المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

شيخوخة بغداد.. عندما تشيخ المدن تغادرها الطيور

طارق الكنانيالقارئ لرواية شيخوخة بغداد يقف عند الكثير من علامات الاستفهام التي يطرحها الروائي علاء مشذوب على شكل اشكاليات متناقضة تتخللها اجواء سوداوية قاتمة من خلال الخيبات والاحباطات التي تتعرض لها شخوص الرواية ولكنها لاتخلوا من مواطن جمال متعددة تُعد محطة استراحة للقارئ متمثلة بمواقف انسانية صادقة جسدها الكاتب عبر تجارب حقيقية قد يكون عاصرها او مرّ بها فالكاتب سلط الضوء على مرحلة مفصلية وخطيرة في تاريخ العراق الحديث واكاد اجزم انها لم تمر على العراق قبل ذلك فعملية الهجرة الجماعية وموجة الرغبة بالهجرة اصبحت ظاهرة سادت المجتمع راح ضحيتها الكثير من الشباب ،كان لابد للفن الروائي العراقي الوقوف عند هذه الظاهرة ليؤرخها فجاءت شيخوخة بغداد لتغطي بعض الذي حدث ومع انها امتدت إلى كافة النسيج العراقي ولكنها نقلت لنا عدة اسباب لهذه الهجرة . لقد تناول المشذوب هذه الظاهرة والحماسة التي استحوذت على الفكر الجمعي للعراقيين وبالأخص طبقة الشباب وتأثيرهم في محيطهم العائلي كما فعلت (شروق).

النص هو نسيج من العلامات المتبلورة في ضوء علاقة الانسان مع عالمه الخارجي، ودراستها على ضوء المنهج السيميائي الذي يهتم بدراسة هذه العلامات على تنوعها بوصفها تجسيدا لانشطة سلوكية وموضوعات تواصلية شتى تمنح النص قوة التكثيف الدلالي المتولد عن اكتناز سياقاته بمعانٍ محتملة .*

وبشكل موجز تجسد احداث الرواية جدلية في نقل الكاتب لصورة تراثية استمدها من تاريخ عاصر بعضه ليعبر من خلالها عن قضيتين اساسيتين الاولى تمثل الصراع الازلي المحموم بين ثيمتي (القوي – والضعيف) والتي تبين قلة حاكمة ظالمة واكثرية محكومة ومظلومة ،والثانية الهزيمة النفسية التي القت بظلالها على الشخصية الرئيسية في الرواية والتي غذتها الاحداث بما يلائم الانساق الفكرية لها والتي امتدت إلى مرحلة مابعد الهجرة ،فعملية اضمحلال الشعور بالانتماء جاءت مكملة لحالة الضياع التي يعيشها (سلام) من خلال شعوره بالتسطح الفكري بالرغم من امتلاكه كل مقومات الابداع التي كان يعتقد انها لو توفرت لكان وضعه مختلف جدا .

الرواية

تنتقل الرواية عبر شخوصها إلى مرحلتين فهم ينتقلون ضمن اطار زمني واحد في اماكن مختلفة (فبغداد وكربلاء) كانتا المرحلة الاولى (والمانيا والسويد) كانت المرحلة الثانية فبالرغم من شعوره بالاحباط في المرحلة الاولى كان سلام اكثر ابداعا وايجابية في نحت الذات وتوفير اجواء من تأمين الاستقرار المادي لعائلته وكان من الممكن وفق سياقات الرواية ان يكون ذا شأن لو بقي مستمرا في عمله ولكن تناقص الشعور بالانتماء وحالة التذمر التي تعاني منها الشخصية الرئيسية بالرواية كلها حالات كانت تتنامى لجيل عانى الكثير من ويلات الحرب ولم يصمد امام هذه المتغيرات التي وصلت حدا لم يتكهن به احد.فكان الهروب من هذا الواقع هو الحل الامثل لجيل لم يعد ينتمي لهذه الارض فهو مهووس بنموذج العيش الرغيد الذي بدأت صورته تتوضح عند عودة المهجرين من الخارج، فقد اضافت صورة هؤلاء العائدون نقطة في ميزان الفكر الجمعي للشباب وتطلعاتهم نحو حياة مختلفة بعيدة عن اجواء الحرب والتفجيرات والسعي اللامحدود، لتأمين حياة افضل من خلال الهجرة إلى دول العالم الاول هناك حيث الثلوج تلقي بظلالها على صياغة الشخصية الهادئة بعيدة عن كل الانفعالات التي يعاني منها الفرد فهناك (لاحاجة للتفكير في المستقبل وفي لقمة العيش فهي مضمونة من قبل الدولة).*

وبالرغم من توفر هذه المعطيات الا ان عملية اجترار الماضي والحالات التي نشأ عليها هذا الجيل في بلده ظلت ملازمة له (الشخصية الرئيسية بالرواية) فهو يلجأ للحسينية ومجالس التعزية والطبخ ليؤمن من خلالها حضورا تراثيا مازالت تحتفظ به ذاكرته ويحن إليه بالرغم من ادعائه انه تناسى الماضي ولم يعد يربطه ببلده الام أي شيء وخصوصا بعد وفاة والده وهجرة اخوته كل في بلد فبيع بيت العائلة انهى مرحلة كان الاجتماع ممكنا من خلالها والعودة إلى الوطن الام ممكنا اما الآن وبعد بيع تلك الاملاك العائدة لوالده ووالدة زوجته لم تعد هناك روابط وخصوصا ان كل عائلته المكونة من زوجته وابناءه واخت زوجته وعديله متواجدون بالجوار .

لم يتمكن الكاتب من اضفاء ميزة التعاطف مع الشخصيات فهي كما بدت شخصيات باهتة في تفكيرها وسطحية في منهجيتها وكأنما الكاتب تعمد اخراجها بهذه السطحية من خلال اعتراف سلام بذلك في مرحلة انتقال إلى اوروبا ،فما حدث للعائلة لم يكن شيء مميز ولاحدث مستهجن يدفع بالبنت الصغرى للهجرة حيث اظهرت الرواية شخوصها يتعاملون مع البلد الأم كما يتعاملون مع فندق خمسة نجوم تدنت فيه الخدمة واقتضى استبداله بفندق آخر وهذه السطحية ظهرت جلية في شخصية سلام بعدما هاجر وتوقفت حالة الابداع لديه بالرغم من توفر كل امكانيات النجاح .

استمرت الرواية في فصلها الاخير بايقاعها الهادئ عند مرض والدة زوجة سلام واجتماع الاسرة المكونة من البنتين وازواجهن وابنائهن وعمهن الذي جاء من امريكا ليحضر رؤية زوجة اخيه ووصيتها وطلبها الدفن في بلد المنفى والتأكيد على ذلك ،لتشعرك ببداية النهاية فهي الجيل الذي يمثل الارض وهاهي قد تنازلت عنها ،وكذلك الاباء والامهات بقوا يجترون الماضي وتنازلوا عن الكثير من الاولويات واما الجيل الثالث فقد وصفهم الكاتب انهم كانوا يجاملون اهلهم فهذا الجيل لم يعد عراقيا .هكذا تتوقف الرواية عند حد الضياع الذي لارجعة فيه لترسم صورة قاتمة ومفجعة لجيل لم يعد يحفل بانتماءه ،

الرواية جاءت خلافا للتوقعات المنطقية وطبيعة الانسان العراقي ،فطبيعة الانتماء لايحظى بها كل الناس كما يحظى بها العراقي فطبيعة الثقافة العراقية اصيلة ومتجذرة وليست طارئة فهي قد تتأثر بشكل بسيط بالثقافات الاخرى ولكنها تؤثر بعمق بالثقافات المحيطة بها ولا اذكر هذا القول جزافا انما مستنبط من عدة تجارب مرت بها الحالة العراقية فالمهجرين الذين غادروا العراق في العام 1991 تركوا اثرا واضحا في الثقافة الغربية ولم يتخلوا عن ثقافتهم واورثوها لابنائهم وهذا ماتابعته من خلال عدة تجارب ،ولعل التجربة الاقوى والاكثر اقناعا هم اليهود العراقيون الذين غادروا العراق في الخمسينيات من القرن الماضي .

الروائي علاء مشذوب

هكذا عرفته مرحا سريع النكتة صريحا في طرح اراءه يبتعد عن المجاملة قدر مايستطيع غزير الانتاج الادبي ،تمحورت اغلب رواياته حول شخصيات واماكن عاصرها في مدينته فهو يعبر عن عشق كبير لمدينته من خلال سعيه بكتابة تاريخ اماكنها ويؤرخ للامكنة قدر المستطاع فهوابن مدينته حقا .

الخط الواقعي والابداعي في الرواية

ان أي تطور يطرأ على أي جنس من الاجناس الادبية ينبغي ان لايكون بدافع مجرد احداث تغييرات يتطلبها تنامي المسار الفني ،انما يجب ان يخضع لضوابط خاصة بالنوع الذي يكتب في نطاقه والا فأنه سيظل مفتوح على تصورات عامة وغير محددة يصعب معها تلمس انتمائها النوعي *

وهنا يجب ان تكون هناك حالة تنامي للجانب الابداعي في العمل وفي احيان اخرى للجانب المعرفي الانعكاسي (الواقعي) ومن الملاحظ هو تفاعل الجانب المعرفي الانعكاسي مع الجانب الابداعي في الرواية حيث مُنِحَ الجانب الابداعي الكثير من الامتيازات الواقعية .

والرواية في اسلوبها شأنها شأن بقية الروايات في نمط مضامينها واساليبها ابتداءً من خطها الفكري وانتهاءً عند مستوى صياغتها الفنية (بوصفها اولا عملا فكريا وثانيا صياغة جمالية لهذا العمل الفكري)* ،ذلك ان قيام الرواية على التقنيات الحديثة المتمثلة بالوصف المطول والقطع وتوظيف النصوص التراثية واستلهام الغيبي والشعبي والعجائبي معتمدا اساسا على مايدور في واقع الحياة من هواجس وتساؤلات وخواطر لاتقل غرائبية عما تضمنته الرواية فضلا عن تصوير الاحداث الواقعية شكل وسيلة لاتصال الشخصية الرئيسية بما عزز انسانيته ومنحه احساسا بالاندماج مع البشرية كلها وليس مجتمعا بعينه واقصد هنا المجتمع السويدي .

 

طارق الكناني

........................

* (د. العزي :نفلة حسن احمد: التحليل السيميائي للفن الروائي)

* (احمد خلف –عائد خصباك: دراسات في القصة القصيرة (1980-1985) 231ص

* ( د. المشذوب: علاء: رواية شيخوخة بغداد )

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4253 المصادف: 2018-04-28 01:08:27