938-wahabصدرت للشاعر العراقي وهاب شريف مجموعته الشعرية الجديدة "تأويلات قميص فلسفة ربطة عنق" عن دار الكوثر للطباعة والنشر في النجف الأشرف تحتوي على تسعين قصيدة كتبها الشاعر خلال السنوات 2014 / 2015 / 2016 وتقع في 280 صفحة من القطع المتوسط .

938-wahabسبق للشاعر أن أصدر المجموعات الشعرية التالية خلال 33 سنة بين 1983إلى 2016 : إشراقات الحب الأول / الأمل العاشق / مرافيء للعشق بحر للكآبة / أوراق العشق / ليس لي / رسائل من دفتر القلب / كهرباء لرقة صديقتي / خسائر جميلة / الجمر يبتكر المسرّة / المرح المر / ماجدوى ما يقوله عرّاف آخر / قصائد من وهاب شريف / تفسير الأحزان /  شاعر بما يجري / سيم كارت رومانسي .

 

jamil hamdaouiيعد التراث من أهم المفاهيم والقضايا التي انشغل بها الفكر العربي الحديث والمعاصر منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وما يزال النقاش حول التراث مستمرا إلى يومنا هذا، بطرح مفاهيمه ومصطلحاته الإجرائية، ورصد قضاياه الفكرية والمنهجية، وإبراز إشكالياته العويصة رؤية وموضوعا ومنهجا. ويظهر ذلك ، بشكل واضح، في مختلف حقول العلوم الإنسانية، و مجالات المعرفة الأدبية والفنية والفكرية نظرا لأهمية التراث العربي الإسلامي في بناء الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة معرفيا وفكريا وتصوريا، ومدى دوره الكبير في الحفاظ على الهوية والذات والكينونة الوجودية. وكذلك نظرا لبعده الإستراتيجي في تحديد الانطلاقة الصحيحة من أجل تحقيق المشروع المستقبلي، بتشييد حداثة عقلانية متنورة، بترسيخ ثقافة عربية أصيلة ومعاصرة. ومن ثم، لن يتحقق ذلك إلا بالعودة إلى التراث العربي الإسلامي لغربلته من جديد، ونقد مواقفه فهما وتفسيرا بغية استكشاف المواقف الإيديولوجية الإيجابية لمواجهة الاستعمار من جهة، ومحاربة التخلف من جهة ثانية، وتقويض النزعة المركزية الأوروبية من جهة ثالثة.

هذا، ويمكن الحديث عن قراءات متعددة للتراث العربي الإسلامي منها: القراءة التراثية التقليدية كما عند العلماء السلفيين، وهم خريجو الجوامع الإسلامية (الأزهر- جامع القرويين-الزيتونة)؛ والقراءة الاستشراقية التي نجدها عند المستشرقين الغربيين من ناحية، والمفكرين العرب التابعين لهم توجها ورؤية ومنهجا من ناحية أخرى؛ والقراءة التاريخانية كما عند المفكر المغربي عبد الله العروي؛ والقراءة السيميائية كما عند محمد مفتاح وعبد الفتاح كليطو...؛ والقراءة التفكيكية كما عند عبد الله الغذامي وعبد الكبير الخطيبي...؛ والقراءة التأويلية كما عند نصر أبو زيد ومصطفى ناصف...؛ والقراءة البنيوية التكوينية كما عند محمد عابد الجابري؛ والقراءة التداولية كما عند طه عبد الرحمن...

وعلى الرغم من تعدد القراءات والمقاربات المنهجية في التعامل مع التراث العربي الإسلامي، فإنها قراءات نسبية، تحمل في طياتها نقطا إيجابية من ناحية، ونقطا سلبية من ناحية أخرى. وتحوي أيضا ، في منظومتها الفكرية والنظرية والتطبيقية، أبعادا إيديولوجية مختلفة، ومقاصد مرجعية متباينة. وبعد ذلك، تصل هذه القراءات أو المنهجيات، بشكل من الأشكال، إلى حقائق احتمالية ونتائج نسبية، تختلف من قارئ إلى آخر.إذاً، ما التراث لغة واصطلاحا؟ وما بدايات التفكير في التراث؟ وما نظرياته الكلاسيكية والمعاصرة تصورا ورؤية ومنهجا؟ وما خصوصيات هذه القراءات المتنوعة؟ وما مميزاتها المعرفية والمنهجية؟ وما أهم المآخذ التي يمكن الخروج بها أثناء غربلة هذه النظريات والتصورات الفكرية والفلسفية، من خلال التوقف عند أنموذجين هما محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن؟

هذا ماسوف نرصده في كتابنا هذا الذي عنوناه بـ(قراءات في التراث العربي- الإسلامي)، على أساس أن هناك نوعين من القراءة للتراث الإسلامي: قراءة كلاسيكية حديثة، أو ما يسمى بالفكر الإسلامي الحديث الذي ظهر مع عصر النهضة؛ وقراءة معاصرة حداثية  التي توسلت بمناهج نقدية وفكرية وفلسفية معاصرة في قراءة التراث وتقويمه.

وأرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا جزيلا على نعمه الكثيرة،  وأحمده على علمه وصحته وفضائله التي لاتعد ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

..................................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

قراءات في التراث العربي – الإسلامي / د. جميل حمداوي

 

moamar habarمازلت الآن بصدد قراءة كتاب..

 

Edouard LAPENE , "  VINGT – SIX MOIS A BOUGIE " , EDITIONS TALATIKIT, Bejaia , ALGERIE, 2014 , 237 Pages

ومنذ 4 أشهر، أنهيت قراءة الكتب التاريخية الفرنسية التالية، بالإضافة إلى كتب أخرى في نفس السياق لا يحضرني الآن إسمها، وهي..

  ARNOLD VAN GENEEP, « EN Algérie »  Paris, 220 pages، 1911 – 1912،

EUGENE PLANTET "  LES CONSULS DE FRANCE A ALGER , AVANT LA CONQUETE 1579-1830 " , ALEM EL AFKAR , ALGERIE, 88 pages.

وما يريد القارئ المتتبع أن يشير إليه من وما خلال هذه المقال، أن هؤلاء الفرنسيين عاشوا في الجزائر أياما معدودات..

الأول عاش عامين وشهرين. والثاني عاش 5 أشهر. والثالث حضر إحتفالات مرور مائة عام على إستدمار الجزائر. ورغم ذلك كتبوا عن تلك الأيام المعدودات التي قضوها في الجزائر.

وليس هذا مقام التحدث عن محتوى كتبهم التي تمجد الاستدمار الفرنسي، ويدعون إلى الاستدمار المطلق للجزائر، فقد تطرق صاحب الأسطر للكتابين الثاني والثالث عبر 3 مقالات بعنوان ..

" الجزائر.. كما يصفها فرنسي سنة 1911 " و "  قناصل فرنسا بالجزائر .. غزو واستدمار" و " قناصل فرنسا بالجزائر .. أسرى فرنسيين، وهدايا فرنسية، وحملات صليبية"، وهو الآن بصدد قراءة الكتاب الأول.

هؤلاء الفرنسيين وغيرهم أصبحوا مراجع في كتابة التاريخ الجزائري، ولا يمكن الاستغناء عنهم حين التطرق لتلك المراحل المختلف من تاريخ الجزائر، الذين عاشوه لأيام ودونوه حتى أصبحوا مراجع، بغض النظر عن محتوى أيامهم التي دونوها.

إن الذي يتكاسل عن الكتابة عن أيامه وتدوين الأحداث التي تحيط به في حينها، لايحق له بحال أن يطالب المستدمر المغتصب أن يكون رفيقا بتاريخه، وأمينا بإرثه، ومخلصا لزعمائه، وراعيا لعرضه وأرضه.

وللتدليل على خطورة عدم تدوين الأيام والرحلات، يكفي أن صاحب الأسطر يير إلى أنه خلال شهر رمضان لهذا العام 1437هـ، أنهى قراءة كتاب "رحلتي إلى الأقطار الإسلامية"، لسيّدنا إمام البيان محمد البشير الإبراهيمي، رحمة الله عليه ورضي الله عنه وأرضاه. يتحدث فيه وباختصار شديد لا يفي بالغرض، عن رحلة الإمام سنة 1371هـ - 1952، إلى..

القاهرة، وكراتشي، والبصرة، وبغداد، والموصل، وسرنسق بالعراق، وأربيل والمدن الشيعية، والمملكة العربية السعودية، وبيروت، وباكستان.

وجاء في الكتاب أن الإمام لم يكتب رحلاته رغم أنها كثيرة عديدة، وكان في كل مرة يؤجل كتابتها إلى أن لقي ربه دون أن يدونها. ويبقى القارئ المتتبع يتساءل..

لماذا سيّدنا البشير الإبراهيمي لم يكتب رحلاته، وهو آيت من آيات الله في الأدب واللغة وحسن البيان.

ولست على إستعداد أن أجد لسيّدي الإبراهيمي أيّ عذر من الأعذار لعدم كتابة رحلاته. وما كان له أن يمتنع عن كتابتها ويحرم الجزائر والأمة من سحر بيانه، وروعة حبره. وهذا العتاب أوجهه أيضا لكل..

علماء الجزائر، وفقهائها، وأساتذتها، وأئمتها، ومؤرخيها، وسفرائها، ودبلوماسييها، وساستها، وقادتها، وكتابها، وشعرائها، وفنانيها، الذين لم يدونوا رحلاتهم وحرموا الجزائر والأمة الإسلامية من وثيقة تاريخية ترسم الزمان، وتصف المكان ، وتكشف عن معادن الأشخاص والإنسان.

حب القارىء المتتبع لإمام البيان محمد البشير الإبراهيمي – كعينة ومثال - ومتابعة ما خط وكتب، لا يمنعه أبدا من توجيه اللوم له لعدم تدوين رحلاته، وهو الذي أوتي أسرار لغة الضاد.

المطلوب إذن من كل واحد قادر على الكتابة أن يدوّن أيامه بالقدر الذي تسمح به ظروفه، لأنها ستكون بعد مرور الأيام مرجعا للأبناء والأحفاد في معرفة تفاصيل الشخص، والمكان، والحادثة، والتواريخ، والأرقام، والعلاقات. وتلك عملية لا تحتاج لكثير من الجهد، وإن كانت تتطلب مثابرة ومداومة. وليس عيبا أن يستعين المرء الذي لايحسن الكتابة  بمن يحسن الكتابة وحسن التعبير في سبيل تدوين أيامه التي تعتبر نافذة للوقوف على فترة من الزمن الحاضر، والتي ستتحول إلى ماضي يدرس ويعود إليه الأبناء وأهل الإختصاص، كلما دعت الضرورة إلى ذلك.

 

jamil hamdaouiيعد البشير خريف (1917-1983م) من أهم الروائيين التونسيين الذين أرسوا دعائم الرواية التونسية إلى جانب مجموعة من الروائيين الآخرين، كمحمد العروسي المطوي، وعبد الحميد منيف، ومحمد رشاد الحمزاوي، وعلي الدوعاجي، وعبد العزيز السعداوي، ومحمد بيرم التونسي، وعبد الكريم الحناشي، وحمودة الشريف، ومصطفى الفارسي، وعبد المجيد العطية، وسالم السويسي، ومحمد سعيد القطاري، ومحمد صالح الجابري، وعبد الرحمن عمار، وعبد القادر بن الحاج نصر، ومحمد المختار جنات، ومحمد الصبحي الحاجي، وعبد القادر بن الشيخ، ومحي الدين بن خليفة، ومحسن بن ضياف، ومحمد الحبيب بن سالم، ومحمود المسعدي، ومحمد بن عاشور، وعبد الرحمن عبيد، ومحمد الهادي بن صالح، ومحمد العابد مزالي، ومحمد الحبيب إبراهيم، ويحيى محمد، وأحمد العش، وعمر بن سالم، وصالح عكاشة، وعلي سعد الله، ومصطفى المدائني، ومحمد الباردي، وعمر بن سالم، والبشير بن سلامة، وزكية عبد القادر، وأحمد الكسراوي، وعبد الصمد زايد، ومحفوظ الزعيبي، وجمال الدين بوريقة، وهشام القروي، وحسن نصر، وإسماعيل بوسروال، وصلاح الدين بوجاه، وعروسية النالوتي، وفرج الحوار، ومحمد كمون، والناصر التومي، ومحمد رضا الكافي، وأحمد الحباسي، ومحمد الناصر النفزاوي، ويوسف رزوقة، وحسنين بن عمو، والحبيب السالمي، وعبد الجبار الشريف، وخليفة لطيف، وعبد الرحمن قيمة، وزهرة الجلاصي، وخالد الشريقي، ومحمد رشاد الحمزاوي، ومحمد رضا الكافي، ويحي محمد، وحسن بن عثمان، وصالح الحاجة، ومحمد علي اليوسفي، وإبراهيم درغوثي، وزاغر حفناوي، وفضيلة الشابي، ومحمد طرشونة، ونتيلة التباينية، وآمال مختار، ومحمد حيزي، والأخضر التابعي، ورضوان الكوني، ومحمود بلعيد، وحياة بن الشيخ، ويوسف عبد العاطي، وحسونة المصباحي، وحافظ محفوظ، ومحسن بن ضياف، وحافظ الجديد، وعلي دب، والمختار المقداد، ونور الدين بنخود، وحسين القهواجي، ونور الدين العلوي، ومحمد علي اليوسفي، وعمر سويد، وعبد الواحد براهم، وعبد الكريم فيلالي، وأبو بكر مسعودة، وآسيا السخيري، وأحمد بوزيد، والصادق الوكيل، ومحمد علي الشحيمي، ومصطفى كيلاني، وحفيظة القاسمي، وصالح الدمس، وعماد سلطان، وعبد الوهاب الطريقي، والطاهر قيقة، وعمر الغدامسي، وعمر السعيدي، وتوفيق يوسف عواد، ومحمود عبد المولى، وعبد السلام المسدي، ومحمد خريف، وسمير العيادي...

ويتفرد البشير خريف عن هؤلاء الروائيين باستخدام لغة عامية خاصة هي اللغة الجريدية، أو لغة جنوب تونس. كما يتميز بكونه مؤرخا صادقا لبيئته الجريدية منذ دخول المستعمر الفرنسي إلى حين استقلال البلاد. 

وقد ترك البشير خريف مجموعة من الأعمال الإبداعية الأدبية الشاهدة على منحاه الفني والجمالي. ومن أهم رواياته(برق الليل)(1960م)، و( إفلاس أو حبك درباني )(1980م)، و(بلارة) (1992م)، ومجموعته القصصية( مشموم الفل)(1971م)  .

وعليه، فقد ظل البشير خريف من الروائيين المتميزين في تونس برؤيته الواقعية الاجتماعية. ومافتئ يعد من ألمع كتاب بلده  باهتمامه الخاص بكتابة رواية الفلاحين والعمال، وتوظيفه للغة الجريدية، وتشغيل الوصف الاستقصائي التفصيلي في كثير من الأحيان، والتأنق فيه سردا وتقويما وتعقيبا. وهذا كله من أجل التأريخ والتوثيق التسجيلي والواقعي، وتقديم رؤية إنسانية متكاملة شاهدة على تطور تونس الحديثة.

ومن باب الإضافة، يمكن تقسيم الرواية التونسية إلى ثلاثة اتجاهات فنية وجمالية كبرى:

1- الرواية الكلاسيكية بأبعادها الواقعية والاجتماعية والتاريخية والرومانسية؛

2- الرواية التجريبية ذات النمط الحداثي الانزياحي؛

3-  الرواية التأصيلية  ذات المنحى التراثي.

وسنقدم ، في هذه الدراسة الأدبية والنقدية، نظرة عامة إلى مكونات الوصف في رواية (الدقلة في عراجينها)، مع دراسة عناصره البنيوية والمورفولوجية، وتبيان طبيعته التركيبية، وتنميط أنواعه وأصنافه، وتوضيح معطياته الدلالية ، وتبيان مقاصده الوظيفية.

 

د. جميل حمداوي

.................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

بنية الوصف في الرواية التونسية / د. جميل حمداوي

 

jamil hamdaouiظل المسرح الجزائري، لمدة طويلة،  عالة على المسرح الغربي، ولاسيما الفرنسي منه، نظرية، واقتباسا، وترجمة، واستنباتا، وإعدادا، وتأليفا، وتأثيثا، وتشخيصا، وإخراجا، ورصدا. بعد أن تعرف هذا المسرح التليد- قبل ذلك- إلى المسرح الأمازيغي من جهة أولى، ومسرح الكاراكوز إبان الحكم العثماني من جهة ثانية. بيد أن هذا المسرح العربي الفطري الأصيل القائم على الكراكوز والراوي والمقلداتي والمداح والمهرج لم يستمر في تقديم عروضه بسبب منع المستعمر له منذ سنة 1843م، وتعويضه بالبناية الإيطالية المغلقة منذ الخمسينيات من القرن التاسع عشر الميلادي . وبالتالي، فقد قدم المسرح الوطني الجزائري، منذ نشأته وتأسيسه وتطوره، معظم ريبرتواره الدرامي المتنوع، من حيث القضايا والأشكال والتجارب، داخل البنايات المسرحية المغلقة التي أوجدها المستعمر الفرنسي. لذا، ولدت الفرجة المسرحية الجزائرية مخنوقة بفعل ضيق البناية الإيطالية بجدرانها الأربعة، وكواليسها الخلفية، وآفاقها الهندسية المحدودة، وما وضعته من فواصل وحواجز حقيقية أو وهمية  بين الممثل والجمهور. لذا، جاء التفكير ، إبان مرحلة التجريب والتأصيل، في ضرورة التحرر من هذه البناية المسرحية المغلقة، بالانتقال بالفرجة المسرحية إلى فضاءات شعبية عامة ، أو تجريب أشكال فضائية جديدة، كالفضاء الدائري الذي يتشخص في مسرح الحلقة على سبيل الخصوص.

وإذا تأملنا المسرح الجزائري كما وكيفا، فلابد أن يلاحظ الدارس تأرجح المسرح الجزائري بين التغريب والتأصيل، والمزاوجة بين الفصحى والعامية المحلية، مع الانفتاح على اللغات الأجنبية الأخرى. أضف إلى ذلك استفادة هذا المسرح من مختلف الاتجاهات والتيارات المسرحية العالمية المعروفة تأسيسا وتثبيتا وتجريبا. لكن ما يميز هذا المسرح ارتباطه بالمنهج البريختي على مستوى الإخراج، والانطلاق من الرؤية التراثية والاحتفالية، والاعتماد على تقنيات التدريب لدى ستانسلافسكي، والاستفادة من المسرح الفقير لدى غروتوفسكي، والميل نحو المسرح الجدلي الثوري والملحمي، والاشتغال على الذاكرة التاريخية، والتناصية، والثورية ، والنضالية، والتحررية...

ومن جهة أخرى، يلاحظ  هيمنة الاقتباس والإعداد والترجمة والاستنبات على حساب التأليف المسرحي. ناهيك عن قلة النصوص المسرحية المطبوعة في الجزائر مقارنة بالمغرب، وتونس، وليبيا. والدليل على ذلك أنه لم يطبع من النصوص في الجزائر سوى أربع عشرة مسرحية من سنة 1960 إلى سنة 2003م. في حين، بلغ عدد المسرحيات المغربية المطبوعة منذ سنة 1933 إلى نهاية 2003م مائة وإحدى وستين مسرحية. وفي تونس، وصل العدد إلى ثلاث وخمسين إلى غاية 2003م. وهو العدد نفسه المطبوع في ليبيا . ويعد عبد القادر علولة، ومراد سنوسي، وأحسن ثليلاني، وعز الدين ميهوبي أكثر المبدعين الجزائريين إنتاجا في مجال المسرح .

أما النقد المسرحي الجزائري، فمازال إنتاجه ضئيلا مقارنة بالمغرب وتونس. ومن أهم كتبه المنشورة (ملامح عن المسرح الجزائري) لمخلوف بوكروح (1982م)، و(شروق المسرح الجزائري) لعلالو (1982م)، و(المسرح الجزائري : نشأته وتطوره) لأحمد بيوض(1989م)، و(دراسات في المسرح الجزائري) للرشيد بوشعير(1994م)، و(المسرح من الكواليس) لأحمد حمروش(1996م)، و(هوادج التراث ) لعبيدو باشا (1999م)،و(النص المسرحي في الأدب الجزائري) لعز الدين جلاوجي (2000م)، و(المسرح تاريخا ونضالا- المسرح الجزائري في عهديه الاحتلالي والاستقلالي-) لمحمد الطاهر فضلاء (2000م)، و(أربعون عاما على خشبة مسرح الهواة في الجزائر) لحفناوي بعلي (2002م)، و(المسرح والجمهور) لمخلوف بوكروح (2002م)،  و(الظواهر المسرحية في الجزائر) لإدريس قرقورة (2005م)، و(من ذاكرة المسرح الجزائري) لحسين نذير(2005م)،و(مسرح الفرجة والنضال في الجزائر) لأحمد منور (2005م)، و(المسرح في الجزائر) لصالح لمباركية (2005م)،  و(المسار المسرحي الجزائري إلى سنة 2000م) لنور الدين عمرون (2006م)، و( النص المسرحي في الأدب الجزائري) لعز الدين جلاوجي(2007م)، و(المسرح الجزائري والثورة التحريرية) لأحسن ثليلاني(2007م)، و(التراث في المسرح الجزائري) لإدريس قرقورة(2009م)، و(بريخت والمسرح الجزائري) للشريف الأدرع(2010م)، و(ملامح المسرح الجزائري) لجروة علاوة وهبي(2014م)، و(المسرح الجزائري بين الماضي والحاضر) لبوعلام رمضاني (د.ت)، و(المسرح الجزائري) لهنري كربا(د.ت)...

إذاً، كيف تطور المسرح في الجزائر؟ وما بداياته الأولى؟ وما تاريخ المسرح الجزائري في العصر الحديث؟ وما أهم التجارب المسرحية المتميزة فنيا وجماليا ودراميا؟ هذا ما سوف نتناوله في الفصول التالية من كتابنا هذا.

 

د. جميل حمداوي

...........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في صحيفة المثقف

المسرح الجزائري بين الأمس واليوم / د. جميل حمداوي

 

jamil hamdaouiيقدم هذا الكتاب مجموعة من الدراسات والمحاضرات والدروس والأبحاث حول حضارة الأمازيغيين وثقافتهم المتنوعة على جميع الأصعدة والمستويات. وقد تناولنا، في هذا الكتاب، مجموعة من المحاور التي تتعلق بالإنسان الأمازيغي أصلا ونشأة واستقرارا وتاريخا. كما استكشفنا أصوله الجينيالوجية والوراثية. واستجلينا مكونات حضارته ماديا ومعنويا، بالتوقف عند حياته السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والدينية، والعلمية، والأدبية، والفنية . بالإضافة إلى رصد عاداته، وتقاليده، ولغته، وكتابته، وعمرانه...

ومن ثم، يتبين لنا ، بكل صراحة وحقيقة ، أن الحضارة الأمازيغية غنية بالدوال المادية واللغوية والسيميائية، تحتاج إلى من يفككها استقراء واستقصاء واستكشافا، ويركبها بناء وفهما وتفسيرا وتأويلا. علاوة على ذلك، فكثير من الناس يجهلون هذه الحضارة جملة وتفصيلا، ويحكمون عليها عن عمى وجهل وتقصير. في حين، ساهمت  الحضارة الأمازيغية في إثراء الحضارة الإنسانية بالشيء الكثير محليا، وجهويا، ووطنيا،وكونيا.

وينضاف إلى هذا أن الإنسان الأمازيغي أول من كتب الرواية (الحمار الذهبي لأفولاي- مثلا-)، وألف السيرة الذاتية (كتاب (الاعترافات) لأوغستان- مثلا-). وكان أيضا سباقا إلى إبداع الكتابة الأبجدية (تيفيناغ)، واستعمال العربة والجمل في معاركه وحروبه وتنقلاته، وكتابة الموسوعات العلمية والمعرفية. وقد ساهم أيضا في بناء الأهرام المصرية (شيشنق)، وكان أكثر تشبثا بالدين والعقيدة تمثلا وتأويلا واعتناقا(أريوس، وأوغستان، وأرنوبي، وتارتولي...)

وقد كان هذا الإنسان - كذلك- أكثر اهتماما بالآداب والعلوم والفنون (المسرح، والعمارة، والتشكيل، والرقص، والغناء، والموسيقا، والشعر، والخطابة، والبلاغة...)، إلى جانب عنايته بالفلاحة، والصناعة، والتجارة، والملاحة البحرية، والعمل العسكري، والاستكشاف الطبيعي (يوبا الثاني مثلا)...

وفي الأخير، أسأل الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع استحسانا لدى المتلقي. وأشكر الله وأحمده على علمه ونعمه وفضائله الكثيرة التي لا تعد، ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

معالم الحضارة الأمازيغية / د. جميل حمداوي

 

hatam hamidmohsinفي هذا الكتاب يقدم المؤلف نظرية هامة حول الصراع داخل المجتمعات وفيما بينها. ورغم ان الكتاب نُشر عام 2005، لكنه لا يزال من الكتب القيمة اليوم، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة تعاني من كلا النوعين من الصراع.

احدى العبارات الملفتة في الكتاب كُتبت بعد وقت قصير من الاطاحة بصدام حسين في العراق ولكن قبل عدة سنوات من ظهور ما يسمى الدولة الاسلامية في العراق والشام:

نظرية الحدود ما بعد الاثنية، تتنبأ بان حماقة الغرب ستخلق في النهاية استجابة مضادة، ربما على شكل خلافة ثيوقراطية جديدة، لأن هذه هي الطريقة التقليدية التي استجابت بها المجتمعات الاسلامية للتحديات من جانب الحضارات الاخرى.

الكاتب يوضح المصطلح الذي صاغه ما بعد الاثنية "metaethnic" بالقول: الناس عادة لديهم هويات اثنية متعددة تتداخل مع بعضها البعض .. التجمع الاوسع من الناس الذي يوحد العديد من الامم هو عادة يسمى الحضارات، لكننا نفضل تسمية هذه الهويات بجماعات ما بعد الاثنية وهي مشتقة من الكلمة اليونانية (ميتا) وتعني ما وراء و(ايثوس) "الجماعة الاثنية"او "امة"... من حيث الاساس نجد الاختلافات الثقافية تكون اكبر بين الشعوب التي تنتمي لجماعات ما بعد اثنية مختلفة، احيانا تكون هذه الفجوة  كبيرة جدا لدرجة ينكر فيها الناس انسانية اولئك الذين هم في الجانب الآخر من مسائل الاختلافات الما بعد اثنية.

رغم ان هذا الوصف ربما مفهوم بداهة، لكنه يفتقر للاقناع الكافي.  كيف يمكن للمرء التمييز بين جماعة ما بعد اثنية و جماعة انسانية اخرى ليست من هذا الصنف . مصطلح آخر يستخدمه الكاتب هو العصبية التي ينسبها الى ابن خلدون. يذكر الكاتب

عصبية الجماعة هي مقدرة اعضاءها للالتصاق ببعضهم ليتعاونوا، انها تسمح للجماعة بحماية نفسها من الاعداء وفرض رغبتها على الآخرين. الجماعة ذات العصبية العالية سوف تكون هي الرابح  عندما تشتبك مع جماعة اقل عصبية.

يرى المؤلف ان العصبية تبرز عندما تكون الجماعة تحت التهديد، وعندما يصبح التهديد واضحا على الحدود بين جماعتين ما بعد اثنية. حينما يجد المجتمع ذاته على هذا الخط من الاختلاف فهو سيطور عصبية كافية ليبقى حيا، هذا المستوى من التماسك الداخلي يمكّن المجتمع ليتطور الى امبراطورية.

"من المغول في القرن 13 الى ميسوكوفتش muscovites في القرنين 16 و 17 ومن ثم لدى الامريكيين ... فان جميع بناة الامبراطوريات.. امتلكوا قدرة عالية لتنسيق عمل جماعي .. نشأ من حدود الاختلاف الشديد والطويل".

بالنسبة لامريكا، على سبيل المثال، حدود الاختلاف كانت بين الناس المقيمين والمواطنين الاصليين.

احدى نتائج الحياة في حدود الاختلاف في امريكا الشمالية كانت ذلك الوعاء الشهير للانصهار. في الحقيقة، عندما تواجه  هؤلاء الغرباء كما صُوروا، متعطشو للدماء، هنود حمر، مستوطنين اوربيين، حتى لو جاءوا من دول مختلفة، فلن ينفع معهم الا الشعور بوحدة النسب... وبما ان خط الاختلاف عُرّف بعبارات عرقية، فان المهاجرين المنتمين الى اعراق غير بيضاء مثل السود او الصينيين، لم يُقبلوا كـ "امريكيين"(هذا النموذج بدأ يتغير في القرن العشرين).

الصحفي البريطاني انتول ليفين يرى ان امريكا اليوم تتصرف تجاه العرب بنفس الطريقة التي تصرف بها المستوطنون الامريكيون تجاه الامريكيين الاصليين. انه كما  لو ان هذا السلوك كُتب في الجينات الثقافية.

على طول الكتاب،  يطرح الكاتب امثلة عن التماسك الداخلي ضمن جماعة اجتماعية بالتزامن مع عداء خارجي نحو من هم خارج تلك الجماعة. فمثلا، (حسبما يذكر) هناك الآن هوية فلسطينية متميزة بينما لا توجد مثل هذه الهوية قبل الهجرة الواسعة لليهود الاوربيين الى فلسطين. عصبية الفلسطينيين ازدادت بشكل كبير.

الكاتب يقتبس من فرنسيس فوكاياما (صاحب كتاب نهاية التاريخ والانسان الاخير) الذي اشار الى ان الشركات الكبرى يمكن ان تتشكل فقط في المجتمعات ذات الثقة العالية، لأن في الشركة الكبيرة يجب ان يكون الناس مرتاحين للتعاون في بيئة حيث لا يعرفون كل شخص يعملون معه. يضيف الكاتب، من المفارقة انه رغم المنافسة الذابحة للشركات الخارجية في السوق الحر، لكن عملها الداخلي يثق ليس فقط في قوى السوق، وانما في تضامن الجماعة وهذه من افضل اسرار علم الاقتصاد.

انه من السهل جدا للمتساوين تحقيق وحدة الهدف وتطوير وسيلة مشتركة للفعل.مساواة التعاون.ذلك بسبب

ان قدرة الافراد على التضحية بالمصلحة الذاتية لأجل الصالح العام هي شرط ضروري للتعاون.

يرى الكاتب نماذج دورية متجسدة في المجتمعات الزراعية بشأن التماسك الاجتماعي.

... ان الاستقرار والسلام الداخلي الذي تفرضه الامبراطوريات القوية يحتوي في داخله على بذور الفوضى. الاستقرار والسلام الداخلي يجلبان الازدهار، والازدهار يخلق زيادة في السكان. النمو الديموغرافي يقود الى افراط سكاني، والافراط السكاني يقود الى اجور منخفضة وايجارات عالية للاراضي وهبوط  الدخل لكل فرد. اخيرا، الاجور القليلة والايجارات العالية يجلبان ثروة للطبقة العليا، لكن مع زيادة اعدادها وطمعها، هي ايضا تبدأ تعاني من هبوط الدخل. انخفاض مستويات الحياة يخلق الاستياء والتوتر. النخب تتجه نحو الدولة بحثا عن اعمال ودخول اضافية، وتزيد انفاقها في نفس الوقت الذي تهبط فيه العائدات بسب الحالة الفقيرة للسكان. عندما ينهار تمويل الدولة،  تخسر سيطرتها على الجيش والشرطة . وبعيدا عن جميع القيود، يتصاعد التذمر في اوساط الطبقة العليا الى حرب اهلية، والاستياء بين الطبقات الدنيا ينفجر على شكل ثورة شعبية.

الامبراطوريات تفقد تدريجيا عصبيتها عبر عدة دورات حلقية. ايضا، نجاح الامبراطورية يدفع التهديدات بعيدا عن مركز الامبراطورية.وبالتالي، يفقد المواطنون القريبون من المركز  معنى التضامن الذي يأتي من كونهم تحت التهديد.

يعترف الكاتب ان نظريته تنطبق على المجتمعات الزراعية التي يعيش معظم افرادها قريب من هامش مالتس.

عندما تصبح الارض نادرة .. سيبدأ من ليس لديهم ارض كافية لإطعام انفسهم  ببيع ما لديهم .وبالتالي هم يصبحون اكثر فقرا. بالمقابل، اولئك الذين لديهم الكثير من الاراضي لإطعام انفسهم سوف يكون لديهم فائض في الدخل يمكنهم استخدامه لاكتساب المزيد من الارض. وهكذا الغني يصبح اكثر غنى.

في اقتصادنا الحديث، هناك آليات اخرى تعمل  فتخلق تفاوتا اكبر ومن ثم تضعف العصبية. الكاتب يجادل بان مرحلة التشظي في اقتصادنا بدات في اواخر القرن الماضي.لكنه يلاحظ بانه

لا يمكن للمرء الافتراض ان القوى الاجتماعية والاقتصادية التي عملت في المجتمعات الزراعية لانتاج حلقات طويلة ستستمر في العمل بنفس الطريقة حاليا... نحن نعيش في عالم مختلف عن ذلك العالم الذي قطنه الرومان والنورمان .

... السبب الرئيسي لعدم وجود مجاعة في انجلترا او اي بلد متطور اليوم هو ان انتاجية الهكتار من الغلة هي الان اكثر بعشر مرات مقارنة بما كان سائدا في القرون الوسطى.

لايزال الكاتب يجد عددا من الميول المزعجة بما فيها زيادة متطلبات التعليم في سوق العمل. في اواخر القرن العشرين،  كان مجرد انهاء الكلية ليس كافيا للدخول الى سوق العمل الحاد المنافسة، بينما عدد الخريجين من حملة الدكتوراه بدا يتزايد.

هذه الميول هي علامات لأزمات مؤكدة تعكس المنافسة المتزايدة بين النخب...

في النهاية يذكر الكاتب هل نستطيع تصميم مجتمعات بطريقة لا تنحسر فيها العصبية باستمرار ؟ هل يحتاج الناس  دائما للتهديد من عدو خارجي لكي يتعاونوا بفعالية اكبر؟

بالنسبة للتحرريين، تُعتبر هذه الاسئلة مصيرية. لكي يعمل السوق جيدا،  يجب ان يكون مندمجا في ثقافات تكرس السلوك المعزز اجتماعيا وتفضي للثقة . اذا كان غياب الصراع الخارجي يُضعف الروابط المانعة للصراع الداخلي، عندئذ فان الهدف التحرري للتعاون السلمي في جميع المجالات سيكون وهما.

 

..........................

كتاب الحرب والسلام والحرب:صعود وسقوط الامبراطوريات للكاتب peter Turchin صدر في شهر شباط عام 2007

 

abdulwahid miftahيعتبر كتاب "التشكيل المغربي بين سؤال الحداثة والهوية" للناقد الجمالي شفيق الزكاري عملا بحثيا جادا ورصينا، يسائل منجز الممارسة التشكيلية المغربية، بقراءة تعمل على تكبير تفاصيل هذا المنجز، والرؤية داخله عبر مَطرحَين رئيسيين : الهوية والحداثة. وهو عمل نقدي/ إبداعي يمزج في لُحْمته وغاياته ونظرته بين أدوات البحث ومهاراته ولغة إبداعية آهلة بحمولة أدبية لا تُقلم بريقها. هي عصارة تجربة ما فتئت تتطور وتغتني بما اختزنه الناقد من ثقافة واسعة ودربة بحثية مختمرة. ولعل هذا ما يعطي للكتاب أرجحية ما يطالعنا به من إضاءة لجوانب غائرة وهامة في المشهد التشكيلي المغربي، وهو ينصت لمكامن الإطار الإبداعي له، هذا الإطار الذي يتخذه الكتاب نصب درسه وتحليله في مغايرة لا تنطلق – كما هو متداول – من التسليم بما هو جاهز وقبلي ومُتحصل في الأذهان، بقدر ما يعمل شفيق الزكاري داخله على مضاعفة تأملاته وتكثير صيغها، وهي تأملات ذات انزياح توليدي بالأساس.

يبرز الكتاب تفاعل مُتّقِد بين التشكيلي والنقدي، في اشتغال أصيل ممتد في الزمن وممهور بعمق. فالقضايا والأطروحات التي سعى إلى طرحها تبعث على التفكير وإعادة التفكير في مسلمات غفيرة ترسخت عن التشكيل المغربي. وما اشتغاله عن الهوية إلا اشتغال على مفهوم زئبقي ومزعج، يبتغي عُدة معرفية آهلة لمتابعته.. فهذا المفهوم الذي ينفلت باستمرار من آليات الضبط العلمي، نظرا لشساعة ما يختزنه من اجتماعي وسياسي وفلسفي، تتشابك والعامل النفسي المتحكِمة في قوى المجموع العام لوعي الفرد والمجتمع..-  هذا المفهوم الصلد- يبسطه، هنا، الكِتاب في ارتباطه بالحركة التشكيلية المغربية عبر التحليل والتشريح في قراءة مُركّزة تحاول استقصاء عناصر الوعي البصري والتعبيري في المشهد التشكيلي، بتفكيكية واعية بمقصدها الإجرائي والإبداعي .. وهنا أسجل ملاحظة لازمة أن شفيق الزكاري أحد النقاد القلائل الواقفين دافعا عن الهوية المغربية تنظيرا وممارسة. وهذا واضح عبر عديد كتاباته التي عمل من خلالها على التصدي لكل أشكال التغريب والتمييع والتبعية العمياء للأخر. وما مقاله حول التشكيل المغربي بين سؤال الهوية وسطوة التبعية (المهدي لحلو و منير فاطمي نموذجا) إلا دليل واضح حول ما ذهبتُ إليه من اشتغاله المستنير والماسك بزمام أدواته، ضد كل أساليب الاستلاب والتبعية التي يمتطيها بعض المُتَنطِحين، كسُلّم سريع نحو نجومية استهلاكية في الميدان الفني بمقياس - أن من لا تجيد الغناء أكيد أنها لن يصعب عليها إيجاد الرقص. وهذا مضحك ومفبرك بشكل فاضح.

فرهان الحداثة ووعي الذات بهويتها وغنى تراثها، هو الفضاء الأثير لهذا الكتاب الذي عمل في شق كبير منه على التعريف بإنتاجات التشكليين من المبدعين المغاربة، في مُصاحبة تَبتغِي رصد التجارب الحقيقية والفاعِلة عبر تسليط نور النقد على ما تطرحه من رؤى، وما يتعرّضُها من مفاهيم جديدة. كل هذا في إطار نسق نظري منفتح، يحمل رؤية فلسفية إدراكية للإطار العام للحركة التشكيلية في المغرب والعالم، وهي مصاحبة تُضْمِر تأريخا ضمنيا، وإن كانت لم تُكْتَب من أجله، وهو ما يعطي لهذا الكتاب غنى موضوعيا خاصة في ظل ندرة الكتابات التشكيلية الجادة والواعية بشرطها الإبداعي في المشهد الثقافي.

جاء الكتاب في أسلوب سلس، يسعى إلى تقريب النظريات العلمية إلى القارئ، بعيدا عن مُتعاليات المصطلحات المفاهيمية، التي عمل الناقد هنا على تفكيك رموزها وتبسيط دلالاتها، بلغة شاعرية تندلق في انسيابية بليغة. وهذا ما لا تجده في دراسات عديدة حيث يَرْكن الباحثون عادة إلى إغراق النص بمنظومة من النظريات مترجمة في غالب الأحيان بشكل رديء ومصطلحات متشابكة.

إن كتاب "التشكيل المغربي بين سؤال الحداثة و الهوية" ، إد يعرض لقضايا هامة وراهنية في الوعي البصري المغربي، يكون قد قدّم خدمة جليلة للمكتبة العربية، نظرا للنقص الحاد الذي تعرفه في هذا المجال. وهو ما يعطي انطباع مريح على حركية المشهد التشكيلي وحيوية النقد الصحي المرافقة له، وهو مجهود يستحق التأمل والمتابعة نظرا لما يطرحه من اجتهادات في مجال الرؤية إلى الحداثة البصرية، على اعتبارها من ألْغَز الأسئلة المطروحة اليوم، وهو سؤال مُركّب، اشتغل عليه "الكِتاب" بغير قليل من الجديّة والجرأة وروح المغامرة الخلاقة في تحكم بليغ بناصية الصيغة الأسلوبية، واجتهاد يتناوب على ادْراكيات متفاوتة للكشف عن مختلف البنيات التأويلية، التي تُمكّن من تأليف آليات توصيفية ومعرفية وإجرائية للنظر للحالة التشكيلية عندنا. يُمكِن بالبناء على مرابط التحليل التي تَوصلتْ إليه، أن نكون بصدد ميكانيزمات علمية، تَقِينا حالة الضبابية الشديدة التي نعانيها في الرؤية إيزاء هذا المنجز.

يقدم هذا الكتاب، كما أثرنا، صِنافة مفهومية إلى جانب دوره البالغ في التّعريف بإبداع تجارب مغربية، وهو بهذا عملٌ تشيِّيدي ينطلق من مفهوم مركزي وهو البحث العلمي الذي يمتطيه الناقد هنا، التزاما تجاه اشتغاله الفني. فشفيق الزكاري تشكيلي وناقد دون مفاضلة، سرده البحثي هو موازاة بليغة الشبه بعمله الصباغي. الذي ينُمّ عن نضج ابداعي يحفر فرادته، تماما مثل نقده المطرز بوعي هو ضامنه الأكيد للتفاعل الإيجابي. وهذا جانب أساس. فمما يُعاب على كثيرين من الفنانين المغاربة قلة اطلاعهم الثقافي والانغلاق في عوالم التقنية والحِرفية المحضة وهو أمر يُسيئ بشكل صميم للتشكيل المغربي، ويُقوّض أسسه الجمالية العالِمة. وهذا كان له ليُتَجَاوَز، لو أنه انعكس فقط في مجموعة من تجارب بعض الشباب الذين يمكن وصفهم ب"متسرعي الظهور"، وهذا كل شيء. فنحن نجد فنانين يوصفون بالكبار يجدون صعوبة في إخفاء قلة اطلاعهم وعدم مواكبتهم لكل جديد.. وهكذا تجدهم يتكئون على النمطي لا المعرفي، فيغدو السوقي هو المرجع.. صحيح أن الساحة الثقافية، إلى فترة غير بعيدة، كانت تفتقر إلى مراجع نقدية وعلمية حول الممارسة التشكيلية، وهذا كان حجة البعض، ربما. لكننا اليوم نشهد بروز أقلام جادة وقوية (فريد الزاهي، إبراهيم الحيسن، موليم العروسي، محمد اشويكة... وآخرين رائعين) إلى جانب شفيق الزكاري، الذي يكون بهذا الكتاب قد أنجز جزءا هاما من رهان مشروعه الجمالي، الذي يقف كثيرون اليوم للنظر إليه بانتباه كامل.

 

936-sanaصدر في العاصمة الأردنية عمان كتاب "ثقافة المقاومة القصة القصيرة في الأردن وفلسطين  أنموذجاً" للدكتور  شوكت علي درويش، وذلك عن دار غيداء للنشر والتوزيع بدعم من وزارة الثقافة الأردنية.والكتاب يقع في 215 صفحة من القطع المتوسط.

936-sanaوالكتاب يتكون من تمهيد حول القصة القصيرة وفلسطين فضلاً عن فصل بعنوان : لماذا ثقافة المقاومة، إلى جانب عشرة فصول كلّ منها معقود حول ثقافة المقاومة في إحدى القصص لقاصين وقاصات من الأردن وفلسطين. وهذه الفصول حملت العناوين التالية:"ثقافة المقاومة في قصة الأرض لخليل السواحري، وثقافة المقاومة في قصة" الرجل المومياء" لصبحي فحماوي، وثقافة المقاومة في قصة "في عصافير بلا أعشاش" لمخلد بركات، وثقافة المقاومة في قصة"حين يغدو النّهر مطيراً" لفايز محمود، وثقافة  المقاومة في قصة "الدينار الأخير" لأحمد العناني، وثقافة المقاومة في قصة "راحيل "لسامية عطعوط، وثقافة المقاومة في قصة "الوقوف في الصّف" لماجد ذيب غنما، وثقافة المقاومة في قصة "العصافير" لرشاد أبو شاور، وثقافة المقاومة في قصة" في القدس لا تشرق الشمس" للأديبة د.سناء الشعلان، وثقافة المقاومة في قصة "الفتى البطل" لمصطفى القرنة.

وقد قال د. شوكت علي درويش في مقدمة كتابه هذا: " القيم الثقافية ذاكرة الأمّة، وقيمة ثقافة المقاومة واحدة من القيم التي تشكّلت وتتشكّل نتيجة ظروف اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة... رأينا أنّ القصة واكبت الأحداق في فلسطين، وعمد القصّاص إلى إبراز الهدف من قصصهم التي يمكن أن نلخّصها بعبارة " كي لا أنسى، ولا تنسى"لجيلي وجيلك وجيل من سيأتي حتى يحقّق الله النّصر على الصّهاينة، وترجع فلسطين لأصحابها المشرّدين، ويطرد منها الصّهاينة المغتصبون".

 

 

tariq alkinaniلقد كان الباحث جريئا في طرحه وهو من الجيل المجدد الذي يُخضِعْ كل الوقائع التاريخية للمحاكمة مستخدما شتى العلوم منها علم التاريخ والجغرافية والميثروبولوجيا والفقه وعلوم التفسير وعلم الإجتماع وعلم اللغات موظفا هذه الحزمة الهائلة من العلوم للوصول إلى حقيقة تأريخية مجردة عن كل الشوائب التي أحيطت بالتاريخ القديم عند كتابته والحقيقة هؤلاء الباحثون ممن ينعقد عليهم الأمل في إستخلاص تأريخ حقيقي للإنسانية خالٍ من الأغراض التي تصب لصالح جهة معينة سواء كانت أغراض عرقية أو طائفية والتي تروم من خلال هذا التزوير تحقيق أغراض سياسية وإجتماعية ودينية على المدى البعيد من خلال فرض إيحاءات مجتمعية معينة تتخذ عبر أجيال من التداول حيزاً كبيراً في الفكر الجمعي للمجتمعات وتعتبر من المسلمات التأريخية لا تقبل النقاش وكما تدافع عنها الأجيال المتعاقبة بإعتبارها إرث حضاري راسخ وقديم ولا يمكن مناقشته، وهذا جيل قد عبر كل الخطوط الحمراء التي إختطتها المجتمعات القديمة بل وتجاوزها إلى أن قرع كل أبواب الكهوف التي كانت ملاذاً لهؤلاء المزورين وقرع على مسامعهم أبواب الحقيقة التي أرادوا أن يطمسوها وأذكر للتأريخ هنا أيضا صديقي الباحث الدكتور (علي عنبر السعدي) أستاذ علم الإجتماع، والمحقق (نجاح الطائي) ولهم مصنفات كثيرة في هذه التحقيقات التأريخية لا تقل شأناً عن الكتاب الذي بين أيدينا بل توازيه بالمضمون والإتجاه وغالباً ما يتعرض هؤلاء الباحثين للنقد الشديد وقد يتخذ طابع العنف كما كان يحدث للبروفسور الراحل (الدكتور علي الوردي) وبالرغم من أن بحوثه كانت إجتماعية صرفة إلا أنها كانت تمس الثوابت التأريخية والمسلمات الأكيدة لدى المجتمع ....

ويحسب للباحث أيضاً بالإضافة إلى هذا الجهد المضني دقة المعلومة التأريخية والرجوع إلى المخطوطات القديمة والخرائط ومتابعته الدقيقة لكل المفردات التي وردت في مصادر البحث بما فيها (القرآن الكريم) –للمرة الأولى يتم الاعتماد على القرآن كمصدر تأريخي- كما وأن اعتماده الكبير على القرآن كمصدر حقيقي في البحث أعطى بحثه جانباً كبيراً من المقبولية ولو أنه سيعرضه لهجوم البعض من المفسرين وطلبة العلم الذين درجوا على إعتبار كتب الأحاديث والسير والتفاسير هي خط موازي للقرآن، علماً بأنها كتبت في القرن الثالث الهجري وكلنا يعرف أن الأحاديث والسنة النبوية قد تم حرقها في زمن الخليفة الراشدي الأول أبو بكر الصديق (رض) ولا نعرف من أشار عليه بهذه الفكرة التي أضاعت الكثير من الإرث الحضاري للإسلام ولو كانت موجودة على حالها لأطلعنا على الكثير من الحقائق التي لا نجد اليوم لها أي تفسير وبقينا نخبط بها خبط عشواء ومن المرجح كانت هناك أقوام من اليهود دخلوا الإسلام لأغراض غير خافية على المتتبع اللبيب حيث بدأ هؤلاء بإدراج الكثير من الإسرائيليات في كتب الأحاديث وكان العرب حديثي عهد بالديانات السماوية فهم يسلمون بهذه الأمور -وكما درجوا- إلى اليهود دون قيد أو شرط فأشخاص مثل تميم الداري وإبن سلام وكعب الأحبار وغيرهم كان لهم القدح المعلى في وضع الأحاديث المستقاة من الإسرائيليات والتي لم ترد فيها تفاصيل في القرآن الكريم وأغلب الظن أن من فصيلة هؤلاء القوم هناك ممن أشار على الخليفة بحرق هذه الأحاديث وألصقت فيما بعد بـ (عمر بن الخطاب) (رض) كما قام الفاتحون بحرق مكتبة الإسكندرية ولا نعرف من أشار على الخليفة الراشدي الثاني (عمر بن الخطاب)(رض) بحرقها حيث كان الرجل لا يتصرف دون إستشارة الصحابة وله مواقف كثيرة في هذا الشأن ولا نعرف على وجه التحديد من كان المشير عليه في حرقها ولكنها أحرقت وضاع معها الكثير من العلم والتاريخ .....

ونحن هنا لسنا بصدد تقييم هذا الباحث الكبير فهو أكبر من رأينا فيه حتماً ولكننا نسجل احترامنا وتقديرنا لبحثه العلمي الدقيق الذي سيحدث فرقاً كبيراً على صعيد التنقيب والبحث في ظواهر تاريخية كثيرة سكتوا عنها المؤرخين أو أفتوا بما ليس لهم به علم وأذكر منها الرأي القائل (بأن آدم كان يزوج أبناءه من بناته وأن سبب اختلاف قابيل وهابيل وقتل الأول لأخيه كان بسبب جمال زوجته) والحقيقة كلما أقرأ هذه الرواية أستغرق بالضحك لحد الإغماء ، وأذكر أن هناك أستاذا كان يدرسنا مادة الثقافة القومية في المرحلة الجامعية وهو مازال حياً يرزق وهو الآن من أصدقائي ...كان هذا الأستاذ يسهب في ذكر التأريخ وغالبا ما كنت أناقشه في هذا الصدد وربما أختلف معه وهو يتقبل النقاش وكان على مستوى عالٍ من الخلق حتى جاء يوماً على ذكر هذه الواقعة فما كان مني إلا أن إستغرقت في الضحك وبشدة الأمر الذي جعله يبهت ويتوقف عن إكمال محاضرته فسألني عن هذا التصرف ولماذا فعلت هذا الشيء...

فأعتذرت منه وطلبت السماح حيث أني لم أتمالك نفسي من الضحك وقلت له لا أتصور إن هذه البشرية جمعاء هي من أولاد زنى فكيف يخرج الله أنبياءه ورسله من أصلاب غير طاهرة وأرحام غير طاهرة وأشرت له بأحاديث وآيات تخالف ما ذهب إليه هؤلاء القوم في تحديد طرق تكاثر النوع الإنساني وهل عجز الله أن يخلق لهم من أنفسهم أزواجا ليسكنوا إليها كما وإن هناك روايات كثيرة تشير إلى أن هناك خلق من البشر قبل أبونا آدم وفي رواية الإمام جعفر بن محمد(ع) يقول كان قبل آدمكم هذا ألف ألف ادم فقلت له كيف تسلم بهذا الأمر وأنت الباحث اللبيب ..... والحق يقال أن الرجل أعاد الكثير من حساباته بعدها ....

 

الكتاب:

في المقدمة : كانت هناك عدة تساؤلات للباحث طرحها على لسان عدة مفكرين عرب ويهود وغيرهم حول الإرث الثقافي للأمم الغابرة كالفرس والكلدان والآشوريين وغيرهم من الأقوام ولماذا وصل إلينا علم اليونان فقط ، وهل كان هذا بفعل فاعل أم محض صدفة ....وأنا أيضاً أتساءل على ماذا أعتمد علم اليونانيين هل كان علمهم هو البداية أم أعتمدوا على ألأمم التي سبقتهم وذكرناها .....

وكذلك يسوق الكاتب مقدمة جميلة ومقارنة لطيفة لا يخفى على القارئ أهميتها ويخلص إلى كمية الكذابة التي جاءت على حديث الرسول (ص) بعد أن أعياهم التحريف في كتاب الله وكذلك إستغلال النصوص القرآنية وتفسيرها حسب الأهواء....

كقارئ نهم للتاريخ فأنا أعترف بأن الكتاب اختطفني كما (أختطف الجغرافية) فتتبعت كل كلمة أوردها الباحث بشكل دقيق إبتداءً من المقدمة وحتى الصفحة (150) في اليوم الأول حيث عكفت عليه أدرسه ولست أقرأه فقط وقد حال إنهيار النظام في الكومبيوتر من إتمام عملية القراءة ولكن بالرغم من ذلك فقد أوقفنا الباحث على حقائق مذهلة سجلت له السبق في الكشف عن تزييف كبير في الجغرافية التأريخية وقد أعزى الباحث هذا التزوير الهائل الذي حدث في الجانب الجغرافي لعدة عوامل منها:

1. عوامل عقائدية :يراد من خلالها إثبات بعض الأكاذيب وترسيخها بالفكر الجمعي للمجتمعات المستهدفة وخصوصاً اليهود الذين كانوا وما يزالون لحد اللحظة يبتكرون الأشياء في سبيل تزوير التاريخ فهم يحاولون تدمير كل الآثار الحقيقية التي تفضح أكاذيبهم ونلاحظ الآن ما يجري بالعراق وسوريا من استهداف واضح لكل الكنوز الأثرية وتدميرها بغية طمس الحقائق وقطع الطريق أمام الباحثين لإستخلاصها من خلال الدراسة الموضوعية لهذه الآثار.

2. عوامل جغرافية: فهم من خلال هذا التزوير أثبتوا لهم حقوقاً جغرافية من خلال تأثيرهم بالفكر الجمعي العالمي وجعل رواياتهم من المسلمات التي لا يناقشها الباحثين مما أدى إلى خلق كيانات مصطنعة إستناداً لهذا الحق التاريخي المزعوم....

3. عوامل إجتماعية: وهي فرض بعض النظريات العنصرية التي تتيح لهم التسيد والتسلط من خلال هذه النظريات التأريخية .

4. عوامل إقتصادية :لا يخفى على المتتبع والباحث أن البنى التحتية للبلدان هي من مرتكزات البناء والنهوض وتسعى الدول الإستعمارية والدوائر الصهيونية من خلال فرض هذه النظريات للحصول على مكاسب إقتصادية كبيرة وذلك من خلال ترويج للسياحة الدينية واثبات حقوق تأريخية والإستحواذ على الموارد الطبيعية التي تختزنها تلك الأراضي ، ففي موضوع كتابنا هذا يتبين الدور اليهودي في تهويد مصر والعراق وسوريا وجعلها مركزاً رئيسياً لإنطلاق الديانة اليهودية في العالم مما يثبت لهم حق السيطرة على أماكن عديدة في هذه الرقعة الجغرافية وجاء ذلك نتيجة رسم خط سير مزيف للمسيرة اليهودية ونزوحهم من (مصر فرعون) وصولاً إلى أرض الميعاد كما يدعون ويرسمون خط سير الخليل إبراهيم من العراق نزولاً إلى الشام ....

5. إن الحقائق التي أفرزتها نتائج البحث جعلت الكثير من المسلمات التأريخية تتهاوى وتصبح غير ذات قيمة مما يتطلب من المؤرخين والباحثين إعادة النظر في الكثير من المسلمات التي تصافقوا عليها منذ البدء ولحد الآن.

6. إن تغيير خط السير كان متعمداً لإخفاء قيمة بعض البلدان التي وقعت فيها الأحداث وذلك لعدم أهميتها الإستراتيجية لهم فهم في المنظور البعيد لا تمثل لهم هذه البلدان عمقا إستراتيجياً من ناحية إقتصادية أولاً لإفتقارها للموارد التي يطمحون بالحصول عليها أو تكون ممرات إستراتيجية يمكنهم إستغلالها للسيطرة على حركة الملاحة الدولية وبالتالي التحكم بالتجارة الدولية .

أما أنا ما لدي من أسئلة حول ما ورد بالكتاب فأوردها كالآتي:-

1. أن مكة هي لاشك تعتبر من أقدس الأماكن لدى العرب في الجاهلية وإستمرت هذه الحالة في الإسلام وهذا نابع من خزين الفكر الجمعي للمجتمع العربي والأقوام المحيطة بهم من قدسية هذه المنطقة وكما أكد هذا الفكر الجمعي لدى هؤلاء القوم هو ما ورد على لسان الرهبان ورجال الكنيسة من اليهود والنصارى وتنبؤاتهم بمبعث أنبياء في هذه البقعة (الحجاز) سواء كانت بمكة أو بالمدينة وهناك روايات عديدة ترد بهذا الخصوص...وما أريد قوله إن إبراهيم كان قد خاطب ربه (ربي إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) كان هذا قبل بناء البيت بعقود من الزمن وهو يعرف قدسية هذا المكان ولكنه لم يكن يسكن فيه وإلا فما معنى خطابه السابق.

2. أن الاعتماد على ما ورد بالقرآن بقدر ما أفاد البحث وضعه أمام عدة تساؤلات فأنا لدي تساؤلات اعتمدت فيها على ما ورد في القرآن وعلى ما ورد في الأحاديث الصحيحة التي لا أشك بمتونها وإسنادها... لقد ورد في سورة الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) .لم يذكر لنا الكاتب أين يقع هذا المسجد الذي بارك حوله الله .....هل هو بيت المقدس أم الذي موجود هو تيمناً بالمسجد الأصلي كما أخبرنا الكاتب...

3. أن عميلة الإغراق في قضية التيمن كانت تؤثر على مجريات البحث وتسقط الكثير من الحقائق الموجودة على الأرض فهناك أماكن عديدة مقدسة عند الله غير هذه البقعة وردت بها روايات عديدة مثل نينوى الأصل ونينوى التي سميت بها تيمناً والتي اتخذت منها الحضارات القديمة عاصمة وأعطيت نفس الاسم المقدس ل (نينوى) الأصل والتي كان يحج إليها الكثير من الأقوام وخصوصاً الأكاديون وكما أطلقت عليها العديد من الأسماء منها (كربائيلو) أي بيت الرب وهي ما يطلق عليها الآن (كربلاء) وكذلك وادي السلام حيث يعتقد بعض المؤرخين أنه هو الوادي المقدس طوى لا كما ذهب الباحث وبيت إدريس في منطقة السهلة (بالكوفة) مازال الناس يتخذونه مسجداً ولذلك نجد قبور الأنبياء مازالت شاخصة في هذه البقاع حيث هناك قبور (24) نبي ممن ورد ذكرهم بالقرآن الكريم وهناك أكثر من هذا العدد ممن لم يرد ذكرهم وكما ورد عن طريق الحديث عندما ذهب الرسول إلى الطائف ولقي ما لقي من أهلها ومن سوء إستقبال ولما جاءه غلام عتبة وشيبة وهو نصراني وإسمه عدّاس فقال له الرسول الأعظم قال من بلد الرجل الصالح يونس بن متى .

4. توجد بين أيدينا روايات عديدة بموضع دفن آدم عليه السلام ونوح عليه السلام في (النجف الأشرف) وهي روايات معتبرة السند والمتن عن علي بن أبي طالب (ع) في منطقة الغريّين وهي موضع دفنه عليه السلام وكما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق في الزيارة المعتبرة (السلام عليك وعلى ضجيعيك آدم ونوح) والله اعلم.

5. يعتقد بعض المؤرخين أن ظاهر النجف والجبل الذي هو مطلٌّ الآن على بحر النجف هي منطقة التيه ومازال يطلقون عليه إسم الطور وهو موجود ضمن أحاديث معتبرة كيف غفل عنها الباحث وهناك الكثير من الروايات تقول أن المكان القصي الذي انتبذته مريم هو كربلاء وقد شهدت بنفسي جذوع لنخلات يطلق عليها العوام نخيلات (مريم) وبإسناد لا بأس به...

6. أن الأرض تغيّر طبوغرافيتها بإستمرار فمثلا هناك بحار قد جفت وهناك انهار قد غيرت مجراها عبر العصور عدة مرات فمثلاً (بحر النجف ) قد جف منذ فترة طويلة ولكن مازالت آثاره باقية إلى اليوم وكذلك الفرات قد غير مجراه مرات عديدة وهذا لا يعني عدم صحة الروايات التي تحدث عنها العلماء في تلك الفترات والباحث ذكر قسماً من هذه الروايات .

7. كما وأن هناك آثار مازالت إلى اليوم ماثلة في بابل يطلق عليها آثار النمرود وكذلك الموضع الذي ولد فيه إبراهيم . كل هذه الأمور لا يمكن تجاوزها وإنكارها .

8. أن كنانة من نسل إسماعيل عليه السلام ولا وجود له في حياة إبراهيم .(قد يكون إجابته بأن هناك كنانة قبل حفيد إسماعيل صحيحة) ولكنها غير مسندة بدليل مادي يمكن الركون إليه حيث لم يرد في كتب الأنساب ذكر لقبائل كنانة قبل إبراهيم ليت الكاتب أوقفنا على هذه المصادر.

9. أن اللغة السريانية التي يتحدث بها إبراهيم عليه السلام هي من ضمن اللغات الشرقية المتحدرة من اللغة العربية حيث يعتبر علماء اللغة في العالم أن (العربية ) هي اللغة رقم (1) أو اللغة الابتدائية وعنها أخذت اللاتينية وعن اللاتينية أخذت الانكليزية والفرنسية والألمانية (الباحث الدكتور رشيد بن عيسى في لقائي معه تم نشره في صحيفة الحقيقة في العراق) . فليس من المستغرب تداولها في المنطقة التي تحيط بجزيرة العرب .

10. وادي حوران وادي يبلغ طوله عشرات الكيلومترات يبدأ من مدينة الرمادي وينتهي بمدينة السماوة العراقية وهو يفصل العراق عن السعودية ويشطر مدينة (جديدة عرعر) إلى شطرين شطر عراقي وشطر سعودي وهو وادي كبير تتخذ منه السيول ممراً لها وتصب في بحيرة ساوه العراقية واندثر جزء كبير منه حيث بقي الاتصال ببحيرة ساوه عبر المياه الجوفية المتأتية من هذا الوادي والذي يزور هذه البحيرة الكبيرة لا يجد أي مصب للمياه فيها والحقيقة إن الينابيع هي التي تغذي هذه البحيرة الصحراوية ....أنا استغرب كيف لم يرد ذكر هذا الوادي في البحث؟

11. لو كان هناك أنهاراً كبيرة كما يذكر الباحث في الدرعية أو الرياض حالياً لماذا لا نرى سدوداً أو آثاراً لهذه السدود كما في اليمن المتاخمة لنجد أي بمعنى أن الإنسان الذي يسكن هذه الأرض ذو خبرة ودراية كافية في بناء السدود وله تجارب كبيرة بها؟ أنا اعتقد أن هذه الأخاديد التي تحدث عنها الباحث هي ممرات مائية للسيول التي تحدث في الصحراء وكما هو معروف عنها ففي صحراء كربلاء الممتدة إلى السعودية نجد مثل هذه الأخاديد الكثير في منطقة الصفاويات والشعيب وغيرها....

12. كشفت دائرة المستعمرات البريطانية قبل مدة قصيرة لا تتجاوز الأشهر عن خرائط العراق التي تعود للعهد العثماني حيث كشفت هذه الخرائط أن الكويت والمنطقة الشرقية الإحساء والقطيف وحفر الباطن والبحرين وعبادان والأهواز والمحمرة وغيرها من إقليم عربستان هي عراقية تم إقتطاعها في معاهدة سايكس بيكو وهذا يعني أن الأحداث التي ذكرها الباحث هي مازالت في العراق .....

13. لقد أجاب البحث عن كثير من تساؤلاتي حين قرأت التأريخ ففي تأريخ الطبري وابن الأثير وإبن كثير كنت أمر على أسماء عربية لملوك وفراعنة مثل سنان بن الأشل بن عبيد وقابوس وغيرهم ولا أجد هناك إرتباط بين ما يذكره المخزون التأريخي العالمي من أسماء لملوك القبط وهذه الأسماء.

14. إن عملية طي الأرض كانت خاصية لكثير من الأنبياء والأوصياء بل وإزدادت أكثر في ملك سليمان وكما ذكر الله عزوجل بالقرآن وكذلك علّموا حتى منطق بقية المخلوقات وكان تسخير الرياح له ولجيشه وتسخير الشياطين، هذا كان أيضاً لخاتم الأنبياء حيث أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ولحكمة إلهية فأن الله لايحرم أنبياءه من هذه الخواص بل هناك أناس عاديين وكما ورد بكتب الحديث كانت لهم هذه الكرامات فلا غرابة في سرعة التنقل والانتقال .

 يبقى البحث رائداً في مجال الاختصاص وينم عن جهد حقيقي تم بذله من قبل الباحث ويعتبر مرجعاً أثرى به المكتبة العربية ومنطلقاً لكل الباحثين في هذا المضمار ...علاوة على كونه بحث علمي شيق فيه من المفاجآت التأريخية المبنية على الكثير من الأسس العلمية .

 

935-salamعن دار الضياء للطباعة والنشر – العر اق - صدر حديثا وبجهد الاخوة الداعمين للحركة الفكرية وحركة الثقافة والنشر كتاب (الحركة الاسلامية وثلاث عقبات)

يتضمن الكتاب ثلاثة محاور رئيسية تناولها بالنقد ثلاثة من الكتاب في مدينة ملبورن الاسترالية. مؤلفوا الكتاب هم كل من الدكتور مهدي الحسني والاستاذ يشار كركوكي  (ناصر العاملي) واحمد راضي الشمري . 

935-salamيقدم الكتاب استعراضا نقديا لتاريخ الحركة الاسلامية في العراق منذ نشأتها ومرورا بمخاضاتاها وانتهاءا بتجربة استلام السلطة في العراق .

لايكتفي الكتّاب بنقد الحركة وتسليط الضوء على اخفاقاتها بل يقدمون في كل محور من محاوره مقترحات ومخارج للخروج من الازمة الخانقة او تخفيف اثارها

يستعرض الدكتور الحسني في العقبة الاولى مشكلة عقيمة قديمة في الحركة الاسلامية الا وهي العمل بالاولى والاكثر اهمية قبل المهم والاقل اهمية. فهو يقترح ترتيب الاولويات الكبرى من اجل جعل المسيرة اكثر سرعة واقل عرقلة واجدى نفعا للحركة وللامة .

 

اما الاستاذ يشار كركوكي فيسلط الضوء في محوره على البنية الداخلية للحركة فيستعرض مواطن ضعفها ومخاضاتها العسيرة وتضحياتها الجسيمة التي لم تكن لتحدث لو ان الحركة قد تبنت منهجا مختلفا يتسم بالحكمة والمناورة والتكتيك المتماشي مع حقائق الامر الواقع .

اما المحور الثالث فيتناول فيه الكاتب احمد راضي الشمري طريقة تعاطي الحركة الاسلامية الغير فعال سياسيا مع محيط العراق الاقليمي منذ ايام المعارضة. ويستعرض في محوره ايضا اثار هذا التعاطي الغير فعال على الحركة وعلى العراق بعد ٢٠٠٣

كما يتضمن الكتاب مواضيعا اخرى متنوعة تتناثر بين ثناياه وكلها ذات صلة بمحاور الكتاب الرئيسية .

لايقدم الكتاب حلولا سحرية بذاته، بل يعتبر حلقة واحدة في سلسلة طويلة.  الهدف من هذا الكتاب هو التكامل مع الطروحات الاخرى التي تهدف الى تصحيح مسارات الحركة الاسلامية وتخفيف الاحتقان الناتج من عدم تبني الحركة منهجا نقديا لافكارها وسلوكياتها وقيمها وادائها السياسي والدعوي .

 

سلام البهية السماوي – ملبورن

 

 

abduljabar alshaikdakil"إن بومة مينرفا لا تحلق إلاّ عند الغسق". هيغل

في حالة البؤس التي يمر بها عالمنا العربي وعالمنا الإسلامي، وفي ظل حالة الضياع والتشرذم، لابد أن يفكر المثقف بالأسباب التي أدت الى هذه الحالة. وإذا ما غاص في ما وراء الأسباب الظاهرية فإنه سيكتشف أن هنالك جملة من الأسباب القارة في عمق هذه الأزمة يشكل الموروث التقليدي الجامد للثقافة أو الفكر وجهها الأبرز. في ظل هذه الفوضى الثقافية والتشتت الفكري يلح على عقولنا اسم استطاع أن يضع بصمته الفكرية ذات المنحى التجديدي والتنويري المستند على إطار فلسفة الدين، ذلك هو الدكتور عبدالجبار الرفاعي.

لاشك أن كل مفكر في أي زمان ومكان لا ينتج أفكاره من تلقاء ذاته وإنما تكون أفكارُه تلك نتاجات لتأثره بأفكار من سبقوه أو حتى من عاصروه، لكن عظمة المفكر تأتي من صياغته أو حتى توظيفه لتك الأفكار في سبيل تغيير واقع راكد أو رجعي، وكذلك كان الرفاعي. فهو ابن البيئة الدينية والمتخصص في علوم الدين، تأثر بالنزعات الفلسفية الأخلاقية والايمانية الغربية، وكذلك النزعات التجديدية في التراث العربي والإسلامي، فضلا عن اتجاهات التنوير الديني لاسيما المعاصرة منها في إيران.

يتسع فضاء النقد كثيرا لأفكار الرفاعي طالما هي أفكار نقدية، وطالما هي تنطلق من فضاء فلسفة الدين التي تتسع بدورها لتشمل منهجيات التفكير الديني ومقارباته في اجتماعية الدين وتاريخيته والأيديولوجية التي تتبطن ذلك الاجتماع وذلك التاريخ.

وعلى قدر تخصصي في العلوم السياسية، وبالذات في حقل الاجتماع السياسي سوف أحاول أن أركز على محورين مهمين في أفكار الرفاعي هما: نظرته الى الأيديولوجيا، والثاني نظرته الى قضية التجديد في علم الكلام. وعلى الرغم من أن الأخير لا يبدو ضمن حقل اختصاصي العلمي إلا أنه يقع ضمن اهتمامات فضولي المعرفي من جانب، ومن جانب آخر، إن تاريخ علم الكلام وتفرعاته وسجالاته يشكل جانبا مهما لصورة الاجتماع السياسي الإسلامي، ومن جانب ثالث أرى إنه ينبغي على أستاذ العلوم السياسية الاستفادة من مخرجات فلسفة الدين وديناميكيتها، حتى يصبح منتجا لمعرفة عضوية وواقعية لا تكون بمعزل عن تلك المعطيات التاريخية والمعاصرة، والتي طالما أثرت وتأثرت بالسلطة السياسية على مر التاريخ الإسلامي ولا زالت حتى الوقت الراهن.

في موضوع الأيديولوجيا، يطرح الرفاعي فكرته الأثيرة في نقد الأيديولوجيا في أماكن متعددة من كتاباته. ورغم إن نقد الأيديولوجيا كمفهوم ابتدأ بتهكم نابليون من الأيديولوجيين، ومر بنقد ماركس وأنجلز ووصْفهم لها بأنها (وعي زائف)، ولم تنتهِ عند نقد المفكر الإيراني الحداثي داريوش شايغان، ولا حتى عند مفكري ما بعد الحداثة، إلا إن نقد الرفاعي لها جاء متميزا كونه يطرح هذا النقد، بل والقطيعة معها، ضمن إطار الفضاء الإسلامي، أو بالأحرى ضمن فضاء الإسلام السياسي وهو الذي انتمى إليه لسنوات طويلة عندما كان عضوا حركيا فيه وتلميذا وأستاذا في الحوزات العلمية، علاوة على إن فكرته تلك تأتي في إطار تجديد الفكر والتفكير الديني، فضلا عن انطلاقها للمرة الأولى ربما ضمن الفضاء الشيعي العربي. هو ينتقد الأيديولوجيا كونها تعطل العقل وتتنافى مع الحس الإنساني. ورغم إن نقده كان محددا لأسماء فكرية بعينها تبنت الأيديولوجيا كوسيلة خلاصية إلا إنه بالتأكيد كان يقصد بالتبعية كل التجارب الأيدلوجية في الدين، لم يشأ ذكرها لأسباب وجيهة ذكرها في عمله القيم (الدين والظمأ الأنطولوجي). ولعل أهم نقد وجهه الرفاعي بهذا الخصوص كان لعلي شريعتي ولحسن حنفي، حيث يرى ان (لاهوت التحرير عند حنفي وشريعتي، يختزل الدين في أيديولوجيا المقاومة والثورة، ويطمس الوظيفة المحورية للدين. الدين أرحب وأشمل وأوسع من الأيديولوجيا. الأيديولوجيا مظهر وتعبير اجتماعي للدين، تحويل الدين الى أيديولوجيا يعني: اختزال الإنسان في بعد واحد، والروح في القانون .. ).

والواقع أنني أؤيد تلك الفكرة استنادا الى أن الأيديولوجيا تعني ببساطة أنك تقول إن منظومتي الفكرية أو العقدية أو الثقافية أفضل من منظومتك، وعلى ذلك أرسلت للدكتور الرفاعي رسالة كتبت فيها :

 عندما قرأت (الدين والظمأ الأنطولوجي) استذكرت حواراً في فيلم (الرسالة) لمخرجه الراحل ( مصطفى العقاد ) في سبعينيات القرن الماضي يقول فيه (الحمزة بن عبدالمطلب) للنبي "ص": (ياابن أخي، عندما أجوب الصحراء في الليل أدرك بأن الله أكبر من أن يوضع بين أربعة جدران). أقول؛ نعم، الله أكبر من أن يوضع بين جدران حزب سياسي، وأوسع من أن يكون أساً في مصفوفة إيديولوجية!

من الطرافة أن يبدو لي أن فيورباخ أكثر (إسلاميةً) من بعض المؤدلجين الإسلاميين عندما يدعو إلى أن نتمثل الله في زهرة جميلة، أو في منظر جميل،  أو في كل عمل نبيل! فيما يبدو لي إن هؤلاء (الإسلامويين) كانوا قد وصلوا، أو سيوصلون الآخرين، إلى ذات العبارة التي انتقد بها فلاديمير لينين سلفه في المادية فيورباخ، عندما قال: (إننا نريد أن ننفي الله من السماء، فيما فيورباخ ينزله إلى الأرض. ليس هنالك مكان لله على الأرض)!! أخشى أن يصل الجيل الحالي أو القادم إلى مثل هذه القناعة، بعد الزلزال الذي سيتعرض له الإسلام السياسي والجهادي الذي لا أشك بوقوعه. تلك الأدلجة التي أخشى أنها ستؤدي  إلى أن يتحجم الإله أكثر في مسجد ما أو حسينية لا يذكره فيها إلا العجائز! .. لقد كفر ثوار الثورة الفرنسية بكل شيء بما في ذلك الرب، وبعد أن انتهوا من فورتهم كتبوا متهكمين لافتة عريضة أمام البانتيوم في باريس: (إلى من يهتم بأمر الرب، لقد تم إعادته الى كنيسة نوتردام)!!

مع كل ذلك النقد الذي يوجهه الرفاعي للاتجاه الأيديولوجي في الدين أوالأيديولوجيا بصورة عامة، وهو محق فيه الى حد كبير، لاسيما أننا نواجه أسوأ مخرجات تلك الأيديولوجية المتمثلة بالإسلام الجهادي المتجسد بالقاعدة وداعش والجماعات الجهادية الأخرى، إلا ان الرفاعي لم يطرح لنا بديلا عمليا عنها. فإذا كانت ايديولوجيا الإسلام الحركي منذ عشرينيات القرن الماضي على سبيل المثال قد جاءت كرد فعل على الحركة الاستعمارية الجديدة بعد الحرب العالمية الأولى وما أصاب الأمة الإسلامية جرائها، بصرف النظر عن اقترابها أو ابتعادها عن المعيارية الإسلامية، فإن هنالك ماهو أسوأ الآن، اسرائيل وقضية فلسطين، أمريكا وبريطانيا والغرب الذين يحتلون أو يقيمون قواعدهم في غير بلد اسلامي، والحملة ضد الإسلام كدين  حتى لو كان سببها سلوك الإسلاميين المنحرف. المهم نحن إزاء محيط عالمي معادي، وهذه المرة دينيا، سواء أكان على حق أم على باطل. أعلم أننا مولعون بخلق الذرائع وخلق الأعداء مثلما أعلم أن أيديولوجياتنا قومية ويسارية وإسلامية سفكت من دمائنا مالم يسفكه الآخر الاستعماري، ولكن هذا العداء أصبح واقعا، اليهودي الصهيوني في السلطة في اسرائيل وخارجها يقول كيف نقضي على العرب والمسلمين؟ ومن ثم هل تكفي النظرة الأخلاقية والاستغراق بالروحانية الصوفية العرفانية التي يبدو أن الرفاعي يضعها كبديل أساسي للرد على كل هذه التحديات؟ إن إفرازات التسلط الشمولي في انظمتنا السياسية يمكن التخلص منها عن طريق تربية دينية اجتماعية، تساهم فيها مقولات التصوف المعرفي (الذي يثري الروح، ويضيء القلب بجماليات الوجود)، وفي سياق ذلك يمكن التخلص من الأيديولوجيا، ولكن ماذا عن التسلط الشمولي الدولي؟ .. هل نكرر تجربة أثينا مع أسبارطة؟ هنا أخشى أن يُظن بأن عبدالجبار الرفاعي يتماهى مع موجة ما بعد الحداثة التي تشن هجوما حاسما على بقايا الأيدلوجيات بما تسميه (موت السرديات الكبرى) لكن معرفتي به وقراءاتي له تنزهه من أن يكون مؤمنا بالشق الآخر لما بعد الحداثة وهو (موت المرجعيات) التي تفرض أن لا مرجعية غير مرجعية الذات. إذن نحن بانتظار تقنية فكرية عملية تكون بديلا عن الأيديولوجية. وقد كتبت للرفاعي ذات مرة منوها بقدراته الإبداعية: (لعلِّي لا أبالغ إن قلت بأن عملكم الكبير "الدين والظمأ الأنطولوجي" يتمثل في كونه واحداً من أهم تمثلات الحكمة والعقل المعاصرين. إن لكل زمن تمثلاته الفذة، هذه القاعدة التي لا يريد البعض، لضعف أو لحسدٍ، أن يقبل بها، فالحكمة لم تنته عند ابن عربي أو ابن رشد أو ملا صدرا).

في الموضوع الآخر ، وهو (علم الكلام الجديد) ، يصوغ لنا الرفاعي بوادر نظرية أو منهجا جديدا لعلم كلام جديد، أستطيع أن أسميه بـ(المنهج الإنساني)، ليس بمعنى إنسانية عصر النهضة الأوربية التي كانت رد فعل سلبي على التفكير اللاهوتي وحصر التفكير بالإنسان وهمومه المعيشة مع استبعاد التفكير بالإله مما فتح الباب واسعا للحركات الإلحادية، فالرفاعي يسعى الى (تخليص النزعة الإنسانية في الدين) ضمن إطار الأيمان الحقيقي. والواقع ان هذا الاتجاه يمكن أن يشكل منهجا خامسا في سلسلة مناهج التجديد التي ابتدأت بمنهج الأفغاني الذي يقوم على العقل والعلم، والمنهج الثاني الذي  مثله محمد إقبال ومالك بن نبي والذي اهتم بالتأسيس الفلسفي للتجديد، والثالث الذي اهتم بالتأسيس المنهجي عند السيد محمد باقر الصدر، والرابع الذي ينسبه حسن حنفي لنفسه والذي يسميه بـ (التيار الاجتماعي -السياسي) .لقد وجه انتقادات محقة بحق ما درج عليه علم الكلام القديم، لعل أهمها ابتعاد هذا العلم عن هموم الإنسان (نسيان الإنسان في الكلام القديم)، والذي كان برأيي من أهم التوظيفات الحداثية التي استخدمها الرفاعي في نقد علم الكلام الكلاسيكي. ورغم ان قضية تجديد علم الكلام ليست بالجديدة وربما ترجع الى قرن من الزمن، وكذلك عند من عاصرهم الرفاعي في إيران أمثال عبدالكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وغيرهم، وكذلك وجود أصداء لها في الوقت الراهن عند السيد كمال الحيدري زميل الرفاعي في حوزة قم، الا ان الرفاعي طرحها في إطار نقدي روحاني أخلاقي، وفي فضاء يبتعد نوعا ما عن الفضاء الفقهي.

والواقع ان الرفاعي في سياق طرحه لهذه القضية التي أشار لها في عدة كتب وبحوث كان آخرها كتابه (علم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العلم والدين) يشير مرة أخرى الى تاريخ أدلجة الدين في الإسلام، تلك الأدلجة كانت الاتجاهات الكلامية أساسا لها والتي شكلت بدورها تخادما أو تنافرا واحدا من أهم مخرجات الاجتماع السياسي الإسلامي الذي سادته علاقات السلطة العمودية وتمظهرات بأشكاله البطرياركية الإسلامية (فالتربية على الخوف ترسخ أرضية عميقة لنشأة وتفشي الاستبداد) ، عامل الخوف الذي كان واحدا من المخرجات التي أنتجها علم الكلام القديم.

مع ذلك، وبرأيي المتواضع، تبقى أطروحة الرفاعي في تجديد علم الكلام أطروحة غير مكتملة طالما أنها تأتي في السياقات التحريرية لكتب وأبحاث لآخرين على حد علمي، حيث ينبغي على الرفاعي أن ينحو الى توسيع إسهامه في هذا المجال حتى تتبلور نظريته بشكل أوضح.

أخيرا، أقول  لعلني لا أبالغ إذا قلت إنني عندما أقرا للرفاعي أحس بأنني أقرأ لعلم فكري حي، لأننا تعودنا على أن لا نكتشف العبقرية إلا بعد رحيلها عن الدنيا، وذلك بسبب الأقفال التي على القلوب، فأنْ تعطي الدين بعده الحقيقي الأوسع فذلك انتصار للدين، وأن تروي ظمأ الآخرين فيه فذلك فتحٌ أوسع من فتوحات السيف.

الرفاعي لا يأبه كثيرا بالمدح، فأنا عرفته عن قرب، دمث الأخلاق، متواضع على غزارة علمه. أن يُمدح الدكتور عبد الجبار الرفاعي فذلك مما صدق به المادح، كون الرفاعي لا يملك سلطة يتملقه الآخرون عليها، لكنه يمتلك سلطة أقوى من السلطة المادية وهي سلطة العقل لمن يعي معناه. سلطة الروح الأخلاقية لمن يملك أساً أخلاقيا. جاء الرفاعي من بيئة فقهية نمطية لم ينقلب عليها بقدر ما اراد إصلاحها، ومن خلال مشروعه التنويري ضمن إطار الدين، لم ينظر للدين على انه مجرد مجموعة من المثل السامية، بقدر ما نظر الى الدين كمنظومة كلية غير قابلة للتجزئة فكان ذلك سر نجاحه .. ولعل اهم ما يتميز به مشروعه هو انه مشروع معرفي شامل يدعو الى منهجة جديدة وتناول جديد وروح جديدة .. عالم المعنى هو الاسلوب والهدف في آن واحد، ذلك الذي يبحث عنه ويدعو اليه .. التسامح هو الآخر عنده غاية ووسيلة .. كل ذلك هو صلب وجوهر الدين .. انه نموذج لانتصار الأخلاق الدينية على دوغمائية وإيديولوجية الفهم المغلق للنصوص.

لعل واحدة من (النتائج العرضية) لطروحات الرفاعي أنه بسط للقارئ العربي، العراقي بالذات، القراءة الفلسفية للدين تلك التي كانت غائبة أو بالأحرى مغيبة عن الذهن. لازلنا ننتظر منه دفقا أكثر لتستكمل نظريته الإنسانية في إطار فلسفة الدين في هذا الزمن الصعب.

 

أ.د. عبدالجبار عيسى الشيخ دخيل

 أستاذ الاجتماع السياسي في كلية العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية.  

 

jamil hamdaouiيتضمن هذا الكتاب مجموعة  من الدراسات والمحاضرات والدروس والأبحاث التي تندرج ضمن اللسانيات الأمازيغية بصفة عامة،واللسانيات الأمازيغية الريفية بصفة خاصة.

وقد تناولنا، في هذا الكتاب المتواضع، مجموعة من المحاورالمختلفة  التي تنتمي إلى الدرس اللغوي واللساني الأمازيغي، كالتعريف باللسانيات الاجتماعية التي تعنى بالتعددية أو الازدواجية اللغوية، وتقديم تصور عام حول اللغة الأمازيغية باعتبارها اللغة الأم؛ تلك اللغة الأصلية الجديرة بالاحترام والاهتمام والعناية بها. علاوة على عرض ببليوغرافيا الدراسات اللسانية والمعجمية التي أنجزت من قبل المستمزغين الأجانب والدارسين المغاربة من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي إلى يومنا هذا.

وبعد ذلك، بحثنا في مواطن التشابه والاختلاف بين اللغتين: العربية والأمازيغية من مختلف النواحي اللسانية. ثم انتقلنا إلى تقديم فرش تاريخي ونظري عام حول الكتابة الأمازيغية وفصيلتها اللغوية، مع تبيان مختلف خصائصها اللسانية والدلالية والتداولية.

وفي الأخير، انتقلنا إلى تبيان طرائق تدريس اللغة الأمازيغية في المدارس الابتدائية، والإعدادية، والثانوية، والجامعية، بالجمع بين المقاربتين الثقافية واللسانية في التدريس والتبليغ والتواصل الديدكتيكي والبيداغوجي.

  ومن ثم، يتبين لنا، بكل صراحة وحقيقة، أن الحضارة  الأمازيغية غنية بالدوال المادية واللغوية واللسنية والسيميائية، تحتاج إلى من يفككها استقراء واستقصاء واستكشافا، ويركبها بناء وفهما وتفسيرا وتأويلا. علاوة على ذلك، فكثير من الناس يجهلون هذه الحضارة جملة وتفصيلا، ويحكمون عليها عن عمى وجهل وتقصير. في حين، ساهمت  هذه الحضارة الأمازيغية، بالشيء الكثير،  في إثراء الحضارة الإنسانية محليا، وجهويا، ووطنيا،وكونيا.ومن ثم، لايمكن التحقق من ذلك عمليا إلا بتعلم اللغة الأمازيغية وتعليمها، والتعرف إلى منتجها الثقافي والعلمي والحضاري واللسني واللغوي.

أضف إلى ذلك أن الإنسان الأمازيغي كان سباقا إلى إبداع الكتابة الأبجدية (تيفيناغ)، واستعمالها، بشكل خاص، في الرسم والتشكيل، والكتابة المهنية والإبداعية، وتحرير العقود، وتدوين النصوص، وكتابة الرسائل، والنقش على الصخور والجدران والشواهد والآثار، وكتابة الموسوعات العلمية والمعرفية، وتزيين الأجساد بالوشوم المثيرة والجذابة...

وفي الأخير، أسأل الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع استحسانا لدى المتلقي. وأشكر الله على علمه الوفير، وأحمده على نعمه العديدة، وأشيد بفضائله الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى.

 

د. جميل حمداوي

.......................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

المدخل إلى اللسانيات الأمازيغية / د. جميل حمداوي

 

jamil hamdaouiمن المعلوم أن الثقافة الشعبية، أو الفلكلور (Le folklore)، هي مجموعة من الإنتاجات الشعبية التي ينقلها جيل عن جيل عبر الرواية الشفوية، مثل: الحكاية، والشعر، والرقص، والمسرح، والمعتقدات، والسرد، والموسيقا، والغناء، والوشم، والمهارات، والعادات، والتقاليد...ومن هنا، تتخذ الثقافة الشعبية طابعا ماديا أولاماديا، أو تتخذ طابعا أدبيا، وفنيا، ودينيا، وماديا...

ومن ثم، فقد ارتبط الفلكلور بما هو أصيل وتقليدي في الثقافة البشرية. وبالتالي، يعبر عما فطري وطبيعي وتقليدي وهوياتي في الحياة الإنسانية.وما يزال هذا الفلكلور الشعبي الأصيل حيا نابضا بين ظهرانينا، يخضع دوما للتنقيح والتلقيح والنمو والتطور والتقدم والازدهار. ومن ثم، لايمكن لأي حضارة إنسانية أن تعيش حياتها الطبيعية، أو تسير إلى الأمام، إلا بالحفاظ على أصالتها الفلكلورية، وإحياء ثقافتها الشعبية، وتوظيفها في إبداعاتها الأدبية والفنية والجمالية والعمرانية، واستلهامها في حفلاتها الطقسية والكرنفالية، واستثمارها ماديا ومعنويا وقيميا لربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ضمن جدلية تطورية نمائية ومتسلسلة. 

وعليه، فثمة مجموعة من التصورات المسرحية النظرية والإخراجية في عالمنا العربي والإسلامي التي حاولت أن تقدم مفاهيم جديدة حول الثقافة الشعبية، برصد فاعليتها الديناميكية داخل العرض المسرحي تشخيصا وتمثيلا وتفعيلا. وقد انطلقت هذه النظريات والتصورات من البيئة العربية، بكل تجلياتها ومظاهرها المادية والمعنوية، بغية تأسيس المسرح العربي وتأصيله، بعيدا عن القالب الأرسطي الذي سيج المسرح الغربي لأمد طويل، من الفترة الإغريقية إلى يومنا هذا. وقد حاول كثير من المسرحيين العرب الرواد استنبات القالب الأرسطي في التربة العربية. بيد أن هناك مجموعة من الباحثين المسرحيين الآخرين الذين استهجنوا هذا القالب جملة وتفصيلا منذ ستينيات القرن الماضي، فراحوا يقدمون تصورات جديدة حول فن المسرح، بالنبش في خاصية التمسرح الدرامي في التراث العربي، والبحث عن صيغ جديدة للممثل أو المؤدي. وبالتالي، فهناك مجموعة من النظريات والتصورات الدرامية التي اهتمت بضرورة توظيف الثقافة الشعبية إبداعا وإلهاما وتشخيصا وإخراجا.

وإليكم – الآن- مجمل هذه النظريات والتصورات والتيارات المسرحية التي كانت تعنى بالثقافة الشعبية بشكل من الأشكال، باعتبارها مصدر إلهام، وإبداع، وتجريب، وتحديث، وتأصيل.

 

د. جميل حمداوي

....................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

النظريات المسرحية وتوظيف الثقافة الشعبية / د. جميل حمداوي

 

 

diaa nafieالنقطة الاولى: قرأت – وبكل متعة وسرور واندهاش – كتاب السيدة بلقيس شرارة، الصادر عام 2015 عن دار نشر المدى في بغداد والموسوم – (هكذا مرت الايام)، والذي رسمت فيه بلقيس صورة قلمية وثائقية مدهشة الجمال لذلك الجيل و سمات عصره منذ اواسط القرن العشرين في العراق الملكي وعبر العراق الجمهوري اللاحق.

 عندما قرأت عنوان الكتاب طرحت على نفسي رأسا سؤالا محددا، وهو - هل استخدمت بلقيس في عنوان كتابها كلمة (الايام) محاكاة لعنوان رواية اختها الراحلة أ.د. حياة شرارة - (اذا الايام أغسقت)؟؟، ولكني لم أفصح حينها عن هذا السؤال لاي شخص من حولي ابدا، لاني لم اطلع على الكتاب عندها، ولهذا كنت أخشى (واتردد) ان اتحدث عن ذلك علنا. الان، وبعد ان قرأت كتاب بلقيس شرارة - (هكذا مرٌت الايام) الممتع والرائع و العميق بكل ما تعني هذه الكلمات من معنى ، استطيع ان اعلن عن قناعتي الشخصية (كدت أقول استنتاجي !)، ان بلقيس قد استخدمت كلمة - (الايام) في عنوان كتابها فعلا محاكاة لعنوان رواية اختها حياة، ان لم يكن عمدا او قصدا فانه انعكاس للوعي الباطن و الكامن في اعماق العقل و القلب والروح . هل ارادت بلقيس ان تقول للقراء و لحياة ايضا في كتابها هذا- وبشكل غير مباشر - ان (ايامها مرٌت) بشكل يختلف تماما عن(ايام) حياة التي (أغسقت)؟؟؟

 لقد تذكرت الان وانا اكتب هذه السطور استنتاج المخرج السوفيتي المشهور ايزنشتين الذي ذكر في وصيته الادبية، ان غوغول حاول ان يكون مثل بوشكين وبمكانته وقيمته واهميته الادبية، ولهذا فانه كان يحاكي نتاجات بوشكين طوال حياته في بناء بعض اعماله الفنية وخصائص ابطاله وصورهم وتصرفاتهم ... الخ . (انظر مقالتنا المترجمة بعنوان - بوشكين وغوغول في وصية ايزنشتين).

 

النقطة الثانية 

تتناول هذه النقطة الفصل الخاص بالكتاب حول زيارة الاتحاد السوفيتي لمدة شهر باكمله في نهاية عام 1958 . لقد سافر آنذاك وفد من العراق الجمهوري الى موسكو برئاسة أمين العاصمة وبقي هناك طوال شهر باكمله وذلك بدعوة من امين العاصمة السوفيتية موسكو، وكان رفعة الجادرجي ضمن اعضاء هذا الوفد، وقد رافقته زوجته بلقيس، (لم افهم كيف استطاع رفعة ان يسافر مع زوجته في ايفاد رسمي ولمدة شهر باكمله؟). هذا الفصل يحتاج الى تأمٌل، لانه يجسٌد افكارا وانطباعات عراقية عن الاتحاد السوفيتي في تلك المرحلة، (وهي حقيقية لانهم كانوا متعاطفين مع الاتحاد السوفيتي ونظامه السياسي)، رغم انه من الواضح ان بلقيس كتبت هذا الفصل بعد مرور عشرات السنين على تلك الزيارة، لدرجة انها نسيت ان ستالين كان يرقد في تلك الفترة جنبا لجنب مع لينين في الساحة الحمراء وبمرقد خاص لا زال موجودا (ومن المؤكد ان الوفد العراقي قد زاره)، وقد تم – كما هو معلوم – رفع جثمان ستالين من هذا المرقد بعد المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي زمن خروشوف، واعيد دفنه في الساحة الحمراء جنب الزعماء السوفيت الاخرين، ولكن وراء المرقد ذاك. لقد كتبت بلقيس انهم سافروا الى تبليسي عاصمة جورجيا لان هناك يوجد قبر ستالين !! وهذا خطأ طبعا . وهناك نقطة اخرى في هذا الفصل تبين ان بلقيس كتبت هذا الفصل بعد عشرات السنين ايضا وهي الاشارة الى الكاتب الروسي سولجينيتسن، والذي لم يكن له في فترة تلك الزيارة اي وجود في الاتحاد السوفيتي . وباختصار، فان تلك السطور عن الزيارة تعكس اراء متاخرة جدا لبلقيس عن الاتحاد السوفيتي وليست مرتبطة بوقت تلك الزيارة، ولكنها – مع ذلك – تحتاج الى تأمل والى تحليل دقيق، واتمنى ان تسنح لي الفرصة يوما ان اتناول بالتفصيل ما جاء في ذلك الفصل ضمن سلسلة مقالاتي بعنوان – (عن بعض العراقيين الذين مروا بموسكو) .

 

النقطة الثالثة

تحدثت بلقيس في فصل خاص عن اختها حياة شرارة وانتحارها . تكمن اهمية هذا الفصل في ان بلقيس وضعت النقاط النهائية والحاسمة على الحروف - كما يقولون – بشأن هذا الموضوع، اذ لا زال هناك من يظن (ولحد الان) ان حياة لم تنتحر بل تم قتلها او تصفيتها او حتى اغتيالها لاسباب سياسية بحتة ...الخ.

تذكرت المثقفة الرائعة حياة والشهور الاخيرة معها في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد، وتذكرت كيف جاءت الى القسم مرة واعلنت ان خدمتها بلغت 25 سنة وانها الان تستحق التقاعد، وانها ترغب بالسفر الى لندن والالتحاق باختيها وان ذلك افضل لها ولابنتيها. حاولنا ان نوضح لها ان السلطات آنذاك ألغت هذا القانون، وان معظم الاساتذة يتمنون ذلك للتخلص من ضغوط الوضع السياسي الرهيب والوضع الاقتصادي الصعب زمن الحصار (خصوصا وان الجميع كانوا يعرفون ان الاساتذة العراقيين في دول الجوار يعيشون في بحبوحة)، ولكن حياة رفضت حتى الاستماع الينا، وقد فهمنا انها تمر بازمة روحية شديدة، وحاولنا التخفيف من دروسها والتزاماتها ودوامها، ولم يكلفها القسم بالاشراف على الدراسات العليا رغم انها كانت البروفيسورة الوحيدة بيننا، بل انها حتى اعتذرت - قبل ايام ليس الا - من رئاسة لجنة المناقشة لاول اطروحة ماجستير في القسم لطالب الماجستير حسين عباس بعنوان (جوانب التشابه والاختلاف بين نتاجات تورغينيف ومحمد عبد الحليم عبد الله) باشراف د. محمد يونس ، وحتى رفضت ان تكون عضوا في تلك اللجنة .

وبالتدريج أخذت تلك الازمة الروحية والنفسية عند حياة بالازدياد والتضخم لدرجة انها رفضت حتى استلام راتبها مرة،

لانها ذهبت الى قسم الحسابات ووجدت الباب مغلقا، و اضطررنا ان نذهب الى الحسابات وناخذ الراتب ونوصله اليها في غرفتها مع المحاسبة، ثم انقطعت حياة عن الدوام بعدئذ، و حاولنا ارجاعها عبثا، اذ ارسلنا اليها زميلاتها في الكلية لاقناعها بالعدول عن تلك الخطوة، وتذكرت موقف المرحوم أ.د. محمد يونس الذي كان رئيسا لقسم اللغة الروسية آنذاك، والذي كان يجب عليه ان يوجه لها انذارا تحريريا بضرورة الدوام والا تعتبر مستقيلة وبالتالي تفقد كل حقوقها (وكان هذا يعني في ذلك الوقت موقفا لا تحمد عقباه امام السلطة!)، وكيف انه استشار رئيس الجامعة أ.د. عبد الاله الخشاب بعد اكثر من شهر على انقطاعها عندما زارنا في كلية اللغات، وكيف دافعنا جميعا عنها امام الخشاب وطلبنا مراعاة وضعها النفسي الخاص، وقد اقتنع الخشاب بذلك، وهكذا اقترح رئيس الجامعة ان يوجه لها رئيس القسم د. محمد يونس رسالة شخصية بخط اليد يرجوها بشكل اخوي وودي العودة الى الدوام، وقد كتب د.محمد رسالة رقيقة جدا لها وارسلها بيد احد الاصدقاء فعلا، ولكن حياة رفضت استلامها، بل ورفضت حتى استلام الراتب الذي ارسلته الكلية لها ، وتذكرت كيف حاولنا ارسال استمارتها للحصول على قطعة ارض في مسقط رأسها مثل بقية الاساتذة، وكيف اننا (دبرٌنا) ارسال ذلك الطلب بعد ان سحبنا من اضبارتها نسخة من هوية الاحوال المدنية دون علمها وذلك لانها رفضت حتى تقديم الطلب نفسه، وقد ظهر اسمها فعلا - فيما بعد - في قوائم الاراضي التي تم منحها لجميع التدريسيين .

الذكرى العطرة للمرحومة ألاستاذة الدكتورة حياة محمد شرارة، هذه المرأة الموهوبة و المثقفة بعمق، والتي ساهمت بابداع وتميٌز في حركة الثقافة العراقية المعاصرة تأليفا وترجمة وتدريسا، والتي كانت - ولازالت لحد الان - تمثٌل الوجه المشرق والحقيقي لقسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد ولخريجي الجامعات الروسية بشكل عام.

  

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب سيميوطيقا القصة القصيرة جدا بالمملكة العربية السعودية، بالتوقف عند مبدع سعودي معروف في الساحة الثقافية العربية هو حسن علي البطران، بالدراسة والوصف والتحليل النقدي، انطلاقا من رؤية نقدية مغربية معاصرة،  تروم دراسة الأدب الخليجي بصفة عامة، والأدب السعودي بصفة خاصة . ومن ثم، فالكتاب - في الحقيقة- عبارة عن مقالات ودراسات نقدية حول  حسن علي البطران ، كنا نشرناها - سابقا- في الصحف و الكتب والمواقع الرقمية هنا وهناك، ثم جمعناها - اليوم- بين دفتي الكتاب.

وهذا الكتاب أيضا عبارة عن دراسات جادة ورصينة وحداثية من جهة، وأبحاث لسانية وسيميائية وتداولية نظرية وتطبيقية من جهة أخرى. والغرض منها هو التعريف بالقصة القصيرة جدا بالمملكة السعودية بنية ودلالة ووظيفة، بالتوقف - خصوصا- عند المبدع السعودي حسن علي البطران. لذلك، استفدنا كثيرا من المرتكزات المنهجية لكل من المقاربة السيميوطيقية والمقاربة الميكروسردية على حد سواء.

هذا، ويتخذ الكتاب طابعا نظريا وتعريفيا تارة، وطابعا تطبيقيا علميا فيه اجتهادات وآراء ومحاولات شخصية تارة أخرى. ومن ثم، فالكتاب مرجع علمي مفيد للباحثين في مجال القصة القصيرة جدا بالمملكة العربية السعودية. ومن ناحية أخرى، يمكن أن يسعفهم هذا الكتاب في الانفتاح على آليات المقاربة السيميوطيقية من جهة أولى، والتعرف إلى مكونات المقاربة الميكروسردية وسماتها من جهة ثانية، وتمثل مختلف مبادئ السيميائيات النظرية والتطبيقية من جهة ثالثة.

ونرجو من الله عز وجل أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، ويعود عليهم بالنفع والفائدة داعيا لنفسي بالمغفرة والتوبة من أي تقصير، أو ادعاء، أو نسيان، أو خطإ ، أو سهو.

 

د. جميل حمداوي

.........................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

القصة القصيرة جدا في المملكة العربية السعودية / د. جميل حمداوي

 

nabe  odaيتناول الباحث نادر زعبي في كتابه المذكور تصدي السكان العرب في الجليل لمخططات مصادرة أراضيهم خلال فترة الحكم العسكري بين الأعوام 1949- 1966، كما جاء في تصديره للكتاب.

يحوي الكتاب مواد توثيقية هامة جدا لمن يريد دراسة وفهم واقع الجماهير العربية في إسرائيل وما واجهته من تحديات بالغة القسوة والعنف بعد نكبة شعبهم الفلسطيني، عمليا يوضح الكتاب ان البقية الباقية من الشعب الفلسطيني فوق تراب وطنها كانت أشبه بالناطور لحماية الوجود الفلسطيني وتشريشه في ارض الوطن والدفاع بكل الوسائل النضالية الممكنة عن الأرض وعن مختلف الحقوق المدنية والإنسانية، في فترة كانت الأشد سوادا التي واجهتها الجماهير العربية الباقية في وطنها.

الباحث تناول أكثر السنوات التي تعرضت فيها الجماهير العربية الفلسطينية لسياسة ابرتهايدية بالغة الشراسة والعنف، وكان واضحا ان بقاء هذه الأقلية لم يكن في حساب القيادات الصهيونية.

يفتتح الباحث كتابة بتقديم عرض عام عن نتائج حرب عام 1948 وانعكاسها المأساوي على الجمهور العربي الذي تفسخت عائلاته ودمرت بلداته وفقد معظم أراضيه. والحديث عن مجتمع فلاحون أي لا حياة له بدون الأرض. مجتمع وجد نفسه في عاصفة أفقدته كل مقوماته كمجتمع وشعب وهيئات.

ضمن هذا العرض يوضح الباحث انه من مجموع (1.970.000) مواطن فلسطيني، بقي بعد النكبة (150) ألف عربي فقط، موزعين كالتالي: 65% في الجليل، 22% في المثلث و 13% في النقب. يوضح الباحث ان هذا التحول الديموغرافي الذي حول أصحاب البلاد من أكثرية إلى أقلية مضطهدة منكوبة، شكل ضربة قاصمة للعرب المتبقين في وطنهم. القيادات الصهيونية والسياسية للدولة الإسرائيلية اعتبرت العرب خطرا أمنيا ففرضت عليهم قوانين الطوارئ الانتدابية ومن ضمنها جهاز الحكم العسكري، عمليا هو جهاز حكم خاص بالجماهير العربية فقط. تحكم هذا الجهاز بحياة الأقلية العربية، قيد حقها بالتنقل داخل وطنها للبحث عن عمل ولقمة خبز ، سيطر على مختلف الوظائف الرسمية خاصة جهاز التعليم. كما يوضح الباحث ان السلطة الإسرائيلية اعتبرت العرب في إسرائيل "طابورا خامسا"..

طبعا رغم الواقع السياسي الحرج والأحكام العسكرية وخنق المجتمع العربي بحرمانه من ميزانيات تطوير، وغياب فرص عمل ، وإرهاب بوليسي ضد أي محاولة احتجاج، إلا ان الجماهير العربية قامت بعمليات احتجاجية ومقاومة، وهي كما يوضح الباحث لم تحظ بأي بحث جدي وشامل. ويقدم الباحث في كتابة وثائق هذا النضال وتشعبه وأشكاله وتطوره.

من المواضيع الهامة التي يطرحها الباحث أساليب مصادرة الأرض العربية وتهجير أصحاب تلك الأرض أحيانا لبناء بلدات يهودية على أنقاض البلدات والأراضي العربية.

يوضح الباحث ان قوانين مصادرة الأراضي في إسرائيل هي من فترة الانتداب البريطاني، ومنها قانون مصادرة الأرض للصالح العام (اقرأ لصالح اليهود فقط) وتقدر مساحة الأرض المصادرة حتى عام 1966 بمليون دونم .يتميز القانون الإسرائيلي بشبكة واسعة من القوانين والأنظمة التي أقرت بهدف نهب الأرض العربية، منها قوانين الطوارئ، قانون أملاك الغائبين، أي الفلسطينيون الذين طردوا من وطنهم أو هربوا خوفا من المجازر، قانون تركيز الأراضي، وغير ذلك من صلاحيات مختلفة لوزير المالية.. عمليا دولة إسرائيل الصغيرة وضعت قوانين أراضي مختلفة وكأنها إمبراطورية لا تغيب الشمس عن أراضيها. هذا الأمر ادخل تغييرات ديموغرافية واسعة لتخفيض نسبة المواطنين العرب في مراكز تواجدهم ورفع نسبة المواطنين اليهود.

الكتاب يوثق المساحات المصادرة وأشكال الاحتجاج التي مارستها الأقلية العربية، ومعظمها كانت عرائض ورسائل واجتماعات شعبية.

الكتاب يتناول بالتفصيل مصادرة أراضي المواطنين العرب الذين لم يغادروا أوطانهم ، ولا يشملهم قانون الأموال المتروكة أو الحاضر غائب، وهو قانون يسمح بمصادرة أملاك من غادر وطنه وعاد متسللا بعد إعلان الدولة ، لذلك يعتبر انه حاضر الآن وكان غائبا مع إعلان الدولة أي ليس مواطنا له حقوق أو أملاك. كذلك لم يشمله إحصاء السكان، فمنح هوية حمراء وتعني انه مقيم وليس مواطن وهو معرض للطرد وراء الحدود، وكانت هناك معارك قضائية واسعة للحصول على الهوية الزرقاء التي تعني عدم إمكانية الترحيل، وقد اشتهر وقتها المحامي الشيوعي حنا نقارة الذي أخذ على عاتقه تحصيل الهويات الزرقاء.

ولم يحظى الكثير من العائدين بعد أحداث حرب 1948 بهويات زرقاء، مما كان يعني تعرضهم للطرد من الوطن، أو القتل كمتسللين، أو الحصول على هوية حمراء تعني أنهم مقيمون ( أو "ضيوف" حسب الصيغة الرسمية حتى ايجاد حل منه الطرد من الوطن) وليسوا أبناء هذا الوطن.

كما قلت اشتهر وقتها المحامي الشيوعي حنا نقاره، وأطلق علية الناس لقب "محامي الشعب" ، وكانوا ينشدون له الأهازيج الوطنية فرحا بتحصيله للهويات عبر المحاكم الأمر الذي كان يعني البقاء في الوطن وعدم اعتبار الفلسطيني "متسللا" ( أو ضيفا) مرشحا للطرد وراء الحدود.

من تلك الأهازيج النضالية :

طارت طيارة من فوق اللية الله ينصركو يا شيوعية (اللية اسم مكان في الجليل)

حنا نقاره جاب الهوية غصبا عن رقبة ابن غريونا ( بن غوريون – أول رئيس لحكومة إسرائيل)

وتطورت ثقافة شعبية غنائية كجزء من النضال والصمود ضد التشريد، يذكرها الشاعر والمناضل حنا إبراهيم ( كتابه: ذكريات شاب لم يتغرب )وهي أغاني تحدي كانت تنشد في حلقات الدبكة والمهرجانات النضالية ومنها:

يا أبو خضر يللا ودينا الزرقات والحمرا ع صرامينا (أبو خضر هو اسم شرطي مارس العنف ضد العرب، والزرقات والحمر هي الهويات)

هذا وطنا وع ترابه ربينا ومن كل الحكومة ماني مهموما

يقطع نصيب ال قطع نصيبي لو انه حاكم في تل أبيب

توفيق الطوبي وإميل حبيبي والحزب الشيوعي بهزو الكونا (من أبرز قادة الحزب الشيوعي آنذاك)

ويتلقف الشبان الكرة ويعلو نشيد المحوربه ( نوع من الغناء الشعبي الفلسطيني) :

لو هبطت سابع سما عن حقنا ما ننزل

لو هبطت سابع سما عن أرضنا ما نرحل

طبعا هذا الجانب النضالي أبدع فيه الحزب الشيوعي بقياداته الطليعية في ذلك الوقت.

هذه لمحة أضفتها لفهم الواقع الذي ساد المجتمع العربي الفلسطيني ، واقع تعيس ، لكن أبناء الشعب الفلسطيني لم يرفعوا أيديهم مستسلمين، وكان يوم الأرض (1976)عاصفة غضب شلت فكر الاستمرار في مصادرة ما تبقى من أراضي وهي قليلة جدا، إذ تقدر مساحة الأرض بملكية عربية اليوم أقل من 3.5% وكانت أكثر من 95% قبل قيام دولة إسرائيل..

هذا الكتاب وثيقة هامة ضرورية لكل مثقف وقارئ يريد ان يعرف حقائق الواقع من مصدرها الأول وبدون مزايدات سياسية.

 

الكتاب: حكاية.. ارض وصمود

الكاتب: نادر زعبي

إصدار جمعية ربوع الخير – كفر مندا - 2015

.......................

*- نادر زعبي – كفر مندا– باحث في موضوع الجغرافيا السياسية وعلوم البيئة ويواصل دراسته للقب الثالث ولدية العديد من الأبحاث والوثائق الهامة التي ستنشر قريبا.

 

934-tarصدر حديثا عن المكتب المصري للمطبوعات كتاب "علم التاريخ" للمؤلف شوقي الجمل

حاول الكاتب في هذا الكتاب الذي يقدمه للباحثين في مجال التاريخ أن يعالج موضوعين  مترابطين ومتكاملين يصعب فصل أحدهما عن الآخر:

الموضوع الأول: نشأة علم التاريخ منذ بدأ على شكل قصص وروايات، ثم تطور مع تطور المعرفة الإنسانية. وقد تعرض الكاتب لدور العرب في هذا المجال والشوط الذي قطعوه فيه فخصص فصلاً لذلك.

934-tarكذلك تعرض لوضع علم التاريخ بين العلوم الأخرى والآراء المختلفة التي أثيرت حول هذا الموضوع.

كما أشار للعلوم الأخرى الوثيقة الصلة بعلم التاريخ، وبما يجب أن تتوفر في الباحث التاريخي من صفات ومميزات ليمارس هذا العمل بمفهومه الصحيح السليم.

الموضوع الثاني: فهو يتعلق بالمنهج الذي يجب أن يلتزم به الباحث في هذا الميدان حيث بدأ الكتاب مع الباحث منذ اختياره لموضوع بحثه وحتى تنسيق المادة التاريخية تمهيداً لعرضها على هيئة موضوع متكامل متجانس ومترابط.

وقد اعتمد الكاتب في كل ذلك على القواعد المتعارف عليها والتي أصبحت الأسس الرئيسية التي يقوم عليها البحث التاريخي.

كما عرض الكاتب آراء وأفكار العديد من المؤرخين الذين برزوا في هذا الميدان واهتموا بهذه الدراسةـ دراسة منهج البحث التاريخي.

 

 

jamil hamdaouiنقدم، في كتابنا هذا، نظرة بانورامية عامة حول أدب الأطفال في منطقة الخليج العربي من أجل التعرف إلى هذه الظاهرة الفتية، باستقراء أبعادها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتاريخية، والثقافية.

وإذا كانت أوروبا قد عرفت أدب الأطفال، منذ وقت مبكر، بالمفهوم العلمي لأدب الأطفال، فإن دول الخليج العربي لم تعرف هذا الأدب إلا في بدايات القرن العشرين. بل هناك من يذهب بعيدا إلى أن العرب عرفوا هذا الأدب منذ فترة قديمة، وأنهم سبقوا أوروبا واليابان في ذلك.

وعلى أي حال، فقد اعتمدنا، في هذا الكتاب، على مقاربة تاريخية تعتمد على التتبع الزمني لظاهرة أدب الأطفال في منطقة الخليج العربي، متتبعين التسلسل الكرونولوجي، وتمثل التحقيب التاريخي .

وتستند منهجيتنا، في دراسة أدب الأطفال في الخليج العربي، إلى  مجموعة من المعطيات المنهجية الأساسية، مثل: دراسة الذاكرة التاريخية، والاهتمام بدراسة السرديات الطفلية، باستقراء القصص والروايات والحكايات كما وكيفا، و دراسة مسرح الأطفال من جهة، وشعر الأطفال من جهة أخرى.

 ولم ننس كذلك كتب المعارف والفنون والموسوعات المعجمية وكتب النقد التي تؤرخ لظاهرة أدب الأطفال في بلدان الخليج العربي. وكنا نبحث وننقب في مجال الصحافة، بتتبع تاريخ الجرائد والمجلات، واستكشافها كما وكيفا. بل كنا نهتم أيضا بدور النشر والطبع والتوزيع التي تعنى بإخراج إنتاجت أدب الأطفال إبداعا ودراسة ونقدا.

وقد أنهينا دراستنا بتقويم أدب الأطفال في كل بلد خليجي على حدة بغية معرفة أسباب التعثر والتقدم، واستجلاء الأسباب الذاتية والموضوعية التي كانت وراء انتعاش أدب الأطفال أو ركوده وتراجعه.

وقد وجدنا صعوبات جمة في استجماع المعلومات المتعلقة بأدب الأطفال في بعض البلدان الخليجية، مثل: قطر، والبحرين، والإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان...

و نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن أخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وماتوفيقي إلا بالله.

 

د. جميل حمداوي

...............................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

أدب الأطفال في بلدان الخليج العربي / د. جميل حمداوي

 

933-khadomعن دار أور للطباعة والنشر في بغداد صدر مؤخرا ديوان شعري بعنوان: (تراتيل الدمع) للشاعر العراقي كاظم ال وحيد العنزي .

الديوان يحتوي على 100 صفحة وقد احتوى على ثلاثين قصيدة توزعت على اربعة نوافذ:933-khadom

نافذة انين الغربة ودموع من القلب ووجدانيات واخيرا فراشات غزل اضافة الى المقدمة والاهداء وكلمة شكر والخاتمة والفهرست وسطور عن حياة مؤلفه , سطر الشاعر في ديوانه الجديد معاناة المغترب والحنين العالي للوطن ثم انتقل في نوافذ اخرى يخاطب فيها وجدانه في قصائد للوالدين ومرثية حزن وقصائد ذاتية غلب طابع الحزن عليها لما يشعر الشاعر بالفخر والكبرياء امام قسوة الزمن ومعاناة الظروف وبين محطات الحزن والاغتراب ولغة الوجدان رسم لنا لوحات لعشق الحبيبة والغزل الجميل من خلال نافذة سميت فراشات غزل التي احتوت على خمسة عشر قصيدة تلونت بكلمات شفافة ولوعة المحب وهذا هو الاصدار الثاني بعد ديوانه الشعري الاول (ابوذيات من الغربة) اصدره عام 2012 .

 

سلام البهية السماوي - ملبورن   

 

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب موضوع (سيميوطيقا المسرح) نظرية وتطبيقا ووظيفة، على أساس أن المسرح نص أو عرض زاخر بالعلامات الصوتية والسمعية والأيقونية واللغوية والبصرية والحركية. بمعنى أن المسرح فن سيميائي مركب بامتياز، مادام يستند إلى الرموز، والإشارات، والعلامات، والأيقونات، ويجمع بين ما هو لفظي وماهو بصري. ومن ثم، فالمقاربة السيميوطيقية هي المنهجية الأكثر قدرة على تفكيك علامات المسرح وتركيبها.أي: إن هذه المقاربة هي الأصلح لتحليل النصوص والعروض المسرحية في مختلف مكوناتها وسماتها الفنية والجمالية والسينوغرافية والإخراجية.

ويلاحظ أن السرد والشعر قد استفادا كثيرا من السيميوطيقا العامة نظرية وتطبيقا.في حين، لم يستعن المسرح والسينما بالمقاربة السيميوطيقية إلا بعد أن استنفذت هذه المقاربة العلاماتية كل إمكانياتها المنهجية والنظرية والتطبيقية في مجالي السرد والشعر مع فلاديمير بروب(V.Propp)، وغريماس(Greimas)، ورولان بارت(R.Barthes)، وكلود بريمون (C.Bremond)، وجوزيف كورتيس(J.Courtès)، وميكائيل ريفاتير(M.Rifaterre)، وجوليا كريستيفا (J.Krestiva)، وجاك مولينو (J.Molino)...

وعليه، فقد كانت حلقة براغ (Prague) سباقة إلى الاهتمام بسيميائية الفن بصفة عامة، وسيميوطيقا المسرح بصفة خاصة. وبعد ذلك، توالت الدراسات والأبحاث المتخصصة في مجال سيميوطيقا المسرح، بالتركيز على سيميوطيقا التشخيص أوالتمثيل، وسيميوطيقا اللغة المسرحية، وسيميوطيقا الفضاء المسرحي، وسيميوطيقا السينوغرافيا، وسيميوطيقا الإخراج، وسيميوطيقا الرصد، وسيميوطيقا النص الدرامي...

ومازالت الدراسات السيميوطيقية في النقد العربي بصفة عامة، والنقد المغربي بصفة خاصة، محدودة ومعدودة إلى حد كبير؛ لأن المسرح العربي يغلب عليه النقد الصحافي أو الفني أو التاريخي أو الانطباعي أو السوسيولوجي... وقلما يهتم بالنقد السيميوطيقي من أجل مقاربة النص أو العرض المسرحي تفكيكا وتركيبا.

 لذا، فكتابنا هذا محاولة متواضعة في هذا المضمار العويص، يروم التعريف بالسيميولوجيا من جهة، وتحديد مفهوم سيميوطيقا المسرح من جهة أخرى. دون أن ننسى الدراسات المغربية والعربية التي تناولت هذه السيميوطيقا الدرامية بشكل نظري أو تطبيقي. ثم قدمنا كذلك، في هذا الكتاب،  نماذج تحليلية من العروض الأمازيغية في ضوء سيميوطيقا المسرح.

وفي الأخير، أتمنى من الله أن يلقى هذا الكتاب المتواضع رضا القراء، وأشكر الله شكرا كثيرا،  وأحمده على علمه ونعمه وفضائله.

 

د. جميل حمداوي

...................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

سيميوطيقا المسرح في الوطن العربي / د. جميل حمداوي

 

 

931-khalidعن منشورات دائرة الثقافة والإعلام بحكومة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، صدرت الطبعة الأولى، بداية غشت 2016، من كتاب "الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي" للكاتب والناقد المغربي الدكتور خالد التوزاني، لينفتح في مقاربته لأدب الرحلة على أشهر الرحلات العربية، مركزا على ثيمة / موضوعة العجيب باعتبارها محط اهتمام الرحالة والمتلقي معاً، ومصدر إمتاع ومؤانسة، وبوابة التغيير الداخلي للذات الإنسانية المحلقة في آفاق النفس والعالم، مؤكدا بذلك قيمة الأدب في التنمية البشرية ودور الرحلة في تقوية الشخصية وتربية النفس على قيم الصبر والتعاون والتعارف..، وغيرها من القيم التي تسهم الرحلات في إشاعتها.

931-khalidلم تكن الرحلة حدث سفر وتجوال في المكان أو في الوهم والخيال فحسب، بل هي ترجمة حقيقية لرغبة الكائن في الخلاص من شرطي الزمان والمكان والعدم. وكذلك، هي تعبير عميق عن رغبة دفينة في التغيير الداخلي، تنشأ متوازية مع الحاجة إلى تجارب جديدة، أكثر من تعبيرها في الواقع عن تغيير مكان، فالرحلة وإن كانت رحلة في المكان، إلا أن المقصود بالمكان، في معظم الرحلات، هو مكان المجتمع الآخر أو الثقافة الأخرى، والمجتمع والثقافة كائنات زمانية بالضرورة، وفهم الحاضر فيها يتطلب بالضرورة معرفة بالماضي، بل وتشوفاتها نحو المستقبل أحيانا. وبتعبير آخر، تعتبر الرحلة انتقالا من حضيض الرغبات والأهواء، إلى مدارج علوية من الجهاد الروحي والفكري والحضاري. وهكذا فإن كتاب "الرحلة وفتنة العجيب بين الكتابة والتلقي" سيتيح للقارئ العادي والمتخصص السفر الممكن في عوالم الرحلة العجيبة بما توفره من لذة وفائدة وما تقدمه من موائد دسمة من العجيب المنبث في كل حركة وانتقال وتحوّل وارتقاء..

تتفنن نصوص بعض الرحلات في تشكيل العجيب والغريب بألوان من الدهشة والحيرة والجمال، فيغدو كل شيء في الرحلة عجيبا، ليس لأن أصحاب الرحلات كانوا يزينون نصوصهم ببعض العجائب رغبة في إثارة انتباه المتلقي وتشويقه، وليس استجابة لذوق القارئ المَيَّال إلى العجيب فحسب، وإنما كذلك، لأن ما رآه الرحالة كان شيئا عجيبا حقا بالنسبة إليه، فـأكثر الناس حكما على الأمور بالغرابة هم أكثرهم ترحالا، حيث يواجهون "الجديد" دائما ويكسرون ألفة المكان والثقافة، فينقلون عالما جديدا مغايرا لما سحقته الرتابة وقتله الملل، ولذلك لم تكن غاية الرحلات إبداع عالم عجيب بقدر ما كانت التعجب من العالم الموجود، فكل ما في العالم موضوع للعجب عند التأمل فيه، إلا أن الاعتياد عليه والأنس به، هو ما يذهب بالحيرة، ويذهب بلذة الحياة أيضا، ولذلك لم يرتق من لم يرحل ولم يتطور من لم يذق عجيب المشاهدات.

إذا كان العجيب في الإبداع الأدبي يروم إفزاع المتلقي وإثارة انفعاله، فإنه في أدب الرحلات يستهدف تحقيق أبعاد تربوية ومعرفية وعرفانية خادمة لسمو الإنسان وجماله الخُلقي وبنائه النفسي المتوازن. وإذا كان هدف العجيب في الأدب عموما يعمل على فضح الواقع وتعرية المعاني المختفية في شقوقه وتخومه، واستدراج الظواهر المهملة في الزوايا إلى الحديث عن نفسها والإفصاح عن مكنوناتها وأسرارها، فإنه في أدب الرحلات محاولة لتغيير ذلك الواقع من خلال اقتراح حلول بديلة تعيد التوزان المفقود وتعين المرء على تجديد حياته وصناعة واقع مغاير ينسجم مع تطلعاته وأحلامه في قوة التمكين، انسجاما مع ضرورة الهجرة والرحيل من مكان الاستضعاف إلى مواطن القوة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾( سورة النساء، الآية: 97). لتشكل الرحلة نافذة للتغيير الإيجابي عبر تحويل العجيب إلى مألوف، والمستحيل إلى ممكن.

هكذا، تبدو الرحلة ميداناً معرفياً وثقافياً غنياً بالدلالات والرموز، ومجالاً خصباً يشي بقصة جهود الإنسان وجهاده ساعياً إلى اكتشاف مجاهيل الكوكب الأرضي مرتاداً آفاقاً جديدة، رغبة في إدراك بعض أسرار الكون وفهم سلوك البشر وطرائق عيشهم وغرائب المخلوقات وعجائب الموجودات.. فالرحلة بهذا المعنى درس تجريبي ومدرسة تعلم الإنسان خبرات جديدة في الحياة، وترشده إلى استخلاص العبر والمواعظ عبر مواقف غير مألوفة ومَشاهِد لم يعتد على رؤيتها والتفاعل معها، فيكتسب بهذا الاحتكاك قوة وصلابة، ولعل ذلك ما دفع الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون إلى القول: "إن السفر تعليم للصغير وخبرة للكبير". وأكثر من ذلك، يذهب أحد الأدباء الفرنسيين إلى القول: "إن الرحلات تشكل أكثر المدارس تثقيفاً للإنسان". إن كل هذه الأهمية التي يحظى بها أدب الرحلات تجعل البحث في عجيبها وغريبها أمرا ممتعا ومفيدا، وفي الآن نفسه مغامرة علمية لا تخلو من صعوبات، ولا شك أن القارئ سيستفيد من هذه الرحلة، التي هي رحلة في عجيب الرحلات؛ فإذا كان خوض الرحلة أمرا في غاية الروعة والجمال، فإن "أروع الرحلات هي التي نقوم بها في رحلات الآخرين".

لم يزين أصحاب الرحلات نصوصهم ببعض العجائب استجابة لذوق القارئ الميَّال إلى العجيب والغريب فحسب، وإنما كذلك لأن ما رآه الرحالة كان شيئا عجيبا حقا بالنسبة إليه، وبذلك لم تكن الغاية من تدوين الرحلة، إبداع عالم عجيب، بقدر ما كانت التعجب من العالم الموجود. فلا عجب أن تُعلن بعض الرحلات انفتاحها على العجيب والغريب بدءا من عتبة العنوان ومرورا بما في النص الرئيس من كثافة لحقل العجيب وانتهاء بما تتركه من انطباع لدى القارئ، حيث تؤسس بذلك الإعلان أفق انتظار يرتبط بالنوع نفسه، فيجد المتلقي نفسه مدفوعا لتتبع عجائب الرحلة واقتناص لحظات من السفر الجميل والممتع. وبذلك، يمارس العجيب فتنته وسحره على الرحالة والمتلقي.

إن عجيب أدب الرحلات يتجاوز الإمتاع والمؤانسة إلى نقل ثقافة الرحالة واهتماماته وانشغالاته التي هي – في الحقيقة- جزء من انشغالات الإنسان في كل زمان ومكان، ومن ثم يمكن أن تساعد دراسة عجيب أدب الرحلات على فهم عقلية الإنسان زمن تدوينه للرحلة ومعرفة طبيعة تفكيره وتمثله للذات والآخر والمحيط، فأهمية نصوص العجيب ومظاهره تتجاوز ماهو من اختصاص الأدب والنقد، إلى ماهو من مهام البحث في علوم أخرى مثل علم الاجتماع وعلم النفس والباراسيكولوجيا، وغير ذلك من الحقول المعرفية التي تروم فهم الإنسان.

ويعتبر هذا الإصدار حصيلة بحث طويل وتأمل عميق في أدب الرحلات امتد لعدة سنوات، وأثمر رؤية جديدة لمفهوم الرحلة، حاول فيه الكاتب والناقد المغربي الدكتور خالد التوزاني الجمع بين الأدب و بعض العلوم الإنسانية وخاصة علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ، لتقديم عمل أكاديمي يستحق القراءة والتداول.

 جدير بالذكر أن الكاتب والناقد المغربي الدكتور خالد التوزاني، له جملة من المؤلفات المنشورة منها، كتاب "أدب العجيب في الثقافتين العربية والغربية"، وكتاب "جماليات العجيب في الكتابات الصوفية" وكتاب "التراث المغربي: التحديات والأبعاد التنموية" وله عدة مقالات منشورة في مجلات علمية محكمة، كما حصل على جوائز في النقد الأدبي منها: جائزة أحمد مفدي للدراسات النقدية بالمغرب، وجائزة الاستحقاق العلمي من مؤسسة ناجي نعمان العالمية للأدب بلبنان.

 

 

moamar habarسبق لصاحب الأسطر أن أنهى قراءة كتاب "مذكرات الشابي"، أبو القاسم الشابي، وكتب حوله مقال بعنوان "مذكرات الشابي".

وقد ذكر الأديب الشاعر أنه ألقى محاضرة بعنوان "الخيال الشعري عند العرب". فعاد لمكتبة جمال ليقتني كتاب "الخيال الشعري عند العرب"، أبو القاسم الشابي، الطبعة الأولى 2013، بيت الحكمة، الجزائر، من 96 صفحة.

تطرق الكاتب إلى الأدب العربي بشكل عام والشعر العربي، معتمدا على خصائص العرب والأدب العربي عبر العصر الجاهلي، والعصر الأموي، والعصر العباسي، والعصر الأندلسي. موضحا خصائص كل عصر، وما يميّزه عن غيره من حيث نظرة الشاعر والأديب في تلك الفترة للعرب والأدب العربي، وبعض القضايا كالحب، والمرأة، والجمال، والطبيعة، وحديث القلوب والصدور.

ينطلق الكاتب الأديب من فكرة أساسية ، ثم يعود إليها في الخاتمة ليؤكدها، وهي أن العرب عبر العصور الأربعة، لم يكن لهم خيال شعري، وكانوا ينظرون إلى الطبيعة والجمال والمرأة من ناحية المادة والجسد، معتمدا على عيّنات لكبار شعراء العصور الأربعة. ومن حين لآخر يقارنها ببعض عينات من الأدب الغربي، ويرى بأن ذلك يعود..

1. طبيعة المنطقة العربية الصحراوية القاسية التي أثرت على سلوك العربي، فأمسى جزء من ضراوتها وقساوتها في التعبير عن الجمال بما يسئ للجمال، أو لا يحسن التعبير عن الرقيق بما يناسبه من رقة.

2. آلهة العرب تفتقر للجمال عكس آلهة الأمم الأخرى التي كانت تعبّر عن الرقة والجمال. والآلهة عند العرب لاتنطوي على الخيال، ولا تمثل مظهرا من مظاهره أو عاطفة من عواطف الإنسان.

3. باعث العرب لعبادة الأصنام لم يكن من ورائها العنصر الجمالي الرقيق الباعث على الحب والحياة.

4. وأساطير العرب لا تشرق بالحياة والفن.

5. العرب في جميع العصور لم يهتموا بالطبيعة عبر أشعارهم. ويرى الكاتب أن التغني بالطبيعة لم يرقى إلى المستوى المطلوب في العصر الأندلسي ، رغم توفر الطبيعة الخلابة، وذلك بسبب الإفراط في الشهوات فأمات الأحاسيس.

6. وشعراء العربية سواء في المرحلة الجاهلية وما بعدها كالأموي، والعباسي والأندلسيي، لم يشعروا بتيار الحياة المتدفق في قلب الطبيعة إلا إحساسا بسيطا ساذجا خاليا من يقظة الحسّ ونشوة الخيال.

7. كان العربي يقف أمام الطبيعة وقفة الأخرس الذي لا ينطق، والأعمى الذي لا يبصر أضواء.

8. إهتمام العربي بالظاهر المحسوس.

9. شعراء العربية لم يشعروا بتيار الحياة المتدفق في قلب الطبيعة إلا إحساسا بسيطا ساذجا خاليا من يقظة الحسّ ونشوة الخيال.

10. وشعراء العربية – هكذا يسميهم – لم ينظروا إلى الطبيعة نظرة الحسّ الخاشع إلى الحي الجليل، إنما كانوا ينظرون إليها نظرتهم إلى رداء منمّق وطراز جميل لا تزيد عن الإعجاب البسيط.

11. لم يجعل العرب لشعرائهم آلهة وملائكة تكلمهم كما كان في الأساطير من سبقوهم، بل جعلوها شياطين تصقل لسان الشاعر.

ثانيا: المرأة عند العرب.. ونظرة الأدب العربي إلى المرأة، نظرة دنيئة سافلة منحطة، وأنها جسد ومتعة من متع العيش الدنيء. وإهتمام الشاعر العربي بجسد المرأة مهما كان عصره وتقواه ومجونه، فإن مرد ذلك إلى إهتمام العربي بالظاهر المحسوس. ولا فرق بين شعراء الجاهلية، والأموي ، والأندلسي ،والعباسي ، رغم تباعد الزمان وتغيره، في وصف المرأة من حيث الجسد والشهوة. وشعراء الجاهلية وشعراء الإسلام ، يتفقون جميعا ولا يختلفون في وصف المرأة على أنها شيىء وجسد، رغم تغير الزمان واختلاف الشخصيات من عاقل وماجن.

وتحت عنوان " الخيال الشعري والمرأة في رأي الأدب العربي " ، يقول.. حرم العرب الجمال السماوي، ولم يكن لديهم من فنون الجمال على اختلاف فنونه غير فن واحد هو "المرأة"، فتغنوا بمحاسن المرأة.

وتجاوزت المرأة عند العرب كل حدّ حتى أصبحت هي اللحن الجميل الذي تستهل به القصائد، وهي الكلمة السحرية التي تنفتح لها كنوز الشعر، وحتى أصبحت عندهم كآلهة الشعر.

والمرأة عند الشاعر العربي لا تعدو كونها جسدا ومنهلا للشهوات. أو ليفاخر أبناء البادية أنه قدير على تصبي النساء والعبث بهن.

وابن الرومي هو الوحيد الذي تحدث عن جمال المرأة ككائن مستقل عن الجسد، وأن مصدره النفس الخالدة.

وشعراء العرب يحسنون وصف المرأة  شكلا، لكن هذا العمل يحسنه الجميع، لكن لاتظهر معه مزية الشاعر على غيره، وليس من وظيفة الشاعر.

وإهتمام الشاعر العربي بجسد المرأة مهما كان عصره وتقواه ومجونه، فإن مرد ذلك إلى  إهتمام العربي بالظاهر المحسوس.

والأسباب التي دعت بالشاعر العربي إلى النظر إلى المرأة من زاوية الجسد والشهوة، هو نظرة الرجل للمرأة على أنها مثل للؤم والغدر، والخسّة، والخبث. ضف لها إنعدام الحرية للمرأة، وليس هذه الحرية التي لاحظ لها من كرامة المرأة.

وقد تفشى الأدب الخليع بشكل منكر لدى الأدب العباسي.

لاتختلف نظرة الشاعر العربي للطبيعة نظرته للمرأة، فهي عنده محض مادة وإشباع شهوات الجسد، بل ربما سمت نظرة بعض الشعراء إلى الخمر، حين لم تسم نظرته إلى المرأة.

المرأة عند شعراء العرب متعة ولهوا، تساوي بين الفرس السّابق والخمر العتيق.

وكلهم سواء الشاعر الماجن كأبي نواس، أو العاقل الرزين كامرىء القيس، لايختلفان في وصف جسد المرأة.

لافرق بين شعراء الجاهلية وشعراء الأندلس والعباسي والأموي، رغم تباعد الزمان وتغيره في وصف المرأة من حيث الجسد والشهوة.

شعراء الجاهلية وشعراء الإسلام ، يتفقون جميعا ولا يختلفون في وصف المرأة على أنها شيىء وجسد، رغم تغير الزمان واختلاف الشخصيات من عاقل وماجن.

وكل ما أنتجه الذّهن العربي في مختلف عصوره، قد كان على وتيرة واحدة. ليس له من الخيال الشّعري حظّ ولا نصيب. ولا يهمها من المرأة إلاّ الجسد البادي. وكل ماانتجه العقل العربي كان مطبوعا على غرار واحد، ومطبغا بصبغة واحدة.

ويرى عبر صفحات 51 - 57وما بعدها،، أن  المرأة في الأدب لم تظفر من الخيال الشعري ولو كان يسيرا. ونظر إلى المرأة نظرة مادية لا عمق فيها ولا ضياء.

وكان الشاعر في العصر الجاهلي والأموي صادقا في ميله للمرأة وشغفه، وإن لم يتحدث عنها إلا من الناحية الجسدية.

وأما الشاعر العباسي والأندلسي فقد قضت المدنية على منبع الرجولة، فأصبح أكثر حديث عن المرأة كاذبا لا تحس حرارة الحب، ولا صدق بالرغم من جميل الرّنة وخلاب النسق.

ثالثا: العربية والعرب من خلال العصور الأربعة.. قسم الكاتب الأدب العربي إلى 4 أدوار: الدور الجاهلي، والدور الأموي، والدور العباسي، والدور الأندلسي. ومن خلالها بحثه عن الطبيعة، وحظها من الخيال الشعري، ومنها..

الشعر الجاهلي كالشعر الأموي لم يهتم بجمال الطبيعة وكان "نادر كل الندور"، وعلى قلته وندرته "لم يكن من النوع الذي يشعل خيالا وحسّا".

وكان أدب العصر الأموي والعباسي لايعرض لوصف مناظر الطبيعة إلا إذا دعت الضرورة دون أن يسهب في الوصف ويشبع القول. وكان يصف الطبيعة ،  كما رآه دون أن يخلع عليه من حلّة من شعوره، وعبق من عواطفه.

أما في العصر العباسي، فقد إصطبغت الحياة الإسلامية بحضارات عديدة متباينة كالروم والفرس، الذي أتقن أهلها اللغة العربية، وكتبوا الشعر بلغة ما ألفه العرب. .وشعراء العرب سكنوا المدن والعواصم وعاشوا في أوساط جميلة، وهجروا البادية. ولم يتطور الأدب العباسي ، لأن الطبيعة لم تكن بالقدر الكافي الذي يفجّر العواطف، كما هو الحال في الأدب الأندلسي.

لكنه يرى أن الشعر العباسي أدق وأصدق شعورا من الأدب الأندلسي، رغم أن الأدب الأندلسي أحفل بهذا الفن من الأدب العباسي وغيره. ويرى أن التغني بالطبيعة لم يرقى إلى المستوى المطلوب في العصر الأندلسي ، رغم توفر الطبيعة الخلابة، وذلك بسبب الإفراط في الشهوات فأمات الأحاسيس. وكان الشعر الأندلسي رقيقا طليا، لكنه قليل الحظ من عمق الشعور. وكان لبعض شعراء الأندلس شغف بالطبيعة، فشغلتهم اللذة والهوى عن الإفصاح. فكان شعرهم أقل من الشعر العباسي، الذي كانت طبيعته أقل خلابة وجمال. ويمتاز الأدب الأندلسي بديباجة ناعمة، وتعبير عذب ناصع، ووصف دقيق جميل، لكن ليس وراء ذلك عاطفة حادة، أو إحساس عميق.

رابعا: العوامل التي أثرت على الروح العربية.. إبتداء من صفحة 80، يرى أن بتداء  الروح العربية خطابية مشتعلة لاتعرف الأناة في الفكر ، ومادية محضة لاتستطيع الإلمام بغير الظواهر مما يدعو الى الاسترسال مع الخيال. فالروح العربية أبدا متنقلة، وهي ابدا حائمة. فالخيال لا يعتمد على الخطابة والحماس، ودقّة الاحساس تستلزم المزاج الهادىء.

لم يكن الشاعر العربي كما هو في عصرنا على أنه رسول الحياة لأبنائها الضائعين. بل كانوا لايفرقون بين الشاعر والخطيب من أنه حامي القبيلة ، والمستفز لنخوة الحمية في ابنائها، والمناضل عن اعراضها بلسانه. فالشاعر ينظم خطبته والاخر ينثرها نثرا. ومنها ان للنزعة الخطابية كثرة المترادفات في اللغة العربية كثرة هائلة. ومنها ميل العرب الى الايجاز. لأن طبيعة العرب الخطابة، والخطابة منشؤها حدّة الطبع، ومن كان حادا كان متسرّع عجول، عجول في حكمه، في فعله، في قوله أيضا، وهذا يناسبها أخصر الأسلوب، وذلك هو الإيجاز.

ثم إن الطبيعة لم تكن معهم سخية، ولم تمنحهم ريشة الفن، ولا ضربت عليهم سحر الجمال، فظلت محرومة من ذلك الجمال الإلهي الذي يغمر النفس يما يفيض عليها من سعادة الحس ونشوة الشّعور.

فهو كالصحراء التي نشا فيها، لايعرف رغد العيش ولا محبة السلام، ولا يفقه دعة الحياة، ولا غبطة العيش ، وإنما هو ثمرة جامحة كالرياح، ظامئة كالهواجر، متضرمة كشمس الظهيرة، لاترتوي ولا تشبع، ولا تسكن إلى الراحة، ولا تخلد إلى السّكون، لأن الحياة الثائرة تجعل همّ الناس في السنتهم، لان الكل يريد قود الجميع بلسانه.

وعبر صفحات 87- 94، يذكر العوامل التي اثرت الروح العربية عبر الأدب الجاهلي، والأموي، والعباسي، والأندلسي، وهي..

لم يكن هناك تغير في العصر الأموي، وبقيت على ماكان العصر الجاهلي، ولم تختلط بالشعوب.

وجاء العصر العباسي، حيث اختلاط الشعوب والحضارات، واستوطن كثير من العرب المدن والامصار. وظهر نوع جديد من الادب العربي، وهو الادب الطبيعي، لكن دائما بنفس نظرة الجاهلي والاموي للطبيعة، لايتحدث الا عن اللون والشكل.

والشعر العربي في الاندلس ، طبع بطابع الأرض الجميلة، وصقلته بصقيل ذلك الوسط. فجددوا في المظاهر كالأوزان ولم يجددوا في الجوهر والروح.

 ترجم العرب فلسفة اليونان والإغريق، ولم يترجموا الأدب الفارسي وغيره، تكبرا منهم وإعتقادهم أن الشعر العربي وعلى رأسه الشعر الجاهلي هو أفضل ما في الدنيا، وأن غيره لايستحق القراءة والترجمة، والسبب في ذلك غرور العرب، ضف أنها تحتوي على الوثنية. وعدم إطلاع العرب على آداب الأمم الأخرى، بالإضافة ما تركه النقاد من تمجيد وتهوين، وما خلفه العرب لأبنائهم من ميراث روحي لأبنائهم، ساهم في انحطاط الادب العربي.

خاتمة.. ذكر الكاتب الأديب جوهر الكتاب في صفحتي 18-19، حين قال.. "وإن على حساب ما في الإقليم من جمال وروعة تكون شاعرية الأمة". و " على حساب طلاقة الجو أو قطوبه تكون نفسيات الأمم والشعوب ".

يستعمل الشابي مصطلح " شعراء العربية"، ولا يستعمل مصطلح " شعراء العرب". لم يذكر الأسباب صراحة، لكن القارىء المتتبع يمكنه أن يتكهن بذلك.

تحدث عن مساوىء الايجاز عند العرب، والعرب تفتخر بكون لغتهم تمتاز بالإيجاز. ولأول مرة في حياتي أقرأ عن مساوىء الإيجاز.

ذكر أن جبران خليل جبران، والادب الغربي، كانوا أفضل من شعراء العرب عبر كافة العصور في التحدث عن المرأة، بعيدا عن انها شيء وجسد، كما يذكر العرب في أدبهم وأشعارهم.

يعيب في صفحة 92 على العرب الذين يطالبون بالإبقاء على نفس نسق الشعر الجاهلي من بداية وخاتمة وغرض. ويستنكر على الذين يرون أن الأدب العربي ما هو إلا مجون، ولهم، وكذب، وأن أصدق الشعر أكذبه. ويرى أن هؤلاء بقوا في الشكل دون الجوهر.

من محاسن الكتاب، أن القارىء يقف على الشابي الأديب، والبليغ ، والفصيح، بعدما عرفه بأنه الشاعر الرقيق. ومن الظلم للرجل أن يحصر في بيت ".. إذا الشعب أراد يوما الحياة... لابد أن يستجيب للقدر "، وهو أكبر بذلك بكثير من حيث الوصف، والنقد.

إمتاز الشابي بجرأة لم يعهدها العرب في نقد الأدب العربي والشعر العربي، وعلى رأسه الشعر الجاهلي. وبيّن بعضا من نقائص إعترته عبر كافة العصور، ويرى أنه من الأخطاء الفادحة، أن يظل العرب يتمسّكون بسلبيات تضر بعصرهم، وبأساليب لاتتماشى ويومهم، ويطالب بأدب عربي يرقى لمستوى تطلعات الأمة، وأن يكون حلا لأوضاعها التي لا تشبه أوضاع ذلك الزمان.

 

 

jafar abdulmahdisahibقبل أن ندخل في عرض محتويات الكتاب الذي أمامنا لابد أن نسبق ذلك بذكر البطاقة التعريفية للمناضل والمفكر الأستاذ كريم مروة.

- ولد المؤلف عام 1930 في بلدة حاريص الواقعة في جنوب لبنان بالقرب من الحدود مع فلسطين.

- سليل عائلة لبنانية عريقة أنجبت رجالاً مفكرين وكتاب كبار، والده الشيخ أحمد مروة، رجل دين مستقل وغير مرتبط بأي مؤسسة دينية.

- أكمل كريم مروة دراسته الثانوية في بغداد إذ كان تحت رعاية ابن عم والده الأديب والمفكر المعروف حسين مروة.

- عاد الى لبنان وعمل في مهنة التعليم لمدة سنتين، وفي عام 1953 إلتحق بالدراسة الجامعية في الجامعة اللبنانية بقسم الأدب العربي، وفي نفس العام انتمى للحزب الشيوعي اللبناني.

- قبل أن ينهي عامه الأول في دراسته الجامعية تم تكليفه بقرار حزبي للعمل في قيادة اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي.

- أختير في مطلع عام 1963 كممثل لحركات السلم العربية في مجلس السلم العالمي ومقره فينا، واستمر بمنصبه هذا حتى نهاية عام 1964.

- بعد عودته من فينا الى لبنان عام 1964 أصبح عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني وبقي يشغل هذا المواقع حتى عام 1999.

- ساهم مع بعض من رفاقه الشباب في حركة تجديد الحزب (1966- 1968) والتي كرست استقلالية الحزب الشيوعي اللبناني عن المركزية السوفيتية التي كانت سائدة وقتذاك.

- انتخب عام 1984نائباً للامين العام للحزب، وبقي بهذا الموقع حتى عام 1993.

- قرر في عام 1999 عدم الترشيح لأي موقع قيادي حزبي وتفرغه للعمل الفكري وتوجهه لإجراء البحوث والدراسات وكتابة المقالات وتأليف الكتب.

- صدرت له الكتب التالية:

ماذا بعد حرب تشرين، بيروت، دار الفارابي 1974.

كيف تواجه الأزمة في حركة التحرر الوطني العربية، بيروت، دار الفارابي 1974.

المقاومة: أفكار للنقاش عن الجذور والتجربة والآفاق، بيروت، دار الفارابي. 1985.

حوارات: مفكرون عرب يناقشون كريم مروة في القومية والاشتراكية و الديمقراطية والدين والثورة، بيروت، دار الفارابي 1990.

جدل الصراع مع إسرائيل وجدل السلام معها، بيروت، دار الفارابي 1994.

الوطن الصعب:الدولة المستحيلة، بيروت، دار الجديد 1995.

حوار الايديولوجيات بين أفكار ماركس وأفكار دينية، بيروت دار الفارابي 1997.

من ذاكرتي الفلسطينية، بيروت، دار المدى 1998.

نحو جمهورية ثالثة، بيروت دار الفارابي 2001.

كريم مروة يتذكر، بيروت، دار المدى2002.

تأملات في عالم اغد، بيروت، دار المدى 2003.

عشية أفول الامبراطورية، بيروت، دار الفارابي 2003.

جورج حاوي، بيروت، دار النهار.2005.

الفكر العربي وتحولات العصر، دار الفارابي 2006.

أزمة النظام العربي وإشكاليات النهضة، بيروت، دارالانتشار العربي 2006.

الظاهرة العراقية، دار المدى 2007.

الشيوعيون الأربعة الكبار، دار الساقي 2008.

البحث عن المستقبل، دار الساقي 2009.

فلسطين وقضية التحرر في سير وابداعات المثقفين الفلسطينيين، بيروت، الدارالعربية للعلوم ناشرون 2012.

ملامح الشخصية اللبنانية، بيروت، الدار العربية للعلوم 2014.

فصول من تجربتي، بيروت في الفكر وفي السياسة، الدار العربية للعلوم ناشرون 2015.

بعد استعراضنا لسيرة حياة المفكر كريم مروة، نتوجه الآن بعرض لكتابه الأخير (فصول من تجربتي الشخصية)، فهذا الكتاب يضم 14 فصلاً وجل فصوله تتمحور حول البحث في مستقبل لبنان والوطن العربي، وتبلغ عدد صفحات الكتاب 390 صفحة، قامت بنشره الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2015. وسنقوم الآن بعرض الفصل الأول من الكتاب على أمل استعراض بقية فصوله لاحقاً.

منذ أيام الشباب، نحن في العراق خصوصاً، كنا نقلّب صفحات التاريخ الحديث لمعرفة خفايا المعضلة اللبنانية فمرت علينا مرحلة الاستقلال في 22 نوفمبر 1943 وإعلان الميثاق الوطني بعد ثورة بشامون التي قادها وزير الدفاع الوطني مجيد أرسلان ورئيس مجلس النواب صبري حمادى والوزير الحبيب أبو شهلا والذين أجبروا المفوض السامي الفرنسي على إطلاق سراح رئيس الجمهورية بشارة الخوري ورئيس وزراءه رياض الصلح وبعض وزراء والقادة الوطنيين مثل عادل عسيران وكميل شمعون وعبد الحميد كرامي وسليم تقلا، الذي كان قد اعتقلهم في قلعة راشيا. ولكن قراءة صفحات التاريخ لوحدها غير كافية لمعرفة الحقائق الكامنة ما بين السطور. وهذه الأمور لا يعرفها إلا باحث من نفس البيئة موضوع البحث. ومن هنا تأتي أهمية كتاب الأستاذ كريم مروة ليكشف لنا الكثير من الأسرار الكامنة وراء الخطوات التاريخية في مسيرة النضال اللبناني من أجل الاستقلال. ويعد هذا الكتاب مادة دسمة لمعرفة الظاهر والباطن في حياة لبنان الدولة والمواطنين اللبنانيين.

لقد كرس الأستاذ مروة الفصل الأول لمستفبل لبنان واليسار الذي يحتاجه لبنان. فهو يناقش الموضوع بعقل متفتح معززاً أفكاره بتجربة سياسية طويلة وغنية وبدون تعصب وانحياز، إذ أهم ما يتميز به هذا الرجل الباحث أنه قد عصرته التجارب خلال سني نضاله التي أصبحت رصيداً فكريا يشار له بالبنان في بلاده لبنان والوطن العربي.ً

 فقد استعرض ظروف الحرب الأهلية في لبنان وما انتهت إليه بعد توقيع اتفياقة الطائف، ومحاولة العديد من الأطراف العربية أن تلعب دوراً ما في الوضع اللبناني الداخلي أو فرض الوصاية عليه، وحتى محاولات ضم لبنان الى سوريا في عهد الرئيس حافظ الأسد الذي كان يردد في أكثر من مناسبة عبارته الشهيرة ( نحن شعب واحد في دولتين ). وقد واجهت الوصاية السورية اعتراض من قبل جميع الفصائل السياسية اللبنانية ما عدا حزب الله وحركة أمل فهما الحليفان الأساسيان لتلك الوصاية.

وأشار الأستاذ مروة الى دور حزب الله في تحرير الأرض اللبنانية من براثن الاحتلال الإسرائيلي ولكن بنفس الوقت بقي هذا الحزب مناصراً للوصاية السورية على لبنان، وكان من المفترض، حسب رأي المؤلف، أن يبادر الحزب الى إهداء دوره في المقاومة الى الدولة اللبنانية، بعد انتهاء دوره في تحرير الأرض أسوة بما فعلته كل المقاومات في تاريخ العالم المعاصر.

وتصاعدت المقاومة ضد سياسة الوصاية السورية وما رافقتها من عمليات الإغتيال السياسي لعدد من رموز مقاومة الوصاية والتي كان أبرزها اغتيال الرئيس الحريري، الذي حرك الرأي العام اللبناني والإقليمي والعالمي، مما أرغم القوات السورية على الخروج من لبنان بفعل ضغط المقاومة الداخلية وضغط الخارج.

ويتناول الأستاذ مروة في هذا الفصل موضوع الديمقراطية المرجوة ووجهات النظر المختلفة فيها إضافة الى مناقشة وضع النظام السياسي اللبناني وما تؤول إليه سياسة المحاصصة وإشكالياتها المفتعلة التي عطلت تكّون لبنان كوطن لجميع اللبنانيين، وعطلت قيام دولة مدنية حديثة. ويسلط الباحث الضوء على الطابع الشكلي للديمقراطية دون الالتفات للجوهر، فنظام المحاصصة الطائفية قد شاركت في صياغته وحياكته الطبقة السياسية المهيمنة منذ استقلال لبنان وبعده، وهي تنظر الى الواقع بايديولوجيات ضيقة الأفق تجعل مصلحتها الطائفية فوق مصلحة الوطن.

وتحت عنوان فرعي (فصل الدين عن الدولة ومجلس شيوخ العشائر) يطرح الأستاذ كريم جوهر الفكرة المتمثلة في تحرير الدين من سوء استخدامه وتحرير الدولة من سوء هذا الاستخدام. ويشرح بشكل مسهب مفهوم الدين ومفهوم الدولة ووضع النظام السياسي في لبنان وتأثير تلك المظاهر علية منذ اكثر من نصف قرن، أي منذ استقلال البلاد الى يومنا هذا. ويرى الأستاذ مروة بأن بناء دولة ديمقراطية مدنية وعصرية لا يتم إلا بالتخلص من عقدتين رئيسيتين وهما فصل الدين عن الدولة وإلغاء الطابع الطائفي، وهذا يتطلب التعامل بحذر مع هاتين العقدتين لصالح تقوية عود الدولة المدنية الديمقراطية.

ومن أجل توضيح الرؤية المستقبلية للدولة المنشودة يرى الأستاذ مروة ضرورة إجراء تعديلات لأربعة قوانين جوهرية، الأول قانون الانتخابات وهنا يصطدم المؤلف بجدار الطائفية مرة أخرى فيطرح موضوع تعديل القانون بشكل جوهري يحرره من الطائفية وإلغاء التوزيع المذهبي في التمثيل،الانتخابات بمستويين الى جانب الأخذ بمبدأ والذي بموجبه ينتخب نصف النواب على قاعدة النسبية، أي جعل لبنان دائرة انتخاب واحدةوالنصف الثاني تعتمد فيه الطريقة الفردية.وبهذه الحالة يجري التدرج في ترسيخ الوعي الديمقراطي لدى المواطن.

والقانون الثاني هو قانون اللامركزية الادارية، الذي سن في جو ظروف خاصة . فيتم تعديل هذا القانون وبالشكل الذي يضمن حل المعضلات التي تواجه انتخابات المحافظات والأقضية، على أن يكون مشابهاً لقانون التمثيل النيابي من حيث اعتماده على النسبية ويكون عصرياً وديمقراطياً.

القانون الثالث الذي يجب تعديله هو قانون الأحوال الشخصية وبالشكل الذي يجعله أسوة بسائر القوانين خاضعة لمباديء الديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان والذي يؤمن للمواطن الإختيار الحر لأحوالهم الشخصية سواء كانت الدينية أوالمدنية. والى جانب ذلك يتوجب في التعديل توحيد جسم القضاء وإلغاء المحاكم الدينية وجعلها جزءاً من محاكم الدولة المدنية، وجعل القضاة الشرعيين خاضعين لإعداد أكاديمي لا تتحكم في تعيينهم المؤسسات الدينية وارتباطاتها السياسية.

والقانون الرابع قانون الأحزاب والجمعيات،وأولى التعديلات الواجبة لهذا القانون هو إزالة أي دور لوزارة الخارجية ومؤسساتها الأمنية، فالحرية أما أن تكون كاملة أ لا تكون.والنقطة الأخرى التي يجب الأخذ بها بنظر الاعتبار، العمل بالتدرج لمنع الدين والمؤسسات الدينية في الحياة السياسية، لأن الاستمرار في تأسيس الأحزاب الدينية يقود الى إفساد الدين وقيمه في الممارسة السياسية باعتبارها شأناّ خاضعا للتغيرات. وعلى العموم أن تدخل ادين في السياسية يؤدي الى تشويه دور الدولة والوظائف المدنية المسؤولة عنها.

ويناقش المؤلف أيضاً أمور جوهرية أخرى بالنسبة لحياة الدولة ومن تلك الأمور قضية فصل السلطات واستقلال القضاء والرقابة، والمؤسستين العسكرية والأمنية، ونظام المعرفة وحقوق الإنسان، و ملخص قراءته لليسار الجديد وهو حصيلة وخاتمة الفصل الأول من الكتاب حيث يرى الأستاذ المؤلف بأن ظروف المرحلة الراهنة بكل تعقيداتها وتداخلاتها تستوجب استخدام تسمية اليسار بدلاً من لفظ الشيوعي أو الاشتراكي مع الاحتفاظ بالمنطلقات الفكرية التي وضعها كارل ماركس. ويرى الأستاذ مروة أن انهيار الأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا قد ولّد قاعدة اجتماعية جديدة تختلف عما كانت عليه في السابق فاليسار الحديد هو ليس لطبقة بعينها حصراً كما كانت عليه (البروليتاريا) في زمن الشيوعية. فقد أظهرت العولمة الى ولادة فئات جديدة كالطبقة الوسطى أو ما بقي منها، فضلاً عن جمهور كبير من الأجراء ومن المهمشين، هؤلاء جميعاً يشكلون جيشاً من المعنيين في التغيير الديمقراطي أكبر مما كان عليه الأمر في الزمن الماضي.

أما الصيغة الجديدة المفترضة لليسار فمن الصعب تحديدها لكنها بالقطع هي لن تكون هي ذاتها التي اتخذت صيغة أحزاب شيوعية بالشكل الذي حدده لينين عم 1919 وهي لم تعد صالحة لزماننا هذا. أما برنامج اليسار الجديد فيمكن تحديده على ضوء الواقع المعاش بالاستناد على أربعة أمور،

الأمر الأول: إن غياب وتغييب دور الدولة يجعلها بمواصفات شبه دولة التي في ظلها لم تتحقق الأهداف الت قامت من أجلها في سيادة الحق والقانون ودولة كل المواطنين. لذا يتوجب على اليسار الجديد أن يحقق هدفاً جوهرياً استعادة الدولة لدورها وتحويلها الى دولة مدنية حديثة.

 الأمر الثاني: التعامل مع الحالة الطائفية الطاغية على الساحة اللبنانية ومواجهة افرازاتها السلبية من خلال النضال من أجل تحرير ما يمكن تحريره مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأحزاب الطائفية السائدة ذاتها ليست كلها في موقف واحد وبعض منها ممكن أن يتحالف مع اليسار وفق محددات وشروط واضحة.

الأمر الثالث: يتعلق بالخراب الذي أصاب الوطن في مختلف الأصعدة وما يرافق ذلك الخراب من انتشار الفساد. ويتطلب من اليسار ليس الاستنكار والاحتجاج بقدر السعي الدؤوب عن طريق النضال وتقديم المقترحات الكفيلة للحد من الفساد وفضح الفاسدين.

 الأمر الرابع: يتعلق بسوق العمل وتضاؤل امكانياته مما يجعل الأيدي العاملة تتجه نحو اللجوء الى الهجرة و بقاء غير القادرين عليها في العيش في ظروف البؤس، وهذا يتطلب من اليسار العمل لتجميع مؤسسات المجتمع المدني بهدف تحويلها الى قوة سياسية واجتماعية ضاغطة في تجاه إعادة الدور للدولة ولوظائف مؤسساتها بشكل كامل وصحيح.

ولابد من أن نشير هنا الى أن أفكار كريم مروة هذه المتعلقة باليسار الجديد نجد لها جذور مبكرة فقد طرحها وبكل شجاعة مع رفاقه الشباب في الحزب الشيوعي اللبناني في الفترة 1966- 1968 من أجل الاستقلالية الفكرية وعدم تبعية المركزية المفرطة التي فرضها الكرملين على الأحزاب الشيوعية في شتى أصقاع الأرض. وعندما نصف هذه الخطوة بالشجاعة فعلينا أن نتصور الظرف الزماني الذي حدثت فيه، حيث القبضة الحديدية البريجينيفية الصارمة وانسياق بقية الأحزاب، في مختلف أرجاء الأرض، وراء خطى موسكو انسياقاً تاماً.

 وهذا ما يذكرني بنكتة عراقية تقول، الشيوعي ابن بغداد عندما يسمع النشرة الجوية، في عز الصيف، يحمل المظلة بسبب سقوط المطر في موسكو! ومعلوم أن أشهر الصيف في بغداد ينعدم فيها المطر كلياً.

وختاماً يمكن لنا القول إن كتاب الأستاذ المفكر كريم مروة عبارة عن غابة غناء يحوي الكثير من الثمرات المفيدة الناضجة اليانعة التي لا يستغني عنها كل مفكر أو باحث يطلب زاداً علمياً رصيناً.

 

عرض البروفسور دكتور جعفر عبد المهدي صاحب

أوسلو – مملكة النرويج

 

930-aldamiثمة مغناطيس فاعل يكمن في دواخل سمير. لذا، فقد أظهر سمير تأثير هذه الـ"كاريزما"، المتولدة من كيميائه الحيوية المتفردة، على حسان "مدينة الحرام" على نحو متذبذب القوة عبر الأعوام، بين مؤشر صاعد وآخر نازل. إلا أن تأثيرها يستقر الآن على أدنى مستوياته.

930-aldamiفي هذه الحكايات الإسترجاعية، يصطحب سمير ضيفه الثقيل، الملاك "إيروتيكا" في رحلة لإستعراض أهم محطات سيرته الحسية والعاطفية، المباشرة والمنقولة: مذ كان فتى صغيراً لم يبلغ سن الإلتحاق بالمدرسة الإبتدائية، عندما استغلته "بادية" جسدياً لتبلغ ذروة غير ممكنة، حتى بلغ سن الرجولة عندما طلبت "عذراء" منه أن يقدم لها إبناً، بصراحة؛ وعبر شريط مثير من التجارب العصية على النسيان. من بينها دروس "حكيمة" في علم الـ"سيكسولوجي" التطبيقي، وعبقرية أصابع "ملاك"، وآثار اصابعه على رفيقة سفره، وهي تفعل المعجزات، وفخ دموع "وفاء" الموجعة، وممارسة "شريفة" الحب معه بمحض الصدفة، واغتصاب "عواطف" جماعياً غدراً، ناهيك عن توظيفات "إيفا" لمهاراتها الجسدية الحميمة للتجسس لصالح دولة أجنبية، من بين سواها من الحكايات الطريفة والمشحونة بالدلالات. تلك هي الحكايات التي ترسبت الواحدة تلو الأخرى أوراقاً في موسم الخريف، لتستقر منسية في قعر منجم ذاكرة بطل الحكايات، متراكمة هناك حتى "لحظة" إضطلاع "الملاك إيروتيكا" باستخراجها وتحليلها قبل بضعة أشهر على سبيل توظيفها لإكمال تأليف كتابه الضخم، (تاريخ العلاقات الجسدية والعاطفية لمواطني مدينة الحرام).

 

يمكن الحصول على نسخة من الكتاب من موقع الناشر createspace من خلال الرابط التالي:

https://www.createspace.com/6331193

أو من خلال موقع أمازون :

https://www.amazon.com/Under-Turban-Passion-Tales-Haram/dp/1533677247/ref=sr_1_fkmr0_1?ie=UTF8&qid=1465618220&sr=8-1-fkmr0&keywords=under+the+torban+%2Fmuhammed+al+dami

 

 

 

929-hudaلا بد ونحن غارقون في زحام المدن ويبابها من طلة خاطفة على حديقة النور، وربما وسط ما يكتنف الإنسان من ضغوطات حياتية، وفي عمق غابات الإسمنت والشرفات المتقابلة، يمكن للقارئ تنسم عبير أزاهير "الهايكو" مزروعة في أصص ملونة، توضع على الشرفات؛ كي يتأملها وهي تحاور زهرة النور، أو تتوارى في صمت المكان، فتتهادي على ألوانها فراشات الدهشة، ويغزل النحلُ من رحيقها القصيد.. تتبادل مع السنونو بهجة السفر والعودة بحكايات الفصول الأربعة وأسرار المعابد في قمم الجبال، والطيور التي تبني أعشاشها في قلوب الشعراء، لتلتهمها حدقات العيون المتربصة، أو ترتوي من ينابيع الروح وبحيرات الود لتلتقط من خدود اللحظة بريق دمعة تُبَرْعِمُها ، فيفوح شعرُ ""الهايكو""، وتتجلى الروح والنفس بطيبهِ المنعش

هذه النفحة جاءت من وحي المجموعة الشعرية الجديدة للشاعرة التونسية هدى حاجي الصادرة عن دار العين للنشر في القاهرة يونيو ٢٠١٦ تحت عنوان "بين ضفتين" والتي جاءت في قسمين:

الأول بعنوان "الهايكو"" بين ضفتين."

والثاني الذي ترجمه كاتب مقدمة المجموعة، نزار سرطاوي إلى الإنجليزية بعنوان:

.929-huda""الهايكو" بلسانيْن"

وقد استهلت الشاعرة مجموعتها بهذه الزهيرة الفواحة، قائلة:

"زهرة "الهايكو"

لا تحتاج التراب والماء

بريق دمعة يبرعمها"

ففي هذه النفحة المعطرة بأجمل الصور الشعرية، تختبئ كل الأزمات الحياتية في عمق اللحظة؛ لتمر الدهشة إلى عينيّ المتأمل فتنغلقان كعدسة التصوير، على صورة بهية تسجل في الذاكرة السطحية؛ كي يتزود هذا المُتْعَبُ (أو المتجلي) بطاقتها الإيجابية، في منطقة متوارية عن ضجيج الحياة، كأنها رحلة لحظية إلى سكون الطبيعة وأحضانها المحفوفة بالجمال والخيال، بعيداً عن زحام المدن.

 

    وكما قال الناقد والشاعر نزار سرطاوي في معرض تقديمه لهذه الباقة الشعرية:

" إنها "الهايكو"، هذه الزهرة التي لم يمضِ على تفتحها أمدٌ طويل، الزهرة التي يطلّ برعمها على الدنيا بلا تراب ولا ماء. فهي تستقي من بريق دمعة. ذلك أنّها تفيض من روح شاعرةٍ تتقصّى الضوء وتلتقط لمعاته حتى من بريق دمعة.

هذه هي قصيدة "الهايكو" بإيجازها وسرعتها وتكثيفها وبصورها الاستثنائية التي تستثير الوجدان، وبذلك الإحساس المفاجئ بالاستنارة الذي تستشعره القارئة أو القارئ وكأنَّ شعلةً قد أضاءت مكانًا خفيَّا في العتمة."

 

وقبل قطاف زهرة ""الهايكو"" المورقة بأجمل الصور الشعرية، والفواحة بطيب المعنى، لا بد من تسليط الضوء على هذا النوع من الشعر الذي انتشر عالمياً وأصبح له متذوقون وأنصار يستلهمونه وفق شروطه اليابانية أو يخبئون بين بتلاته أسئلة لا تستيقظ إلا لتختبئ من جديد؛ لكنها ستوقظ في القارئ الانتباه ولو بعد حين.

وفي هذا السياق، كيف نتفهّم تجربة هدى حاجي وتحليلها وفق شروط شعر ""الهايكو"" وقواعده اليابانية؟

 لأجل ذلك ينبغي الولوج إلى ًعالم هذا النوع من الشعر والتعرف به،

فما هو شعر "الهايكو"؟

 

     تعرفه الموسوعة الحرة على أنه “نوع من الشعر الياباني، يحاول شاعر "الهايكو"، من خلال ألفاظ بسيطة التعبير عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة. تتألف أشعار ("الهايكو") من بيت واحد فقط، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا (باليابانية)، وتكتب عادة في ثلاثة أسطر (خمسة، سبعة ثم خمسة.

 

ومن الملاحظ أن التعريف ذكر أرقاماً تتعلق بعدد الأسطر والمقاطع وتوزيع الكلمات على أساس الرقم الفردي. وهي أيضاً ترتبط بالأعمار والمواسم حيث أن الأرقام الفردية عند اليابانيين تثير التفاؤل.

 

ويرجع تاريخ "الهايكو" الحديث الى عام 1892م بظهور قصائد الشاعر الياباني (سيكو شايكي ). وتعتبر الشاعرة اليابانية ” هيساجو سوجيتا” من أشهر شعراء "الهايكو" والتي اعتمدت القصيدة عندها في بناء "الهايكو" على أساس المشهد الأمامي و المشهد الخلفي. إذ تَتَملك الشاعر براءة الطفولة وهو يصف المشهد حسياً مستخدماً مفردات بسيطة وفطرية الدلالات وآنية من خلال عناصر مترابطة. كأن الشاعر في غيبوبة البوح لا يريد أن يغوص في أعماق البحيرة مكتفياً بمشهدها الخارجي البسيط.. فهو يصور المشهد حسياً ويبتعد بالمتلقي عن مطاردة الغاية في النص. إنها اختزال لمشاعر وأحاسيس الشاعر الانطباعية في سبعة عشر مقطعاً وفق التراكيب في اللغة اليابانية. وكما قال الدكتور باسم القاسم في دراسة له عن شعر "الهايكو":

"ما تفعله تقنية (سوجيتا) هو التخلص من هذه الممارسة واستبدالها بالـ (هارموني) بين مشهدين في لوحة واحدة أحداثهما متواكبة ومتوافقة زمانيا ومكانيا بالنسبة للهايكو إنها تجعل "الهايكو" يدخل في حالة من ( المحو) لذاته ولغته لا تريده أن يفتعل شيء من أحداث النص أو في أحداث النص كذلك ..ولكنها تقنية تحتاج إلى مهارة ودرجة تنقية للذهن عالية ..هي تماماً مثل أن تنسج وشائج تدمج الكائنات في حكمة وجود واحدة" .

 

 

 

ولمزيد من الفهم لهذا النوع من الشعر، لاحظ هذه اللقطة اللحظية المفخخة في النص التالي للشاعر الياباني باشو:

“صفصاف أخضر (مشهد أمامي)

تتقاطر أغصانه على الطمي

أثناء الجزر”( مشهد خلفي)

هنا يتأمل الشاعر الطبيعة فتدهشه اللحظة ويصورها الطفل القابع في أعماقه على نحو مشهد أمامي لشجرة الصفصاف التي حركت دلالاتها مشاعره وهي تتحرك في المشهد الخلفي الذي يتمثل بالمد وهو يعكس صورتها بلونها الأخضر ليختطفها الجزر.

وفي سياق التعريف بهذا النوع من الشعر الذي يشبه اللقطة أو الومضة السريعة التي تشغل العقل في لحظات ثم تكيفه مع الفكرة المختزلة حتى يستحلب طعمها.. ولولا بعض الخصائص التي تميز شعر "الهايكو" وفق شروطه في الأدب الياباني لقلنا بأن الومضات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي إذا ما كتبت في سطر واحد منثور فإنها تصنف من شعر "الهايكو" شكلا وليس مضموناً. فما هي خصائص هذا الشعر إذاً؟

وللتعرف على هذه الخصائص، سنأخذ “الومضة اللحظية” التالية كمثال للشاعرة اليابانية (كوباياشي إسّا):

“سُئل عمره

فرفع يده

ملابس الصيف”

ومن الملاحظ في هذا النص بأن شعر "الهايكو" يربط المشهد الحسي بدلالة موسمية (الصيف) إشارة إلى معالم الطقس الموجودة في بيئة اليابان الغنية؛ دلالة على المواسم الأربع.

فتجدون أيضاً الإشارة للحيوانات ( مثل السلحفاة التي ترمز إلى طول العمر)أو النباتات تعبيراً عن المشاركة مع البيئة التي ألهمت الشاعر، بناءاً على الحالة النفسية التي يكون فيها الشاعر وهو يطبق عينه على خاتمة مشهد لحظي، ليتأملها، ومن ثم يكتبها قبل أن تنمو في عقلة فتخرج عن شروط "الهايكو". واليابانيون يحررون أنفسهم من الأزمات باللجوء إلى الطبيعة من خلال التأمل وفق العقيدة البوذية (اليوغو). علماً بأن هناك عيد في اليابان يسمى (يوم الاحتفال بالربيع) في الحادي والعشرين من مارس، يقدم فيه الناس الشكر للطبيعة ويعربون عن حبهم للكائنات الحية. وفي منتصف سبتمبر (الخريف) يحتفل اليابانيون بتأمل القمر وهو في حالة البدر ويفتحون النوافذ أو يلجأون إلى الجبال لمشاهدته. وهذا يدل على العلاقة الروحية بين الشاعر الياباني بالمواسم والطبيعة.. ويمكن من هذا المدخل فهم علاقة "الهايكو" بالحالات النفسية و السياقات الاجتماعية و الثقافية التابعة لتلك المواقف من منظور ياباني على اعتبار أن عمق دلالة المفردة عند الياباني تختلف عنها لدى الشعوب الأخرى. كل هذا يُلخّص في صورة ذهنية مُركّزة و مبسّطة في إطار تجربة فردية لتلك اللحظة كما هو الحال في النص أعلاه.

وفي النص أعلاه حينما سئل الطفل عن عمره يخرج يده مشيراً إلى عمر الخمس سنوات وبالتالي قد يكون وقت الاحتفال به حسب مراسيم "شيتشي(سبع سنوات) – جو (خمس سنوات)- سان ( ثلاث سنوات)”و هي الأعمار التي يُحتفل فيها بصحة وسلامة الأطفال في اليابان. حيث يصطحب الآباء أبناءهم إلى المعبد القريب منهم للدعاء. ويستند اختيار سني العمر الفردية إلى الاعتقاد بأنها أرقام تدعو إلى التفاؤل، ويرسم الأطفال على أكياس الحلوى صورتين لطائري الكركي والسلحفاة واللذان يرمزان إلى طول العمر في اليابان.

أما “ملابس الصيف” فتدل على عادة إخراج ملابس الصيف و تخزين ملابس الشتاء، أي في الشهر الرابع من السنة. وكأن المؤشرات إلى المواسم والأشهر لا بد أن تتوفر في نصوص "الهايكو".

ولقطة "الهايكو" تشبه الصور التذكارية في موسم ما. ومن هنا يأتي الربط بين "الهايكو" ومواسم الأعياد. ويمكن التوصل إلى النتيجة التالية في أن أصالة شعر "الهايكو" تنبع من تقاليد الشعب الياباني وخصوصيته. لذلك فإن تقليد هذا النوع من الشعر من قبل شعراء لا ينتمون إلى شعوب شرق آسيا (كونهم يتمتعون بسمات متقاربة وتجمعهم تقاليد ذات أصول فكرية ودينية واحدة)؛ فإن إبداعاتهم ستكون تقليداً باهتا للشكل على حساب المضمون.. لأن المفردة والدلالة اليابانية لا تنسجم مضموناً مع شبيهاتها لدى الشعوب الأخرى ولو توافقتا بالشكل.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم التجارب العربية في شعر "الهايكو" تذهب إلى استبدال الطبيعة بالإنسان، ما يدرجها في تصنيف آخر هو شعر "السِنْرْيو" والذي يعرفه سرطاوي في سياق تقديمه للمجموعة:

" السِنْرْيو (بتسكين النون والراء). فقصيدة السِنْرْيو، التي يرتبط اسمها بالشاعر الياباني سِنْرْيو كاراي (1718 – 1790)، تشترك مع قصيدة "الهايكو" في كافة الخصائص باستثناء الموضوع. إذ أنها تستبدل الطبيعة بالإنسان، فتتحدث في كثير من الأحيان عن جوانب الضعف الإنساني، وربما تميل إلى السخرية، بعكس "الهايكو"، التي تتميز بجديةً أكبر ".

فهل تحققت شروط "الهايكو" لدى الشاعرة التونسية هدى حاجي؟

تقول الشاعرة في إحدى قصائدها:

"غيوم سوداء(مشهد أمامي)

فراشة نائمة

برعم يحلم بالربيع"( مشهد خلفي)

فالغيوم السوداء العميقة أوحت بالمطر الذي طرق أحلام الفراشة ليستنهض الربيع، وهي لقطة قد توحي بالأمل.

***

"في آنية الكرستال(مشهد أمامي)

أضمومة الإكليل البري

تموت يانعة"(مشهد خلفي)

تقال فيمن يجزل العطاء  حتى الرمق الأخير، ففي المشهد الأمامي تنطبع صورة الإناء وفي قلبه ضمة الورد، التي تبعث بدورها في القلوب السعادة، رغم أن الحياة تتسلل خارجة من عودها الرطب.

***

"في المتحف(مشهد أمامي)

غزالة محنّطة

مازالت تعدو"(مشهد خلفي)

المتحف في هذا المشهد يوحي بأشداق الموت المتربص، والغزالة الميتة كأنها تقفز إلى المشهد الخلفي فتحرر المعنى ليركض في ذهن المتلقي حياً كالأمل.

***

"العالم ليس موحشاً(المشهد الأمامي)

أنصت للبراعم

همهمات تؤنسك"(المشهد الخلفي)

ففي المشهد الأمامي الربيعي غير الموحش تعلمك البراعمُ معنى الحياة.

***

وقد ترجم نزار سرطاوي مجموعة كبيرة للشاعرة إلى الإنجليزية، ضمت للديوان تحت عنوان:

"هايكو بلسانين" وقد لاقت أشعار هدى حاجي المترجمة قبولاً جيداً لدى كبار النقاد الأمريكيين، وإليكم ما أورده المترجم سرطاوي حول ذلك في خاتمة مقدمته للمجموعة قائلاً :

"في مطلع هذا العام 2016 اتصلت بي الشاعرة والناقدة الأميركية (يوتي مارغريت سين)، عضو مجلس إدارة وتحرير مجلة كاليفورنيا الفصلية California Quarterly التي تصدر عن جمعية الشعر في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة، وطلبت مني أن أرسل لها عددًا من القصائد التي ترجمْتُها إلى الانكليزية من الشعر العربي المعاصر، ليتم اختيار إحداها للعدد القادم من المجلة. وقد بادرتُ بإرسال قصائدَ لخمسةٍ من الشعراء والشاعرات من أقطار عربية مختلفة. وفيما بعدُ تلقيت رسالةً من محررة العدد، تعلمني فيها بقبول ثلاثةٍ من نصوص "الهايكو" لهدى حاجّي. أما باقي الشعراء فلم تأتِ على ذكرهم. (نشرت نصوص "الهايكو" المذكورة في المجلد 42، العدد الأول، 2016.) وهذه شهادةٌ ضمنية لهدى تأتي من مجلةٍ متخصصة بالشعر، وأيضًا من شاعرةٍ وناقدةٍ حصيفة مثل سين، تكتب "الهايكو"، وتتمسك بالكثير من تقاليده اليابانية الأصلية، بما فيها نموذج الـ 5-7-5 الذي أشرت إليه سابقّا. ورغم أن القصائد تفقد بعضًا من ألقها حين تُترجم إلى لغة أخرى، فإن قصائد هدى اجتازت هذا الحاجز الشائك بسلام. وهذا يشير صراحةً إلى ما تتمتع به نصوصها من قوةٍ وتأثير وما تتميز به من حِرفيةٍ تؤهلها للانتقال إلى الطبقة الأولى من شاعراتِ وشعراءِ "الهايكو" في العربية.

النصوص الثلاثة التي قبِلتْها مجلة كاليفورنيا الفصلية تستحق التأمل. لذا أوردها هنا رغم أنها تجيء في الفصل الأخير من هذه المجموعة، "هايكو بلسانين"، الذي يضمُّ عددًا من نصوص هدى كنت قد ترجمتها إلى الإنكليزية عام 2015 ونُشِرت في غير مجلة إلكترونية، ولاقت استحسانًا وترحيبًا من قِبَل القراء:

في المتحف

غزالة محنّطة

مازالت تعدو

~ ~ ~

ساعة الغروب

تكلّمني شجرة

بلغة الطير

~ ~ ~

منتصف يناير

شجرة تفاح عارية

في البرد القارس"

 

في الخاتمة لا بد من الإشارة إلى أن شعر "الهايكو" آخذ في الانتشار السريع ليشق طريقه في المشهد الثقافي العربي باقتدار، وأصبح لديه مريدوه من القراء، ما جعل الشعراء ينخرطون في أتون هذه التجربة القادمة من اليابان وقد أدرك شعراؤها مبكراً قيمة الوقت منذ قرون، ولعل بساطة "الهايكو" وقدرته على تحمل اللحظة التذكارية المبسطة في الشكل، والعميقة بالأسئلة؛ قد أغوت جيلاً جديداً من الشعراء الذين وجدوا ذواتهم في هذا اللون الجميل من الشعر المفخخ دون تكلف في المشاعر، فهي لقطة يأخذها العابرون معهم وقد تنكهت بالقيسوم والزعتر، في زحام المدن كي تضيء لهم شيئاً في الذاكرة مع تقاسيم الزرزور والدوري.

المراجع:

1- بكر السباتين- شعر “"الهايكو"” الياباني والصور التذكارية" في 29مايو 2016 / جريدة صوت العروبة

2- نزار سرطاوي- مقدمة الديوان

3- ديوان" بين ضفتين"

4- الموسوعة الحرة

 

 

 

 

 

 

jamil hamdaouiلا يمكن للثقافة  الأمازيغية أن تنتعش وتزدهر، بأي حال من الأحوال، إلا عن طريق الإعلام المسموع والمكتوب والمرئي. ومن هنا، فالراديو والتلفزيون والسينما والإنترنيت والصحافة والكتاب من الآليات المهمة في عملية التواصل والتبليغ، بهدف نقل الرسائل الملفوظة وغير الملفوظة ، وإيصال الشفرات الذاتية أو الموضوعية إلى الآخرين من أجل تلقيها وتفكيكها وتأويلها من جهة، وتمثلها إيجابا أو سلبا من جهة أخرى.

بيد أن الإعلام السمعي والمرئي لا يمكن أن يحقق أهدافه المرجوة، سواء أكانت عامة أم خاصة، إلا بوجود الإمكانيات المادية والمالية والبشرية والتقنية، وتحقيق الديمقراطية ميدانيا، ووجود قضاء نزيه وعادل، وتوفير الطاقات الإعلامية المثقفة والمتجددة من أجل السمو بالإعلام المغربي تقنية وتفاعلا وترابطا، والرفع من مكانته وطنيا وعربيا ودوليا.

وبناء على ما سبق، فقد ظهر الإعلام الصحفي المكتوب بمنطقة الريف في سنوات الثمانين (1987م) من القرن العشرين مع جريدة (الصدى) التي كان يصدرها منعم شوقي بإقليم الناظور لرصد القضايا المحلية والجهوية والوطنية والدولية. وبعد تسع سنوات، وبالضبط  في سنة 1996م، ظهرت أولى جريدة بمدينة الحسيمة هي (الخزامى) لصاحبها محمد البقالي .

 وبعد ذلك، توالت الصحف المحلية بمنطقة الريف ، وظهرت الجرائد الجهوية والوطنية والمجلات التي ترتبط بالنطاق الأمازيغي الريفي، وتعبر عن القضايا الأمازيغية والهموم المحلية. أما الصحافة الإلكترونية في منطقة الريف، فلم تنتشر بشكل مكثف وموسع إلا في السنوات الأولى من العقد الأول من الألفية الثالثة.

إذاً، ما واقع الصحافة المكتوبة بمنطقة الريف؟  وما العوائق والمشاكل التي تعاني منها هذه الصحافة؟ وما الحلول والاقتراحات الممكنة؟ وما واقع الإعلام الأمازيغي السمعي وآفاقه الممكنة؟ هذا ما سوف نرصده في هذا الكتاب الذي بين أيديكم.

ونرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في هذا الكتاب المتواضع، و يسدد خطانا، ويرشدنا إلى ما فيه صالحنا، ونستغفره عن هفواتنا وكبواتنا وأخطائنا وزلاتنا. كما نستسمح القراء الأفاضل عما في هذا الكتاب من نقص وتقصير ونسيان، فالكمال والتمام من صفات سبحانه وتعالى جل شأنه وعلا، وماتوفيقي إلا بالله.

 

د. جميل حمداوي

............................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

الإعلام الأمازيغي بمنطقة الريف.. الواقع والآفاق / د. جميل حمداوي

 

 

asaad alemaraمن المعروف لدى المشتغلين في مجال الصحة النفسية، وعلم النفس المرضي والاضطرابات النفسية أو السواء النفسي، أن هذا التخصص الدقيق في علم النفس والطب النفسي متحرك ومتجدد، وبحاجة لتحديث مستمر في كل موضوعاته،  لأن الإنسان في وجوده يتفاعل مع الآخرين. أن علم الصحة النفسية هو علم قائم على التطور والتكيف، ليس علم كلاسيكي جامد، واظهرت لنا البحوث الميدانية أن التطور المستمر لا يعيق التكيف، وهنا لابد أن نفرق بين دراسة موضوع الصحة النفسية بمحاولة صادقة والنظر بموضوعية دون تشويه لحقائق الاحتياجات الشخصية وإن كانت غير مقبولة اليوم، لكنها ستكون مقبولة في المستقبل، وهو  التطور بعينه، فالواقع المعاش  يظهر لنا كيف أن الفرد أو المجتمع أو الكائنات الحية بصفة عامة كانت تحتاج على مر الزمان إلى قدر من التكيف مع قدر من التطور، فالتكيف التام يؤدي إلى درجة من الجمود والملل، ويقول د. محمد شعلان: قد تنتهي بالموت أو على الأقل تتساوى معه.

أحيانًا ينفعل الإنسان  ويفكر بعنف مع نفسه بسبب الضغوط الحياتية اليومية المتغيرة ومستجدات الحياة اليومية السريعة فضلا عن الأوضاع السياسية التي أشرك السياسيين جميع شرائح المجتمع في بلداننا العربية، فأصبح الهم العربي ديالكتيك وجود الإنسان ومن ثم أنعكس ذلك على حياة الناس وفي أدق تفاصيلها، فلم يعد العلم أكاديميًا بحتًا، أو يدرس في أروقة الأقسام العلمية والكليات والجامعات، إنما أصبح همٌ مستمر ودائم، وقول مؤسس التحليل النفسي "سيجموند فرويد" ان صاحب الهموم صاحب خمور ، يعاقرها ويدمنها، لذا بات الاهتمام بدراسة صحة الإنسان النفسية وإنعكاساتها على مجمل صحته البدنية، أمر لا جدال فيه،  فظهرت الاضطرابات النفسجسمية "السيكوسوماتيك" بانواعها، وبرزت مظاهر جديدة لم يألفها القدامى من المشتغلين في علوم النفس والطب النفسي، وهي أضطرابات ما بعد الصدمة والتي يطلق عليها" PTSD" وتصنيفات أخرى جديدة.

تناول هذا الكتاب الذي صدر من مكتبة الأنجلو المصرية في القاهرة بمصر للدكتور باسم فارس الغانمي الأستاذ في كلية التربية للبنات بجامعة الكوفة موضوعات جديدة مستحدثة لم تتناولها التصنيفات السابقة لعلوم النفس مستندًا على فكرة قالها عالم التحليل النفسي المصري الشهير البروفيسور " مصطفى زيور" أن محك الفحص يتغير إذا ما تبين أن ما كان موضوع المحك قد تغير. ذلك أن الفحص ليس فحصًا للمعرفة فحسب وإنما هو فحص لمحكها أيضًا،  لذا فإن موضوعات الصحة النفسية دائمة التغير والتبدل مثلما هو الحال بالفيروسات التي يصنع لها علماء الأدوية مضادات حيوية، أذا لم تجدد وتتحدث  هذه المضادات لن تواكب تطور الفيروسات، ومن ثم تنتصر على مقاومة الإنسان.

تناول هذا الكتاب  موضوعات أساسية في مجال الصحة النفسية منها:  تعريفها، ومعاييرها، ومؤشرات الشخص السليم والأسرة السليمة، ومفهوم التوافق والتكيف والصراع النفسي وسيكولوجية الرياء والنفاق وسوء التوافق الأسري، والأمن النفسي للطفل،  وأساليب المعاملة الوالدية، وسيكولوجية الغيرة والحسد، وسيكولوجية الكذب والتدليس فضلا عن موضوع التلصصية.

أستعرض المؤلف موضوع القلق وقلق المستقبل، والرهاب وانواعه، وأفرد لموضوع الضغوط النفسية مجالا واسعا وانعكاساتها على الشعور بالإنهاك وأضطراب التواصل الاجتماعي، وموضوع التوحد واضطراب الكلام والافازيا والنسيان. كما تناول في الفصل الخامس الاضطرابات العقلية بأنواعها، مثل الفصام والاكتئاب العقلي الذهاني، ومحاولات الانتحار لدى هذه الشريحة من المرضى. تناول كتاب الصحة النفسية في الفصل السادس الشخصية المضطربة وأنماطها، وتناول أيضًا الإدمان، وكذلك الذكاء والتخلف العقلي ونماذج من الاختبارات والمقاييس النفسية.

أن موضوع الصحة النفسية هو جماع بين التكيف والتطور، وبين التقبل والرفض، وبعبارة أخرى الجمع بين الأضداد في اطار واحد كما يقول الدكتور "محمد شعلان" لذا فإن موضوعات هذا الكتاب هي محاولة اجتهادية جادة نحو مفهوم جديد للصحة النفسية لا سيما أن الصحة النفسية كما عبر عنها الدكتور "عبد السلام عبد الغفار" هي الحالة النفسية العامة للفرد، والصحة النفسية السليمة هي حالة تكامل طاقات الفرد المختلفة بما يؤدي إلى حسن استثمارها، ومما يؤدي إلى تحقيق وجود الفرد، ويختلف الناس فيما بينهم من حيث مدى سلامة صحتهم النفسية.

 

د. اسعد الاماره - استاذ جامعي وباحث نفسي

 

haseeb shahadaجريس عوّاد (جامع وصائغ بتصرّف)، الصدى، مئة قصّة وقصّة، قصص قصيرة ذات مغزى. الناصرة: الياس عوّاد م. ض. طبعة ثانية مزيدة ومنقّحة، تموز (يوليو) ٢٠٠٩، ١٧٢ ص. من القطع المتوسّط. قدّم له القاضي المتقاعد خليل عبود، وظهّر له المحامي وليد الفاهوم، والدكتور خالد تركي.

هذا الكتاب هو باكورة أعمال المهندس المدني النصراوي، السيّد جريس عوّاد، تبعته خلال مدّة قصيرة، ثلاثة كتب وهي:

أ) مورد الأمثال، مئة مثل ومثل. الناصرة: إلياس عوّاد م. ض.، ط. ١، ٢٠١٠، ط. ٢، ٢٠١١، ١٤٥ ص. من القطع المتوسّط. قدّم له الأستاذ فتحي فوراني وظهّر له الكاتب والإعلامي نادر أبو تامر.

ب)  101 Expressions and Terms تعابير ومصطلحات، مصادر ومعاني (هكذا في الأصل! لم أوفّق تقنيًّا في وضع الرقم 101 قبل أوّل كلمة إنجليزية كما في الأصل)، الناصرة: إلياس عوّاد م. ض.، ط. ١، ٢٠١٠، ط. ٢، ٢٠١٢، ١٩١ ص.  من القطع المتوسّط. [لا أدري ما الداعي لإضافة عنوان بالإنكليزية هنا، فهو لا يتماشى وما بعده بالعربية. المقصود: مائة وواحد من التعابير والمصطلحات أو: مائة تعبير وتعبير/ومصطلح، على منوال عناوين كتبه الأخرى، وهي تذكّر القارىء بالاسم - ألف ليلة وليلة]. قدّم له الشاعر رشدي الماضي، المهندس جريس عوّاد، معدّ الكتاب وصائغه، وظهّر له الدكنور حبيب بولس.

جـ) إبداعات وشخصيات. باقة من أجمل الأقوال المأثورة ونُبَذٌ عن سِيَر قائليها. الناصرة: إلياس عوّاد م. ض.، ط. ١، ٢٠١١، ط. ٢، ٢٠١٢، ٣٦٨ ص. من القطع المتوسّط. قدّم له الكاتب والروائي محمد علي طه والمهندس جريس عوّاد، معدّ الكتاب وصائغه، وظهّر له حنّا أبو حنّا.

أوّل ما يلاحظه الباحث، هو غزارة نتاج السيّد جريس عوّاد، قرابة التسعمائة صفحة في غضون سنوات قليلة، وصدور طبعة ثانية، وهذه ظاهرة نادرة في العالم العربي، بالرغم من عدد النسخ المحدود عادة في كلّ طبعة. لا شكّ في أنّ هذا النتاج التنويري الترشيدي، هو ثمرة يانعة لجهود دؤوبة ومخلصة في المطالعة الجادّة، والبحث عن الجديد والمفيد، الجميل والممتع، في شتّى مجالات العلم والمعرفة الإنسانية.

ممّا لفت انتباهي في البداية أيضًا، الجملة الأولى في تقديم القاضي عبّود ”أحب اللغة العربية الجميلة، بل اعشقها، ولكني عندما أقرأ مادة تظهر وكأنها ليست بالأدب، عندها أهتم بالمضمون.“ (ص. ٩). هذا لا يعني أن الكاتب لا يهتمّ بالمضمون في الكتابات الأدبية، بل المقصود، في تقديري، إيلاء المحتوى الاهتمام الأكبر في الموادّ غير الأدبية. ويحضرني هنا رأي اللغوي المعروف، أبي الفتح عثمان بن جني (ت. ١٠٠٢م.)، في خصائصه، بشأن العلاقة بين الألفاظ والمعاني. كرّس ابن جنّي لهذه العلاقة الهامّة بابين معنونين بـ ”باب في الردّ على من ادّعى على العرب عنايتَها بالألفاظ وإغفالها المعاني؛ باب في قوّة اللفظ لقوّة المعنى“. وممّا يقوله ابن جنّي هناك باقتضاب شديد: هذا الباب من أشرف فصول العربية؛ المعاني عند العرب أقوى من الألفاظ؛ العناية بالألفاظ تخدم المعاني؛ الوعاء السليم يحفظ ما فيه؛ هناك نصوص شريفة الألفاظ رفيعتها ولكنها مشروفة المعاني خفيضتها [هذا البنط منّي]؛ العرب تحلّي ألفاظها وتدبجها وتشيها، وتزخرفها، عنايةً بالمعاني التي وراءها؛ الألفاظ خَدَم للمعاني، والمخدوم - لا شك - أشرفُ من الخادم؛ غلبة المعنى للفظ، وكون اللفظ خادما له، مُشيدا بهِ، وأنه إنما جيء بِه  له، ومن أجلهِ؛ فزادوا في اللفظ لزيادة معناه؛ تكثير اللفظ لتكثير المعنى؛ فإذا كانت الألفاظ أدلة المعاني، ثم زيد فيها شيء أوجبت القسمة له لزيادة المعنى به؛ [أُنظر: الخصائص تأليف أبي الفتح عثمان بن جنّي، حققه محمّد علي النجّار، الأستاذ بكلية اللغة العربية. الجزء الأول. بيروت: دار الهدى للطباعة والنشر، ط. ٢، ١٩٥٢، الباب ٣٣، ص. ٢١٥-٢٣٧؛ ج. ٣، ص. ٢٦٤-٢٦٩].

كتاب ’الصدى‘ قد نُقل حتّى الآن إلى أربع لغات، العبرية، الإنجليزية، البلغارية (بعنوان معناه: الهدية المخفية) والمكدونية؛ كما قُدّم مسرحية من انتاج مسرح إنسمبل فرينج في الناصرة. هناك دلائل واضحة تشير إلى رواج هذا الكتاب في البلاد وفي بلغاريا، وبخاصّة على ما يبدو، في أوساط الشباب، أمل المستقبل، إذ لا نكشف سرًّا إذا ما قلنا إنّ أمّة إقرأ لا تقرأ وإن قرأت فبالأذنين. رواج مثل هذه الأعمال التثقيفية، بعكس رواج كتب الطهي والدين والجنس، تنمّ في تقديري عن ظمأ معرفي فكري جدّي لدى القرّاء، ولا سيّما، الأجيال الصاعدة التي تتعرّض لموجات جارفة من الصرعات الاجتماعية المتواترة. والسيّد عوّاد، يُهدي هذا الكتاب أيضًا إلى الباحثين عن الحكمة كتمهيد للسعادة، وكشمعة لإنارة الطريق، وصنّارة لالتقاط البسمة.

بين دفتي ’الصدى‘، وهو أيضًا اسم القصّة الثامنة ص. ٢٧-٢٨، مائة قصّة وقصّة  قصيرة بمعدّل صفحة ونصف لكل واحدة، كلّها مجهولة المؤلِّف باستثناء اثنتين، على ما يبدو، بعضها عربي الأصل والبعض الآخر أجنبي. يصرّح  السيّد عوّاد في مقدّمته أنّه قام ”بصياغة معظمها، مع بعض التصرّف، لتصبح بقالب أدبي ولغوي جميل“، كما ترجم بعض القصص من لغات أخرى. لا يعرف القارىء أيّة قصص طالها قلم عوّاد، ولأيّ مدى عدّل في النصّ الذي اعتمده، وهل كان مشمولًا في كتاب أم على الشبكة العنكبوتية. كما لا يعلم القرّاء ما هي القصص المترجمة إلى اللغة العربية ومن أية لغة/لغات نُقلت. بإيجاز شديد، لا نتكلّم هنا عن دراسة علمية أكاديمية موثّقة بل عن مائة قصّة وقصّة قصيرة اختارها السيّد عوّاد. وثمة حكمة أحاول جهدي السير على هديها منذ زمن طويل، يذكرها عوّاد في مقدمته ”اللهم أعطني القوة كي أقبل ما لا يمكن تغييره، والشجاعة كي أجرؤ على تغيير ما يمكن تغييره، والحكمة حتى أميّز بينهما“. ينسب عوّاد هذه الحكمة إلى المفكّر ب. هـ. ليدّل هارت (B. H. Liddell Hart, ت. ١٩٧٠) في حين أن بعض المصادر تذكر أنّها بمثابة دعاء فيلسوف إغريقي (أنظر مثلًا: http://www.jamaliya.com/printPage.php?id=745) ومصادر أخرى كالوكيبيديا تنسبها للاهوتي الأمريكي راينهولد نيبور (Reinhold Niebuhr1892-1972).

لجميع القصص تقريبًا غايات نبيلة وعِبر سامية، فهي عُصارة تجارب الشعوب على مرّ الأزمنة والعصور؛ وهي تصبّ في إطار الحقول الدلالية التالية: الصِّدق والصداقة، الكرم، الإخلاص، الصبر والمثابرة، الوفاء، التسامح، العدل، الاتّحاد قوّة، القناعة، الحبّ، السعادة رحلة لا محطّة، حريّة الاختيار، التريّث، التركيز على الجانب الإيجابي، قدوة للغير، فرز الغث عن السمين، القناعة، الأمل، الحذق والفطنة، الحكمة، الخير والشرّ، النجاح، تطوير الذات، الخطيئة، إبدأ بنفسك فالتغيير يبدأ من الداخل، عدم الاتّكال على الغير، عدم الأنانية ومساعدة الغير، رحابة الصدر، الواقعية، العاطفة، الدفء العائلي، الطمع، تضحية الأمّ، داو السبب قبل النتيجة، الفعل لا القول، المعاملة الحسنة والكلام الطيّب. لا عجب إذن في أنّ عيّنات من هذه القصص قد اقتبسها معلمو ومعلمات بعض المدارس في البلاد، كما أظهر لي المحرّك المعطاء والضروري، غوغل. [أنظر:

https://sites.google.com/a/taiba.tzafonet.org.il/arabic/kalimat

https://sites.google.com/a/sisters.tzafonet.org.il/fourthgradec1/home/ahdth-tghyyr-ayjabya

من القصص التي تمتّعت  في قراءتها: قصة صديقين (ترد في الشابكة تحت عنوان: حدوته مسيحية) ص. ١٥؛ حجارة حياتنا الكبيرة ص. ٢٩-٣٠؛ الأسوار والجسور ص. ٣٣-٣٤؛ الحمار الميت ص. ٣٨؛ كيف نواجه مصاعب الحياة؟ ص. ٤٦-٤٧؛ حمار الفلاح ص. ٤٨؛ بيدك أن تختار (ربّما من الأفضل القول: لك أن تختار) ص. ٥١-٥٢؛ دعوة ”الحب“ أم ”الثروة“ أم ”النجاح“؟ ص. ٥٥-٥٦؛ محادثة مع حكيم، ص. ٥٧- ٥٨؛ نعل الملك، ص. ٦٣؛ إدارة الغضب ص. ٦٤؛ ما أروع أن نسعد الآخرين، ص. ٦٨-٦٩ (كنت قد ترجمت هذة القصّة ونشرتها منذ أوائل هذا القرن تحت عنوان: النافذة، أنظر أدناه)؛ الصحن الخشبي والجد العجوز، ص. ٨٧-٨٨؛ الساحرة والزوجان، ص. ٩٩؛ ألأم التي تملك عينًا واحدة (يبدو نقلا عن الإنجليزية ومن الأفضل: الأم بعين واحدة)، ص. ١٠٣-١٠٤؛ دائمًا توجد طريقة للمساعدة، ص. ١٣٤؛ رائحة الكراهية، ص. ١٤٥؛ الغني والفقير، ص. ١٥٥؛ الزوجة والحماة، ص. ١٦٤-١٦٦ (أطول قصّة)؛ ”لعلُّه خير“، ص. ١٧٠. بضع قصص هذه المجموعة، كانت قد وصلتني إلكترونيا بالإنجليزية من أصدقاء، ومن موقع باسم سارة، وقد نقلتُها إلى العربية قبل سنوات عديدة، ونشرتها في منابر مختلفة على الشابكة.

لغة ’الصدى‘ وأسلوبه سليمان سلسان بصورة عامّة، يستسيغهما كلّ قارىء. مع هذا تجدر الإشارة إلى وقوع بعض الأخطاء والهفوات اللغوية، أنوّه هنا ببعضها حسب ورودها في الكتاب، على أمل تصحيحها في الطبعة الثالثة إن شاء الله. أعيد وأكرر ضرورة وجود مدقّق لغوي لدى كل دار نشر، وإلا فعلى صاحب الكتاب أن يدفع عمله للمدقق أوّلًا قبل طباعته. همزة القطع وهمزة الوصل: ص. ٩ س. ٩، ١٣- ٢٠، ص. ٣٤ س. ٤ من الأسفل؛ ص. ١٢ س. ٨ و ٩ من الأسفل: تحمل قيما وعبرا، أن هنالك عددًا؛ ص. ٢٤ س. ٥ من الأسفل؛ مكان تنوين الفتح قبل الألف، ص. ٣٨ س. ٣؛ ص. ٣٩ س. ٢ من الأسفل، سَبَحَ؛ ص. ٤٤ س. ٧، انهم من يجعلونكم؛ ص. ٤٦ س. ١١، القهوة المغلية، س. ١٥القهوة الغنية؟!؛ ص. ٤٧ س. ٤؛ ص. ٤٨ س. ٢ ربما عميقة بدلا من غائرة؛ ص. ٤٩ س. ٤ شاهدت، س. ١١ طالبًا؛ ص. ٥١ س. ٥ من الأسفل: الابنتان؛ ص. ٥٤ رفضوه ولن يعرفوا؛ ص. ٦٦ س. ٣ يملأونه؛ ص. ٦٩ س. ١٣جدارًا أصمَّ؛ ص. ٨٠ س. ٣ ابنتيه؛ ص. ٨٣ س. ٧ بدون باقٍ؛ ص. ٨٨ س. ٥-٦  فوق وجنتيها، الذي ينبغي (المصدر مصري؟)؛ ص. ٨٩ س. ٢ يملك أراضي شاسعة؛ ص. ٩٣ س. ٢، ٨ من الأسفل: التأمين، دولارًا؛ ص. ١٠١ س. ٢ الحُبّ مختفٍ؛ ص. ١٠٢ س. ٢، ٥ راعٍ، ليبعدوا؛ ص. ١٠٨ س. ٦ ربما تشذيب بدلا من تهذيب؛ ص. ١٤١ س. ٦ متخلّفًا؛ ص. ١٤٨ س. ٧ من الأسفل رؤيتِ إذا أردت التشكيل؛ ص. ١٤٩ س. ٥ طلبت مني، س. ٤ من الأسفل ويرون؛ ص. ١٦٧ س. ٦ وأخواته؛ ص. ١٧٠-١٧١ الإصبع والكأس عادة مؤنثتان. وأخيرًا لا بدّ من إيلاء موضوع الترقيم العناية الكافية وتشكيل انتقائي درءً للالتباس.

مع هذا، يستحقّ السيّد الكاتب والمهندس جريس عوّاد، كلّ الشكر والتشجيع على اختياره الموفّق وصياغته وإلى الأمام!

فيما يلي قصّتان نقلتهما من الإنجليزية ونشرتهما في مواقعَ عديدة على الشابكة منذ مستهلّ هذا القرن، القصّة الثانية وردت في كتاب الصدي تحت رقم ٣٥، ص. ٦٨-٦٩.

 

قصتان‏: شجرة المتاعب،‏ النافذة

كنت قد تسلّمت هاتين القصّتين القصيرتين بالإنجليزية بالبريد الالكتروني،‏ من صديق لبناني وارتأيت أن أنقلهما إلى اللغة العربية، ليطّلع عليهما الراغبون. في‏ القصّتين مجهولتي‏ المؤلِّف مِسحة عطرة من الحكمة البسيطة، والإنسانية العميقة نحو الغير‏.

 

شجرة المتاعب‏:

اكتريت نجّارًا لمساعدتي‏ في‏ ترميم بيت قديم في‏ المزرعة‏. وبعد أن انتهى من‏ يوم عمله المضني‏ الأوّل، وجد أن إطارًا مفرّغا‏ (منفّسا‏) من الهواء، قد أدّى إلى تضييع ساعة عمل، وكما أن مِنشاره الكهربائي‏ تعطّل، وكذلك شاحنته الخفيفة والقديمة‏.       

أرجعتُ‏ النجّار بسيارتي‏ إلى بيته، وكان صامتا كالحجر‏. عند وصولنا إلى بيته، دعاني‏ للدخول والتعرّف على عائلته‏. وعندما توجّهنا نحو الباب الأمامي‏ توقّف النجّار برهة قصيرة من الزمن بجانب شجرة، ولمس بكفّيه رؤوس الأغصان‏. وحال فتح الباب تحوّل النجّار بصورة‏ غريبة‏. ولّى الوجوم والعبوس من على وجهه، وارتسمت ابتسامة عريضة على محياه، عانق ولديه الصغيرين وقبّل زوجته‏. بعد ذلك رافقني‏ إلى السيارة، ومررنا بالشجرة ذاتها ولم أستطع كبت حبّ‏ الاستطلاع، فنبق سـؤال عمّا رأيته‏ يفعل من قبلُ‏.

آهٍ،‏ هذه شجرة متاعبي،‏ أجاب‏. أعلم أن لا مندوحة من مواجهة المتاعب والمصائب في‏ العمل، إلا أنّ‏ هناك أمرًا واحدًا مؤكّدًا،‏ لا‏ غبارَ‏ عليه وهو‏: هذه المتاعب والمصائب، لا دخلَ‏ لها في‏ البيت مع زوجتي‏ وأولادي‏. إنّي‏ أُعلّق تلك الهموم على الشجرة كلّ‏ مساء، عند عودتي‏ إلى البيت‏. وفي‏ الصباح، التقطها من جديد،‏ ومن الطريف المضحك،‏ أضاف النجّار مبتسمًا،‏ عندما أخرج في‏ الصباح لالتقط تلك الهموم والمتاعب، أجدها أقلّ‏ عددًا مما تركت من قبلُ‏.

 

النافذة

مريضان‏ يعانيان من مرض عُضال‏ يقبعان في‏ غرفة واحدة في‏ المستشفى‏. كان‏ يُسمح لأحدهما أن‏ يجلس على سريره ساعة واحدة كل عصر، ليتسنّى له تفريغ‏ السائل من رئتيه،‏ وكان سريره بجانب النافذة الوحيدة في‏ الغرفة‏. أمّا الرجل الآخر فكان عليه تمضية الوقت كلّه مستلقيًاعلى ظهره‏. تحادث الرجلان طوال ساعات وساعات من دون انقطاع،‏ عن زوجتيهما وأسرتيهما، منزليهما ومهنتيهما، الخدمة العسكرية وأماكن الإجازة والاستجمام‏.  

في‏ كل‏ يوم بعد الظهر، عند جلوس الرجل الذي‏ بجانب النافذة، كان‏ يقضي‏ الوقت وهو‏ يصف لجاره في‏ الغرفة كلَّ ما كان ممكنًا رؤيته خارج النافذة‏. في‏ مثل هذه الفترات ذات الساعة، كان الرجل المستلقي‏ يحسّ‏ بالحياة والبهجة تدبّان في‏ كيانه، عند استماعه لما‏ يجري‏ من نشاط وتغيير في‏ العالم الخارجي‏.

كانت النافذة تطلّ‏ على حديقة عامّة، وهناك بحيرة جميلة، حيث‏ يسبح البطّ‏ والإوزّ‏، والفتية‏ يطلقون مجسّمات القوارب على سطح الماء‏. عشّاق في‏ عنفوان الشباب‏ يتمشّون متشابكي‏ الذراعين، وسط زهور ذات ألوان قوس قزح كافّة‏. أشجار ضخمة تضفي‏ روعة وبهجة على المنظر، ومشهد جميل لأفق المدينة‏ يتجلّى عن بُعد‏. وعند وصف الرجل الذي‏ بجانب النافذة كلّ هذا بتفاصيل فاتنة، كان بميسور الرجل المستلقي‏ في‏ الجانب الثاني‏ من الحجرة، أن‏ يُغمض عينيه ليتخيّلَ‏ تلك المناظر الخلابة الأخّاذة بكل مجامع الإحساس والشعور‏.

ذات عصر دافىء، وصف الرجل الذي‏ بجانب النافذة عرضًا عسكريًا مرّ‏ من هناك‏. وبالرغم من أنّ الرجل الآخر لم‏ يتمكّن من سماع الجوقة الموسيقية، إلا أنّه كان في‏ مقدوره أن‏ يرى رؤية القلب، كلّ‏ ما كان‏ يسرده عليه الرجل الآخر بكل دقّة وتفصيل‏.     

مضت أيام وأسابيع، وذات صباح، جاءت ممرضة لإحضار الماء للاستحمام، وإذا بالرجل الذي‏ بجانب النافذة جثة هامدة‏. قضى نحبه بكل هدوء وسكينة، أثناء النوم‏. حزنت الممرضة عليه حزنًا شديدًا، ونقلت الجثة إلى مكان آخر في‏ المستشفى‏. وفي‏ أقرب فرصة سانحة، طلب الرجل الآخر أن‏ يُنقلَ‏ إلى السرير المحاذي‏ للنافذة، فقامت الممرضة بتلبية تلك الرغبة، بكل ترحاب وسرور‏.    

ببطىءٍ ووجع واضحين، اتّكأ الرجل على كوعه، ليلقي‏ نظرته الأولى على العالم الخارجي‏، ليمتّع نفسه بما تراه عيناه‏. وإثر جهد جهيد تمكّن من إلقاء نظرة إلى الخارج، فارتطمت بجدار أبيضَ‏ شاحب‏. سأل الرجلُ‏ الممرضةَ‏ ما الذي‏ أرغم زميله المتوفّى لوصف كل تلك الأمور الجميلة، خارج هذه الغرفة‏. أجابت الممرضة قائلة إن ذلك الرجلَ،‏ رحمه الله،‏ كان ضريرًا ولم‏ ير حتى ذلك الجدار‏. ثم أردفت قائلةً،‏ ربّما أراد فقط أن‏ يشجعك ويشدَّ‏ على‏ يديك‏.

 

الخاتمة

هناك سعادة عظمى في‏ إسعاد الآخرين، رغم ظروفنا الخاصّة‏. الحزن المشارك فيه‏ ينتصف،‏ أما السعادة المشارك فيها فتتضاعف‏. إذا نويت أن تشعر بالغنى فعُدَّ‏ كلَّ الأشياء التي‏ بحوزتك والتي‏ لا تُقتنى بمال‏!

Today is a gift, that’s why it is called the present

سمّي‏ الحاضر حاضرًا لحضور هبة الله‏!

 

928-sekouriعن منشورات "رونق المغرب"، صدرت مؤخرا للقاص المغربي ابراهيم السكوري، مجموعة قصصية بعنوان: "أمواج خارج البحر"، تقع المجموعة في 97 صفحة من الحجم المتوسط، وتضم 25 قصة قصيرة، منها: "قصة"، "ورطة"، "صفعة زوج"، "جميل بثينة"، "وسائل الإعدام"، "خيانة"، "خمسون درهما"، "عيد"، "وشم"، "بياض"، "أمواج خارج البحر"، تتصدر غلافها لوحة تشكيلية للمبدعة خديجة المسعودي.

928-sekouriوالكاتب ابراهيم السكوري، قاص وفاعل جمعوي من مواليد  تزروت/ تمكروت/ زاكورة. حاصل على شهادة الإجازة في الأدب العربي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض بمراكش، سنة 2005. خريج المركز التربوي الجهوي بمراكش سنة 2003، والمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بإنزكان سنة 2013. طالب باحث بماستر البيان العربي، قيمه التداولية ومناهج تأويله. الفوج الأول 2015/2017 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة القاضي عياض بمراكش. نشر نصوصه الإبداعية في العديد من المنابر الإعلامية وشارك في بعض الملتقيات والتظاهرات الأدبية الوطنية.

 

927-gueraguiعن منشورات "رونق المغرب"، صدر مؤخرا للشاعرة المغربية خديجة ڭراڭي التمسماني، كتاب شذرات بعنوان: "تعاويذ على مقام الخريف"، يقع الكتاب في 91 صفحة من الحجم المتوسط، ويضم 82 شذرة.

927-gueraguiوالكاتبة خديجة ڭراڭي التمسماني، شاعرة وفاعلة جمعوية وحقوقية من طنجة،  خريجة قانون عام شعبة العلاقات الدولية، عضو نشيط في العديد من الجمعيات الثقافية والحقوقية، لها مساهمات شعرية في بعض المنابر الإعلامية الورقية والإلكترونية، والأمسيات والملتقيات الأدبية، ولها مجموعة من الأعمال المخطوطة في الشعر والسرد.

 

asaad alemaraتعد الدراسات التي تتناول موضوعات علم النفس الاجتماعي من الأهمية التي يتناولها ليس الباحثون في مجال التخصص في علم النفس وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا فحسب، بل في المجالات العلمية المعرفية الآخرى مثل التأريخ والجغرافية وعلم الأديان المقارن، والعلوم الطبية والهندسة المعمارية والفروع الآخرى منها، حيث تتناول موضوعات علم النفس الاجتماعي السلوك الفردي والجمعي للإنسان في المجتمعات البشرية بشكل عام، وتتناول الفرد وشخصيته في الريف والمدن، والحواضر والمجتمعات الصناعية والقبلية، فضلا عن انها تدرس الفرد وشخصيته الوطنية والقومية، والدراسات عابرة الثقافات، لذا يجب علينا أن نشير بإيجاز إلى أنه صار من المألوف بين المشتغلين بالعلوم النفسية والاجتماعية، وبالآخص دراسة موضوعات هذا التخصص بطابعه العام  فيما يتعلق بدراسة القيم والتغير الاجتماعي، فضلا عن دراسة مصادر كثيرة للمعلومات يخضعونها للتحليل والتفسير، وعلى رأس هذه المصادر الأعمال الأدبية والفنية والفلكلورية وغير ذلك من المواد الإعلامية، ولعل الدكتور فجر جودة النعيمي تناول في هذا المضمار بمؤلفه " علم النفس الاجتماعي" عن موضوعات بعضها أساسية وآخرى متجددة، فطرحه لمعنى النظرية واثباتها، ومن ثم عرضه لبعض النظريات الأساسية في علم النفس الاجتماعي منها النظرية السلوكية، ونظرية الإدراك المعرفية، ونظرية القواعد والادوار، وهناك نظريات آخرى متخصصة جدًا منها نظرية جونز وديفز في الاستنتاج التوافقي وموديل "كيلي".

تناول في كتابه علم النفس الاجتماعي أيضًا موضوعات مهمة في تفسيراتها النفس- اجتماعية مثل نظرية المؤامرة Conspiracy Theory   والإسناد و"العزو"  المجتمعي Societal Attributions .

إن دراسات وموضوعات علم النفس الاجتماعي أثارت لدى الباحثين في مجالات العلوم المعرفية والعامة أكثر من المختصين، فطريقة تفكير أفراد مجتمع ما، هو تعبير عن اتجاهاتهم، ومكوناتهم الفكرية واساليب التعامل التي يستخدمونها، تناولها هذا الكتاب بطريقة علمية أكاديمية مستعرضًا لبعض المؤثرات منها طرق الاقناع، وأساليب الاذعان، والتباين بين الاتجاه – السلوك والتناشز المعرفي.

تناول المؤلف في هذا الكتاب خصائص القادة، وسمات الشخصية، والتفاعل والقيادة، وأفرد في الفصل السابع موضوعًا مهمًا هو السلوك العدواني، مستعرضًا التعريف وقياس السلوك والتفسير البيولوجي والاجتماعي، والبايواجتماعي، وموضوعات آخرى ذات صلة بالدوافع الخاصة بتكوين السلوك العدواني عند الرجال والاناث، فضلا عن العنف الأسري، وأطلق عليه تسمية العنف خلف الابواب المغلقة، وهو إيذاء الاحبة، وتعرض لموضوعات مهمة في هذا المجال منها العنف المؤسسي، والعدوان الواسع" الحرب". واستعرض الكاتب في هذا المؤلف مجالات السلوك الاجتماعي الايجابي ومن موضوعاته: لماذا يساعد الناس بعضهم بعضًا، واستعرض ايضًا النظريات المفسرة له ومنها تفسير نظرية التعلم الاجتماعي، وعمليات العزو Attribution Process ، والتأثيرات المعيارية والتعاطف والاستثارة، والنموذج الموقفي للمساعدة، ونموذج "لاتن ودارلي"، وتجربة "بيليفين وآخرين". تناول موضوعات اجتماعية مهمة في مجال علم النفس الاجتماعي وهي سرقة المحلات، والغش في الامتحانات، وموضوعات أخرى. يستعرض أيضا في هذا الكتاب موضوع اللغة كوسيلة اتصال، وكيفية استخدام اللغة الصامتة والدلالات الاجتماعية للكلام، والنظرات والاتصال بالعيون، وتعابير الوجه، بمعنى أدق موضوع لغة الجسد مع استخدام الإيماءات وأوضاعها المختلفة.

بحث هذا الكتاب في الفرد وتكوينه، وخصائصه، وواقعه، وانفعالاته في جوانبه النفسية،  وقولنا إذا كان علم الاجتماع يبحث في الجماعات ذاتها، فإن علم النفس الاجتماعي زواج بين مجالي هذين العلمين علم النفس وعلم الاجتماع، فلم يهتم بالفرد في حد ذاته، ولم يهتم بالجماعة لذاتها، وإنما أهتم بدراسة الفرد داخل الجماعة، كيف يؤثر فيها ويتأثر بها، ونود أن نلفت الأنظار إلى أن الموضوعات الوارده في هذا الكتاب موضوعات تهم الجميع الباحثين والمتخصصين، والقراء من المهتمين بالثقافة والمجتمع.

 

د. اسعد الاماره - استاذ جامعي وباحث نفسي

 

abduljabar alrifaiكتب الصديقُ د. فالح مهدي مراجعةً نقديةً لكتابي "الدين والظمأ الأنطولوجي" من منظور مختلف عن المنظور الذي أتبناه في كتابي هذا. فكتبت له: كتابتك اعتز بها، ذلك أنها كانت أقرب للمنهج الغربي الحديث في البحث والنقد العلمي، وهو منهج يفتقر اليه الكثير من الكتابات في شرقنا العربي، التي تبتعد عن النص، وتنشغل بالكاتب أحياناً، وتنزع للمدح والثناء أو الذم والهجاء.

كل كتابة تكشف لي ثغرات كتابتي، وتحيل الى مرجعيات غير مرجعياتي، وتحاكم أفكاري من منظور مختلف، تمنحني فرصة لمراجعة مرجعياتي، وفحص أفكاري، وترشدني لنقد وثوقياتي ومنطقي في التفكير والتعبير.

 أكرر امتناني لحضرتك، لأنك حرّضت عقلي على التفكير في الايمان خارج الايمان، والتفكير في الدين خارج الدين، والتفكير في التدين خارج التدين، والتفكير في التراث خارج التراث، والتفكير في أفكاري خارج أفكاري.

 لا أزعم أني نجحت في التحرر من ذاتي، ذلك ألا تفكير خارج الذات، كل تفكير يلتبس بـ"الذات". تداخل تفكيرنا بذواتنا حتمي، يصعب علي الفرار من أحكامي المسبقة القابعة في أعماق عقلي، ويتعذر علي فهم العالم خارج رؤيتي للعالم التي تشكلت في سياق تربيتي وبيئتي وثقافتي وديانتي، ويشق عليّ التفكير بأفكاري خارج أفكاري المترسبة في ذهني والمولودة في فضاء دراستي وتدريسي ومطالعاتي وخبرات حياتي، ويصعب عليّ عبور آفاق انتظاري.

 أود عاجلاً توضيح مايلي:

1. كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي" يشدو لحنَه الخاص، خطيئتُه أنه لم يكرّر الأصوات المكررة في أدبيات الجماعات الاسلامية، أو غيرها من أدبيات الجماعات اليسارية والقومية، التي يغرق المجالُ العام في مجتمعاتنا في شعاراتها ومقولاتها ودعواتها وأحلامها وأوهامها، منذ أكثر من قرن. 

"غيرُ الاسلاميين" من بعض القراء أزعجهم دفاعي الشديد عن الايمان والدين والوحي والنبي الكريم "ص"، ودعوتي لتدين ينشد إغناءَ الروح والأخلاق. كذلك أزعج بعضَهم اكتشافُهم  أني كائن روحاني أخلاقي ميتافيزيقي مؤمن، وامتعض البعض الآخر من تمسكي بالصلاة والفرائض العبادية وتديني التقليدي، إذ فوجئوا بأني مازلت حتى اليوم وسأبقي ألجأ لطقوس تدين أمي.

كما أن معظمَ الاسلاميين أزعجهم ايماني وتفكيري الحرّ، ونقدي لإحراقهم الدين في عربة الأيديولوجيا والصراعات على السلطة والمال والنفوذ.

 لا أستطيع حين أكتب أنْ أُزيّفَ تفكيري، أو أكذب، أو أتملق أحداً. لا قيمةَ لكتابة تتملق القراء. ما قيمة صوتي حين يصبح صدى ببغاء تكرّر أصواتاً لا تفقهها. الكتابة هي الكاتب، كلُّ كاتب أصيل يكتب ذاتَه، وينسج من ألوان حروفه لوحةً تحيل إلى: مسبقاته ومعتقداته وفكره وأفق انتظاره وأحلامه.

2. الدين في مفهومي يمكن أن تستغله الأيديولوجيا فينقلب إلى سم يدمّر الحياة، ويحطم الحضارة والتمدن البشري، مثلما تستثمره بعض الجماعات الدينية اليوم. ويمكن أن يكون الدين مفارقاً للأيديولوجيا، كما هو دين أمي وأمك ودين أبي وأبيك، ودين الحلاج وأبو اليزيد البسطامي وجلال الدين الرومي وايكهارت والدالاي لاما ... الخ. فيكون عذباً خلّاقاً، يمنح الحياةَ معناها، وطاقتَها الحيوية الايجابية، عبر تكريس الحياة الروحية، وإثراء الحياة الأخلاقية.

ربما لا تستطيع أنت تذوق حالات الروح وفضاء إشراقها وتجربة تساميها عبر وصالها بالحق خارج سياق الأيديولوجيا، ذلك أن تذوق الحالات لا طريق له سوى القلب، وما كان طريقُه القلب يضل العقلُ الطريقَ اليه غالباً.

علماً أن اختزال الكائن البشري في العقل ينطوي على تبسيط تكذبه علوم الانسان في القرن الأخير، وأنت تعرف جيداً المواقفَ النقدية الجذرية لعلم النفس التحليلي، وفلاسفة ومفكري "معهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت"، وغيرهم من فلاسفة ومفكري فرنسا في القرن العشرين، لمنطق العقل الوضعي، وفضحهم العقل الأداتي، الذي يتجاهل اللاشعور والمتخيل والأسطورة والرمز، ويتعاطى مع الانسان بوصفه كائناً يسيّره العقل فقط.

لقد أوضح فلاسفةُ ومفكرو الغرب في القرن العشرين أن كارل ماركس الذي فضح تزييفَ الأيديولوجيا للوعي البشري في كتاب (الأيديولوجية الألمانية) وغيره من آثاره، لم تتحرر كتاباتُه من بصمة أيديولوجية، بل

كانت آثارُه هي أيضاً ضحية استغلال أيديولوجي، واكبنا تطبيقاتِه على المجتمعات البشرية في سنوات طويلة من القرن العشرين، وبرر ستالين، وجماعة "الثورة الثقافية" في الصين، وبول بوت في كمبوديا ، في سياقه  ذلك المنطق الأيديولوجي كلَّ انتهاكات الكرامة البشرية، والمجازر الوحشية التي ارتكبوها.

3. "معنى المعنى" ما أقصده منه هو ذروة المعنى، أو كثافة المعنى، وهو أبعد مدى من المعنى، وأعمق منه. ويمكن أن نتعرف على "معنى المعنى" في آثار الكثير من الفلاسفة واللاهوتيين الذين تناولوا تعبيرات المعنى في اللغة والدلالة والعلامة والاشارة والرمز، وتجلياته في العقل والروح والعاطفة. وفي مطالعة كتابات شلاير ماخر ودلتاي ونيتشه وهوسرل وهيدغر وغادامير وبولتمان وتيليش وريكور ورولان بارت وأمبرتو ايكو وغيرهم ما يضيء ذلك. كذلك يمكننا اكتشاف معنى المعنى في آثار فلاسفة الاشراق والحكمة المتعالية، ونصوص التصوف والعرفان.

4. لو بطل التعميم تبطل العلوم، العلوم تنشد التعميم والارتقاء من الجزئي إلى الكلي، ومن الجزء إلى الكل، ومن الخاص إلى العام. لو بطل التعميم لاندثر التقدم في كل معارف وفنون وخبرات ومهارات البشر، ولم تتطور ويهتدي الانسان من خلالها كل يوم لاكتشاف القوانين العامة للطبيعة، وسنن النفس والمجتمع.

حين يتعطل منطق التعميم لا تتعطل علوم الطبيعة فحسب، بل علوم النفس والمجتمع. فلماذا يصبح حديثي عن الدين وتعبيراته، بوصفه ظاهرة أصيلة عامة كلية مشتركة في الحياة البشرية، ليس دقيقاً.

5. اشارتكم إلى عدم تمييز الكتاب بين (الذات الفردية) و(الهوية المجتمعية)، إذ أشرتم بقولكم: (في تقديري إن الذات والتي بطبيعتها شخصية ليست الهوية التي أطلق عليها الرفاعي"شخصية"...). والذي ورد في سياق تعليق على حديثي عن "الأنا الشخصية"، وبيان أني أعني بها: (الذات الفردية والهوية الشخصية، والتي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري. فمن دونها يفتقد كل انسان ذاته، ويصير نسخة مكررة متطابقة مع نموذج محدد مصاغ سلفاً).

من الواضح أن (الهوية) لا ترادف (الذات). سياق الحديث يدل على أني استعملت الهوية هنا وفي هذا المورد فقط بمعناها اللغوي لا الاصطلاحي، لذلك خصصتها بأني أعني بها (الذات الفردية والهوية الشخصية) بغية تفسير ما أقصده. وماورد في الفصل الأول من الكتاب يؤشر بوضوح في عباراتي للتمييز الذي أقمته بين الذات الخاصة (الأنا)، والـ(هوية) المجتمعية.كما تشي بذلك هذه النماذج من عبارتي: (فائضُ هويتي يسجنُ ذاتي، ويصادرُ حريتي .. أنا لست أنا، يفرض علي انتمائي لهويتي ألا أكون أنا؛ كي تتطابق صورتي مع ما تنشده هويتي). 

  6. نقدكم لكتابي (الدين والظمأ الأنطولوجي) يستقي من رؤيتكم للعالم، وللدين أيضاً، بوصف الدين كما ترون منتجاً بشرياً، وهي رؤية أحترمها، وإن كنت لا أتبناها. لا أنكر أن فهم وتأويلات وتمثلات الدين بشرية.

 رؤيتكم للعالم والدين من الطبيعي أن تختلف عن رؤية للعالم وللدين لمؤمن لا يشرق قلبُه إلاّ بحب الله وتجليات جماله، كما هو (أنا)، إذ إني أتذوق تجليات جمال الله في كل شئ، ولا أستطيع تذوقها إلاّ عبر تديني وايماني. هذه الرؤية خلاصة عمر تجاوز الستين عاماً، تكرس في دراسة الدين والعلوم الاسلامية والانسانية، وتجربة حياتية لنمط ايمان وتدين اقترن بسياحة وأسفار مزمنة لكائن لن يكفّ شغفُه الأبدي عن متعة أسفار الروح والقلب والعقل، متعة الطريق لدى هذا الكائن على الدوام تنسيه متعةَ الوصول، إنه لن يبلغ محطةً إلاّ ليرحل منها إلى ما هو أعلى وأثرى منها، وهكذا. إنها أسفار لن تبلغ مدياتها النهائية مهما امتد به العمر، ذلك أنها مسكونة بغبطة السير التي تشغلها عن الوصول.

 هذه هي خلاصة شديدة لتجربتي الدينية التي أعيشها، ورؤيتي للعالم، وفهمي للايمان والدين، والتي لا أنشد فرضَها على أي كائن بشري في هذا العالم، ولا أحسب أنها خشبة الخلاص الحصرية لكل البشر.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

...........................

 

منهجية عبد الجبار الرفاعي

د. فالح مهدي

 لقد كتب الكثير عن عبد الجبار الرفاعي، وهو يستحق دون ريب عبارات الثناء والتقدير التي وردت في كل تلك الكتابات. لم تكن تلك الكتابات بدافع الإطراء والمديح لذلك الرجل الدمث الأخلاق، المفكر الذي ينزع إلى أنسنة الدين، إنما كانت تتلاقى مع أطروحات الكتاب.

 في قراءتي هذه سأغرد منفرداً، اعتمادا على منهجي الذي يدرس الظاهرة الدينية في ضوء المكان. من المؤكد هو أنني لم أقرأ كل ما كتب عن عبد الجبار الرفاعي، إنما وفي ضوء ما كتبه عنه أصدقاؤه تلامذته ومريدوه، وفي ضوء ما قرأت من نقد ومراجعات لعمله.

 يضعنا عبد الجبار الرفاعي من البداية ودون مواربة أمام إشكالية الكتاب الأساسية، والمتمثلة بالفقر الوجودي لعالم لا دين فيه. ففي الصفحة 6 يذهب إلى الآتي: "الفقر الوجودي حقيقة يتفق عليها الكثير من الفلاسفة والمتصوّفة والعرفاء، لكن ربما يقال : لماذا الدين هو سلّم  الكمال لا غيره ؟..". ويستمر في طرح الأسئلة. وفي تلك الفقرة نفسها يتساءل عن دور الفنون والآداب في الحد من ذلك الظمأ، ويشير إلى أن المعرفة والشوق إلى الإبداع ذات أهمية قصوى لكي يحس الكائن الحي أن لوجوده معنى.

  وفي ضوء ثقافته وسعة أفقه لم ينكر أن لكل ذلك أثرا في إغناء الوجود الإنساني، إنما وفي تلك الصفحة نفسها يؤكد: "لكن ذلك كله أيضا لا يغنيه عن الحاجة إلى الدين، ولا يكون بديلاً عن الدين، وإن قدّم له شيئا مهما يهبه الدين ...".  

 كما أشرت ليس من أخلاق عبد الجبار الرفاعي المخاتلة واللعب بالكلمات، فهو أمين أشدّ الأمانة إلى ما يعتقد أنه صحيح. لذا فإن جوهر كتابه مع تعدد مقالته يصب في الدفاع عن الفكرة القائلة: ليس هناك من حياة تستحق العيش دون إيمان ودون دين.

تلك المقولة تجد صداها وجوهر وجودها في الحيز العمودي، ذلك أن الدين بوصفه مفهوما وفهما للكون، تفسيرا وتأويلا وأيديولوجيا، طقوسا ومعابد، من نتاج ذلك الحيز. أما الحيز الأفقي فهو فقير في إنتاج عقائد ماورائية. ما موجود من عقائد وأديان في العالم المعاصر هي من بنات الحيز العمودي.

عبّر الكاتب بأمانة عن ثقافة ذلك الحيز الذي هو جزء منه. لذا فإننا لن نجد صعوبة في فهم عبارة: الدين سلّم الكمال، ولا يمكننا أن نتخيل أمراً آخر في ضوء ثقافة المكان التي أنتجت الدين.

 ثقافة عبد الجبار الرفاعي الواسعة والمنفتحة على كل النوافذ، لم تمنعه عند الكلام عن الإنسان، من اللجوء إلى التعميم، إذ نجد في الصفحة 8 ما يلي: (الإنسان  يبحث عمّا يتجاوز الوقوف عند سطوح الأشياء والاكتفاء بظواهرها ... انه يفتش على الدوام عمّا هو أبعد مدى ... إنه في توق لاكتشاف "معنى المعنى" ...)!

عن أي إنسان يتحدث عبد الجبار الرفاعي هنا؟  فهو لم يأتِ الى هذه الدنيا يوم أمس، بل إن تجربته في الحياة، وفقر حال والديه وضعه أمام سكتين، إما أن ينتقم من ذلك الماضي، ويتحول إلى كائن رخيص، أو أن يترفع عن كل ذلك. ودون تردد اختار السير على السكة الثانية، حيث تجد في سلوكه حبه للإنسانية، ترفّعه، موضوعيته، وقدرته الهائلة على التسامح والتسامي. إنه على دراية من أن عبارة إنسان تضم تحت جناحيها مشارب، واتجاهات، ميول ومواقف، أذواق وحساسيات .. الخ ، بيد أنه لم يتوانَ من استخدامها بمعناها المطلق.

عندما تلتقي به يذهلك حكمه على من يعرفهم، دون أن يتخلى ولو لهنيهة عن موضوعيته ورقته، فيقول: إن فلانا متمكن بيد أنه وعر في سلوكه، وإن فلانا مع أن الدنيا فتحت له أبوابها إنما بقى يعاني من عقدة نقص الأقليات... الخ.

 استعماله لمفردة "إنسان" وعلى ذلك النحو غير دقيقة في تقديري، لا اجتماعيا ولا انثروبولوجياً، ولا ثقافيا ولا نفسيا. عبد الجبار الرفاعي على دراية بأن الناس مشارب واتجاهات، وليسوا سواسية كأسنان المشط: لا في سلوكياتهم، ولا في ردود أفعالهم، واندفاعاتهم، ورهافة حسهم، وتألق ضمائرهم، واستعدادهم لبيع أنفسهم...الخ.

لوم يكتفِ بذلك، بل ذهب الى مقولة متمثلة بشوق ذلك الإنسان الى البحث عن معنى المعنى! لا اعرف ماذا يعني الرفاعي بمعنى المعنى، ذلك أن البحث عن المعنى لوحده أمر شاق من الناحية المنهجية، فما بالك بمعنى المعنى؟

منهجه ذاك أدى به إلى إيجاد مصطلح أطلق عليه "الأنا الخاصة"،إذ يبدأ القسم الأول من كتابه بتعريف تلك الذات، وفي ضوء منطقه وعقلانيته، يقوم بتعريفها على النحو الآتي: "وإنّما نريد بها الذات الفردية والهوية الشخصية والتي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري. فمن دونها يفتقد كل انسان ذاته ويصير نسخة مكررة متطابقة مع نموذج محدد مصاغ سلفاً..." ص 15 .

   في تقديري إن الذات والتي بطبيعتها شخصية ليست الهوية التي أطلق عليها الرفاعي "شخصية"، ذلك أن مفهوم الإنسان عن نفسه يبدأ وينمو ويتفاعل وينضج في ضوء تجاربه ومراراته وخيبات أمله، أو إحساسه المرضي والنرجسي المتمثل بتضخم تلك الذات. هذا الشعور ينبع من إدراك الفرد لوجوده وكينونته. البعض يعرّف الذات بوصفها إناءً يستقر فيه الوعي أو الشعور والاستجابات  لخبرات وتجارب تنطوي على ألم وسرور. عملية التفاعل تبدأ عندما يقوم المرء بوعي تلك الذات كموضوع، أي إدراكه لنفسه بنفسه وتقييمه لها، أو الفكرة التي يكوّنها الفرد عن نفسه.

 أما الهوية، فهي كموضوع مستقلة عن الذات ومرتبطة بالثقافة والمكان، التاريخ والجغرافية، التقاليد والعادات. وتعرّف بوصفها مجموعة القيم والمثل والمبادئ التي تقوم عليها الشخصية الفردية والجماعية. فبدون هوية لا يستقيم أمر الذات، إذ إن هناك علاقة ديالكتيكية بين المفهومين ولا يقوم أحدهما دون الأخر. هوية الفرد هي لغته وثقافته وتاريخه. الهوية مرتبطة على نحو لا فكاك منه بمفهوم الثقافة.

ولا يغفل الكاتب هذا المفهوم، فيبذل جهداً واضحاً لتطويره، فنجده يقول في الصفحة 16 "لا تبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلا عندما تتحقق وتوجد الذات الشخصية، وهذه الذات لا تتحقق من دون فعل ... الذات البشرية وجودها وصيرورتها الحرية، وحيث لا حرية تنطفئ الذات ...".

 وقبل الحديث عن الحرية، تنبغي الإشارة إلى أن الذات البشرية لا تتحقق دون أن يكون لها وجود، لذا فالأصوب هو أن الحياة الإنسانية لا تبدأ إلا عند وجود تلك الذات أولاً وتحققها ثانياً.

لا يكتفِ عبد الجبار الرفاعي بذلك، بل ربط ما بين الذات والحرية وتوصل إلى نتيجة مفادها  "وحيث لا حرية تنطفئ تلك الذات". إذا أخذنا تلك المقولة العميقة على نحو مطلق، نجد أنها سليمة. بيد إننا أمام كاتب مؤمن، وهو يعلم قبل غيره أن الإيمان والدين، لاسيما في الأديان التي لم تخرج من ماضيها ولم تقم بقراءة جادة ونقدية لكثير من الطقوس والمفاهيم، يحدّ من تلك الحرية.

  الكاتب يصّر على مسألة الشعائر والطقوس، إذ يذهب في الصفحة 73 إلى الآتي: "لا يتكرس الاعتقاد، وينتج الإيمان، من دون العبادة والطقس الخاص بهذا الدين. ليس هناك اعتقاد، وإيمان منبثق عنه، من دون تقليد محدد للعبادة. لا إيمان بلا حدود وعبادات وشعائر وسنن مرسومة. لا إيمان إسلامياً بلا صلاة إسلامية ... ".

في هذه النقطة بالذات، أختلف كلياً مع عبد الجبار الرفاعي، في قناعاتي أن الدين منتج من المنتجات الأساسية للحيز الدائري. الطقس فعل إيديولوجي، فرضته العقلية الدائرية، قائم على المقايضة "أعطني لأعطيك". ولو نظرنا الى ثقافة عصر الصيد والعصر الزراعي والذي لا زال قائماً، نجد أن مفهوم المقايضة جليّ ومن الأسس الجوهرية لمفهوم الدين والإيمان، ففي كتابي القادم: البحث عن جذور الإله الواحد، نقد الأيديولوجية الدينية، دراسة عن هذا المفهوم.

 عبر مفاهيم الطقوس والصلوات يقوم عبد الجبار الرفاعي بإعادة بناء الإله الدائري. إله الكون لا يحتاج إلى طقوس وعبادات.

  الرفاعي على علم بأن التفكير يتوقف عن ممارسة نشاطه عندما تغلق الأسئلة المفتوحة، وهو على يقين من انهيار  الايدولوجيا أمام تلك الأسئلة (راجع ص 122)، إلا إنه يعتبر الطقوس والصلوات فعلاً إيديولوجيا، بل من ماهية الدين وجوهره.

 ولإثبات وجهة نظره يخصص صفحات معظم هذا الكتاب للتفريق بين الدين والأيديولوجيا، ففي الصفحة 148 من الفصل المخصص لنقد شريعتي (103-150) نجده يقول: "إنّ ما أفضت إليه أدلجة الدين هي عبودية الإنسان للأيديولوجيا، واستلاب الأيديولوجيا لروحه وقلبه وعقله، وإقحامه في أحلام رومانسية ووعود خلاصية موهومة". لو كان الكلام متعلقا بالأيدلوجيات فحسب لأعلنت إعجابي بذلك الفهم المتميز، إلا أن الرفاعي يفرق بينها وبين الدين. في حين لا يستقيم أمر أي عقيدة في تقديري دون أدلجة وطقوس وعبادات في مجال الدين، مسيرات ودعايات، إعلام وثقافة، كبش فداء (الطقس ديني إلا أن الفاشية والنازية والستالينية حولته إلى طقس علماني وذلك بإيجاد أعداء وتشخيصهم ومن ثم تصفيتهم، وقد استخدم صدام حسين هذا السلاح على نحو مفرط).

لقد أصاب الرفاعي الهدفَ بتفكيك فكر شريعتي ونقد ما جاء فيه، ذلك أن شريعتي يفرق بين التشيّع العلوي والتشّيع الصفوي وهو مُصيب في ذلك، بيد أن تشّيعه لا يمكن له أن يقف على قدميه دون أيديولوجيا. كل ما كتب باسم هذا الرجل هو إيديولوجيا لا غير. وأكاد أن اكون على يقين من اتفاق الرفاعي معي في هذه النقطة بالذات.

الدين من دون إيديولوجيا لا يمكنه أن يستمر على قيد الحياة. الدين كما يؤكد الرفاعي نفسه معتقدات وطقوس وعبادات، وهذا يعني الخضوع لمشيئة رب أو أرباب تحيكها المخيلة الدينية.

الدين يولد إيديولوجيا، فهناك عقيدة (تتحول إلى كتاب)، وهناك رب مهمته الأولى إنقاذ من يؤمن به. في كل العقائد (توحيدية أم تعددية) يقوم الدين بصناعة أحلام رومانسية (ينسبها الرفاعي الى الأيديولوجيا)، ويقوم بنشر وعود خلاصية موهومة، إذ تنشئ تلك الأحلام والوعود من لحظة قيام ذلك الدين، أي لحظة التأسيس. البناء الأيديولوجي لا يبني صروحَه من دون لحظة التأسيس تلك.

كما ان الرفاعي يقيم علاقة بين الدين والأخلاق، مستندا في ذلك الى نفي الفيلسوف ايمانويل كانط "الاعتقاد النظري بالله، لكنه رأى الاعتقاد الأخلاقي به راسخاً لا يتزعزع" (ص170)،  ومن ثم يؤكد وفي تلك الصفحة نفسها "ان الأخلاق إنما تقود على نحو لابدّ منه على الدين ... الإنسان لا يتحلى بالأخلاق لأنه متدين ، انما يتدين لأنه اخلاقي".

لا اعلم كيف توصل الرفاعي إلى تلك الأحكام المطلقة! من أين جاءه اليقين من أن الإنسان يتدين لأنه إخلافي؟

عند التأمل ودراسة ما قام به عدد من أهم الباحثين في موضوع فلسفة القانون، توصلنا الى قناعة  بأن وجود الأخلاق أملته ضرورات العيش المشترك. وبما ان الإنسان كائن اجتماعي، لذلك أوجد عادات وتقاليد أصبحت ملزمة بمرور الزمن، كاحترام الآخر، رعاية اليتيم ، مساعدة الفقير، احترام الأبوين... الخ. هذه القواعد وغيرها كثير لم تنشأ بفضل الدين بل اقتضتها الضرورات الاجتماعية والعيش المشترك.

  كل ما فعله الدين هو أنه احتضن تلك المبادئ السامية. ولو عدنا الى قانون حمورابي مثلاً، بوصفه الأكثر كمالاً في قوانين العالم القديم، فسنجد أن حمورابي أوجد قانونه لأن ربه شمش طلب منه ذلك، إنما وعند التدقيق نجد أن حمورابي قام بتقنين ما وجد في قوانين السومريين قبله بمئات السنين. بل إن السومريين أنفسهم قاموا بصياغة ما اعتاد عليه القوم في تلك اللحظات من التاريخ الإنساني.

لا ادري إذا كان يعلم الصديق عبد الجبار الرفاعي من أن  أكثر من ثمانين بالمائة من السويديين لا يؤمنون بوجود إله خالق، ولا يؤمنون بأي دين، بيد أنهم من أكثر شعوب الأرض خلقاً!

اللحظة الانطولوجية أو الوجودية، تلك التي تتساءل عن جوهر الحياة الإنسانية وعن أصل الوجود، ولِمَ نحن هنا، والى أين سنذهب مثلاً، لا علاقة لها بالأخلاق البتة، بل بحساسية الإنسان ورهافة حسه، والى بيئته الثقافية، والى حيّزه الذي ولد وترعرع فيه.   

قبل أن أنهي ملاحظاتي هذه بودي الإشارة إلى أحد فصول الكتاب، الذي يأخذ بتلابيب النفس نتيجة صدقه وعفويته وعمقه، واقصد بذلك الفصل الثاني. فتحت عنوان "نسيان الإنسان" راجع الصفحات 29- 101، دعانا الرفاعي لتلك الرحلة الممتعة في ماضيه، في طفولته، في عذاباته، في فقر أهله، في موت أبيه المبكر. هذا الفصل يصلح أن يكون عملاً روائياً مستقلاً فهو ممتع للغاية.

وختاما لم يبقَ أمام الرفاعي في تقديري سوى هدم الأسوار التي بناها بين الدين والايدولوجيا، ليرى بأم عينيه أن ذلك التفريق هو الوهم بعينه.

 

د. فالح مهدي - مفكر وأكاديمي عراقي مقيم في باريس.

جريدة المدى، الصادرة في 17-7-2016.  

 

926-mohamadthamirمن بيروت وبغداد مكتبة السنهوري  صدر كتاب للبروفسور الدكتور محمد ثامر السعدون استاذ القانون الدولي بكلية القانون جامعة ذي قار الموسوم (المفهوم الدولي للاستعلال الجنسي للاطفال). ويستعرض الكتاب عبر اربعة فصول صعوبة أو استحالة تحديد المفهوم الدولي لهذا المصطلح كما يقارن الكتاب بين اساليب الحماية الدولية في مختلف القوانين ومنها القوانين العراقية بشكل خاص.

926-mohamadthamirكما يسلط الضوء على تجربة الاتحاد الاوربي وخصوصا القوانين السويسرية التي اباحت الحرية الجنسية بتمام 16 سنة..والجديد في هذا الكتاب ان الكاتب افرد الفصل الاول ليحلل هذه الظاهرة من خلال النصوص والصكوك الدولية وتقارير الامم المتحدة ولجنة حقوق الطفل ووفق اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكوليها دون الرجوع لاي مصدر اخر  بل بالاستعانة بتجربة الكاتب في ميدان حقوق الانسان. ياتي هذا الكتاب ليشكل الرقم 36 من مجموع الكتب التي الفها البروفسور.

 

jamil hamdaouiيتميز الإنسان الأمازيغي، عن باقي الأجناس البشرية الأخرى، بظاهرة الوشم(Un tatouage)، وهي ظاهرة اجتماعية ونفسية وأنتروبولوجية وحضارية وثقافية ووجودية وهوياتية. ومن ثم، يعتبر الوشم ميسما سيميوطيقيا وأيقونيا دالا بامتياز، مادام يتخذ هيئات تشكيلية وحروفية وبصرية متنوعة، في أبعادها البنيوية والدلالية والوظيفية، تحيل على الصراع الوجودي والثقافي والحضاري القائم بين الفرع و المركز، أو بين  المهمش والمهيمن . وبالتالي، فالوشم هو الذي يميز الإنسان الأمازيغي كينونيا وأنطولوجيا، ويفرده سيميائيا وعلاماتيا عن باقي الشعوب والإثنيات والأعراق الأخرى، بمجموعة من الخصائص والسمات النفسية والاجتماعية والثقافية والحضارية .

إذاً، فالوشم عبارة عن وثيقة هوياتية وحضارية مكتوبة، أو هو بمثابة لوحة فنية تشكيلية تجريدية أو مشخصة متعددة الأبعاد والزوايا والخطوط والرؤى المتشابكة، تجسد صراع الإنسان الأمازيغي مع ذاته أولا، ومع واقعه المجتمعي ثانيا، ومع الآخر ثالثا. ويعد الوشم أيضا مدونة أنتروبولوجية  تعبر عن كينونة الإنسان الأمازيغي، ووجوده الطبيعي والثقافي، ورصد لمعاناته الذاتية والموضوعية، وتصوير لتضحياته الجسام من إثبات ذاته وكيانه والدفاع عن مصيره. والوشم كذلك شهادة حقيقية وصادقة عن تطور الإنسان الأمازيغي ثقافيا وحضاريا، و التعبير عن هويته وكينونته وإنسيته ووجوده الحضاري في تامازغا الكبرى، أو بين ربوع شمال أفريقيا بصفة خاصة.

إلى جانب ذلك، يعبر الوشم - ثقافيا وفلسفيا- عن رغبة التخلص من سلطة الدليل الصوتي والفونولوجي  من جهة، وسيادة ثقافة المركز المهيمن من جهة أخرى، باستبدالهما بسلطة الكتابة التي تعني التحرر الوجودي، والسعي الجاد نحو فرض  الذات، والتعبير عن قوة الهامش الثائر، وتثبيت الانتماء الهوياتي، والرفض المطلق للتهميش والتغريب والإقصاء والنظرة الدونية إلى الآخر.

وهكذا، يبدو لنا أن المجتمع الأمازيغي مجتمع موشوم بامتياز، وموجود بوشمه الثقافي والحضاري والسوسيولوجي، على الرغم من موقف النص الديني الإسلامي الرافض للوشم. وقد أضحى الوشم - اليوم- علامة سيميوطيقية وثقافية دالة على الهوية والنضال والتحرر، وتعبير  صارخ عن رفض مطلق لسياسة التهميش القائمة على الانتقاء اللغوي من جهة أولى، والاصطفاء  الاجتماعي الطبقي من جهة ثانية، والنظرة الاحتقارية إلى الآخر المخالف من جهة ثالثة.

ومن هنا، فالموضوع الذي نخوض فيه يتعلق بظاهرة الوشم عند الإنسان الأمازيغي، بالتوقف عند مجموعة من المباحث، كتعريف الوشم لغة واصطلاحا، و رصد بنية الوشم ومواقعه وأدواته، واستجلاء دلالاته المختلفة، واستكشاف مختلف تجلياته ووظائفه ومقاصده المباشرة وغير المباشرة.

 

د. جميل حمداوي

.....................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

الوشم في الثقافة الأمازيغية.. مقاربة سيميو- سوسيولوجية / د. جميل حمداوي

 

asad abdulahفي التاريخ الإسلامي تم تغييب الكثير من الإحداث المهمة، بسبب أرادة الطغاة وسعيهم للتفرد، فرفضوا أن تشرق شمس الحقيقة، مما تسبب بسيطرة الباطل طويلا، ليتكون دين السلطة الهجين، منذ عهد الأمويين، ومن تبعهم من الفقهاء وأهل الحديث وكتاب التاريخ والعقائد، ليشكلوا دين هجين بعيد عن روح الإسلام، يحمل بداخله جبل من  الخطايا، ففي الماضي أنتج عشرات الفرق المنحرفة، وفي عصرنا كان نتاجه الأخوان والوهابية والسلفية والقاعدة والدواعش.

أن سبب استمرار الانحراف، عدم تصدي المؤسسات الدينية العربية، لقضية الفقه المنحرف والروايات الإسرائيلية والكاذبة، التي تملى التراث، ليصبح هذا الفقه العجيب والروايات المكذوبة قاعدة لكل فرقة ضالة.

نناقش هنا حدث أسلامي مهم تم تغييبه، بإرادة السلطة الحاكمة منذ الأمويين وما تلاها، فقط لان بطل الحدث لا يحبه القوم، أنها قصة تكسير الأصنام قبل الهجرة.

بين يدي كتاب مهم وهو (تكسير الأصنام بين تصريح النبي وتعتيم البخاري) دراسة في الميثولوجيا والتاريخ ورواية الحديث، للكاتب السيد نبيل الحسيني، يناقش قضية تاريخية تم تجاهلها بسبب السياسة، وهي قضية تكسير الأصنام قبل الهجرة، فقد تم تغييبها تماما لولا رحمة الله، التي حفظتها في بطن احد أهم كتب القوم، حيث قام الرسول الأعظم (ص) والإمام علي (ع) ليلة الهجرة بتكسير الأصنام وخصوصا صنم هبل، الإله الأهم عند القرشيين، حادث كالزلزال هز مكة، وصرف الأنظار عن هجرة النبي، فهبل المقدس عندهم قد تحطم.

أولا نتساءل لماذا قريش تقدس وتحترم هبل، مع وجود عشرات هبل مئات الإله الأخرى؟

 

إلهة قريش وتمييز هبل

كان لقريش العديد من الإلهة، تقدم لها شتى أنواع الطاعة والتقديس، وكانت العبادة مرتبطة بالتجارة والمكانة الاجتماعية، مما جعلها مرسخة بعقلية العرب، إلى إن جاء الإسلام وحارب هذا الانحطاط بالاعتقاد، لكن كانت حرب طويلة لأنها ليست حرب عسكرية، بل حرب إيمان وعقيدة، وكان لقريش اله تعظمه اشد التعظيم، إلا وهو هبل، ذلك الصنم مكسور اليد الذي يعتقد انه تم جلبه من الشام، وكان مكسور اليد فقام القرشيون المؤمنون به، بتشييد يد من الذهب مكان الكسر.

نتساءل هنا لماذا تعظم قريش الصنم هبل، لماذا تعطيه هذه القدسية؟

من الأسباب المهمة لتعظيم "هبل" (إن عمرو بن لحي جاء به فنصبه في جوف الكعبة ووضعه على بئرها، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه، فكان الرجل أذا قدم من سفره بدا به قبل أهله بعد طوافه بالبيت وحلق رأسه عنده) { السيرة الحلبية ج1 ص17}.

وكان أمام الصنم هبل سبع أقداح، فإذا شك بمولود ضربوا الأقداح فإذا خرج قدح "ضريح" ألحقوه به، وإذا خرج قدح "ملصق" دفعوا الطفل،  وقدح عن الميت، يخبرهم عن مصيره، وقدح على النكاح، وقدح مكتوب به "غفل" إذا اختلفوا فيمن يحمله منهم ضربوه به فعلى من خرج يحمله، وقدح فيه " بها" وقدح فيه " ما بها" إذا أرادوا أرضا يحفروها للماء.

هذا النهج رسخ الاحترام والتقديس في حياة القرشيين لهبل، عن باقي الالهه، خصوصا مع تسليمهم التام للقداح الهبلية، للتحكم في حياتهم بهذا الشكل الغريب،  فأصبح لهبل رأي فاصل في الأنساب والإعراض، فتصور مقدار ما حصل من فجائع فقط لان القدح ألهبلي اخبرهم إن الطفل غير شرعي، وأيضا يدلل على انتشار الانكحة الفاسدة، مثل نكاح الاستبضاع ونكاح العشرة، التي كانت موجودة في حياة القرشيين، بالإضافة لصاحبات الرايات الحمر، أو إن هبل يخبرهم بمصير الموتى، هل هو معذب أو معافى، خصوصا إن لقريش إيمان بحياة أخرى.

 هذه الأمر يكشف عن تجذر الاعتقاد بهبل  في مجتمع قريش عن الارتباط العميق بهبل بواسطة أقداحه السبعة، فكم كان داهية من وضع فكرة الأقداح،كي يكون حضور فعلي لهبل، ومما يعني إن عملية تغيير المعتقد ستكون صعبة جدا بل هي أصعب من تحريك الجبال، فتصور حجم الجهد الذي قام به الرسول الأعظم (ص).

 

عملية تكسير الأصنام

الحقيقة إن كتب التاريخ والصحاح تذكر إن عملية تكسير الأصنام جرت على مرحلتين، الأولى قبل الهجرة والثانية في عام الفتح، لكن هنالك حملة جبارة للتعتيم على قصة تكسير الأصنام وتفاصيلها قبل الهجرة، خصوصا إن من قام بها فقط النبي الخاتم (ص) وابن عمه علي ابن أبي طالب(ع)، ولأنها تمثل اكبر عمل لإذلال كبرياء قريش، وترسم فضيلة عظيمة للأمام علي، وهو الخصم الكبير لأتباع السقيفة، ومن تبعهم في العصور اللاحقة، لذلك نجد أن نقل الوقائع عبر كتب الحديث والتاريخ أخذت إشكال متعددة حسب مقدار العداء والحقد.

أولا: بعضهم عتم عليها كليا، كأنها لم تحصل نهائيا، وتجاهلها بشكل عجيب، مثل البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود وابن ماجة.

ثانيا: منهم من ذكر الحادثة لكنه عتم عن تعيين الليلة وعن هوية الصنم الذي كسره الرسول الخاتم والإمام علي، مثل احمد ابن حنبل والنسائي وابن أبي شيبة والموصلي والزيلعي.

الثالث: منهم من صرح بهوية الصنم وعتم عن ذكر الليلة، لكي تختلط الأمور على الناس ويصبح النظر متجه إلى يوم الفتح فقط، مثل الخطيب البغدادي.

الرابع: ذكر الواقعة بتفاصيلها، ولم يفعلها إلا الحاكم النيسابوري جزاء الله خيرا لأنه ذكرها بتفاصيلها، فذكر الحاكم عن علي (ع) قال: (لما كان الليلة التي أمرني رسول الله (ص) إن أبيت على فراشه، وخرج من مكة مهاجرا، انطلق بي رسول الله (ص) إلى الأصنام، فقال: اجلس، فجلست إلى جنب الكعبة، ثم صعد رسول الله (ص) على منكبي ثم قال "انهض" فنهضت به ، فلما رأى ضعفي تحته قال " اجلس"، فجلست ، فأنزلته عني، وجلس لي رسول الله (ص) ثم قال لي : يا علي اصعد على منكبي،فصعدت على منكبيه ثم نهض بي رسول الله فخيل لي إني لو شئت نلت السماء، وصعدت إلى الكعبة، وتنحى رسول الله (ص) فألقيت صنمهم الأكبر وكان من النحاس موتدا بأوتاد من حديد إلى الأرض، فقال لي رسول الله (ص) : عالجه، فعالجته ، فما زلت أعالجه ويقول رسول الله (ص) " إيه، إيه"، فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه، فقال: دقه، فدققته فكسرته ونزلت. {المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ج3، ص5}

فالحديث أولا يحدد بوضوح تاريخ حادثة تكسير الأصنام، بخلاف الكثير من أهل الحديث والتاريخ  ممن كان جهدهم لإخفاء التاريخ، كي تختلط مع حادثة عام الفتح، لأسباب تتعلق بالسياسة أو الحقد الكبير على الإمام علي، من قبل الحساد المنافقين والحاقدين والساعين للحكم بالقوة، فكيف يقوم القوم بتوثيق فضل كبير لا يدانيه فضل لعدوهم الأكبر" الأمام علي".

 

مضامين تكسير الأصنام

أولا: إن عملية تكسير الأصنام تكشف زيف من جاء إلى الرسول (ص) وادعى انه امن به، بمعنى كشف المنافقين، فمهما لبسوا من أقنعة فان قضية تكسير إلهتهم فاضحة لهم، وعدائهم لمن كسر إلهتهم ستكون كاشفة لباطنهم النتن، حيث سيتأثرون وسيحزنون.

ثانيا: في قصة إبراهيم (ع)، كان تكسير الأصنام الإعلان عن بداية مرحلة جديدة، وهي مرحلة المواجهة والقتال، كذلك عمل الرسول الأعظم (ص)، فأبى إن لا يهاجر إلا إن يكسر الأصنام ليلة الهجرة وخصوصا كبير إلهتهم "هبل"، واستعان بابن عمه الإمام علي في عملية تكسير الأصنام، ثم جعله يبيت مكانه ويهاجر سرا نحو يثرب.

ثالثا: توضيح تاريخي من قبل النبي (ص) على مكانة الإمام علي من الإسلام، كمكانة إسماعيل من إبراهيم (عليهما السلام)، وهارون من موسى (عليهما السلام)، فالمواجهة والإحداث كانت دوما تحتاج لعون، والعون لا يكون إلا الوصي، لذا سارع اغلب رواة الحديث والكتاب مؤرخين التاريخ ممن يوالون السلطات الأموية والعباسية، إلى التعتيم عن هذه الحادثة، لأنها على الضد من توجهات السلطة التي كان إباؤها رموز الكفر وضحية تكسير الأصنام.

رابعا: من الذي كسر هبل؟ سؤال طفولي تم إبعاده عن ذاكرة المجتمع العربي، كي لا تتوسع الأسئلة، ليكتشف حقيقة الأدوار التي قام بها الإمام علي، وتنكشف معه أكاذيب إلف وأربعمائة عام، التي تراكمت ودعمتها السلطة، قرن بعد أخر لتثبيت واقع حصل على حين فلتة، كما عبر احدهم عن منجزهم السياسي.

خامسا: كان الحدث الأهم في الفتح هو إسقاط هبل، رمز الكافرين، لكن نجد رواة الحديث الملتصقين بالسلطة جاهدوا وبمكر كبير للتعتيم وتضييع الحدث، لأن الحدث مرتبط بالأمام علي، الذي كسر صنمهم الكبير هبل، ولكن قصة التكسير حفظها الله في صدور آل بيت النبي، وبعض الخلص من الصحابة، والقلة من الرواة والكتاب الذين التزموا المهنية العلمية في كتابة الحديث والتاريخ، وهكذا بقيت القصة ولم تزول.

 

اسعد عبد الله عبد علي - كاتب وأعلامي

 

 

mohamad bounilمنصور عبروس، أكاديمي جزائري من مواليد 23 سبتمبر/ أيلول 1956 بمدينة تيزي وزو/ الجزائر، اشتغل سابقاً أستاذاً بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بالجزائر العاصمة، بعدها أتم دراساته العاليا بفرنسا، وهو حاصل على شهادات عليا في كل من جامعات باريس نانتير وباريس سوربون بفرنسا، تخصص بسيكولوجيا الفن والجمليات، يشغل حالياً منصب مكلف بمهمة الثقافة والاتصال على مستوى مدينة باريس.

صدرت للأستاذ عدة مؤلفات في الفنون البصرية الجزائرية، نذكر من بينها (الفنانين الجزائريين، معجم بيوغرافيا، 1917-1999 صدر سنة 2002 عن دار النشر القصبة بالجزائر)، من بين إصداراته كذلك (معجم الفنانين الجزائريين 1917 - 2006، صدر سنة 2006 عن دار النشر لارماتون - باريس/ فرنسا)، ثم يليه كتابه الموسوم على النحو التالي: (الفن في الجزائر، دليل بيبلوغرافيا 1844 - 2008، بمساعدة الأكاديمية سعدية سباح التي تشغل حالياً مهام مديرة المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية بمدينة تيبازة؛ حيث صدر هذا الكتاب سنة 2009 عن دار النشر القصبة بالجزائر)، وصدر له أيضاً كتاب آخر بعنوان: (الجزائر، الفنون البصرية: معجم بيوغرافيا 1900 - 2010، سنة 2011 عن دار النشر لارماتون بفرنسا).

أضف إلى قائمة كتبه الطويلة، وهي متعددة وغنية، من حيث الأخبار والسير الذاتية للعديد من الفنانين الجزائريين المتخصصين في الفنون البصرية، يجدر بنا الإشارة إلى آخر أعماله من مؤلفاته الفنية في نفس التوجه والمنهاج الخاص بسير الفنانين الجزائريين والإشادة بإبداعاتهم وتألقهم في هذا التخصص، الفنون البصرية (الجزائر: الفنون البصرية قرن من الإبداع والمبدعين 1896 - 2014، صدر سنة 2015 عن دار النشر الجزائرية دليمان - Dalimen)

كتابه هذا تم إصداره بدعم وإشراف من وزارة الثقافة الجزائرية في إطار التظاهرة والحدث الثقافي العربي، قسنطينة عاصمة للثقافة العربية التي امتدت فعالياتها الأدبية والفكرية، والثقافية والفنية، والإبداعية على مدار سنة؛ حيث أسدل عليها الستار هذه السنة (2016)، في ذكرى احتفالية يوم العلم المصادف لـ16 أبريل/نيسان من كل سنة - كما كان حاضراً أي الكتاب هذا والدار النشر التي أصدرته - دليمان/Dalimen، سنة (2015) ضمن الطبعة العشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر العاصمة - SILA، للتلميح أن كتابه الصادر سنة (2011) بباريس عن دار النشر الفرنسية لارماتون.

1040-mansor

كتابه هذا قد تم التطرق إليه من خلال أحد المقالات الصحفية الصادرة باللغة الفرنسية، وهذا من خلال صفحات (جريدة الوطن الجزائرية بتاريخ يوم الجمعة 3 أغسطس/آب2012)؛ إذ عنونت صاحبة المقال الصحفية نوال بوساحة مادتها الإعلامية باللغة الفرنسي [Mansour Abrous se lit bien dans les bibliothèques anglo-saxonnes]؛ حيث ذكرت أن مؤلفات الفنون البصرية الجزائرية لصاحبها منصور عبروس هي موجودة في إحدى أشهر المكتبات، وهذا بالولايات المتحدة الأميركية وبالتحديد بالمكتبة العمومية بمدينة نيويورك، وكما جاء في نص المقال الصحفي "إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية، إنه بالمملكة المتحدة؛ إذ باستطاعتنا استشارته أيضاً في واحدة من أشهر المكتبات الجامعية بالبلاد؛ إذ يتعلق الأمر بالمكتبة الجامعية بكامبريدج"، كما قد دعمت إحدى الصحف الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية سنة (2014)، عما سبق ذكره، وهذا من خلال مقالة صحفية من توقيع الصحفية المتميزة سهام بونبي [Sihem Bounabi] المختصة في الشأن الثقافي والفني، والإبداعي التي تشتغل لدى صحيفة "لاتريبون La tribune" الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية.

إذ كتبت في مقالها الذي نشر بتاريخ يوم الأربعاء 15 يناير/كانون الثاني 2014، "مؤلفات هذا الشغوف بالثقافة الجزائرية لا سيما عرفت تكريساً لدى القراء الأنجلو - سكسون، بما أن المكتبات المرموقة العمومية لمدينة نيويورك ومكتبة جامعة كامبريدج التي اقتنت العديد من إصداراته، والتي تسهم كذلك، إلى تطلعات المؤلف لترقية وبالتالي قيامه بتعريف الثروة وخصوبة الفنون الجزائرية".

اسمحوا لي أعزائي القراء من المهتمين ومحبي الفنون البصرية عامة والفنون البصرية الجزائرية خاصة، أن أضعكم في الصورة، وهذا من خلال نظرة سريعة وموجزة عن آخر كتاب منصور عبروس الصادر كما ذكرت آنفاً سنة (2015) عن دار النشر الجزائرية (دليمان Dalimen/)، معجمه الأخير هذا بلغ عدد صفحاته ما يعادل 860 صفحة، يشمل على أزيد من 4500 سيرة بيوغرافية للفنانين، رسام الكاريكاتير، خطاط، السيراميك، الديكور، مصمم، جرافيك، المنمنمات، رسام، مصور فوتوغرافي، نحات ومصور فيديو، كما وقد روج له من خلال قيام الدكتور منصور عبروس في النصف الثاني من شهر يناير 2014، بجولة ماراثونية هنا في الجزائر، وهذا بتقديمه لمحاضرات في المعاهد الفرنسية لكل من الجزائر العاصمة، وهران، وتلمسان، وسيدي بلعباس، وعنابة.

كما قد شمل برنامج جولاته التي ساقته إلى كل من مدارس الفنون الجميلة لكل من مدينتي سيدي بلعباس ووهران، وهذا بدعوة منها، ومن دواعي التذكير أن كتبه الصادرة من قبل، والتي تحمل اسم صاحبها الكاتب منصور عبروس حالياً موجودة في العديد من المكتبات العالمية، أو تلك التي هي تابعة للجامعات أو للمراكز الثقافية، أو حتى المكتبات التي تخص المتاحف، وهذا في العديد من الدول الأجنبية عبر نطاق واسع لتك الفضاءات العلمية، والثقافية، والفنية، والإبداعية والتي هي موجودة عبر القارات الخمس.

وفي عجالة من ذلك أذكر بعض تلك المكتبات الوطنية التي يوجد بها مؤلفات الفنون البصرية الجزائرية للكاتب الدكتور منصور عبروس، كعينة من ذلك، المكتبة الوطنية بالصين، والمكتبة الوطنية الفرنسية، والمكتبة الوطنية الألمانية، والمكتبة والمحفوظات بكندا، والمكتبة الوطنية للفن بالمملكة المتحدة بريطانيا، والمكتبة الوطنية بجمهورية التشيك، والمكتبة الوطنية للفن بمملكة الدنمارك، والمكتبة الوطنية الأسترالية، هذه الأخيرة تعتبر بمثابة تراث وطني تفتخر به أستراليا، وتحتوي على العديد من الوثائق والمطبوعات حتى الصور الفوتوغرافية المهمة والقديمة توجد بحوزتها كأرشيف وطني، يحاكي حقبة تاريخية من تراثيها الإنساني والعالمي لتلك البلاد، -أستراليا- تستحق وبجدارة شرف ذلكو وهي قارة بحدة ذاتها تتربع على مساحات شاسعة وواسعة، المكتبة الوطنية الأسترالية باختصار هي من أهم وأشهر المكتبات في المنطقة وعلى النحو الدولي، وإلى حد هذه الأسطر لا تزال مؤلفات الفنون البصرية للكاتب منصور عبروس تقتني من طرف كبريات المؤسسات الفنية والثقافية، وحتى منها تلك العلمية كالجامعات عبر أزيد من أربع عشرة دولة تشمل الخمس قارات.

عزيزي القارئ المتعطش إلى المزيد من المعرفة في هذا التخصص (الفنون البصرية الجزائرية) كيف تفسر اقتناء هذه الكتب من طرف أضخم مكتبة على وجه الأرض، وهذا في الجزء الآخر من الكرة الأرضية على مقربة من المحيط الأطلنطي، وبالتحديد في الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ توجد كتبه ضمن سلسلة لا متناهية للعديد من الكتب، هذه الأخيرة تعود لمشاهير السياسة، والفن والثقافة، وحتى الرياضة حاضرة بجميع أصنافها، وهذا في أكبر مكتبة وهي "مكتبة الكونغرس الأميركي"، "هي المكتبة الأكبر، والأكثر تكلفة، وأماناً في العالم".

هكذا نقشت هذه العبارة على قبة مبنى توماس جيفرسون، وهي البناية الرئيسية لمكتبة الكونغرس، التي تعتبر من المعالم البارزة في عاصمة الولايات المتحدة الأميركية (واشنطن)؛ حيث تبلغ مساحتها 39 هكتاراً، وطول رفوفها 856 كيلومتراً، تضم المكتبة ما يزيد على 130 مليون مادة مختلفة، منها ما يزيد على الـ 29 مليون كتاب، ومواد مطبوعة بـ460 لغة، وأكثر من 58 مليون وثيقة. تُعَد المكتبة أكبر مرجع في العالم للمواد القانونية، والخرائط، والأفلام، والصور الفوتوغرافية، وحتى المعزوفات الموسيقية.

فيما مضى استعان البروفسور عمر كارلي [Omar Carlier] أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة باريس (7) بفرنسا، وهذا بغية إتمامه أحد أبحاثه، وكان ذلك بالتنسيق مع فريق عمل مكون من دكاترة ومختصين في العديد من المجالات العلمية التابعين لمخابر [SEDET-CNRS] المشهورة بجديتها ونتائج أبحاثها القيمة، لقد وثق البروفسور عمر كارلي نتائج أبحاثه المتوصل إليها رفقة الفريق العامل معه من خلال كتاب تم إصداره في هذا الشأن من قِبل دار النشر الفرنسية [لارماتون] سنة 2010، أخذ هذا الإصدار العنوان التالي: [IMAGES DU MAGHREB, IMAGES AU MAGHREB (XIX-XXe siècles) Une révolution du visuel ؟]

من جملة أبحاث البروفسور عمر كارلي، التي دوَّنها على صفحات هذا الإصدار، بحيث تطرق من خلالها إلى مؤلفات الفنون البصرية الجزائرية للدكتور منصور عبروس، واستشهد بها، آخذاً بعين الاعتبار ما جاء فيها من أخبار الفنانين الجزائريين الذين أبدعوا في الفنون البصرية.

كلمتي الأخيرة، يا حبذا لو تحذو المكتبة الوطنية الجزائرية وباقي المؤسسات الثقافية والجامعات العلمية في بلادنا حذو الاحتراف باقتنائها لمثل هذه المراجع الفنية حتى يتسنى لها ويكون بإمكانها رفع التحدي في مثل هذه التخصصات (الفنون البصرية في الجزائر) ومواكبة الجديد في هذا الشأن والتعرف على كل كبيرة وصغيرة، وهذا ما قد يعزز مكانتها في المجال الفني، ويسمع صوتها في هذا التخصص (الفنون البصرية) ويعطيها صورة مشرفة من خلال تلك الكوكبة من الفنانين، سواء كان ذلك على المستوى الوطني أو الإقليمي، أو حتى القاري؛ ولِمَ لا على المستوى الدولي كهذه العينات التي ذكرتها، فكتب الفنون البصرية لصاحبها الأكاديمي والكاتب منصور عبروس لخير دليل على ما جاء في ورقتي هذه.

 

بقلم: محمد بونيل – فنان وكاتب

 

akeel alabodتوطئة: لست بمتدين على الطريقة التقليدية، ولا بلبرالي على الطريقة العلمانية، بل متعلم وقارئ على الطريقة الأكاديمية، ولهذا وانا أضع نفسي امام طاولة البحث لقراءة واستقراء افكار محمد اركون من خلال مؤلفه نحو تاريخ مقارن للاديان التوحيدية، والذي يتناول فيه مسالة الدين بطريقة تختلف تماما عن السياقات التقليدية، اجد نفسي مترددا بعض الشئ في توصيف ما يقول، سيما وانه اي المؤلف بطريقة شاملة وتفصيلية، يتناول موضوع الدين وفق إشكاليتين: تتعلق الاولى بمقولة المقدس كونه يحتاج الى اعادة تفكيك وتركيب لنقله من صورته الجامدة الى صورته المتحركة، بينما تتعلق الثانية، باشراك العقل في تحليل الغاز شفرة هذا المقدس، بغية الوصول الى الموافقة اوالرفض.

لعل هذا بحسبه يفيد في الحصول على مقدمات جديدة، من خلالها يتم اعادة صياغة المقدمات القديمة، بعد تحليل مكوناتها الخطابية- التاريخية.

علما ان هنالك تاريخا، وتراثا، ونصا، وتحليلا، وخبرا وهذه المفردات جميعا بلا استثناء، تحتاج الى بحث وتفكر وتداول، لتسهيل ما يطيب لي تسميته بعملية الهضم الابستمولوجي لما جاء به الدين بناء على جميع المفردات أعلاه.

اذن اراكون يريد ان يتجاوز المفهوم التقليدي للفهم الديني للنص من خلال اخضاعه للفهم الحداثوي عبر دائرة محاكاة استقرائية، واعادة تفسيره، جازما بعدم القطع بحقيقة ما بسمى بالايمان القدسي ان صح ذلك. فهو يعتقد هنا انه بإلامكان تحديث القديم عبر الإضافة والحذف والتغيير، ذلك عبر انشاء مفاهيم جديدة في النص، متجاوزا ما يطلق عليه" النصية الابستمولوجية" في تفسير المدلولات اللغوية للنصوص التي جاءت بها الكتب السماوية، وهذا واحد من اهم الأشكالات الشرعية كان قد وقع به اراكون، والسبب يعود الى موضوعة الثابت من المقدس في الاديان؛ كيف نفهم الثابت من الأحكام، ونتعامل مع المتغير منها، كيف يصار الى فهم الثابت والمتغير في النص. هنا بإزاء ما تقدم، اشعر كما لو ان ذبذبات مغناطيسية تكاد ان تعتري طريقي؛ تمنعني احيانا من الوصول الى الهدف المنشود، باعتبار ان هذا يحتاج الى المزيد، المزيد من البحث والتدبر، ويدعو للحرج باعتبار انني امام مسؤولية شرعية تدعوني احيانا للرد على أفكار محمد اراكون، فهو يقول: ""ينبغي العلم ان مفاهيم من نوع المقدس او الحرام، والطاهر، والوحي، وكلام الله،والتراث، الخ. هي نتاج الفاعلين الاجتماعيين، أي البشر البشر الذي يعيشون تاريخهم الخاص. انهم هم الذين ينتجونها، لكنهم يتوهمون بعدئذ انها متعالية عليهم او نازلة عليهم من السماء""[1 ] . هنا نسي اراكون ان التوهم هذا الذي يقول عنه هو متوالية خبرية فيها من المسند بحسب ما يسمى "بعلم الكلام، وعلم الرجال"، حيث هنالك الصحة والإسناد في الخبر عندما تكون "العنعنة"؛ مفهوم حجية الخبر كما تقول الأصول العملية، مرتبط بالكلام المنقول عن هذا وذاك من الثقاة اي اهل الثقة، كونه حجة، والحجة قطع في الحكم. هنا اجد نفسي امام مسالتين الاولى، محاورة الأشكاليات الخاصة بالبحث، والثانية حاجتي الماسة للإحاطة التامة بقراءات محمد اراكون، ومشروعه الفكري باعتبار انه يعد منهجية متكاملة للبحث تجمع التاريخ، بالدِّين، بالسياسة وبالفلسفة، لذلك تراني امام تحد يحتاج الى دراية وبصيرة وخبرة حصينة في هذا الباب. مثلي مثل لاعب يحتاج الى مهارة فنية فائقة لاجتياز الموانع الخاصة بسباق الساحة والميدان، ما يجعلني مترددا من الاشتراك في السباق خوفا ربما من الإصابة او التعثر. ولكن ونظرًا لتلهفي لخوض هكذا نوع من المسابقات اوالمباريات، تراني قد قررت الاشتراك حاملا معي صولجان المسؤؤلية الاخلاقية والمعرفية، والشرعية لهذا النوع من الدراسات وبكل تفان وجدية. ولا يفوتني طبعا في نهاية المطاف ان اهدي جهدي المتواضع هذا الى صديقي، ورفيق درب مسيرتي المعرفية والفكرية، الأخ الباحث الدكتور محمد عبد الرضا شياع، أستاذ الادب المقارن في الجامعات العربية والذي شجعني لان اطرق هذا النوع من البحوث، ليتني أكون موفقا في سفري، هذا الذي يحتاج الى مواكبة ومشقة.  

 

مقدمة:

منهجية البحث في كتاب محمد اراكون- خارطة الفهرسة والبحث

نظرا للأهمية، وبغية تسهيل قراءة فصول الكتاب مع المحتويات للقارئ الكريم، اعتمدت الخطوات التالية كطريقة للبحث في الموضوع المذكور:

١. حول عنوان الكتاب

٢. مدخل مهم لمقدمة المترجم

٣. مقدمة حول حياة المفكر محمد اراكون

٤.دواعي البحث بحسب اراكون محمد

٥. خارطة البحث الخاصة بالمؤلف

٦. مدخل مهم للفصل الاول

٧. مدخل مهم للفصل الثاني

٨. مدخل مهم للفصل الثالث

٩. مدخل مهم للفصل الرابع

١٠. مدخل مهم للفصل الخامس

١١. مدخل مهم للفصل السادس

١٢. مدخل مهم على ضوء فهرس الاعلام

هنا أودّ الإشارة الى ان الطريقة التي اتبعتها في توضيح كل فصل من فصول الكتاب هو انني انتخبت مجموعة ترتبط مع بعضها من المقاطع، ومن خلال هذا الترابط، اعتمدت طريقة التفسير والتعليق الذي من خلاله تتم التحشية، بطريقة يصبح هنالك جسرا بيني وبين أفكار الكاتب من جهة، وبيني وبين القارئ من جهة اخرى، ما يسهل العبور الى محتويات كل فصل من الفصول، علما ان كل فصل يحتوي على مجموعة من الأسطر محصورة بين الأقواس، مع ملاحظة ان الأقواس المزدوجة تعني ان هنالك أقواسا ضمنية في النصوص المنتخبة وهي من المتضمنات الخاصة بالمؤلف نفسه، علما اني استعملت القوسين الطوليين مرة واحدة للإشارة الى ملاحظتي المتداخلة مع المؤلف. معتمدا طريقة المحاكاة المباشرة، اي التعقيب المتواصل، وقد تم ترقيم كل الأقواس بحسب الأسطر وأرقام الصفحات، والاشارة اليها في الهوامش أسفل البحث، ليتسنى للقارئ الكريم مراجعة الكتاب بسهولة من خلال عرض وتناول النقاط الاساسية في هذا المنجز والتي ينبغي الوقوف عليها، وتاكيدها خدمة للجهد الذي قام به محمد اراكون في كتابه هذا، باعتباره مساحة تتسع في رؤيتها الشاملة لمناقشة جميع الإشكاليات المذكورة بدون خوف اوتحيز لهذه الجهة اوتلك.

 

حول عنوان الكتاب:

مما لا شك فيه ان ابرز الاديان التوحيدية التي أراد اراكون محمد ان يبحث في تواريخها بغية المقاربة فيما بينها عبر استقراء وتأويل بعض ما جاءت به من نصوص، هي اليهودية، والمسيحية، والإسلام، وهذه الاديان جميعا بعد مسالة التوحيد، تشترك في نصوصها في مسالة المحبة والتسامح والابتعاد عن العداوة والبغضاء، وتحكيم العقل والشعور في التعامل مع مطلق الانسان، كون الرب هو واحد في جميع هذه الاديان، فهو الامر بالمعروف والناهي عن المنكر، فلا يوجد رب للإسلام، وآخر لليهودية، وآخر للمسيحية، لان رب عيسى، هو رب محمد، وموسى، ولهذا لا تجد ان هنالك تخالفا في المنهج التبشيري والانساني لهذه الاديان، فقد نهت الديانة اليهودية النفس الانسانية عن العمل القبيح، مثلها مثل المسيحية، ومثل الديانة الاسلامية ايضا،

وهذا ما دعا الفلاسفة لان يتفقوا وان اختلفوا في طرائق البحث في مقولة الأخلاق، باعتبارها واحدة من الموضوعات الاساسية لجميع هذه الاديان، ما يشجع لان يكون هنالك منهجا إبستمولوجيا اخلاقيا، بجانب علم اللاهوت.

""ففي اليهودية نجد ان التوراة تنص على ما يلي: "لا تفعل لأخيك ما تكره ان يفعله لك"". وقد عزز علم الفلسفة هذا الارتباط ما يجعله حقيقة علمية ومعرفية للارتقاء بثقافات المجتمعات والامم، حيث قدم كانط وغيره من الفلاسفة ارائهم في هذا الباب. "فهدف الانسان على هذه الارض ليس ان يكون سعيدا في نظره وإنما يكون اخلاقيا". فالأديان ترتبط مع بعضها البعض بناء على حقيقة المنشأ كونها اي هذه الاديان تعود في اصلها الى الديانة الإبراهيمية اولا، وحاجة الشعوب الى التنوع الثقافي والحضاري ثانيا[2 ] .

 

مقدمة المترجم: ٧-٨١

 توطئة:

لعل من اهم المقدمات التي ينبغي الإشارة اليها هو ما جاء به مترجم كتاب محمد اراكون، هاشم صالح، حول اشكالية ما تم تسميته بالنزعة الانسانية، والتي جاء فيها: ""ليس غريبا اذن ان يكون موضوع النزعة الانسانية هو المسيطر على فكر محمد اراكون منذ البداية وحتى الان، اي منذ أطروحته الكبرى التي نشرناها عن دار الساقي قبل ثلاثة عشر عاما. قصدت "نزعة الأنسنة في الفكر العربي. جيل مسكويه والتوحيدي". ليس غريبا ان تكون الام الانسان، أينما كان ولأي دين اوعرق اومذهب انتسب هي هاجسه الاول ومحور كل فلسفته. وهو يتالم كثيرا لان هذه النزعة اختفت من ساحة الفكر العربي الاسلامي بعد انقضاء العصر الذهبي. فبزوال تنويرنا ايام العباسيين الأوائل والبويهيين والفاطميين والاندلسيين، زالت النزعة الانسانية من فكرنا وعقلنا وافقنا، ودخلنا في عصور الانحطاط الطويلة التي هيمن عليها فكر الفقهاء اللاهوتي المضاد للفلسفة ولكل نزعة إنسانية""[3 ] .

والمعنى ان هنالك تجاذبا فكريا اخلاقيا بين مقولة الانسان من جهة، ومقولة الضمير-المقولة الاخلاقية، التي استقطبت هذا النوع من التجاذب بفعل انتمائها الانساني من جهة اخرى. ولكن الذي استباح هذه المقولة هو ارتباط علم اللاهوت مع نظام المؤسسات والتيارات الدينية والقومية المتعصبة التي قولبت هذه النزعة بناء على مفردات المصالح الخاضعة لسياستها، والتي تضع شروط الهيمنة الفكرية فوق المبادئ العامة التي تقتضيها مصلحة الانسان. هنا بناء على تطورها الانثروبولوجي، تخضع النزعة الانسانية الى مسالة الوعي الإيكو-اجتماعي؛ اقصد التطور التاريخي الذي تشترك السياسة، وثقافة المجتمعات في بناء صيرورته التكوينية، حيث لغة الاختلاف من عصر الى عصر. "يرى محمد اراكون ان النزعة الانسانية تجسدت في العصر الذهبي اوالكلاسيكي من عمر الحضارة العربية الاسلامية، اي طيلة القرون الستة الاولى من عمر الاسلام وحتى موت ابن رشد وسقراط اخر معقل للفلسفة في الأندلس. بعدئذ دخلنا في العصور الانحطاطية.....ويرى اراكون ان النزعة الانسانية قد بلغت ذروتها في العصر البويهي، اي في القرن الرابع الهجري، اذ انتشر الادب الفلسفي بشكل واسع وتشكلت طبقة كوسموبوليتية من الكتاب والمفكرين والمبدعين في شتى المجالات"[4 ] . هنا بفعل ما تقتضيه شروط القانون الاخلاقي لهذه النزعة، وبغية الوقوف بوجه "ايديولوجيات" التخلف والجهل، صار من الملح ان تتشكل طبقة من المثقفين والمفكرين والتي هدفها الوقوف مع الانسان وتشجيع مجالس الثقافة والابداع، خاصة المرتبط منها بالأدب والفلسفة، لما لذلك من أهمية. "لنعد الى الماضي الكلاسيكي والعصر الذهبي الذي سبق الانحطاط، بالطبع، ظلت الثقافة الدينية موجودة، وحتى مسيطرة على الجماهير الشعبية، اومن كانوا يدعونهم آنذاك بالعوام. لكن الثقافة الفلسفية والأدبية ذات الطابع العلماني سيطرت تقريبا على الفئات العليا من المجتمع وعلى كبار الأدباء والمفكرين والشعراء"[5 ] .

لعل من اهم الإشكاليات المطروحة في البحث المذكور، هو هذا الصراع القائم بين ما تقتضيه شروط الحاجة الى ثقافة العقل، دون الحاجة الى مرجعية الدين من جانب، وبين ما تفرضه سلطة الدين لتقويض مشروع الفلسفة من جانب اخر، سيما وان ثقافة الفلسفة تقتضي النهوض بمشروع العقل دون التقيد بما تفرضه سلطة الدين، بينما ثقافة الدين تقتضي الزام العقل بالارتباط مع ما تقتضيه شروط هذه السلطة، حنى وان كانت على حساب العقل في معظم الأحيان.

"هناك نزعتان انسانيتان، لا نزعة واحدة: الاولى هي النزعة الدينية، والثانية هي النزعة الانسانية العلمانية"[6 ] . مما لاشك فيه ان العلمانية كمفهوم تعني التحرر من سلطة الدين، والإنسان بحكم الواقع مقولة واقعة بين نزعتين الاولى دينية، والثانية لا علاقة لها بالدِّين، وعليه يكون الانسان عرضة لهذا النوع من النزاع، فهو طرف تم الاتفاق على ان يكون في منطقة الحياد، وهذه المنطقة محكومة بنوعين من الأحكام؛ الاولى تقييدية، والثانية تحريرية، فالدين يفرض شروطا على العقل، بينما العلمانية تسعى الى تحرير العقل من سلطة هذه القيود، هنا ونظرًا لحاجة الانسان الى ديمومة المعرفة، وللتخلص من هذه التجاذب، نشأت مدارس وحلقات دراسية، شكلها العلماء والفلاسفة المتاخرون، هذه المدارس، وجدت ان لا تعارض بين الدين والفلسفة، لو تم فعلا انشاء مدارس تأخذ على عاتقها تجاوز حواجز الصراع بين الاديان، والثقافات المختلفة، هذه المدارس من خلالها، يصار الى فهم مشترك وحوار يوحد الحضارات، بل يرتقي بها الى اعلى مستويات المعرفة. "كانت الفلسفة معززة مكرمة قبل الف سنة، في العصر الذهبي، ايام المأمون والمعتزلة والكندي والجاحظ والفارابي ومسكويه والتوحيدي وابن سينا وابن رشد الخ. لكنها ممنوعة الان في القرن الحادي والعشرين! ليست محرمة على مستوى الإعدادي والثانوي فحسب، بل ايضا على صعيد التعليم العالي والجامعات، وتقتصر المناهج التعليمية هناك على التحذير من الفلسفة، وتدرس آراء تكفر الفلاسفة كاراء الغزالي في ابن سينا والفارابي، واراء ابن تيمية في ابن رشد وابن عربي"[7 ] .

كم كان عصر المأمون مزدهرا حافلا بمجالس العلماء والخطباء، وكم من العلم تلك الإنجازات التي من خلالها تعلم الناس علوم الطب والفلك والكيمياء، وتلك كنوز من خلالها عرف الغرب تلك الحضارة بشق الانفس فرضت ابجديات مفاتيحها لينهل العالم من فيضها. ولكن وبحسب ما حصل، فان السلطان مقولة لها نصيب في انتهاك معالم هذه المنارات التي امتدت لتزهو بعلمائها وحكماء عصرها. وهذا له علاقة تاريخية بما حدث إبان عصر ارتد المتوكل فيه "على سياسة اسلافه المأمون والمعتصم والواثق...وذلك عن طريق محاربة المعتزلة والانتصار للحنابلة المعادين لأي تاثر بالفكر الإغريقي"[8 ] . لم يرق الامر هذا لطغاة العصر الذي أعقب عصر المأمون فكانت السياسة داء لتصفية النبوغ المعرفي، وراحت الحجج والأقاويل تتلى تحت عناوين الحفاظ على الدين من الانحراف والخروج عن احكام الشريعة، فكانت الفتوى اشبه بقرارات النطق بأحكام الإعدام والموت، اما الدين فقد صار شماعة للحلال والحرام. وهذا ما فرض على العامة طوقا، بموجبه تراهم يعلنون التزامهم بمظاهر الدين، خوفا من سلاطين الاستبداد، الذين فرضوا الدين كوسيلة للاضطهاد والتضليل، على حساب العقل، والكرامة، والضمير. "أيا يكن من أمره، فان المشكلة هي ان عامة المسلمين تختزل الدين الى مجرد الالتزام بالمظاهر الخارجية والطقوس والشعائر الشكلانية، وهذا ما ينتقده اراكون هنا"[9 ] .

 

مقدمة حول حياة المفكر محمد اراكون

تعد الكتابة عن تاريخ اي إنسان مسالة مهمة في مساعدة الباحث لاستقراء الحيثيات الحقيقة للمكون الفكري للشخصية التي يراد تناولها، اوالكتابة عنها، باعتبار ان التعامل مع التاريخ يعد دراسة واستقصاء لمفردات الزمان والمكان، وما يرتبط بهما، أويدور حولهما من احداث وتغيرات. لذلك اليت الابتداء بالفصل السادس من الكتاب، كونه به يستدل على الدواعي والاسباب الحقيقية التي من خلالها نمت ونشأت الجذور الخاصة بالفكر الاراكوني ان صح التعبير. فهو في مذكراته يقول: ""ليست مذكرات شخصية بقدر ما هي مذكرات عامة ايضا، لأنني من خلالها سوف ادرس التاريخ الانتروبولوجي للفضاء المغاربي كله وليس للجزائر وحدها... [اذن هو حاضر ليشهد حقبة سياسية كانت المغرب فيها بكل مناطقها؛ "بفضائها" الذي يشمل ليس "الجزائر وحدها"، بل ] المغرب الأقصى وتونس وموريتانيا وليبيا، اي خمس دول الخمسة شعوب"". فهو مؤرخ من طراز الخبرة لثقافة مجتمعات، كانت فرنسا فيه حاضرة في المشهد السياسي، وكانت تاثيرات التيارات القومية التي تبلورت إبان عصر تمثل فيه فرنسا الدولة التي تريد ان تفرض هيمنتها على "الفضاء المغاربي" وكان الدين قد تمت ادلجته بناء على ابجديات الصراع بين لغة الاحتلال الفرنسي آنذاك، وثورات الشعوب المغاربية. وبهذا مفردات الدين، كانت قد نشأت في رحم هذا المخاض، الذي جمع الصراع السياسي مع الصراع الديني. وتحت مظلة هذا الصراع، محمد اراكون نفسه، امام محطة تفرض عليه استدراج جميع الحيثيات السياسية والدينية، بغية الوصول الى إحاطة علمية تاريخية متكاملة. لذلك قال: "لقد فرض الاسلام نفسه علي كدين وكتراث خاص اوخصوصي؛ كموضوع محوري ينبغي استكشافه بشكل علمي وتاريخي دقيق. وفي مسارات حياتي المتلاحقة والمتوسعة باستمرار كالدوائر المتدرجة، كانت قريتي" تاوريرت ميمون" نقطة الانطلاق الاولى"[10 ] .

تعتبر قرية تاوريرت ميمون، مثل قرية جيكور في تأثيرها على الادب السيابي، فاراكون، يصف التاريخ السياسي، وطبيعة انتمائه الثقافي الى الأحداث والقصص التي تزامنت في عصر، جعلت منه اكثر التصاقا بالطبيعة، اكثر تآلفا مع النشاط الثقافي من النشاط الديني نفسه؛ اقصد اكثر التصاقا بثقافة المقولة، باعتبار انها كيان له القدرة على التفاوض والتفاعل. ""كان الكاتب المعروف مولود معمري قد صور بشكل رائع قرية" تاوريرت ميمون" في روايته الجميلة " الهضبة المنسية"... كانت اهميتها تعود الى مضمونها....بخاصة ان مناضلي حركة التحرير الوطني استغلوها لصالح قراءة معينة هي القراءة الأيديولوجية التي تغذي نضالهم السياسي الهادف الى التحرر من الاستعمار..... لقد غادرت قريتي ومسقط راسي وعائلتي لأول مرة في سن العاشرة، وذلك لكي التحق بابي في قرية عين العبرة في منطقة وهران ""[11 ] . ومعمري مولود، كما هو معروف كاتب وروائي من الطراز الاول. لقد وجد اراكون نفسه ذات يوم، مناصرا لحركات التحرير التي تهدف الى تخليص البلاد من وطأة الاستعمار، فكان مولعا بالقراءات العامة، اكثر من ولعه بخصوصيات الدين وحيثياته الخاصة وما يفرضه على الحياة. ""أنا لا أدافع عن أطروحة محددة وضيقة، انما اتحدث عن ضرورة اعتماد "استراتيجيات جديدة للتدخل العلمي" من اجل تشخيص مشاكل العالم الاسلامي بشكل صحيح تمهيدا لحلها...مثلا قانون الأحوال الشخصية""[12 ] .

فهو اراد ان يصوغ مقدمات بموجبها يصبح الانسان أكثر ارتباطا مع ذاته المتعالية، ليفرض هيبته من خلال عقله؛ هذه الدائرة التي لها القابلية لان تصبح اكثر اتساعا وهي تخوض إشكاليات الصراع، ولكن وللاسف بقي العقل محاطا بشرنقة القيود التي فرضت عليه، خاصة الدينية منها، وأهملت إعداد لها لا حصر لها من المنجزات، وبقي مساحات الفكر مشرنقة بإطواق الخوف من المحاكم التي أعدها السلطان.

""كنت قد نشرت حتى الان حوالي عشرين كتابا بالعربية عن دار الساقي ودار الطليعة في بيروت. ولكن لم أر حتى الان اي عرض نقدي جاد لها في الصحافة الجزائرية حتى كتابي عن "النزعة الانسانية والإسلام" الذي نشر مؤخرا بالفرنسية في الجزائر ذاتها""[13 ] .

الانسان هنا يحتاج الى تحكيم العقل للارتباط مع النصوص وفقا لمبدَأَي القبول والرفض. هنا يصبح من الضروري مناقشة ما يسمى بحسب اراكون محمد: "المدونة النصية الكبرى للاعتقاد الإيماني...العقبات الابستمولوجية" [14 ] . لكن محمد اراكون هنا، يريد ان يتجاوز المقدس، ويعتبره سلطة جامدة، يجب ان يتم تحريرها من مساحات هذا العرش الذي يفرض على الاخرين إقصاء العقل. وهذا القول جعل محمد اراكون امام اشكالية مهمة، باعتبار ان هناك قانونا سماويا لا يمكن التعالي عليه، والعقل متناه بطبيعته، لذلك فهو غير قابل لتجاوز اللامتناه.

 

دواعي البحث بحسب اراكون محمد

لعل من اهم دواعي البحث في مؤلف محمد اراكون نحو تاريخ مقارن للاديان التوحيدية، هو هذا التسيب الفكري الذي نمر به اليوم، سيما ونحن نخوض صراع عصر يدب الاضطراب فيه، وتعم بين ثقافاته واديانه الفوضى، ذلك عبر خطابات الفتاوى المتطرفة، والتي من خلالها تتصارع هذه الأديان ويكفر الناس بعضهم بعضا. هو العجز، اوالقصور الفكري، هذا الذي يتطلب فهمًا دقيقا لطبيعة الاختلافات الخاصة بالمجتمعات، والتي ابرزها اللغة، وأنماط التفكير الذي يرتبط مع الجانب الحضاري. هو تاريخ ارتبطت جذوره بمنهجية تضليلية تزعمت ادارة الواقع الديني بطريقة ديماغوجية، وفرضت قيادتها من خلال سيادة الدين، حتى أضحى العقل قاصرا لا يقوى على البحث في مدارات المعرفة، فبقيت الأزمة تعتصر ارادات الامم، والشعوب هكذا على هذا النمط من الأزمات. "انهم لم يتبنوا المنهجية الابستمولوجية اوالمعرفية العميقة التي اتبناها والتي تؤدي الى تشخيص الأمراض والمشاكل التي تعاني منها المجتمعات الاسلامية من عربية او تركية او فارسية الخ"[15 ] .

لذلك يصبح من الضروري البحث عن المسميات الدقيقة التي تختبئ خلفياتها ونتائجها خلف الأسياج المسورة لعروش السلاطين، لعله يصار الى تخليص الشعوب من الجهل والاضطرابات، التي منشأها هذا النوع من التفاصيل. ان الحياة تفرض منهجا متكاملا يتطلب مساحات، بموجبها تتحقق لغة المفاعلة والمصاهرة بين الثقافات والاديان، بطريقة يجعلها متالفة متحالفة، ويحررها من دوامة الجهل، والتعصب، والاستبداد.

 

خارطة البحث الخاصة بالمؤلف

بفصوله الستة، وبأربعمائة، واحدى وثلاثين ورقة ومن الحجم الكبير، المفكر محمد اراكون، يناقش موضوعات تكاد من الأهمية ان تكون دليلا لفهم المباديء الاساسية لهذه الديانات عبر هذه المجموعة من العناوين:

مقدمة وتتكون من: مدخل الى فكر محمد اراكون، التنوير العربي الاسلامي والنزعة الانسانية، العصر الذهبي والتنوير، الاسلام والنزعة الانسانية(٧-٨٣).

الفصل الاول: الفصل الاول عنوانه المسالة الاخلاقية في الفكر الاسلامي ومحتوياته: اشكالية عامة لبلورة اخلاق تليق بعصرنا، مصادر الاخلاق، الدين، الفلسفة، الثورات العلمي، الى أين تذهب القيم (٨٣-٢٣٩).

الفصل الثاني: التفكير في الفضاء التاريخي المتوسطي وموضوعه، نحو تاريخ متضامن لشعوب وثقافات حوض المتوسط(٢٣٩-٢٧٤).

الفصل الثالث: الوسطاء الثقافيون الثلاثة: نحو الفضاء العقلي القروسطي، العقلانية المنطقية المركزية والحقيقة الدينية، الأُطر الاجتماعية للمعرفة: سوسيولوجيا الفشل والنجاح، من اجل التوحيد الفكري للفضاء المتوسطي(٢٦٧-٣١١).

الفصل الرابع: صورة الاخر: التشكيل المتبادل لصورة الاسلام والغرب ويناقش

الاخر في النصوص الكبرى لليهودية والمسيحية والإسلام، الاخر في النصوص الفلسفية الكبرى، ملاحظات أولى على كل ما سبق من اسشهادات، الصراع بين أوروبا والغرب من جهة والشرق من جهة اخرى(٣١١-٣٤٣).

الفصل الخامس: علاقتي بيواكيم مبارك ولويس ماسينيون، ويضم يواكيم مبارك، ولويس ماسينيون(٣٤٣-٣٧٣).

الفصل السادس وهو عبارة عن مقابلتان مع محمد اراكون(٣٧٣-٤٢٥).

وأخيرا فهرس الاعلام(٤٢٥-٤٣١).

 

الفصل الاول: ٨٣-٢٣٨

يشير عنوان الفصل الاول والذي هو المسالة الاخلاقية في الفكر الاسلامي والتقلبات التي تعرضت لها على مدار التاريخ الى ثلاثة محاور أساسية وهي: اشكالية عامة لبلورة اخلاق تليق بعصرنا، مصادر الأخلاق: الدين، الفلسفة، الثورات العلمية، والى أين تذهب القيم.

 

توطئة:

مما لاشك فيه ان مقولة الخلود حتما وفي كل الاديان لها قيمتان؛ الاولى دينية مقدسة، والثانية أخلاقية. فالسيد المسيح(ع) نموذج يحتفى به بناء على هذا القياس. هذا اضافة الى ان هنالك شىء اخر يكاد ان يكون مقدسا الى الأبد وهو الموت او الاستشهاد في سبيل إعلاء كلمة الله وموضوع الحرب العادلة، التي كتب عنها "القديس اغسطينوس" وهو معناه إعلاء لغة التعظيم من اجل ألمبادىء السامية التي أرادها الخالق و مفهوم الحرب العادلة. ولكن بقي ان نفهم ان "المشروعية الالهية على مبادئ الاخلاق" هو الأساس الذي يجب العمل عليه في فهم الحقائق المقدسة للأديان؛ فهمها بطريقة تضمن لنا جميعا مسارا صحيحا وتجسيدا صحيحا للمعنى الحقيقي لا المحرف للنص؛ اي الابتعاد عن مصالح السياسة والسلطان.

"ينبغي العلم ان تأميم الاسلام واستخدامه كاداة فعالة لصالح الأنظمة السياسية كان قد ابتدا مع عهد الأمويين في عاصمتهم دمشق عام ٦٦١ ميلادية"[16 ] .

 نعم كان معاوية يستخدم المنبر كوسيلة إعلامية ضد خصومه في الفكر والثقافة والمعرفة، وكان يزيد ابن معاوية قد استخدم الوسيلة ذاتها يوم أعلن الحرب على الحسين بن علي وهم عائلة رسول الله. اذن الدين آنذاك لم يكن وسيلة للتعبئة الاخلاقية والروحية التي جاء بها رسول الاسلام محمد (ص)، بل ارتدى عباءة السياسة لأغراض العداء والتصفية. "يستحيل تصور وجود ذروة اخلاقية وروحانية عليا ذات حصانة لا تنتهك"[17 ] .

لقد انتهكت حقا حصانة الخلق الرفيع والفضيلة والنصوص التي تدعو الى احترام الانسان. لقد تم التجاوز على جوهر الدين؛ الصورة الحقيقية التي لاجلها تم اختيار الأنبياء؛ الغايات النبيلة للاديان انتهكت، لتحل محلها غايات السلاطين، فكان الدين لم يبق منه الا المظاهر الزائفة.

 ""الخصم التاريخي المدعو بالغرب كان قد لعب دورا كبيرا ومهيمنا في تشكيل "عدو ديالكتيكي" سماه بمحور الشر وحصره بعالم الاسلام عموما. وقد فعل ذلك لكي يحله محل العدو الشيوعي الذي انهار فجاة عام ١٩٨٩""[18 ] .

هنا بفعل نمو المنظمات والتيارات الاسلامية المتعصبة، وهي وليدة ما أنجبته مخططات السلاطين ودهاقنة العصور البغية؛ وبعد ان توالت احداث الصراع التي أنتجتها مخططات الاسلام السياسي، انقسم العالم وفقا لما فرضته اليات الحروب بين عالم الغرب وعالم الشرق؛ اقصد الثقافة الغربية التي تمثلها الديانات المسيحية واليهودية وباقي الأقليات من جانب، والديانة الاسلامية وثقافتها التي نمت وترعرت تحت ظل الصراع الشرق أوسطي من جانب اخر. لعبت السعودية دورا في مربعات المصالح، كما كان للصراع العربي الاسرائيلي دورا آخراً. لقد تحول الصراع السياسي والعسكري الذي كان قائما بين حلف وارشو والاطلس، الى صراع بين الاديان. هنا في خضم هذا الصراع، تجد ان هنالك افتراقا بين ما تفرضه سياسات الحكام القائمة على التخاصم والتنازع من جهة بسبب ما تفرضه لعبة المصالح، وافكار الفلاسفة وعلماء الفكر بناء على ابجديات المنفعة الاخلاقية.

 "ساقارن بين محمد عبد الوهاب والفيلسوف الألماني إيمانويل كانط! لا شئ بينهما سوى أنهما متعاصران زمنيا من دون وجود اي معاصرة معرفية اوابستمولوجية بين الرجلين. فالأول اي محمد بن عبد الوهاب، ولد عام ١٧٠٣ وتوفي عام ١٧٩٢. وأما كانط فقد ولد عام ١٩٢٤ ومات عام ١٨٠٤. بمعنى اخر، فقد شغلا القرن الثامن عشر كله تقريبا"[19 ] .

هنا بين هذا الخط وذاك، بين هذا النمط من السلوك وذاك، المتضادان يفترقان بطريقة تثبت للعالم، ان العلم الذي نهض بمقولة الأخلاق، هو هذا النمط من المعرفة التي تبحث مفرداتها عن وسيلة يسمو الانسان بها؛ الفلسفة مدرسة يعشقها الانسان كما آلهة تحميه من الحروب والموت، والجهل والكراهية. هذه الآلهة هي نفسها آلهة حماية الانسان من الشر والعنف، هذه الآلهة تحتاج الى فهم دستورها الاخلاقي ليتم تطبيق فقراته بشكل سليم؛ بشكل يتناسب مع لغة العصر الجديد.

 "ينبغي ان نسعى لبلورة علم اخلاق جديد يناسب عصرنا في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين"[20 ] .

لذلك تصبح الحاجة الى تشييد مدرسة شاملة؛ بها يستوفي العقل شروط المواجهة، نحن بحاجة الى إعلام قوي، الى فلاسفة اشداء، الى متنورين لمواجهة الخطاب المتشدد لكل الاديان.

"ان العقل الذي يسيطر على الخطاب المؤمن الارثوذكسي غريب كليا وراديكاليا عن المعرفة التاريخية-النقدية، والالسنية، والاجتماعية-الأنتروبولوجية. هذا يعني ان العقل الأصولي الذي يسيطر على أغلبية المسلمين اليوم بعيد كل البعد عن أنوار المعرفة الحديثة. ينبغي العلم ان المجال العقلي الذي دشنه فكر ابن رشد(م. ١١٩٨) كان قد محي من الوجود من قبل الفكر الذي كان يدافع عنه سلفه الغزالي(م. ١١١١)، وهو الفكر السلفي الأصولي المغذى والمقوى من قبل الخط الحنبلي الطويل المتواصل منذ اقدم العصور وحتى انتشاره العالمي على يد البترودولار في عصرنا الراهن. وهذا البترودولار ليس فقط سعوديا. نقول ذلك ونحن نعلم كيف ان البترودولار من اي جهة جاء هو العدو اللدود لإسلام التنوير المرتقب"[21 ] .

لقد فعل الماضي فعلته، حين تم إقصاء الفكر الصحيح، كان ينبغي على الاسلام ان يتصدى للأفكار التي تهتك حرمة الاسلام، تعتدي عليها، كان على العقل الاسلامي ان يعمل بخطابات ابن رشد في الفلسفة تلك التي من خلالها يصبح هنالك مساحة واسعة من المقارنات والمقاربات الثقافية، كان ينبغي ان يكون هنالك حوارا حضاريا يتبنى الفكر بأوسع مدياته، كان ينبغي ان يكون هنالك تآلفا بين الديانات وخطابا يحمل بين مدياته ابجدية الحوار المتفتح الذي يحترم الافكار التي جاء بها ابن رشد ويتصدى للفكر الظلامي المنحرف الذي تغذيه السعودية اليوم بناء على لعبة المصالح النفطية.

ان عملية الانتماء الى ما جاء به ابن رشد، تحتاج الى التحليل الدقيق للنص القراني والتوراتي والانجيلي، حتى يصار الى صياغة معادلة ابستمولوجية تضع النص بجانب المعرفة، تزاوج بين الدين والفلسفة، كما محاولة للمفاعلة بين اللوغوس والميتوس، اي بين المنطق الفلسفي، والمنطق اللغوي، وهذا يساهم في فهم النص الديني بطريقة معتدلة ومتوازنة.

"ينبغي العلم ان الخطاب النبوي من توراة وانجيل وقرآن يتموضع في جهة الميتوس اكثر منه في جهة اللوغوس...يعتمد في تركيبته اللغوية على المجاز الباهر والكناية والاستعارة والقصص الرمزية والبلاغيات اللغوية عموما اكثر مما يعتمد على الخطاب المنطقي العقلاني"[22 ] .

لقد تبنى القران كما باقي الكتب السماوية طريقة الميتوس المبني على اساس الأمثلة والحكايات، والقرائن ما يجعل ان هنالك متبنى تفرضه الخطابات السماوية، والذي على أساسه قامت الفلسفة اليونانية؛ بمعنى اعتمدت على فكرة اللوغوس الذي يعتمد العقل لفهم حقيقة الوجود. ان مقولة اللوغوس من خلالها يتم فهم المعنى الحقيقي لفكرة الخلق، ولكن يبقى هنالك فراغ، نحتاج الى تداركه، حيث كما يقول اراكون: ""ينبغي العلم ان الصلات التي تربط بين انبثاق اخلاق"حجديدة" وبين تقدم السياسة الإيكولوجية اوالبيئوية لم توضح ولم تبلور بشكل كاف حتى الان. وينبغي العلم ان لا الكتابات حول الأخلاق ولا بالطبع الخطابات السياسية سوف تساعدنا على تجاوز الاخلاق الوعظية الحالية الشائعة"". الخلاصة في نهاية المطاف، هو ان المسالة الأخلاقية تتطلب العمل المشترك على فهم البعد الحقيقي للمسألة الاخلاقية من خلال تبني منهج على اساسه يتم تحليل الفضاء الحضاري لكل شعب من الشعوب من حيث اللغة وطبيعة التركيبة الاجتماعية التي فرضتها الجغرافية السياسية والدينية، وهذا يساعد على فهم جدلية " الصراع بين اللوغوس والميتوس، اوبين العقل والأسطورة"[23 ] .

 

الفصل الثاني: ٢٤١-٢٦٦

توطئة:

موضوع الفضاء التاريخي المتوسطي واشكالياته من المسائل التي تحتاج الى توقف وتأمل، باعتبار ان القضية تتوزع اطرافها عند مطبات تحتاج الى تحليل، اساسها هذه الايديولوجيات السيا-دينية المتناحرة، وهذه الايديولوجيات تتبناها رؤؤس أموال، من خلالها تتحول لغة التبشير الى إعلام تؤثر عليه تداعيات الوضع المضطرب لاخطبوطات العجلة السياسية في المنطقة.

" انه صراع قديم جدا ومتكرر بين عالم الاسلام من جهة، وعالم المسيحية واليهودية من جهة اخرى"[24 ] . فعندما يتحول التبشير الديني الى نظريات أيديولوجية تلتزمها السياسات المتصارعة، وعندما تتحول إبستمولوجيا الدين الى فكر عدائي قائم على اساس التقسيم الجغرافي بين الامم والشعوب، سيقود حتما الى صراع، مكوناته ستكون سببا في الخراب والعنف. المصيبة ان التاريخ فرض مقولته القائمة على هذا الصراع ابان بداية الاسلام حتى الأحداث المتفجرة بالصراع اخيراً.

"المفكر ريمون لول كان من أصل إسباني وبالتحديد كاتلاني، اي من منطقة كاتالونيا المتوسطية التي عاصمتها برشلونة .. ان هذا المفكر .... الذي ينتمي الى القرن الثالث عشر ذو شخصية قوية ومسار فكري حياتي نموذجي ومؤلفات اسرة... كتاب الوثني المشترك والحكماء الثلاثة"، يفرض على كل قارئ من معاصرينا اليوم العديد من المقارنات والتاملات....والاحتجاجات الاستنكارية ضد جميع انواع الانحرافات"[25 ] . هنا المسؤولية تتطلب من الجميع إيجاد الفرص المتاحة للمكونات الابستمولوجية بين الاديان، من خلال العمل على متابعة موارد الإخفاق والفشل في تلاقح الثقافات بعيدا عن التعصب والتناحر.

 "لكي اتبع حلقات هذا الانعكاس في التطور التاريخي بين كلا الجانبين أوكلتا الضفتين كنت قد تحدثت عن ضرورة تأسيس علم جديد بعنوان: سوسيولوجيا الاخفاق والفشل اوالتراجع والقهر. بمعنى لماذا فشلت الفلسفة في العالم العربي الاسلامي وتراجعت؟ هذا في حين انها بكل قوة قي العالم المسيحي الأوربي في اللحظة التاريخية ذاتها؟" لقد أورثت الصراعات التاريخية بين الاديان فوضى اجتماعية، اقتصادية، واخلاقية، استطاعت السياسات ان تستثمرها من خلال تشجيع الفرقة والانقسامات بين الطوائف والقبائل والمذاهب، بغية تحقيق سيطرتها هنا في هذا المكان اوذاك. [26 ] .

ان فكرة تبني مؤسسات معرفية على نمط علم الاجتماع تنهض بالفكر التاريخي الديني، وتضع بصمات جديدة، بموجبها يتم تجاوز الثغرات التي خلفتها صناعة الحروب بين الاديان على مد التاريخ.

"هنالك حقيقة واضحة جلية للعيان اكثر فاكثر وهي تتمثل في ما يلي: ان الاسلام

المعاصر(١٩٥٠-٢٠١٠) ليس فقط جاهل بالمكتسبات الأكثر تحريرا للحداثة التي حصلت في أوروبا منذ القرن السادس عشر، بل هو ايضا جاهل بحداثته الخاصة بالذات والتي حصلت في العصور الوسطى"[27 ] .

الاسلام بالذات يحتاج الى نهضة حداثوية على نمط الفكر التنويري الذي ساهم بانعاش المد الحضاري الثقافي في أوربا. وخير مساعد في تبني هكذا نوع من المشاريع هم المتنورون والمستشرقون الذين تأثروا بالمد الحضاري للإسلام ابان العصر الذهبي؛ في زمن ابن سينا والفارابي". ينبغي العلم ان الفكر الاسلامي كان قد اثر على ريمون لول، وبخاصة من خلال فكر الفارابي ولكن ايضا فكر ابن سينا وابن سبعين. كان ريمون لول مرتبطا بتيار الأفلاطونية الجديدة اكثر مما كان مرتبطا بتيار المدرسانية السكولاتية الرائج في جامعة باريس آنذاك"[28 ] .

نعم فهنالك المدارس، والحلقات الثقافية، وهنالك نسيج من خلاله انتشر تأثير الفكر الاسلامي، ريمون لول نموذج استطاع ان ينقل أواصر الترابط بين الفكر الغربي والشرقي. "وبهذا المعنى سيكون من المفيد الاطلاع على بعض الدراسات العلمية التي كان العالم الاسلامي ينتجها في عصر ريمون لول. وسيكون من المفيد ايضا القيام بترجمات عديدة للتعرف الى ثقافة العالم العربي والإسلامي آنذاك، ثم للتعرف الى بعض عناصر النظام الفكري الذي شكله ريمون لول"[29 ] . وهذا حقاً يرتبط بعنوان الفصل الثالث الذي يعد ستراتيجية مهما لتبني منهجية جديدة للحوار الحضاري بين الاديان.

 

٨. الفصل الثالث: ٢٦٩-٣٠٩

توطئة:

الوسطاء الثقافيون الثلاثة: ابن رشد، ابن ميمون، وتوما الأكويني، هو اهم ما جاء في مدخل العنوان الرئيس الذي يناقشه هذا الفصل. هنا من الضروري الاشارة الى ان هنالك تواصلا في السقف الثقافي بين حضارة الغرب والشرق عبر هؤلاء الذين انتخب أفكارهم اراكون، ليؤسس مقدمة تستقطب هذا النوع من التفاعل، فابن رشد استطاع ان يقوض أركان النظريات الجامدة في الفكر الاسلامي، وفي ذات الوقت فان لأفكار ابن ميمون وتوما الأكويني أثر بارز في تقارب الفلسفة الغربية مع الشرقية. "" كلنا يعلم ان الإسبان الكاثوليك الذين طردوا اليهود والمسلمين بكل الحماسة الاندفاعية والدينية....قد فعلوا كل ما يستطيعون لمحو اثار "الهيمنة" الاسلامية المعتبرة نجسة من وجهة نظرهم: بالمعنى الديني لمفهوم طاهر/نجس""[30 ] .

الإسبان بفعل هذا النمط من التعصب حطموا كل الجسور المعرفية لحضارتي الشرق والغرب، فنظرتهم تأدجلت بناء على كراهية دينية وعرقية لها جذور تاريخية، اضافة الى نمط حياتهم الذي يقوم على اساس الفوضى الاستعلائية للملكية، هم يبحثون عن استعباد الشعوب آنذاك، خاصة التي تتبنى الاسلام. هنا بناء عل ما تقتضيه مصلحة المعرفة، ونظرا لاختلاف المستويات بين المفكرين، يصبح من الضروري الاشارة الى أنماط الاختلاف بين المفكرين وطرائق تفكيرهم.

"انه لمن المهم ان نلفت الانتباه منذ الان الى ضرورة التفريق بين موقعين للفكر اوالمفكرين؛ فهنالك اولا الذي يبحث ويكتب داخل نظام من الحقيقة مرتبط قليلا اوكثيرا بسلطة الدولة اوبسيادة دينية مراتبية هرمية تجمع في يدها بين السلطة الروحية والسلطة السياسية. وهناك ثانيا المفكر الذي يشتغل في ظروف الأقلية مثل ابن ميمون....اما توما الأكويني فكان يؤلف ويتدخل في القضايا العامة تحت المراقبة الصارمة للمرجعية العقائدية الكاثوليكية. وكان مثل ابن رشد يرتكز على سلطة معينة في الوقت الذي يحاول فيه اغناء الشروط الفكرية لممارسة هيبته الروحية"[31 ] .

لقد فرضت نظرية السلطة نموذجا قاصرا عن فهم اي فكر يتبنى تحرير الانسان من العبودية، الكنيسة آنذاك مارست سلطة استعبادية استبدادية ضد اي فكر يتبنى مقولة الحرية وحاربت جميع الأفكار والأيديولوجيات التي نشأت كرد فعل على المرجعيات الدينية المتعصبة.

"ينبغي العلم ان ابن رشد كان قد طرد من قبل جماعته، اي أمة المسلمين، بصفته زنديقًا، نجسا، بل حتى بصفته يشكل خطرا على الدين الحق، او الدين الوحيد الصحيح، اي الاسلام. ولكن اذا كان المسلمون قد طردوه من فكرهم ونبذوه من برامج تعليمهم منذ القرن الثالث عشر، فان الأوربيين راحوا يستقبلونه بالاحضان على الضفة الاخرى من المتوسط. نعم لقد استقبلت الجامعات الأوربية المسيحية فكره وفلسفته ومؤلفاته وراحت تدرسها وتشرحها وتترجمها وتستفيد منها وتبني عليها نهضتها المقبلة"[32 ] . المشكلة التي وقعت بها الحضارة الشرق-اوسطية هي انها حاربت كما الكنيسة المتعصبة عقول الفكر والتنوير، وكان ابن رشد ضحية هذا النمط من العقول. "وكما في العصور الوسطى، يستخدمون الله، والدين الحق، والشرع الموحى به، ويخلطونها كلها، بشكل مشوش، بحقوق الانسان والأرض القومية والعدالة الدولية وحق العودة والارهاب وأسلحة الدمار الشامل، ونلاحظ، منذ خمسين سنة حتى اليوم، ان الخطاب السياسي والخطاب الديني، وحتى الخطاب التاريخي الصحيح، والهيئات الدولية المكلفة تطبيق القانون، فشلت جميعا في إيقاف المجزرة ووضع حد للإذلال والقهر وسحق الحقوق المبدئية"[33 ] . لقد تأسست منظمات وتيارات وحلقات تدعو لاستغلال الفكر الديني، من اجل الاستحواذ على مساحة اكبر من المؤيدين. فكان الدين الطريق الاسلم لحماية المخططات الهادفة الى هذا النمط من الاستعباد. "" في ما يخص تراث الفكر الاسلامي كما بالنسبة لجميع أشكال العقل الديني والعقل الحديث عموما، اقترح منهجية اخرى، هي المنهجية " التفكيكية الانقلابية الراديكالية". فهي وحدها القادرة في رايي على القيام بنقد راديكالي لجميع أنظمة الفكر الموروثة عن الماضي ولكل أنظمة العقائد واللاعقائد التي ترافقها""[34 ] . لقد أورثت مقولة السلطة منهجية تعتمد على أفكار لا علاقة لها بقدرة العقل الإبداعي، فكانت النتيجة سيادة الفكر الذي اعتمد ما فرضته ايديولوجية الفوضى السياسية.

 

الفصل الرابع: ٣١٣-٣٤٢

توطئة:

صورة الاخر وموضوعة التشكيل المتبادل لصورة الاسلام والغرب حيث يعتمد المؤلف نوعين من النصوص وهي الدينية الخاصة بالكتب المقدسة، والنصوص الفلسفية وقضية الصراع بين أوروبا والغرب من جهة والشرق من جهة اخرى. يعتبر هذا المدخل من اهم الإشكاليات التي يتكئ عليها الفصل اعلاه، ليطل بجميع موضوعاته

 ""في ما يخص السياقات الاسلامية، عربية كانت أوغير عربية، نلاحظ ان "الضيافة" مثلا محكومة من قبل قانون اجتماعي-سياسي-اخلاقي دقيق جدا وصارم. وهذا القانون سابق لتعاليم الدين ومستمر بعدها على هيئة تداخلات معها، فقد كان موجودا قبل الاسلام""[35 ] . من الضروري الاشارة الى ان هنالك سياقات اجتماعية لها مبررات تاريخية، هذه السياقات نشأت قبل ان يأتي الاسلام، ما يفيد بان هنالك قوانين وأعراف لم يغيرها الشارع المقدس. ولهذا افترق ما جاءت به الشريعة عن الدين. وهذا فصل مهم في باب الاختلاف بين القانون الاجتماعي، والقانون الديني.

ولهذا تجد ان هنالك منهجية تأسست على اساس هذا اللون من التفاوت بين القانونين. اضافة الى هذا، فان هنالك فرق في اللغة وطريقة التفسير التي جاءت به الكتب السماوية، ما يفيد ايضا بان هنالك قانونا استنباطيا يرتبط مع انماط التفكير الخاصة بالسياقات اللغوية، وهذا ايضا يضيف انقساما جديدا بين العامل الديني، وعامل الثقافة الخاص باللغة؛ بمعنى اننا نحتاج الى مستشار اجتماعي، وآخر لغوي لمطابقة النصوص الدينية والعمل عليها.

""من المعلوم ان المسيح نطق بالآرامية وهي لغة سامية كالعبرية والعربية. لكن رسالته كتبت باللغة اليونانية في الاناجيل ولم تكتب بالآرامية، اللغة التي نطق فيها. وبدءا من تلك اللحظة، حصل انقسام بين الدين والفلسفة لان اليونانية هي لغة الفلسفة كما هو معلوم. كان بول ريكور قد زحزح "فكرة الذات كآخر" من مجالها التقليدي الى الارضيّة اللغوية والالسنية للهوية السردية القصصية. وإذا ما تبعنا فكرته فإننا نجد ان الانتشار التاريخي للمسيحية داخل الدائرة اللغوية العقلانية الإغريقية-الرومانية واللغات الأوربية الحديثة المتفرعة عنها كانت له انعكاسات كبرى لم تدرس حتى الان من قبل علم اللاهوت ولا. من قبل التراث الفلسفي .. المسيح تكلم شفهيا بالآرامية لكن كلامه سجل كتابه باليونانية اولا ثم ترجم الى اللاتينية ثانيا والى اللغات الأوربية الحديثة ثالثا كالفرنسية والانكليزية والالمانية الخ""[36 ] .

المسيح تكلم بالآرامية ولكن هذه اللغة نقلت باليونانية، ثم ترجمت الى اللاتينية، وهذا يعد اختلافا حاصلا في التفسير اللغوي. هذا الاختلاف ولد انقسامات، الانقسامات لم تكن على وتيرة واحدة او نمط واحد، حيث ان هنالك انقسامات اخرى حصلت في النسيج الاجتماعي.

 

" لكن لنعد الى الماضي البعيد مرة اخرى. عندما تحرر اليهود سياسيا في أوروبا بعد الثورة الفرنسية، حصل انقسام اخر بين اليهود والمسيحين من جهة، والمسلمين من جهة اخرى"[37 ] .

لقد كان لهذا الانقسام اثر ديني ونتائج الت الى البحث عن مفاهيم جديدة للحقيقة، هذه المفاهيم نتج عنها اختلاف القراءات والتفسير في الكتب السماوية.

""ومفهوم الحقيقة هنا مقصود بكلا المعنيين، اي بمعنى صحة نقل كلام الله من جهة، وصحة تفسير مضامينه من جهة اخرى. في ما يخص المسالة الاولى نحن نعلم ان القران أشعل مناقشة خلافية مع الدينين الاخرين حول ما يدعوه ب"التحريف""[38 ] .

إذن هنالك صراع اسمه صراع التفسير ناتج عن الاختلاف اللغوي، هذا الصراع أنتج خلافا على أساسه، تم استخدام مقولة الدين للتحريف والتشويه، هذا التشويه بموجبه حدثت معارك وفتن وحروب وكان للإعلام والتكنولوجيا دورا بارزا في هذا الصراع.

 

الفصل الخامس: ٣٤٥-٣٧١

توطئة:

يناقش فيه المؤلف علاقته بيواكيم مبارك ولويس ماسينيون كملحق بحسب ما ورد في قوله: "وفي بداية شهادتي هذه عن يواكيم مبارك، اشعر بالحاجة لان أضيف ما كتبته عن ماسينيون كملحق لهذا النص"[39 ] .

ماسينيون هنا يرفض فكرة الخروج عن المقدس، ويطرح فكرة الاستبطان لفهم المقدس، باعتبار ان هنالك مناشدة روحية لا علاقة للعقل بها، فالنص ليس خاصا بدين دون اخر، انما هو نسيج متكامل يرتبط بجميع الاديان، والعقل لا يحق له لان يحاكم المقدس بناء على المقدس نفسه.

"المجال الإبراهيمي" نسبة الى ابراهيم الخليل ابي الاديان التوحيدية الثلاثة"[40 ] . بمعنى ان فضاء الديانات الإبراهيمية جميعا يربطها مجال واحد هذا المجال يعود الى ابراهيم الخليل.

فالتوحيد اساس هذه الاديان.

 "أصبحوا الان في الغرب يتساءلون عن مستقبل الاديان التقليدية؛ هل سوف تستمر اولا؟ وكيف لا؟ كما أصبحوا يتساءلون عن إمكانية الخروج المتسارع من الأُطر الدينية وشيفراتها المعنوية الصانعة للتاريخ"[41 ] .

في الغرب يعتقدون ان الخروج عن النصية الابستمولوجية، اي القفز على المقدس عامل مساعد لتفكيك هذه الاديان واعتبار المقدس فيها قابل للطعن والتغيير. خاصة وان بعض النصوص الواردة في الكتب المقدسة كالقران تستخدم كفتاوى للحروب.

 "ان جميع الاديان الحية أصبحت تستخدم اكثر فاكثر اما من اجل خلع المشروعية على" الحروب المقدسة"، وأما من اجل سد الفراغ الروحي والأخلاقي الناتج من العولمة الرأسمالية التي لا تعترف الا بالماديات والربح والمنافسة المحمومة والفعالية الاقتصادية"[42 ] .

وهذا يعد ذريعة للخروج عن هذه النصوص بحسب آراء المتشددين من باقي الديانات، كما انه ايضا فتح الباب على مصراعيه امام بعض الفضائيات لبث حملات إعلامية هائلة ضد الاسلام مثلا كما يحصل اليوم في الغرب، ما يدعو الى فك حلقات الارتباط مع القران والإسلام وبالاستعانة احيانا بأفكار على نمط اراكون، لذلك من باب الاهمية، يحرص ماسينيون لويس على معنى الايمان، فيكتب بثقة الى محمد اراكون، باعتباره فهم الاسلام، وهذا مقطع من نص رسالته الى محمد اراكون:

"اعتقد ان إيمانك الاسلامي تعرض للزعزعة بسبب تطبيق المنهجية التفسيرية العقلانية على الكتب المقدسة. وهي اذا ما طبقت على العهدين القديم والجديد تؤدي الى الشكوك نفسها"[43 ] .

لا يمكن اعتماد المنهجية التفسيرية العقلانية على كتاب سماوي كالقران دون غيره، باعتبار ان الاديان التي يتم البحث فيها الان تعود الى منشأ واحد، ولو حصل هذا مع القران مثلا سيعرض جميع الكتب السماوية الى ذات الأشكال، لذلك يعد الامر هذا تزعزع عن الاسلام كدين. وهذا ما تستغله اليوم جماعات من المتشددين المسيحيين وغيرهم.

 ""انني أقول غالبا للماحكين المسيحيين ضد الاسلام من نوعية الغلويري (اي الأب المبجل روبيرتوفوسا) ما يلي: لا تفعلوا ضد الآخرين ما لا تحبون ان يفعلوه لكم. فشتم المسلمين عن طريق" حديث الإفك" اوقصة" زينب بنت جحش" هي عملية سهلة يكثر منها المبشرون البروتستانيون في المشرق. ولكن ينبغي ان يدركوا ان هذه العملية قد تنقلب عليهم. فالآخرون ايضا يمكن ان يدسوا بعض التلميحات المغرضة ضد يسوع وأمه""[44 ] .

 

الفصل السادس: ٣٧٥-٤٣٣

توطئة:

وموضوعه مقابلتان مع محمد اراكون

"" كانت وزارة الشؤون الدينية في الجزائر تنظم مؤتمرا كبيرا، مكلفا من الناحية المادية، تحت عنوان:" مؤتمرات الفكر الاسلامي". وقد حصل ذلك على مدار عشرين سنة أوأكثر بين عامي ١٩٦٩و ١٩٩١. وأصبح هذا المؤتمر السنوي بمرور الزمن عبارة عن مؤسسة رسمية حقيقية.... احسست بالحاجة لان ادشن علما جديدا تحت اسم "علم الإسلاميات التطبيقية""[45 ] .

هذا العلم سيعد قاموسا ومنهجا متكاملا من خلاله يتم دراسة اهم الإخفاقات التي حصلت للإسلام وعلاقته مع باقي الاديان وبالعكس.

 "في الواقع، ان رجال الدين التقليديين أومن أدعوهم بالمشرفين الرسميين على المقدس الديني يراقبون أي كتاب يتحدث عن الاسلام، فاذا كان تفجيريا من الناحية الفكرية اي تفكيكيا وتحريريا، فانهم يمارسون عليه الرقابة الصارمة ويمنعون انتشاره وقراءته قدر الامكان"[46 ] .

هنا من الضروري الفصل بين الالتزام والتعصب، فالارتباط بالمقدس وعدم تجاوزه لا يعني التزمت ومحاربة الافكار " ينبغي ان نبدأ بالعلوم الاجتماعية اولا، لا بعلم اللاهوت. اذا كنت لا تمتلك الأدوات والمناهج الفكرية الحديثة التي اثبتت فعاليتها، فإنك لا تستطيع ان تُمارس علم اللاهوت بشكل جيد"[47 ] .

من المهم بناء جسور اجتماعية أنثروبولوجية تناقش مستويات ومراحل التطور المعرفي للمجتمعات.

 

فهرس الاعلام: ٤٢٥-٤٣١

مدخل:

وهي مجموعة من مختلف الأبحاث والدراسات في اللاهوت، والفلسفة، والسياسة، والاجتماع، وغيرها وتتضمن افكار ومقدمات ابن خلدون، ابن الرواندي، ابن رشد، ابن سينا، ابن المقفع، اغسطينوس (القديس)، الافغاني جمال الدين، الخراساني، ابو مسلم، الغزالي، ابو حامد، هيكل، محمد حسنين، يوحنا بولس الثاني(البابا)[48 ] . لعل الموضوعات التي ناقشها اراكون تعد من ابرز الموضوعات التي يناقشها محمد اراكون في الوقت الحاضر، كونها تم فرش بساطها على اساس ارتباطها مع اهم الافكار والمقدمات التي نوقشت من قبل هؤلاء الاعلام ومنجزاتهم المهمة.

 

١٣.خلاصة البحث

هنا ابتداء، اراكون أراد ان يقول ان مقولة الدين لم تحظ بوصف واحد، فهنالك مؤثرات عرضية، واخرى ذاتية، اما العرضية فتدخل في موضوع السلطة، والسياسة، وانثروبولوجيا الطابع النظري للثقافات الدينية، بينما الذاتية تمثل سلطة المقدس- حيث تم بفعل المؤثرات العرضية تم تفريغها من محتواها الذي كان قائما على فلسفة العقل حتى بدلا من ان تنهض تلك الفلسفة تم اجهاضها لتحل بدلا عنها لغة الانصياع الى المنقول من الأخبار والاحاديث وتغييب سلطة العقل لاستقراء المضامين المعرفية التي تنسجم فكريا مع درجات التقبل المنطقي؛ بمعنى كيف نجعل الحكم الشرعي مواكبا لتفسير العقل القابل لاستيعاب الشروط والمفردات المنسجمة مع منطق التشريع الديني. فموضوعة تهافت الفلاسفة والتي تقول ان لا حاجة للدين بالفلسفة كانت مفتاحا وبابا لتسييد هذا النوع من التراجع الفكري للفلسفة، حتى وبامرة الحاكم اسقطت الحصانة المعرفية عن فلسفة بن رشد فتهافتت، وتهافت معها كتاب "تهافت التهافت" ذلك الذي اريد به ان يقال ان الابستمولوجية مقولة الدين، والفلسفة هي الطريق الأسلم للتعامل مع ما جاءت به تعاليم السماء، ولكن للأسف لقد تم الاعتداء على إبستمولوجيا الدين وبقي العقل قاصرا للتعريف بمعنى هذه الابستمولوجيا، وكان ذلك فراغا لم تستطع سلطة الدين ان تتلافاه فيما بعد تحت ظل عرش السلطة، فكان لهذا الفراغ أثر سلبي على الدين، حيث بدلا من "الفكر التنويري" كان "الفكر الظلامي"، وبدلا من التحاور والتآلف كانت الفرقة وكان الاختلاف. لقد نشا الصراع ليؤسس وعيا لا يرتقي لفهم ما جاءت بها الاديان، فبدلا من الارتباط بمقولة الذات الإلهية، صار الارتباط بمقولة السلطان. وراحت مساحة الفتن تتسع على مر العصور والأزمان. فالقضية قضية صراع ايديولوجي وليست إبستمولوجي، باعتبار ان مقولة الدين اقرب لارتداء ثوب السياسة من مقولة الفلسفة التي أعلنت استقلاليتها وتفردها عن مقولة السياسة لكي لا تستباح. في مؤلفه، محمد اراكون أراد ان يضع القاريء امام حقيقتين نحتاج الى البحث فيهما؛ الاولى تاريخية، مرتبطة مع سلطة الحاكم وعلاقة الفتوى الدينية بذلك، والثانية ابستمولوجية معرفية، فالصراع الفكري سببه صراع تاريخي وهو الذي قاد ويقود العالم اليوم باتجاه الفجوة بين هذا الدين وذاك.  

 

عقيل العبود

.......................

المصدر:

اراكون محمد، نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، دار الساقي بيروت لندن، ترجمة وتقديم هاشم صالح، الطبعة الاولى 2011

 

هوامش البحث

[1 ] راجع ص ٤٠٠، المقطع الثاني، سطر٤-٦

[2 ] راجع ص٦٢، المقطع الثاني، سطر١، راجع ايضا راجع ص ٦٣ المقطع ٣، سطر ٤

[3 ] ص٩، المقطع الثاني، سطر١-٩.

[4 ] المقطع الثالث، سطر١-٤، راجع ايضا القسم الرابع سطر ١-٣، ص١٢

[5 ] المقطع الثاني، سطر١-٤،ص١٥

[6 ] المقطع الثاني،سطر ١- ٣،ص١٦

[7 ] المقطع الثاني،السطر الأخير ص٢٠، سطر١-٥ ص٢١.

[8 ] راجع ص٢٤، سطر ٢-٤.

[9 ] راجع ص٢٧، المقطع الثاني، سطر١-٣.

[10 ] راجع ص٣٧٦ المقطع الثاني، سطر ١-٤، اقرا ايضا،ص ٣٧٩.

[11 ] راجع ص٣٧٧، سطر ١-٦. راجع ايضا ٣٧٨، المقطع الثاني سطر١،٢

[12 ] راجع المقطع الاول ص٣٩٢سطر١-٣

[13 ] راجع المقطع الثاني، سطر(١-٤)، ص٣٩٢

[14 ] راجع المقطع الثاني،السطر الأخير، مقطع٢ ص٣٩٨، ص٣٩٩سطر١،٢، مقطع ١.

[15 ] راجع ص٣٨١، سطر٢-٤، المقطع الاول.

[16 ] راجع ص ٩٠-٩٣، راجع ايضا ص١١١، المقطع الثاني سطر١-٢

[17 ] راجع ص١١٣سطر ١٤

[18 ] راجع ص١١٦المقطع الثاني ١-٤

[19 ] راجع ص١١٩، سطر ١-٥، المقطع الاول

[20 ] راجع ص١٣٨، المقطع الثاني، سطر (١-٢).

[21 ] راجع ص١٩٥.

[22 ] راجع ص ١٩٤

[23 ] راجع ص ٢٣٤، المقطع الثاني، ١-٤، راجع ايضا ص١٩٤،المقطع الاول٣-٢

[24 ] راجع ص٢٤٣سطر٤،٥، المقطع الاول.

[25 ] راجع ص٢٤٣سطر ٨، مع ص٢٤٤سطر١-١١

[26 ] راجع ص٢٤٦سطر٥-٩

[27 ] راجع ص٢٤٧ سطر١-٤، المقطع الثاني.

[28 ] راجع ص٢٦٥سطر١-٣

[29 ] راجع ص٢٦٦، المقطع الثاني(١-٤).

[30 ] راجع ص٢٦٩سطر٨-١٠

[31 ] راجع ص ٢٨٠ المقطع الثاني سطر١-٩

[32 ] راجع ص٢٩٤، المقطع الثاني، سطر ١-٦

[33 ] راجع ص 306، المقطع الاول، سطر ٨-١٣.

[34 ] راجع ص ٣٠٨، المقطع الثاني سطر ١١-١٤

[35 ] راجع المقطع الثاني، سطر١-٤،ص 319

[36 ] راجع ص٣٢٥-٣٢٦.

[37 ] راجع ص٣٢٧المقطع الثاني سطر١-٣

[38 ] راجع ص٣٤١، سطر ١-٣

[39 ] راجع ص ٣٤٥سطر١-٢، المقطع الثاني.

[40 ] راجع ص٣٤٥سطر ٤، المقطع الاول.

[41 ] راجع المقطع الثاني، السطر (١-٣)ص٣٥٨

[42 ] راجع ص٣٥٧، المقطع الثاني، ثانيا١-٤

[43 ] راجع ص٣٦٨سطر١-٣

[44 ] راجع ص٣٧٠-٣٧١ المقطع الرابع١-٦.

[45 ] راجع ص٣٨٢، المقطع الثاني سطر ١-٦

[46 ] راجع ص٣٩٢،٣٩٣ السطر ٧-١٠، المقطع الثاني.

[47 ] راجع جواب السؤال التاسع، المقابلة الثانية، ص٤٢٠

[48 ] راجع جميع الصفحات الخاصة بالفهرسة.

 

924-moulaرواية "مولى الحيرة" للجزائري إسماعيل يبرير بحثا عن الحياة في القصيدة والتصوّف والسياسة والحب

صدرت مؤخرا رواية جديدة للكاتب الجزائري إسماعيل يبرير بعنوان "مولى الحيرة"، وتقع الرواية في 424 صفحة من القطع المتوسط، وهي نص متشابك عبر أكثر من جزء، وعدد من الفصول التي تشكّل كلّ جزء، وبعناوين مستقلّة وموحية يسعى يبرير إلى تقديم نمطه الرّوائي المختلف، حيث يركّز مرّة أخرى على العمق الجزائري من خلال بطله الرّئيسي "بشير الدّيلي" وباقي الشخوص/الأبطال الذين يشاركونه أحداث الرّواية.

تدور الرّواية في مدة زمنية تقارب الستة عقود، تبدأ منذ منتصف الخمسينات وتنتهي في سنة 2015، ورغم أنّ التركيز كان على الحقبة السبعينية ثمّ التسعينية وأخيرا على الألفينية، إلا أنّ الروائي عاد أكثر من مرّة إلى الثورة الجزائرية وما جاورها، قبلها بقليل وبعدها بقليل، وفي عودته كان المنظور السياسي والسؤال حاضران بقوة، حيث أنّ والد بطله بشير الديلي كان شهيدا، وقد سعى أن يعرف قبره المجهول دون جدوى، وفي غياب هذا الوالد الشهيد نشأ الدّيلي وحيدا بين جدّيه، وتعلّم في مدارس مدينة الجلفة (جنوب العاصمة الجزائرية)، ثمّ اشتغل في دار البلدية، ورافقه هوسه بالشّعر طوال حياته، فقد كان يحلم بكتابة قصيدة، من أجل هذا التهم الشعر العربي والفرنسي والمترجم، ليكوّن بذلك ثقافة كبيرة في الشّعر.

924-moulaكان البطل على الدّوام يساريّا إلى أن شعر في لحظة أنّه فقد انتماءه لليسار وأنّ الوطن كلّه يمضي بلا وجهة واضحة، ولعلّ افتراقه عن رفاقه الذين شكّلوا معه نفس الانتماء السياسي جعله يصبح مجرّد مواطن يبحث عن وطن وسكينة.

تطفو أكثر من قصّة حبّ في رواية "مولى الحيرة" فقد اختار إسماعيل يبرير أن يدوّن لنا الحكايات المتقاطعة لعشق بشير الدّيلي وحبيبته التي لم يمنحها اسما، واكتفى بوصفها بالخونية، أي العارفة، ثمّ هناك حكاية أخرى للتالية التي أحبّت يحي الشاب الأخرس الذي يملك الكثير من المواهب من بينها حبّه الخطّ العربي ورغبته في رعاية النباتات، وهناك قصّتا حب مكرّرتين للشاب فاتح الباقي الذي يبدو تائها، ولسبب مجهول جعل الكاتب كلّ قصص حبّه فاشلة، بل إنّ ابرزها كان ما حصل بين التالية ويحي حيث تزوّج كلّ منهما آخر وبقيا يتساءلان عن حبّهما، أما بشير الدّيلي فقد ضيّع حبيبته بمجرّد أن تزوّجها بعد أن اختارت فجأة التصوّف.

الدّيلي الذي تعب ليكتب قصيدة كبيرة تصنع له المجد، هو ذاته الأب الذي نسي ابنه مينا، وبدت علاقتهما جدّ متشنجة، ولا يمكن أن يعودا إلى علاقة مقبولة إلى في آخر الرواية، لكنّها عودة أقرب إلى الصداقة ولا يبدو فيها الدّيلي معنيّا بصفة الأب.

ويظهر جليّا أن جميع ابطال الرواية وعبر فصولها كانوا يفتّشون عن معنى لحياتهم، في التصوّف أو الشعر أو السياسة أو الحب. في رواية إسماعيل يبرير يوجد الكثير من الأشخاص الثانويين، وبعضهم يبدو أقرب إلى السّعي للحصول على متّسع في النّص، فبايزيد وهو رجل أعمال معروف بالفساد، وجد الفرصة ليموت وقد قدّم الكثير من الخدمات لأهل الرّواية، كأنّ الروائيّ يقول لنا أنّ رموز الفساد لا تعني دائما الفساد؟

هناك درجة عالية من الاعتناء بالنباتات والاشياء، بل أن النبات والوقت والسماء والماء والأثاث والحيوانات كلّها مشاريع شخوص أو حالات، بالإضافة إلى حضور الشّعر عبر مقاطع وأبيات لشعراء عرب كبار كالمتنبي وعنترة ومجنون ليلى، ولمتصوّفين معروفين كرابعة والحلاج وابن الفارض.

راهن إسماعيل يبرير على بناء صعب إلى حدّ ما، إذ قسّم الرواية إلى جزئين هما: "الطبقة الأولى" و"الطبقة التالية"، وبينهما فصل طويل بعنوان: "مسعى حفيد العنب" وهو يشبه رواية داخل رواية، حيث يتحوّل فجأة إلى حكاية أخرى هامشية، كأنّها محطّة استراحة أو فاصل سردي. وهناك بعض الفصول التي تبدو مثل "إكسسوار"؛ على غرار فصل "صيد الحكاية" و"فصل الحكاية". ولكنّ البداية والنهاية كانتا عبر فصلين بعنوانين هما: "تحرير، مفتتح بمثابة مداعبة" و"افتراض، بمثابة منفذ".

ويحضر مجدّدا "الرّائي" الذي كان مصوّبا في روايته السابقة "وصيّة المعتوه" لكنّ حضوره هنا كان أقلّ حدّة حيث اقتصر على أحلام بشير الدّيلي فحسب، ما جعل الكاتب يهتمّ بلغته ويصبع عليها نوع من الحكمة المقصودة.

تكاد تكون رواية "مولى الحيرة" حالة من الاحتفاء بحيّ القرابة، هذه هي الجزئية المهمة، فالحيّ هو أيضا بطل مواز، بطل تقصّد الكاتب أن يجعل له بلاغة هو الآخر فأثّثه بحالات وشخوص واقترح الحكايات، لنكون روايته واقعية سياسية ناقدة، ولكنها رواية حب ولغة ودهشة، ورواية مليئة بالرّموز حيث يجب أن تقرأ على مستويات مختلفة.

تعتبر "مولى الحيرة" رابع روايات إسماعيل يبرير المنشورة بعد "باردة كأنثى"، "ملائكة لافران"، "وصية المعتوه، كتاب الموتى ضدّ الأحياء"، كما صدر له ديونا شعر "طقوس أولى" و"التمرين أو ما يفعل الشاعر عادة" ومسرحية "الرّواي في الحكاية"، وقد توّج بعدد من الجوائز الأدبية في الجزائر وخارجها، كان آخرها جائزة الطيب صالح العالمية للرواية عن رواية وصيّة المعتوه.

 

 

 

jamil hamdaouiيتناول هذا الكتاب مسرح الشباب بالمغرب باعتباره ظاهرة ثقافية وفنية لافتة للانتباه، وظاهرة اجتماعية صحية في المجتمع المغربي، من حيث نتائجها الإيجابية التي تتجلى بوضوح في تـأطير الناشئة المغربية، وتكوينها تكوينا فنيا وجماليا وأخلاقيا وتربويا. ومن ثم، يحمل  مسرح الشباب رسالة نبيلة، ويتقلد مسؤولية جسيمة  بامتياز، تتمثل في  رفع مستوى الوعي المعرفي لدى الشباب. وبالتالي، تسمح لهم بحرية التعبير - أدبيا ودراميا-  عن قضايا الذات والواقع الموضوعي، والإحاطة بمشاكله العديدة الشائكة عبر المعالجة الجدية، والانتقاد الصارخ . ناهيك عن رصد  الهموم الداخلية للشبان، واستبطان دواخلهم الشعورية واللاشعورية بارتجالية تامة، وعفوية صادقة، وحوارات متقدة.

ولايمكن الحديث إطلاقا عن أمة متحضرة وواعية وراقية دون مسرح وثقافة جمالية وفنية، فالأمم المتقدمة تعرف بعدد مسارحها ومدارسها ومعاهدها وجامعاتها.

وعليه، يمكن الحديث عن أنواع عدة من المسرح. فهناك المسرح المدرسي، ومسرح الطفل، ومسرح الشباب، والمسرح الجامعي، ومسرح الهواة، ومسرح الكبار، والمسرح الاحترافي، والمسرح التجريبي...

هذا، وقد اهتم المغرب مبكرا بمسرح الشباب داخل المؤسسات التعليمية والتربوية ، وداخل الجمعيات والنوادي المدنية أو المنضوية تحت لواء مندوبيات وزارة الشباب والرياضة. كما عرف المغرب مسرح الشباب بصيغ متعددة. ومن أبرز هذه الصيغ مسرح الهواة الذي سما بالمسرح المغربي إبان السبعينيات من القرن العشرين إلى أوج التفوق والتقدم والازدهار.

وقد تم تفعيل مسرح الشباب في صيغة إخراجية جديدة مع سنوات الألفية الثالثة ، وسهر عليه مشرفون أكفاء غيورون على مسرح الشباب، بعد أن لاحظوا كثرة النوادي الشبابية، وتعطش الجيل الجديد إلى الممارسة المسرحية نظريا وتطبيقا. لذا، سارعت وزارة الشباب والرياضة إلى تلبية حاجيات الشباب المغربي، بعقد مجموعة من المهرجانات الجادة والطموحة، وكان آخرها  المهرجان الوطني العاشر سنة 2015م.

ومن المعلوم لدى الجميع أن هذه المهرجانات المسرحية الشبابية الإقليمية والجهوية والوطنية قد حققت نجاحا كبيرا لكثرة النوادي المشاركة ، ووفرة العروض المقدمة على خشبات المسارح. علاوة على الحضور الكبير للجماهير الغفيرة من المواطنين للاستمتاع بالفرجة الدرامية الشبابية التي قدمتها طاقات ومواهب شابة من ذكور وإناث لها باع متميز،  لايمكن الاستهانة بها في مجال التشخيص والإخراج والسينوغرافيا.

وأتمنى أن يلقى هذا الكتاب الذي ينصب على مسرح الشباب بالمغرب تأريخا وتوثيقا وتحقيبا ونقدا ودراسة وتوجيها اهتمام القراء الأفاضل، حيث يجدوا فيه ما يعجبهم ويرضيهم. ونعتذر لهم عن كل نسيان، أو سهو، أو تقصير، مادمنا بشرا ناقصين. وما توفيقي إلا بالله جل علاه،  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

د. جميل حمداوي

..................

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

 

مسرح الشباب بالمغرب / د. جميل حمداوي