المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

المخاض الشعريّ وتقنيّة التكرار في: على قيد الحبّ.. قصيدة

حامد عبدالحسين حميدييعدّ (التّكرار) في بنية القصيدة، سمة واضحة لدى الكثير من الشعراء المعاصرين، ويأتي حسب الجانب النفسي الذي يعيشه الشاعر على وفق تنغيمات مصاحبة للحظة المخاض الشعريّ، وهو تقنية دلالية لها أبعادها التجسيمية المؤثرة، التي تكشف لنا عن الحالة البؤرية الممتدة في أتون النصّ، (التكرار) بالإضافة لما ذكر، يمنح رابطاً اسلوبياً في وحدة القصيدة وتماسكها، وعلى الرغم من أن التكرار يختلف في تقسيماته وحسب المدارس العربية والغربية وما ذهبت اليه في بيان ماهيته المتجسّدة، إلا أنه شكل ظاهرة ضرورية متنامية تحفيزية تتوهج بنمطية وتشظيات متعدّدة .

فمصطلح (التكرار) بمفهومة العام يدلّ على نظام (الاعادة) سواء بـ (الحرف أو بالضمير أو الكلمة "ونقصد بها الاسم والحرف والفعل" أو الجملة أو بالمقطع)، ويجب أن نشير الى ليس كل تكرار يعطينا دفقاً منغّماً، - هنا - نستطيع أن نفرز بين قدرة الشاعر وتجلياته الذوقية والحسية والجمالية والتصويرية ذات الابعاد الحية في اغناء النصّ الشعري وإحيائه، وبين من يجعله مجرد تكرار لا روح فيه، ليتحوّل الى كتلة هامدة .

فالتكرار ظاهرة فنية متلازمة في البنية النصيّة، وهذا ما أكدته الناقدة (خلود ترمانيني):

(التكرار لا تقتصر وظيفته على تلخيص الغرض، أو توكيده بهدف التأثير في المتلقي وتنبيهه، ولا على اعتباره لازمة تفصل المقطع عما يليه، وإنما يؤدي التكرار دوراً بنائياً داخل بنية النص الشعري بوصفه يحمل وظيفة إيقاعية وتعبيرية ؛ الغرض منها الإعلان عن حركة جديدة تكسر مسار القراءة التعاقبية،لأنها توقف جريانه داخل النص الشعري، وتقطع التسلسل المنطقي لمعانيه، وهذا كله يتطلب البحث عن عمق الدلالة النفسية لأثر التكرار في تحقيق جمالية النص وقوته البلاغية) (1) .

انه يشكل طاقة باثّة في تفريغ الشحنات التي تزدحم مع رد فعلّ عاطفي متداخل، مما يجعل القارئ يتفاعل كلياً مع هذا الجوّ الممغنط، الذي ينثال علينا بحمولات تنسجم والمخاض الشعري المتدفّق .

ويقول (خالد عبدالرؤوف الجبر):

(ان بنية التكرار هنا ليست شكلية حسب، وإنما تتصل بالمعنى والدلالة اتصالا عميقاً، فضلاً عن رفدها للنص بجرس ايقاعي ينبع من بنائه الداخلي) (2) .

فالتكرار لا يمثل حالة خارجية شكلية، بل له وظيفته المرتبطة معنوياً ودلالياً، ومدى عمقها الفنيّ، داخلياً في جسّ الايقاع النغمي .

بينما يؤكد الناقد (منذر عياشي) على أن للتكرار تكثيفاً ايحائياً يفرضه النصّ الشعري، فيقول:

(إن للتكرار وظيفةً هامةً، تخدمُ النظام الداخليّ للنصِّ وتشاركُ فيهِ لأَنَّ الشاعرَ يستطيعُ، بتكرارِ بعضِ الكلماتِ أَن يعيدَ صياغة بعض الصورِ من جهة، كما يستطيع أن يُكَثِّفَ الدلالة الإيحائيةَ للنصِّ من جهة أخرى) (3) .

في مجموعة (على قيد الحبّ) (4) الشعرية للشاعر(حبيب السامر)، تفرّدت ظاهرة (التكرار) وبصورة ملحوظة في أكثر قصائده، مما يثير انتباه الناقد والقارئ معاً، علّ ذلك يعود الى:

أولا: الحالة الشعورية والمخاض الشعري لدى الشاعر نفسه، ومدى تأثر المتلقي به .

ثانياً: الايقاع الموسيقى الذي أظهر قدرة الشاعر وبراعته الفنية واللغوية في تطويع هذا (التكرار) .

نقرأ:

لا أجيد الانتقال سريعاً في حقل يعج بالفراشات

.......

لا أجيد العزلة وأنا اصلي

...........

لا أجيد ترتيق الحكايات بالضوء

.........

لا اجيد النزهة في حدائق لا تفتح أبوابها

..........

لا أجيد التفريط بالحب

........

لا أجيد تخفيف العناء بقليل من موسيقى

............

لا أجيد تقبيل الصباح بغير البنفسج

............

لا أجيد استقرار التأويل

..............

لا أجيد ايماءة الفراشات

.....

لا أجيد الاقتراب من غابتك

..............

لا أجيد التشكل في جسد وردة

...............

لا أجيد الامتثال لسفر القصيدة ...... (قصيدة . لا أجيد ترتيق الحكايات، ص 7 - 10)

نشعر أنّ تكرار تركيب (لا أجيد) المذكور آنفاً (12) مرة؛ الذي طغى وبشكل محلوظ على تكرار بعض الأحرف مثل (التاء / الياء / القاف)، هذا التركيب منح النصّ تناسقية متدرجة وصلت الى حدّ أننا نقف عند هذه الجملة المنفية، التي أخذت بالتنامي ضمن تدرجات متلاحقة، لتكشف لنا عن:

أولا: أن تركيب (لا أجيد) المنفي .. جاء ضمن مسارات ضخّ دائري لشحنات متفاوتة في مستواها الدلالي، لنلاحظ أن الشاعر، عمد الى ذلك رغبة منه في اكتمالية الحالة النفسية التي لم يستطع كبح جماحها، فهو يتنفّس، ويرى، ويشمّ، ويسمع من خلال اطلاق هذا البوح المتنامي:

لا أجيد = الانتقال + العزلة + ترتيق الحكايات + النزهة + التفريط + تخفيف العناء + تقبيل الصباح + استقرار التأويل + ايماءة الفراشات + الاقتراب + التشكيل في جسد .. + الامتثال لسفر .

ثانياً: أن الشاعر السامر يجد في هذا البناء الكمّي راحة نفسية مطلقة، يحاول من خلالها التنفيس عمّا يجول في خوالجه الضاغطة، فهو يعتبره (الفيض / النشيد / تغريدة الرياح)، حيث يقول:

لا أزعم أني أمنع هذا الفيض عن دقّ الابواب

لكني أردد كل هذا النشيد

وانحني لتغريدة الريح ! (ص 10)

ثالثاً: أن الشاعر يجد أن هنالك ما يتناسب مع تجاذبات داخلية من قبل الآخر / الانثى، المحرض الحقيقي له، وهو على يقين بذلك، أي ان هناك تأثيرات متبادلة في الاستدلال العاطفي، هي التي عصفت وحركت مكامن البوح ليأتي متراكما بهذه التراكيب المتسارعة في هدوئها الغاصّ بمعطيات دلالية، لذا يقول:

أعرف أنك الآن

تكتبين سيرتك على مهل

وتقرئين آخر دمعة في نبيذ الوقت ! (ص 11)

هذه النوافذ المفتوحة الأفق، تطلق عنانها، وهي تجسّ كلّ ذلك التوق المحمول في خبايانا، (السامر) يتحكم في مؤثرات التعامل مع هذا التركيب .. بإجادة، وبراعة، وبحرفية .

الشجرة تنمو خارج الحديقة

الشجرة تتحسس فراغ أوراقها

لا تستطيع أن توظف كل وقتك

من أجل شجرة خارج الحديقة ! (ما لا تدركه الآن، ص 19)

في هذا النصّ تمركز التكرار في مفردة (الشجرة) التي أخذت حيزها الدلالي، بانفتاحية منبسطة لكن اعطت بعدها الايحائي بقوة، اذ وردت ثلاث مرات، مرتين معرفة بأل التعريف والثالثة نكرة، فالمشهد البؤري الذي حاول الشاعر أن يسوقه الينا، احتاج منه هذا التكثيف الوصفي المضغوط ..

(الشجرة = تنمو + تتحسس = شجرة خارج الحديقة)، هذه الاختزالية التي نضجت من مفردة (الشجرة) بدأت وانتهت (خارج الحديقة)، وكأن عالمها ثيمة عالم منسلخ من واقع حقيقي الى افتراضي، لكنه عالم وضع فيه تراكمات لها اثرها الانفعالي الدالّ .

كلما ناديتك

يسبقك عطرك نحوي

.............

كلما سرت في الشارع

ارتعش قلبي

باغته الغرق !

.......

كلما حاولت الافلات من اصابعك

يعيدني عطرك

اليك !

..........

كلما تكرّرت ملامحنا

وتنطفئ !

............

كلما احببتك أكثر

تصاعدت موسيقى الروح

واحتدم الضياء

ليتلون بالهديل ! ( في أي وقت نكون معا، ص 26 - 34)

نجد أن الشاعر مال الى استخدام اداة الشرط غير الجازمة (كلما) الدالة على تكرار الحدث، لما لها من وقع في بنية القصيدة، لكونها أعطت ايحاءً لما بعدها من حيث عملية التكرار في جملة الشرط، يقول خالد عبدالرؤوف الجبر:

(ولعل الشرط غير الجازم يحمل دلالة الحيرة المبنية على تأمل اشتراطات غير حاسمة في الوجود) (5) .

وقد لاحظنا أن الشاعر حريص علي تحريك مجسّات هذه الاداة الفاعلة ضمن تصاعد النفس النصيّ، فهناك علائقية ليست على مستوى فعل الشرط وجوابه فقط، بل في عبور الشاعر لهذه الحواجز الثابتة في جعل كلّ فعل شرط يحاكي فعل الشرط الآخر ... وهكذا، نلاحظ:

(كلما ناديتك / كلما سرت / كلما حاولت / كلما تكررت / كلما احببتك) هذه التراكيب ذات ابعاد علائقية متساوية في اطرافها وتحفيزاتها الدلالية، حيث قلنا: أنّ الشاعر مدرك ٌ في تجاوز محاكاة الجملة الشرطية الثابتة داخلياً، الى محاكاة خارجية أخرى أكثر تحرّراً وانفتاحاً:

(كلما ناديتك - سرت / كلما سرت - حاولت / كلما حاولت - تكررت / كلما تكررت - احببتك ... الخ ) وهكذا، حوّل (السامر) تقية التكرار الى محفزات داخلية وخارجية، تعالج الحالة النفسية التي تتوهج ضمن اتساقية باطنية .

ما جدوى

كل هذا الهواء

وأنا أختنق

...........

ما جدوى

تباعد خطواتنا

ايتها القديسة

...........

ما جدوى

تبادلنا الرسائل

وحكايات الفايبر

...........

ما جدوى

أن نغزل أيامنا بتؤدة

...........

ما جدوى

أن نختلس النظرات

...........

ما جدوى

أن تنفرج شفتاك

...........

ما جدوى

أن يكون الحب

...........

ما جدوى

أن تهيئ مائدة الحب

...........

ما جدوى

أن نبتدع قاموس اسماء جديدة

...........

ما جدوى

اقترابنا أكثر

...........

ما جدوى

أن يكون ليلك من ورد

...........

ما جدوى

أن استنشق كل عطور الكون

...........

ما جدوى

أن أنادي

بكل الاسماء

إلاك . (اللاجدوى، ص 36 - 40)

هكذا وظّف الشاعر تكرار تركيبة (ما جدوى) المتكررة 13 مرة والمكونة من (ما) الاستفهامية (جدوى) الاسم النكرة، وهو يطلق هذا التساؤل المبهم، وهو يعي كلّ ما يدور حوله من الجمال، هو مدرك أن حيثيات جدلية فضاءاته مرتبطة بجدلية الانثى التي استطاعت أن تحرك فيه هذا مكمن الباعث الحقيقي، ثم نلاحظ تكرار الحرف (أن) المصدري الناصب .. الذي أضفى جمالية تأثيرية لما بعده من الافعال في هرمية متموسقة، وكأنه يزحف بين طيات النصّ بحركة تلامس الشكل الجمالي والإيقاعي:

(أن نغزل + أن نختلس + أن تنفرج + أن يكون + أن تهيئ + أن يكون + أن استنشق + أن أنادي)، أنها مصدر التحفيز في الطاقة الضاجّة بتكوّرات تشبع ماهية الفعل المصاحب لها، ضمن حركية مضادة لحركة الزمن التي لم تجد لها حيزاً في واقع فعلي .

بما لا يطاق

سنقبل بالأفواه الجهنمية

...........

بما لا يطاق

نستل خيطاً من شمعة

...........

بما لا يطاق

أتقصد النسيان

...........

بما لا يطاق

أقلب الاسى

...........

بما لا يطاق

أتقن التنفس

...........

بما لا يطاق

أكتفي بصلابة المعنى

...........

بما لا يطاق

أعاود اختراق الروح

...........

بما لا يطاق

يتهادى على مشارف القلب

...........

بما لا يطاق

أغزل الوجع

...........

بما لا يطاق

أرمم الخراب

...........

بما لا يطاق

عند مفترق القصيدة

............

بما لا يطاق

أكسر الجفاف

...........

بما لا يطاق

تنتشر المسافة

...........

بما لا يطاق

أغص بلساني

...........

بما لا يطاق

اركن الماء

...........

بما لا يطاق

أوقن بأن اصفرار النافذة

...........

بما لا يطاق

لا طفولة للمدينة .. (بما لا يطاق، ص 41 - 48)

أحيانا هذه الحياة تفرض علينا اشياءً لا رغبة لنا بها، ولا نودّ أن تكون قريبة منّا، لكنها مفروضة علينا، شئنا أم أبينا، فـ (حبيب السامر)، له رؤيته التي يحاول من خلالها أن يحدّد المسارات التي يتحرك ضمنها، علّ ذلك ناتج عن تفاعلات وتوجس ظاهري .. جعله يكرّر تركيب (بما لا يطاق) هذه التركيب المؤلف من: (شبه جملة " جار ومجرور " + جملة فعلية منفية)، لتكون مؤشراً واضحاً على حالة شعورية ضاغطة، وشدّ رؤى متداخلة، لكنها رؤى مأزومة، وكأني به يقف في زاوية خانقة من الضيق النفسي ورتابة ما يراه، لدرجة اوصلت الشاعر الى هذا المرتكز .. نلاحظ أن الشاعر دقيق في تدوير ما بعد تركيبة (بما لا يطاق) وعلى نسقية تصوير مثقل:

(الأفواه الجهنمية / خيطاً من شمعة / النسيان / الاسى / التنفس / بصلابة المعنى / اختراق الروح / يتهادى على مشارف القلب / الوجع / الخراب / الجفاف / أغص بلساني / اصفرار النافذة / لا طفولة للمدينة) .

لذا / نتيقّن أن هوس تركيب (بما لا يطاق) جاء نتيجة تراكمات خذلت كلّ حواسنا، ونحن نحاول أن نرقع الواقع بما يليق لنا .

إنّ انتاج المفردة والتركيب الشعري وضمن توافقية تامّة، لا يمكن حصوله إلا عن تجربة ذات وصلات مترابطة فنياً ودلالياً، بحيث تأخذ دورها في تقريب لحمة البناء في القصيدة الناضجة، يقول د. موسى ربابعة:

(فلا يجوز أن يُنْظَرَ إلى التكرار على أنَّه تكرارُ ألفاظ بصورة مبعثرة غير متصلة بالمعنى، أو بالجوّ العام للنصِّ الشعريّ، بل ينبغي أن يُنْظَر إليه على أنَّه وثيقُ الصلة بالمعنى العام) (6) .

بماذا أشهد؟

والثوب لا يستر كل هذا الالم

..................

بماذا أشهد؟

والأيام تمضغ أبناءها بحيرة الرمال

..................

بماذا أشهد؟

والنعاس استفاق في لجة الضجيج

..........

بماذا أشهد؟

بالغيبوبة التي تتنزّه من دوني

........

بماذا أشهد؟

التأمل محاط بأدغال الثرثرات

............

بماذا أشهد؟

بالهديل المتكرر كالذعر

................

بماذا أشهد؟

الطعنات تصرع فوضاي

..........

بماذا أشهد؟

القلق التبس الجلد بخرافة معلنة

.............

بماذا أشهد

لا مكان يتسع لخطوتي

............

بماذا أشهد؟

لا فاصل بيني وبين السماء

............

بماذا أشهد؟

فضتي بقصيها الماء دون أصابع

..........

بماذا أشهد؟

والوقت يقصيني نحو ساحة الصمت .. (بماذا أشهد ص 49 - 53)

هذا التكرار الاستهلالي بطريقة الاستفهام (بماذا أشهد؟) الذي أطلقه الشاعر في قصيدته 12 مرة، شكل تسلسلاً ضاجّا بتماهيات متعرجة، وكأن حدثاً مؤلماً وحزناً قد جثم على مشاعره، فراح يعلن عنه، وهو يحاول من خلال هذا التوظيف التأكيد، أي اثارة التوقعات لدى القارئ / المتلقي، لترسيخ المعنى وتقويته في ذهنه .

فلو تتبعنا حركية تركيب (بماذا اشهد؟) وما تلاه من الجملة الشعرية، لوجدنا التكتل المرصوص أحياناً بمعاناة البوح المتراخي المصحوب (بواو الحال) وما شكّله تكرارها، نوعاً من وظيفة التناغم الإيقاعي، الذي ساهم في تحفيز الايقاع الداخلي بموسيقية تنسجم مع معطيات هذا التكرار .

كما نلاحظ أن استخدام حرف (التاء) وتكراره 21 مرة حيث ورد في مفردات عدّة من هذا المقطع، ولّد نوعاً توافقياً متلاحقاً في ابراز التوازن الايقاعي التأثيري وهذا ما أكده ربابعة: (يحدث نغمة موسيقية لافتة للنظر لكن وقعها في النفس لا يكون كوقع تكرار الكلمات، وأنصاف الأبيات، أو الأبيات عامة، وعلى الرغم من ذلك فإن تكرار الصوت يسهم في تهيئة السامع للدخول في أعماق الكلمة الشعرية) (7) .

لأنها

لا تجيد مزج ألوان الفصول

.............

لأنها تكبل الانتظار

...............

لأنها

تشبه الربيع

.........

لأنها تجدد البحث عن الوردة

.......

لأنها تصنع الغنج

.....

لأنها تغرز القلب بالضوء

......

لأنها تغسل قامة النرجس

........

لأنها تترع القبلات

..........

لأنها

توقظ القصائد بالأنفاس ... (لأنها اختارت الخريف ص 55 - 58)

(لأنها) هذه التنغيمة المتناسقة في هذا المقطع، التي تعطي ايحاءً غاصّاً برومانسية منسابة بصورة سلسة، الشاعر (السامر)، كان بحاجة اليها، كون ما يحمله من ترديدات داخلية أغرته بالميول، ولأنه يحاول من خلالها فكّ شيفرات أثرت فيه وعلى مستويات مختلفة، فهو يبثّ طاقة لكل فعل ورد بعد التركيب له حمولاته الدلالية، نلاحظ كيف تعامل مع هذه الأفعال:

(لأنها = لا تجيد + تكبل + تشبه + تجدد + تصنع + تغرز + تغسل + تترع + توقظ)، فالشاعر مال الى استخدام جملة منفية (لا تجيد) كي يوهم القارئ بعدم قدرتها في محاكاة كل الالوان التي توحي الينا بتغييرات الفصول، وإذا به يفتح أفقاً واسعاً لها، ليحول ذلك النفي الى جمل مثبتة متسلسلة ذات تناغم مبدوء بحرف (التاء) المكرّر الذي منح النصّ ايعازات تلاصقية، بحيث غيّرت مجريات الحدث الواقع أو ما سيكون لاحقاً، هذا التدرج الانفعالي الذي يسوقه الينا، كان بحاجة الى تكرار يتناسب مع طبيعة ما يسرده الشاعر، وهو بذلك يؤدي حركة ترديدية وعلى وفق دفقات متماسكة بحيث يعود النمط التعبيري الى الحلقة الاولى التي بدأ منها .

لا أبرر

للخطوة حين تعود بي

...............

لا أبرر

للساحة حين تضيق

.........

لا أبرر

للغرقى لون الماء

............

لا أبرر

للقلب حين يرتجف

............

لا أبرر

للخيانة أن تعلل اقترافها

..........

لا أبرر

للصوت حين يتردد في الصدى

.............

لا أبرر

لكل هذا النكوص

.......

لا أبرر لطول هذا الليل

وللحزن

.....

لا أبرر

للبرابرة يلوثون الارض

........

لا أبرر

للشمس ترسم ظلالنا

..............

لا أبرر

للرصاصة تنطفيء في اللحم

...........

لا أبرر

للأرض وهي تدور دورتها

.....

لا أبرر

للموت يجيء

............

لا أبرر

للغناء يندفع خارج الحنجرة

.......

لا أبرر

للشمعة كل هذا الضوء

....

لا أبرر

للوردة كل هذا العطر

..............

لا أبرر

للمدن وهي تتهاوى

.................

لا أبرر

عدم احتفائي بوجودك

............

لا أبرر

للعذوبة في حديثك

..............

لا أبرر

للبالونات كلما ارتفعت ... (لا أبرر للقلب حين يرتجف ص 59 - 64)

في هذه القصيدة، يشدنا تركيب (لا أبرر) هذه الجملة المنفية، والتي كان لتكرارها ترابطية مع الضغط الخارجي بمؤثراته النفسية التي شعَر بها الشاعر (السامر) مما جعله يرفض ذلك رفضاً متكرراً، بحيث كوّن شبكة من العلاقات السياقية وتعالقات ذات تآصرية مع بنية القصيدة، أضف الى مجيء حرف الجرّ (اللام) بعد التركيب المنفي، وبصورة مكررة وواضحة للقارئ .. مما يولّد ذلك عمقاً في النصّ، الأمر الذي يدعونا للكشف عن حيثيات ذلك ودوره في المستويين البنائي والدلالي .

لأنك لا تجيد التحليق

كما أنت

.....

لأنك برهاني في الشهيق.... (ادعوك لحلم طري ص 67)

- هنا - كرّر الشاعر تركيب (لأنك) مرتين، كون ما أطلقه الشاعر من توصيف، وجد الاجابة - داخلياً - لديه والتي كان لها الأثر في الانقطاع عن التكرار .

لم يكن الضوء خلاصة السواد

............

لم يكن الخطأ كسولاً كما تظنين

...........

لم تكن الموسيقى خلاصة الالم

........

لم يكن الوقت صالحا لمصاهرة الغيم

.........

لم يكن هذا القلب معطلا عن الخفقان ... (الضوء خلاصة السواد ص 78 - 79)

يقول د. يمني العيد في الكشف عن جماليات النصّ اللأدبي:

(إنّ الجمالية في النصّ الأدبيّ ماثلة في نظام التركيب اللغّويّ للنصّ، أيّ في بنية تركيب الجمل والمفردات. كما في بنية الزمان والمكان، التي تولّد فضاء النصّ، وتخلق للفعل فيه، مسافة ينمو فيها، وأرضاً يتحقّق عليها، فينسج العلاقات على أكثر من محور تتقاطع وتلتقي، وتتصادم، وتخلق غنى النصّ، وتعدّد إمكانيات الدلالة فيه) (8)

وهذا ما نلاحظه في ميل الشاعر (حبيب السامر) من خلال تكرار تركيب (لم يكن) 5 مرات، هذا الكون المنفي الذي جاء بتوافقية متزامنة مع الاسماء التي تليه ليمنح مبررات فيها البعد البؤري الممزوج بعناصر متضافرة، الشاعر (السامر) وضع علاقة وسطية متمثلة بـ (الموسيقى) كعنصر أساسي وسطي يتناغم مع دائرية التكرار الذي حمل الطاقة الجاذبة ... كما يأتي: (الضوء والأخطاء + الموسيقى + الوقت والقلب) .

غالباً ما نلوح للغابة

كي تفتح نافذة للنزهة

............

غالباً ما يعدو

خلف تلك الابراج

......

غالباً ما يأتي

ظله المنشطر عن قامتين

........

غالباً ما يدنو مثل الضوء

يستفز السكون ......... (غالباً ما ص 92 - 94)

يحاول الشاعر (السامر) من خلال تكرار تركيب (غالباً ما) والذي ورد 4 مرات، أن يجعلها محور ارتكاز يستند عليها في توضيح ما بعده، وتنشيط القارئ من خلالها لما لها من تأثيرات تناغمية باثّة، تثير فيه الانتباه لكل جملة شعرية، فهي محاولة للخروج من دائرة السكون والتقرّب من نوافذ الضوء التي كان ظلها قريباً مما يخالجنا، لذا نجد أن الافعال التي تلته جاءت متناسقة بحركة اتساقية منسجمة:

(غالبا ما = نلوح + يعدو + يأتي + يدنو) حيث نرى الجمع في الفعل (نلوح) من خلال الضمير المستتر (نحن)، بينما نجد أن الافعال الاخرى قد اقترنت بفاعلية الضمير الغائب (هو) . وكأنه حالة انسلاخ الضمير الغائب من الجمع المتكلم، وذي اشارات منشطرة من تركيب (غالباً ما)، الذي كان له الفضل في فكّ التشفيرات المبهمة .

 

الهوامش

.........

1- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، خلود ترمانيني، سنة 2004، جامعة حلب، ص 306.

2- مجلة دراسات العلوم الانسانية والاجتماعية، الجامعة الاردنية، المجلد 43، العدد 1 سنة 2016: بلاغة التكرار في بائية حسان بن ثابت . خالد عبدالرؤوف الجبر . ص 220

3- مقالات في الأسلوبية، منذر عياشي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، ط 1 دمشق، 1990، ص 83.

4- على قيد الحبّ . حبيب السامر دار الروسم للنشر والطباعة والتوزيع، بغداد، ط 1، 2018 .

5- مجلة دراسات العلوم الانسانية والاجتماعية، الجامعة الاردنية، المجلد 43، العدد 1 سنة 2016: بلاغة التكرار في بائية حسان بن ثابت . خالد عبدالرؤوف الجبر .، ص 223

6- التكرار في الشعر الجاهلي، دراسة أسلوبية، د. موسى ربابعة، 1988 ـ جامعة اليرموك، الأردن، مؤتمر النقد الأدبي 10 ـ 13 تموز، ص 15.

7- التكرار في الشعر الجاهلي، دراسة أسلوبية، د. موسى ربابعة 1990، مؤتة للبحوث والدراسات، م 5، ع 1، ص 170 .

8- في معرفة النص، د. يمني العيد ـ منشورات دار الآفاق، بيروت ط3، 1985، ص 127

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4349 المصادف: 2018-08-02 03:53:19