المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

"طرح القلوب": تثمير وتثوير الرومانسية

خالد جودة احمدلا شك أن عنوان النص الأدبي له أهمية لافتة وضرورة قصوى للنص، باعتباره خطوة أولي في تأويل مجمل النص ومغزاه الرئيس، لذلك وصف "دريدا" مؤسس التفكيكية العنوان بكونه: "الثريا التي تحتل بعدًا مكانيًا يتميز بمركزية الإشعاع علي النص". وعنوان "طرح القلوب" ديوان الشاعر "محمد لاشين"، أصاب التوفيق في صلته وتعبيره عن متن شعري اتسم بالبساطة التعبيرية، ومثل نوع الشعر الغنانئ الذاتي في إطار رومانسي عملي، مع مساهمة الهم العام والشعر العائلي أيضًا في بعض قصائد الديوان.

أما موافقة عنوان الديوان لمتنه الشعري، فجاء من مطابقته لحقله الدلالي الرومانسي الذاتي الرئيس للقاموس الشعري في الديوان، والقاموس الشعري يعني أكثر المفردات دورانًا في رحاب الديوان وإنتمائها إلي حقول دلالية مستقرة. ويحتوي الديوان حقلين، الأول: مفردات الزروع والأشجار والإثمار والإنبات وتنويعات هذا، وهذه نماذج:

"سراب الخضرة والمية"،

"تبعتر شعرها عناقيد"،

"طرح القلوب استوي"،

"وبين أشجارك الطارحة"،

"دبلت الأشواق في روحنا"،

"أرضك شراقي / وزهري نبت اهه وفرع"،

"يا أم الجناين فضة / وطرحها نوار"،

"غرامي اتهد / بيسقط رطب مجاريح"، و"رطب مجاريح" صورة شعرية جميلة قائمة علي التشخيص بخلع الصفة الإنسانية علي المحسوس، عبر خطوات، بقيام حدي الصورة في الذهن (الإنسان / الرطب)، والخطوة الثانية تلاشي الحد الأول "الإنسان" وبقاء الثاني "الرطب"، والخطوتين السابقتين تماثل فكرة "التجسيد"، أما الخطوة الثالثة فالارتفاع بهذا الحد الشيئي إلي موقف إنساني مؤثر "مجاريح"، بل في عناوين بعض القصائد "شجر العمر"، وهنا فعل "ابدر نهارك سنابل / طارحه رباني" وهي صورة شعرية قائمة علي التوريق دال الخير والتثمير ويأتي التبرير الشعري بالطرح الرباني حيث سرعة التثمير وبهائه.

وهناك حقل فرعي من التثمير يتمثل في مشاهد طبيعية، وخاصة الطيور:

"طيري مهوش مجروح / ريشه خلاص نما"،

"وأصوات كناريا وزقزقة عصافير"،

"تلقي القمر فارد جناحه"،

"عطشان محبة وشوق ولهفة وزقزقة"

ومن دوال الإثمار الرومانسي معني "الإحتواء" والرعاية علي السعة والضيق، والري والتعاهد والعناية، وبعضها حزين، والتالى نماذج:

"روحنا بتسكن جوه تابوت"،

"مين علمها؟ / مين فهمها .. / تدخل جوه حبابي الروح"،

"علي أحلامي النايمة في عينيها".

ومن خلال الفعل:

"يا للي بنيت لك بيت جوايا / كل عروقه شمس وضي"،

"إني قاعد جوه عرشك / وإني متكحل برمشك"،

فالجوانية حاضرة دال الإحتواء، وهنا يحضر الحقل الدلالي الرئيس الثاني، حيث مفردات الملامح والجوارح التي تحتوي الذات الشاعرة، والتالي نماذج:

"وتداري ملامحك ف أوراقك"،

و"اتغيرت فينا الملامح"،

ومفردات تتناول الوجه:

"لون الخدود مشمشي"،

"الندي نازل يعطر خدها"،

"خدودك ارتاحت"،

بل و "خد الحياة"، والشفايف، والابتسامات التائهة، والدموع المغتربة وسر الوجود في العيون وهي نافذة الأرواح:

"يا حتة من نن العيون"،

"نور عينيك بقالي فنار"،

"دمع العيون لولي"،

"وصفولى الدوا ضي عنيكي"،

"بلهفة عيون"،

"لهفة عينين متشوقين"،

بل وأنسنة العيون: "وعيونك لو شاطرة تعدي" ومشتقاتها مثل الدموع والكحل والرموش حيث تغطي الحبيبة،

"وها اكحل قلبي بأشواقك"، وهي صورة شعرية مركبة تمنح دال أن الأشواق تنير البصيرة. والحواس دائمًا تبث رسائل وتمارس فعل الإحتواء:

"وتدوبي في وف ملامحي"،

وباستعمال تراسل الحواس:

"وعيونك النونو اللذاذ"،

"لعيون شبعانة ومش فارق"،

"لا دقت طعم الحلاوة ولا شفته بالمرة".

ويصاحب القاموس الشعري تؤامه القاموس النفسي، كما يقال "تكلم حتي آراك"، فالشاعر مخبوء تحت قاموس الشعري، فالأديب تلك النفس الحساسة تتألم لوعيها ونضارتها الوجدانية "قلبك الحي"، ومفردة القاموس النفسي الرئيس في الديوان أن المحبة قضية فعل وتشييد، جاءت عبر العنوان "طرح القلوب"،

"شموع بتدوب / وبتدفي ف عز البرد" دال العطاء باحتراق الذات،

"هتعلم احبك واناديكي / وها أفك ضفايرك والاغيكي / وهصحي الشوق في قلبك"،

"أبدر نهارك سنابل"،

"ف وش الريح بنالك سد"،

والفعل للتغيير:

"فاتل حبال بكرة"،

"شايل حكاوي كتير".

لذلك أتي شأن نفسي حيث التثوير الرومانسي، فترك الحب بدون ري تؤدي لموت شجرته، عبر بيان ثوري رومانسي:

"إنت خلاص انتهيت / .. / وياريت تنسي اللي بينا"،

"وإن كان علي حبك مش عايز"،

والديوان في نبضه يمثل الموقف الشعري الرافض لتمزيق التواصل العاطفي المثمر، وإدانة الإنقطاع ونفي الفعل، من خلال نفي قانون من قوانين السردية الشعبية فيما يتصل بالثنائية السردية، حسن ونعيمة، ليلي والمجنون، عزيزة ويونس، ياسين وبهية، ادهم والمحتل، يقول:

"أنا ف الحب مش مجنون / ولا أنتى في الهوا ليلى"،

"وف حبك قالولي إنسي / مهيش ناعسة / ومش ممكن تكون أيوب"،

إنه يرى في ثنائية الفناء المطلق في الحبيب رومانسية غير عملية، بل يري الحب عملية تعهد ورعاية وتثمير وري وأخذ وعطاء، بل نفي قضية الحب بالكلية بالإنكار كوجه من وجوه الثورة والإنقطاع:

"خلاني صحيت وفوقت / لا هوه كان حبيبي / ولا أنا ف يوم عشقت"،

وعلي ذات النسق نفي الحكي الرومانسي في الحواديت:

"الفارس اللي بيطلع ف الحواديت / بحصانه الأبيض / علشان يحطف ست الحسن / لسه مجاش"،

وجميع هذا الشأن الثوري قائمًا علي شحوب العاطفة ناتج عدم الإرواء لشجرة الحب:

"بنتبغدد علي الأشواق / وتجمعنا ليالي فراق / وتلضمني سنين عمرك / عشان ما اهربش من جواك / ف متحاوليش"،

"نزفت مني كل مشاعري / علشان تترجاني أقرب / بس أزاي وأنا دمعي اتغرب"،

"قلبي أنت جرحته بسهم / مهما هتوعد صدقني / .. / أنا عندي أموت من الحب / ولا أني ارجعلك ثانية"،

وبعض القصائد نداء مراوحة وكبرياء نفسية وإعلان الإعتزاز بالقلب.

كان رد فعل الذات الشاعرة عن هزال التواصل العاطفي، فاتخذ موقفه الشعري، ودشن موت الحدوتة وذبول شجرة الملامح لعدم الري، ثم يرحل لمنطقة التثوير وحتي الثورة علي العقل في قصيدة "المجذوب"، واستعمل لذلك في غالبية القصائد المناجاة الدرامية، حيث الذات الشاعرة تحكي قصتها إلي شخص آخر بصوت عال بصورة تلقائية، ونعرف إلي من يتحدث وأين هو من خلال إشارات مبثوثة في المناجاة، وهي مناجاة بسبب من عدم مقاطعة هذا الصوت المتكلم، وبدال انقطاع الحكاية حيث يبدأ فعل التكلم بعد إنتهاء القصة.

ونجد بالديوان التناص مع التاريخ بمذاق رومانسي:

"يا موحدة القلبين"،

والقصيدة المعنونة "إيزيس"، واستعمال رمز الشخصية النسائية الفرعونية الأشهر "حتشبسوت".

أما الإيقاع في القصائد فكان غالبًا في رحاب غنائيات شعبية، من خلال التكرار للوحدة في القصيدة، وحضور تداولية مفردات شعبية بما يقربها من بهاء شعر العامية، والحس الشعبي، ويجعل منها تلك الصور الطريفة التي تبهج القارئ:

"بنتبغدد علي الأشواق"،

"خلي البساط أحمدي"،

"ولا دمعه هتنزل يا عنيه"،

"أنا قلبي خلاص / قلب لك ع الوش التاني".

أما استعمال علامات الترقيم فلم نجد مبررًا أحيانًا لغزارة استعمال النقاط وباعداد غير متساوية في مواضع متفرقة بالديوان، وبالمثل إسراف في استعمال علامات التعجب.

وختامًا لدينا في ديوان "طرح القلوب" وفرة في قصائد تتناول قضايا الرومانسية ومتاعب وثمار القلوب ما عدا قصائد قليلة تناولت الشان الوطني:

"حاضن بدمه / أرض أبوه / جده وأخوه"،

وقصيديتن من الشعر العائلي: "رسالة أم"، "بوبوس"، والثانية تشرح مشاعر أبوة مقطرة:

"غنوة روحي / أملي طموحي / زهرة بتكبر قدام عيني"،

أما قصيدة "رسالة أم" لوعة امومة لتصحر وإنقطاع العطف وعقوق الابن.

لكن يظل للديوان أسلوبيته الخاصة في الرومانسية العملية:

"حبيت اقولك بحبك / بس بطريقتي أنا".

 

خالد جودة أحمد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4410 المصادف: 2018-10-02 09:59:30