المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

تطور الشعرية العربية

جميل حمداويالمقدمة: إذا كانت الشعرية الغربية قد عرفت تطورا بارزا منذ فترة اليونان (أرسطو وأفلاطون) إلى يومنا هذا، مرورا بالمدارس الشعرية الكبرى كالشكلانية الروسية، ومدرسة المورفولوجيا الألمانية، ومدرسة النقد الجديد، ومدرسة التحليل البنيوي، فإن الشعرية العربية، بدورها، قد شهدت مراحل كبرى من الطفرات والقفزات النظرية والتطبيقية البارزة في الحقل الثقافي العربي القديم والحديث والمعاصر. ويمكن القول : إن الشعرية العربية قد ساهمت في إغناء الشعرية الغربية الحديثة والمعاصرة بتصوراتها الحداثية، إن تصورا، وإن ممارسة.

المطلب الأول: الشعرية العربية القديمة

لقد اهتمت الشعرية العربية القديمة بنظرية الأدب نقدا وتجنيسا وتوصيفا وتصنيفا، كما يبدو ذلك جليا عند قدامة بن جعفر، وابن طباطبا العلوي، والباقلاني، وابن وهب، والخفاجي، والعسكري، والجاحظ، والكلاعي، وابن رشيق القيرواني، وحازم القرطاجني، والسجلماسي، والقلقشندي، والحموي، والصفوري...

ومن جهة أخرى، كانت هناك اهتمامات كثيرة بصناعة الشعر، وعمود الشعر العربي، ونظرية النظم، والمحاكاة والتخييل، وتقعيد الشعر، والبحث عن الحداثة الشعرية تحولا وانزياحا ومعاصرة، والاهتمام بعملية التجنيس والتصنيف الأدبي،  وما نظرية الأغراض الشعرية (مدح- فخر- هجاء- وصف...) سوى دليل قاطع على اهتمام نقادنا العرب القدامى بالشعرية وعملية التجنيس ؛ حيث ميزوا، في البداية، بين الشعر والنثر، وتحدثوا عن أفضلية كل واحد منهما، وخاصة في العصر العباسي، ثم شمروا عن سواعدهم للتمييز بين مجموعة من الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية (الرسالة-النادرة-المقامة- الخطبة- الوصية- العتاب- الاعتذار- الحكاية- المثل- الأدب- الموعظة - النقد- الخبر- الحديث- الطرفة- النكتة- الأحجية- المناظرة-...). ونجد هذا الاهتمام أيضا عند الفلاسفة المسلمين أنفسهم (الفارابي، وابن سينا، وابن رشد...)، وبالضبط بعد ترجمة كتب أرسطو الفلسفية.

كما اهتم النقاد والفلاسفة واللغويون والبلاغيون وعلماء التفسير بصناعة الشعر من حيث المضمون والشكل والوظيفة، وركزوا على مظاهر الإعجاز القرآني، وبلاغة الحديث النبوي وبيانه، ودرسوا شعرية المتنبي، وأبي تمام، والبحتري، وأبي نواس، وغيرهم؛ فتوقفوا عند إشكالات شعرية ونقدية مهمة كقضية الغموض الشعري، وقضية القدم والحداثة، وقضية الثبات والتحول، وقضية الطبع والصنعة، وقضية اللفظ والمعنى، وقضية بناء القصيدة الشعرية، وقضية الوحدة الموضوعية والعضوية، وقضية الصورة الشعرية، وقضية عمود الشعر العربي، وقضية المحاكاة والتخييل، وقضية المعنى والإحالة، وقضية السرقات الشعرية، وقضية الفن والدين، وقضية البيان والتبين، وقضية الإيقاع العروضي، وقضية رواية الشعر ونحله وانتحاله، وقضية البديع والتوليد الشعري، وقضية الكساد الشعري، وقضية المفاضلة بين الشعر والنثر، وقضية النظم، وقضية صناعة الشعر، وقضية المصطلح النقدي، وقضية البيئة، وقضية علاقة الشعر بالفلسفة والمنطق، إلخ...

المطلب الثاني: الشعرية المعاصرة وقضية التجنيس

إذا انتقلنا إلى الحقل الثقافي العربي المعاصر بغية تتبع شعرية الأجناس الأدبية، على سبيل المثال،  فثمة دارسون عديدون  قد اهتموا بتأريخ الأجناس والفنون والأنواع والأنماط الأدبية، بتعريفها من حيث الشكل والمضمون والوظيفة، وتحديد مرتكزاتها ومكوناتها وسماتها، مع ذكر النماذج التمثيلية من الثقافتين : الغربية والعربية على حد سواء، ثم الانتقال  إلى دراسة بعض النصوص التي تمثل أجناسا أدبية محددة مضمونا وشكلا، كما فعل محمد مندور في كتابه( الأدب وفنونه)[1]، وعز الدين إسماعيل في كتابه (الأدب وفنونه)[2]، وعبد المنعم تليمة في(مقدمة في نظرية الأدب)[3]، ومحمد غنيمي هلال في كتابه(في الأدب المقارن)[4]، وعبد السلام المسدي في كتابه(النقد والحداثة)[5]، وموسى محمد خير الشيخ في(نظرية الأنواع الأدبية في النقد العربي)[6]، وإحسان عباس[7] في كثير من دراساته التي خصصها  لمجموعة من الفنون والأجناس الأدبية، كالنقد الأدبي، وفن الشعر، وفن السيرة... وما قام به بعض الدارسين المحدثين من مراجعة لقضية الأجناس الأدبية في ضوء مناهج حديثة:  بنيوية، وسيميائية، وقرائية، ونقدية تاريخية، كما فعل عبد الفتاح كليطو في كتابه(الأدب والغرابة)[8]، ورشيد يحياوي في كتابيه ( مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية)[9]، و(شعرية النوع الأدبي)[10]،ومحمد برادة الذي طبق مفهوم التجنيس المستوحى من ماري شيفر في كتابه(لغة الطفولة والحلم، قراءة في ذاكرة القصة المغربية.[11])

وعليه، فلقد اهتم النقاد والدارسون المحدثون والمعاصرون بنظرية الأجناس الأدبية تأريخا وتعريفا وتنظيرا وتطبيقا، وخاصة  طه حسين الذي  أعاد النظر في تقسيم القدماء للكلام العربي إلى شعر ونثر، في كتابه (من حديث الشعر والنثر)[12]؛ حيث ميز بين الشعر كجنس أدبي مستقل. وقسم الأجناس النثرية إلى قسمين رئيسيين هما: الخطابة والنثر الفني، بعد أن كان قد أشار إلى مجموعة من الأنواع النثرية المعروفة، كالخطابة، والتاريخ، والترسل، والمناظرات العلمية والفلسفية والدينية، والقصص الخاصة، وأيام العرب.

علاوة على ذلك، فلقد خصص الباحث المغربي عبد الفتاح كليطو نظرية الأجناس الأدبية بفصول متميزة ومركزة في كتابه(الأدب والغرابة)؛ حيث  اعتمد، في عملية التجنيس، على نظرية التلفظ. بمعنى أنه يعتمد على تحليل علاقة المتكلم بالخطاب. ويعتني على سبيل الخصوص بمسألة إسناد الخطاب، وبما يترتب عن الإسناد من أنماط خطابية. ومن ثم، يحدد كليطو أربعة أنماط خطابية:

1- المتكلم يتحدث باسمه: الرسائل، والخطب، والعديد من الأنواع الشعرية التقليدية..

2- المتكلم يروي لغيره: الحديث، وكتب الأخبار...

3- المتكلم ينسب لنفسه خطابا لغيره.

4- المتكلم ينسب لغيره خطابا يكون هو منشئه.وهنا حالتان: أما لايفطن إلى النسبة المزيفة فيدخل الخطاب ضمن النمط الثاني، وأما يفطن إلى النسبة فيدخل الخطاب الأول.وكمثال نذكر " لامية العرب" التي أنشأها خلف الأحمر ونسبها إلى الشنفرى.

ثلاث ملاحظات:

- النمط يلم عدة أنواع.

- الخطاب الواحد يمكن إرجاعه إلى نمطين، مثلا:

ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة   فقالت: لك الويلات أنك مرجلي

كلام الشاعر من الصنف الأول: أما كلام حبيبته فإنه من الصنف الثاني(إن كان الأمر يتعلق برواية)، أو من الصنف الرابع (إن كان الأمر يتعلق بنسبة).

- في الخطابات المندرجة ضمن الصنف الأول، ينبغي مراعاة حصة الخطاب العام الذي ينبع من الحقل الثقافي.

للتبسيط يمكن إرجاع الأنماط الأربعة التي ذكرنا إلى نمطين:

1- الخطاب الشخصي.

2- الخطاب المروي:

1-  بدون نسبة.

2- بنسبة:

أ- صحيحة.

ب- زائفة.

ج- خيالية."[13]

أما عبد السلام المسدي في كتابه( النقد والحداثة)، فيرى أن قضية الأجناس الأدبية هي قضية مستوردة من الغرب، وأن العرب كانوا يعرفون الشعر والنثر ليس إلا. بمعنى أن" مقولة الأجناس دخيلة على قيم الحضارة العربية في مكوناتها الإبداعية، وهذه من ظواهر الخصوصيات المميزة، إذ لايحكم لأمة من الأمم بتفوق حضاري إن هي عرفت لونا من ألوان الأدب، كما لا يحكم على حضارة أخرى بنقصان إن هي لم تعرفه، بل ليس بقادح في تاريخ العرب أن تصورهم للأدب لم ينبن على مقولة الأجناس أصلا، وإنما قام على تصنيف ثنائي مرتبط بنوعية الصوغ الفني، غير متصل بطبيعة الجنس الإبداعي، فكان بذلك تصنيفا نوعيا أكثر مما كان تصنيفا نمطيا.

لقد أقام العرب أدبهم على منظوم ومنثور وبين الشعر والنثر فاصل فني بنائي قبل كل شيء، أما مضامين الدلالة فليس واحد منهما بأحق بها من الآخر، بل إن كان منهما ما هو خليق بالكل دون البعض، فإنما هو الشعر إذ بفضل طاقته الاستيعابية حاز السبق فقال عنه أهله:" الشعر ديوان العرب".

وبما أن كل إبداع في فن الأدب قد حام على فلك هذين المدارين، فقد تمسك بهما أجدادنا العارفون بشأن الصياغة الإنشائية، فتوسلوا بالمنظوم والمنثور كرة أخرى لما هموا بتعريف النص المقدس الذي تحدى العرب في أقوى خصائصهم المميزة: بلاغة اللفظ وفصاحة اللسان. فقالوا عنه:" إنه ليس بنظم ولابنثر، وإنما هو قرآن""[14]

وينتقد عبد السلام المسدي تلك الدراسات العربية الحداثية التي تحاول دراسة الأجناس الأدبية في تراثنا العربي، في ضوء مقاييس ومنهجيات نقدية غربية حداثية ظلما وتعسفا. وفي هذا، يقول الدراس:" إذا عدنا إلى نقدنا العربي المعاصر وما يسعى إليه رواده من حداثة في الوصف والاستنطاق أيقنا أن من معضلاته الإجرائية اصطدام مقولة الأجناس الأدبية بإشكالية التعامل مع التراث الإبداعي في تاريخ حضارتنا العربية، وعديدون هم النقاد الذين غفلوا عن تلكم الحقائق الأولية، فلم ينجوا من مأثم الإسقاط المنهجي حين توسلوا بمقولة "القراءة"، فتعسفوا المقروء متسترين برداء الحداثة، إذا بهم يسقطون على الأدب العربي أنماطا من التصنيف غريبة على روح التراث الحضاري الذي هو منبته وحوض منشئه...

ولكن هذا الاعتراض المنهجي لايعني قطعا الاعتراض على منزع الحداثة في النقد العربي، ولا هو متضمن نقض مقولة القراءة كنمط من المعالجات التي توجه طبيعة الالتقاء مع النص الأدبي، ولكنه ينشد تأسيس مبدإ الاستكشاف الذاتي الذي يتسلح فيه الناقد بسلاح الحداثة، ثم يلج التراث، فيستخرج خصوصياته في بناء نظري متناسق كفيل بأن يفضي إلى وضع مقولات من القراءة الذاتية، فلايطعن التراث في الحداثة، ولا تتجنى الحداثة على التراث. "[15]

وهكذا، يعيد عبد السلام المسدي تصنيف الأجناس الأدبية في تراثنا العربي في ضوء مقياسي القراءة والحداثة، معتمدا في ذلك على معايير معينة هي: الصياغة، والمضمون، والتركيب. وهذه الأصناف الأدبية التراثية هي: فن الخطبة، وفن الخبر، وأدب الأغاني، وأدب التأريخ للأمثال، وفن المقامة،و أدب المرايا، والترجمة الذاتية.

ومن جهة أخرى، فلقد خصص رشيد يحياوي الجنس الأدبي، في كتابه(نظرية الأنواع الأدبية)[16]،بمقالات ودراسات متنوعة؛ حيث تحدث،  في البداية، عن استقلالية الأثر عند كروتشه، وتلاشي الأدب، وتفرد الأثر عند موريس بلانشو، فاستقلالية النص والكتابة عند رولان بارت. ثم، ناقش ثلاثية الملحمي والغنائي والدرامي كما ناقشها جيرار جنيت. ثم، تناول قضية تصنيف الأنواع وتحولها بالدراسة والمناقشة والفحص.

وينطلق محمد العمري، في مقاله القيم (المقام الخطابي والمقام الشعري في الدرس البلاغي)[17]،من المقاربة البلاغية في دراسة الأجناس والأنواع الأدبية ؛حيث يدرس مجموعة من الأنواع الخطابية، كالخطاب الشعري، والفلسفي، والعلمي، والإقناعي،في ضوء تصورات البلاغة القديمة والجديدة، معتمدا في ذلك على دراسة المقام وأحوال المخاطبين في البلاغة الغربية والبلاغة العربية على حد سواء.

أما سعيد يقطين، في كتابه (الكلام والخبر)(1997م)، فيميز بين المقولات الثابتة، وهي الأجناس، والمقولات المتحولة، وهي الأنواع، والمقولات المتغيرة، وهي الأنماط. كما يقسم التجليات النصية إلى تجليات ثابتة،وهي الأجناس، أو معمارية النص، وتجليات متحولة، وهي الأنواع أو التناص، وتجليات متغيرة، وهي الأنماط أو المناصات.[18]

وينطلق يقطين من مفهوم الصيغ الكلامية،" ونحن حين ننطلق  من الصيغة أساسا للتمييز بين أجناس الكلام العربي، فذلك لأننا نعتبرها تقوم على مبدإ الثبات أكثر من غيرها من المعايير المعتمدة. فهي متعالية على الزمان واللسان، أنها ذات طبيعة لسانية وتداولية كما يرى جنيت.غير أن انطلاقنا منها لايعني بالضرورة استنساخنا للأجناس أو للأصول الثلاثة الطبيعية التي ركز عليها الغربيون، وذلك لأننا لاننطلق من محاولة رصد طرائق تمثيل الأحداث، بواسطة اللغة، كما نجد ذلك في البويطيقا الغربية.إننا ننطلق من منطلق مغاير تماما، فالصيغة نراها كامنة في طرائق التمثيل الكلامي بوجه عام.ونعتبر هذا الفرق جوهريا، لأننا في التصور الاول، نقابل  بين: اللغة والعالم.

وتبعا لذلك، تمثل (تحاكي) اللغة" أحداث العالم إما بواسطة السرد الخالص أو المختلط أو المحاكاة.ونجد هنا، ضمنا أو مباشرة تصورا أفلاطونيا للعالم (وتاريخ الآداب الغربية خير مثال على ذلك)، وما التمييز بين الذاتي والموضوعي الذي تقدمه لنا إحدى النظريات الجنسية (كيت هامبورغر) سوى أحد التجسيدات الدالة على هذا.أما في التصور الثاني الذي ننطلق منه في رؤية الكلام العربي، يغدو التمثيل الكلامي عالما مستقلا بذاته.فهو لايأتي لمحاكاة العالم الخارجي بهذا الشكل أو ذاك كما نجد في الآداب الغربية، ولكنه يشكل عالما موازيا ومختلفا عن العالم الخارجي، وهذا هو سر احتفاء العرب بالكلمة احتفاء لانكاد نجد له نظيرا."[19]

ويدخل في نطاق القول كل من المخاطبات، والمحاوارات، والمراسلات، والخطب، والمساجلات، وما يدخل في هذا النطاق من أنواع القول، حيث نجد القائل يعبر عما في نفسه كالشكوى، والحنين، والعتاب...أو يتوجه إلى المخاطب بالقول ليدفعه إلى شيء ما، ليفعله أو يتركه كالأمر، والنهي، والسؤال، والوصية، والنداء...

ويتصل الخبر بالوقائع والحكايات والأخبار والتواريخ وماشاكل ذلك من الإخبارات، وفيها جميعا نجد العلاقة بين المخبروالإخبار والمخاطب تقوم على الانفصال بوجه عام، لأنها تتم على مسافات متعددة الملامح والأبعاد. ويذكرنا هذا التمييز بتمييز العرب بين الخبر والإنشاء، وتمييز بنيفنست بين الخطاب والحكي، وتمييز كيت همبورغر بين التخييل واللاتخييل.[20]

ويقسم يقطين القول والخبر - حسب الأداة- إلى ثلاثة أجناس متداخلة فيما بينها، وهي: الشعر، والحديث، والخبر. بمعنى أن الحديث هو قول، والداخل بين القول والخبر هو الشعر. وقد أضاف يقطين السرد، باعتبار أن الخبر قد يتحول إلى سرد. وبالتالي، يميز داخل السرد - من خلال ليالي الإمتاع والمؤانسة للتوحيدي- بين نوعين هما: الخبر والحكاية. وعلى مستوى النمط، يميز بين جهات ثلاث:

1- الكلام في علاقته بالتجربة الإنسانية، أو مدى مطابقته للواقع، ومن هذه الجهة ينقسم الكلام إلى أليف، وغريب، وعجيب.

2- الأثر الذي يحدثه الكلام في المتلقي، حيث نميز بين مواقع الجد ومواقع الهزل، وضمن ذلك يحقق الكلام أحد المقاصد الآتية: التعرف- التدبر- التفكر- اللذة.

3- أسلوب السرد ولغته: وهو يكون إما ساميا، وإما منحطا، وإما مختلطا.

وهكذا، يقسم سعيد يقطين الجنس الأدبي إلى صيغة (القول والخبر). ثم يقسم الصيغة إلى أجناس ثلاثة هي: الحديث، والشعر، والخبر. ويقسم الجنس إما إلى أنواع ثابتة تتمثل في: الخبر، والحكاية، والقصة، والسيرة؛ وإما إلى أنواع متحولة تتمثل في: أخبار الظراف والحمقى والعشاق، أو حكايات الصالحين، أو المقامات، أو السير الشعبية، أو النكت واللطائف والبدائع...؛ وإما إلى أنواع متغيرة ومختلطة تتجلى  في قصص الحيوان التي تجمع بين قصة الحيوان والمثل، والرحلة  التي تقوم على التاريخ، والجغرافيا، والسيرة...

وينقسم النمط بدوره إلى أنماط ثابتة، مثل: الواقعي والتخييلي والخيالي من جهة، والأليف والعجيب والغريب من جهة أخرى. وتكمن الأنماط المتحولة إما في الجد والهزل، وقد تتم المزاوجة بينهما، وإما في التعرف (القصص الرمزية، وقصص الحيوان..)، وإما في التدبر(قصص الوعاظ والزهاد والمصلحين)، وإما في الضحك( قصص الحمقى والمجانين والمغفلين والظرفاء والملح والنكت والطرف)، وإما في اللذة( أخبار العشاق والظراف والمتماجنين وحكايات الغلمان والجواري )... وتنقسم الأنماط المتغيرة إلى: الأسلوب السامي، والأسلوب المنحط، والأسلوب المختلط .[21]

وثمة كتب أخرى تناولت نظرية الأجناس الأدبية بطريقة أو بأخرى، ومن أهم هذه الكتب كتاب(الأدب المقارن) لمحمد غنيمي هلال[22]، وكتاب( الأدب وفنونه) لمحمد مندور[23]، وكتاب(الأدب وفنونه) لعز الدين إسماعيل[24]، وكتاب( مقدمة في نظرية الأدب) لعبد المنعم تليمة[25]، وكتاب (في نظرية الأدب) لشكري عزيز الماضي[26]، وكتاب (مشكل الجنس الأدبي في الأدب العربي القديم)[27] لمجموعة من المؤلفين، وكتاب( بحوث في النص الأدبي) لمحمد الهادي الطرابلسي[28]، وكتاب (الخبر) لمحمد القاضي[29]، وكتاب (الفن الأدبي) لغازي يموت[30]، وكتاب( في السرد الروائي) لعادل ضرغام[31]، وكتاب (تداخل الأجناس الأدبية في الرواية العربية) لصبحة أحمد علقم[32]...

وثمة العديد من الدراسات المقالية المؤلفة والمترجمة التي اعتنت بقضية الأجناس الأدبية بالتعريف، والتأريخ، والتحليل، والتقويم ؛ حيث يصعب حصرها واستقصاؤها لكثرتها وانتشارها في مواقع رقمية وورقية عدة، من الصعوبة بمكان الوصول إليها كلها.

بيد أن أحمد اليابوري، في كتابه (دينامية النص الروائي)، يتجاوز نظرية الأجناس الأدبية ليهتم بمكونات التجنيس الداخلية على غرار نظرية ماري شيفر وكريزنسكي.بمعنى أن ما يهمه هو الاستكشاف الداخلي للنصوص، واستقراء مكوناتها البنيوية والسيميائية والجمالية واللاشعورية. أي: ينطلق من الداخل النصي لتحديد مكوناته التجنيسية والجمالية والفنية بعيدا عن التصور الأجناسي الخارجي المجرد والمسبق. وفي هذا الإطار، يقول أحمد اليابوري:"وعلى الرغم من تسلمنا، كما أشار إلى ذلك إي، دي، هرش (E.D.Hirsch) بأن" التصور الأجناسي المسبق لدى مؤول نص معين، يعتبر مكونا لكل ما سيفهمه من ذلك النص"، فإن ابتعادنا عن مسألة الجنس الأدبي، في هذا البحث، وتقيدنا بالنصوص، في خصوبتها وتنوعها، ربما جعلنا في مأمن نسبي من الوقوع في أوهام التصورات المسبقة،والتأويلات المرتبطة بها؛ ذلك على الأقل، ماكنا نهدف إليه."[33]

تلكم- إذاً- مجمل الكتابات النقدية العربية النظرية والتطبيقية حول شعرية الأجناس الأدبية، وقد تنوعت منهجيا إلى المقاربة التاريخية، والمقاربة الاجتماعية، والمقاربة البنيوية، والمقاربة السيميائية، والمقاربة الجمالية، والمقاربة البلاغية...

المطلب الثالث: الكتابات الشعرية العربية المعاصرة

يمكن الحديث، اليوم، عن كتب عديدة تحمل فوق غلافها الخارجي عنوان الشعرية مثل: (في الشعرية) لكمال أبوديب[34]، و(تحولات الشعرية العربية )[35] و(أساليب الشعرية المعاصرة) لصلاح فضل[36]، و(شعرية التفاصيل) لفخري صالح[37]، و(الشعرية العربية) لجمال الدين بن الشيخ[38]، و(التواصل اللساني والشعرية : مقاربة تحليلية لنظرية رومان جاكبسون) [39]و(أصول الشعرية العربية) للطاهر بومزبر[40]، و(الشعرية العربية)[41] لأدونيس، و(شعرية اللغة الروائية: محمد حسن علوان أنموذجا) لسميرة بنت ضيف الله الزهراني[42]،  و(شعرية الانتماء: قراءة في القصيدة السعودية) لمجدي الخواجي[43]، و(اللغة في شعرية محمود درويش) لسفيان الماجدي[44]، و(شعرية النص الموازي) [45] و(شعرية الهوامش)[46] و(شعرية المتخيل الفضائي)[47] و(شعرية الإهداء)[48] لجميل حمداوي، و(شعرية القصيدة الثورية في اللهب المقدسة) لنوارة ولد أحمد[49]، و(شعرية تودوروف) [50] و(الشعرية التوليدية) [51]لعثمان الميلود، و(رحيق الشعرية الحديثة) لبشير تاوريريت[52]، و(الشعرية العربية : دراسة مقارنة في الأصول والمنهج)لحسن ناظم[53]، و(الشعرية العربية ) لرشيد يحياوي[54]، و(الشعرية العربية) لنور الدين السد[55]، و( الشعرية العربية: قراءة جديدة في نظرية قديمة)، لطراد الكبيسي[56]، و(الشعر والشعرية ) لمحمد لطفي اليوسفي[57]، و(اتجاهات الشعرية الحديثة: الأصول والمقولات) ليوسف إسكندر[58]، و(الشعرية بين فعل القراءة وآلية التأويل) لعصام عبد السلام شرتح[59]،  إلخ ...

الخاتمة:

وفي الأخير، لقد أصبحت الشعرية البويطيقية، في الجامعات العربية، ولاسيما جامعات المغرب العربي، هي المقاربة المنهجية المفضلة عند الكثير من الباحثين في تفكيك النصوص والخطابات والآثار الأدبية والإبداعية ؛ لما تملك من آليات لسانيات بنيوية وأسلوبية وبلاغية وسيميوطيقية قادرة على تطويق المتون الأدبية ونقدها وتوصيفها تشريحا وبناء، أو تفكيكا وتركيبا. بيد أن هناك من وسع هذه الشعرية المغلقة السانكرونية لتصبح شعرية منفتحة كما عند سعيد يقطين في كتابه (انفتاح النص الروائي: النص والسياق)[60]، أو شعرية توليدية كما عند عثمان الميلود في كتابه (الشعرية التوليدية)[61]، أو  شعرية دياكرونية كما عند جميل حمداوي في كتابه (البنيوية الدياكرونية)[62]...

 

د. جميل حمداوي

............................

[1] - محمد مندور: الأدب وفنونه، دار النهضة،القاهرة، مصر، 1980.

[2] - عزالدين إسماعيل: الأدب وفنونه، الطبعة السابعة، الفكر العربي، القاهرة، دون تحديد لتاريخ الطبعة.

[3] -  عبد المنعم تليمة: مقدمة في نظرية الأدب، دار الثقافة، القاهرة، 1987.

[4] -  محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة.

[5] - عبد السلام المسدي: النقد والحداثة، دار الطيعة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1983م، ص:108.

[6] - موسى محمد خير الشيخ: نظرية الأنواع الأدبية في النقد العربي، دار الترجمة، الكويت، الطبعة الأولى، 1995م.

[7] - إحسان عباس:  فن الشعر، دار الثقافة، بيروت، لبنان، طبعة 1953م؛  فن السيرة،دار الثقافة،  بيروت، لبنان، طبعة 1956.

[8]  -  عبد الفتاح كليطو: الأدب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، لبنان،الطبعة الثانية، 1983.

[9] - رشيد يحياوي: مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية، أفريقيا الشرق، الطبعة الثانية، 1994.

[10] - رشيد يحياوي: شعرية النوع الأدبي: في قراءة النقد العربي القديم، دار أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى، سنة 1994م.

[11] - محمد برادة: لغة الطفولة والحلم، قراءة في ذاكرة القصة المغربية، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[12] - طه حسين: من حديث الشعر والنثر، دار المعارف، القاهرة، مصر، طبعة 12، 2004م.

[13]-  عبد الفتاح كليطو: نفسه، ص:25-26.

[14]- عبد السلام المسدي: النقد  والحداثة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1983م، ص:108.

[15] - عبد السلام المسدي: النقد  والحداثة، ص:108-109.

[16] - رشيد يحياوي: نظرية الأنواع الأدبية، أفريقيا الشرق، الطبعة الأولى سنة 1991م.

[17] - محمد العمري: (المقام الخطابي والمقام الشعري في الدرس البلاغي)، نظرية الأدب في القرن العشرين، ترجمة: د. محمد العمري، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1996م، صص:122-136.

[18] - سعيد يقطين: الكلام والخبر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1997م، ص:184-187.

[19] - سعيد يقطين: نفسه، ص:189-190.

[20] - سعيد يقطين: نفسه، ص:190-191.

[21] - سعيد يقطين: نفسه، صص: 194-205.

[22] - محمد غنيمي هلال: الأدب المقارن، دار النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الثالثة، دون تاريخ.

[23] -  محمد مندور: الأدب وفنونه، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، 1974.

[24] -  عزالدين إسماعيل: الأدب وفنونه، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الرابعة،1968م.

[25] -  عبد المنعم تليمة: مقدمة في نظرية الأدب، دار الثقافة، القاهرة، 1973.

[26] - شكري عزيز الماضي: في نظرية الأدب، دار الحداثة، بيروت، الطبعة الأولى، 1986م.

[27] -  جماعة من المؤلفين: مشكلة الجنس الأدبي في الأدب العربي القديم، منشورات كلية الآداب منوبة، تونس 1994م.

[28] -  محمد الهادي الطرابلسي: بحوث في النص الأدبي، الدار العربية للكتاب، تونس، 1988.م.

[29] - محمد القاضي: الخبر في الأدب العربي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الاولى سنة  1998م.

[30] - غازي يموت: الفن الأدبي، دار الحداثة، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1990م.

[31] - عادل ضرغام: في السرد الروائي، الدار العربية للعلوم ناشرون، ومنشورات الاختلاف، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:109.

[32] - صبحة أحمد علقم: تداخل الأجناس الأدبية في الرواية العربية، وزارة الثقافة، عمان، الأردن، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2006م.

[33] - أحمد اليابوري: دينامية النص الروائي، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1993م، ص:7.

[34] - كمال أبوديب: في الشعرية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، لبنان، طبعة 1987م.

[35] - صلاح فضل: تحولات الشعرية العربية،الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 2002م.

[36] - صلاح فضل: أساليب الشعرية العربية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[37] - فخري صالح: شعرية التفاصيل، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، ومنشورات الاختلاف، الجزائر،  الطبعة الأولى 2009م.

[38] - جمال الدين بن الشيخ: الشعرية العربية، ترجمة:مبارك حنون وآخرون، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[39] - الطاهر بومزبر: التواصل اللساني والشعرية : مقاربة تحليلية لنظرية رومان جاكبسون، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2007م.

[40] - الطاهر بومزبر: أصول الشعرية العربية (نظرية حازم القرطاجني في تأصيل الخطاب الشعري)، منشورات الاختلاف، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2007م.

[41] -أدونيس: الشعرية العربية، دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى سنة 1985م.

[42] - سميرة بنت ضيف الله الزهراني:شعرية اللغة الروائية: محمد حسن علوان أنموذجا، النادي الأدبي الثقافي، الطائف، السعودية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2018م

[43] - مجدي الخواجي: شعرية الانتماء: قراءة في القصيدة السعودية، نادي جازان الأدبي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان،  الطبعة الأولى 2018م.

[44] - سفيان الماجدي: اللغة في شعرية محمود درويش، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2018م.

[45] - جميل حمداوي: شعرية النص الموازي(عتبات النص)،منشورات المعارف، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة2014م.

[46] - جميل حمداوي: شعرية الهوامش،الموقع الشخصي للدكتور جميل حمداوي

http://hamdaoui.ma/news.php?extend.88.1

[47] - جميل حمداوي: شعرية المتخيل الفضائي، الموقع الشخصي للدكتور جميل حمداوي

http://hamdaoui.ma/news.php?extend.188.4

[48] - جميل حمداوي: شعرية الإهداء، الموقع الشخصي لجميل حمداوي،

http://hamdaoui.ma/news.php?extend.91.7

[49]- نوارة ولد أحمد: شعرية القصيدة الثورية في اللهب المقدسة، دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، طبعة 2008م.

[50] - عثمان الميلود: شعرية تودوروف، عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1990م.

[51] - عثمان الميلود: الشعرية التوليدية، المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.

[52] - بشير تاوريريت: رحيق الشعرية الحداثية، مطبعة مزوار، الوادي، الجزائر، الطبعة الأولى سنة 2006م.

[53] - حسن ناظم: الشعرية العربية: دراسة مقارنة في الأصول والمنهج، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة سنة 2003م.

[54] - رشيد يحياوي: الشعرية العربية، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1995م.

[55] - نور الدين السد: الشعرية العربية، ديوان المطبوعات الجزائرية، الجزائر، طبعة 1995م.

[56] - طراد الكبيسي: الشعرية العربية: قراءة جديدة في نظرية قديمة،اتحاد كتاب العرب، دمشق، سورية، طبعة 2004م.

[57] - محمد لطفي اليوسفي: الشعر والشعرية، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 1992م.

[58] - يوسف إسكندر: اتجاهات الشعرية الحديثة: الأصول والمقولات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة 2008م.

[59]- عصام شرتح: الشعرية بين فعل القراءة وآلية التأويل،دار الخليج،  عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2018م.

[60] - سعيد يقطين : انفتاح النص الروائي: النص والسياق، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 1989م.

[61] - عثمان الميلود: الشعرية التوليدية، المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م.

[62] - جميل حمداوي: البنيوية الدياكرونية، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

سلام عليكم استاذ انا طالبة دراسات ماجستير لغة احتاج مساعدتك حول تحليل الرواية تداوليا علما أني متابعة لأغلب مقالاتك دمت بخير وانتظر ردك

نهى
This comment was minimized by the moderator on the site

اتصلي بالعنوان التالي
jamilhamdaoui@yahoo.fr

jamilhamdaoui
This comment was minimized by the moderator on the site

نستفاد الكثير من مقالات الدكتور جميل حمداوي .. في ميزان حسناتك

ظلال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4427 المصادف: 2018-10-19 11:00:19