعد العودة والرجوع لقائمة طويلة من المصادر والمراجع فإن حققت في هذا البحث شيء جديد فأتمنى أن يكون واضح المعالم بارز القسمات في ما قدمت من فصول وأرجو من الله أن أكون قد وفقت فيه.

الباحث

 

د : شادي مجلي سكر

........................

قائمة المصادر والمراجع

1- محمد الخضر حسين، نقد الشعر الجاهلي، مؤسسة هنداوي للثقافة والتعليم – مصر، الطبعة الأولى - 2012م

2- شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، دار المعارف – القاهرة، ج 2 .

3- طه حسين، في الأدب الجاهلي .

4- طه حسين، في الشعر الجاهلي، تقديم سامح كريم، الدار المصرية اللبنانية، 2010 م .

5- عبدالمجيد المسلوت، نظرية الانتحال في الشعر الجاهلي،1984، دار القلم – القاهرة .

6- المزرباني، معجم الشعراء .

7- محمد بن سلام الجمحي، طبقات الشعراء، 2001، دار الكتب العلمية، ج 1 .

8- مصطفى بن صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، 1940، مطبعة الاستقامة، ط 2 .

9- محمود شاكر، طبقات الشعر،دار المعارف – القاهرة، 1997 م .

10- ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، 1988، دار الجيل، أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراة، ط 7، ج 1 .

 هوامش

(1) المزرباني، معجم الشعراء، ج 4، ص 55

(2) الرافعي، تاريخ الأدب، ج 1، ص 365

(3) ابن سلام، طبقات الشعراء، ص 22

(4) ابن سلام، طبقات الشعراء، ص 40

(5) أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، ج 9، ص 222

(6) ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، ص 325

(7) المرجع نفسه .

(8) محمود شاكر، مقدمة كتاب طبقات الشعر، ص 13

(9) ابن سلام، طبقات الشعر، ص 5

(10) المرجع نفسه، ص 8

(11) المرجع نفسه، ص 11

(12) المرجع نفسه، ص 48

(13) شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، ص 166 - 167

(14) ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، ص 352

(15) الخضر حسين، نقد الشعر الجاهلي، ص 17

(16) ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، ص 353

(17) شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، ص 267

(18) الرافعي، تاريخ آداب العرب، ص 319

(19) طه حسين، في الشعر الجاهلي، ص 3 – ص 7

(20) المصدر نفسه .

(21) المصدر نفسه .

(22) ملخص من كتاب (في الشعر الجاهلي)، ص 15 – ص 23

(23) طه حسين، في الشعر الجاهلي، ص 60

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4139 المصادف: 2018-01-04 03:38:12