المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

العالم الحقيقي والافتراضي...

174 رواية بغداد يويوركرواية بغداد نيويورك للكاتبة نهاد عبد، الصادرة عن دار سطور في طبعتها الأولى لعام 2018. رواية اجتماعية تحاكي الحياة المجتمعية من خلال قصة حب عبر العالم الافتراضي الفيسبوكي، تطرح الرواية صورة عن التربية في مجتمعنا والفرق في الحياة بينه وبين العالم الآخر المتمثل بدول الغرب عامة والولايات الأمريكية المتحدة خاصة. تقدم لنا صور عن كم الحرية الموجودة في عوالمهم والتي نفتقدها نحن في حياتنا. وتقدم لنا صورة عن أثر الحروب في مجتمعنا العراقي والخراب الذي سببته في البنية الأسرية خاصة لعوائل الذين يشاركون في الحروب، وكيف تفقد الناس حياتهم وهم على قيدها بسبب ما تتركه الحرب من خراب ودمار وموت. كما تتحدث عن اوضاع البلاد المتردية التي أجبرت الكثير من العوائل اتخاذ سبيل الهجرة للبحث عن حياة في مكان آخر وعن آمان واستقرار فُقد في الوطن الأم. ثمة اشارة مهمة عن ضياع الهوية وتشتت الذات بين الوطن الام والوطن الجديد، عن ضياع الشعور بالانتماء عندما يفقد الانسان أبسط السبل التي تجعله يحيا في وطنه حياة كريمة، يبحث الانسان عن وطن يشعره بالأمان والاستقرار فأين ما وجد هذا سيكون له الانتماء وإن أحس بالغربة. وتجد في الرواية دعوة لاتحاد كل الاطياف بمختلف ألوانها تحت سماء هذا الوطن. تدور أحداث الرواية حول (مريم) أو (ناي) التي تأخذ على عاتقها مهمة سرد الأحداث وروايتها بضمير الأنا، و(كريم الشرع) الحبيب الافتراضي الذي جلبه عالم الفيسبوك الافتراضي، لتعيش معه (ناي) قصة حب نُسجت من الخيال حتى وصلت لأعتاب الواقع. تبدأ قصة الحب هذه برسالة من كريم لناي، يحاورها حول موضوع نشرته على جدارها الفيسبوكي، يستمر النقاش وتتواصل الكلمات حتى تصبح بشكل يومي يتعلق كل منهما بالآخر. ناي أول الامر فتاة صغيرة مفعمة بالحياة ليست مرتبطة أما كريم يكبرها عمرًا لديه عائلة، الزوجة التي لم تكن العلاقة معها على ما يُرام وأولاد ويتحمل مسؤولية عائلته الاكبر. تنمو بينهما قصة عشق كبيرة تتأرجح بين الرفض والقبول والخصام والصلح والرغبة في الاستمرار والانقطاع، حتى تنتهي بمحاولة من كريم لمقابلة ناي والحاحه المستمر على رؤيتها، حتى انه وصل اليها في امريكا في مهمة عمل وحاول رؤيتها إلا أنها تراجعت في آخر لحظة. يكتب لها عن خيبته في عدم رؤيتها عن حبه وشغفه رسالة اخيرة معاتبا لها ومعتذرًا ومتمنيا لها حياة افضل. ترد هي لتكشف حقيقة ناي في الفصل الاخير من الرواية، الارملة مريم ام لطفلين فقدت زوجها في حرب من حروب البلاد وراحت تبحث عن وطن في بلاد الغربة وكان كريم جزء من الوطن الذي كانت تبحث عنه. لتنتهي الرواية بكشف كذبة ناي وغموض يحجب صورة الفتاة العشرينية ناي التي انتحلت شخصيتها مريم. ربما ما أخذ شيء من متعة الرواية وتشويق القارئ هو التفصيل الكثير الذي يدور حول علاقة ناي وكريم. مثلت الشخصيات في الرواية وجوه الحياة فكان عز الدين الزوج المفترض لناي الوجه الواقعي والعملي. اما عن كريم فهو الوجه المستغل الذي جعل مصلحته في المقدمة، وناي الوجه الذي تسيره العواطف والطيش، اما مريم فهو وجه الحياة المجبرة على الخداع والكذب، الحياة التي فقدت لونها وراحت تبحث عن لون آخر لتحيا من جديد. تمثل المكان في الرواية بمحطات أولها بغداد حيث الامان والأهل والزوج والاطفال، ثم تحولت دلالتها للموت والخراب والخسارة والفقدان. ونيويورك الوطن الجديد الذي أحتضن مريم ووفر لها حياة مستقرة وآمنة، بعد أن كان في الاساس هو المتسبب في خراب حياتها الأولى في وطنها الأم من خلال حرب فقدت هي وغيرها بسببها الحياة والاستقرار. اما المكان الثالث فتمثل بالحاسوب حلقة الوصل بين قلب ناي وكريم المكان الذي امتلأ الفة ومحبة. اما الزمان فأخذ بالتأرجح بين الماضي والحاضر، بالاسترجاع الذي عادت فيه ناي الى الماضي الذي اخترعته لنفسها. والحاضر الذي مثل وقفات زمنية ارتبطت بمشاعر مريم أو ناي مع كريم. ناقشت الرواية حالات حقيقة موجودة في عالمنا بصور مختلفة، أولها : هو خسارة الأهل وألم الفقد والويلات التي عاشها الشعب العراقي بسبب الحروب التي وقعت عليه، وثانيها : تشتت العراقي بين هويات كثيرة الوطن القومية الدين داخل وطنه، وانتماءه بين الوطن الام والوطن الجديد عندما يرحل لبلد آخر. اما الثالث : فتمثل بقصص الحب المقنعة التي شاعت بسبب مواقع التواصل الاجتماعي وكم الزيف والكذب الذي تحويه مثل هذه العلاقات رغم وجود الصدق في بعضها.

 

هـــديل حـــســام

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4314 المصادف: 2018-06-28 02:01:03