المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

الشاعرة اللبنانية المغتربة "هالا شرارة" حركة مكوكية متعمدة بين الماضي والحاضر

qasim madiالتعبير عن حضورها عبر قصيدة الغزل في ديوانها الأول: بصمة روح

تبدو مفرداتها الشعرية المنبثقة من روحها، والمشتعلة والملتصقة بشخصيتها التي رسمتها في حركة لولبية هي أقرب الى البناء أو المتاهة التي أرادتها الشاعرة " شرارة " في اغلبية قصائدها المتكونة من "141 " قصيدة بين القصيدة الطويلة والومضة، والتي تغزلت وحلمت بهذه القصائد التي أرادتها كمتنسف إغترابي يحرك المياه الراكدة في روحها العاجة بالشوق إلى الوطن والطفولة والأهل لكي تبقى بصمتها عالقة في ذاكرة الآخر، عبر تحقيق ذلك الانسجام بين اللغة والصورة الشعرية

 " ناديتكَ من مخاض الروح، وهززت إلي جذع الذاكرة "

حيث خاطت شاعرتنا المغتربة "شرارة " ثوبها الغزلي "بصمة روح" بمغزلها الفني العضوي المتداخل عبر لغتها الشعرية، وظل الشوق والوجد في قصائدها قلما يفترقان،ولهذا تجد أنهما يمتزجان امتزاجا ً نادراً في أغلبية تلك القصائد بصورة سريعة وبسيطة،وهكذا تمر أيامها الاغترابية وهي لاهية برسم أفكارها التي اشعلت عندها هذا التواصل الروحي والمعرفي لأن الشعر لديها هو ما فيه من جمال الجرس وكذلك من جمال الأخيلة والصور

"مولدي عدٌ عكسي لموت ٍ مؤجل، ومولدُ حبنا عدٌ متواصل ٌ للحياة "ص9

 ليس هذا فقط فقصائدها كما تعلمتها من الذين سبقوها أنها مشروعٌ منفتح على اللا نهاية التي وضعت لها أسسا ً خاصة في عالمها الشعري،و التي أرادتها كمشروع شعري صوري فيه من التمني والحلم الكثير، لذلك تدخل لغتها عالماً رومانسيا ً تعيش فيه الشاعرة، وصورتها التي ظلت تشتغل عليها في شكل أدبي وتقني موحد .

"للروح بلقاء الروح ربيع مسافر،والجسدعابر له ُ بقايا صور،على شتاء الجدران،وخريف المقابر "ص8

 إن العلاقة بين العناصر الإيقاعية في القصيدة والمعوقات الفنية الأخرى فيها هي علاقة ضدية في أغلب الأحوال، إذا طغت الأولى إنحسرت الثانية والعكس بالعكس "ثم يطعنُ صدرَ الضجر، ويرسل كواكب حواسًي لتتوه" ص48

 ولأننا امام استجابة للحياة الجديدة التي نعيشها،دخلنا في مرحلة الإبتعاد التدريجي عن الإيقاع ووصلنا إلى مرحلة جديدة في كتابة القصيدة، وكلنا يعلم بدأ التغيير في إيقاع القصيدة بطيئاً أول الأمر وسريعا بعد الحرب العالمية الثانية . ونحن كمتذوقي للشعر نطالبها بالمزيد من الاشتغال على عناصر اللغة وتفعيل مفرداتها على النحو الذي من شأنه تعزيز الطاقة التعبيرية لها لفتح الباب أمام عنصر التأويل،وهناك قصائد لو إشتغلت عليها أكثر لحققت فيها مهارة وصنعة شعرية أبلغ ، بإعتبار الغزل العذري في اللغة كما يقال هو من غزلَ يغزل تغزل أي التغني بالجمال وإظهار الشوق إليه .

"وعصفور على شرفتي، فالكل ٌيعلم ُ أنك آخر من يعلم أنه ...الأول " ص42

وهذا الديوان " بصمة روح " الصادر عن دار " إياس " للطباعة والنشر والتوزيع " طرطوس – سوريا " وهومن القطع المتوسط ويقع في 141صفحة،يدخلنا في عالم الوجدانيات والألم والحسرة، والحزن الكثير، والشكوى، ويبدوهذه المرارات الصعبة التي لازمتها كي ترسم واقعها أوتجربتها الخاصة عبر قصيدتها الشعرية التي أخاطتها عبر مراحلها الحياتية والتي شكلت لها بصمة روحها المحترقة

"ولي قلب عقلته، بانتظار أولى السفن، حاسراً، تحمص َ، تحت شمس المدن " ص29

وهي تنسج لنا قوافيها التي رسمتها بعذوبة في بعض قصائد هذا الديوان الذي يسهل على القراء فهمه لسهولة المفردة اللغوية فيه فضلا عن إستخدامها لعنصر التكثيف في الكثيرمن القصائد التي عبرت خلالها عن همومنا وأوجاعنا الناجمة عن السياسة المتخبطة في عالمنا العربي وما يحدث من ألم في هذا العصر،"ونعمر سياجا بلا قضبان، حول دارٍ، يعيش ساعة وهم فقط، وتناديهِ " بيت بيوت " ولا نبالي ص103

 فجاءت قصائدها تثير فينا دهشة الحب السرمدي، عبر لغة شفافة، وهي تلون قوافيها بريشة فنان متمرس،وهي تنقل عواطفنا ورؤيتنا وهواجسنا بعفوية بسيطة ،وهي كمشتغلة في مجال علم النفس الحديث الذي يحتاجه بنوالبشر لفك طلاسم النفس البشرية . يقول عنها الناقد والكاتب اللبناني أديب بري " جعلت "هالا " مداخل ومخارج غير عادية كما نرى في "بصمة روح " والذي يطرح أمامنا سؤالاً حول مدى بقاء البصمة في الذاكرة، إذا أن البصمة تضمحل تحت شتاء الزمن

" اقطفني من صباحك زهرة،ادفني في عمرك دهرا،غرًمني ثمن الشوق رقاً،ثم أعتقني لوجه الحب، ...مرة "ص16

 وتدخلنا في مشاعرها التي لا تنبض غير الحنين والذكريات القديمة ، وهي غير قادرة عن الإنفصال عنها، وهي تلهب ذاتها عبر استذكارها لمحطات مرت عليها في رحلة شكلت هاجسها الأول والأخير، وكأنها تتنازع مع هذا الماضي " الذكريات " وهوالجزء الأكبر من مشاهداتها لحياتها الخاصة والعامة المتصلة بقوة روحها المتنقلة بين آنين السنين .

" لا تعتب على حروفي فقد وُلدت من رحم ثورة قلم،وحبر ألم، وأسطر من زفرات ندم " ص 7

 بقى ان نذكر أن الشاعرة شرارة قد أحتُفي َ مؤخرا بمناسبة صدور ديوانها الاول حيث أقيمت لها عدة امسيات في ديربورن وبحضور جمهورمن المعنيين بالثقافة .

 

قاسم ماضي –ديترويت

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4169 المصادف: 2018-02-03 02:28:28