المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

إشارات إلى القصيدة والشاعر: إسماعيل عامود

تعريف: إسماعيل عامود شاعر أعتبر قصيدته شهادة بأن القصيدة هي الحياة التي سكنت روحه وجسده .. لذا سأهدي الشاعر وقصيدته بعضا ً من تنبيهاتي وإشاراتي ...

تنبيه (1)

قصيدة النثر وشعراؤها لم يُقاربوا بشكلٍ نقدي يُقارب مضامين قصيدة النثر الفكرية ، بل انحصر النقد والنقد المضاد حول شكلها فقط ..

تنبيه(2)

في صفحات قليلة المساحات .. كيف لي أن أختصر مساحات ومسافات شعرية غطتها تجربة بدأت منذ عام (1942) ولا زالت تنسج مشروعها الشعري حتى الآن ..

الإشارة الأولى

على شرفات الطفولة تتسكع الأماني لتصبح نوراً يضيء وقتنا لنطير بأجنحة الوعد المأمول الذي يتكسر في كل لحظة ملايين المرات ..طفولة الصبح تعلم الشمس كيف تنظف أسنانها وترتدي مريولها وتذهب إلى مدرسة الحياة تعلم النهار كيف يخرج من ثيابه ويقف عارياً أمام الإنسان ..

الإشارة الثانية

حين ركض الوعي الأدبي في خلايا جسمي ..رأيت جدران غرفة والدي مغطاة بالكتب ورأيتها تقاسمني حب أبي لي ..فكرهتها ..و أردت أكثر مرة إحراقها إلى أن هُجِر أبي إلى غربة لقمة الخبز والفكر...باغتراب قسري فأصبحت الكتب تحمل رائحة أبي وحبره وألمه ودموعه التي رسمت كونها الذهبي ..فبدأت أبحث عني وعن أبي بين هذه الأوراق التي بدت لي جامدة عاتية قاسية كجدار من صوان الكلمات تتحطم عليها رغبتي في القراءة ..هنا يجلس التاريخ بنفاقه محاولا أن يكون كمعلم وقورٍ يعطيني درساً ويغطي رئتي بالغبار الأثري ..و هناك فلسفة متبجحة بالأخلاق والتورم والتوهم ..و إلى جانبها تراث يلبس جلباب وقاره المصطنع ويسلط سيف فتاويه على عنق المفردات والحلم ..و في زاوية أخرى يجلس طه حسين ليقلع أضراس شوقي ضيف بكماشة النحو واللغة التي تحجرت على أفواه ميتة ولكنها ترسم غد الشرق المحنط ..و في مكان أخر يحاضر عباس محمود العقاد بوقار قاطع كالسيف ..و هناك المتنبي الذي يغازل أبا العلاء المعري فيتوافقان على رسالة الغفران ولزوم ما لا يلزم ... أي عالم أنت يا عالم أبي وأين أنا منه ومنك ؟؟

أشباح من التكلف تلاحقني وأنا أهرب منها باحثا عن صدى لنفسي وكينونتي ..و فجأة وفي ركن قصي ومهمل من المكتبة التي أصبحت جدران روحي المغلقة وقفصاً حُبست فيه أحلامي ..رأيت مجموعة من الكتب المتآخية والمتكاتفة جنباً إلى جنب ما هذه ؟؟: (الفرح ليس مهنتي) .. لمحمد الماغوط (فعلا الفرح ليس مهنتي أنا) هذا الكتاب يخاطبني، وهذا ما هو (غرفة بملايين الجدران) أنه كغرفتي هذه لو كان كل كتاب جدار وهو فعلا جدار عقلي ..إنه يتحدث عني ..و (سمرنار – وشتاء لسليمان عواد) و(من أغاني الرحيل وكآبة والتسكع والمطر لإسماعيل عامود) ...و (الظل وحارس المقبرة لفايز خضور9 .. ها أنا ذا أرى نفسي في كل جملة وقصيدة من هذه القصائد إنها حقاً تعبر عني فتآخيت مع هذه المجموعات وعشت معها مكونة وعيي الشعري ..و هي التي كانت المفاتيح التي فتحت أمامي قلاع التراث والتاريخ والفلسفة والفكر .. فكانت النطفة التي لقحت بويضة روحي لتنتج طفولة وعيي الفكري

الإشارة الثالثة

وجيلنا جيل يتيم الأبوة ..نحن الذين بدأنا الكتابة والنشر منتصف سبعينات القرن الماضي ..لأن من كان المفروض بهم أن يكونوا أباءً أدبياً وثقافياً لنا تقوقعوا مشكلين طبقة كتيمة من العنجهية الأدبية والنكران الثقافي للأجيال التي سبقتهم وتلتهم - فمن قبلهم ومن بعدهم ليأتِ الطوفان -..فبدأنا النحت والتحدي بكتاباتنا محاولين كسر هذه الطبقة الكتيمة بأجنحةٍ من خيالٍ وطفولةٍ ... وفي هذا المحيط الذي كنا نتلاطم به مع أمواج النكران والتشظي ظهرت يد الأجداد ممدودة من خلال مجلة الثقافة التي كان يشرف على تحريرها الشاعر إسماعيل عامود ، كقشة أنقذتنا من عواصف عاتية .. فظهرت من خلال رعايته هذه أسماء مهمة منها : رياض صالح الحسين (خراب الدورة الدموية) وصقر عليشي (بعينيك ضعت) و عبد القادر الحصني (ماء الياقوت) وآخرون كثر .. لقد كان شاعرنا حضناً دافئاً يحمينا من التكسر والانكسار ..

الإشارة الرابعة

هكذا تعرفنا على إسماعيل عامود الشاعر المتشرد من أغاني رحيله المحملة بالكآبة والبكاء والتملص من أحلام ليست أحلامه لكنها تزوره صبحاً ومساء ..حين كان طفلاً يستيقظ على زقزقة عصافير الشهوة محدقا بشجرة سرو من شقاوة وحنين تتطاول حتى سقف السماء.. وكان يفكر أنه لو قطعت هذه الشجرة لسقطت السماء كي تعانق الأرض ..تسكعاً ومطراً يرافق مراهقته المقتولة فقراً وتشرداً على أرصفة موانئ العالم المجهول ، يغني على ربابته التي تقطعت أوتارها حنيناً لماء الوعي ..أغنيات للأرصفة البالية ... من رصيف الولادة إلى رصيف التذكر والطفولة حتى رصيف التسكع والانتظار ...لينشد قلبه أشعاراً من أجل الصيف .. الذي يتفتح سنبلةً من حنطة الإبداع ورؤية الخلق الفني المتكامل ...ليتابع تشرده ورحيله .. مسافراً في الاتجاه المعاكس .. كي يصل إلى مدينة لا يسكنها الخوف أسمها (العشق) ... وفي العشق ألقى أسلحته لكنه لم يستطع الهروب من همِّ القصيدة التي لا زالت تقلق روحه وضلوعه وهو ينتظرها أن تكتبه ..فتأتيه يمامة من ماضٍ تهدل بعمر من بكاء وشوق.

الإشارة الخامسة

الدخول إلى عالم الشاعر إسماعيل عامود يحتاج لأكثر من أداة شعرية ولغوية ، فهو لم يأخذ نمطاً أو مدرسة شعرية ويختص بها بل عايش وعاشر معظم الأنماط الشكلية للقصيدة العربية لدرجة ابتدع أنماطا خاصة به ، وذلك لمقولة يحافظ عليها وهي (إن القصيدة هي التي تفرض شكلها المناسب لها كما تظهر الوردة شكلها وعطرها الذي ترغبه ، والشعر يبقى شعراً كيفما كان شكله) هذه المقولة صحيحة وموضوعية تماماً آخذين بعين الاعتبار أن خلاف الشعر بين الوزن والنثر للآسف خلاف شكلي نمطي وليس خلاف فكري على مضامين هذا الشعر أو ذاك .. وهذا ما أفقد هذا الخلاف مضمونه ونتائجه الفكرية فهو خلاف مظهري ليس إلا..

وهذا يدفعنا لإيضاح المشروع الشعري للشاعر إسماعيل عامود من خلال أعماله .. ففي (من أغاني الرحيل) كان تقليدي الشكل وتفعيلي الصيغة إنما بمضامين تقارب الحياة اليومية بغنائية رقراقة ندية بالوجع والهم اليومي ، أما في (كآبة) فإننا نرى توأمة بينها وبين مشروع الشاعر سليمان عواد في مجموعتيه (سمرنار وشتاء) من حيث بساطة اللغة والسبك وغياب التكلف والزركشة وظهور الانسيابية لحد يقارب النثرية ويتجاوز الشاعرية .

أما في (التسكع والمطر) الذي أعتبره الولادة الحقيقية لقصيدة النثر العربية بأهم أنماطها الشكلية والفكرية فهو حرر القصيدة من الوصفية وأخذها إلى الدرامية الواقعية المتفاعلة مع أحاسيس الأشياء والموجودات كما يتنفسها الشاعر .

أما في أعماله الأخرى فلقد تشارك النمط الوزني مع النمط النثري في صياغتها وبقدر ما كان التسكع والمطر رائداً في القصيدة النثرية العربية بتمرده الشكلي والفكري ..نجد أن شاعرنا وحسب طبيعته تخلى عن وحدة الديوان الشكلية لصالح التوافقية بين الأشكال والأنماط المختلفة للقصيدة ، رغم وحدة الديوان الفكرية ، وهذا برأيي أفقد قصيدة النثر عند الشاعر تألقها ووحدتها ورياديتها فتراخت بنيتها النصية من خلال محاولته التوفيقية بين الوزن والنثر عن طريق نقل مضامين النثر للوزن والعكس ، فتراجعت قصيدة الشاعر .. لتصبح جزءً من مشروعه الشعري التوفيقي الذي يستند إلى أن الشكل والمضمون هما لغة تعبير الشعر.... مشروع الشاعر الشعري هو التآخي والتوافق والتزاوج بين الأنماط الشكلية المختلفة خدمة للفكر الشاعري الإنساني: (والشعر كالحياة كلما تطورت هذه الجغرافية الإنسانية تطور الشعر معها لأنه يستمد قوته ويأخذ معينه من أصله الأم)

توافقية الشاعر ليست إلغائية بل تعني توافق كلّ الأنماط لتصبح شعراً يماثل الحياة بأنماطها المتعددة لا صراع نمطي بل فكري خلاق ، فهو يبحث عن طمأنينة التوافق بين الأنماط لتتشارك معا في عملية الإبداع الخلاقة ، وهذا يناقض التعددية التي تعني قبولنا بكل الأنماط بشرط أن تتفاعل وتتحاور بتميزها وهويتها لتعطي حراكاً حميمياً خلاقاً مشاكسا لا مرتاحاً ، وبالتالي هذا التضاد بين الأنماط هو الذي يطور الشعر ويخلده لا التوافق ولا الإلغاء الذي يلغي الصراع الفكري المحرك الأساسي للتطور ، فحلول الشاعر التوفيقية جعلت قصيدته تتماوج بين الوزن والنثر ، فأصبح تألق الشاعر كطير ولد وعاش حراً ينتقل من شجرة إلى أخرى في غابة الحرية ...ليؤسر ويقفَّص بقضبان الوزن والقافية .

و أعود لأقول هذه محاولة قصيرة وموجزة للدخول لملامح القصيدة عند الشاعر إسماعيل عامود بالتأكيد لم أستطع من خلالها أن أكشف لكم ما اكتشفته من شاعرية وروعة لدى الشاعر في أنماط الشعر كافة وخصوصا قصيدة النثر في ديوانه (التسكع والمطر) الذي أعتبره من أنضج دواوين قصيدة النثر العربية التي عرفتها حتى الآن

تنبيه (3)

في مقدمة (التسكع والمطر) .. كان إسماعيل عامود ثائراً مع قصيدة النثر ومتمرداً على كل الأنماط التعبيرية الشعرية ، وفي إطلالته في (العشق مدينة لا يسكنها الخوف)..تظهر رؤيته التوافقية بين الأنماط الشعرية كافة .

الإشارة السادسة

أن قصيدة إسماعيل عامود بدأت مع ديوانه الأول ولم تنته فمشروعه الشعري إضافة لوحدة الديوان ..فهو مشروع وحدة الحياة والشعري فكل أعماله متناسقة ومتكاملة .. والقصيدة بأنماطها كافة تعبر أصدق تعبير عن الشاعر ففيها تراه وفيه تراها إنهما يمثلان توحد الشاعر مع القصيدة والقصيدة مع الشاعر..

و إشاراتنا هذه لنواح في قصيدته محاولة لدق باب عالمه الشعري لإضاءة بعض ما رأيناه من خلال متابعتنا لقصيدته فهو رغم كل الدراسات التي كتبت عنه لم يقرأ بشكل كاف بعد وخصوصاً بما يتعلق

بمضامين شعره الفكرية والإنسانية وانحصرت الدراسات بالشكل الفني للقصيدة ..

تنبيه (4)

شكرا لك إسماعيل عامود فأنت جزء من كليتي الفكرية والشعرية وقصيدتي الحياتية ...و لك أجنحة ترفرف بين مفرداتنا وقصائدنا.. وإن اختلفت رؤيتنا لرؤيتك لمشروعك الشعري .. فسيبقى مشروعك الشعري شجرة من عبق الحياة والإنسان يقطف منها النقاد الكثير .. الكثير إن تخلوا عن دراسة الأنماط الشكلية للقصيدة لديك واهتموا بالعلاقة التواشجية بين الشكل والمضمون في قصائدك وفي شعرنا العربي المعاصر ..و شكراً لكل الشعراء الحقيقيين الذين يكتبون القصيدة الحقيقة - كيفما كان نمطها الشكلي فالحقيقة دائما تكمن في المضمون والشكل يدل عليها - .. والذين لم يكتبوا إلا حقيقتهم وحقيقتنا..

 

بقلم الشاع : مهتدي مصطفى غالب

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4261 المصادف: 2018-05-06 03:16:40