المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

مدرسة المولدين الشعرية

محمد تقي جونالمقدمة: مثل الشعر الجاهلي مدرسة شعرية لها خصوصيتها في ألفاظها ومعانيها وأسلوبها وطريقتها، يتوالد ويتناسل فيها الفحول ومراتب الشعراء. ولم تكن قواعد مدرسة الجاهليين (مكتوبة) بل شفاهية ينقلها جيل من الشعراء لجيل يليه. والشعر الذي كتب وفق هذه القواعد يعد (شعراً عربياً خالصاً). وهذا (الشعر العربي الخالص) ينطبق تماماً مع سليقة العرب، ومستوى حياتهم، وطبيعة اللغة العربية. وقد وضعت مدرسة الجاهليين أساسات عامة شكلية حاضنة لشعرهم، وهي: هندسة الشطرين، والأوزان الشعرية الرصينة الإيقاع والأنغام التي يخرج منها الرجز لضعف موسيقاه وتهاويها إلى النثرية، والقافية التي تنظم بإيقاعها موسيقى البحور، واللغة الشعرية المتميزة بفصاحة الألفاظ وعذوبة النغم وقوة السبك، والمعاني الشعرية القريبة، والتعويل على التشبيه، والموضوعات(1). وقد أثبتت باستمرارها في الزمن أنها الشكل الوحيد الذي تستطيع اللغة العربية أن تنطق به شعراً عربيا. ولم يُخرج عنها إلا قليلاً.

 بعد الإسلام – الذي أهمل الشعر فنا وان استعمله عوناً- استمرت مدرسة الجاهليين الا ان الصدر إسلاميين والأمويين لم يكتبوا بشاعرية شعر الجاهليين؛ لان الجاهلية حاضنة ذلك الشعر تحطمت. وجعلت (آية الشعراء) غاية الشعر ان يكون عقائديا وليس مجوداً، مما دفع غير الشعراء إلى كتابته للأجر، ودفع الشعراء إلى السكوت تأثماً، فحين سئل لبيد هل كتب شعرا جديدا؟ قرأ لهم سورة البقرة(2)!

وقد وجد الشعراء رئة جديدة يتنفسون بها في الدولة الأموية، حين أعادت الأهمية للشعر. فلم يجدوا غير مدرسة الشعر الجاهلي فقاموا بإحيائها بل استنساخها، عدا النفس الإسلامي وتغيير يسير في الأغراض(3).

وشعر الامويين يندرج تحت مسمى (شعر عربي) بعيداً عن المستوى. وأصدق وصف لهذا الشعر هو (المحدث)(4) حسب تسمية أبي عمرو بن العلاء وهو ناقد عالم بالشعر العربي. والمعنى المقصود من التسمية هو (الشعر العربي الجديد) أي انه ينتمي إلى الشعرية العربية إلا انه يقل أصالة؛ فمن معاني المحدث: البديع والبدعة و(كل محدث بدعة)(5). لذا لم يروه ابن العلاء وان استحسنه.

وكان العصر العباسي حاسما لقضايا مصيرية في السياسة والدين واللغة والفكر والعيش.. والشعر. والمدقق في الشعر العباسي يخلص إلى ما خلص إليه بروكلمان حين سمى الشعر الجاهلي والإسلامي والأموي (شعراً عربياً)، وسمى الشعر العباسي (الشعر الإسلامي باللغة العربية)(6)؛ فقد انتهت العروبة الخالصة للشعر العربي، وبدأت العروبة الهجينة الممزوجة بالعجمة. وهذا الشعر الذي ابتدأ مشواره منذ العصر العباسي استمر إلى اليوم، فكل العصور التي تلت العصر العباسي  إلى الآن ليست عربية خالصة.

لا يمكن عدّ المنتج الشعري الذي جاء به العجم أو من أطلق عليهم (المولدون) شعراً محدثاً؛ فالمحدث هو (عربي جديد)، أما هذا فـ(جديد غير عربي) أو (أكثر إحداثاً) وبعدا عن الشعر العربي المتوارث، لذا عدَّ الشعراء المخضرمون وهم بقية شعراء العصر الأموي مثل: أبي نخيلة، وابن ميادة، والحكم الخضري، والاحيمر السعدي، وعبد الملك الحارثي، وابن هرمة ساقة الشعراء(7) (أي أواخرهم).

والمولد لغة غير العربي الموجود في العرب؛ قال الخليل: " جارية مُوَلَّدة: وُلِدَتْ بين العرب ونَشأَتْ مع أولادهم، وكلامٌ مُوَلَّد: مُسْتَحدَث لم يكن من كلام العرب"(8)، أو هو كل لفظ كان عربي الأصل ثم تغيَّر في الاستعمال(9). فمثلا القياس العربي أن يكون الفعل من البرهان (أبره)، أما (برهن) فهو قياس مولدي لان العرب لم تستعمله(10). وكان أول ظهور للمصطلح في العصر العباسي مع تفشي الجنس غير العربي(11)؛ اذ أطلق على الشعراء العجم كبشار بن برد وابي نواس وابي العتاهية وغيرهم. ولاحقاً اطلق المصطلح على كل شاعر كتب على طريقتهم ليشمل كل الشعراء العباسيين، لانهم اخذوا من هذه الطريقة كثيرا او قليلا. فقد صار في اصطلاح الأدب ان المولد كل من قال الشعر من أهل العصر الذي كثر فيه هؤلاء المولدون من الأنساب، ولو كان عربيا قحا(12).

 وتستحق طريقة المولدين بجدارة أن نسميها (مدرسة شعرية). واذا لم يطلق المحدثون اسم مدرسة عليها، فيستشف من امكانية مصطلح القدماء انها مدرسة تخلف مدرسة العرب الجاهلية قال المقري " ان كتاب المغرب يحافظون في شعرهم وكتابتهم على طريقة العرب، ويذمون ما عداها من طرق المولدين، وإنها خارجة عن الفصاحة"(13).

وقد حاول النقد الذي ولد بأثر مدرسة المولدين أن يعيد كتابة قواعد الشعر الجاهلي الشفوية، ويحاول كتابة قواعد مدرسة المولدين، فقال عبد القاهر الجرجاني يحدد منهج المدرستين: "كانت العرب إنما تُفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحّته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلّم السّبْق فيه لمَنْ وصف فأصاب، وشبّه فقارب، وبدَهَ فأغزَر، ولمَن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته. ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفِل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض"(14).

 فبين ان مدرسة الجاهليين تقوم على: جزالة اللفظ، وشرف المعنى وصحته (واقعيته وبساطته)، واستعمال التشبيه لملاءمته لحياتهم وعدم التحليق، والطبع، والأمثال السائرة. ومدرسة المولدين تقوم على: البديع، والاختراع اللفظي والمعنوي، والاستعارة والخيال فهما من لوازم الاشتغال على جانب المعنى مما يلزم بالتحليق الشعري.  

وقد وقفت مدرسة المولدين بثبات إزاء مدرسة الشعر العربية المتوارثة بسمات وأسس متينة ومسوغات جمالية بديلة جعلتها مقبولة بشكل مذهل من الناس والمؤسسة السياسية والثقافية العربية؛ يروى أن مروان بن أبي حفصة مدح الخليفة بقصيدة طويلة على النمط الأعرابي، ومدحه بعدها أبو العتاهية ببيتين فقط على طريقة مدرسته المولدية فساوى الخليفة بينهما في الجائزة(15)!

ولم يستمر الصراع طويلا لتحسم النتيجة لصالح شعر مدرسة المولدين، جعل كل الشعراء حتى العرب ينتمون إليها ليصبح التوليد لا يخلو منه ديوان شاعر عباسي حتى الذين نعدهم فحول شعراء العرب أو يعدون أنفسهم كالبحتري والمتنبي والمعري. ذلك أن هذا الشعر الجديد أصبح يمثل ذوق العصر والأسلوب الجمعي الذي استحوذ على المشهد الشعري العباسي برمته فالشاعر العربي والأعجمي فيه سواء، ولكن بقدر يختلف فيه الواحد عن الآخر. تقول الطالبتان حملاوي ولعور" ان هذا العصر عالم جديد أربى فيه الغرباء والوافدون أو ما يعرف بالمولدين الذين أبوا إلا أن يضعوا لمسات خاصة على الشعر فأبدعوا بذلك قصيدة جديدة لم يحفلوا فيها بمنهج القصيدة القديمة"(16).

ولاحقاً صارت هذه المدرسة المتحكم بالمشهد الشعري العباسي ثم العربي في الأجيال. وإذا خالفت عمود الشعر في رأي معاصريهم. فإنها صارت تمثل العمود والنموذج المحتذى إلى الآن. فشعراء عصر النهضة كسامي البارودي وأحمد شوقي لم يحتذوا الشعر الجاهلي بل احتذوا الشعر العباسي المولدي، وكل شعر راق قديم لم تعد له في ذاكرة الأجيال سوى نموذج واحد هو شعر مدرسة المولدين.

وفي هذا البحث الصغير سأعرّف بمدرسة المولدين الشعرية، وأحدد ملامحها. آملاً أن أكون قد فتحتُ باباً جديداً في دراسة الشعر العباسي والعربي. ومن الله وبالله التوفيق وهو من وراء القصد.

مدرسة المولدين الشعرية

انبثقت مدرسة المولدين من تقاليد القصيدة العربية، وبنت على أساستها، فطابقت شكلا وخلفتها مضموناً. ولتميزها بالابتكار والتجريب المستمر، خرجت على الشكل ايضاً بكل جوانبه وحيثياته. وتحدد سمات مدرسة المولدين بتغييرات جذرية عن القصيدة الجاهلية، وبإضافات فرعية.

أولا- التغيير الجذري

التغيير الذي أحدثه المولدون في الشعر العربي أخرجته من وعورة الجاهليين إلى سهولة الحضارة، ومن الخصوصية العربية إلى عمومية الشعوب، ومن القوانين المحلية الضيقة إلى القوانين العالمية المنفتحة، وبفضله اثر وتأثر بثقافات الأمم المجاورة والبعيدة. ويتمثل التغيير الجذري لمدرسة المولدين بالاتي:

1- الأولوية للمعاني

كانت اللغة الفهلوية (الكردية القديمة) يتكلم بها الملوك الأكاسرة(17)، واللغة المكتوب بها كتابهم المقدس (الافستا)(18)، كما كتبت بها أدبيات مختلفة خلال العهد الميدي والاشكاني والساساني(19). وكانت اللغة الايرانية الأخرى بعد الفهلوية هي الفارسية لغة سدنة النار الموابذة المجوس(20). وعندما صعد العنصر الفارسي ابان مساندته العباسيين في اسقاط الامويين سادت اللغة الفارسية، وأعيد تشكيلها ليضاف لها من الفهلوية والعربية، لتصبح لغة الأدب خلفا للفهلوية (21). ومن طبيعة هاتين اللغتين انطلقت سليقة الشعراء المولدين في كتابة شعر عربي. 

 واللغات غير العربية عموماً لا يمكن أن يكتب بهما شعر عربي على الطريقة الجاهلية. وقد جرّب الشعراء الفرس ذلك في العصر العباسي بتشجيع الدويلات الإيرانية المستقلة عن الخلافة العباسية بدافع قومي سياسي، فكتبوا بنظام الشطرين، وبالأوزان العربية، وبالقافية(23)، ولكن سرعان ما ضاق بهم جدار اللغة لعدم إسعاف الفارسية في توفير قواف كثيرة، والصناعات البديعية، لسعة نطاق اللغة العربية وكثرة المترادفات فيها، وهو ما لا تقوم به اللغة الفارسية(24). فراحوا يحطمون ذلك ويبتكرون فنونا تلائمهم نقلت أكثرها للشعر العربي كالمسمط والمزدوج والدوبيت وغيرها.

لقد كتب المولدون الشعر متأثرين بسليقتهم الأعجمية وطبيعة لغتهم التي تعاني قلة الألفاظ وتعوِّض عن ذلك بالاتساع في المعنى. فكثير من ألفاظهم نتاج لصق لفظين لتكوين كلمة جديدة.، وكثير من أفعالهم فيها لازمة (كرد) وهذا يشكل مشكلة في القافية لان القوافي ستكرر (كرد) اللازمة دون الفعل. وكثير من المعاني ليس لها الفاظ مستقلة فـ(نسي) كلمة واحدة عربية تقابلها في الكردية ثلاث كلمات (له بيري چي). و(همس) تقابلها خمس كلمات (قسه ده بن گوشي نا). وتوجد الفاظ اسميها معنوية وهي تترجم بالمعنى لا باللفظ لاعطائها عند الترجمة الحرفية مدلولا مختلفاً؛ فـ(انتظر) يقابلها (چه‌مه‌ري كرد) = (وضع عينه على الطريق). ومثلها في الانكليزية نقول اخي غير الشقيق ويقول الانكليزي (My half brother ) = (نصف أخي). ومن هذا المنطلق نعرف كيف تعامل المولدون مع اللغة، ولماذا رجحوا كفة المعنى على اللفظ.

والاشتغال على الألفاظ ينتج شعراً معيناً قوامه: الموسيقى العالية، والمعاني السطحية، وكثرة التشبيه الذي لا يحقق تحليقا شعريا عالياً وهي التي ترجمها النقاد العرب بـ(عمود الشعر)، والاشتغال على المعاني ينتج شعراً معيناً قوامه: الخيال، الصورة، قوة الاستعارة، عمق المعاني وغيرها.

وحين سادت مدرسة المولدين لم يعد يستثنى شاعر من المعنوية. وقاد تقديم المعنى على اللفظ إلى التكلف وتحول الشعر إلى صناعة صار يطلب فيها المعنى بجهد شاق وإعياء، وحين يأتي دور الشاعر في صياغته ذلك المعنى في قالب لفظي تسيطر عليه الصنعة الفنية سيطرة قوية، وتضطره إلى التأنق في اختيار الألفاظ مراعيا في ذلك تناسبها النظمي والصوتي وتطابقها المعنوي"(25).

2- الوحدة العضوية

 كانت قصيدة الجاهليين تبنى على وحدة البيت لاشتغالها على اللفظ. ودعا اشتغال المولدين على المعاني الى الاشتغال على وحدة القصيدة، فصارت القصيدة متنامية من المطلع إلى الخاتمة حتى تستوفي موضوعها. فالقصيدة كالكائن الحي لا يمكن قطع أعضائه وإعادة لصقها في أماكن أخرى وهو ما وضحه الحاتمي في قوله: " مثلُ القصيدة مثل الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض، فمتى انفصل واحد عن الآخر وباينه في صحة التركيب غادر الجسم ذا عاهة تتخون محاسنه.. وهذا مذهب اختص به المحدثون لتوقد خواطرهم ولطف أفكارهم واعتمادهم البديع وأفانينه في أشعارهم"(25).

 على أن تحقيق الوحدة العضوية كان بصورة اكبر في المقطوعات المستقلة وفي القصائد ذات الموضوعات الجديدة الواحدة كالخمريات والزهديات والروضيات. وكان تحقيق الوحدة العضوية متفاوتاً. ولا نغفل ان النقاد الذين نقلوا فن الشعر الارسطي روجوا للوحدة العضوية مما دفع الشعراء إلى تجسيدها، لذا تفاوتوا في ذلك.

3- البديع

جاء البديع في مرحلة لاحقة من استعمال الغريب، بعد أن أحس الذوق المولدي العام أنهم لا يجيدون استعمال الألفاظ الجزلة الفصيحة بوضعها في مكانها حيث يقتضي الإبداع والقبول الفطري. يقول الجرجاني " فإن رام أحدُهم الإغراب والاقتداءَ بمَن مضى من القدماء لم يتمكن من بعض ما يرومه إلا بأشدّ تكلّف، وأتم تصنع"(26). وقد وجدوا الحاجة ملحة إلى اللفظية في أنتاج الموسيقى الشعرية، بعدما وجهوا عنايتهم للمعاني فهبطت الموسيقى لديهم، وكانت الموسيقى ظاهرة متمكنة عند الجاهليين لتوجيه عنايتهم إلى الألفاظ. فراحوا يبحثون عن أسلوب لفظي بديل، فوجدوه في تجميل الألفاظ الحضرية نفسها بإضفاء موسيقى عليها من خلال آليات الجناس والتكرار والطباق وغيرها بقصدية وإلحاح، وهو ما عرف بـ(البديع) ونحن نشبهه بالماكياج الذي تضعه المرأة على وجهها نفسه لزيادة جمالها.

ومبكراً سعوا إلى ذلك فقيل إن بشار بن برد أول من فتقه لهم(27). ثم نضج واستقام على يد مسلم وأبي تمام الذي بلغ به الذروة في النضج والإبداع والتوسع، حتى ان ابن المعتز ألف كتابه البديع وفي باله شعر أبي تمام أولاً. وقد اتسع البديع حتى صار ذوقا مطردا في العصر العباسي وما تلاه، وصار أساساً من أسس النقد، وباباً ثالثاً من أبواب البلاغة. ولم يسلم منه حتى المتمسكون بتقليد ومجارة القدماء كالبحتري والمتنبي والمعري.

4- تنويع القوافي

وهو تحطيم للقافية الموحدة العربية المتحققة في القريض والرجز. وسببه ضيق النفَس الشعري وعدم القدرة على الإتيان بقوافٍ كثيرة قوية، والوقوع بالإسفاف والتقريرية بعد إيراد قوافٍ قليلة. وهذا الأمر لا ينطبق على كبار المولدين كبشار بن برد وأبي نواس، بل على أواسطهم وصغارهم. ومبكرا سعوا إلى تنويع القوافي اذ نجد الفراهيدي (ت 175هـ) يعرّف المسمط في كتابه العين بقوله " الشِّعر المُسَمَّط: الذي يكونُ في صدر البيت أبيات مشطورة أو منهوكة مُقَفّاة تجمعُها قافية مخالفةٌ لازمةٌ للقصيدة حتى تنقضي(28). وكتب أبان اللاحقي (ت 200هـ) وأبو العتاهية (ت 211هـ) المزدوج. ومن فنون تنويع القوافي الأخرى الرباعي والخماسي والدوبيت. وتعد هذه أشكالاً شعرية جديدة للشعر. وأكثر هذه الفنون لم تلق رواجاً مطلع العصر العباسي، بل ازدهرت مع انحدار الشعر في القرون التالية والاهتمام بالتلوين الموسيقي الصاخب والجعجعة بدل الموسيقى الطبيعية المبدعة.

5- تكليف الشعر بموضوعات نثرية

كان للشعر في العصر الجاهلي موضوعاته المحددة وهي المدح والفخر والرثاء والهجاء. ولم يجعلوا الرجز مثل القريض لان موضوعاته ونغمته غير شعرية. وعلى هذا سار الشعر الأموي بإضافات بسيطة هي تنسب الى التجديد وليس التغيير كجعل الغزل موضوعاً، وشيء من الخمريات والمجون.

وحين جاء المولدون أضافوا طبيعتهم الفنية للشعر العربي. والفرس ككل العجم ليست الحدود بين الشعر والنثر لديهم كبيرة(29). يذكر الجاحظ شعر الفهليد أيام كسرى التي موضوعاته تتداخل مع النثر(30). وقد أضافوا الكثير من الموضوعات النثرية إلى الشعر ومن ذلك: الشعر التعليمي والمطولات التاريخية أو الشعر التسجيلي والشعر الفلسفي والشعر الصوفي. ويبدو ان هذا الفن عرفه الإيرانيون والإغريق فأرسطو في تعريفه الشعر يذكر ان العلماء ينظمون في الطب وغيره منظومات تقوم على الوزن ولا ينبغي عدهم شعراء(31).

وقد أكسبت هذه الموضوعات الشعر المولدي (الموضوعية) . والشعر العربي في موضوعاته الموروثة يعزف على وتر الذاتية (الغنائية). مما يجعل هذا المنحى مختلفاً اكسب شعر المولدين استقلالية وإبداعية في المجال الفني.

ثانياً- التجديد والاضافة

فضلا عما استحدثته مدرسة المولدين في بناء ملامحها المدرسية، فقد اضافوا وجددوا فيما ما بنته وتبنته مدرسة الجاهليين. وأهم ما جددته وأضافته:

1- الألفاظ العصرية (لغة المولدين)

الحقيقة أو السر الذي لم يدركه النقاد هو إن الألفاظ المنطوقة في كل لغة جميلة بذاتها متعلقة بها النفس، قد داستها الأجيال نطقاً وألفة، بدليل أنها تتكرر في أحاديثنا دون ملل، نرددها بقناعة تامة لأجل جملة أجمل وتعبير أدق. وهذا يجر إلى أن كل شعر مقبول إذا استخدم الألفاظ المتداولة من الناس غير المملولة منهم المقنعة لهم. يبقى فقط تحقيق العفوية الفنية عند كتابتها شعرا التي تقابل عفويتهم عند الحديث لتكون مبهرة. تماماً كما يفعل الممثل إذا حقق العفوية قدم عملا رائعاً، وإذا تكلف فشل في الإقناع.

وهذه الحقيقة تجعل شعر كل عصر مقبولا في عصره إذا كتب بلغة عصرية، وغير مقبول في عصر آخر وان اعتُرف له بالفضل، كشعر امرئ القيس، والبحتري، والبوصيري، فنحن نحترمهم ولكن لا نقرأ لهم. كما يجعل أهل عصر ما يشهرون شاعرا ويقدمونه على شعراء في عصور أخرى وهو دونهم في المنطق والرأي العام، لأنه ببساطة يستخدم الألفاظ نفسها التي يستخدمونها. ونحن نشاهد اليوم شاعراً شعبيا يقدر أن يهز الناس ويؤثر فيهم بما لا يقدر عليه المتنبي لو كان حاضراً.

ومن هذه الحقيقة الحقيقية نستطع إعادة قراءة الشعر، وتوجيه النقد، وسَلسَلة الشعراء، فقد عاب القاضي الجرجاني على أبي تمام والمتنبي استخدام ألفاظ غير عصرية ووصف أشعارهم بأنها تجمع (العرر) الى (الغرر)(32). من هذا نعرف سبب رواج شعر المولدين وطريقتهم الحضارية وكساد شعر المخضرمين المعاصرين لهم لكتابتهم بلغة منقرضة. نسنتنج من ذلك ان احد سمات شعر المولدين استخدام الألفاظ العصرية.

ولابد من بيان أن علماء اللغة أطلقوا مصطلح (لغة المولدين) بمعنى الاستخدام غير المألوف أو غير المسبوق للاقيسة والجمل والألفاظ العربية، أو استعمال كلمات وجمل غير عربية، أو الانحراف في استعمال جمل وكلمات عربية.

فمن القياس المولدي استعمالهم (برهن)، قالوا هي مولدة لانَّ القياس العربي (أبره)(33). ومن الجمل قولهم (أسقط في يده) وفي العربية الفصيحة (سُقِطَ في يده)(34). ومن الألفاظ (تَسوى) 

والعربي يقول: (تساوي)، وكلمات دخيلة ومعربة كزلابية(35) (من الحلويات).

وفي هذا الصدد يقول القاضي الجرجاني: " تجاوزوا الحدّ في طلب التسهيل حتى تسمّحوا ببعض اللّحن، وحتى خالطتهم الركاكة والعُجْمة، وأعانهم على ذلك لينُ الحضارة وسهولةُ طباع الأخلاق، فانتقلت العادة، وتغير الرّسم، وانتسخت هذه السنة، واحتذَوا بشعرهم هذا المثال، وترقّقوا ما أمكن، وكسَوا معانيَهم ألطفَ ما سنح من الألفاظ، فصارت إذا قيسَت بذلك الكلام الأول يتبيّن فيها اللين، فيُظَنّ ضعفاً"(36).

وأسميتُ لغة المولدين (لغة البلاغة)(37)، مقابل لغة العرب (لغة الفصاحة). ولغة الأعراب تتميز بالفصاحة كلماتٍ وجملاً، وتتسم بالإطناب. بينما لغة المولدين تتسم بالإيجاز وسرعة الوصول إلى التعبير، والبلاغة أصلها في وضع اللغة من الوصول والانتهاء(38). وقال العسكري: " قيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: الإيجاز. قيل: وما الإيجاز؟ قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد(39).

2- ابتكار أوزان جديدة

كتب المولدون على البحور الشعرية التي كتب عليها الشعراء في العصور السابقة. وأضافوا بحوراً وإيقاعات أخرى تكمل شخصيتهم الفنية وقصائدهم الجديدة، وذلك لأنهم أصحاب تراث موسيقي عريض. تذكر الكتب ان كسرى كانت له جوار مطربات وملحنون يضعون الألحان، كما يذكر الكتب ان العرب نقلوا الغناء ووضع الألحان من الفرس وكان أول ذلك حين جلب الزبير بن العوام مهندسين وعملة لبناء الكعبة(40).

وفي كتاب الأغاني مصطلحات موسيقية فارسية كانت العماد في التلحين. وهكذا أراد المولدون توظيف إيقاعاتهم الموروثة في الشعر العربي مستخلصين منها اوزاناً جديدة، وقد استوعب كتاب العروض أربعة منها هي: المضارع والمقتضب والمجتث والمتدارك. وما لم يستوعبه العروض كثير، وهي الأعاريض التي وضعها ابو العتاهية وابو نواس وابن السميذع وغيرهم. وكان " أبو العتاهية، لسهولة شعره وجودة طبعه فيه، ربما قال شعراً موزوناً ليس من الأعاريض المعروفة، وكان يلعب بالشعر لعباً، ويأخذ كيف شاء"(41).

3- تقصير الشعر

 ازدهرت كتابة المقطوعات في عصر صدر الإسلام أول الأمر؛ فالجاهليون إما أن يكتبوا قريضاً طويلا أو رجزاً قصيراً. ولكن حين انبرى غير الشعراء للكتابة في عصر صدر الإسلام طلباً للأجر لم تعنهم خواطرهم وطاقاتهم على كتابة قصيدة طويلة، فتمكنوا من المقطوعة فقط ولكن بلا فنية. وفي العصر العباسي ازدهرت المقطوعة والقصائد القصيرة لقصر نفس اغلب المولدين التي لا تضاهي طبيعة الشاعر العربي بطول النفس ولكن كتبت بفنية مشهود لها.

يقول شوقي ضيف: أفرد العباسيون موضوعات مفرَّعة عن الأغراض التقليدية بمقطوعات شعرية مستقلة حتى كأن المقطوعة قصيدة مختزلة ذات موضوع واحد، فقطعة في تصوير الكرم، وقطعة في تصوير الحلم، وقطعة في تصوير الحياء، وقطعة في تصوير العفة، وقطعة في تصوير الصبر...، فضلا عن مقطوعات في المدح والهجاء والرثاء والوصف وغيرها(42). وصار على كل شاعر أن يجيد الأشكال الثلاثة: القصيد، الرجز، المقطوعات. قال ابن رشيق القيرواني " والشاعر إذا قطَّع وقصَّد ورجَز فهو الكامل"(43). لذا نافست المقطوعات القصائد في دواوين الشعراء العباسيين، فالمتنبي على سبيل المثال جعل المقطوعات مساوية تقريباً لعدد القصائد: فالمقطوعات (156) والقصائد (159).

وقد ظهر شعراء فرس في إيران كتبوا بالفارسية المقطوعة فقط، وعرفوا بـ(شعراء المقطوعة)(44).  والحال نفسها في الشعر العربي؛ فجعل خالد بن يزيد البغدادي (ت 262هـ) المعروف بـ(خالد الكاتب) كل شعره مقطوعات حتى لقب بـ(صاحب المقطعات)(45)، وكذلك ابن سكرة فديوانه ذو الأربعة مجلدات كله مقطوعات وأطول قصائده احد عشر بيتاً، ولم يكن ابن المقفع يجوز البيت والبيتين والثلاثة(46).

4- الموضوعات الجديدة

جدد المولدون طوال مسيرتهم الفنية في مفردات الموضوعات القديمة؛ فموضوعات المدح العباسي لم تكن هي نفسها موضوعات المدح الجاهلي، فمدحوا بمنطلق (المثالية) التي أراد الشاعر أن يكون عليها الممدوح وليس شرطا ان الممدوح على هذه الحالة فعلا(47). كما غذيت قصيدة المدح بالحوادث التاريخية، وتسجيل المعارك التي تورط بها غالبية الممدوحين. وهكذا أغراض الرثاء والفخر والهجاء.

وكتب المولدون في أغراض لم يسبقوا إليها نقلوها من عالمهم وحياتهم كالشعر التعليمي والخمريات والمجون والشعر الشعبي والغزل والتصوف ووصف القصور والبرك ورثاء المدن ووصف الرياض والطبيعة والشعر التسجيلي والشعر الفلسفي وغيرها من الموضوعات.

5- إضافة واستبدال آليات فنية

 قام الشعر الجاهلي على التشبيه وقلت لديه الاستعارة؛ لان التشبيه أكثر ملاءمة للشاعر الجاهلي لكون بصيرته الشعرية بمقدار مرأى بصره، وهي قضية تخص ظروفه الحياتية وليست قدرته. بينما استخدم الشاعر العباسي آلية تنسجم مع شعره المعنوي المحلق وهي (الاستعارة) التي تجاوز فيها بعض المولدين الحد المألوف كأبي تمام فعدّت استعاراته بعيدة(48). وقد قابلنا بين نصين جاهلي وعباسي من خمسة أبيات، جاء الجاهلي متسلسل التشبيه، والعباسي متسلسل الاستعارة(49).

 ومما أثار لغطا نقديا كثيرا استعمال المولدين الخيال والاستعارة البعيدة. وقد جعل ابن سينا وحازم القرطاجني الخيال من أولويات الشعر مستلهمين التعريف الأرسطي للشعر. ووقف المعارضون لشعر المولدين موقفا مضاداً من التخييل هذا وسموه (كذباً) و(غلواً)، وعدوا ما جاء في الشاعر الجاهلي منه شذوذاً، فقالوا عن بيت امرئ القيس (اكذب بيت قالته العرب)(50). وردَّ غير المتعصبين ذلك فقال قدامة " إن الغلو عندي أجود المذهبين، وهو ما ذهب إليه أهل الفهم بالشعر والشعراء قديماً.. وكذا نرى فلاسفة اليونانيين في الشعر"(51).

النتائج

1- إن الشعر العربي في العصر العباسي غيَّر بوصلته ليسير في وجهة لم يعهدها في العصرين الجاهلي والأموي، وكان ذلك على يد المولدين. وجماع ما أحدثوه من (تغيير) و(تجديد وإضافة) يشكل (مدرسة شعرية) تقف إزاء المدرسة الشعرية التي استحدثها الجاهليون وسار في هديها الإسلاميون والأمويون. 

2- عانى المولدون صراعاً قاسيا من قبل علماء اللغة والأدب والشعر خاصة، الذين فرضوا (سلطة الشعر الجاهلي) على شعرهم، واستطاعوا إتلاف الكثير من نتاجهم وتجاريبهم وتقاليدهم الفنية المختلفة. إلا أن المولدين استطاعوا غير وقت طويل من حسم المشهد الشعري لصالحهم.

3- سمات مدرسة المولدين تتمظهر في تغيير جوهري كالاشتغال على المعاني وخواصها بدل الالفاظ وخواصها التي هي مجال الشعر الجاهلي ومتبعيه. واستحداث البديع وهو تزويق للألفاظ اليومية بدل استعمال الغريب (الجاهلي) بعدما وجدوه غير عملي في شعرية النص. وتنويع القوافي بدل الاكتفاء بالشكل الشعري ذي القافية الموحدة. والكتابة بموضوعات ذات طبيعة نثرية كالشعر التعليمي والمطولات البطولية وشعر التصوف والشعر الفلسفي وغيرها. كما تتمظهر في الإضافة والتجديد كاستعمال ألفاظ حضارية منحت خفتها القصيدة سرعة ظاهرة في التعبير، واستكشاف أوزان جديدة وتطوير الأوزان القديمة، والكتابة في موضوعات جديدة أحوج إليها العصر، وتقصير الشعر فازدهرت المقطوعة الشعرية فصارت تنافس القصيدة في دواوين كل الشعراء حتى المتنبي، ومن الشعراء من اكتفى بالمقطوعة او كتب القصيدة بشكل نادر. كما كتبوا باليات غير التشبيه فأكثروا من الاستعارة، والتخييل والتمثيل والصورة.

4- أثر شعر المولدين في الشعر العباسي فصار يقوده، وفي الشعر العربي فصار الوريث لتراثه وإلى اليوم جاراً إياه إلى العالمية.

5- كانت مدرسة المولدين السبب في ظهور (النقد)، الذي حاول بجماع ما نتجه من اراء وكتب رسم ملامح هذا الشعر الجديد. كما خاض في ابواب تخص جوانب هذا الشعر كاللفظ والمعنى، والسرقات الشعرية، والخيال والمحاكاة، والوحدة العضوية، والجديد والقديم. وقارن بين شعراء كالموازنة، او درس شاعرا كالوساطة.

 

الأستاذ الدكتور محمد تقي جون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4482 المصادف: 2018-12-13 11:51:50