المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

تاريخ الشعرية الغربية

جميل حمداويالمقدمة: من الثابت أن نظريات الأدب قد ظهرت مع وجود الأدب نفسه في الحضارات القديمة كالحضارات السامية والحامية (البابلية، والآشورية، والسومرية، والأكادية، والفرعونية، والأمازيغية...)، والحضارة الصينية، والحضارة الهندية، والحضارة اليونانية، والحضارة الرومانية، والحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الغربية... وقد اهتمت هذه الحضارات بدراسة النصوص الأدبية والفنية والجمالية وتحليلها وتأويلها. ومن هنا، يمكن الحديث عن شعريات متعددة كالشعرية الغربية، والشعرية العربية، والشعرية الآسيوية، والشعرية الأفريقية إلخ...بيد أن ما يهمنا كثيرا في موضوعنا هذا هو التوقف عند الشعرية الغربية من جهة، والشعرية العربية من جهة أخرى.

المطلب الأول: تطور الشعرية الغربية

لقد عرفت الشعرية الغربية ثلاث مراحل كبرى، يمكن حصرها فيما يلي:

1- مرحلة شعرية البلاغة التي كانت تهتم بالصور الشعرية والفنية والبلاغية التي يتزين بها النص الإبداعي، على أساس أن البلاغة زينة وجمال وتنميق وبديع، وظيفتها الإمتاع والتأثير في نفسية المتلقي.

2- مرحلة شعرية الانزياح والتواصل.بمعنى أن الإبداع ليس كلاما عاديا مألوفا خاضعا للقواعد المعيارية والمنطقية السائدة في الخطابات العلمية، بل هو خطاب متمرد ومنزاح عن القواعد المألوفة.

3- مرحلة الاهتمام باللغة الشعرية. ويعني هذا التركيز على اللغة الشعرية، بتبيان فنياتها وجماليتها وروعتها، ودراسة مختلف صيغها الكلامية والتلفظية في سياقاتها التواصلية المتعددة. أي: دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها.

بيد أن الشعرية النظرية قد بدأت مع أرسطو الذي وضع مجموعة من القواعد الخاصة بالشعر والمسرح والخطابة في كتابيه (فن الشعر)[1] و(فن الخطابة)[2]. وتتجلى هذه الشعرية في وضع نظرية للأجناس الأدبية؛ حيث قسم الأجناس الأدبية إلى شعر، وملحمة، ودراما[3]. وفي الحقيقة، فقد " كثرت التأملات حول الأجناس الأدبية، وهي قديمة قدم نظرية الأدب، ومادام كتاب أرسطو في الشعر يصف الخصائص النوعية للمحلمة والتراجيديا، فقد ظهرت،منذ ذلك الوقت، مؤلفات ذات طبيعة متنوعة احتذت حذو أرسطو. لكن هذا النوع من الدراسات لم يحقق تقاليده الخاصة إلا ابتداء من عصر النهضة، حيث تتابعت الكتابات حول قواعد التراجيديا والكوميديا، والملحمة والرواية، ومختلف الأجناس الغنائية، وارتبط ازدهار هذا الخطاب، بكل تأكيد، ببنيات إيديولوجية سائدة، وبالفكرة المتبناة عن الجنس الأدبي في ذلك العصر، أعني كونه قاعدة محددة لاينبغي خرقها. صحيح أن الأجناس الأدبية كانت تنتمي إلى الأدب، ولكنها كانت تعتبر وحدة من مستوى أدنى تنتج عن تقطيع بإمكاننا أن نقارنه بموضوعات نظرية الأدب السابقة، ولكنها مع ذلك متميزة عنها. ففي حين، إن الرمز أو التمثيل أو الأسلوب المجازي هي خصائص مجردة للخطاب الأدبي، فإن الأجناس الأدبية كانت تنتج عن نوع آخر من التحليل، إنه الأدب في أجزائه."[4]

ولقد سميت الشعرية بهذا الاسم؛ لأن بدايتها كانت تنطلق من فن الشعر باعتباره الجنس الأدبي الأول والسامي الذي كان يتربع على قمة الأجناس والأنواع الأدبية منذ الفترة اليونانية. وأكثر من هذا فلقد كانت الدراما والحكاية والملحمة تكتب شعرا.لذا، حظي هذا الفن الشعري بمكانة كبرى في مجال الشعرية.لذا، فالشعرية لها علاقة وثيقة بالشعر والشعري، مادامت قد أسست قواعدها وآلياتها ومفاهيمها ومعاييرها على أسس الشعر ومبادئه. ومن هنا، فلقد كان يطلق الشعر على الأدب بصفة عامة.

ولقد اهتم أفلاطون أيضا، قبل أرسطو، بالشعرية ونظرية الأجناس الأدبية في كتابه( الجمهورية) عندما ميز بين السرد والحوار[5]،أو بين الحكي القصصي والحكي المسرحي؛ حيث يشتمل الأول على السرد والحوار، ويتضمن الثاني الحوار فقط. ومن ثم، تمثل الملحمة النمط الأول، وتمثل المسرحية المأساوية والهزلية النمط الثاني، على أن هناك نمطا ثالثا يشتمل على السرد فقط، وهو المدائح.[6]

ونجد مؤلفات أخرى في الشعرية كالمطلق أو السامي(Du Sublime) لمؤلف مجهول (Du Sublime)، وكتاب (الفن البوطيقي/L’art poétique) للاتيني هوراس (Horace) الذي ميز فيه بين الأجناس الأدبية كالشعر والدراما والملحمة على غرار أرسطو.

وفي فترة العصور الوسطى، سار الباحثون والمبدعون على خطوات كتابات أرسطو وهوراس في دراسة الشعرية وتقويمها، واحترام قواعد الفن الشعري. ومن ثم، فلقد انتقلت الشعرية إلى إيطاليا مع سكاليجير (Scaliger) وكاستل فيترو (Castelvetro). وبعد ذلك، إلى ألمانيا مع لسينج (Lessing) وهيردر (Herder)، والأخوين شليجل(Schlegel)، ونوفاليس(Novalis)، وهولدرلين (Hölderlin) الذين أرسوا دعائم المدرسة الرومانسية . وترافقت الشعرية في بريطانيا مع المدرسة الرمزية التي تمثلها كولريدج (Coleridge)، و وضع أسسها إدغار ألان بو (Edgar Allan Poe). وأخيرا، عرفت فرنسا الشعرية مع مالارمي (Mallarmé)، وفاليري(Valéry)...

وفي القرن الثامن عشر الميلادي، تحولت الشعرية، في ألمانيا بالخصوص، إلى مبحث مرتبط بالفلسفة الجمالية (الإستيتيقا)، ونتج عن ذلك أن اختفى التحليل الملموس للنصوص والخطابات بشكل تدريجي.

وبعد ذلك، طرح السيد أبرامس (A.H.Abrams) تصنيفا للنظريات الشعرية وفق عناصر أربعة يتشكل منها العمل الأدبي وهي: المؤلف، والمتلقي، والنص، والمحيط. ويمكن حصر هذه النظريات فيما يلي:

1- نظرية المحاكاة التي تربط الأدب بالواقع المرجعي والسياقي والتاريخي؛

2- النظرية البراجماتية التي تربط العمل الأدبي بالمتلقي، كما يبدو ذلك جليا في القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين؛

 3- النظرية التعبيرية التي ركزت كثيرا على المبدع كما عند الرومانسيين الألمان؛

4- النظرية الموضوعية التي ركزت على النص في حد ذاته، دون الاهتمام بالمبدع وعبقريته وفرادته، كما يبدو ذلك واضحا في منظور الرمزيين.

المطلب الثاني: المدارس الشعرية الغربية

منذ القرن العشرين، ظهرت الشعرية الغربية باعتبارها نظرية أو تخصصا علميا مستقلا، تعنى بخصائص الأجناس الأدبية من حيث المكونات والسمات، وتهتم بتحليل النصوص بنيويا وأسلوبيا، وتصف الخطابات توصيفا شكلانيا . وقد نتج عن هذا ظهور أربع مدارس شعرية كبرى، يمكن حصرها في الشكلانية الروسية، ومدرسة النقد الجديد بالولايات المتحدة وإنجلترا، والمدرسة المورفولوجية الألمانية، ومدرسة التحليل البنيوي.

الفرع الأول: الشكلانية الروسية

غالبا، ما تطلق الشكلانية، في الأدب والفن، على المدرسة الشكلانية الروسية، لكن يمكن أن نضيف إليها مدرسة تارتو السيميائية (Tartu) بموسكو، وحلقة براغ (Prague) اللغوية. إضافة إلى المنظرين الذي يحملون تصورات شكلانية، وإن لم يكونوا منتمين - مباشرة- إلى جمعية الأبوياز، أو جماعة المدرسة الشكلانية الروسية.

وعليه، فلقد ظهرت الشكلانية الروسية ما بين 1915و1930م، في سياق تاريخي ينبذ الرأسمالية، و لا يعترف إلا بالاشتراكية العلمية التي تعود، في جذورها، إلى كتابات كارل ماركس، وبيليخانوف، وهيجل، وأنجلز، وجورج لوكاش، وغيرهم من المنظرين الجدليين...، والسعي الجاد نحو ربط المضمون الأدبي بالواقع الثوري والعملي والمادي، ومحاربة جميع التيارات الشكلية والنزعات البنيوية التي تعنى بالشكل على حساب المضمون.

ومن ثم، فلقد حوربت الشكلانية الروسية أمدا طويلا، بعد أن تعاظم الدور الاشتراكي واليساري للأدب. ولم يتحقق النجاح لهذه الشكلانية إلا بعد اطلاع الأوروبيين عليها سنة 1960م، ولاسيما الفرنسيين منهم، عبر الترجمة، والصحافة، والاحتكاك الثقافي، والتمثل العملي... فطوروا تصوراتها النظرية والتطبيقية، وانطلقوا من مبادئها الفكرية، واستخدموا مفاهيمها الإجرائية، وبالضبط في اللسانيات، والسيميوطيقا، ونقد الأدب، كما يتبين ذلك واضحا عند كثير من الدارسين الأوروبيين كرولان بارت، وكلود ليفي شتروس، وكلود بريمون، وجيرار جنيت، وغريماص، وفيليب هامون، وأمبرطو إيكو، وجان مولينو، و تزفيتان تودوروف، وجوليا كريستيفا، وجان كوهن، وفرانسوا راستيي.علاوة على اللسانيين كأندري مارتيني، ولوي هلمسليف، وغيرهم...

ومن باب العلم، يمكن الحديث عن مدارس أساسية ضمن التيار الشكلاني الروسي هي:

1- جماعة موسكو التي يمثلها رومان جاكبسون (Roman Jakobson) ؛

2- جماعة بيترسبورغ، أو جماعة دراسة اللغة الشعرية (أبوياز/Opoiaz) التي يقودها فيكتور شلوفسكي (Victor Borissovitch Chklovski)؛

3- جماعة تارتو السيميائية بموسكو؛

 4- حلقة براغ اللسانية التي تمثلت الفكر الشكلاني.

إذاً، تعد الشكلانية الروسية الممهد الفعلي للدراسات السيميوطيقية في غرب أوربا، ولاسيما في فرنسا، واسمها الحقيقي جماعة أبوياز (Opoiaz) . وقد ظهرت هذه الجماعة رد فعل على انتشار الدراسات الماركسية في روسيا، وخاصة في مجال الأدب والفن، وقد أصدرت مجلة تسمى بـ(الشعرية/ Poetica). وقد نشطت المدرسة في المطلع الأول من القرن العشرين، وعرفت اضمحلالها في أواخر سنوات الثلاثين. وقد تحامل على هذه الجماعة كثير من الخصوم، فاتهموها بالجريمة الشكلانية، كما فعل تروتسكي في كتابه (الأدب والثورة)؛ حيث قال سنة 1924م: "إذا ما تركنا جانبا الأصداء الضعيفة التي خلفتها أنظمة إيديولوجية سابقة على الثورة، نجد أن النظرية الوحيدة التي اعترضت الماركسية في روسيا السوفياتية، خلال السنوات الأخيرة، هي النظرية الشكلانية في الفن"[7].

 ونستحضر من أعدائها كذلك ماكسيم غوركي ولوناتشارسكي الذي وصف الشكلانية في سنة 1930م بأنها "تخريب إجرامي ذو طبيعة إيديولوجية".[8]

وتعد سنة 1930م نهاية أكيدة للشكلانيين الروس، حتى إن بعض السوسيولوجيين الروس أرادوا تطعيم المنهج الشكلي بالتحليل الاجتماعي الماركسي، كما هو الشأن بالنسبة لأرفاتوف وميخائيل باختين. بيد أن إشعاعها انتقل إلى عاصمة تشيكوسلوفاكيا (براغ)؛ حيث أنشأ رومان جاكبسون حلقة براغ اللسانية مع تروبتسكوي، والتي تولدت عنها اللسانيات البنيوية والمدرسة اللغوية الوظيفية. وبقي الإرث الشكلاني الروسي طي النسيان مدة طويلة إلى أن ظهرت مدرسة بنيوية سيميائية أدبية وثقافية جديدة، تسمى بمدرسة تارتو (TARTU) نسبة إلى جامعة تارتو بموسكو.

وعلى العموم، فلقد نشأت الشكلانية الروسية بسبب تجمعين هما:

1- حلقة موسكو اللسانية التي تكونت سنة 1915م، ومن أهم ممثليها البارزة رومان جاكبسون الذي أثرى اللسانيات بأبحاثه الصوتية والفونولوجية. كما أغنى الشعرية بكثير من القضايا الإيقاعية والصوتية والتركيبية، ولاسيما نظريته المتعلقة بوظائف اللغة، والتوازي، والقيمة المهيمنة، والقيم الخلافية...

2- حلقة أبوياز بلينِينجراد، وكان أعضاؤها من طلبة الجامعة. أما عن خطوط التلاقي بين المدرستين، فتتمثل في الاهتمام باللسانيات، والحماسة للشعر المستقبلي الجديد، كما يبدو ذلك واضحا عند فلاديمير ماياكوفسكي، وباسترناك، وأسيڤ، ومانديل شتام...

وعليه، لم تظهر الشكلانية إلا بعد الأزمة التي أصابت النقد والأدب الروسيين، بعد انتشار الإيديولوجية الماركسية، واستفحال الشيوعية، وربط الأدب بإطاره السوسيولوجي بشكل مرآوي انعكاسي؛ مما أساء إلى الفن والأدب معا.

ولقد ارتكزت الشكلانية على مبدأين أساسيين هما:

1- إن موضوع الأدب هو الأدبية. أي: التركيز على الخصائص الجوهرية لكل جنس أدبي على حدة .

2- دراسة الشكل قصد فهم المضمون. أي: شكلنة المضمون، ورفض ثنائية الشكل والمضمون المبتذلة.

ولقد قطعت الشكلانية الروسية مراحل عدة في البحث الأدبي واللساني. ففي المرحلة الأولى، انصب الاهتمام على التمييز بين الشعر والنثر. وتعلقت البحوث، في المرحلة الثانية، بوصف تطور الأجناس الأدبية. ومن ثم، فلقد نشرت كثير من الدراسات الشكلانية، وترجمت في مجلات غربية هامة، مثل: مجلة الشعرية (Poétique)، ومجلة التحول (Change).

ويرى دافيد كارتر (David Karter) أن الشكلانية الروسية قد عرفت ثلاث مراحل أساسية. وفي هذا، يقول: "إن ثمة ثلاث مراحل متميزة في تطور الشكلانية الروسية، والتي يمكن أن تتميز بثلاث استعارات. تنظر المرحلة الأولى إلى الأدب كنوع من "الآلة" له تقنيات مختلفة، وله أجزاء تعمل. وعدت المرحلة الثانية الأدب على أنه "كائن حي"؛ أما المرحلة الثالثة، فقد رأت أن النصوص الأدبية هي عبارة عن أنظمة."[9]

و من رواد الشكلانية الروسية تينيانوف (Iouri Nikolaïevitch Tynianov)، وإيخنباوم (Boris Eichenbaum)، وشلوفسكي (Victor Borissovitch Chklovski)، وفلاديمير بروب (Vladimir Iakovlevitch Propp)، وتوماشفسكي (Tomachevsky)، وجان مكاروفسكي (Mukarovsky)، ورومان جاكبسون (Roman Jakobson)، وميخائيل باختين (Bakhtine)، وأوسيپ بريك (Ossip Brik)، وفينوكرادوف (Vinogadrov)، وكريكوريي فينوكور (Grigoryi Vinokour)...

 ولقد انصبت جهود هؤلاء على التمييز البويطيقي بين الشعر والنثر. في حين، اهتم موكاروفسكي بالوظيفة الجمالية، ووصف اللغة الشعرية. أما اللساني رومان جاكبسون، فلقد اهتم بقضايا الشعرية واللسانيات العامة، وخصوصا ما يتعلق بالتواصل، والصوتيات، والفونولوجيا. أما السيميائي فلاديمير بروب، فقد أوْلى عناية كبيرة للحكاية الروسية العجيبة، فأخضعها لمجموعة من القواعد المورفولوجية القائمة على الوظائف والعوامل .

ومن جهة أخرى، فلقد ركز ميخائيل باختين، في أبحاثه المختلفة، على جمالية الرواية وأسلوبيتها. واهتم، بالخصوص، بالرواية البوليفونية (متعددة الأصوات)، فأثرى النقد الروائي بكثير من المفاهيم كفضاء العتبة، والشخصية غير المنجزة، والحوارية، وتعدد الرؤى الإيديولوجية... إلخ.

وتتميز أبحاث الشكلانيين الروس بكونها نظرية وتطبيقية في آن واحد، ومن نتائج هذه الأبحاث ظهور مدرسة تارتو( Tartu) التي تعد من أهم المدارس السيميولوجية الروسية، ومن أعلامها البارزين يوري لوتمان صاحب (بنية النص الفني)، وأوسبينسكي، وتودوروف، وليكومتسيف، وأ.م. بينتغريسك. ولقد جمعت أعمال هؤلاء في كتاب جامع باسم (أعمال حول أنظمة العلامات... تارتو) (1976م).

ولقد ميزت تارتو بين ثلاثة مصطلحات هي: السيميوطيقا الخاصة التي تدرس أنظمة العلامات ذات الهدف التواصلي؛ والسيميوطيقا المعرفية التي تهتم بالأنظمة السيميولوجية وما شابهها؛ والسيميوطيقا العامة التي تتكفل بالتنسيق بين جميع العلوم الأخرى. ولكن تارتو اختارت السيميوطيقا ذات البعد الإبستمولوجي المعرفي.

ومن جهة أخرى، لقد اهتمت هذه المدرسة بسيميوطيقا الثقافة حتى أصبحنا نسمع عن اتجاه سيميوطيقي خاص بالثقافة له فرعان: فرع إيطالي (أمبرطو إيكو، وروسّي لاندي...)، وفرع روسي (مدرسة تارتو). وتعنى جماعة تارتو (موسكو) بالثقافة عناية خاصة، باعتبارها "الوعاء الشامل الذي تدخل فيه جميع نواحي السلوك البشري الفردي منه والجماعي. ويتعلق هذا السلوك في نطاق السيميوطيقا بإنتاج العلامات واستخدامها. ويرى هؤلاء العلماء أن العلامة لا تكتسب دلالتها إلا من خلال وضعها في إطار الثقافة. فإذا كانت الدلالة لا توجد إلا من خلال العرف والاصطلاح، فهذان بدورهما هما نتاج التفاعل الاجتماعي. وعلى هذا الأساس، فهما يدخلان في إطار نطاق الثقافة. ولا ينظر هؤلاء العلماء إلى العلامة المفردة، بل يتكلمون دوما عن أنظمة دالة. أي: عن مجموعات من العلامات، ولا ينظرون إلى الواحد مستقلا عن الأنظمة الأخرى، بل يبحثون عن العلاقات التي تربط بينها، سواء كان ذلك داخل ثقافة واحدة (علاقة الأدب – مثلا - بالبنيات الثقافية الأخرى؛ مثل: الدين، والاقتصاد، والبنيات التحتية... إلخ)، أم يحاولون الكشف عن العلاقات التي تربط تجليات الثقافة الواحدة عبر تطورها الزمني، أو بين الثقافات المختلفة للتعرف على عناصر التشابه والاختلاف، أو بين الثقافة واللاثقافة".[10]

وإذا انتقلنا إلى مرتكزات الشكلانية الروسية لفحص دعائمها النظرية والتطبيقية، فيمكن حصرها في النقط التالية:

1- الاهتمام بخصوصيات الأدب والأنواع الأدبية. أي: البحث عن الأدبية، وما يجعل الأدب أدبا؛

2- التركيز على شكل المضامين الأدبية والفنية، ودراستها في ضوء مقاربة شكلانية؛

3- استقلالية الأدب عن الإفرازات والحيثيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتاريخية (دراسة الأدب باعتباره بنية مستقلة عن المرجع)؛

4- التركيز على التحليل المحايث قصد استكشاف خصائص العمل الأدبي؛

5- التوفيق بين آراء بيرس وسوسير حول العلامة (أعمال ليكومستيف مثلا)؛

6- استعمال مصطلح السيميوطيقا بدل توظيف مصطلح السيميولوجيا؛

7- الاهتمام بالسيميوطيقا الإبستمولوجية، والتركيز على الأشكال الثقافية؛

8- التشديد على خاصية الاختلاف والانزياح بين الشعر والنثر؛

9- الإيمان باستهلاك الأنظمة وتجددها وتطورها باستمرار من تلقاء ذاتها؛

10- عدم الاكتفاء بالأعمال القيمة والمشهورة في مجال الأدب في أثناء التطبيق النصي، بل توجهت الشكلانية الروسية إلى جميع الأجناس الأدبية مهما كانت قيمتها الدنيا؛ مثل: أدب المذكرات، وأدب المراسلات، والحكايات العجيبة... قصد معرفة مدى مساهمتها في إثراء الأعمال العظيمة، كما فعل ميخائيل باختين مع الأجناس الشعبية الدنيا في كتابه (شعرية دوستويفسكي)[11].

ومن أهم مؤلفات الشكلانيين الروس: (كيف صيغ معطف غوغول؟) لبوريس إيخانباوم، و(شعرية دويستفسكي) و(الماركسية والفلسفة) لميخائيل باختين، و(الشعر ذاته) ليوري تينيانوف، و(الحكايات الروسية العجيبة) لفلاديمير بروب، و(سيمياء الكون) و(بنية النص الفني) ليوري لوتمان، و(نظرية النثر) لشلوفسكي...

وعلى العموم، يعد الشكلانيون الروس من السباقين إلى تطبيق الشعرية أو البويطيقا في دراسة النصوص الأدبية، بالاعتماد على مبدأي الشكل والاستعانة باللسانيات. ومن ثم، فلقد برز مجموعة من الدارسين كفلاديمير بروب الذي درس الحكاية الشعبية في ضوء مقاربة مورفولوجية سيميائية، ترتكز - بالخصوص- على الوظائف والتحولات؛ ورومان جاكبسون الذي اهتم بالأدبية وشعرية النص؛ وميخائيل باختين الذي ركز كثيرا على الرواية الحوارية أو البوليفونية؛ ويوري لوتمان الذي اهتم بسيميائية الثقافة كما في كتابه (سيمياء الكون)؛ وجان موكاروفسكي الذي اهتم بالوظيفة الجمالية في الآداب والفنون. أما أوسيب بريك (O.Brik)، فلقد اهتم بدراسة البنيات العروضية والتنغيمية والإيقاعية في الشعر. بينما مال فينوغرادوف إلى دراسة آثار الأسلوب. في حين، ركز تينيانوف على جدلية الأجناس الأدبية. أما طوماشفسكي، وفيكتور شلوفسكي، و بوريس إيخانباوم، فلقد ركزوا - كثيراً - على البنيات السردية في النصوص المحكية...

الفرع الثاني: النقد الجديد

لقد اهتم النقد الأنجلوسكسوني، ولاسيما النقد الجديد (New criticism)، بتحليل النصوص وتأويلها تحليلا عميقا متأنيا، مستبعدا التحاليل السياقية الخارجية النفسية والاجتماعية والتاريخية. ولقد ظهر هذا النقد منذ عشرينيات القرن الماضي من أجل البحث عن وظائف المعنى داخل الأدب مع ريتشاردز (I.A.Richrds)، وإمبسون (W.Empson)، وتوماس إليوت (T.Elliot). كما اهتمت الشعرية الأنجلوسكسونية بالمنظور السردي مع بيرسي لوبوك (Percy Lubbok).

 ولقد انصب النقد الجديد اهتمامه أيضا على الصورة الشعرية والفنية والبلاغية، بالتوقف عند السخرية، والمفارقة، والغموض، والانزياح...كما عند بروكس (Brooks) وويمسات (Wimsatt). فضلا عن الاهتمام بنظرية الأدب كما عند روني ويليك(Wellek) وأوستين وارين (Warren).

الفرع الثالث: مدرسة التحليل البنيوي

لم تظهر مدرسة التحليل البنيوي في فرنسا إلا في سنوات الستين من القرن الماضي، بعد أن هيمن التأريخ كثيرا على الدراسات الأدبية من جهة، وانتشار الصحافة الانطباعية من جهة أخرى. ومن ثم، فلقد ساهمت اللسانيات مع إميل بنفينست (E. Benveniste) في تطوير الدرس الأدبي والنقدي البنيوي. وقد كانت دراسات موريس بلانشو (M.Blanchot) الفلسفية وأبحاث كلود ليفي شتروس(C.Levi-Strauss) الأنتروبولوجية بداية حقيقية لظهور مدرسة التحليل البنيوي التي ستعرف ازدهارها مع مجموعة من الأعلام البارزين كرولان بارت(R.Barthes)[12]، وتزفيتان تودوروف(T.Todorov)[13]، وجيرار جنيت(G.Genette)[14]، وكبيدي فاركا (A.Kebidi-Varga)[15]، وجون كوهن (John Cohen)…[16]

الفرع الثالث: المدرسة المورفولوجية الألمانية

ظهرت المدرسة المورفولوجية في ألمانيا ما بين 1925و1955م، وتستند ، في مفاهيمها النظرية والتطبيقية، إلى إرث جوته (Gothe) وكتاباته الأدبية، والابتعاد عن النزعة التاريخية تأثرا بجماليات كروتشه (Croce) وفوسلر(Vossler)...

ولقد اهتمت هذه المدرسة أيضا بأسلوبيات ليو سبيتزر (Leo Spitzer)، وستايغر (Staiger)، وويرباخ (Awerbach)[17]. دون أن ننسى مدى اهتمامها الكبير بأشكال الخطاب الأدبي وأنواعه وأجناسه، والتركيز على أسلوب المبدع كما يبدو ذلك واضحا عند أندري جول (André Jolles) الذي اعتنى بالأجناس الأصلية الأساسية كاللغز، والحكاية، والوعي، والخرافة، والمثل...

واهتم فالتزر (O.Walzel) كذلك بسجلات الكلام كالسرد الموضوعي والأسلوب غير المباشر الحر. .

 في حين، ركز مولر (G.Müller) على الزمنية، بينما اهتم لامير (E.Lämmert) بتركيب السرد. واهتم فولفغانغ قيصر (Wolfgang kayser) بماهو تطبيقي؛ حيث ركز على التحليل البنيوي الذي يعنى بشعرية النص الأدبي، ولاسيما في مظهره التلفظي.

وعلى العموم، فلقد تأرجحت الشعرية منذ تأسيسها بين التوصيف والتعليم على حد سواء.بمعنى أنها كانت تعنى بالتحليل والتصنيف وتوصيف النصوص والخطابات من جهة، ووضع القواعد المعيارية التعليمية من جهة أخرى.

وبعد ذلك، تطورت الشعرية الغربية من خلال الاهتمام بقضية الأجناس الأدبية بصفة عامة، واحترام قواعد الأنواع بصفة خاصة.

ومن هنا، تعد النظرية الكلاسيكية امتدادا للنظريات الشعرية والأدبية والأجناسية اليونانية والرومانية(أرسطو، وديوميند، وهوراس..). وتنبني هذه النظرية على احترام قواعد الأجناس الأدبية احتراما كبيرا، بالفصل بين هذه الأجناس، وتمثل قواعدها كما أرسيت في مرحلتي: اليونان والرومان.

وتتحدد الأجناس الأدبية- حسب النظرية الكلاسيكية- بقواعدها ومضامينها وأساليبها وصيغها الفنية والجمالية. لذا، ينبغي على المبدعين احترام خصوصيات الأسلوب الشعري، والأسلوب الملحمي، والأسلوب الدرامي، وعدم الخلط بينها.

وتبعا لذلك، فلقد كان مبدأ التجنيس هو الفصل بين الأنواع والأنماط والأشكال والأساليب، والاستعانة بالتراتبية الهرمية في التصنيف والتنويع والتقسيم. وبتعبير آخر، تستند النظرية الكلاسيكية إلى بلاغة الفصل بين الأجناس الأدبية. في حين، تتكئ النظرية الرومانسية على بلاغة الوصل والنقاء والصفاء.

وإذا كانت الكلاسيكية تفصل بين الأجناس الأدبية في ضوء معايير تجنيسة معينة،فإن الرومانسية تؤمن بانصهار الأجناس الأدبية في بوتقة أدبية واحدة.أي: تقر الرومانسية بالوحدة الفنية بين الأجناس الأدبية، وتشكيلها لوحدة أجناسية كبرى. وفي هذه الفترة بالذات، ظهر مفهوم الأدب (La littérature) الذي كان يجمع في طياته أجناسا وأنواعا وأنماطا أدبية مختلفة داخل وحدة فنية وجمالية كبرى. وفي هذا السياق، يقول تزتيفان تودوروف (T.Todorov):" وأخيرا، بدأت فكرة وحدة الفنون تفرض نفسها. ومن هنا، أخذت تتبلور نظرية للفنون تحاول أن تؤطر على الأقل أكثر الممارسات الفنية هيبة، أعني الشعر والرسم. وتحولت هذه النظرية في القرن الثامن عشر إلى دراسة خاصة هي علم الجمال، حيث سيهيأ مكان لنظرية الأدب في الحدود التي تندمج بها في نظرية عامة للفنون، وسيكون ليسنج وكانط الممارسين الأولين لهذا الخطاب، وقد مهدت لهما بحوث طويلة منذ ليوناردو دافنشي إلى شفتسبري.

والنتيجة-إذاً- هي أن أيا من هذه التطورات الثلاثة لم يؤد مباشرة إلى تكوين الوحدة" أدب". وبالرغم من ذلك، فإنها عملت كلها على التمهيد لها، فقد أصبحنا نتوفر على مقولة عليا هي مقولة الفن، الذي يمكن تقسيمه بسهولة إلى كيانات، من رتبة أدنى هي الأجناس الأدبية، كما أننا نتوفر على كتاب الشعرية الذي تضمه استمرارية التقليد. لن يتخذ مفهوم الأدب استقلاله إلا مع حلول النزعة الرومانسية الألمانية، وسيكون ذلك بداية نظرية الأدب بالمعنى الدقيق.لقد توقفت مفاهيم المحاكاة والتمثيل والتقليد عن دورها المهيمن لتعوض في قمة الهرم بالجميل، وكل ماارتبط به من غياب الغائية الخارجية، والانسجام المتناغم بين أجزاء الكل، وعدم قابلية العمل للترجمة.كل هذه المفاهيم اتجهت نحو استقلالية الأدب، وأفضت إلى تساؤل حول مميزاته الخاصة، ذلك هو السؤال الذي نجده في الكتابات الرومانسية، لكن تأثيرها لم يكن مباشرا خاصة في الدراسات الأدبية المؤسسية، وهذا يرجع بدون شك للشكل الذي اتخذته هذه الكتابات، إما لأنها كانت كتابات مقطعية شذرية تشبه الشعر في جوانب عديدة (كما هو الحال عند شليجل ونوفاليس)، وإما دراسات فلسفية منتظمة لن تحيد عن التقليد الذي رسمه علم الجمال، الذي يحتل الأدب فيه مكانا محدودا، وتلك هي حالة شليجل وهيجل."[18]

وعليه، فالنظرية الرومانسية هي التي وحدت الأجناس الأدبية في نظرية أدبية وفنية واحدة. وهي التي ساهمت في ظهور مصطلح الأدب.وفي هذا، يقول كليطو:" لاشك أن السؤال التالي يخامر ذهن القارئ: هل المعنى الحديث لكلمة(Littérature) كان مجهولا فيما مضى؟ إذا وضعنا السؤال هكذا فإننا نفترض أن السؤال واضح، وإننا نعرف ما نعني عندما نستعمل الكلمة، إلا أننا ربما نستطيع أن نقول: إنه قبل الثورة الرومانسية الألمانية كان الكلام يدور حول الأنواع التي كانت تعتبر قارة وثابتة ومنفصلة بعضها عن بعض.أما مع الرومانسية، فإننا نلاحظ نزعة نحو التركيب ومزج الأنواع والمتضادات.لهذا، نجدهم يولون اهتماما كبيرا لشكسبير الذي لم يكن يلتزم صوتا واحدا في مسرحياته، وإنما يمزج أصناف الكلام، فيمزج مثلا الكلام الجزل بالكلام السوقي. ونفس النزعة جعلتهم يهتمون بالحوار الأفلاطوني الذي يتقبل في ثناياه عدة أنواع مازجا بين الجد والهزل. والشيء الذي لا يجب إغفاله هو أنهم يضعون الرواية في الصدارة؛ لأنهم انتبهوا إلى كونها تتضمن أو يمكن أن تتضمن جميع الأنواع. في القرون الماضية، كانت الرواية بمثابة الفرد الفقير في عائلة الأنواع، إلا أنها منذ نهاية القرن الثامن عشر.أي: في فترة معاصرة لميلاد مفهوم (Littérature)، ولبزوغ الرومانسية، أخذت تشق طريقها شيئا فشيئا، إلى حد أنها صارت مع مرور الزمن قمة الأنواع. ذلك أنها تستوعب الرسالة والمذكرات والسيرة الذاتية والحوار المسرحي، بل يمكن أن تستوعب حتى الشعر. وإن تعودنا على قراءة الروايات هو الذي يجعلنا لا نلمح هذه الخاصية."[19]

وهكذا، فالنظرية الرومانسية هي التي وحدت بين جميع الأجناس والأنواع الأدبية في قالب واحد، برفض مبدأ الفصل والتمييز بين المقولات التجنيسية.

وقد تطورت الشعرية كثيرا مع نظريات الأدب في القرن العشرين، وبالضبط مع تصورات الشكلانية الروسية، والبنيوية الفرنسية، والنقد الجديد(New criticism)، والبلاغة المعاصرة، والسيميائيات...

ومن جهة أخرى، يلاحظ أن أهم ما انشغلت به الشعرية المعاصرة بصفة عامة، ونظرية الأجناس الأدبية بصفة خاصة، هو التقسيم الثلاثي: الغنائية، والملحمية، والدرامية باعتبارها إشكالا أرق الكثير من الباحثين والدارسين الغربيين، فهل هي ثنائية أم ثلاثية؟ لأن جيرار جنيت في كتابه (جامع النص) قد شكك في هذا التقسيم الثلاثي بقوله:" ليس النص هو موضوع الشعرية، بل جامع النص.أي: مجموعة الخصائص العامة أو المتعالية التي ينتمي إليها كل نص على حدة. ونذكر من بين هذه الأنواع: أصناف الخطابات، وصيغ التعبير، والأجناس الأدبية. ولقد اجتهدت الشعرية الغربية منذ أرسطو في أن تشكل من هذه الأنواع نظاما موحدا قابلا للإحاطة بكامل الحقل الأدبي.ولم تتم تلك الجهود من غير التباسات، أهمها: التقسيم الثلاثي المعترف به منذ القرن الثامن عشر، والذي أسند خطأ لأرسطو نفسه، وهو تقسيم الحقل الأدبي إلى ثلاثة أنماط أساسية صنفت تحتها جميع الأجناس والأنواع الأدبية:الغنائي، والملحمي، والدرامي.

ولقد سعيت إلى تفكيك هذه الثلاثية المزعجة بأن أعددت رسم تكونها التدريجي، وميزت، بما أمكنني من الدقة، الأنماط المتعلقة بجامع النص، التي تتداخل فيها. ولايعدو مسعاي أن يكون محاولة لفتح الطريق، ولو بصيغة تهكمية، أمام نظرية عامة ومحتملة للأشكال الأدبية."[20]

وهذا ما تنبه إليه أيضا رونيه ويليك حينما قال :" تعتبر التقسيمات الثلاثية في تاريخ الأنواع الأدبية من أهم التقسيمات. ولقد حاولت الآنسة آيرينه بهونز أن تبين في أطروحتها الموثقة (علم تصنيف الشعر) (1940م) أن الثالوث ماهو إلا نتيجة للتفكير النظري في القرن الثامن عشر. واعتبرت كتاب شارل باتو ( الفنون الجميلة من خلال مبدإ واحد) (1746م) هو الوثيقة الأساسية التي تتبعت تسرب أفكارها إلى كتابات النقاد الألمان المتأخرين والصيغ التي اتخذتها عندهم. ويضم كتابها أمثلة عديدة على التقسيمات الثلاثية التي استعملت في القرون السابقة استعمالا كثيرا ماكان عابرا."[21]

وعليه، فلقد أصبحت نظرية الأجناس الأدبية - اليوم - جزءا لايتجزأ من الشعرية من جهة، ونظرية الأدب من جهة أخرى، بل أصبحت من أهم المستندات النظرية والتطبيقية التي يرتكز عليها النقد الأدبي في تعامله مع النصوص والآثار الأدبية والفنية . ومن ثم، لايمكن الاستغناء عنها إطلاقا في عملية التصنيف، والتعيين، والقراءة، والتقويم، والتأويل، والتوجيه.

وبناء على ماسبق، لم تتشكل الشعرية الغربية، في حقيقة الواقع، إلا مع رومان جاكبسون[22] الذي أرساها على دعائم لسانية وصفية وعلمية موضوعية، بالتركيز على الأدبية (Littérarité)، والقيمة المهيمنة، والعناصر البنيوية التي تميز جنسا أدبيا عن الآخر. ومن ثم، فلقد كان يقارن بين لغة الشعر ولغة النثر العادية في ضوء مقاربة بنيوية لسانية، وكان هدفه الرئيس هو البحث عن أدبية النص استبدالا وتأليفا. ولقد ركز كثيرا على دراسة الشعر لسانيا باحثا عن قواعده وقوانينه بمقارنته بالكلام اليومي. ومن ثم، فلقد كان يستقري المعطيات النصية الصوتية والإيقاعية والنغمية والصرفية والتركيبية والبلاغية والدلالية، ضمن نسق تفاعلي كلي، تترابط فيه العناصر البنيوية جميعها إن إيجابا وسلبا، وإن تفكيكا وتركيبا. وقد اهتم بالخصوص باللغة الشعرية، وربط الصوت بالدلالة، مع تصنيف المعطيات المبنينة في النص الشعري بغية رصد الوظيفة الجمالية أو الشعرية التي تتحقق في النص، ودراسة الدوالّ اللفظية باعتبارها علامات سيميائية.

ومن جهة أخرى، فلقد اهتم بالتوازي أو التعادل حينما تحدث عن الوظيفة الجمالية القائمة على إسقاط محور الانتقاء أو الدلالة على محور التركيب أو التأليف. ومن ثم، لا يقتصر التوازي على الإيقاع فقط؛ بل يمتد ليشمل التركيب والدلالة معا. وفي هذا الصدد، يقول جاكبسون: "كل مقطع، في الشعر، له علاقة توازن بين المقاطع الأخرى في المتتالية نفسها، وكل نبر لكلمة يفترض فيه أن يكون مساويا لنبر كلمة أخرى، وكذلك فإن المقطع غير المنبور يساوي المقطع غير المنبور، والطويل عروضيا يساوي الطويل، والقصير يساوي القصير، وحدود الكلمة تساوي حدود الكلمة، وغياب الحدود يساوي غياب الحدود، وغياب الوقف يساوي غياب الوقف. فالمقاطع تحولت إلى وحدات قياس، والشيء نفسه تحولت إليه أجزاء المقاطع وأنواع النبر."[23]

وأهم مقال فصّل فيه جاكبسون مبدأ التوازي أو التعادل مقاله المعنون بـ(نحو الشعر وشعر النحو)[24]. بيد أن هذا المبدأ قد "انتقده كثير من الباحثين، خاصة جان كوهن[25]؛ وذلك لأن التعادل لا يتوافر في الشعر كله، ولا يتوافر في القصيدة جميعها. ومن ثمة، فإنه ليس مكونا من المكونات الشعرية، وإنما يصح أن يسمى خاصة ثانوية محتملة قد تحضر وقد تغيب."[26]

كما اهتم جاكبسون، ضمن تحليله للوظيفة الجمالية أو الشعرية، بالمحورين: الاستبدالي والتركيبي، وعلاقتهما بالاستعارة والكناية. فلقد أثبت أن الاستعارة شعرية، أما الكناية فهي واقعية. "وقد تطورت هذه الفكرة نتيجة البحث في الاضطراب العقلي وفقدان القدرة على الكلام (الأفازيا)[27]. وفي جملة "عبرت السفينة البحر"، يمكن أن تكون الجملة مجازية أو استعارية عن طريق اختيار فعل مختلف، على سبيل المثال، بمقارنة حركة السفينة بحركة المحراث (حرثت السفينة البحر)، والكنابة هي استخدام وسيلة سمة شيء ما للإشارة إلى الأمر برمته. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يشير العمق للبحر "وعبرت السفينة العمق". تعتمد الاستعارة على مزيج من الأشياء ليست بالضرورة أن تكون مرتبطة أو متجاورة، بينما تستخدم الكناية السمات المرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا."[28]

واعتمادا على هذا التمييز، يمكن التفريق بين المدارس والاتجاهات الأدبية؛ فالمدرسة الرومانسية استعارية. في حين، تعد المدرسة الواقعية كنائية. وفي هذا، يقول جاكبسون: "وقد تم الاعتراف بأسبقية العملية الاستعارية في المدارس الأدبية الرومانسية والرمزية مرارا وتكرارا، ولكنها لا تزال غير مدركة أن الكناية هي الغالبة، والتي تكمن وراء ما يسمى بالاتجاه الواقعي الذي ينتمي إلى مرحلة وسيطة بين انحدار الرومانسية وصعود الرمزية. وتعارض هذه العملية كل منهما على حد سواء."[29]

وعليه، فلقد أثرى رومان جاكبسون الشعرية بأجوبة كثيرة ومقنعة، كان يطرحها النقاد ودارسو الأدب بإلحاح شديد؛ مثل: ما الذي يميز الأدب؟ وكيف يمكن تصنيف الأجناس والأنواع الأدبية؟ وكيف يمكن التمييز بين المدارس والاتجاهات الأدبية والفنية؟ وكيف يمكن تحليل الأثر الأدبي تحليلا بنيويا لسانيا وشكلانيا؟!! 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، إذا كانت القرون الأدبية، قبل القرن العشرين، تؤمن بنظرية الأجناس الأدبية تمثلا وانضباطا وفصلا، فإنه بعد منتصف القرن الماضي، أصبحت الأجناس الأدبية متداخلة ومختلطة؛ حيث يصعب الحديث عن جنس أدبي معين.لذا، وجدنا جماعة تيل كيل(Tél Quel) - مثلا- تثور على هذه النظرية بشكل جذري رافضة عملية التصنيف، مستبدلة الجنس الأدبي بالعمل أو الأثر الأدبي أو الكتاب. وفي هذا السياق، يقول رينيه ويليك:" لاتحتل نظرية الأنواع الأدبية مكان الصدارة في الدراسات الأدبية في هذا القرن. والسبب الواضح لذلك هو أن التمييز بين الأنواع الأدبية لم يعد ذا أهمية في كتابات معظم كتاب عصرنا. فالحدود بينها تعبر باستمرار، والأنواع تخلط أو تمزج، والقديم منها يترك أو يحور، وتخلق أنواع جديدة أخرى إلى حد صار معها المفهوم نفسه موضع شك."[30]

ولقد تجاوزت الشعرية قضية التجنيس الأدبي لتهتم بآليات تحليل النصوص والخطابات وفق المناهج اللسانية وصفا، وتفسيرا، ووظيفة. كما اعتنت الشعرية المعاصرة بالبلاغة أسلوبا، وصورة، وحجاجا، وتأويلا.

وبعد ذلك، توالت الدراسات التي تهتم بالشعرية مع مجموعة من الباحثين الغربيين المعاصرين، كالشكلانيين الروس، وتزفيتان تودوروف( Tzvetan Todorov)، وجيرار جنيت (G.Genette)، ورومان جاكبسون (R.Jakobson)، وجان ماري شايفر(J.M.Schaeffer)، والأب بيرون (L'abbé Piron)، وجاستون باشلار (G.Bachlard)، وميكاييل ريفاتير(M.Rifaterre)، وغيرهم كثير...

 

د. جميل حمداوي

.................................

[1] - أرسطو: فن الشعر، تحقيق إبراهيم حمادة، مكتبة الأنجلو مصرية، الطبعة الأولى سنة 1990م.

[2] - أرسطو: كتاب الخطابة، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة، بغداد، العراق، طبعة 1986م.

[3] - أرسطو: فن الشعر، المرجع المذكور سابقا.

[4] - تزفيطان تودوروف: الشعرية، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1987م، ص:15.

[5] - أفلاطون: جمهورية أفلاطون، صص:267-270.

[6] - حميد لحمداني: (السرد والحوار)، ص: 148.

[7] - انظر: الشكلانيون الروس: نظرية المنهج الشكلي، ترجمة: إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، الطبعة الأولى سنة 1983م، ص:9.

[8] - الشكلانيون الروس: نظرية المنهج الشكلي، ص:9.

[9] - دافيد كارتر: النظرية الأدبية، ترجمة: باسل المسالمه، دار التكوين، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:30.

[10] - سيزا قاسم: (السيميوطيقا: حول بعض المفاهيم والأبعاد)، مدخل إلى السيميوطيقا، الجزء الأول، منشورات عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، ص:40.

[11] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م. 

[12] -R.Barthes: Critique et Vérité, Éditions du Seuil, Paris, 1966; S/Z essai sur Sarrasine d'Honoré de Balzac, Éditions du Seuil, Paris, 1970; Essais critiques, Éditions du Seuil, Paris, 1964.

[13] -Todorov.T : Littérature et Signification, Paris, Larousse, 1967 ; Introduction à la littérature fantastique, Paris, Le Seuil, 1970 ; Grammaire du "Décaméron", Paris, Mouton, 1969 ; Poétique de la prose, Paris, Le Seuil, 1971.  Qu’est-ce que le structuralisme ? Poétique, Paris, Le Seuil, 1977 ; Les Genres du discours, Paris, Le Seuil, 1978 ; Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, avec Oswald Ducrot, Paris, Le Seuil, 1979.

[14] -G.Genette: Figures III, coll. « Poétique », 1972; Introduction à l'architexte, Paris, Le Seuil, coll. « Poétique », 1979 ; coll. « Points essais », 2004 ; Fiction et diction, Paris, Le Seuil, coll. « Poétique », Paris, Le Seuil, 1991, coll. « Points essais », 2004.

[15] -kébidi-Varga :Les constantes du poème: À la recherche d'une poétique dialectique. Den Haag: Van Goor. 1963 ; Rhétorique et littérature: Études de structures classiques. Paris; Bruxelles: Didier. 1970 ; Discours, récit, image. Bruxelles: Madarga. 1989.  Les poétiques du classicisme. Paris: Aux amateurs de livres. 1990.

[16] -Jean Cohen: Structure du langage poétique (Champs, Flammarion, 1966, réédition 2009.

[17] -Awerbach : Le Haut Langage : langage littéraire et public dans l'Antiquité latine tardive et au Moyen Âge, trad. de l'allemand par Robert Kahn, Paris, Belin, 2004, 347 p ; Mimésis. La représentation de la réalité dans la littérature occidentale, trad. de l’allemand par Cornélius Heim, Paris, Gallimard NRF, « Bibliothèque des idées », 1968 (1946 pour l’édition originale), 561 p.

[18] - تزفيطان تودوروف:نفسه،ص:13-14.

[19] - عبد الفتاح كليطو: نفسه،ص:18-19.

[20] - جيرار جنيت: جامع النص، صفحة المقدمة.

[21] - رينيه ويليك: مفاهيم نقدية، ص:390.

[22] -R. Jakobson: (Linguistique et poétique), Essais de linguistique générale, t. I, Minuit, 1963. 

[23] -R.Jakobson : Essais de linguistique générale, Paris, Minuit, 1963,220.

[24] -R.Jakobson : Huit questions de Poétique, Paris, Point, 1977, pp : 88-108.

[25] - Jean Cohen : Le haut Langage, Paris, Flammarion, 1979, p : 16.

[26] - محمد مفتاح: في سيمياء الشعر القديم، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1989م، ص:46.

[27] - شرحها في كتابه (أصول اللغة) سنة 1956، وقد نشر الكتاب بالاشتراك مع موريس هالي (M. Hally).

[28] - دافيد كارتر: نفسه، ص ص:38-39.

[29] - نقلا عن دافيد كارتر: نفسه، ص:39.

[30] - رونيه ويليك: مفاهيم نقدية، ص:376.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4426 المصادف: 2018-10-18 03:16:32