حوار مفتوح

majed algharbawi4مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: تاريخيا أغلقت مدرسة السنة الاجتهاد على المذاهب المعروفة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، ولم تواصل نشاطها العلمي والاجتهادي، وتحولت إلى مرجعيات، تكرّس مهمة شرح وتأويل آرائها من قبل طلاب العلوم الدينية، دون الخروج كليا على مبانيها. وقد اختلفوا في أسباب ذلك مع اتفاق بعضهم على ضرورته، وقالوا: أن السبب وراء غلق باب الاجتهاد هو التعصّب للمذاهب الإسلامية، أو لخوف المجتهدين من الافتاء، خاصة في ممالأة السلطان الظالم، أو بسبب الكسل العلمي. غير أن فقهاء أهل السنة مازالوا يفتون في المسائل المستحدثة، وأغلب أدلتهم قياس أو استحسان، أو مصالح مرسلة، وغير ذلك من مبانٍ اجتهادية دون الخروج على مذاهبهم الفقهية. وقد ساعدت الحكومات المتعاقبة على انتشار هذه المذاهب دون غيرها، بينما اندثرت مذاهب لا تقل أهمية عنها، لم تحظ برعاية الخلفاء المسلمين، أو لم تواصل رعايتها لها. كمذهب سفيان الثوري والأوزاعي. وأما المذاهب التي ما زالت حية فهي: (الشيعي الإمامي، الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، الزيدي،الإسماعلي، الأباضي). ولكل منها حضوره المميز في العالم الإسلامي، والجاليات المسلمة في مختلف دول العالم، يمارس دوره في الافتاء، وتوسة خلافات الأحوال الشخصية.

الشيعة والاجتهاد

في مقابل المدارس السنية واصل الشيعة، باستثناء الإخباريين، استنباط الأحكام من أدلتها الشرعية لمواكبة الواقع وضروراته. وكانت نهاية الغيبة الصغرى للإمام المهدي (329 هـ) إيذاناً بممارسته، رغم حرمة تداول مفهوم الاجتهاد عندهم، تبعا لموقف الإمام الصادق (150 هـ) من اجتهاد مدرسة الرأي، وخصوص أبي حنيفة. غير أن المحقق الحلي المتوفي (676 هـ)، نجح في انتزاع حمولته السلبية وتبيئته، فغدا مألوفا، متداولا، بدلالته الجديدة، التي تعني استنباط الحكم الشرعي من مصادره، وصار صرف اللفظ لمعنى الرأي يحتاج إلى قرينة. والحقيقة أن الاجتهاد بهذا المعنى يعود لعصر أئمة الشيعة، واستمر مع أصحابهم، ومن جاء بعدهم من الفقهاء، لكن يعتبر كتاب عدة الأصول للشيخ الطوسي المتوفي (460 هـ)، انعطافة حقيقية في مجال التأليف الأصولي، ثم واصل الأصوليون أبحاثهم، وباتت مؤلفاتهم تشغل حيزا كبيرا في المكتبة التراثية. وقد ولد علم الأصول من رحم الفقه، وحاجة الفقيه لقواعد علمية يضبط بها اجتهاده، وقد ساعد بالفعل على تراكم الفقه الاستدلالي، وهذا ما تشهد له الموسوعات الفقيه لفقاء الشيعة.

ورغم فتح باب الاجتهاد، وسعة البحوث الفقهية، لكن الفقهاء على صعيد الإفتاء يتحاشون مخالفة المشهور فضلا عن الاجماع، مما يؤكد سطوة السلف وقدسية التراث، فحد هذا التوجه من احتمالات التجديد الفقهي على الصعيد العملي. فتجد المجتهد يفتي على طبق المشهور، ولو من باب الاحتياط، رغم مخالفتها لقناعاته العلمية. فالممارسات الاجتهادية محدودة عندهم، وأحيانا يصدق عليها مفهوم التقليد خاصة. بل أن أغلب البحوث الفقهية استنساخ لآراء السابقين، مع إضافات بسيطة، ووجهات نظر قد لا يصدق عليها مفهوم الاجتهاد، لأن الفقه باستثناء المسائل المستحدثة، بات من العلوم المحترقة، ليس فيه جديد، سوى تكرار لما قاله السلف.

المجتهد من يتحرر من قبلياته، ويباعد بينه وبين سلطة السلف، ويفقه النص من خلال الكتاب والسُنة مباشرة. وهذا لا يعني نبذ التراث مطلقا، فهو ضرورة لدراسة تاريخ الحكم ضمن فتاوى الفقهاء السابقين، ومعرفة الواقع وإملاءاته. لكن ينبغي التحرر من سلطته، وقراءة النص وفقا للواقع ومتطلباته، وماطرأ عليه من متغيرات، بفعل مختلف التطورات الحياتية. كما يشترط أن يكون الفقيه عارفا بضرورات الزمان والمكان، مدركا لفلسفة الحكم، محيطا بتاريخه. وهذا اللون من المجتهدين يصعب العثور عليه. وأغلب الفقهاء ينتمي فلسفيا لمنطق العبودية الذي يكرّس الفتوى، وإغراق الحياة بأحكام تغلق على الفرد منافذ الحرية، وتكبّل حركته وابداعاته. كما لا ننسى النسق العقدي الذي يفرض سلطته بقوة على الفقيه، فهو محاصر بين سلطتي السلف والعقيدة مما يحد من حريته في استنباط الأحكام الشرعية. فتبدو فتاواهم مستنسخة.

لماذا مواصلة الاجتهاد؟

لم يقنع الفقهاء بما ورد في الكتاب الكريم من أحكام الشريعة، فراحوا يتوسلون بالسُنة النبوية يستدرونها لتشريع أحكام جديدة، وتمادوا بإضافة سُنة الصحابة عند السنة، وسُنة الأئمة الإثني عشر عند الشيعة، بدافع تأمين كل ما تحتاجه الحياة من أحكام وفق مقولة: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم). وهي قاعدة ينقصها الدليل القرآني الصريح، فيفترضونها افتراضا قياسا على نظام الكون وما به من إبداع وكمال. فكما حظي الكون برعاية الباري تعالى، فلا بد من وجود نظام ديني، كامل شامل للحياة. فعمدوا إلى تأويل بعض الآيات، والاستعانة بروايات لتعزيز رؤيتهم. بينما "شمول الشريعة" لكل وقائع الحياة، مقولة نفسية أكثر منها مقولة دينية، ورغبة لدى المسلمين منذ البعثة أن يتولى الدين تدبير شؤونهم، بسبب روح التبعية والانقياد والاتكالية وحب الحلول والأجوبة الجاهزة، فهي رؤى تنتمي لنظرية العبودية في فهم الدين والتشريع، حتى نهاهم القرآن عن التمادي بالسؤال: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم).

وكشاهد على هذا الاتجاه يستدل محمد باقر الصدر وهو فقيه وأصولي لامع (قُتل 1980م) بقوله: (ولما كان الله تعالى عالما بجميع المصالح والمفاسد التي ترتبط بحياة الإنسان في مختلف مجالاته الحياتية فمن اللطف اللائق برحمته أن يشرّع للإنسان التشريع الأفضل وفقا لتلك المصالح والمفاسد في شتى جوانب الحياة، وقد أكدت ذلك نصوص كثيرة وردت عن الأئمة أهل البيت، وخلاصتها: أن الواقعة لا تخلو من حكم). والكلام ليس حول نوع التشريع وقيمة ملاكاته من مصالح ومفاسد، وليس شكاً بلطف الله تعالى، بل الكلام عن وجود أو عدم وجود دليل قرآني صريح على شمول الشريعة لجميع مناحي الحياة (وما يريده المشرّع قاله)، كما يؤكد الصدر في مقدمات الحكمة. فلماذا لا نبحث عن سبب إهماله لجميع وقائع الحياة إلا ما نص الكتاب عليه، فربما هناك هدف أعمق وراء ذلك، خاصة وفق نظرية خلافة الإنسان لا عبوديته؟ القرآن أهمل الأحكام السياسية والاقتصادية سوى مبادئ عامة، وهما عصبا الحياة. على المرء تأمل حكمة الدين، بدلا من التوسل بتوسعة دائرة الشريعة؟.

لقد مرَّ الكلام تفصيلا حول حدود الشريعة في القرآن والسنة، وبينت أن القدر المتيقن من الأحكام الفعلية هي الأحكام الواردة في الكتاب، وما فصّله وبيّنه النبي من آيات الأحكام. وكذلك شرحت مفصّلا أن فعلية الأحكام تتوقف على فعلية موضوعاتها، التي هي الأخرى تتوقف على فعلية شروطها وقيودها. كما بيّنت أن منطق الخلافة ليس مع تمادي التشريع من قبل الفقهاء. فثمة فارق بينهما حول دور الدين والإنسان في الحياة. ولا دليل للفقيه على شمول الشريعة الذي لازمه التصدي لاستنباط أحكام شرعية لملء منطقة الفراغ التشريعي سوى تأويل بعض الآيات لتبرير حجية مطلق السُنة النبوية. وتبقى الأحكام محدودة لهدف وغاية قرآنية مر بيانها. وأما أدلتهم فلا تدل صراحة على المطلوب. فاستدلّت مدرسة أهل الحديث بـ: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا). وقوله: (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا). (بعثت إلى الأحمر والأسود). وكذلك للشيعة أدلتهم الروائية على شمول الشريعة وكمالها، وعدم نقصها:

- عن الإمام الصادق، أنه قال: (إن الله تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى والله ما ترك الله شيئا يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد أن يقول: لو كان هذا أنزل في القرآن، ألا وقد أنزله الله فيه).

- وعنه: أيضا أنه قال: (ما من شيء إلا وفيه كتاب أو سنة).

- وعنه يصف الجامعة: (فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الارش في الخدش).

- وعن الإمام موسى بن جعفر، أنه قيل له، أكل شيء في كتاب الله وسنة نبيه؟ أو تقولون فيه؟ قال: (بل كل شيء في كتاب الله وسنة نبيه).

أما الآيات فهي غير صريحة في المقام، وحجية الروايات تتوقف على حجية قائلها، وهي ضمن العقيدة الشيعية تامة، غير أن للقرآن كلمة الفصل في هذه القضايا، حينما يحدد مهام الرسول ولم يسند له أي دور تشريعي. ويعلن كمال الدين، عقيدة وتشريعا. فالأحكام مرتهنة بأدلتها القرآنية، بناء على اختصاص التشريع بالله، الذي أكدته مرارا بالأدلة، وناقشت الأدلة التي يستدل بها على مطلق حجية السُنة. وقد خُتم التشريع القرآني بختم الدين في آية اليوم أكملت لكم دينكم. وكل هذا مر تفصيله، وناقشت جميع أدلة القائلين بحجية مطلق السُنة. فالشريعة ليست ناقصة، وإنما اكتفت بتشريع عبادات تحقق التوازن الروحي والسلوكي، وهي تشريعات توقيفية، تتوقف على وجود خطاب صريح من الشارع. كما سنَّت تشريعات اجتماعية وقضائية وفق ملاكات تحقق العدالة الاجتماعية. إضافة للوصايا العشرة التي ترتبط بالأخلاق، وهي ذات الوصايا التي أوصى بها الله تعالى الديانات السابقة. وبالتالي لم يترك القرآن باب التشريع مفتوحا، ولم يجعل الولاية التشريعية لأحد صراحة، وما يستدل به من آيات لا علاقة له بالولاية التشريعية، وهذا ما تؤكده الآيتان: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وآية: (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). فكلا الآيتين قد أغلقت باب التشريع، لأن كمال الدين كمال لعقيدته وتشريعاته، وقد فصّلت الكتب السماوية قضايا العقيدة، كما بيّنت تشريعات الأحكام حداً أعلن القرآن كمال الدين، وبكماله اكتملت الشريعة بهذه الحدود، فلا يصدق أنها ناقصة، لكنها غير شاملة لجميع وقائع الحياة. فينتقل الفرد في منطقة الفراغ للعقل مستفيدا من القيم والمبادئ التي اعتمدها الكتاب الكريم لضبط سلوكه وتصرفاته، ليواصل خلافته للأرض. فالفرق كبير بين مفهومي كمال الشريعة وشمولها، فينبغي عدم الخلط بينهما.

وقد حذر الكتاب من مغبة التقوّل على الله تعالى في أحكامه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

وبالتالي فحدود الاجتهاد وفقا لمنهج فقه الشريعة، هي حدود الشريعة (الكتاب وما له جذر قرآني من السّنة)، للكشف عن مدى فعلية الأحكام من خلال دراسة فعلية موضوعاتها، أو تطبيق القواعد الكلية على مصاديقها. وأيضا يمكن إعمال رأيه في فقه ما هو ظاهر من النصوص، دون الصريح منها، لترجيح أحد محتملاته التي تتراوح بين الأحكام الشرعية الخمسة (الوجوب، الحرمة، الاستحباب، الكراهة، الإباحة). وتقع على مسؤوليته تشخيص الروايات، متناً وسنداً، دراسة تفصيلية للتعرف على مواطن ضعفها وغرابتها وشذوذها، ومدى توافقها مع الهدف الأساس للدين والإنسان. وما عدا ذلك يبقى رأيا شخصيا للفقيه لايمكن انتسابه للشريعة كحكم إلهي. لأن أحكامها معدودة، واضحة. كما تقع عليه مسؤولية دراسة تاريخ الأحكام وفلسفتها، وتحري مقاصدها، قياسا بالواقع وضروراته. وتجديد مناهج الاستنباط، والاستفادة من معطيات العلوم الإنسانية، وما أفرزته من نظريات ومناهج لقراءة النص وتأويله. أي أن مسؤولية الفقيه تتعدى الاستنباط البسيط المتوارث إلى ما هو أوسع.

فوارق جوهرية

ثمة فوارق جوهرية أخرى بين اتجاهي / نظريتي الخلافة والعبودية مرّ بيانهما في الحلقتين 79 و80. فوارق حول فلسفة الدين والخَلق، ومركزية الإنسان، ومساحة العقيدة، وحدود الشريعة. وهذا ينعكس على الفقيه ومرجعياته، في استنباط الحكم الشرعي. ونضيف هنا:

- يختلف النسق العقدي لدى اتجاه الخلافة عن المتداول عند اتجاه العبودية، حول حدود الشريعة، وقيمة التراث ومطلق حجيته.

- حق الطاعة للمولى وفقا لمنطق العبودية يشمل "كل ما ينكشف من تكاليف ولو انكشافا احتماليا" فالاحتياط العقلي هو القاعدة الأولية، بينما القاعدة الأولية لدى نظرية الخلافة هي البراءة العقلية، و"قبح العقاب بلا بيان".

- يشكّل النص مرجعية أساسية لدى اتجاه العبودية، حداً تكاد تتلاشى معه فرص العقل إلا بحدود بسيطة. بينما يشغل العقل مساحات واسعة ضمن فقه الشريعة، ابتداء من دراسة تاريخ الحكم وفلسفته، وليس انتهاء بنقده، وتحري مضمراته، مقارنة بالواقع وحاجات الإنسان له. كما يتوقف على العقل دراسة فعلية موضوعات الأحكام التي تتوقف عليها فعلية ذات الحكم الشرعي.

- تكتسب السنة النبوية حجيتها من الجذر القرآني للحكم، فتكون مبيّنة وشارحة ومفصلة. بينما تكون سنة النبي حجة مطلقة على مبنى منطق العبودية.

- الأولوية للأنسان في فتوى الفقيه وفقا لمنطق الخلافة، بينما يجوز الإطاحة بمصالحه عند الثاني. الإنسان مركز التشريع وفقا للاتجاه الأول، فيجب على الفقيه الأخذ بنظر الاعتبار مصالحه في استنباط الأحكام الشرعية. وهذا يتيح للعقل ممارسة دوره في فقه الواقع، وسن تشريعات قائمة على ذات مبادئ الأحكام، وهي مركزية العدل، والسعة والرحمة، والواقع وضروراته.

- يكتسب الحكم شرعيته وفقا لنظرية العبودية، من انتسابه للشريعة، بشكل مباشر كالنص. أو غير مباشر كالسيرة العملية، فنظّر الفقهاء عقديا لتبرير حجية سُنة الصحابة والأئمة. ولازمه لا تاريخية الحكم وإطلاقه، وعدم توقف فعليته على فعلية موضوعه. بينما تتوقف شرعية الحكم وفقا لنظرية الخلافة على ملاكاته وفعلية موضوعه  قدرته على تحقيق العدالة الاجتماعية، في مجال فقه المعاملات الشامل لمختلف مناحي الحياة، باستثناء العبادات، التي هي توقيفية في أصل تشريعها لا في تفصيلاتها. وقد تقدم مفصّلا أن وراء الأحكام ملاكات من مصالح ومفاسد تهم الفرد والمجتمع، وأن تشريع الأحكام قائم على مرتكزات عقلية، وبهذا تكتسب القوانين الوضعية مشروعيتها، متى ما توفرت على مرتكزات مبادئ الأحكام (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). باستثناء القوانين التي تشرعن سلوك السلطان، وتمنحه صلاحيات واسعة، فيها ظلم وجور يتنافى مع منطق العدالة الذي هو جوهر القوانين، من أجل حياة فاضلة يتساوى فيها الناس من حيث الحقوق والواجبات، وتخدم الصالح العام المتضمن لمصلحة الفرد والمجتمع معا. فتشريع الأحكام لا يتوقف على الفقيه مطلقا، وتبقى دائرة الافتاء محدودة بخصوص ما له جذر قرآني. وما زاد على ذلك تكون مرتكزات مبادئ الأحكام أساسا لشرعيتها.

- وفقا لشمول الشريعة، (ما من واقعة الا ولله فيها حكم)، سواء كان بيانا شرعيا "آية أو رواية". أو كان مُدرَكا عقليا. أو لا هذا ولا ذاك بل يكون مجرد استحسان ورأي للفقيه، خاصة عند مدرسة الرأي والاجتهاد، بناء على القول بالتصويب، ومفاده: (أن جميع الفقهاء مصيبون)، رغم اختلاف فتاواهم القائمة على الترجيحات والظنون والاستحسانات، (لأن الله ليس له حكم ثابت عام في مجالات الاجتهاد التي لا يتوفر فيها النص، وإنما يرتبط تعيين الحكم بتقدير المجتهد وما يؤدي إليه رأيه واستحسانه، وهذا هو القول بالتصويب).

- إن مقتضى شمول الشريعة، أن تكون مصدرا وحيدا للتشريع، غير أن الواقع أثبت عجزها عن تلبية جميع ضروراته، حتى اضطرت إيران إلى تعديل الصيغة الدستورية، إلى: "لا يجوز تشريع قانون يتعارض مع أحكام الشريعة". وهذا اعتراف صريح بعجزها عن تلبية ضرورات الواقع، فلا يمكن أن تكون مصدرا وحيدا للتشريع.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi3مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

س87: مهدي الصافي: ماذا يقول السيد ماجد الغرباوي في الاجتهاد عند الشيعة؟

ج87: ماجد الغرباوي: الاجتهاد مبدأ أساس لإحياء الشريعة وتكيّفها مع الواقع، وفق شروط وآليات تختص بمَن يعي متطلبات الزمان والمكان من الفقهاء. وللاجتهاد مبررات فرضها جدل النص والواقع، ثم راح يتطور كعلم مختص بالشريعة الإسلامية في مقابل التلمود الذي استفاد منه الفقهاء بحكم التجاور أو تقارب جملة من التشريعات. وبالتدريج تشعب واتسع بفعل طبيعة الأسئلة وتحديات الاتجاهات العقدية، وتعدد مباني الفقهاء، والانفتاح على المنطق والفلسفة، وتطور علم أصول الفقه. وما التراث الفقهي الزاخر إلا ثمرة من ثمراته. وهذا لا يمنع من وجود تداعيات وسلبيات، ما دام الاجتهاد وجهات نظر شخصية، رغم القواعد العقلية التي تتحكم بعملية استنباط الأحكام الشرعية.

والسؤال عن الاجتهاد سؤال عن "التقليد"، وعن مفهومه وتاريخه وشرعيته، وتداعياته على الوعي الجمعي وحركة النهضة الحضارية. إذ لا معنى للاجتهاد ما لم يكن هناك مقلد للمجتهد. وبمرور الأيام اكتسب المفهوم دلالات جدية، ترتبط بالقيادة والاتباع. وهذا ما يميّز علاقة الفرد والمجتمع الشيعي، حيث اتخذ المفهوم أبعادا استمدها من خلفيته العقدية المتصلة بالإمامة، التي منحت الفقيه / المرجع صفة النيابة عن الإمام المعصوم، يقوم مقامه في الإفتاء والتصرف بالأموال / الحقوق الشرعية، وتسوية الخلافات القضائية. فاستأثر بولاء الجميع، وبات مقام المرجعية الدينية مقاما قياديا، يتعدى الإفتاء إلى تدبير الشأن الشيعي، ومواقفه السياسية.

الاجتهاد تاريخيا

الاجتهاد لغة: بذل الجهد للحصول على شيء ما.

واصطلاحا: إما أن يُراد به الرأي الشخصي للمجتهد. أو يراد به: استفراغ الوسع في استنباط الحكم الشرعي من أدلته.

كانت الحاجة للاجتهاد منتفية في زمن البعثة، وكان النبي يجيب على أسئلة واستفتاءات الصحابة مباشرة أو عبر سؤال الوحي: (يسألونك، ويسألونك، ويستفتونك). وكان دليلهم من بعده إما آية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله، الشاملة لقوله وفعله وتقريره، باستثناء اجتهادات محدودة جدا حينما تطرأ مسألة مستحدثة، فكان اتفاقهم يكفي، بعد اليأس من وجود دليل من الكتاب والسُنة. غير أن تطور الحياة، وتوسّع المجتمع، فرض أسئلة جديدة، راحت تتفاقم بمرور الأيام، فنشأت حركة اجتهاد، تتقوم باستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وهما القدر المتفق عليه بين جميع المذاهب الإسلامية (ما عدا القرآنيين). ثم دخل الاجماع دليلا ثالثا، رغم الاختلاف في تفصيلاته. لكنهم اختلفوا أشد الاختلاف حول العقل وقدرته، كدليل مستقل على الحكم الشرعي أو كاشفا عنه. فهناك اتجاهان رئيسان، حول الموقف من الفراغ التشريعي والعقل:

الأول: موقف عموم المسلمين:

وهم أهل السُنة في مقابل الشيعة. وقد انقسموا إلى اتجاهين، عنهما تفرعت أغلب الاتجاهات والمذاهب الفقهية.

أ – مدرسة الرأي والاجتهاد:

 يرى فقهاء هذه المدرسة أن الأحكام في الكتاب والسنة، لا تستوعب جميع المسائل المستحدثة، مما يعني نقص التشريعات،  فنحتاج إلى أدلة نستعين بها على استنباط الحكم الشرعي، لملء الفراغ التشريعي، بشكل لا تتقاطع في نتائجها مع ما هو مشرّع نصا. فكان هناك الاجتهاد، والاستحسان، والقياس، وهي أدلة تمثل رأيا شخصيا للمجتهد، من خلال حسه الفقاهتي / الفقهي، ومستوى تبحّره في مختلف الأدلة النقلية والعقلية. وقد قررت هذه المدرسة قاعدة فقهية مفادها: "إذا اراد الفقيه استنباط حكم شرعي، ولم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنة، رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص". فالاجتهاد بهذا المعنى يُعد دليلا مستقلا على الحكم الشرعي. وهذه المدرسة يتزعمها الفقهية التابعي المعروف أبو حنيفة النعمان المتوفي سنة 150 هـ. وله تنسب مدرسة الرأي عادة. وكانت أدلته في استنباط الحكم الشرعي ستة: "القرآن، السنة، الاجماع، القياس، الاستحسان، العرف". وكلام أبي حنيفة صريح فيما روي عنه: (رُوي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «آخذ بكتاب الله تعالى، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله أخذت بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب - وعدَّد رجالاً- فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا»..). 

ب – مدرسة الحديث:

تمتاز هذه المدرسة بشدة تمسكها بظواهر النصوص، مع شجبها للاجتهاد والقياس والاستحسان والرأي. ولها ينتسب المذهب الظاهري، الذي أسسه داود بن علي المتوفي 270  هـ، ومن بعده ابن حزم الأندلسي. وهو مذهب يتمسك بظواهر الكتاب والسنة، ويرفض الرأي والقياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع. ويؤكد الشافعي تمسكه بمباني هذه المدرسة أيضا، حينما يقول: (لا يجوز لأحد أن يقول بالاستحسان ... ومن استحسن فقد شرّع). كما لا يرى المصالح المرسلة أصلا شرعيا. ويقول: (ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حلَّ ولا حُرّم إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع أو القياس). ويعني الاجتهاد أو القياس عند محمد بن إدريس الشافعي، المتوفي 204 هـ،: (إلحاق أمر غير منصوص على حكمه، بأمر آخر منصوص على حكمه، لاشتراكه معه في علة الحكم). فأدلة هذه المدرسة تقتصر على الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، والاجماع والقياس بالمعنى الذي طرحه الشافعي.

ولم تقتصر ردود الأفعال ضد مدرسة الرأي على الاتجاه السلفي وأهل الحديث والمذهب الظاهري، والموقف الشيعي فقهيا، بل امتد للجانب الأخلاقي والعقدي، حيث ظهر الاتجاه الأشعري الذي أسقط العقل، وصادر استقلاليته في بعض الأحكام، وقد ذهب الأشعري صراحة إلى أن الحُسن والقُبح شرعيان، لا عقليان. الحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه. وليس للعقل قدرة على التشخيص.

الثاني: موقف خصوص الشيعة:

لم تواجه الشيعة مشكلة فراغ تشريعي بعد وفاة الرسول، حيث استمر عصر التشريع عندهم عبر أئمتهم، بدءا بالإمام علي، ومن ثم ولداه الحسن، والحسين والتسعة من ولد الحسين، آخرهم محمد بن الحسن المهدي، الذي غاب، واستمر التواصل معه عبر أربعة سفراء. وبانتهاء الغيبة الصغرى 329 هـ انتهى عصر النص بالنسبة لهم، وبدأت مرحلة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لكن بمفهوم آخر. ومقتضى تواصل عصر التشريع لدى الشيعة، عدم الفرق بين سيرة النبي وسيرة الأئمة (قولا وفعلا وتقريرا)، من حيث حجيتها، (تخصيصاً وتقييداً لآيات الكتاب الكريم). والقضية مرتبطة بعقيدتهم ورؤيتهم لمفهوم العصمة والإمامة ومقام الإمام. فالشريعة بالنسبة لهم ليست محدودة بالكتاب وما ورد عن الرسول بل تشمل سيرة الأئمة: قولا وفعلا وتقريرا. فكانت أحاديثهم أثرى من حيث تنوع مسائلها، خاصة المستحدثة. وعليه يكفي انتهاء سند الرواية إلى أحد الأئمة المعصومين بسند صحيح أو معتبر لتكون حجة على الفقيه، يمكنه الاستدلال بها، ما لم تكن معارضة برواية أخرى. وبهذا انتفت الحاجة للاجتهاد طوال حياة الأئمة. بل أن موقف الأئمة وأصحابهم كان سلبيا جدا من مفهوم الاجتهاد وفقا لمدرسة الرأي التي تعتبره أحد أدلة الفقيه في استنباط الحكم الشرعي، وقد حصلت مواجهات ضارية، تجلت من خلال المناظرات والتأليفات التي كانت تشجب الرأي، حتى بات مفهوم الاجتهاد مثقلا بدلالاته السلبية عبر توالي الأيام. وصار المتبادر منه تحكيم رأي ومزاج المجتهد في استنباط الحكم. وقد استمر الموقف السلبي منه من خلال مؤلفات وكتابات أصحاب الأئمة ومن جاء بعدهم من العلماء والمحدثين، كما هو موقف الشيخ الصدوق في القرن الرابع الهجري، ومن بعده الشيخ المفيد الذي ألف كتابا بهذا الخصوص. وتبنى السيد المرتضى في بداية القرن الخامس الهجري ذات الموقف حينما قال: (إن الاجتهاد باطل، وأن الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا الاجتهاد)، وتلاه الشيخ الطوسي، توفي460 هـ، بقوله: (أما القياس والاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين، بل محظور في الشريعة استعمالهما). وقال إبن إدريس في كتاب السرائر: (والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا).

وبقي الاجتهاد مفهوما سلبيا عند الشيعة، يُحيل على تحكيم مزاج الفقيه في الحكم الشرعي، وهو بمنزلة الكفر. أو خضوع الحكم الشرعي لرأي الفقيه الشخصي. ولم يتخلصوا من هذا المفهوم حتى مجيئ المحقق الحلي المتوفي سنة 676 هـ، الذي أعطى الاجتهاد معنى جديدا، حيث عرّفه (بذله الجهد في استخراج الأحكام الشرعية). وبشكل عام يتبنى فقهاء الشيعة موقف الإمام الصادق ومن جاء بعده، فهو بالنسبة لهم موقف شرعي لا يمكن التنازل عنه، مهما كانت قناعة الفقيه، ومهما كان مستوى ركونه للاجتهاد بمعنى الرأي، كدليل كاشف عن الحكم الشرعي. لهذا يغمز فقهاء الشيعة باجتهادات ابن الجنيد والاسكافي من علماء القرن الرابع لميولهما للرأي، رغما أنهما من كبار فقهاء الشيعة. وبهذا يتضح هناك موقفان مختلفان من مفهوم الاجتهاد لدى الشيعة الإمامية، هما:

1 – الاتجاه الأخباري:

يعتبر الميرزا محمد أمين الاستربادي المتوفي سنة 1033 هـ مؤسس هذا الاتجاه، وقد ألف كتابا بعنوان: "الفوائد المدنية" بلور فيه أفكاره وبرهن عليها. وهو امتداد لموقف مدرسة الحديث التي اقتصرت مصادرها التشريعية على الكتاب والسنة، ورفضت الاجتهاد والقياس والاستحسان. وقد زاد عليهم الأخباريون الشيعة رفضهم للاجماع باعتباره بدعة سنية. وهم يعتقدون بصحة جميع الروايات الواردة في الأصول الحديثية الشيعية الأربعة: "الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب والاستبصار"، وغيرها من كتب الحديث. وكان موقفهم سلبيا جدا من الفقهاء الأصوليين.

وفي محاولة لشرعنة هذا الاتجاه، أرجع الأخباريون حركتهم لعصر الأئمة، باعتباره اتجاها سائدا إلى عصر الكليني والصدوق.

وقد احتدم الصراع بين الأخباريين والأصوليين في بداية القرن الحادي عشر الهجري، ولم يخبُ إلا في القرن الثالث عشر على يد الشيخ الوحيد البهبهاني، توفى 1205هـ. وقد تزعّم الاتجاه الأخباري، عدد من علماء الشيعة، اشتهروا بموسوعاتهم الحديثية، كالشيخ المجلسي صاحب كتاب البحار (110) أجزاء. والشيخ الحر العاملي صاحب موسوعة وسائل الشيعة (20 أو 30) جزءا حسب الطبعة. وهناك الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق ونعمة الله الجزائري، وغيرهم. وما يهمنا موقف هذا الاتجاه من العقل، فهو يأخذ بالرواية مهما كان ضعفها سندا ومتنا ويطرح الرأي مهما انتسب للفقه والفقاهة، لذا كرّس هؤلاء الخرافة والغلو والتطرف في حب أهل البيت، والعداء من السنة، حدَ التكفير والبراءة منهم. وقدموا النقل على العقل، واقتصروا في فتاواهم على نصوص الروايات. ولا قيمة للعقل ومستقلاته وأحكامه أمام الرواية، مهما كانت ضعيفة السند. فهناك برأيهم عقل كلي هو عقل المعصوم تصدر منه الأحكام، ولازمه أن الحسن والقبح شرعيان وليس عقليين.

2 – الاتجاه الأصولي:

لا يختلف الموقف الرافض لهذا الاتجاه من الاجتهاد بمعنى الرأي، ويرفض بشدة اعتبار القياس والاستحسان من الأدلة الكاشفة عن الحكم الشرعي. وكان المحقق الحلي المتوفي سنة 676 هـ أول من قدم تعريفا جديدا، زعزع به النظرة السلبية لمفهوم الاجتهاد، عندما عرّفه: "الاجتهاد: بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية". وبهذا خرج مفهوما من كونه دليلا على الحكم الشرعي إلى كونه منهجا في استنباط الحكم الشرعي، يعتمد على قضايا نظرية وعقلية، ليست مستفادة من ظواهر النصوص بالضرورة. فالاجتهاد بهذا المعنى ليس مصدرا للحكم بل عملية استنباط الأحكام من مصادرها. ويراد بالاستنباط: (تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا).

وبهذا كسب الأصوليون المعركة وأصبح الاجتهاد ميزة يتصف بها الفقه الشيعي، وقد تمكن فقاؤهم مواصلة استنباط الأحكام الشرعية، بينما عمد الجانب الآخر، المدرسة السنية إلى غلق باب الاجتهاد، والاكتفاء بما صدر عن أئمة المذاهب الإسلامية. وكذلك فعل الأخباريون.

يذكر أن بوادر ظهور القواعد الأصولية لدى المدرسة الشيعية تعود لأيام الأئمة، حيث كانوا يؤسسون لبعض القواعد كالاستصحاب في روايات زرارة بن أعين عن الإمام الصادق مثالا. وهي قواعد ذات مناشىء عقلية. فالبحوث الفقهية لم تكن بمنأى عن العقل ومستقلاته.

الاجتهاد بمعنى الرأي

رغم تحفظي على التشريع خارج حدود الشريعة بشكل عام، لكن الموقف من القياس بمعنى الرأي أجده صارما، يخفي خلفه موقفا أيديولوجيا أكثر منه علميا، فليس العقل الفقهي كالعقل العادي، بل هو مشبع بالفقه، ومعرفة مباني الفقهاء، وخبرة متراكمة بالأخبار، متنا وسندا، وهذا مقتضى من يتصدى للإفتاء من الفقهاء. فعندما يقول المجتهد: "هذا رأيي في المسألة"، يقصد رأيه الفقهي القائم على الأدلة. وبشكل عام جميعهم يعملون آراءهم في عملية الاستنباط بنسب متفاوته. بل أن بعض المتأخرين صريح في ذلك عندما يعتبر (الشمُّ أو الحسُ أو الذوق الفقهي / الفقاهتي)، دليلا على الحكم. فليس الحس الفقهي سوى الاجتهاد بمعنى الرأي. وحقيقته ما يظهر للمجتهد من خلال عقله الفقهي والأصولي، لكن لا يستطيع التعبير عنه على هيئة دليل، فيقول هذا رأيي. أي أن تحليل رأيه الاجتهادي ينتهي إلى أدلة شرعية أو عقلية، ضاربة في أعماقه. فرأي أبي حنيفة بالقياس كما ينقل عنه: (وهو إلحاق فرع بأصل فيه نص بحكم معين من الوجوب أو الحرمة، لوجود علة الحكم في الفرع كما هي في الأصل. والإمام أبو حنيفة يُقدم السنة ولو كان حديثاً مرسلاً على القياس، كما يقدم الحديث الضعيف على القياس) (كتاب: أبو حنيفة النعمان، وهبي سليمان غاوجي، ص135-137).والقياس منصوص العلة متفق عليه، لا أحد يخالف في ذلك. كما بالنسبة للخمر إذا كانت علة تحريمه الإسكار، فيقاس عليه جميع أنواع الخمور، قليله وكثيره، لوجود ذات العلة.

وأيضا بالنسبة للاستحسان، فإن يقصد به: (اختيار أقوى الدليلين في حادثة معينة) (المصدر السابق: ص139-140). فهو يستند إلى دليل، لكنه يرجح أحدهما على الآخر بموجب مرجح أو عدة مرجحات، قد نتفق أو نختلف حولها. باستثناء ما إذا أسند الترجيح استحسانا وفق مذاقه الشخصي وليس الفقهي، فلا شك هنا في تداخل البشري بالشرعي. ولم يسجل التاريخ أن فقيها تصدى للإفتاء بموجب رأيه الشخصي الخالص، بحيث يقول هذا رأي بعيد عن الفقه وأدلته. وما عبارة (رأيي) سوى ترجيح لأحد طرفي القضية بموجب دليل معتبر عنده. وهذا هو المنهج الصحيح، الذي يعتمده الفقهاء قاطبة، خاصة المدرسة الأصولية التي تتبرأ من الاجتهاد بمعنى الرأي، فإن الفقيه الأصولي يعمل رأيه كثيرا.

لست بصدد الدفاع عن القياس والاستحسان، ولست مع التمادي في الإفتاء أساسا، لكن دفعتني الموضوعية لمعرفة حقائق الأمور، فهذه المسألة لا تندثر، وتتجدد في كل وقت وزمان رغم تبعاتها الأيديولوجية، وستستمر ما لم ننقب ونبحث ونكتشف حقائق الأمور من خلال منهج تحليلي، مقارن.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi1مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

تلك حدود الله

ماجد الغرباوي: لقد حذّر القرآن الكريم من المساس بالحدود بشكل يوحي أن أساليب تنفيذ العقوبات جزء من موضوع الحكم: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)، (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). وهو أهم إشكال يواجه فقه الشريعة عندما يعمد الفقيه لتحري إمكانية إقامة الحدود بأساليب حديثة.

والسؤأل: هل الجلد وقطع اليد مجرد وسائل لتحقيق ملاكات الأحكام، وقطع دابر الجريمة وروح العنف، أم هي جزء من موضوع الحكم؟ فيكون مثلها مثل آية "فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ"، ورواية: (صم للرؤية وأفطر للرؤية)، فهناك من يعتقد أن تحقق الرؤية الشرعية للهلال تتوقف على رؤيته بالعين المجردة، فهي جزء من الموضوع. وآخر يرى أنها مجرد طريق لثبوت الرؤية، فتشمل العين المجردة والعين المسلحة (التلسكوب والحسابات الفلكية). فهل جزاء السارق عقوبة رادعة لجريمته مطلقا، أم لا تسقط عقوبته إلا بقطع يده؟

قبل الإجابة على السؤال، نستعرض الآيات التي استدلوا بها على حرمة المساس بحدود الله، وهي التمسك بظاهر النصوص، فتقطع يد السارق، ويجلد الزاني، ويقتل القاتل. وهو مقتضى منهج الاستدلال التقليدي، الذي يتمسك بظواهر النصوص، مع عدم مراعاة تاريخ النص وفلسفة الحكم الشرعي. وعدم التقيّد بمقاصد الشريعة. ويلزم منه دائما تجريد العقوبات الجسدية من تاريخيتها، لتبقى مطلقة، مهما كان الواقع وضروراته. وتقليد السلف حتى في التعزيرات، التي هي أحكام قضائية، خاضعة لتقدير الحاكم. فالديات والغرامات المالية مثلا تقرر قياسا على ما جاء في الروايات. ويبقى الحاكم أسير أحكام قضائية جاهزة، رغم أن ملاك الحكم هو العدل، وهي قضية نسبية، تتاثر بالواقع وضروراته. بينما يتعامل منهج فقه الشريعة مع الأحكام الشرعية باعتبارها جزءا من المنظومة الإسلامية، فيدرس كل ما له صلة  بالحكم وتاريخه وفلسفته، مع تحري ملاكاته، والمرتكزات  التي قامت عليه.

وهذه الآيات هي:

- (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).

- (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

الحد لغة، كما مرَّ تعريفه: "حاجز بين شيئين، يمنع اختلاط أحدهما بالآخر". فهو خط فاصل لتمييزهما. وقد جاءت كلمة "حد" في الآيتين المتقدمتين مرة  "حدود الله لا تقربوها"، وأخرى، "حدود الله لا تعتدوها". و(حدود الله: ما حَدَّه الله لكم من وجوب طاعته، وأحكامه الشرعية التي بَيَّن تحريمها و تحليلها). فثمة فارق دلالي، ومغايرة في المعنى بين كلمتي: "الاقتراب" و"التعدي". الأولى تحذّر اقتحام المحظور، والثانية تحذّر من التعدي والتجاوز. وعندما نعود إلى سياق الآيتين نجد دقة التعبير واختلاف المعنى بين مدلول الكلمة في الآيتين.

الآية الأولى: جاءت في سياق بيان حدود وقت الصوم، من طلوع الفجر إلى الليل، ثم حذّرت من تناول المفطرات، لذا احتاط الفقهاء بوجوب الإمساك قبل طلوع الفجر، لضمان صحة الصيام. واحتاط آخرون بوجوب الإمساك حتى انقضاء حمرة الأفق بعد مغيب الشمس، للتأكد من انقضاء المدة المخصصة شرعا للصوم، وصدق مفهوم الليل. وهذه التفصيلات تشكل قرينة متصلة على إرادة خصوص الحدود الزمنية للصيام، فلا ينعقد لها إطلاق خارجا. ولا تشمل غيرها من حدود وتعزيرات قضائية. وبعبارة أدق أن خطاب التحذير في الآية ناظر لوقت الصوم ، مما يشكل قرينة متصلة على عدم إرادة غيره من الأحكام، بدليل استخدامه لكلمة "لا تقربوها". فهي مساحة زمنية يحظر فيها تناول المفطرات المفسدة للصوم. وقد جاءت بعد رفع الحظر عن مباشرة النساء ليلة الصيام. ثم حددت وقت الصوم ومنعت من اقترابه، كإجراء احترازي لضمان عدم فساده، من هنا جاء احتياط الفقهاء بالامساك. وهذا تحذير متعارف خاصة في المناطق العسكرية والأمنية حيث تكتب لا فتة: "ممنوع الاقتراب، منطقة محظورة". فهي بصدد بيان ما هو محظور، لا بصدد بيان كيفية إقامة الحدود الشرعية المتعلقة بالقضاء وأحكامه. فتخاطب المسلمين: لكم مواقعة النساء ليلة الصيام بعد أن كان محظورا عليكم. ويجوز لكم الأكل والشرب، دون الاقتراب من وقت الصوم المحدد من طلوع الفجر حتى الليل، (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ).

الآية الثانية: عبّرت بصيغة مختلفة فقالت: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فهي بصدد بيان الحقوق المالية بين الزوجين، التي عبرت عنها الآية بالحدود. فهناك حدود يعتبر تعديها وتجاوزها ظلما، خلاف للعدل والانصاف، وهي:

الحد الأول: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، فالرجل أمام خيارين، لا يجوز معها الظلم والجور، إما عيش مشترك بإحسان، أو طلاق وانفصال باحترام. فالإمساك بمعروف حد العلاقة الزوجية، والتسريح بإحسان حد للطلاق والانفصال. وأي تجاوز لهما يُعد ظلما.

الحد الثاني: مهر المرأة حقها، لا يجوز له أخذه عند طلاقها. (وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا). فإذا طالبها باسترداد المهر فهوظالم لها، وقد تجاوز حدود الله، لأن الطلاق قد صدر منه.

الحد الثالث: إذا ساءت العلاقة بين الطرفين، وخافا أن لا يقيما حدود الله (والمقصود بحدود الله هنا، الإلتزام بالحقوق والواجبات الشرعية)، فيمكنها بذل المهر في مقابل حريتها وطلاقها، وهذا يصدق على المرأة الناشز التي لا تطيق معاشرة زوجها، فتبذل له المهر في مقابل طلاقها. (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ).

فالمراد بـ(فَلاَ تَعْتَدُوهَا)، أي لا تتجاوزوها، وهو ما تفسره الآية التي بعدها: (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

وآية: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا)، ناظرة إلى ما تقدم من حقوق وواجبات، فهي حدود شرعية، نسبها الله له، تعظيما واحتراما، لردع الظلم والعدوان. لأن المرأة قد تستغل وتضعف أمام الرجل، فتهدر حقوقها.

وبالتالي فالآية أجنبية عن إقامة الحدود، وتنفيذ عقوبات الجناة (القاتل، السارق، الزاني). وتختص بأحكام الطلاق، وتنظيم الصيغة القانونية للحقوق والواجبات بين الزوج والزوجة. وهي بصدد ما يجوز وما لا يجوز، فعبرت عنها بالحدود. 

الأحكام القضائية

اتضح أن الآيتين لا علاقة لهما بإقامة الحدود، إلا على القول بإطلاق مفهوم الحدود الشامل لكل حكم قضائي، وحينئذٍ أيضا لا ينعقد إطلاق مع وجود قرائن لفظية متصلة صارفة. فينبغي العودة للقرآن لمعرفة مدى إمكانية استبدال وسائل إقامة الحدود، من العقوبات الجسدية إلى غيرها، بما يحقق هدف الردع عن الجريمة وحماية أمن المجتمع واستقراره.

بعض الآيات لم تحدد كيفية إقامة الحدود والقصاص من الجاني، وتركت الأمر مطلقا: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فالآية سكتت عن طريقة إقامة الحد. قد تقول إن الآية أحالت على ما هو سائد ومرتكز عرفي، فلا داعي للبيان. وهذا غير صحيح فهناك أكثر من أسلوب، قد يكون بعضها أخف وطأة من غيره، رغم أن كلاهما يؤدي ذات وظيفة العقوبة الجسدية. فسكوتها يدل على أن القصد هو إقامة الحد لردع الجريمة، بأي أسلوب تحقق مادام متعارفا، وليس فيه ظلم ولا جور، وأن لا يسرف ولي الدم بالقتل.

وأيضا: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا). وهذه الآية أيضا لم تشر لكيفية إقامة الحد، مع تعدد طرقه، فنكتشف من خلال هذه الآية أن المقصود بالذات هو إقامة الحدود لردع الجريمة، وما الوسائل التي ذكرت إلا طريقا أو مثالا لأساليب سائدة آنذاك.

فالغاية من الجلد هي ردع الجريمة، وإلقاء الرعب في نفوس المؤمنين كي لا يحدثوا أنفسهم بالزنا: (لْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ). فهذه العقوبة وإن كانت عقوبة جسدية لكنها عقوبة تأديبية رادعة بامتياز. ولو توفرت وسيلة أخرى تحقق ذات المضامين والأهداف يمكن استبدالها.

فيمكن إقامة الحد على اليد الباغية بأي أسلوب يردع الجريمة، ويحقق أهداف الأحكام الجزائية من إقامة العدل، واستتباب الأمن، ورد مظالم الناس، وأخذ حقوقهم من الجناة، وقطع دابر المعتدي. وقد كتب الله على نفسه الرحمة، "ورحمته سبقت غضبه" لا يريد الانتقام من عباده، بل يريد لهم الخير والأمن في كنف الدين وتشريعاته: (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا).

السُنّة وتنفيذ العقوبات

لا شك بحجية السُنّة التي هي تفصيل وبيان للكتاب الكريم، غير أنها محكومة بالواقع وضروراته، وكانت عقوبة القتل والقطع والجلد سائدة آنذاك، بل أن الآيات نزلت لتسوية واقع يسوده الظلم والعدوان في المجال القضائي، فيمكن استبدالها إذا حققت ذات الهدف، ما دام القصد من إقامة الحدود قطع دابر الجريمة، وسيادة العدالة، واستتباب الأمن الاجتماعي، من خلال تطبيق الأحكام الشرعية الجزائية، بأي أسلوب كان، فهو مجرد طريق لتحقق الهدف. فعندما تقول الآية: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)، لا تشترط أن يكون الذهاب للحج ماشيا أو على جمل ضامر، بل أشارت له باعتباره الوسيلة المتاحة آنذاك. فالمهم هو أداء فريضة الحج على كل مستطيع، بغض النظر عن نوع وطبيعة وسائل النقل. فعندما خص الجلد والقطع باعتبارهما وسائل سائدة، تحقق هدف العقوبة، وهو درء الجريمة، واستئصال روح العنف والعدوان. والأخذ بنظر الاعتبار الحالة النفسية لصاحب الحق الذي تربو عيناه للقصاص، كي تنطفئ روح الثأر في أعماقه. وهذه قضية مهمة، لذا لا يمكن لأي نظام قضائي اسقاط العقوبات مجانا، خوفا من تنامي روح الثأر، إضافة لصدق الظلم والعدوان، الذي هو قبيح عقلا وشرعا.

وقد تخلت إيران قبل سنين عن العقوبات الجسدية واستبدلتها بالسجن والنفي والغرامات المالية، رغم تمسكها الشديد بتطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها حكومة دينية. وقرارها قرار فقهي قبل أن يكون سياسيا لأن نظام الحكم هو نظام ولاية الفقيه.

خلاصة مهمة

الكلام المتقدم كان حول إمكانية أو عدم إمكانية استبدال أساليب تطبيق الأحكام الشرعية الجزائية. فمن يجمد على ظواهر الآيات، ويرتكز للروايات الدينية والتاريخية مقلدا للسلف، لا يمكنه الخروج عن حرفية النص، ويجب عنده إقامة الحدود كما هو متعارف ومتوارث، وهذا ما تفعله الدول التي تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية. وهو منهج جميع الفقهاء إلا القليل، الذي يخشى التصريح بآرائه. وأما بناء على فقه الشريعة، في ضوء فلسفة الأحكام الشرعية، وفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة فإن الأمر مختلف، والأحكام تابعة لملاكاتها.

ملاكات الأحكام القضائية

مر أن وراء الأحكام الشرعية قاطبة، مصالح ومفاسد، تستوجب حكما بالوجوب أوالحرمة أو ما بينهما من استحباب وكراهية. غير أن تلك الملاكات مضمرة، لا يمكن الجزم بها، لذا عمدت إلى تقصي مرتكزات مبادئ الحكم الشرعي (الملاك، الإرادة، الجعل) التي بينتها في الحلقة (86)، وهي "مركزية العدالة، السعة والرحمة، الواقع وضروراته". فكل إرادة تشريعية ترتكز لهذه المرتكزات مهما كانت ملاكاتها، من أجل تحقيق ملاكات جعل الحكم الشرعي، وهي: "التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية". والكلام هنا على مستوى الجعل الشرعي، وهي غير مقاصد الشريعة التي ينبغي مراعاتها في استنباط الأحكام الشرعية، وهي مقاصد استقرائية. بينما مقاصد الجعل الشرعي مقاصد عقلية، يحكم بها العقل رغم نسبيتها.

فاتضح مما تقدم:

1- إن درء الجريمة، واستئصال روح العنف، وإطفاء روح الثأر، أهداف أساسية وراء إقامة الحدود والتعزيرات، من أجل مجتمع مستقر وآمن، وما العقوبات الجسدية إلا وسائل لتحقيقها، فيمكن استبدالها بأخرى، شريطة أن تستوفي تلك الملاكات، وتحقق العدالة. فهي مشرعة من باب الرخصة وليست العزيمة. وهذا هو الملاك الأول.

2- تحقيق العدالة في مجال القضاء، وهذا ما أكدته الآية: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). فالحدود التي تحدثت عنها الآيات السابقة قد استوفت ملاك العدالة في نظر الشارع قياسا بالسائد من الحدود التي كانت تتمادى في القصاص من الجاني. وما يؤكد هذا قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا). فالاسراف بالقتل على أثر جريمة قتل هوالشائع آنذاك، وكانت تراق دماء غزيرة من أجل ضحية واحدة، وكان يقاد العبد بالحر، بينما لا يقاد الحر بالعبد، فيذهب دمه هدرا بسبب عبوديته، فثمة ظلم عظيم. فالآية اشترطت العدالة في الأحكام مطلقا فمن الأولى أن تكون أحكام الشريعة الإسلامية مستوفية  لها. فالآية تعطي قانونا عاما لكل من يتصدى للقضاء، خاصة التعزيرات التي تُركت للحاكم والعرف تقدير عقوباتها، كما في تحديد نوع الفداء لمن قتل حيوانا بالحج حيث: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ).

نخلص إلى أن وسائل إقامة الحدود ليس لها أية موضوعية سوى أنها كانت سائدة، وكانت تحقق ملاكات الاحكام، درء الجريمة، وإقامة العدالة، التي تستلزم دفع الظلم، والحد من التمادي في العقوبات. وبالتالي فأية وسيلة تحقق ذات الملاكات والمقاصد الشرعية يمكن اعتمادها. ولم تكن هذه هي العقوبات الوحيدة آنذاك، بل هناك الكي بالنار، وضع الحجر الكبير على صدر الجاني، إلقاؤه على الرمضاء، والتكبيل بالحديد، وضع القيود في رجليه ويديه.

ثم، عندما نتبنى مبدأ الحسن والقبح العقليين، فسيكون الفقيه أكثر حرية في استباط الحكم الشرعي، لمرونة العدالة وتأثرها بالواقع وضروراته، فهي ليست مطلقة دائما، ولا نسبية دائما. والعدل حسن عقلا، لهذا تكتسب الأحكام الوضعية القضائية مصداقيتها من قدرتها على تحقيق العدالة.

كما ينبغي للفقيه مراعاة سمعة الدين ومصلحة الإنسان، حينما يتشبث بالعقوبات الجسدية. في وقت تتباهى شرائع حقوق الإنسان بقدرتها على درء الجريمة بأساليب أكثر كفاءة. فهذه المجتمعات كالمجتمعات الإسلامية كانت ضحية عقوبات جسدية، تتمادى في ظلمها وجورها، غير أنها أدركت أن درء الجريمة، واجتثاث روح العنف أهم من العقوبات الجسدية، فعمدت لأساليب قادرة على تحقق ملاكات الأحكام القضائية، بعيدا عن روح الثأر والانتقام.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi10مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

مهدي الصافي – كاتب وباحث / أستراليا: تحية للأستاذ ماجد الغرباوي في هذا الحوار الصريح والجريء جدا، حيث لايمكن لأي مذهب إسلامي بما فيه المذهب الإثني عشري أن يقبل بماجاء فيه لأنه يكسر حواجز الصمت الطويلة تجاه المقدس الديني المتزمت الجامد. وبودي أن أطرح بعض الأسئلة ضمن نفس السياق العام للحوار، نعتقد أن المسلم عموما، والشيعي تحديدا لا يجد لها أجوبة شافية منذ قرون. أو لنقل منذ بداية الدولة العباسية. أتمنى أن أسمع رأيك فيها، وشكرا لكم ووفقكم الله في خدمة الإسلام والمجتمع.

س86: مهدي الصافي: ماهو رأي الأستاذ ماجد الغرباوي بالحدود؟. وكيف نثبت أنها وقتية أو ثابتة أم متحركة أو متغيرة؟.

ج86: ماجد الغرباوي: شكرا للأخ الأستاذ الباحث مهدي الصافي مشاركته في الحوار من خلال أسئلته القيمة، والحساسة في ظل قمع ديني مقيت. وأشكر حسن ظنه وثقته. نأمل من خلال الحوار بلورة آراء تساعدنا على النهوض الحضاري.

يبقى الفقه الإسلامي أسير مناهج تكرّس الجمود على حرفية النص، وعدم مراعاة فلسفة التشريع ومقاصد الشريعة وأثر الزمان والمكان في فعلية الأحكام، فتبدو مطلقة، تتعالى على الواقع وضروراته. وقد تعكس نظرة سلبية عن الشريعة في بعدها الإجرائي، مقارنة بلوائح حقوق الإنسان، وما بلغه العالم على صعيد التشريعات.

وليس الأمر كذلك بالنسبة لفقه الشريعة الذي يراعي مصلحة الفرد والمجتمع، وفق فَهمٍ مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. وهو منهج ينتمي لاتجاه التأصيل العقلي، تم التاصيل له هنا، ويمكن اختبار جدارته بالنسبة لتطبيق الأحكام الجزائية والقضائية، من خلال قدرته على الوفاء بمقاصد التشريع، رغم تحرره من أساليب التطبيق التي يصر الفقهاء على حرفيتها. ولنا في الحدود التي هي موضوع السؤال مثالا.

مفهوم الحدود

الحد لغة: "الحاجز بين الشيئين، الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر. يقال: حددت كذا، جعلت له حدا يميّز. وحد الدار ما تميّز به عن غيرها". (و الحد: النهاية التي إذا بلغها المحدودُ له امتنع). فهو خط فاصل بين شيئين للتمييز بينهما. وقد جاءت في القرآن، مرة  حدود الله لا تقربوها، وأخرى، حدود الله لا تعتدوها.

وتعني شرعا: (حدود الله: ما حَدَّه الله لكم من وجوب طاعته، وأحكامه الشرعية التي بَيَّن تحريمها و تحليلها).

والحدود اصطلاحا: مجموع العقوبات التي نصت عليها الشريعة الإسلامية، وقد شدد الكتاب الكريم على تطبيقها بعد إدانة المتهم بالطرق القانونية. وكان الخطاب الديني وما يزال يطالب بتطبيقها، ويحرص على إقامتها كدليل على صدقية تطبيق الشريعة، ويرفض الحياد عن العقوبات الجسدية، من جلد ورجم وقتل بالسيف، أو دفع الديات بالنسبة للتعزيرات، وهي الوسائل التي كانت متبعة آنذاك. لأن الحدود منصوص عليها باستثناء الرجم. غير أن منظمات حقوق الإنسان احتجت وما زالت تحتج على أساليب تطبيق الأحكام وفقا للشريعة الإسلامية، قياسا بشٍرعة حقوق الإنسان، حيث استُبدلت بالغرامات والسجن، والأشغال الشاقة، والإعدام بأساليب مختلفة. فالسؤال عن الحدود في الشريعة الإسلامية سؤال عن إمكانية التخلي عن الأساليب المنصوصة واستبدالها بما هو متعارف راهناً، وفق مبررات شرعية. وهذا يتوقف على معرفة الغاية من تطبيق هذه العقوبات، فهل الغاية من تطبيق العقوبات الواردة في الشريعة الإسلامية قطع دابر الجريمة أم الانتقام من الجاني؟.فإذا كان المراد هو الثاني يجب الإلتزام بحرفية النص. وإلا فهناك متسع لاستبدال أساليب تطبيق العقوبات إذا كانت الغاية قطع دابر الجريمة. فينبغي أولاً تحري مقاصد التشريع في هذه المسألة في ضوء آيات الكتاب، فهي كفيلة ببيان هذه المسألة خاصة.

عندما نراجع آيات التشريع نقرأ عبارات صريحة دالة على الانتقام والنِكال، كما في عقوبة من يقتل حيوانا وهو مُحرم للحج، حيث تختم الآية: (عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ). وأيضا بالنسبة للسرقة: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). وكلا الآيتين تبدو صريحة في الانتقام من الجانيٍ.

كما هناك تحذير من المساس بالحدود، كقوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)، (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). والأكثر من هذا قوله تعالى في سياق بيان الأحكام والحث على التمسك بها: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

وقد تمسك فقهاء المسلمين بهذه الأدلة، وهي صريحة، لا يمكنهم التراجع عنها أو استبدالها كما يتصورون، إلا من خلال حس فقاهتي قادر على فهم فلسفة الأحكام، وتحديد مقاصدها. ويمكن تقديم تفسير مختلف من خلال المنهج في فقه الشريعة الذي نتبناه هنا.

ملاكات الأحكام الشرعية

مرَّ مفصلا أن وراء تشريع كل حكم مَلاك (مصلحة أو مفسدة)، تستوجب إرادة تشريعية تتناسب معها، فالمصحلة الراجحة تستوجب إلزاماً شديدا حدَّ الوجوب، أو دونه فالاستحباب. والمفسدة الشديدة تستوجب نهياً شديدا حدَّ الحرمة المؤكدة، وما دونها هي الكراهة في الفعل. كما مر أيضا، أن الإرادة التشريعية تقوم، وفقا لمقتضيات الحكمة، على مرتكزات، تحقق مقاصد الجعل الشرعي: (التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية)، كما هي رؤيتنا الخاصة لفهم فلسفة الحكم. وهذه المرتكزات هي: (مركزية العدل، السعة والرحمة، الواقع وضروراته). وهذا النوع من الفهم لفلسفة الأحكام يجافي منطق العبودية، ويلتزم منطق الخلافة، التي ترى مركزية الإنسان المكلف من قبل السماء بخلافة الأرض. لذا نحن مع فقه الشريعة، الذي  يرتكز لفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة، ويسعى للكشف عن فلسفة التشريع، بعد دراسة تاريخ الحكم الشرعي، وما هي مبررات صدوره. وما نوع الأحكام التي كانت سائدة قبل نزول التشريع. فزاوية نظر فقه الشريعة شاملة، تقرأ الحكم ضمن رؤية كاملة للدين والإنسان وفلسفة الأحكام. وأما الفقه المتداول، فهو فقه تجزيئي، يتناول كل مسألة على حدة، بغض النظر عن المسائل الأخرى. ولسنا مع منهج الفقهاء في استنباط الأحكام الذي يتجاهل الواقع وضروراته.

والسؤال المنهجي: هل الغاية من تشريع العقوبات الانتقام من الجناة أم قطع دابر الجريمة، من أجل مجتمع يرفل بالفضيلة، ويسود الأمن والسلام؟.

ليس من السهل الاستدلال على كلا الأمرين من خلال الآيات، لوجود قرائن تصرف المعنى المتبادر من اللفظ. ومن القرائن بعض مداليل الآيات التي تتحدث عن غاية الدين ومقاصد التشريع، لأن المنهج في فقه الشريعة يربط فَهمَ الأحكام بفَهمِ الدين. تقول الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، والمقصود بالحياة في الآية هو استمراريتها وفقا لموازين الحق، وهي مقاصد الجعل الشرعي، التي مرَّ ذكرها. لهذا يؤكد الحق تعالى: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). فما دام الله غنيا عن العالمين، ويرجو حياتنا من خلال الإلتزام بما جاء به سيد المرسلين، لذا، ينبغي فَهم تشريعات الحدود في هذا السياق، فيكون القصد منها قطع دابر الجريمة، وليس الانتقام، (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا). وهذا يتضح من مساحات العفو في هذه الأحكام خاصة، فمن يرد الانتقام لا يمنح أية فرصة للعفو، وغليله لا يشفى بأقل من الانتقام المغمّس بالحقد والكراهية، والله غني عن العالمين، وقد خلق الإنسان رحمة. وليس بحاجة للانتقام إلا بالقدر الذي يحقق مقاصد التشريع الأساسية، فتأتي المفردة في سياق خطابات الترهيب التي تتصف بالمبالغة كي تحقق ما ترنو له، من تحذير يحول دون وقوع الجريمة، ومن ثم تطبيق العقوبات الصارمة بحق الجناة. كما أن النكال لغة ليس الانتقام بل العقوبة، كما سيأتي.

المشكلة الأساسية مع الفقهاء أنهم يقرأون القرآن ويستنبطون الأحكام الشرعية من خلال التراث. أي يقرأون ويفهمون القرآن من خلال نصوص ثانوية تحجب عنهم النص الأول، فينصرف عن بعض دلالات الآيات، تحت ضغط سلطة التراث وقداسة رموزه الدينية، حداً يتنازل عن رأيه أمام أبسط رواية في المقام. وعندما نعود للآية بمعزل عن التراث سنكتشف دلالات مهمة تساعد على فهم المطلب. وحينما نتأمل في آيات الحدود، نجد أن قطع دابر الجريمة هو الهدف الأساس من العقوبات، وذلك من خلال مساحة العفو فيها. خذ مثلا:

(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

 وهنا تجد العدل ونفي الظلم أساس الحكم قياسا بواقع اليهود، وطبيعة تطبيق العقوبات آنذاك. فهذه الأحكام كانت متعارفة عندهم، ويمكن تجاوزها والتخفيف عنها. ويبدو من أجواء الآية ما يلي:

المقطع الأول: أن العقوبات قبل نزول هذه الأحكام كانت ظالمة، وربما كان الجاني يُقتل لأبسط إدانة أو جريمة، لذا فرضت الآية عقوبات وفقا لمنطق العدل والانصاف، كما هو واضح من التقابل بين الجريمة وعقوبتها. العين بالعين، السن بالسن وهكذا. وما تجاوزه فهو ظلم.

المقطع الثاني: طرح بديلا عن العقوبات الجسدية، فمن تنازل عن حقه في إقامة الحد وتطبيق العقوبة على الجاني، فإن الله سيجعل عمله كفارة لذنوبه. فكما يتصدق المرء ليكفّر عن ذنبه كذلك من يتنازل عن حقه يُعد كفارة لذنوبه، فيكون موقفه حسنة: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ). ولا شك أن العفو يتنافى مع الانتقام، فمن يرد الانتقام من خلال تطبيق العقوبة لا يتنازل عنها، وبهذه الطريقة، بل يصّر على مقاضاة الجاني وبأقسى العقوبات. فالآية تصلح شاهدا قويا على إرادة درء الجريمة دون الانتقام.

المقطع الثالث: يخص من يرفض العفو ويصر على تطبيق العقوبة الجسدية، فله الحق لكن يجب عليه الإلتزام بها، وإلا سيكون ظالما، (وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا). فالقرآن لا يصر على تطبيق العقوبات الجسدية ولا يتهاون باستتباب العدل والانصاف في العقوبات. وعندما طرح العفو بديلا عن العقوبات الجسدية أخذ بنظر الاعتبار أن الإنسان يخطأ، ويعتريه الضعف والانهيار، وقد ينساق لسلوك لا إرادي، غير مقصود، عندما ارتكب الجريمة. فالعفو هنا إجراء مناسب وحكيم، خاصة مع عدم سبق الاصرار. لكن من حق ولي الدم أو المجني عليه أن يأخذ بحق الضحية، ويطالب بتطبيق العقوبة. فالعفو وإسقاط العقوبة الجسدية يأتي بعد شعور الجاني بالندم فالندم يحقق ملاك الحكم، أي قطع دابر الجريمة. وبالتالي فكما يتحقق قطع دابر الجريمة بتطبيق العقوبات الجسدية يتحقق بغيرها.

وفقا لهذه الآية يمكن اكتشاف قانون للعقوبات يقوم على فقه الشريعة وفلسفة الأحكام يخوّل الحاكم الشرعي اتخاذ ما يراه مناسبا لقطع دابر الجريمة على أنْ لا يتجاوز الحد المقرر لتطبيق العقوبات.

الانتقام ولغة الكتاب

إن روح الانتقام لا تتلاءم مع هدف الرسالة في إقامة مجتمع الفضيلة، والله تعالى يقول: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، فينبغي تحري مقاصد الآيات التي استخدمت مفردة الانتقام، بناء على وجود ملاكات، قائمة على العدل والانصاف (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ). فينبغي فهم ما ورد فيها من تهديد شديد في سياق خطاب الترهيب، لأن العقوبات الجسدية ليست انتقاما ونكالا، بل لقطع دابر الجريمة من أجل مجتمع فاضل، تختفي فيه النزعات العدوانية، بل أن آية (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) تنفي الانتقام والتشفي، وليس الله متعطشا له، بل هذا لا يتناسب مع مقام الربوبية والكمال المطلق.

 أما الأمثلة، فهي:

1- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ).

- الآية نهت عن قتل حيوان الصيد خلال الإحرام للحج.

- ثم رتّبت أحكاما جزائية على قتل الصيد عمدا على نحو التخيير، وهو مقتضى العدل أن يكفّر عن ذنبه بما يقابله.

- إن غاية العقوبات الجزائية تأديبية (لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ). لأن ما قام به المحِرم جريمة بنظر الشريعة الإسلامية، لأنه في حالة إحرام للحج، فيكون قلبه منشغلا بالعبادة، لا باللهو والصيد. بل أن فعله ينافي العبادة والطاعة. فينبغي تنبيهه بالعقوبة كي يعود لوعيه.

- لكن الآية قدمت العفو عما سلف على العقاب والانتقام، لأن الغاية من العقوبات الجزائية قطع دابر الجريمة، وضبط سلوك الحاج وهو في حالة إحرام، إذ ينبغي أن يكون متوجها لله، لا يصدر منه أي ذنب أو عدوان. ومن يرد الانتقام لا يعفو. فصدور العفو دليل على إرادة قطع دابر الجريمة.

- فإذا التزم الحاج بالأوامر الإلهية ولم يرتكب جريمة ثانية وهو مُحرم، فقد شمله العفو.

- مَن يرتكب الجريمة ثانية، ينقلب حكمه من الجناية إلى الإعتداء على الإرادة الإلهية، فيتغير حكمه.  

- ما دام الانتقام الوارد في الآية غير محدد بعقوبة، فهو في سياق الترهيب، يترك للسامع تصوره وفقا لوعيه، فيكون وقعه أقوى. كما في آيات: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ)، (فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)، (وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ). فالتهديد بالانتقام ليس علة للعقوبات، لأنه قد بينها بقوله: (لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ). وللتهديد هدف أهّم، يضمن به عدم عودة الجاني لارتكاب الجريمة. وهو المطلوب.

2- (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ لَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ).

يعتبر الزنا، في المجتمعات المحافظة، جريمة نكراء تفضي إلى هتك الأعراض وسفك الدماء، وتلوث شرف العائلة، الذي لا يمحى إلا بغسل عارها. فجاءت العقوبة لقطع دابر الجريمة، كفعل احترازي لتدارك تداعياتها النفسية والاجتماعية، والحد من سفك الدماء المحتملة. وقد شرعت الآية الجلد حداً لمطلق جريمة الزنى إذا استوفت شروطها المنصوص عليها في الآية التالية، بغض النظر عن كون الجاني مُحصنا أم غير مُحصن. ولا دليل قرآني على رجم الأول.

والجلد، كالقتل وقطع اليد، أساليب كانت متعارفة، حيث تنعدم الوسائل الحديثة للعقوبات، لا فرق في ذلك بين مجتمع وآخر، بل كان بعضها ينكّل بالجاني ويمثّل به بعد قتله أو إجراء الحد عليه. وكان الهدف من تشريع العقوبة قطع دابر الجريمة، وحماية المجتمع، وليس الانتقام، لذا تعتبر شروط ثبوت الزنا تعجيزية: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، فما لم يشهد أربعة شهداء على وقوع جريمة الزنى بكل تفاصيلها، وخصوص الولوج الفعلي، لا يقام حد الزنى، والحدود تدرأ بالشبهات. ومن يمارس الزنا بهذه الكيفية، شخص متهتك، لا يحترم مشاعر الناس، بل ويهدد أمن المجتمع الذي يسعى لإرساء قيم الفضيلة. وهو مرفوض بهذه الطريقة في جميع المجتمعات، إلا أن تكون مجتمعات حيوانية. فهذه الشروط تكشف عن مدى خطورة انتهاك قيم الشرف في المجتمعات العربية آنذاك، فإنها تترك سمعة سلبية لا تُمحى حتى بعد إقامة الحد على الجناة، فتداركها التشريع بشروط لا تثبت بسهولة خاصة مع تهديد صارم لهم بالجلد إذا ثبت خطأ الشهادة، كل ذلك من أجل إبعاد شبهة الزنا عن الجناة، ودرء حدها، وهي شاملة للزوج والزوجة أيضا: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ). وجاء تعبير الآية بما يؤكد ما تقدم حيث شككت منذ البداية بالمدعي "الذين يرمون أزواجهم".

3- (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). والنكال لغة هي العقوبة، "نكل عن الشيء ضَعُفَ وعجَزَ... وقيد الدابة وحديد اللجام .. ونكلت به إذا فعلت به ما ينكل به غيره". فقطع اليد للسارق كان سائدا قبل الإسلام، لكن الشريعة قننته بشكل يقطع دابر الجريمة ويحمي المجتمع وعدم التمادي بالعقوبة. وليست العملية انتقاما، بل تقطع اليد في شروط مذكوره عندهم، منها أن لا يكون السارق مضطرا، وليست في وقت قحط وعوز ومجاعة.

والغريب أن بعض الفقهاء حكم بوجوب قطع اليد وإن تاب الجاني. وقالوا: أن توبته ستسقط عنه عقوبة الآخرة فقط. وكلامهم لا دليل صريح عليه، وربما لا توجد عقوبة أخروية بعد أن تطهر بالعقوبة الدنيوية. وبعضهم اشترط العفو عنه إذا تاب قبل التمكن منه، قياسا على قوله تعالى بخصوص حكم المفسد في الأرض: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ). وكل هذه الفتاوى من تداعيات تقليد السلف، وعدم الانفتاح على القرآن مباشرة، فالآية واضحة، تقول: (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ). فمن تاب بعد اقترافه جريمة السرقة، غفر الله ذنبه، وسقط عنه الحد. فإجراء حد السارق بعد توبته يعتبر ظلما. ثم لا دليل على وجود عقاب أخروي إضافة إلى إجراء الحد ما لم يصرح القرآن بذلك، فهناك آيات ترتب حكمين على المجرم، دنيويا وأخرويا، وهذا ليس كذلك.

المهم بالنسبة لنا أن هذه الآية ومن خلال فسحة العفو تؤكد أن الغاية من إجراء الحد هو قطع دابر الجريمة، وليس انتقاما من الجاني.

وبالتالي يمكن استبدال أساليب القصاص بما يخدم الهدف الأساس. يقول تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)، فمن يبغي الانتقام بأحكامه لا يتبنى ويحثّ على العفو كما في هذه الآية التي تبين الحكم، وتدعو للعفو، ولا يشترط شروطا تعجيزية كما بالنسبة للزنا. لأن الخطأ يحصل من الإنسان، والجريمة لها ظروفها. والمهم بالنسبة للدين حماية الإنسان والمجتمع، وحماية حقوقهما وأمنهما. كان بل وما يزال ولي الدم لا يكتفي بقتل القاتل، بل تتواصل عملية الثأر بين القبيلتين. فنزل قوله تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا). فالقصاص في نظر الشريعة النفس بالنفس يشفي غليل ولي الدم، وما زاد يعتبر ظلما وعدوانا: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

لكن ماذا عن الآيات التي تنهى عن الاقتراب من حدود الله؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi9مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة التسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق12) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

السُنّة وحدود التشريع

ماجد الغرباوي: لا ريب أن التشريع مختص بالله أصالة، وتتوقف فعلية أي حكم شرعي على نزول الوحي "قل الله يفتيكم"، "قل لا أجد فيما أوحي إليَّ"، (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ)، (فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ)، فيصدق أن "الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية سيرة النبي: قولا وفعلا وتقريرا. فتقتصر مهام الرسول على البلاغ والبيان والتفصيل. وهي خطابات ملزمة شرعا، شريطة فعلية موضوعاتها. وهذا هو القدر المتيقن الملزم من السنة في جميع الحقول. وما عدا ذلك يرتهن لدليله القطعي سندا ودلالة، ما دامت لا توجد آية صريحة بجعل الولاية التشريعية لأحد، سوى تأويلات تمت مناقشتها سلفا. وبهذا نخلص إلى نتيجة حول علاقة السُنّة النبوية بالكتاب الكريم: قولا وفعلا وتقريرا، مفادها، توقف الروايات التشريعية على وجود جذر قرآني، كي تكون الرواية مبيّنة أو شارحة أو مفصلة وفقا لاختصاص النبي قرآنيا. لذا فالسنة، كخطابات نبوية، لا تنحصر بالتشريع، ولا يمكن أن تكون جميعها حجة علينا، فهناك عدة مستويات تختلف في درجة إلزامها. وهي:

 أولاً - بيان وتفصيل الحكم الشرعي القرآني وفقا لمقتضيات الواقع وضروراته. وهي جملة أحكام تُركت مطلقة لتواكب تطور وعي الناس، كالصلاة التي بيّن القرآن أركانها: (قيام وذِكر وركوع وسجود)، تلميحا أو تصريحا، وترك تفصيلاتها وفقا لحاجات دينية وحياتية يتكفل النبي بيانها، كعدد الركعات. لذا روي أن الصلاة كانت في بداية البعثة ركعتين لكل فرض، ثم زاد عليها النبي بعد هجرته للمدينة، باستثناء فريضة الصبح، وهذا ممكن ما دامت غير محددة قرآنيا، فتتأثر تفصيلاتها بالواقع وضروراته، شريطة المحافظة على قيمتها الروحية بشكل تؤدي وظيفتها العبادية والاجتماعية: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ). والنهي عن الفحشاء والمنكر تعبير آخر عن التقوى التي هي جزء من  فلسفة العبادات في الإسلام، لذا تتكرر في القرآن عبارة: "لعلكم تتقون". والتقوى شرط أساس لقيام المجتمع الصالح، واستقرار الأمن والسلام. فمفهوم الصلاة بالمعنى العام يصدق على كل تجربة دينية جوهرها التهجّد والتأمّل والتفكير والطاعة والحضور القلبي والتوحد والوجد، وهو مقتضى إطلاقها، فتشمل حتى الدعاء، وفقا لمعناها اللغوي، قبل انتقالها للمعنى الشرعي، فقد جاءت الصلاة مطلقة قرآنيا غير مقرونة بالقيام، كقول: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ). وهي بهذا الفهم يمكن أداؤها في مختلف الظروف، وقد أفتى الفقهاء بجواز بعض الصلوات قياما وجلوسا وماشيا وراكبا. ما دامت تحقق ملاكتها، خاصة الصلوات المندوبة، لشمولها بمطلق الذكر في قوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ).

ثانياً – تطبيق كليات الأحكام القرآنية على مصاديقها، كتطبيق مفهوم الزكاة على مصاديقه من النقدين والأنعام الثلاثة، والغلّات الأربعة. وهذا أوضح مصاديق بيان وتفصيل آيات الأحكام. وهو تفصيل أقتضته طبيعة الموارد المالية في المدينة وشبه الجزيرة العربية، فلا يقتصر عليها، بل تشمل الموارد المالية الغالبة، مادامت تمثل مصدر رزق للناس، ويمكن استيفاء زكاتها لمستحقيها. كما لو كانت بعض البلدان لا تتعامل بالنقدين الذهب والفضة. أو أن الغالب على محاصيلها الزراعية القطن. وربما لا تعرف زراعة الحنطة والشعير وتقتصر محاصيلها على الرز. فهذا اللون من الروايات ترتهن فعليتها للواقع، وطبيعة تنوع وتوزيع الثروات.

ثالثاً – تشخيص موضوعات الأحكام. حينما يُحتكم للنبي الكريم في بيان حدودها، كالاستطاعة للحج، فتكون طاعته طاعة للخبير المتخصص. لأن الحكم الشرعي لا يدعو لتحقيق موضوعه خارجا أبدا، ويحتاج إلى تشخيص خارجي. فلا تكون روايات مطلقة، ولكل ظرف خصوصياته التي تتحكم بتحديد الاستطاعة للحج. فكل شيء قد تغير وعلى جميع المستويات. فلا حجية لهذا الروايات خارج بيئتها.

رابعاً - الارتكاز في حكمه لمبدأ عقلي أو إنساني مستخلص من روح الدين، كما في قاعدة لاضرر في الإسلام، التي تقوم على العدل وعدم الظلم.  حيث قول النبي: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". فالإلتزام بهذا اللون من الروايات إلتزام بأحكام العقل، وهي أحكام شاملة لا تختص بشخص دون أخر، رغم تفاوت الناس في إدراك مبانيها.

خامساً – الروايات التي تنقل لنا أحكاما إرشادية، فيها إرشاد لحكم العقل أو مرتكزات عقلية واجتماعية. ومثالها عندما يحيل الصحابة على التفكر في خلق السماوات والأرض. وهذا اللون من الروايات يختلف عن سابقتها، فيها إرشاد مباشر لحكم العقل. كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

سادساً – الروايات التي ترتكز إلى مبادئ وقيم أخلاقية. فتكون ملزمة باعتبار الرسول الكريم أسوة في مجال الأخلاق والقيم الإنسانية. (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ). لكن يبقى للواقع ضروراته، فالأخلاق ليست مطلقة دائما، وبعضها نسبي.

سابعاً – الأحكام الولائية: التي صدرت عن النبي باعتباره ولياً لأمر المسلمين وقائدهم العسكري، (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). وهذه الأحكام تكون سارية في حينها، ولا فعلية لها بعد وفاته، لكن يمكن الاستفادة منها كتجربة نبوية. مثالها، تحريمه بيع المياه خلال إحدى الأزمات التي مرت بأهل المدينة. مما يعني إمكانية فرض أحكام ولائية استجابة للواقع وضروراته.

ثامنا: ما يصدر من محمد بن عبد الله باعتباره بشرا، يختار ما يلائم ذوقه وذائقته في الحياة الدنيا. وهذا الجزء من سيرته أمر شخصي، ليس بحجة على أحد. ومن يبغي التأسي به، يجب مراعاة الواقع، فما اختاره في ذلك الزمان ليس بالضرورة أن يكون مناسبا لهذا الزمان، بعاداته وتقاليده.

تاسعا: بعض ما يصدر عنه يخص أحكاما خاصة به فلا تكون ملزمة لغيره: كتفصيلات صلاة الليل الواجبة عليه. ومن أراد التأسي فليتأس.

بهذا يتضح حدود الشريعة في السنة النبوية فهي محدودة بحدود آيات الأحكام قرآنيا. وبالتالي لا حجية لمطلق سيرته كما يرى أصحاب الحديث والسلفيون. وهذا لا يمنع من الاقتداء به باعتباره شخصية ربانية، سامية في سلوكها وأخلاقها. لكن الكلام حول مساحة الحكم الشرعي الحجة الذي مصدره سُنّة النبي قولا وفعلا وتقريرا.

السُنة النبوية والواقع

يبقى السؤال، ما هي معايير ومرجعيات النبي الكريم وهو يفصّل ويبيّن الأحكام الشرعية القرآنية المجملة؟ هل ما يقوم به وحيا أم ما يفرضه الواقع ومقتضيات الحكمة؟.

لا طريق للرسول سوى معرفة ملاكات الأحكام التي هي من باب الحكمة التي وهبها الله تعالى له، والنظر للواقع وضروراته، وحاجاته. أما بالنسبة لإدراك ملاكات الأحكام تجد الكتاب الكريم يبين للنبي كيفية التعرف عليها من خلال ما سرده من أحكام وتعليمات في سورة الاسراء (23 – 39)، وهي آية مفصلة تبدأ بآية: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ)، وتختم، وهذا المهم جدا، بآية: (ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا).

وأما بالنسبة للواقع وضروراته، فمثاله حصر الزكاة بالنقدين والأنعام الثلاثة والغلّات الأربعة دون غيرها، مراعاة لواقع المدينة وما هو السائد في ثرواته. وإلا فالزكاة لا تسقط في بلد تختلف فيه محاصيل الحبوب، لأنها مطلقة في الكتاب الكريم، وله وظيفة اجتماعية ودينية، تتوقف عليها سعادة الانسان واستتباب الضمان الاجتماعي. فلا خصوصية للحنطة والشعير والتمر والزبيب، سوى أنها محاصيل غالبة آنذاك. وأيضا بالنسبة للنقدين، فإن الزكاة كانت ناظرة لقيمتها، فتشمل العملة المتداولة اليوم، سواء كان غطاؤها ذهبا وفضة أم لا. فالواقع إذا يلعب دورا في تحديد مصاديق وموضوعات الأحكام الشرعية. والنبي الكريم يوازن بين العدل، الذي هو ملاك الأحكام، والواقع الموضوعي. لذا يتأثر الحكم بموضوعه حينما يطرأ عليه أي متغير عبر السنين، فينبغي أن يؤخذ ذلك بنظر الاعتبار في فعلية الأحكام الشرعية. 

الوعي الديني

س: 85- أ: د. مجدي ابراهيم: ... فمن اللازم اللازب أن يسْفر هذا ضرورة عن الفصل التام بين الحديث والقرآن في إطار ثورة من التصحيح معرفية بشرية فهل: يعدُّ مثل هذا التخريج (لوجهة نظركم) صحيحاً؟

ج: 85- أ: ماجد الغرباوي: لا شك بصحة ما تفضلت به، وحقا نحن بحاجة إلى ثورة معرفية لتصحيح مسارات التفكير الديني، وإعادة النظر بمرجعياته. وقد صدر لي حديثا في هذا السياق كتاب جديد بعنوان: "النص وسؤال الحقيقة.. نقد مرجعيات التفكير الديني". وأحسب أن الثورة الداخلية، أي من داخل النص والفكر الديني أكثر مصداقية. وبالتالي، فثمة ضرورة، للفصل التام بين الحديث والقرآن، لتدارك تبعات استغلال السنة، وتوظيفها بعيدا عن الهدف الديني. والعودة للقرآن برؤية جديدة تسمح بمواكبته لتطور الفرد والمجتمع. وليست الدعوة للفصل بينهما انحرافا أو تمردا أو اجتهادا شخصيا. وقد استشهدت بآيات الكتاب والوقائع التاريخية على وجود اختلاف جوهري بينهما. فما دام الدليل معي فهي صحيحة، ونحن أبناء الدليل أين ما مال نميل. ولم أقل شيئا جزافا وقد بينت أدلتي بشكل واضح. جميعها يرتكز للكتاب الكريم، والعقل، ومقتضيات الحكمة، والمبادئ الأصولية المتفق عليها عندهم، فتبدو بعض الآراء غريبة لأني أقدّم فهماً آخر للدين ودور الإنسان في الحياة، وتحديد مهمة السيرة النبوية، وفق وعي مختلف لمهام الأنبياء تاريخيا. وهو فهمُ لا يغادر مرجعيتي الفكرية والعقيدية، المفارقة لكل الأطر العقدية التي فرضتها الأيديولوجيات، والمصالح السياسية والطائفية والمذهبية.

- فعندما أنفي الصفة التشريعية للنبي، فدليلي هو الكتاب الكريم الذي حدد دور الأنبياء صراحة، ولم يسند لهم أية ولاية تشريعية، لأنها مختص بالله تعالى، كما بينت بالأدلة مرارا. وقد أكد القرآن كمال الشريعة في آية اليوم أكملت لكم دينكم. فيقتصر دورالرسل والأنبياء على تبليغ وبيان وتفصيل وشرح الأحكام. وقد ناقشت الأدلة القرآنية التي يُستدل بها على حجة مطلق سُنة النبي، كآية: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) و(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). ووضحت بالدليل أنها تختص بالجانب التطبيقي، وضرورات إدارة المجتمع وشؤون الحرب والجهاد آنذاك. وإلا سيسري جواز التشريع من النبي إلى أولي الأمر، لوجوب طاعتهم أيضا، كما في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)، ولا أحد يقول بذلك، بل أن نفس الآية تؤكد إمكانية صدور الخطأ منهم: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ). وما يقوم به الفقهاء ليس تشريعا بل استنباطا للحكم من مصادره.

ثم لماذا يتوقف النبي عن الإجابة على أسئلة الناس، وينتظر هبوط الوحي؟. فيجيب: (يسألونك، ويسألونك، ويستفتونك). أليس في هذا دليل على نفي صفة التشريع واختصاصه بالله تعالى؟. الآية تؤكد على النبي إختصاص التشريع بالله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ)، فبالإضافة إلى توقف النبي عن الجواب، الذي فيه دلالة بالغة، تؤكد الآية اختصاص الباري تعالى بالتشريع: (قل الله يُفتيكم).

أجد في توقف النبي الكريم عن الإجابة على أسئلة الصحابة، وانتظار الوحي، تأكيدا على دوره المنحصر بالبيان والتفصيل. ولعل عدم إدراج سُنته ضمن آيات الكتاب دليل على وجود تباين جوهري، هو الفارق بين الثابت والمتغيّر. وبين المقدس الإلهي والتفصيل النبوي البشري، الناظر للواقع وحاجاته. وعندما يصرّ النبي على عدم الخلط بين كتاب الله وسُنته، فهي حكمة بالغة، ينبغي إدراكها واتخاذها مرجعية في فهم الدين. فكان النبي قاصدا بخطواته الإجرائية تحصين الكتاب، والحيلوله دون تسرّب شيء من أقواله إليه، ليبقى القرآن مرجعية نهائية، وتكون السُنة شارحة ومبيّنة في ضوء الواقع وضروراته، كي يواكب الكتاب الواقع وتطور الحياة، وحاجات الإنسان والمجتمع، دون التمادي بالتشريع وإغراق الإنسان بأحكام تصادر حريته، وتقمع فيه روح الإبداع.

- وعندما أقول أن فعلية الحكم الشرعي تتوقف على فعلية موضوعه طرحت أدلتي من الكتاب الكريم مفصلا، كما أن الواقع يفرض نفسه. ولا يمكن للحكم الشرعي في مجال الأحكام الشرعية الاجتماعية والحقوقية المكوث في زمن البعثة. فنحن نعيش واقعا مختلفا، ومجتمعا قد تطور شئنا أم أبينا، وراحت شٍرعة حقوق الإنسان تتحدى الأديان، رغم تحفظنا على بعض بنودها. 

العقل التراثي 

س: 85- ب: د. مجدي ابراهيم: وإذا كان هذا التفسير وارداً فكيف يمكن اقتلاع جذوره من العقلية التراثية؟ وكيف يتمٌّ خرق اليقينيات بمحاولات العقل الحداثي، ووضع القرآن في رباط محدد بظرفه الزماني وبمتغيرات ضرورات الإنسان ومواكبة العصر كيف يتم خرق طلاقة النص القرآني؟

ج: 85- أ: ماجد الغرباوي: ليس من السهل اقتلاع التفسير التراثي، خاصة وقد ارتبطت به مصالح أيديولوجية وطائفية، وأصبحت السُنة ملاذا للكذب على الله ورسوله، وافتراء الأقاويل. فليس أمامنا سوى مواصلة النقد لكل تأسيس تراثي، وطرح البديل وفقا لمنهج التأصيل العقلي، الذي تحدثت عنه، بعد بيان سبب إخفاق الاتجاهات الإصلاحية والإحيائية والتجديدية وحتى التنظيرية. نحن بحاجة على منهج يؤصل لقيم العقل ومقتضيات الحكمة ومركزية الإنسان، ويعيد النظر في جميع ثوابت العقيدة الدينية، كي تستقيم الأمور. فنحتاج إلى:

- إعادة النظر في نسق الأطر العقيدية التي تقمع العقل التراثي، بما فيها حجية مطلق السُنة النبوية. وما لم تجدد عقيدتك باستمرار، سيركنك التاريخ في إحدى زوايا الغلو. وبالتالي ينبغي لنا مغادرة النسق العقدي المألوف، واستبداله بنسق معرفي له قدرة على مواكبة الحياة وفهم الدين وحاجات الإنسان.

- اعتماد مناهج جديدة لتوثيق الروايات، وكيفية الأخذ بأخبار الرواة، وضوابط توثيقهم وإثبات صحة رواياتهم.

- الاستفادة من المناهج الحديثة لقراءة وفهم النصوص الدينية، خاصة النص القرآني الثري بدلالته ورمزيته، وترابط مفاهيمه.

- الأخذ بنظر الاعتبار واقع المسلمين في الفتاوى وتشريع الأحكام.

نحن بحاجة إلى ثورة معرفية شاملة، ومواجهة ضارية مع المألوف من ثقافة دينية، من خلال نقد علمي موضوعي، لا تراوده الأوهام ولا تهزه ترسّبات العقل التراثي، ووساوس اليقين النفسي.

بلا شك المهمة صعبة، بعد تراكم تراثي هائل، وبيئة تساعده على رثاثة الوعي، والقبول بالسائد، وتقديس التراث والسلف ورجل الدين، لكن هذا لا يعرقل طريق الإصلاح والتجديد. فعلينا مواصلة الطريقة والاستفادة من كافة الوسائل لنشر الوعي، وانتشاله من رثاثته وتقوقعه.

 

اليقين السلبي

نحن بحاجة لتقويض اليقين السلبي عند الناس عامة، ورجل الدين خاصة. وأقصد به: "ما يعيق الفعل الحضاري من جزميات وقناعات راسخة، توجّه وعي الإنسان وتضبط سلوكه وحركاته ومشاعره. فتكرّس حالة الانغلاق والتخلف، والإنكفاء المرير للماضي". وينبغي تفكيك سلسلة العقائد التي راحت تتناسل في ثقافتنا، سيما في مجال العقيدة والفكر، والوقوف بحزم بوجه الطقوس والسلوكيات التي تشرذم الوعي، وتكرّس النكوص والتخلف. على الضد من اليقين الإيجابي الذي يدفع باتجاه الخير والعمل الصالح، ومحاربة الظلم والعدوان.

لقد قامت حضارة الغرب على الشك، وكانت بداية النهضة شكا اجتاح فضاء المعرفة وزلزل جميع اليقينيات الموروثة والمكتسبة، ثم اخضعوا كل شي للتجربة والبحث عن مصادره وأدلته. وبقى الشك يدفعهم باتجاه البحث والتنقيب عن الحقيقة، فلم يحدهم يقين مطلقا. بينما حياتنا حقل ملغّم بيقينيات لا يسمح لك المجتمع بالتشكيك بها، بل ربما يعرّضك الشك إلى القتل من قبل المتزمتين. وهي حالة مرت بها أوربا ثم تجاوزتها، بعد صراع مرير مع الكنيسة. والغريب حتى الوقائع التاريخية لا يسمح لك عندنا مقاربتها والبحث عن حقيقتها، وإنما عليك التسليم والإيمان بها مطلقا وفقا لعقيدة العوام. وإلّا ستكون خارجا على الدين والمذهب. من هنا تجدنا نتفاخر باشياء لا نعرف ما هي حقيقتها، ونخشى مقاربتها خوفا من انكشاف زيفها.

وقد افرز لنا اليقين السلبي نمطا من السلوك، أرهق وعي الفرد والمجتمع، وصادر حريته وارادته، وسخر كل امكانياته، من أجل طقوس وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان. بل تمادى الخطاب الطقوسي القائم على اليقين السلبي، ففضل الطقوس على العمل الصالح، على الضد من الخطاب القرآني (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين)

ولعل من أسباب هذه اليقينيات، إضافة إلى سذاجة الوعي، وسوء الظروف المعاشية والاجتماعية، تراثنا المشحون بروايات عن السلف ترسخ تلك اليقينيات وتمنحها صفة شرعية، يصعب مناقشتها فيُسَلّم لها ويتعبد بها كيقينيات غير قابلة للشك.

 

س: 85- ج: د. مجدي ابراهيم: وإذا هو؛ مع الفرض، قد تمّ أفلا يتعارض هذا؛ مع مصدر التشريع الأساسي على الأقل فيما توجب من فهم قوله تعالى (وتلك حدود الله فلا تقربوها).

ج: 85- أ: ماجد الغرباوي: أكدت مرارا أن العمل بقاعدة فعلية الحكم الشرعي تتوقف على فعلية موضوعه، لا تنفي التشريع، كما يفعل النسخ، الذي يلزم منه جهل الخالق. بل يسقط التكليف لعدم فعلية موضوعه. وبالتالي لا يوجد أي تحدٍ أو تلاعب بحدود الله معاذ الله. بل هو فهم للشريعة وليس إلغاؤها. فقه الشريعة وفق مناسبات الحكم والموضوع لتحديد فعلية الحكم كما بالنسبة لآية الحج. وأما إلغاء الشريعة فيلغي أصل التشريع لأي سبب كان، وهذا لا أقول به.

وردا على من يقول: (أحكام الله لا تقاس بالعقل)، أقول: "لا فقه لأحكام الله الا بالعقل". ولولا العقل لما كلفنا الله بالأمانة، ولولاه لما تحملنا مشقة المسؤولية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi8مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق11) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

ماجد الغرباوي: ثمة فارق بين إلغاء الشريعة الثابتة قرآنيا، وبين فقه الشريعة. الأول قطيعة تامة، بفعل موقف أيديولوجي أو عقدي. ويقصد بالثاني تواصلا معها في ضوء الواقع بما يحقق مصلحة الإنسان، تارة باعتبار قدسيتها، أو بفعل العدالة المتضمنة في ملاكاتها. فيمكن تحديد الفارق الجوهري بينهما، بما يلي:

إلغاء الشريعة: الإنسان مصدر التشريع، فيشرّع ما يناسب مصالحه ويحمي حقوقه، بعيدا عن المقدس وسلطته.

والدعوة لإلغاء الشريعة تارة تكون منطلقاتها علمانية، تحتكم للقوانين المدنية الوضعية، وترفض التشريعات الدينية، بحكم مبادئها التي تفصل بين الدين والسياسة أو بينه وبين الحياة عامة. وهناك من يعتقد أن الأحكام الشرعية تاريخية، وقد استنفدت قدرتها على مواكبة الواقع. وقسم ثالث يقول بنسخ الأحكام، الذي يعني إستبدال حكم بحكم، فيلغى الحكم السابق. بغض النظر عن إيمان المرء وعدم إيمانه، في جميع هذه الحالات الثلاث.

فقه الشريعة: منهج عقلي في استنباط الأحكام الشرعية، يقوم على مركزية الإنسان في ضوء فهم الدين وفلسفة التشريع، ويرتهن فعلية الأحكام بفعلية موضوعاتها.

وهو منهج يسعى لإدراك ملاكات الأحكام، ودراسة موضوعاتها في ضوء الواقع وضروراته، بعد التعرّف على تاريخ الحكم والظروف المحيطة به. وبهذا يختلف عن المنهج النمطي لاستنباط الأحكام الشرعية القائم على فصل المسألة الدينية عن فلسفة الدين والتشريع، حيث تبقى الأحكام مطلقة بغض النظر عن الواقع وضروراته. ومنهج فقه الشريعة، منهج مقترح، في طور التأسيس والبناء، إرتكازا لمبدأ التأصيل العقلي، الذي مر تفصيله.

لا خلاف أن الكلام حول الشريعة وأحكامها ومدى الإلتزام بها يختص بالمؤمنين بقدسيتها وصلاحيتها، فهي بالنسبة لهم شاملة لكل زمان ومكان. فالخلاف مع العلمانيين خلاف عقائد أولا وبالذات حول دور الدين والتشريع في حياة الإنسان. وأما القائلون بالنسخ فلا دليل لهم سوى ما أكدته الآيات من نسخ صريح كآية النجوى. كما يلزم من النسخ جهل الخالق بملاكات الأحكام.

أكدت مرارا أن الأحكام الشرعية لا تلغى، ما دام مصدرها الكتاب الكريم، لكن ممكن أن لا تكون فعلية بسبب عدم فعلية موضوعها، فتسقط عن التكليف. وهذا أمر آخر غير إلغاء الشريعة، بل هو من صميم فقه الشريعة وغاياتها ومقاصدها. باعتبار أن الأحكام الشرعية قد شرعت وفق ملاكات من المصالح والمفاسد. وليس الأمر فوضى أو القصد منه اختبار عبودية الناس. بل أن منطق الخلافة يرى أن الأحكام تواكب تطور الإنسان، وترعاه وتحتضنه كي يواصل طريقه في خلافة الأرض. ويرى أن النبوة الخاتمة هي عودة للعقل بعد نضوجه وقدرته على إدراك ملاكات الأحكام وعلاقاتها بالواقع. وفقه الشريعة مقتصر على الفقيه باعتبار تخصصه في هذا الحقل، وليس متاحا لأحد ما لم يستوف شروط الفقاهة.

الشرائع تاريخيا

ليس التمسك بالشريعة باعتبار قداسة مصدرها فقط، بل لأنها مجموع تشريعات تنظّم حياة الناس والمجتمع، وفقا لمبدأ العدالة والانصاف. فهي امتداد لتشريعات سبقتها، فألغت بعضها وأمضت أخرى، وأضافت ما يواكب حياة الإنسان والمجتمع، وهذا يعني بشكل من الأشكال تاريخيتها، وتوقف فعليتها على فعلية موضوعاتها. خاصة الأحكام الاجتماعية. فينبغي التوفر على ما يبرر التخلي عن أي حكم من هذه الأحكام التي تمثّل عدالة التشريع، بدليل إمكانية الاحتكام لبعضها حتى لغير المؤمنين بها. وهذا بُعدٌ آخر في الشريعة لا علاقة له بمصدرها. فالالتزام بها ليس عيبا أو تخلفا مطلقا، بل مدار الإلتزام وعدم الإلتزام بها عدالتها، وقدرتها على بسط ضبط سلوك الفرد والمجتمع. فالالتزام بها إلتزام بملاكات العدالة، بغض النظر عن مصدرها. لأن الحُسن والقُبح عقليان. وقد أثبتت هذه الأحكام أو أغلبها جدارتها، وقد سادت ردحا طويلا من الزمن. فالتخلي عنها يستدعي مبررا عقليا نرفع به اليد عن حكم العقل بحسن العدل، الذي هو تمام ملاكاتها.

وأقصد بالشريعة خصوص التشريعات القرآنية، وليست التشريعات التراثية وما يصدر عن الفقهاء، فإنها وجهات نظر اجتهادية، تصيب وتُخطئ. وطالما عسكت نظرة سلبية، بسبب جمودها، وعدم انفتاحها على الواقع وضروراته، خاصة وهي تقصي الإنسان الذي هو مدار التشريع. فلا مبرر للقطيعة التامة مع أحكام الشريعة القائمة على العدل والانصاف، ويمكن إعادة النظر في الأحكام من خلال موضوعاتها وفقا للواقع وضروراته. وفي هذه الحالة سنستفيد من قدسيتها، خاصة في المجتمعات المسكونة بالدين والقداسة، فإن الإيمان بقدسيتها يمثل وازعا للإلتزام بها. وهذا الكلام ليس تبريرا بل هو واقع، لأن العدالة هي هدف التشريع، أي تشريع، حسب الفرض، لذا أمضى الإسلام أحكام البيع والشراء والتجارة، ولم يرد في الكتاب المجيد سوى مبادئ، كحرمة الربا أضعافا مضاعفة.

عندما نعود للقرآن الكريم لتتبع مسار تشريع الأحكام، نجد الأمم السابقة قد عاشت ردحا من الزمن بعيدا عن الأديان (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)، وكانت هذه الفترة بالذات خصبة بطقوسها وعقائدها وخرافاتها وأساطيرها. وبعبارة أدق كانت تعيش تجربتها الروحية بمعزل عن السماء، سوى قلوب عامرة بمشاعر العجز أمام المطلق وهم يواجهون مختلف التحديدات. فالإيمان بالغيب إيمان تلقائي (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، لتدارك ضعف الإنسان وعجز قدراته أمام ظواهر الطبيعة. وقد اكتشفت رحلات الآثار مختلف الطقوس، وما زال بعضها حيا في أستراليا والأمزون. نشأت الطقوس بدائية اقتصرت على عبادة الطوطم ثم الأرواح، فعبادة الكواكب ثم الأصنام والأوثان، وتخلل ذلك عبادة الملوك التي طورت المظاهر الطقوسية، باتجاه إقامة معابد خاصة للإلهة، وتجسيد الطاعة والخضوع عبر الركوع والسجود. فإذا كان نزوع الإيمان البشري فطريا، فإن تمظهرات الطقوس والأديان فرضتها حاجة موضوعية، لضبط سلوك الفرد والمجتمع، ورسم العلاقة بين العبد وسيده بما يكرّس قدسية الثاني. لأن القداسة تمثل جوهر الأديان. أي أن حاجة الإنسان للدين أولا وبالذات حاجة لا شعورية للمقدس. فلا يمكن الاستهانة بمقدسات الشعوب لقوة حضورها ورمزيتها. بل عدم وجود المقدس يفضي لضياع الشعوب المسكونة بالغيب واللامعقول. فكان الدافع وراء بعثة الأنبياء انتشال الوعي الديني الزائف الذي يكرّس عبادة الأرواح والأصنام والطاغوت، بعد أن كان الوعي يتجه بفطرته نحو المطلق، يرسم عظمته وقدراته وفقا لحاجاته وضروراته. فهدف النبوات ترشيد العقيدة، وتأسيس مرجعيات جديدة لبيان الحق وحسم النزاعات: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ). فهدف الأديان السماوية هداية الناس وتحقيق التوازن الروحي والسلوكي، مع تحقيق العدالة الاجتماعية، لذا تولت ترشيد الشعائر والتشريعات التي كانت سائدة، فألغت بعضها، واستبدلت أخرى، وأضافت ما يواكب حاجة الأنسان والمجتمع.

ينبغي التأكيد أن التشريعات أو الشريعة هي جزء من الدين، وهو أعم منها، يصدق مع وجودها أو عدمها، زادت أم نقصت. سأل الصحابة النبي عنها أم لم يسألوا. ولو لم يسألوا لكانت الأحكام الشرعية الآن أقل، دون أن يتأثر الدين بذلك. فثمة فارق بينهما. هدف الشريعة ضبط سلوك الإنسان، بينما يهدف الدين إلى هداية الإنسان واحتضانه ليواصل المهمة التي خُلق لأجلها. أي خلافة الأرض واستخلافها. لذا موقف الإسلام من أهل الكتاب ليس موقفا عدائيا أو خلافا حول بعض التشريعات والمقدسات، أو مجرد تباين عقدي حول الخالق وصفاته، رغم أهمية الأخير، لكن ثمة دور للدين يختلف مع كل رسالة، فيجب مغادرة ذلك الفهم إلى فهم أكثر تطورا من خلال تطور الوعي، والمجتمعات البشرية. لذا أجد أن آية: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) تشير لهذا المعنى رغم أن مفهوم الإسلام أعم من الدين الإسلامي. أي أنها تريد قطع طريق العودة لفهم تراثي للدين، والبدء بفهم مختلف يواكب تطور الإنسان والحياة. و(الدين منظومة فكرية ومفاهيمية لها خطابها وأيديولوجيتها ولغتها ورمزيتها، تستمد وجودها من عقيدة تتصف بقدرتها على تفسير بعض الظواهر الحياتية والميتافيزيقية، كالموت وما بعد الموت. ويترشح عنها نظام عبادي وأخلاقي وسلوكي يتقوم بالطاعة والتسليم). فالشريعة تترشح عن الدين، وهي جزء من تعاليمه بالمعنى الأعم من الأخلاق والأحكام. وليس التشريع مقوما ذاتيا للدين بشكل ينتفي الدين بانتفائها. وأغلب الأحكام جاءت ردا على أسئلة الناس. فهي لا تؤثر في حقيقة الدين وإن كان الإلتزام بها شرطا لصفة التدين. فتبقى أحكامه محدودة، كي يواصل الإنسان تشريع ما يحتاج من قوانين في ضوء مبادئ الدين وقيمه.

حدود الشريعة في القرآن

مر أن التشريع مختص بالله تعالى (الله يفتيكم)، لأنه الأعرف بملاكات الأحكام من حيث مَداها وعلاقتها بالدين ودور الإنسان في الحياة. فالتشريع وفقا لفلسفة الدين ومنطق الخلافة له دور ضمن الهدف الكلي للخلق، لا يقتصر على ضبط سلوك الفرد والمجتمع، رغم أهميتهما، لكنه توازن ضمن الهدف العام. وهذا ليس متاحا لغير عالم الغيب والشهادة، بما في ذلك الأنبياء ممن نفى الكتاب الكريم عنهم علم الغيب صراحة، وحصره بالله تعالى: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ). وقد ذكر كل ما يريده من أحكام ضمن آيات القرآن المجيد. وما لم يرده لم يقله، وهذه هي مقدمات الحكمة كما هو في المصطلح الأصولي. بل أعلن إكتمال الدين الشامل للتشريع حينما قال: (اليوم أكملت لكم دينكم). وهذا يؤكد محدودية التشريعات، وعدم حاجة الفرد لغيرها، بما يعني إحالة الإنسان على عقله وتجربته الحياتية والاستفادة من تجارب الأمم والشعوب في اختيار ما يناسبه من تشريعات، شريطة أن تقوم على مبدأ العدل وعدم الظلم واحترام حقوق الإنسان. وهي مرتكزات عقلية، إنسانية ودينية. الله عزوجل يريد الإنسان خليفة في أرضه، يمارس دوره من خلال حريته وإرادته وعقله، وبالفعل سار الإنسان منفردا قبل بعثة الأنبياء. ولم يخلق الله الإنسان للاختبار والطاعة، بل خلقه ليمارس دوره الإنساني فترك له أبواب التوبة والإنابة مشرعة كي لا ينقلب الذنب والخطيئة إلى عقدة وتمرد ضد الحياة. ولو كان هدف الخلق هو الاختبار، تجد عقوبة السماء تترصد خطأ الإنسان، وتلاحق خطواته وهفواته (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ)، لكن الله غني عن العالمين، وليس بظلّام للعبيد. و(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ). وله هدف نبيل وسامٍ من وراء الخلق.

آيات الأحكام

إن آيات الأحكام في القرآن محدودة، تقارب 500 آية. تزيد أو تنقص قليلا وفقا لمباني الفقهاء. وهي تختلف في إطلاقها ودرجة إلزاماتها وفعليتها إلى أنواع:

1- أحكام خاصة بالنبي كقوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا). فهي أحكام اقتضتها مسوؤلياته الدينية والاجتماعية.

2- أحكام خاصة بأهل الكتاب وأمم سابقة قبل البعثة النبوية، يستشهد بها الكتاب في مناسبات خاصة. كآية: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).

3- أحكام ناظرة إلى واقع خارجي محدد، كآيات القتال التي كانت تطارد المحاربين من أعداء الرسالة وهي في بداية ظهورها. ولا يمكن لهذه الآيات أن تكون فعلية ثانية، ما لم يتعرّض ذات الدين للفناء، وهذا مستحيل بعد أن تجاوز عدد المسلمين المليار، وبإمكان من يروم الدعوة توظيف وسائل الاتصال الحديثة، وما هو متاح من إمكانيات قانونية، في مختلف بلدان العالم، ولا يلجأ للعنف الديني سوى العاجز، الخائف. فالدليل يواجه بالدليل والبينة بالبينة، وليس بالسيف والعنف وإراقة الدماء.

4- أحكام مشروطة، لا تكون فعلية إلا بتحقق شرطها. كما في آية الحج، التي اشترطت الاستطاعة في فعلية الحكم المجعول. وهي بالمصطلح الأصولي الأحكام التي جعلت على نحو القضية الخارجية.

5- أحكام انتفت بانتفاء موضوعها، كأحكام الرق قاطبة، بعد اندثار العبودية.

6- أحكام مطلقة متى ما استوفت شروطها العامة، التي هي شروط جميع التكاليف الشرعية: القدرة، البلوغ، والعقل. وهذه الأحكام، بعضها تكليفي، كالأمر بوجوب الصلاة. والآخر وضعي، يشرّع وضعا معينا، كالزوجية. وهذه الأحكام مأخوذة على نحو القضية الحقيقية، فلا تكون فعلية إلا بفعلية موضوعاتها.

7 – أحكام إرشادية، ترشد إلى مرتكزات عقلية غالبا، كآيات الأحكام الاعتقادية، مثل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً).

بهذا يتضح أن حدود الشريعة في القرآن، تقف عند حدود الأحكام المجعولة على نحو القضية الحقيقية، متى استوفت شروطها، وأهمها فعلية موضوعها. وحينما لا يكون الموضوع فعليا لا يكون الحكم المجعول فعلياً على أحد، فيسقط عن التكليف. وبالتالي من حقنا البحث عن كيفية تضخم الأحكام والفتاوى الشرعية بشكل مذهل؟ وما هي مشروعيتها مع محدودية الأحكام في الكتاب الكريم؟ وما هي تداعياتها على مستقبل الإنسان والتنمية الحضارية، خاصة أن الفتوى بررت سفك الدماء، وهتك الحرمات، واستعباد الأحرار، والالتفاف على قيم الدين من خلال حيلها الشرعية، وكرّست الاستبداد، واستباحت أموال الناس، وصادرت الحريات، وفرضت قيمومة الفقيه ووصايا رجل الدين.

تأسيسا على ما تقدم، فإن الأصل عند الشك في أي حكم هو عدمه. أو ما يسمى بالبراءة العقلية ثم البراءة الشرعية (قبح العقاب بلا بيان)، وليس الأصل كما تقدم بيانه هو حق الطاعة بالمحتمل والمشكوك والمظنون فضلا عن المتيقن. من هنا يمكننا الشك في شرعية كل فتوى وحكم شرعي لم يذكر في الكتاب الكريم، ما لم يدل الدليل القرآني عليه. أما لماذا القرآني، فلأن الكتاب الكريم أعلن اكتمال الشريعة، أي أعلن القدر الذي يحتاجه الفرد من الأحكام الشرعية. وفي القرآن إشارات بليغة تؤكد اقتصر التشريع على الله وما أوحي لرسول الله فقط، كآية: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ). فالآية تؤكد أن الحرمة التي هي حكم شرعي وحي سماوي، وليس اجتهادا شخصيا أو فقهيا. لكن كم محرّم فرضه الفقهاء حتى غدا الدين حقل ألغام بكثرة أحكامه الفقهية التي تحد من حرية الإنسان، وتعيق عقله وتفكيره!!.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi7مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق10) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

ماجد الغرباوي: لا يهتم الفقيه عادة بتاريخ الحكم، إلا بشكل محدود، يقف عند حدود أسباب النزول، دون معرفة الأجواء الدينية والاجتماعية والثقافية التي ولد فيها. ولا يتحرى فلسفته، والغاية من تشريعه، إلا على المبنى المقاصدي الذي ظهر متأخرا. وأما غالبية الفقهاء فيعتقد أن الأحكام قد شُرّعت ابتداء بمعزل عن الواقع. أو أنها أخذت حيثياته وضروراته بنظر الاعتبار إلا أن "المورد لا يخصص الوارد"، كما هي القاعدة الأصولية عندهم، فتبقى الأحكام مطلقة، لا تتأثر بالمتغيرات الزمانية والمكانية (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامه). وهو منهج تقليدي، تُطلق عليه صفة الاجتهاد مجازا لا حقيقة، لارتهانه للتراث وسلطة السلف في فهم الأحكام الشرعية. وهذا يختلف عن المنهج في فقه الشريعة، الذي يعتقد أن وراء تشريع الأحكام ملاكات (مصالح أو مفاسد)، وقد شُرعت لمعالجة واقع كان يعيشه الفرد والمجتمع آنذاك، حتى وإن أُخذ الحكم على نحو القضية الحقيقية. فهي أساسا إجابات على أسئلة مطروحة من قبل الصحابة آنذاك: (يسألونك، ويسألونك، ويستفتونك). وكان بعضهم يتمادى، حتى حذّرهم القرآن من مغبة الإلحاح بالسؤال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). وما دامت الأحكام ناظرة للواقع، فتبقى فعليتها مرتهنة لفعلية موضوعاتها، وما يرتبط بها من شروط وقيود.

ورغم صحة القاعدة المتقدمة "المورد لا يخصص الوارد"، إلا أن المورد يشخّص لنا الشروط الزمانية والمكانية لموضوع الحكم، مادامت مأخوذة بنظر الاعتبار حين تشريعه. فيمكننا إعادة النظر في فعلية الحكم حينما يطرأ على موضوعه ما يستوجب ذلك، وقد مرَّ تفصيل الكلام. وبالتالي فالواقع يلعب دورا أساسا في ضبط فعلية الحكم المجعول. لذا ينبغي تقييم بعض الأحكام وفق مسارها التاريخي. وهي الأحكام التي تتأثر موضوعاتها بالواقع وضروراته، كأحكام المرأة والجهاد والرِق. وهذا مقتضى العدل والإنصاف الذي هو مناط الأحكام الشرعية كما تقدم، والتي ساهمت في استتباب العدالة الاجتماعية في وقتها. فالحكم قد لا يحقق ملاكاته حينما يتغير الواقع ويختلف الموضوع، وربما ينقلب إلى عبء، وغل وأصر، فيستوجب إعادة النظر في فعليته وفقا للمنهج القرآني الذي مرّ بيانه. فيتغيّر الحكم من الوجوب أو الحرمة إلى الإباحة أو إلى ما هو أقل نهيا وإلزاما كالكراهة والاستحباب.

ويمكن الاستعانة ببعض الأمثلة لفهم الفكرة بشكل واضح، والتعرّف على دور الواقع في تشريع الحكم، ومدى تأثره به، حينما يفرض ضروراته. ومدى إمكانية إعادة النظر في فعلية الأحكام من خلال علاقة الواقع بمرتكزات مبادئ الحكم في مرحلة جعله وتشريعه. وفقا لما تقدم، حيث تكون ملاكات الجعل الشرعي (التوازن الروحي والسلوكي والعدالة الاجتماعية) دليلا على وجود خلل في معادلة مرتكزات مبادئ التشريع، فينبغي مراجعتها، إذا كان السبب منحصرا بالحكم الشرعي، لا بسبب عوامل خارجية أخرى.

أحكام المرأة

بدءا: لا يقاس المرء، ذكر أو أنثى، بجسده، ولا ينصب الحكم الشرعي عليه بما هو كائن بشري، بل يتوجه له باعتباره إنسانا عاقلا حرا مريدا قادرا. وإلا ما الفرق بين شخص وآخر، حينما يميّز القرآن بين المؤمن والكافر، ويرتّب عليهما أحكاما مختلفة؟ أليس بما يحملانه من أفكار وعقائد ومواقف ومسؤوليات؟ وما الفارق الجسدي بين الشخص الحر والعبد، الذي يقتضى اختلاف الأحكام بينهما، سوى الحرية التي هي مفهوم اعتباري؟ وما الفرق بين المرأة الحُرّة والأَمَة أو الجارية، كي تختلف أحكامهما على مستوى الحقوق بينما تسرى عليهما ذات الأحكام الشرعية العبادية؟ وما الفرق بين المرأة المؤمنة والكافرة سوى ما تحمله من عقيدة والتزام، فيجوز الزواج من الأولى ويحرم من الثانية مهما كانت مواصفاتها الجمالية والأخلاقية (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ). فالأحكام لا تقصد الكيان الجسدي للرجل، ولا تقصد المرأة ككائن بشري، وإنما تقصدهما وعيا وثقافة ودورا ومسؤولية وواقعا اجتماعيا، لذا اتصفت بالعدالة آنذاك، عندما أعطت كل ذي حق حقه، وإلا فمقتضى النظرة الجسدية مساواتهما بالحقوق كما في الواجبات، مع ملاحظة الفوارق البايلوجية بخصوص بعض الأحكام العبادية. وبالتالي فالمرأة بهذا الفهم الإنساني غيرها في زمن التشريع. وهذا التحول المفهومي يستلزم تشريعات تتناسب مع واقعها اليوم، بعد أن هجرت ذلك الواقع المرير. لأن الشريعة قد أخذت في ملاكات أحكامها الخاصة، وضعها البايلوجي، وموقعها الاجتماعي، وطبيعة علاقتها بزوجها وولي أمرها ومسؤولياتها داخل الأسرة وخارجها، وما عليها أو لها من نفقات مالية. وهذا التحول ليس شاملا، فما زالت المرأة ذاتها في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي، لكن بشكل عام أصبح للمرأة شأن مغاير، وهذا ما يؤكده الواقع خاصة في الدول المتقدمة حضاريا.

فإذا اعتبرنا أحكام المرأة في الشريعة في زمن البعثة تحريرا لها من واقع أسوأ، قد صادر حيثيتها وكرامتها وإنسانيتها، فإنه اليوم يُعد عبودية وامتهانا في بعض البيئات الدينية والثقافية، بعد أن أثبتت جدارتها في كل مناحي الحياة. بل بات الرجل رغم مكابرته يعتمد على عقلها وتدبيرها. فالنظرة الدونية إدانة للدين والتراث وسيرة السلف الصالح. المرأة ما عادت متخلّفة، ولا عورة، بل غدت تنافس الرجل على جميع المستويات، وتتقدم عليه في حبها للأمن والسلام ورفض العنف، واستهجان السلوك الخشن.

وعندما حكمت الشريعة الإسلامية للرجل مثل حظ الأنثيين، كانت المرأة جزءا من متاعه وممتلكاته، لا تتقاضى شيئا من الإرث، وليس لها حق التملّك، وكانت مكفولة في نفقتها ومعيشتها، سواء أكانت أماً أم زوجة أم إبنة. ولما جاء الإسلام منح المرأة شخصية مستقلة، وجعل حق الأنثى هو الأساس في تقسيم الإرث بينها وبين الذكر. فانظر لدقة الآية، التي تمت صياغتها بشكل لا تبخس المرأة حيثيتها الإنسانية: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ). فالأصل أو الوحدة القياسية في توزيع الإرث إذاً هو حظ الأنثى. وعندما يجعل للذكر مثليه، فمراعاة لمسؤولياته في النفقة وإعالة الأولاد، وتأمين جميع مطالبهم وأمنهم واستقرارهم. فيعطى ما يساعد على تغطية نفقاته، مع عدم إناطة أية مسؤولية مالية عليها.

الأرث حق لا هبة. ويعني نقل ممتلكات الميت إلى ورثته، لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى من حيث الأصل، إلا أن الرجل كان ينفرد بالإرث بحكم تفوقه الاجتماعي ومسؤوليته عن الانفاق. ولما جاء الإسلام صار يوزع الإرث على ورثة الميت وفقا لمنطق العدالة الاجتماعية، كل حسب مسؤوليته، وحجم نفقاته، على أن يُردّ الفائض لها مع عدم وجوده، ويختص به مع عدم وجودها. فعندما تأخذ المرأة سهما واحدا أو ما يعادل نصف الإرث قبل خمسة عشرة قرنا يتناسب مع دورها ومسؤولياتها، فهو في قمة العدل والإنصاف آنذاك قياسا بماضيها، حيث لا توجد أي مسؤلية مالية عليها، بينما يتحمّل الرجل بمفرده نفقتها وحمايتها وضمان آمنها وسلامتها. فكانت تأخذ من الأرث وهي مكفولة النفقة، أما اليوم فالأمر مختلف، فمقتضى العدالة والإنصاف تشريع أحكام تستوفي قيم العدل الاجتماعية، خاصة حينما تتحمل المرأة كافة المسؤليات أو أغلبها أو بالتساوي لأي سبب كان. وقد مر أن العدل قابل للنسخ في مجال الحقوق، وهذه إحدى مصاديقه وربما أبرزها. فيمكن أن نستنتج من دلالة الآية، أن الزيادة في حصة الرجل ليست تفضيلا ذاتيا كما يعتقدون بل هي مسؤولية تقتضيها مهامه العائلية والاجتماعية، خاصة النفقة الواجبة عليه شرعا، لزوجته وأطفاله.

التفوق الذاتي

لقد ساوت الشريعة بين الرجل والمرأة في الواجبات، كما تمتعت في الخطاب الديني بشخصية مستقلة، وخاطبها القرآن بشكل منفرد، كأم وأنثى وزوجة ومؤمنة تتحمل مسؤولية سلوكها، وإنسانة محترمة، وأكد على استقلالية عواطفها كقوله تعالى: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن). فعندما نقارن بين التساوي في جميع الأحكام العبادية وغيرها، ما عدا الإرث، نفهم أن الزيادة ليست تشريفا، بل في مقابل مسؤوليات يتحملها بمفرده. أو نقول: إن شرف الزيادة في الإرث يقابله شرف المسؤولية المالية الملقاة على عاتقه، وليست الزيادة تفضيلا ذاتيا له. فمن يرد تشريف الرجل على المرأة لا يساويها به في جميع الأحكام والواجبات. وكان بإمكان الكتاب الكريم أن يشعرنا بهذا التمايز لكنه قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، وقول الرسول الكريم: (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). فالتقوى والعمل الصالح هي ركيزة التفاضل بين الناس عند الله وفي اليوم الآخر، وليست الذكورة والأنوثة. فكلاهما مكمّل للأخر ضمن النسيج الاجتماعي. فلا يدل التفاضل القرآني بين الذكر والأنثى على التفاضل الذاتي، بل هناك مناطات واضحة في هذا النوع من الآيات، كقوله تعالى:

- (لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا). فالجهاد بالمال والنفس في سبيل الله هو مقتضى التفاضل بين الناس. فيكون معيارا ثانيا للتفاضل بالإضافة إلى معيار التقوى. ولا تدل الآية على أي تفاضل ذاتي.

- (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ)، وهذه الآية أيضا لا تدل على التفاضل الذاتي، ويمكن فهم مناطات التفضيل من خلال سياق الآيات، والقرآئن اللفظية المحيطة بها. الآية جاءت في سياق بيان الحقوق والوجبات، حيث سبقها قوله: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا)، ثم عادت لبيان الحقوق والواجبات الخاصة بين الزوجين، حيث سيكون العرف والمتعارف هو الحَكم والمرجع في تشخيصها، فكما له الحق بها، ويجب عليها الاستجابة الكاملة له، فلها أيضا حق الاستمتاع والتمتع معه بما يروي غليلها. لكن تبقى له درجة مراعاة لوضعه البايولوجي وقوة شبقه، وحرصه وغيرته على زوجته. فيمكنه أن يفرض بعض القيود في هذا الإطار، وعليها الاستجابة بما لا يصادر حريتها. فالآية ليس فيها تفضيل ذاتي، يقتضي تفضيله بالإرث. وهذا ما نريد تأكيده.

- (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ). حيث فسر بعضهم التفاضل بامتلاك الرجل حق فسخ عقد الزواج دونها، لكن الانصاف عدم وجود قرينة على إرادة فضل الرجل دونها، فكل واحد منهما له فضل على الآخر ضمن وضعه البايلوجي والاجتماعي. وتبقى القوامة اقتصادية ومسؤولية. لكن رغم ذلك نجد أن بعضهم يرى أن كلا الأمرين (بما فضل الله وبما أنفقوا) شرط في وجوب القوامة للرجل، كي تبقى قيمومته، حتى لو لم يتمكن اقتصاديا، لان الرجل يبقى رجلا بخصائصه الجسدية (أي كونه رجلا وهي أنثى)، هكذا يعتقدون بناء على الأفضلية الذاتية. لكن القوامة بمعنى المسؤولية كما بينته في كتاب المرأة والقرآن تفصيلا، تنتفي مع انتفاء أحد الشرطين أو كلاهيما. فالرجل العاجز جسديا يعجز اقتصاديا فتسقط مسؤوليته وتنتفي صلاحياته. أو بعبارة أخرى تنتفي قيمومته كما في التعبير القرآني. وأيضا تسقط إذا عجز عن النفقة، مع عدم القول بالأفضلية الذاتية.

ثم التاريخ يؤكد بل وما يزال، أن الرجل هو بالأساس صاحب السيادة المطلّقة على المرأة، ولم يسيّده الإسلام عليها. ولا يوجد تسييد حتى في آية "الرجال قوامون على النساء". وانما هي قوامة اقتصادية نسبية، تنتفي بانتفائها، فلا تفضيل بهذا المعنى، لأن مناط التفضيل قرآنيا هي التقوى والعمل الصالح، سواء كان ذكرا أم أنثى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

نخلص مما تقدم إلى نتيجة مهمة، هي إمكانية إعادة النظر في فعلية الأحكام المتعلقة بالمرأة في مجال الحقوق المالية، في ضوء الواقع وضروراته، حينما نرتكز لفقه الشريعة، القائم على فهم ملاكات الأحكام وعلاقتها بالواقع من جهة ومرتكزات مبادئ الأحكام الشرعية في مرحلة الجعل من جهة ثانية. والغريب أن بعض الفقهاء، بدلا من الاعتراف بالواقع ومواكبة تطوراته من خلال فتاواه وما يستنبطه من أحكام، يطالب المرأة بالعودة إلى منزلها، والتخلي عن مهامها الاجتماعية والوظيفية، وكل ما أحرزته من تقدم على جميع الأصعدة، ويمطرها بنصوص تراثية، وتأويلات قرآنية، تحبذ لها خدرها والانصياع لأوامر زوجها، دون مراعاة لتاريخيتها.. إنها نظرة ذكورية متأصلة، وقيم بدوية تمنح الرجل تفوقا ذاتيا، وولاية تعسّفية على المرأة، وهذه إحدى أسباب تخلف الفقه، الذي أدمن تقليد التراث والسلف، وتمسك حتى الرمق الأخير بحرفية النصوص، بعد تجريدها من تاريخيتها. ولا شك أن هذا لا ينسجم مع من يدعي أن علل الأحكام مجهولة بالنسبة لنا، وما علينا سوى الطاعة والتعبد المطلق.

أحكام الجهاد والقتال

لا يخفى حجم الدماء البريئة التي سفكت على يد الحركات الإسلامية المتطرفة، عندما رفعت راية الجهاد في سبيل الله لاسقاط الحكومات، فأهلكت الحرث والنسل، وعكست نظرة سلبية عن الدين وأحكامه التشريعية، خاصة موقفهم من أتباع الديانات الأخرى، وتعاملهم اللا إنساني مع النساء، حيث تم استرقاقهن، وبيعهن في سوق النخاسة، في ظاهرة مقرفة في زمن تحكمه شِرعة حقوق الإنسان. والسبب في رفع راية الجهاد الفقه الإسلامي القائم على حرفية النصوص، وتقليد السلف في معرفة الأحكام الشرعية، دون التعامل المباشر مع الكتاب الكريم. ولو أعاد الفقهاء النظر في الجهاد وموضوعه لاكتشفوا أن موضوعه حماية الدين والرسالة، التي انتصرت بصريح القرآن، فلا ضرورة له: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وقوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). (وقد كتبت عن هذا الموضوع تفصيلا في كتاب: تحديات العنف). وكل الحروب بعد النبي الكريم كانت دوافعها صراعات سياسية وتوسع بقرارات شخصية، يتحمل وزرها أصحابها. فلا فعلية إذا لآيات الجهاد لعدم فعلية موضوعه وانتفاء شرطه، أي الحرابة المُفضية لفناء الدين وانهيار الرسالة: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا)، فالحرابة هي شرط القتال، وشرطه الثاني عدم الاعتداء.

وأما الدفاع عن النفس والعرض والقيم والمبادئ والأوطان واجب على الجميع ولا يحتاج الى تحريض ديني (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ)، وهذا مقتضى العدل، تحتكم له البشرية، وهو حق مشروع للجميع، شريطة عدم الاعتداء والتجاوز: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ). فلا تضللنا سيرة الخلفاء والسلاطين في إيجاد مبررات شرعية لكل حروبهم وغزواتهم من أجل تجنيد الطيبين من الناس وزجهم في معاركهم وفتوحاتهم، لأنها حروب شخصية وسياسية. من هنا ينبغي للفقه الحذر في تعامله مع سيرة غير النبي الأكرم، إذ لا حجة شرعا إلا لسيرته المتعلقة بالقرآن وأحكامه، حيث قال تعالى "ما آتاكم الرسول فخذوه". وبالتالي فآيات الجهاد كانت ناظرة لواقع محدد، وكانت الأحكام المرتبطة بها قد أخذت كما يُعبر الأصوليون على نحو القضية الخارجية، وليست على نحو القضية الحقيقية، التي يكون فيها الموضوع مفترض التحقق، وإن لم يكن موجودا فعلا. بل أن موضوع القضية الخارجية محدد، ينصب فيها الحكم على خصوص أفراده. كمن يقول أكرم هؤلاء، ويشير إلى عدد من الأفراد أمامه، فالإكرام لا يشمل غيرهم، ولا تبقى فعلية للحكم بعد إكرامهم. فتجد آيات القتال مشروطة، وليس مطلقة، فيها إشارة واضحة إلى مجموعة من أهل الكتاب والكفار ممن واصلوا عدوانهم للرسالة والرسول والمسلمين. فهم مجموعة محاربة كقريش آنذاك ومن والاهم وناصرهم من أهل الكتاب. فإطلاق الحكم على غيرهم فيه تجاوز وفقا للشروط القرآنية.

نكتفي بهذين المثالين، وهناك أمثلة أخرى كالرق وأحكامه، وكانت الغاية من الاستشهاد بهما تحري إمكانية إعادة النظر بفعلية بعض الأحكام الشرعية، بناء على منطق الخلاقة، وأما بناء على منطق العبودية فالتجديد الفقهي مستحيل.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق9) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

ماجد الغرباوي: تقدم أن فعلية الأحكام الشرعية تتوقف على فعلية موضوعاتها، التي تتوقف هي الأخرى على فعلية جميع شروطه الزمكانية. وكانت الاستطاعة للحج مثالا واضحاً على ذلك. غير أن هذه القاعدة بهذه الصورة، رغم أهميتها، لا تجدي نفعا في ما نحن فيه. فالموضوع المشروط لا يكون فعليا إلا بفعلية شرطه، وأن الحكم لا يدعو لإيجاد موضوعه، كلاهما قضية متفق عليها. فالقاعدة تختص في موضوع الحكم الشرعي المشروط، كاشتراط الاستطاعة في فعلية وجوب الحج. واشتراط عدم السفر والمرض في وجوب الصوم. فكما أن فعلية الموضوع موجبة لفعلية الحكم ابتداء، فكذلك يسقط التكليف حينما تختل فعلية الموضوع بسبب اختلال أحد شروطه، كالصائم إذا قطع مسافة وسافر خارج مكان إقامته.

إلا أن هذه القاعدة عاجزة تحديد فعلية أو عدم فعلية موضوعات الأحكام المطلقة. فنحتاج لمنهج مختلف في فقه الشريعة، ندرس بموجبه تلك الموضوعات، للتأكد من فعليتها أو عدم فعليتها، كمقدمة لتطبيق قاعدة: "فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه". فهذا المنهج ينطلق من دراسة ملاكات الأحكام الأساسية لتحديد فعلية أو عدم فعلية الحكم، من خلال علاقتها بمبادئ الحكم ومرتكزاته. فثمة علاقة جدلية بين الواقع والأحكام الشرعية. بل أن الحكم ناظر للواقع في ملاكاته، وقد جاء لمعالجته وخدمة للإنسان ومصالحه، كما هو مقتضى منطق الخلافة، وليس الحكم اختبار لمدى إلتزامه وتعبده، كما يتصور منطق العبودية. فهو منهج منبثق عن رؤية فلسفية للحكم الشرعي، ووعي مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. وفهم علمي لآلية عمل مبادئ الحكم في مرحلة تشريعه، وطبيعة علاقتها بمقاصد التشريع في مرحلة جعل الحكم وفق مقتضيات الحِكمة.

لا شك أن فقه الشريعة بهذا المعنى عملية معقدة، تتطلب عمقا علميا وفلسفيا قادرا على إدراك مبادئ الأحكام، التكليفية والوضعية في مرحلة ثبوت الحكم، (وهذا قياسا على حياتنا، وكما يمارسه المشرّعون). حيث يحدد المشرّع ملاك الفعل أولا، فإذا أدرك وجود مصلحة فيه، تتكون لديه إرادة تتناسب معها، فيبرز إرادته من خلال خطاب في مرحلة الاثبات. غير أن هذا القدر من تشخيص مبادئ الحكم الشعري لا يبيّن كيفية إدراك الملاكات، وما هي محددات إرادة المشرّع حينما يدرك وجود مصلح أو مفسد في الفعل، وهو ما نحتاجه في فقه الشريعة للتأكد من بقاء فعلية أو عدم فعلية بعض الأحكام الشرعية. والحقيقة أن إدراك المصالح والمفاسد في ملاكات الأحكام متعذر علينا، ما لم تكن مصرح بها قرآنيا. وأما غير المصرح بها تبقى تخمينات لا يمكن الجزم بمطابقتها للواقع، لذا عمدت أمام هذا الانسداد المعرفي إلى تقصي مرتكزات تلك المبادئ، وفق مقتضيات الحكمة في عملية تشريع الأحكام، لتكون منطلقا لفهم آلية عمل المبادئ، ومن ثم تحديد فعلية الحكم. وقد أخذت بنظر الاعتبار أن المشرع هو الخالق المطلق، وما يتصف به من صفات الكمال والحكمة والعدل والإنصاف والرحمة، (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ). فكانت تلك المرتكزات ثلاثة: (مركزية العدالة، السعة والرحمة، الواقع وضروراته). وقد تم الاستدلال عليها قرآنيا وعقليا، كما تقدم بيانه. مما يسهل فهمَ محددات ملاكات الأحكام من مصالح ومفاسد. حتى وإن لم ندرك ذات المصلحة، لكن سنعلم أن إدراكها جرى وفق هذه المرتكزات ضمن معادلة حكيمة، متوازنة، راعت ملاكات الجعل الشرعي الأساسية، التي حصرتها بعنوانين: العدالة الاجتماعية، والتوازن الروحي والسلوكي. فيكون لدينا من خلالها مؤشر، يمكن الاستعانة به لتحديد بقاء أو عدم بقاء فعلية الحكم. فعندما تختل العدالة الاجتماية نفهم أن معادلة عمل مرتكزات تلك المبادئ باتت غير صالحة للواقع الجديد، فنتحرى الحكم الملائم. ولكي نتعرّف على آلية عمل تلك المرتكزات وتحديد مقاصد الجعل التي تتحكم بها، ينبغي أولا تحديد بعض المفاهيم الضرورية:

تعريفات أساسية

الحكم الشرعي: التشريع الصادر من الله تعالى، لتنظيم حياة الفرد والمجتمع.

الشريعة: خصوص الأحكام الواردة في الكتاب الكريم

الفقه: هو إدراك فلسفة التشريع في ضوء فهم متجدد لدور الدين والإنسان في الحياة، وتحري مقاصد التشريع، وغايات الشريعة خلال عملية استنباط الحكم الشرعي. وأما التعريف المتعارف فهو قاصر حيث يقولون: (الفقه: فهم المجتهد لتلك الأحكام خلال عملية الاستنباط)

ملاكات الأحكام: المصالح والمفاسد، الموجبة لتولّد إرادة تشريعية، تتناسب طرديا معها، فإذا كانت المصلحة شديدة تولدت إرادة تشريعية بدرجة الإلزام في الوجوب. والنهي في الحرمة حينما تكون هناك مفسدة شديدة. وما بينهما من استحباب وكراهة.

مبادئ الأحكام الشرعية: مجموع: الملاك والإرادة والاعتبار، المأخوذة في مرحلة ثبوت الحكم. غير أن الاعتبارصيغة تنظيمية لإبراز الحكم وإثباته على المكلف.

مرتكزات مبادئ الحكم: مرجعيات عقلية وأخلاقية وفق مقتضيات الحكمة، تتحكم بتشخيص الملاكات، ودرجة الإرادة التشريعية.

وهذه المرتكزات، إضافة إلى مقاصد مرحلة الجعل الشرعي، رؤية شخصية، قد لم يسبق لها أحد، يمكن استنتاجها من خلال تأمل فلسفي في ضوء فلسفة الدين ومقاصد التشريع، إرتكازا لمبادئ العقل وما تكشف عنه جملة من الآيات، تمت الإشارة لها مسبقا. وهذه المرتكزات والمقاصد، هي مقتضى الحِكمة، التي يرتهن لها فقه الشريعة، من أجل رؤية مغايرة للحكم الشرعي، تنتظم في سياق فهم مختلف لدور الدين والإنسان في الحياة.

الحكمة: وضع الشيء في محله، في ضوء فلسفة التشريع، ومنطق العقل والعقلانية.

مقتضيات الحكمة: الضابطة العقلية الموجّهة لمبادئ الحكم في مرحلة الجعل في إطار مقاصد التشريع الكبرى: "العدالة الاجتماعية" و"التوازن الروحي والسلوكي".

مقاصد مرحلة الجعل الشرعي: تلك المقاصد التي تقتضيها حكمة وفلسفة التشريع، في ضوء مجموعة من آيات الكتاب المجيد، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، والاستجابة التي يترتب عليها الإحياء أو الحياة الفاضلة، هي استجابة فعلية من خلال الإلتزام بالأحكام الشرعية والأخلاقية. وليست الحياة الفاضلة سوى استتباب العدالة الاجتماعية، وتحقق التوازن الروحي والسلوكي. وهما مقاصد مرحلة الجعل الشرعي.

الحِكمة ومقاصد الجعل الشرعي

بدءا نقول: ثمة علاقة بين مبادئ الحكم من جهة. وبينها وبين مقاصد التشريع في مرحلة الجعل والثبوت، من جهة ثانية. فالسعة والرحمة مثلاً مشروطتان بالعدل وضرورات الواقع، وليس مطلقا. والعكس صحيح، لتحاشي الظلم والجور واضطهاد الإنسان الذي قد يحدث مع عدم مراعاة شرط العلاقة القائمة بينهما. لذا لا يمكن الاستجابة للواقع مطلقا على حساب المبادئ الأخرى. وأما علاقة هذه المبادئ بمقاصد الجعل الشرعي فأيضا علاقة شرطية، لا يمكن الإخلال بها أو تجاوزها، وهذه هي مقتضيات الحكمة. فهي علاقة منضبطة في ضوء فهم حقيقي للدين ودور الإنسان في الحياة. وقد تقدم أن ملاكات الأحكام قائمة على (مركزية العدالة، السعة والرحمة، الواقع وضروراته). لذا فإن اختلال العدالة الاجتماعية أو التوازن الروحي والأخلاقي مؤشر ودليل على وجود خلل في توازنات مرتكزات مبادئ الجعل، الناظرة أساسا للموضوع المفترض أو الخارجي عند تشريع الحكم، وليس في هذا تجاوز لقداسة النص، بعد أن أدركنا طبيعة العلاقة القائمة بين تلك المبادئ، ونوع الترابط بين مرتكزاتها من جهة، ومقاصد مرحلة الجعل الشرعي. فالمرتكزات تكون ناظرة للمقاصد الأساسية حينما تؤثر في توازنات مبادئ الحكم.

وليست الفقاهة سوى إدراك ما وراء الأحكام من فلسفة ومقاصد وعلل، واكتشاف طبيعة العلاقة بينها. خاصة أن علاقة المقاصد بالمبادئ علاقة غائية. أي أن الغاية من وجود مبادئ الأحكام تحقيق تلك المقاصد خارجا، من أجل سعادة الإنسان كي يواصل مهمة الخلافة والاستخلاف. وبالتالي فالشك في فعلية الأحكام بسبب المقاصد الأساسية يزلزل اليقين السابق، ويحول دون إجراء الاستصحاب، لعدم تمامية ركنه الأول (اليقين السابق). وهذه الحالة تختلف عن الشك في بقاء واستمرار اليقين، التي تعني استمرار اليقين مع وجود شك طارئ. أما هنا فإن سبب الشك وجود خلل واضح في المقاصد الأساسية للتشريع من خلال الواقع ومستوى تخلفه، مما يزعزع اليقين في بقاء فعلية الحكم الشرعي.

المقصد الأول: التوازن الروحي والسلوكي:

تقدم أن المبدأ الأساس في تشريع العبادات، مطلق العبادات، بما فيها الذٍكرْ والتفكر والتأمل والتسبيح، أن تكون منسجمة مع العدل، وتتوفر على شرط السعة والرحمة، حينما تلاحظ قدرة الإنسان وظروفه الاجتماعية. فهذا القدر وفقا لمقتضيات الحكمة يشبع حاجة الإنسان للعبادات، ويروي الحد الأدنى من الظمأ الروحي، ويحقق التوازن النفسي والشعوري، الذي يتجلى بالاطمئنان النفسي (ألا بذكر الله تطمئن القلوب). كما يرسّخ مَلكَة التقوى السلوكية (لعلهم يتقون)، حينما يندفع الفرد ذاتيا للعمل الصالح ويحجم عن ارتكاب الذنوب والمعاصي. فتحقيق التوازن الروحي والسلوكي مقصد أساس في ملاكات الأحكام في مرحلة جعلها وإنشائها. بحيث يشعر الإنسان المؤمن بالاطمئنان النفسي والتقوى. لذا تراوحت العبادات بين الواجب الذي يجب على المؤمن الإتيان به، والمستحب المفتوح لمن يريد الاستزادة منها. وهذا واضح من خلال الآيات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فالتقوى مؤشر لسلوك الإنسان الصائم. ولا معنى لصيام لا يخلق مشاعر التقوى، ولا يحجز الصائم عن ارتكاب المعاصي. وأيضا: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ). النهي عن الفحشاء والمنكر تعني التقوى، فما لم تتحقق التقوى من الصلاة فلا معنى لها عباديا، وإن سقط التكليف فقهيا، لأن مشاغل الفقه تركّز على مظاهر العبادات لا جوهرها وحقيقتها، فوجوب الصلاة يسقط عند الفقيه حينما يؤدي المكلف صلاته، لكنها ليست كذلك قرآنيا ما لم تتجل في سلوك الفرد من خلال تقواه في المواقف الحرجة. بمعنى آخر، الصلاة بالنسبة للفقيه مجموعة حركات.أو تمرين رياضي يجب على المكلّف أداؤه في الوقت المحدد ضمن شروطه الشرعية، سواء ترتب عليها أثر عملي في سلوكه أم لا. وسواء كان قلبه خاشعا أم لاهيا، سارحاً مع مشاغله الدنيوية. لذا الفقه كان وما يزال أحد أسباب تسويف القيم الدينية والأخلاقية، خاصة في المعاملات حينما يشرع لك الفقيه مجموعة من الحيل الشرعية التي تلتف بواسطتها على حقوق الآخرين. وأنت تسرق، وتعلم أنك تسرق، لكن قلبك مطمئن ما دامت هناك فتوى شرعية.

ثمة حقيقتان، الأولى: هناك تفاعل وجدل مستمر بين التوازن الروحي والتوازن السلوكي، فكلما تعمقت التجربة الروحية للإنسان كلما توازن سلوكه الخارجي، فالتجارب الروحية تدفع بالسلوك نحو مثالية مطلوبة في مجتمع الفضيلة، مجتمع العدل والإنسانية. أي أن التوازن الروحي ينعكس لا شعوريا على سلوك الفرد والمجتمع، لذا تلعب الشعائر الجماعية دورا مهما في تعميق مشاعر المجتمع، مثلها مثل العبادات الفردية، حينما تستوفي كامل شروطها.

والحقيقة الثانية: أن التوازن الروحي والسلوكي غير خاضع للواقع وتطوراته، فلا مجال للتشكيك في موضوعات العبادات، إلا من خلال ذات المفهوم العبادي، كما بالنسبة لمفهوم الصلاة، حينما يستدل ببعض الآيات على إرادة مطلق الصلاة الأعم من الصلاة المتعارفة والدعاء ومطلق التجربة الروحية. وهذا القدر من العبادات يعد الحد الأدنى لتلبية حاجة الإنسان، كي ينفتح على الغيب، ويستشعر التقوى والورع والخشية من الله تعالى. بل وهذا القدر مصداقا لمبدأ العدل في علاقة المخلوق بخالقه. فالعبادات لا تتأثر بالواقع من حيث مصاديقها. لكن مصاديق غير العبادات تتأثر بالواقع، فالعدالة تدور مدارها ما دامت تحقق المقاصد الكبرى للتشريع في مرحلة جعل الأحكام.

المقصد الثاني: العدالة الاجتماعية:

العدالة الاجتماعية مقصد أساس لمبادئ الحكم في مرحلة تشريعه وجعله، فتشمل مطلق الأحكام في غير العبادات. أي أن تحقق العدالة الاجتماعية ضابطة لمبادئ الحكم، حينما تتغير موضوعاتها بسبب الواقع وضروراته. بهذا يتضح أن مواكبة الشريعة لتطور الحياة البشرية ستكون منضبطة بتحقيق العدالة الاجتماعية، وليست المسألة كيفية أو خاضعة لرغبات فقهية أو سياسية أو ولائية. فالقرآن مثلا لم يحدد نسبة الصدقات والزكاة، وتركهما للواقع وضروراته بما يحقق العدالة الاجتماعية، لذا يمكن للفقيه إعادة النظر بهما في حالات الضرورة. فالمسألة ليست تعبدية محضة. وأيضا يمكن للفقيه تعميم فريضة الزكاة لغير الأنواع المروية وفق ما هو متداول في مختلف البلدان. لأن المهم بالنسبة للشارع المقدس، هو دفع الزكاة والصدقات لمستحقيها كي تستتب العدالة الاجتماعية. وهذا ما تؤيده الآيات الكريمة، فنقتصر على هذا المثال لوضوحه.

زكاة الأموال نموذجا

تعتبر الزكاة الأعم من الصدقات المصدر المالي الأساس لاستتباب العدالة الاجتماعية، واستقرار مجتمع الفضيلة، لذا حث عليها الكتاب الكريم في عدد كبير من الآيات، وأعتبر دفع الصدقات قرضا، حسابه على الله: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، (إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ)، (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ). (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، من أجل تدارك لهفة المحتاج. فليس هناك ألم كألم الفقر، حينما يبات المرء طاويا هو وعياله، أو لا يجد ما يسد فيه حاجته ومتطلبات حياته. إن مهمة الدين أن يرقى بأخلاق الناس إلى مستوى الشعور بالمسؤولية من خلال سلوكهم العملي. لذا نفهم من خلال التأمل في الآيات التي قرنت بين الصلاة والزكاة أن إتيان الزكاة هي المصداق والمؤشر الحقيقي على صدقية إيمان المصلي. فالمصلي يريد من خلال أداء الصلاة أن يؤكد إيمانه وطاعته، لكن هذا التأكيد يبقى مجرد دعوى ما لم تقترن بالعمل من خلال أداء الزكاة، والتصدق على الفقراء.

وبما أن الزكاة هي المصدر الأساس لتحقيق العدالة الاجتماعية، لذا جاءت مطلقة في الكتاب الكريم، كي تواكب حاجات المجتمع المسلم، وسد نقصه: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، وبينت الآية مواردها بما يحقق العدالة والتوازن في هذه الأصناف: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ). (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ). لكن رغم مجيئها مطلقة في الكتاب الكريم إلا أن الآيات رسمت حدودا قصوى لروح البِر والعطاء، روح الخير والشعور بالمسؤولية، روح الإيمان والتقوى، بشكل لا تختل معه العدالة، والسعة والرحمة، وتؤدي وظيفتها في تحقيق العدالة الاجتماعية: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ). وهو الشيء القليل والزائد عن حاجتك. (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا). (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا).

وبالتالي فتحديد نسبة الزكاة في جميع الأصناف مثلا جاءت بشكل تحقق العدالة الاجتماعية، وحينما تختل هذه العدالة بإمكان الفقيه فرض ضرائب تساعد على استعادة توازنها. وهكذا الأمر في الأحكام القضائية، وأحكام المرأة والمواريث. وهذا هو المهم حين تحري موضوعات الأحكام للتأكد من بقاء فعليتها واستمرارها، ومدى مواكبتها لحاجة الإنسان والمجتمع. وكما تقدم فإن العدالة لا تختل هنا لأن الشارع المقدّس أخذ الواقع بنظر الاعتبار، فما دامت تحقق العدالة الاجتماعية فهي قائمة على العدل والإنصاف.

وملخص هذا المثال:

1- إن الهدف الأساس من تشريع الزكاة تحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا واضح من خلال معالجاتها لاشباع حاجات الفقراء والمحرومين، وفقا لما ذكرته آيات الكتاب.

2- بما أن العدالة الاجتماعية تتأثر بالواقع وضروراته، فيجب أن تواكب نسبة إخراج الزكاة ذلك الواقع، لذا جاءت آياتها مطلقة .

3- فالنسبة الواردة في الروايات كانت ملائمة لذلك الواقع، وقد حققت مبدأ العدالة الاجتماعية. وعندما يحصل خلل فيها، يمكن للفقيه إعادة النظر في هذه النسبة وفقا لحاجات الطبقة المعدمة.

4- وبالتالي وهذا هو المهم كشاهد على ما تقدم، يمكن للواقع أن يكون مبررا لإعادة النظر في فعلية الحكم الشرعي حينما تختل المقاصد الأساسية للتشريع، بسببه لا بسبب عوامل أخرى. وهذه المرة ليس من خلال شروط الموضوع، بل من خلال علاقة مرتكزات مبادئ الحكم بملاكات الجعل الشرعي. تحتاج لمهارة عليمة وفقهية، ودراية بالواقع وضروراته.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق8) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

ماجد الغرباوي: إن فقه الشريعة، وإعادة النظر في فعلية الأحكام الشرعية عمل منضبط وفق مبادئ وأصول ومبررات موضوعية، تتطلب إدراك مقاصدها وغاياتها، ورصد ملاكات الأحكام التي تتحكم بفعليتها أو عدمها. فالعملية لا تخضع لأهواء الفقيه، أو تسويات تلفيقية للتخلص من تحديات الآخر. ولا تستجيب للمؤثرات الأيديولوجية والمصالح الشخصية. بل هناك ملاكات من المصالح والمفاسد وراء الأحكام أو ما يسمى في التراث بـ"علل الأحكام"، التي اختصت بها بعض الكتب، ككتاب علل الشرايع للشيخ الصدوق. فإذا ثبت أن فعلية الحكم الشرعي تتأثر بفعلية موضوعه، حينئذٍ سنعيد النظر في جملة أحكام بسبب تحولات الواقع. وعليه فثمة مبادئ نرتكز لها للتعرّف على ملاكات الأحكام، ومدى بقاء فعلية موضوعاتها. لكن ينبغي أولاً تنقيح قاعدة: (فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه) أصولياً:

مقاربة أصولية

يمكن تأصيل قاعدة: (فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه) أصولياً، كالآتي:

بدءا نستعين بآية الحج لمقاربة القاعدة، وتأصيلها أصولياً، حيث يتضح دور فعلية الموضوع في فعلية الحكم المجعول. فآية: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) مثلا لا حصرا، تشرّع لوجوب الحج. فنقول: الحج واجب في الإسلام. لكن ما دام الحكم مشروطا بالاستطاعة فلا يكون واجبا على هذا الفرد أو ذاك ما لم يكن مستطيعا فعلا، لتوقف فعلية الحكم المجعول عليها. فالحكم الشرعي هو وجوب الحج، وموضوعه الفرد المستطيع فعلا. ويقصد بالاستطاعة كل ما يتعلق بقدرة الشخص على الذهاب للحج: القدرة المالية والجسدية، وتأمين الطريق أو ما يطلق عليه فقهيا أن يكون مخلى السرب، آمنا في ذهابه وإيابه، وأن يأمن عائلته ومتاعه. وفي العصر الحديث يتوقف الحج على توفر مستمسكات رسمية، إلى غير ذلك. وكل واحدة منها تؤثر في صدقية الاستطاعة، التي هي موضوع الوجوب المجعول. وبهذا يتضح أن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه (بما يشبه علاقة العلة بالمعلول). لذا أكدت مرارا أن الحكم لا يُلغى مع عدم فعلية موضوعه، لكنه يسقط التكليف الشرعي به. وهذا مبدأ قرآني لا غبار عليه، وله نظائر، كالحكم بوجوب الصوم. فإن وجوبه يخص مَن هلَّ عليه شهر رمضان: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، ولم يكن مسافرا أو مريضا: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). فوجوب الصوم ثابت بموجب آية الصيام. لكن وجوبه على هذا الفرد أو ذاك يتوقف على فعلية موضوعه، وهو "شخص بالغ، عاقل، قادر،غير مريض وغير مسافر، وقد هلّ عليه شهر رمضان". فالحكم المجعول يتأثر باختلال أي واحد من هذه الشروط. أي أنه مرتهن لفعلية تلك الشروط.

وهذه القاعدة تسري على جميع الأحكام الشرعية، ومفادها: (إن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه). فيمكن من خلال دراسة موضوعات الأحكام التعرف على مدى فعليتها، وعدم اختلال أيٍ من شروطها وقيودها، بعد تقلبات الواقع منذ عصر البعثة حتى يومنا هذا. فعدم فعلية الموضوع موجبة لعدم فعلية الحكم الشرعي.

مقاصد الشريعة

تصدى بعض العلماء لتحري مقاصد الشريعة في أحكامها، وهي جهود مهمة، ككتاب الموافقات للإمام الشاطبي، وكتاب مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور، وكتاب علال الفارسي وآخرين. وقد اتفقوا على المقاصد الخمسة: "حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال". وكان المحفّز وراء تحري مقاصد الشريعة، ضبط فتاوى الفقهاء وعدم خروجها عن مقاصد الشارع المقدس. والمقاصدية سنة إلهية في خلقه: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، مما يؤكد وجود مقاصد تنسجم مع هدف الخلق ووجود الإنسان. وهي مقاصد استقرائية يمكن أن تضاف لها الحرية التي يتحقق بها وجود الإنسان، وإقامة القسط والعدل.

والفارق بين مقاصد الشريعة وفقه الشريعة، أن الأولى تحدد فتوى الفقيه، وهو يمارس عملية استنباط الحكم الشرعي أو حينما يصدر فتاواه. بينما فقه الشريعة ناظر إلى مبادئ الأحكام وملاكاتها التي كانت وراء تشريعها. فالأولى تنفع في توجيه الفتوى دون الكشف عن الملاكات الواقعية. وملخّصها يجب على الفقيه الأخذ بنظر الاعتبار مصالح الإنسان في عملية الاستنباط. وما نريده تحري مبادئ الحكم في مرحلة الجعل، ومراجعة موضوعات الأحكام للتأكد من فعليتها، من خلال مرتكزات مبادئ الحكم أو من خلال محددات مقاصد الشريعة، فتكون المقاصد في الحالة الثانية أداة ضمن منهج المعرفة. وأما مرتكزات مبادئ الحكم الشرعي، هي:

أولاً: مركزية العدل

العدل لغة، ضد الظلم، ويراد به: إعطاء كل ذي حق حقه.

والقسط، هو: العدل، الميزان، الحصة والنصيب. أو العدل الظاهر، لذا توصف به الموازين دائما.

وقد يقتضي العدل المساواة والشمول، كالمساواة في تطبيق الأحكام والقوانين. أو لا يقتضيىها، حينما يعطى كل حسب عمله وجهده. فهو أيضا عدل، لأنك لم تبخسه ولم تظلمه، وقد استوفى استحقاقه.

و(العدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه، كالإحسان وكف الأذى. وهناك عدل يعرف أنه عدل بالشرع، ويمكن أن يكون منسوخا، كالقصاص..).

وهذا يؤكد أن العدل تارة يكون مطلقا عندما يتعلق بالقيم والمبادئ الإنسانية التي يتوقف عليها استقرار وتوازن المجتمع. وأخرى يكون نسبيا عندما يتعلق بقضايا تتأثر بالواقع وضروراته، كملاكات الأحكام الشرعية.

وعندما نعود لملاكات الأحكام الشرعية نجد أن العدل ركيزتها (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ)، (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ). وهو هدف أساس لرسالات السماء: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ). وعليه مدار القضاء والحكم والسلطة: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ). ومدار استقرار المجتمع وتوازنه (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

والعدل في ملاكات الأحكام الشرعية مفهوم نسبي، يراعي مصالح الإنسان وفقا للواقع وضروراته. ويمكن الاستشهاد بأمثلة قرآنية لتوضيح نسبيته، وهي متعددة. فمن العدل أن يوضع مال اليتيم القاصر تحت قيمومة رجل عادل، لا يأكل أمواله ظلما. ومن الظلم أن تُدفع له ولمّا يبلغ الرشد. والعكس صحيح حينما يكون قادرا على التصرف بحكمة: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). فالعدل مفهوم واحد لكن تغيّر مصداقه حسب الواقع وضروراته. ونفس الأمر ينطبق على السفهاء: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)، لأنه فيه ظلم لكم ولأموالكم. لكن حينما يرتفع السفه يجوز أن تدفع له.

وقد ارتكز النبي الكريم في قوله: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، إلى مبدأ العدل والانصاف، ولم يستشهد بآية قرآنية في المقام. وقصة هذا الحديث معروفة تاريخيا. حيث باع سمرة بن جندب داراً لأحد الصحابة وأبقى نخلة في مُلكه، وراح كل يوم يدخل الدار بحجة زيارتها، فاشتكى الصحابي للرسول، فقال له: اقلعها. لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وهذا حكم مطلق، ليس له جذر قرآني صريح في القرآن، لكنه جرى وفقا لموازين العدل والإنصاف وعدم الظلم، وجميعها مبادئ إنسانية ودينية، شددت عليها السماء. وقد أصبح هذا الحديث قاعدة فقهية معتمدة لدى الفقهاء، تعرف بقاعدة: "لا ضرر في الإسلام"، يستدلون بها في عملية استنباط الأحكام الشرعية.

وهكذا بالنسبة لأحكام الإرث وأحكام المرأة عامة، فيمكن أن تتغير وفقا لمبدأ العدل وعدم الظلم، مثلها مثل بعض مصاديق القصاص والحدود والتعزيرات. فغاية الرسالات إقامة القسط والعدل: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). والتعليل واضح في الآية. فملاكات وفعلية الأحكام تدور مدار العدل والإنصاف، إثباتاً ونفياً.

وخلاصة ما تقدم أن العدل وعدم الظلم أهم مبررات فقه الشريعة وإعادة النظر في فعلية الأحكام الشرعية، بفعل الواقع وضروراته. لا فرق بين جعل الحكم وامتثاله، كما بالنسبة لأساليب إقامة الحدود والتعزيرات.

ثانيا: السعة والرحمة

ينبغي للأحكام الشرعية أن تعزز انسيابية المجتمع: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وأن تساهم سعتها ورحمتها في تعزيز تماسكه، فالمشقة التي تصل حد الإصر والغل تعتبر مبررا وعلة لاستبدال الأحكام الشرعية قرآنيا، لتدارك تداعيات ما يترتب عليهما من مشقة وحرج، وفق قاعدة: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). فالحرج والمشقة حدَ الإصر والغل موجبان لاستبدال أحكام الشرائع السابقة كما في قوله تعالى: (الّذين يتّبعون الرّسول النّبيّ الأمّيّ الّذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم). فالحكم الجديد جاء لتعزيز قيمة السعة والرحمة في الدين. وقد بينت الآية ثقل الأغلال التي كانت عليهم والأصر الذي كان محيطا بهم: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ). وربما هناك أحكام أخرى لم نطلع عليها، شملتها ملاكات السعة والرحمة.

إذاً نستفيد من الآية إمكانية التخلي عن الحكم عندما يتحول الى أصر وغلٍ يكبّل حركة الفرد والمجتمع. وهذا منطق قرآني سليم، يمكن اعتماده في فقه الشريعة، حتى لو لم يتصف الحكم حين تشريعه بهذه الصفات، لكن الحالة تختلف بعد قرون، حيث يعيش الناس واقعا مغايرا.

فالآيات المتقدمة تؤسس لقاعدة فقهية مهمة، تؤكدها السُنة الإلهية في تطور الشرائع، فيجب اعتمادها، خاصة أن مجتمعاتنا تتطلع لأفق تشريع جديد يحفظ قيم الدين، ولا سبيل لذلك مع انقطاع الوحي، سوى فقه الشريعة في ضوء مقاصدها وغاياتها، والارتكاز الى العقل، والاستفادة من معطيات العلوم الحديثة، وتجارب الأمم، ومراعاة مصالح الناس، والنظر الى المستقبل. وينبغي التذكر دائما لو كانت الشرائع صالحة لكل زمان ومكان لخلدتها الكتب السماوية، لكنها ركزت على الأديان ومبادئها وقيمها وتاريخها ومسارها، وأهملت ما يتعلق بالتشريعات، لهدف لا يُخطئه الوعي والعقل المتوقد. فالسعة والرحمة وعدم العسر والحرج مبدأ قرآني يمكن على أساسه إعادة النظر في فعلية بعض الأحكام الشرعية، بعد تطاول الزمان ارتكازا لقوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).

المهم بالنسبة لنا تأصيل المبدأ سواء كان هناك مصداق خارجي فعلا أم لا. لكن كقاعدة يستطيع الفقيه التمسك بها. خاصة مع وجود أدلة قرآنية عليها، ولو من خلال الأمثلة المذكورة. وبالفعل اعتمد الفقهاء قاعدة: "نفي الحرج"، وملخّصها: (نفي كل حكم يستلزم ثبوته على العباد الحرج). وهذا يعني أن الأحكام قد أخذت بنظر الاعتبار عدم استلزامها الحرج عند تشريعها، فإذا ثبت الحرج من جراء حكم شرعي نفهم عدم تشريعه في تلك الحالة. وهذا يعني أن قاعدة نفي الحرج حاكمة على دليل الحكم. أي ناظرة إلى الدليل الأولي. فتقول أن تشريع الحكم ليس مطلقا بل تختص بحالة عدم الحرج. فكيف إذا بلغ الحكم مستوى الإصر والغلّ.

ثالثاً: الواقع الموضوعي

إن وجود شريعة لكل حقبة زمنية أقرب للعدل والإنصاف، مادامت البشرية في تطور، وتسعى للكمال دائما، فينبغي للشريعة مواكبة تطور الإنسان ووعيه ومسؤولياته وثقافته. وبالفعل قد راعت السماء هذا التطور وقررت أن (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). وهذا مبدأ ديني، يشجع على إعادة النظر في فعلية مجموعة من الأحكام بعد مضي 15 قرنا تقريبا، وفق عملية منضبطة تلتزم المنهج القرآني وتراعي الواقع وملاكات الأحكام، وتستمد شرعيتها من فهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة وفقا لمنطق الخلافة. وهذا يتطلب عودة للنص ومقاربته بعيدا عن التراث، وفق رؤية عقلية، تأخذ بنظر الاعتبار الواقع في تحديد ملاكات الأحكام. وقد تقدم أن وراء الأحكام الشرعية ملاكات من المصالح والمفاسد التي تراعي مصلحة الإنسان أولاً وبالذات. وهي تدور مدارها وجودا وعدما. لذا عاش الإنسان ردحا من الزمن بعيدا عن تعاليم السماء، مما يؤكد ثمة ملاكات وراء الشرائع، ويمكن للإنسان الاستغناء عنها، مع عدم استيفاء ملاكاتها، كما بالنسبة لحياة البشرية قبل بعثة الأنبياء: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). فهدف الرسالة وفقا للآية الثانية تسوية الخلافات وإقامة القسط والعدل، من خلال مرجعية الكتاب. فهدفها أولا وأخيرا إقامة العدل، الذي ضاع بفعل الظلم والعدوان. وهذا كما يتحقق بمرجعية الكتاب يتحقق بغيرها، ما دام مفهوم العدل واحدا، لكنه نسبي بفعل الواقع وضروراته. 

لا تتوقف إقامة العدل على أحد حتى الأنبياء، وقد أشاد النبي الكريم بعدل النجاشي ملك الحبشة، وبات الغرب نموذجاً في إقامته والتمسك به في قوانينه وأنظمته الداخلية. من هنا نفهم أن مهمة الدين في أحد أبعاده مواكبة تطور الإنسان حتى ينضج ويتمكن من إقامة القسط، كما أشارت الآية، فإنها لم تشترط وجود نبي أو إمام أو فقيه في إقامته، بل المقياس أن يصدر القسط والعدل من الناس جميعا، عندما يتحوّل إلى ملكة دائمة في سلوكهم. لذا تجد المجتمعات الراقية حضاريا تلتزم القسط والعدل من خلال إلتزامها بقيمه وقيم القوانين الراعية له. وبهذا نفهم أن ختم النبوة تعني، العودة للعقل البشري في هدي قيم الدين ومبادئه (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). أو بعبارة أوضح أن ختم النبوة إيذان برفع الوصايا المباشرة، كي يتمكن الإنسان من القيام بدوره في خلافة الأرض. لذا يصدق أن العدل أساس الملك، والعدل أساس الحياة.

تجدر الإشارة أن مبررات فقه الشريعة تارة تختص بمبادئ الحكم القائمة على العدل والإنصاف وعدم الظلم والسعة والرحمة. وأخرى تنظر لموضوع الحكم حينما يتغيرا بفعل الواقع الموضوعي.

ولكي تكتمل الصورة نتطرق لبعض الأمثلة من الواقع

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi4مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق7) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

ماجد الغرباوي: إضافة لما تقدم، ثمة مشتركات بين الاتجاهات الإصلاحية، تعد سلطة مهيمنة، ومحددات توجه مسار التفكير الديني، لا يمكنه الخروج عليها أو نقدها ومراجعتها، باعتبارها قناعات إيمانية وعقدية نهائية وليدة تفاعلات نفسية وروحية، طابقت الواقع أو لم تطابقه. وهي ثوابت العقل الإسلامي، منها:

- حجية السُنة النبوية مطلقا. إضافة إلى حجية سُنة الأئمة الإثني عشر بالنسبة للشيعة. في مقابل حجية سُنة الصحابة، عند فقدان الدليل، لدى السنة. وتعني الحجية اختزال خيارات الباحث ومصادرة حقه في الاجتهاد مقابل النص، الذي هو نتاج عقل كامل / مطلق لا يعتريه الخطأ والنسيان. فتكون السُنة مصدرا مقدّسا للتشريع والمعرفة الدينية. يتناولها المتلقي باعتبارها معرفة نهائيا يخضع العقل لمحدداتها، بشكل يقتصر دوره على الشرح والتبرير، دون النقد أو محاكمة النص. بل يبقى العقل الديني مدينا للسُنة كشاهد على صحة وصدقية أقواله. وهذا سر الاستشهاد المكثف بالنصوص التراثية في جميع المناسبات. فالاتجاهات الاصلاحية المتقدمة سعت لتقديم السُنة بصيغ معاصرة بعد تجريدها من تاريخيتها.

- إطلاق الأحكام الشرعية، أزمانيا وأحواليا، بغض النظر عن الواقع ومتطلباته. فيكون الحكم الشرعي مؤبدا.

- شمول الشريعة الإسلامية لجميع مناحي الحياة. وقدرة الفقه على تلبية حاجات الفرد والمجتمع والدولة بالأحكام الشرعية. ولازمه حرمة التقنين بعيدا عنها، واختصاص الفقيه بملء منطقة الفراغ التشريعي.

- عدم التخلي عن التراث، ويمكن تهذيبه من الشوائب وما طرأ عليه، خاصة عندما يكون شاملا بإطلاقه لسنة الصحابة والأئمة. وأكثر تأكيدا عندما يكون شاملا للسيرة النبوية الأعم من تفصيلات وبيان الأحكام الشرعية التي هي مهمة الرسول الأساسية.

- الإيمان بوجوب الإمامة السياسية، رغم اختلافهم في تفصيلات الدولة الدينية وصفات الإمام بين الشورى والنص.

بهذا يتضح أن مشاريع الإصلاح الديني المتقدمة كانت تتحرك داخل نسق ثوابت لا يمكن اختراقها، وتصدر عن مرجعيات تشترك في مقولاتها الأساسية، مهما اختلفت مناهجها في عملية الإصلاح. وثمة صورة متعالية للدين ظلت بعيدة عن النقد والمراجعة، يحكمها منطق العبودية، وثقافة الاستعباد التي تقتضي حاجة الفرد والمجتمع لدوامة التقنين عبر فتاوى الفقهاء. وهي رؤية تختزل هامش الحرية، بما فيها مساحات الإباحة الشرعية. فلم يحقق المشروع الإصلاحي تقدما حقيقيا على مستوى فهم الدين وغاياته ومقاصده ودور الإنسان في الحياة، فبقي الاستبداد صفة ملازمة للفكر السياسي الإسلامي، ونمطية النظرة بالنسبة لحقوق الإنسان، خاصة المرأة وحقوقها، وظل منطق العنف والكراهية يحكم العلاقة مع الآخر. وجمود الفقه الإسلامي على موضوعاته، ومصادرة حريات الفرد وحقه في التعبير عن آرائه وعقائده، وفشل مشاريع الأسلمة، إضافة إلى إخفقات التجارب السياسية للإسلاميين، وتسلط رجل الدين، وفرض قيمومته وسلطته على الفرد والمجتمع. والأهم ما زال العقل يراوح في دائرة اللامعقول والخرافة والأسطرة، مع التشكيك بقدرته على الحداثة.

إن الخطوة الأولى على طريق الإصلاح تبدأ بنقد جميع مرجعيات التفكير الديني، والتأكد من قدسية مقولاتها وصحة مفاهيمها ومدى مطابقتها للواقع. ومغادرة اللامعقول واليقين السلبي، باتجاه عقل مستنير، يرتكز للدليل والبرهان والاستدلال في عقيدته ومتبنياته الفكرية. فنحن بحاجة إلى فهمٍ جديد للدين نتجاوز به محنة الانحطاط التاريخي. فهمٌ يساعدنا على النهوض الحضاري من خلال جوهر الدين وقيمه ومبادئه القائمة على العدل، وعدم الظلم، وهي مبادئ إنسانية قبل أن تكون دينية ويرتكز لها العقل في أحكامه.

فالخروج على نسق ثوابت العقل الديني يفتح لنا آفاقا جديدة لفهم الدين ومقاصد التشريع. والارتكاز إلى منهج جديد في مشروع النهضة، يسمح للعقل بممارسة دور أوسع من خلال توظيف معطيات العلوم، وما حققته البشرية من إنجازات على صعيد مختلف حقول المعرفة. بمعنى أخر أن الحداثة شرط في النهضة الحضارية. فما تقدم كان مبررا عقلائيا وموضوعيا لتبني الأتجاه الآتي:

6- اتجاه "التأصيل العقلي"

التأصيل العقلي: منهج نقدي، برهاني، يسعى لـ:

أ- تأصيل المقولات العقدية على أسس عقلية، برهانية. (وما حكم به العقل حكم به الشرع).

ب- التمييز بين الدين / المطلق، والمعرفة الدينية / النسبي. وبناء معرفة بديلة، ترتكز على النص المؤسس / القرآن، وتستلهم معطيات العلوم الحديثة، بعد تجريدها من مقدماتها الأسطورية، الأعم من الخرافة، واليقين السلبي.

ج- تحري مقاصد الشريعة وغاياتها على أساس مركزية الإنسان ومصالحه التي تمكّنه من أداء دوره في خلافة الأرض واستخلافها. والشريعة خصوص الأحكام الشرعية القرآنية، وما له جذر قرآني من بيان وتفصيل في السيرة النبوية، القائمة على فهم الواقع وضروراته.

ومركزية الإنسان هي حقيقة وجوده، وهي مبدأ قرآني أيضا (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). وأيضا قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). كما أن نهايات كثير من الآيات تشير للإنسان ومصلحته العليا: لعلكم تتقون، لعلكم تتذكرون. وغاية الرسالة هي احتضان الإنسان كي يتمكن من الاعتماد على نفسه في أداء دوره الوجودي: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).

وبما أن "التأصيل العقلي" منهج نقدي فيتسلح لتحقيق هدفه، بكافة المناهج النقدية والفلسفية، ويدأب على تجديد أدواته المعرفية، لضمان موضوعيته وعدم تحيّزه، خاصة وهو يمارس النقد في حقول معرفية دينية وعرة، تتطلب توغلا عميقا في أحشاء الفكر الديني، وزعزعة يقينياته، والكشف عن مضمراته، وبشريته، رغم قداسته.

وهنا ينبغي التنبيه، أن منهج "التأصيل العقلي" لا يتعارض مع التسليم والطاعة التي هي روح الدين وشرط فعليته كما تقدم. ولا يتنافى مع شرط الإيمان في القضايا الدينية النسبية التي لا سبيل للتحقق من صدقيتها خارج النص وقبليات المتلقي. لأن شرط الإيمان الحقيقي أن يكون قائما على أصل عقلي، ولا تكفي التجربة الروحية وحدها لخصوصيتها، وعدم القدرة على تأكيدها برهانيا. كما أن المنطق القرآني قائم على الدليل العلمي، من خلال أسلوبه في إثارة مكامن الوعي والعقل، "قل" للإستفهام عن حقائق الوجود. فتصديق أخبار الغيب مثلا يأتي بعد الإيمان بالله تعالى. فلا تنافٍ.

وبهذا يتضح وفقا لهذا المنهج، ليس الحل في إحياء مفاهيم دينية اندثرت، أو تجديدها من خلال صيغ تلفيقية. ولا يشكو الدين خللا يتطلب معالجته، وليس الحل في اكتشاف المركب النظري أو النظرية الإسلامية في حقول المعرفة، بل الحل في نقد العقل الديني ونظامه المعرفي، وتفكيك نسق ثوابته ومرجعياته، وإعادة تشكيله على أسس عقلية، تحدّ من تسرب اللامعقول والخرافة والوهم الذي يستمد وجوده من النص الديني، عبر نقد متواصل لقدسيته، وفضح بشريته، ودوره في وجود حقيقته، كي تنهار البنى القائمة على التسليم والانقياد والإيمان النفسي. وتقديم فهم مختلف للدين على أساس مركزية الإنسان ودور الواقع في توجيه مطلق الوعي، بما فيه الوعي الديني. فنحتاج إلى منهج فلسفي، تأملي - برهاني، يكشف عن علل الأشياء، وملاكات الأحكام، ومقاصد الشريعة، وفلسفة الخلق، والغاية من وجود الإنسان، ولماذا الوحي، وما هي حقيقته؟ وكل هذا يتطلب تفكيك البنى الفكرية وتحليل مقولاتها. بهذا الشكل يمكن مقاربة الشريعة الإسلامية وأحكامها. فالنقد والتفكيك، يوظف جميع معطيات العلوم، ويرتكز للتأويل والهرمنيوطيقا في فهم النص الديني، مما يتيح إمكانية الانفتاح عليه بأدوات مختلفة، تكشف لنا عن ملاكات الأحكام الشرعية، ودور الواقع في تشكيل الخطاب الديني. فثمة فهم آخر للنص تقمعه ثوابت مرجعيات التفكير الديني.

ويقصد بالهرمنيوطيقا "علم التأويل" مجموعة القواعد والمناهج التي ينبغي اتباعها في فهم النص وتأويله. وتختلف دلالة التأويل هنا عن التفسير رغم اتحادهما أحيانا، لكنه كما يقول: الثعالبي: (التفسير: بيان وضع اللفظ، إما حقيقة أو مجازاً. والتأويل تفسير باطن اللفظ). وهو اصطلاحا تحري مضمرات النص والخطاب، وما يتستر عليه، وما يريده ولم يصرّح به، واكتشاف دلالات المهمش، والمستبعد، والتعرّف على محددات العقل، وأسيجة القداسة، وأثر قبليات المتلقي وثقافته وبيئته ووعيه في فهم النص.

فمنهج التأصيل العقلي يعمل على مستويين، تفكيك اللامعقول الديني الذي تقوم عليه المقولات العقدية والكلامية، وبناء معرفة تتأسس على الدليل والبرهان ومرجعية العقل، والأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ومقاصد التشريع، وفهم مختلف للدين. وكان المبرر لاعتماد هذا المنهج دون سواه من المناهج المتقدمة، حجم اللامعقول في نسق المقولات العقدية التي تتحكم بمسار التفكير الديني من جهة، وقداسة المعرفة الدينية رغم نسبيتها من جهة ثانية. وتعني النسبية هنا، تأثّر فهم النص بقبليات المتلقي وخلفياته وثقافته وأيديولوجيته ومختلف مصالحه الشخصية والسياسية. وبما أن التأصيل عملية نقد وبناء فتزحف لزعزعة بنية تلك المقولات، ثم بناء معرفة جديدة تقوم على الدليل والبرهان.

بهذا يتضح ضرورة أخذ الواقع في فعلية الحكم الشرعي بناء على منهج التأصيل العقلي، فثمة مبرر يتعلق بموضوع الأحكام وكيفية تأثره بالواقع. نعود لمقدمة السؤال وتفريعاته. حيث طالبت المقدمة بتوضيح أكثر لـ"تأويل النص وفهمه في إطار ظرفه وضروراته". وهنا سنتناول خصوص الأحكام الشرعية لمعرفة دور الزمان والمكان في تشريعها، وفعليتها.

الواقع وفهم النص

ثمة فارق بين الدين والشريعة قرآنيا، يتيح لنا إمكانية فهم الأحكام الشرعية في ضوء الواقع وضروراته. تقول الآية الكريمة: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ). وأما بخصوص الشريعة: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ).

فالدين في بعده العقدي ثابت، لا يتأثر بالواقع وضروراته، وهو: الإيمان بوحدانية الله عزوجل وملائكته وكتبه ورسله وعدم التفريق بينهم، كما جاء في الآية الكريمة: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). بينما يفرض الواقع على الشريعة ضروراته من خلال تغيّر موضوعات الأحكام. وليس الواقع سوى حركة الإنسان داخل محيطه الاجتماعي والبيئي والثقافي. فكل مرحلة من مراحل النبوات تمثّل واقعا مختلفا يقتضي شريعة تواكب تطور وعي الإنسان وظرفه الاجتماعي والثقافي، لكي يواصل مسيرته في الحياة، وهذا ما تؤكده نهاية الآية. إذ معنى قوله (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)، الجمود على ذات التشريعات رغم اختلاف الواقع الموضوعي.

إن مراعاة الواقع منهج قرآني له شواهده، كآية النجوى التي فرضت التصدق عند مخاطبة الرسول ثم أسقط الحكم بفعل الواقع، وعدم قدرتهم على التصدق. أو آية: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)، فالعلة تعبير آخر عن الواقع وضروراته. وآية: (أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، فالآية لم تقل لكل أمة هادٍ، بل لكل قوم هادٍ، كي يأخذ بنظر الاعتبار الواقع في عمل الدعوة والهداية لله. وأوضح من كل هذا أن الأحكام الشرعية في الكتاب الكريم جاءت ردا على: (يسألونك، ويسألون، ويستفتونك)، فالواقع مأخوذ في نظر الحكم، وعندما يتغير الواقع يتغير الموضوع الذي هو أساس فعلية الحكم، كما في آيات الحرب التي كانت ناظرة إلى واقع خارجي محدد. أو ما يصطلح عندهم، أن موضوع الحكم أخذ على نحو القضية الخارجية. وهذا لا يتعارض مع القاعدة الأصولية المعروفة (المور لا يخصص الوارد)، لأن المورد سيحدد لنا موضوع الحكم وشروطه وقيوده.

وبالتالي فإن وراء الأحكام الشرعية ملاكات، وأن أحكام الشريعة الإسلامية تابعة للمصالح والمفاسد، فترتفع درجة الإلزام كلما كانت المصلحة أقوى، والعكس صحيح بالنسبة للحرمة عندما تكون هناك مفسدة. وبما أن ملاكات الأحكام نسبية تتأثر بالواقع وضروراته، على مدى الزمان واختلاف المكان، فيتأثر الحكم بتغير موضوعه. وليست المصالح والمفاسد مطلقة بل تختلف تبعا لمصالح الفرد والمجتمع، كما اختلفت بالنسبة للأقوام السابقة فاقتض الاختلاف شريعة مغايرة، لكنها تحمل جوهر الدين وعدالته. وهذه القاعدة إذا لم تنطبق على جميع الأحكام فانها بلاريب تنطبق على ما يخص التشريعات الشخصية والاجتماعية، كالأحكام الخاصة بالمرأة، أو الرق والإرث. ناهيك عن الأحكام الولائية والقضايا الخارجية، كالجهاد.

فثمة مبررات تتعلق بالواقع وموضوعات الأحكم الشرعية تستدعي عدم فعلية بعضها لا إلغائها، كما يعتقد القائلون بالنسخ، الذي يعني إسقاط حكم شرعي بحكم شرعي آخر، لأن لازم هذه العملية جهل الخالق ما لم يصرّح بالنسخ قرآنيا، كآية النجوى. فمادام الحكم مذكورا في الكتاب الكريم فهوواجب شرعا، لكن فعليته تتوقف على فعلية موضوعه. وهذا يختلف بشكل جوهري عن النسخ.

وأما المبادئ ..

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi3مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق6) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

س85: مجدي ابراهيم: أرجو زيادة التوضيح في رأيكم الخاص بتأويل النص وفهمه في إطار ظرفه وضروراته. وبما إنه رأي خاص يعتمد على فلسفة الدين ويتأسس عليها من حيث كونها عقلانية معرفية بشرية وليس ببعيد عندكم أن يتوقف قبوله على اختراق جملة يقينيان لا يقبلها العقل التراثي؛ فمن اللازم اللازب أن يسْفر هذا ضرورة عن الفصل التام بين الحديث والقرآن في إطار ثورة من التصحيح معرفية بشرية فهل:

ا- يعدُّ مثل هذا التخريج (لوجهة نظركم) صحيحاً؟

ج85: ماجد الغرباوي: يتطلب الحديث عن: (تأويل النص وفهمه في إطار ظرفه وضروراته، اعتمادا على فلسفة الدين ويتأسس عليها من حيث كونها عقلانية معرفية بشرية يتوقف قبوله على اختراق جملة يقينيات لا يقبلها العقل التراثي)، كما جاء في السؤال يتطلب لمحة تاريخية عن مشاريع الإصلاح ومناهجها، ضمن فكر النهضة بشكل عام، وهي مشاريع مهمة وواسعة، تصدى لها نخبة المفكرين والباحثين. ومشاريع الإصلاح الديني بشكل خاص. وهو ما يهمنا تحديدا، فنقتصر عليه دون غيره. والسؤال ما هي ضرورات تحدي الممنوع، والمقدس، وما تسالم عليه المسلمون حول قدسية الشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا أو رئيسا في التشريع؟. وما هي دوافع تقديم فهم مختلف للدين، قد يفكك نسق الثوابت التي يتحرك في داخلها الفكر والفقه الإسلاميان عموما؟. فهذا الاتجاه يبدو شاذا، يتطلب تنظيرا عميقا، يتجاوز ظواهر الإشكاليات المتعارفة حول الفكر الديني وقدرته على مواكبة العصر، في ظل تحديات أكدت حضورها من خلال الواقع، وسيأتي بيانه.

كتبت في مقدمة دراسة لي بعنوان: دعوة لإنقاذ الدين من سطوة الفقهاء: "ثمة أزمة حادة تواجه الشريعة الإسلامية، بل تواجه الدين بأسره، لا تنفع معها تبريرات الفقهاء ومكابراتهم .. أزمة حقيقية، تضغط باتجاه مراجعة نقدية تطال الفكر الديني، وفق قراءة معاصرة تواكب مسار الحضارة، وتُعيد النظر في ثوابت الشريعة، بعيدا عن سلطة التراث والسلف والتراكمات التأويلية التي تكرّس اللامعقول وتحرّض باستمرار ضد الآخر، حتى صار الدين إما يدفع باتجاه العنف والإرهاب، أو يستقطب باتجاه الخرافة والسحر والشعوذة وجلد الذات، وتصديق هلوسات وأكاذيب بعض رجال الدين، وتقديس الماضي والتراث، وأسطرة الشخصيات التاريخية، واستبدال العبادة بطقوس فلكلورية، انقلبت معها مفاهيم الخير والعمل الصالح، وبات الإرهاب دينا، والخداع دينا، والتبست المفاهيم حد الاحتراب فضلا عن الكراهية والتنابذ والاقتتال". وهذا يلخّص معاناة الفكر الديني راهنا، رغم تراكم جهود الإصلاح والتجديد، لأنها ظلت حبيسة تراكمات العقل التراثي ومحدداته، فتسبب الإنغلاق في عدم تشخيص الإشكالية فضلا عن زحزحتها. وبالتالي لا يمكن تسويتها، إلا باستدعاء النظام المعرفي ونقد ثوابته، عبر قراءة معاصرة للنص، تجافي هيمنة التراث، وسلطة السلف، وترتكز للعقل النقدي ومعطيات العلوم. فهذا الرأي لم يأت من فراغ، بل هو حصيلة فهمٍ مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. وقد سبقته جهود جبارة وتراكم تنظيري واسع غير أنه ظل أسير رؤية نمطية للدين. بل كان أغلبه ردة فعل بعد لقاء الشرق بالغرب أو ما يعرف بالصدمة الحضارية، حيث كانت لحظة وعي الذات من خلال الآخر، لا من خلال مراجعة نقدية بمعزل عنه. فارتبك الجميع في تشخيص الواقع، والحل المناسب لمشكلة التخلّف الحضاري، قياسا بالغرب وما أحرزه من تقدم حضاري، فأفرز سؤال النهضة (لماذا تقدم الغرب وتأخر الشرق / المسلمون / العرب) اتجاهين:

الأول: اتجاه "علماني": حمّل الدين ورجاله مسؤولية انحطاط العرب والمسلمين، في موقف سلبي واضح منه. بعضهم كان مهادنا اعتبر الدين شأنا شخصيا، يجب فصله عن السياسة وإطلاق جميع الحريات، وتحرير المرأة، ومركزية الإنسان. وإلغاء الشريعة وقوانين الأحوال الشخصية. والقسم الثاني تمادى في موقفه من الدين، فطالب بقطيعة تامة مع التراث، والالتحاق بالغرب وثقافته وفكره، بعد أن شطب على الماضي وكل ما يمت للأمة من ذاكرة. وحمّل الدين مسؤولية التخلف الحضاري، فينبغي ترحيله عن الحياة الاجتماعية والسياسية. ودعا إلى نهضة مماثلة للنهضة الأوربية تبدأ بموقف صارم من الدين أسوة بموقفهم من الكنيسة، وهذا اتجاه ظل مستلبا لا يمكنه اللحاق بالغرب وحضارته، ولا العودة لذاته وتراثه. التراث ليس شرا مطلقا كي ندعو لقطيعة تامة معه، بل تراكم جهود جبارة، يجب فهمها في سياقها التاريخي، والاستفادة من إمكانياته العقلية والإنسانية المتاحة لتطوير مشروع النهضة. خاصة أن الشعوب الإسلامية شعوب مسكونة بالتراث والدين، بل ويمثل التراث عمقها الحقيقي. فالسبب وراء التخلف وفقا لهذا الاتجاه هو الدين والثقافة السائدة، ويمكن الحل في تبني مطلق القيم الغربية، والارتكاز للعقل بدلا من الشريعة الإسلامية. ولهذا الموقف مبرراته، خاصة بالنسبة لغير المسلمين، ممن عاش تعسف الدولة العثمانية التي تعاملت معهم معاملة أهل الذمة، فحرمتهم حقوقهم، وأجبرتهم على دفع الجزية، وعاشوا منبوذين تحت رحمة نظرات تحقيرية تترصدهم في كل مكان. فرفضهم للشريعة الإسلامية فيه استعادة لكرامتهم وحقوقهم الإنسانية، فمن الطبيعي الدعوة لفصل الدين عن السياسة، واستبدال الرابطة القومية / العربية بدلا من الرابطة الإسلامية، والدعوة إلى التحرر من قبضة السلطنة العثمانية. وأبرز شخصيات هذا الاتجاه، شبلي شميل، فرح إنطون، سلامة موسى. وقد استطاع تشخيص بعض أسباب التخلف الحضاري، كالإنغلاق على التراث، وعدم الإرتكاز للعقل والمعطيات العلمية، وهيمنة الخطاب الديني الأيديولوجي، والاستبداد السياسي.

الثاني: "اتجاه إسلامي": تمسك بدينه وتراثه، فدأب منذ عصر اليقظة على تقديم الدين، لا بوصفه علاقة روحية بين الإنسان وربه، ولا باعتباره نظاما من القيم والمبادئ الإنسانية، تؤسس لقاعدة أخلاقية، تضبط سلوك الفرد ومواقفه. بل باعتباره نظاما كاملا شاملا للحياة، يواكب تطور الفرد والمجتمع. ويضع حلولا لجميع مشاكله. بعض يعتقد باشتمال النصوص الدينية عليها، وما على الفقيه سوى اكتشافها. وآخر يراهن على فهمٍ وقراءة متجددة للدين في إطار ثوابت الفكر الديني، ويرفض أي خروج أو تمرد عليها. وهم عدة اتجاهات في تشخيص أسباب التخلف الحضاري وموقف الفكر الديني منه:

1- اتجاه "سلفي": راهن على حرفية النص، وقدسية التراث، فظل مرابطا داخل العصر الأول للبعثة، كمرجعية نهائية تقدم حلولا جاهزة لجميع مشاكل العصر مهما اختلفت موضوعاتها وظروفها. وهو اتجاه "سلفي" دوغمائي، منغلق معرفيا، يرى أن مشكلة التخلف في رخاوة التمسك بالتراث وحرفية النصوص، ويكمن انتشال الواقع من سباته وتخلفه بالعودة لسيرة السلف الصالح. ولا يخلو هذا الاتجاه من بعض الاستنارة الفكرية، كما بالنسبة لرشيد رضا، تلميذ محمد عبده، الذي أرتد سلفيا ودعا للعودة إلى التراث.

2- اتجاه "إصلاحي": عاد لنقد الذات ومراجعة التراث لتفعيل عناصر القوة فيه، ودعا للاستفادة من معطيات العلوم الحديثة، شريطة عدم تقاطعه مع النص الديني، الذي يحتمي بإطلاقه الأزماني والأحوالي، وفقا للعقل التراثي. فطالب باصلاح النظام التعليمي، ومحاربة الاستعمار، ومكافحة الاستبداد، وتوظيف الدين لصالح السياسة، بعد تفعيل قيمه ومبادئه، وترشيد الوعي الجمعي، من خلال الانفتاح على العالم الجديد، وتنقية التراث من الشوائب. وهذا يتجلى في المشروع الإصلاحي لجمال الدين الأفغاني، الذي سعى لتأسيس جامعة الدول الإسلامية، ودعا إلى محاربة الاستبداد والتبعية. غير أن هذا الاتجاه أخفق هو الآخر، فالتطور الحضاري ليس إصلاحا أو إحياء لقيم الدين والتراث، بل هو رؤية مختلفة على صعيد الفكر والثقافة، ومناهج العلوم، ومصادر المعرفة. والنظرة المتطورة للإنسان كقيمة عليا. والمشاريع الإصلاحية لا تلامس أساس المشكلة.

3- اتجاه "سياسي": يرتهن الإصلاح وتطبيق الشريعة بشكل سليم على وجود دولة دينية، تتولى تطبيق النظام الإسلامي، وإخراجه من القوة إلى الفعل. فرفع شعار "القرآن هو الحل"، أو "الإسلام هو الحل"، يتقدمه الأخوان المسلمون، راح يوطئ لقيام دولة دينية كمقدمة لتطبيق أنظمته التي تنتظر أجواء سياسية واجتماعية خاصة. وقد انتهى هذا الاتجاه إما حركات متطرفة، تورطت في سفك دماء الأبرياء، أو تجارب حكم لم تحقق تقدما ملموسا على صعيد الواقع، بل كرّست الاستبداد والتبعية، واستخدام العنف والقوة. فالمشكلة وراء تخلّف المسلمين بالنسبة لهذا الاتجاه سياسية، يمكن التغلب عليها من خلال دول دينية تعيد للدين هيبته، ومكانته الحقيقية، خاصة أن أحكام الشريعة بحاجة إلى قوة سياسية تتبنى تطبيقها. ويعتبر سيد قطب ومن قبله أبو الأعلى المودودي.

4- اتجاه "تجديدي"، يؤمن بوجود ثابت ومتغير في الدين. بشكل يمكن ملء الفراغ التشريعي من قبل الفقيه، من خلال إكتشاف مقاصد الشريعة، وأسلمة العلوم الغربية، وبهذا الشكل راح ينظّر لجميع حقول المعرفة، غير أنه أنتج صيغا تلفيقية، ليست أصيلة... الأسلمة لا تنتج معرفة حقيقية بل علوم ترقيعية مشوّهة، لأنها قائمة في الغرب على مبادئ فلسفية مغايرة، وأسلمتها وفق مبادئ فلسفية أخرى يفقدها قيمتها المعرفية، وتصبح علوما شوهاء تفقد أصالتها. فالتجديد فهم للدين وفق نموذج حضاري مغاير، وتوظيف معطيات العلوم باعتبارها منجزات بشرية لا تخضع للمؤثرات الأيدلوجية والثقافية. فالأسلمة كان مشروعا معرفيا لمنافسة النموذج الحضاري الغربي من خلال تطويع الفهم الديني، بشكل يتلاءم معه. وهنا تلعب الثقافة وقبليات الباحث دورا كبيرا في عملية الأسلمة، فتجد من يميل للرأسمالية يبحث في النصوص والتراث ما يدعم الملكية الشخصية، في مقابل من يسعى لالتقاط كل إشارة لتعزيز الرؤية الاشتراكية. وهذا خطأ فادح، لا ينتج معرفة، وقد شملت مشاريع الأسلمة جميع الحقول، دون أن تحقق شيئا ملموسا، لأن تجريدها من مبادئها والأسس التي قامت عليها يفقدها قيمتها الحقيقية. مثال ذلك أن مصدر الشرعية في النظام الديمقراطي هوالشعب، فتؤدي وظيفتها بشكل سليم. لكن حينما يكون مصدر الشرعية هو الله لا يمكن للديمقراطية أن تؤدي دورها، مع وجود سلطة علية تفرض إرادتها، وإرادة الله وشريعته سلطة فوقية تفقد الديمقراطية خياراتها، وتكرّس سلطة رجل الدين واستبداده، ويصبح دور الفرد الطاعة المطلقة!!. فتصبح شيئا آخر، كمجلس استشاري أو مجلس شورى، وليس ديمقراطية حقيقية. وهذا يشمل جميع الباحثين المسلمين.

5- اتجاه "تنظيري": تمثّل بجهود محمد باقر الصدر، فكان مشروعه منعطفا في وعي الإشكالية وسبل معالجتها. وقد استفاد من معطيات العلوم، وأغلب المناهج والنظريات، خلال تنظيره لمختلف الحقول المعرفية، كالاقتصاد والفلسفة، وتفسير القرآن، وأصول الفقه، وأصول الدين، ودراسة الفقه الإسلامي، والاسس المنطقية للاستقراء، والمجتمع، والتاريخ. فنظّر لمشروعه من داخل التراث، دون الوقوع في خطأ الاتجاه السابق، فلم يعمد لأسلمة العلوم بل سعى لكشف النظرية الأسلامية من داخل النص والتراث وتأسيس معارف إسلامية أصيلة تعبر عن ثقافة المسلمين وتراثهم ودينهم ووعيهم. فالاتجاه السابق كان يعاني عقدة الغرب، وشعور عميق بالنقص، ويسعى لصيغ تلفيقيه يدفع بها شبهة التخلف. وهذا ليس حلا ما لم يؤصل كالاتجاه الأخير لمعارفة من داخل التراث، كي تستمد النظرية وجودها من النص. وقد اعتبر الاتجاه الآخير المنجز الغربي وعلومه وليدة بيئته وثقافته ومرجعيته الفكرية والفلسفيه، ونظرته الكونية للدين والحياة والميتافيزقيا. وعلينا التأصيل لعلومنا من داخل تراثنا، بعد اكتشاف المركب النظري أو النظرية، كي يستطيع الفقيه ملء الفراغ التشريعي. فتجد النظرية الإسلامية حاضرة في جميع أعماله ومنجزاته. يرتكز لها في بيان رؤية الدين في مختلف الحقول المعرفية. فجهود الاتجاه التنظيري جهود تأصيلية، وليست ملفّقه أو منحولة. تبدأ من الواقع إلى النص الديني ثم تعود ثانية للواقع بحلول تتلائم مع ظرفه الزماني والمكاني.

إن مسار الإصلاح والتجديد بجميع اتجاهاته راح يستدر الدين والتراث لتقديم حلول لواقع مختلف، فجرّد النص من تاريخيته. وكانت جهودا مخلصة وكبيرة لا يستهان بها. إلا أنها وجهات نظر إجتهادية وفهم شخصي وتراثي للدين، لا يمكن أن تكون مرجعية معرفية نهائية، ما دامت جهدا بشريا وقراءة خاصة للدين. فرغم التراكم المعرفي، لم نلمس حلولا نغادر بها حقبة التخلف ومنطق الانقياد والتحرر من سلطة التراث والسلف، وما زلنا نواجه تحديات الحضارة الغربية بمزيد من التبعية. ورغم التطور المعرفي للاتجاه الآخير لكنه لم يتخلص من آيديولوجيته، ونهائيات التراث، التي هي يقينيات بشرية. فتسبب التداخل بين المقدس وغيره في إرباك عملية التنظير، فالتمييز بين البشري والإلهي، والمقدّس والمدنس، والسماوي والأرضي، يساعد على فهم الحقيقة، ليستعيد المجتمع وعيه، ويعيد النظر بمسلّماته ويقينياته، ورموزه، وفقا للواقع وحقائقه. فثمة هالة قدسية ينبغي اختراقها وكشف حقيقتها. وتعالٍ يجب استدراجه ومحاكمته، وهذا ما نسعى له. ونطالب بإعادة النظر في الحقائق التراثية، عقيدية وفكرية، كي يتسنى لنا اكتشاف الواقع، وتخطي أزماته وتحدياته باتجاه حداثة عقلانية تقوم على مبادئ حضارية – إنسانية.

لا نريد التقليل من تداعيات الاستبداد السياسي والديني، ودور الاستعمار في تهشيم بنى المجتمع خدمة لمصالحه. ولا نستهين بقيم العبودية وطغيان قيم القبيلة والكبت والحرمان، والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن نعتقد أن المشكلة الأساس وبالدرجة الأولى تتعلق بفهم الدين ودور الإنسان وبنية العقل ونسق النهائيات التي تتحكم بنظامه المعرفي. لذا ما زالت فرص التقدم تواجه تحديات معقدة، أبقت المسلمين في دوامة السؤال والبحث عن سبل كفيلة بانجاز نهضة تمثل هويتهم، وتجسّد قيمهم ومبادئهم.

فالاتجاهات الإسلامية لم تغادر سجونها المعرفية، وبقيت تفكر داخل إطارمعرفي يرتهن في وجوده لسلطة التراث، ومنطق العبودية، وإطلاقات الأحكام الشرعية. فثمة نهائيات تتحكم بمسار الوعي النهضوي ينبغي نقدها ومراجعتها، لفهم فلسفة الدين ودور الإنسان في الحياة، وهل هدف الشريعة سعادة الإنسان أم إختبار لعبوديته وطاعته؟ وهل الأولوية له أم للتشريع؟. إن التحديات التي تواجه الدين على صعيد حقوق الإنسان والتطور الحضاري تفرض علينا تقديم فهمٍ مغاير، يحفظ للدين قدسيته ودوره العظيم في إحياء النفس البشرية، ويمنح العقل قدرة على التحرك في إطار القيم الأخلاقية. كل هذا كان مبررا لاتجاه آخر.

 

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi1مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق5) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

س84: د. مجدي ابراهيم: كنا في مناقشات علمية للماجستير فانشغلت منصّة الحوار بالجدل حول مسألة الدين والعقيدة أيهما الأعم والأشمل: الدين أم العقيدة؟ ودار خلافٌ بين المناقشين على عمومية الدين وشموله للعقيدة وخصوصية العقيدة فيه، أو بين عمومية العقيدة وخصوصية الدين فيها، وفارقنا المنّصة وظل الجدل بيننا ليطرح التساؤل من وراء التساؤل: أيهما الأعم الشامل وأيهما الأخص الأضيق؟ وهل هما من مادة روحية واحدة أم ليد الإنسان دخل في تشكيل أحدهما؟ أيهما أقرب إلى العقل الإنساني، تطوره وفهمه وإضفاء ما يضفيه إليهما من دلالات؟

فهل من رأى لديكم في جوهرية هذه المسألة لا شكليتها؛ ليضاف إلى تصورات الرأي فيها على ما طرحت؟

ج84: ماجد الغرباوي: اتضح من خلال التعريف المتقدم للعقيدة لغة واصطلاحا، أن العقيدة منظومة فكرية توجّه وعي الفرد. فتقف عند حدود الاعتقاد دون العمل، وتتوقف صدقيتها على إيمانه، سواء طابقت الواقع أم لم تطابقه. وللإيمان مناشئ تختلف باختلاف ثقافة الفرد ووعيه، وقدرته على تشخيص الواقع، ومدى يقظته وإدراكه. كما أن مفهوم العقيدة يصدق على كل معتقد، مهما كان مصدره. فتكون شاملة، لما كان مصدره دينيا أو وضعيا، بل حتى الوهم والخيال والخرافة والأسطورة ومطلق اللامعقول.

وأما الدين والدِيانة فيأتي لغة من دان. أي خضع وذل. والكلمة "بفتح الدال" تعنى الاقتراض. وقد يراد به الحساب، فينصرف اللفظ لخصوص يوم المعاد.. وأما اصطلاحا، فهو: "منظومة فكرية وتشريعية توجه وعي الفرد. وتضبط سلوكه شريطة التسليم والانقياد". فيمكن رصد أوجه التشابه والاختلاف بين العقيدة والدين، كما يلي:

- العقيدة مفهوم كلي قائم بذاته إلا أنها إحدى مكونات الدين ومقوماته الذاتية، دون أن تتوقف صدقيتها على وجوده خارجا. بل أن كثيرا من العقائد تقف عند حدود المعتقد، ولا يطالها التطور الديني، بمفهومه العقائدي التشريعي،

- يكفي انعقاد القلب على مبدأ أو فكرة ما حد اليقين الذي لا يساوره الشك في صدقية العقيدة. بينما الطاعة والإمتثال شرط في صدقية الدين. فهي من مقولة الكيف، وخصوص الكيف النفساني، ومن مشاغل العقل النظري. بينما الدين من مشاغل كلا العقلين النظري في بعده العقيدي، والعملي في بعده السلوكي: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات).

- يتقوم الدين بتعاليمه وطاعة أتباعه كما يتقوم بعقيدته. ويقصد بالتعاليم هنا الأعم من التشريعات العبادية والأخلاقية والسلوكية. فمكونات الدين هي: العقيدة، التعليمات، التسليم والإنقياد. بينما تتقوم العقيدة بمعتقدها وقدرة الإيمان على تحققها خارجا.

تأسيسا على ما تقدم: الدين منظومة فكرية ومفاهيمية لها خطابها وأيديولوجيتها ولغتها ورمزيتها، تستمد وجودها من عقيدة تتصف بقدرتها على تفسير بعض الظواهر الحياتية والميتافيزيقية، كالموت وما بعد الموت. ويترشح عنها نظام عبادي وأخلاقي وسلوكي يتقوم بالطاعة والتسليم.

س 84-1: أيهما الأعم الشامل وأيهما الأخص الأضيق؟

ج 84-1: يتوقف الحكم في هذه المسألة على تحرير موضوع النزاع وتحديد زاوية النظر كي يصدق الحكم المنطقي بخصوص الشمول وعدمه. لأن المفاهيم بحاجة إلى فرز وضبط منطقي:

- إذا كان نظرنا لخصوص المفهوم، فسيكون مفهوم الدين شاملا لمفهوم العقيدة. وتكون العقيدة أخص مفهوما منه. (الدين: عقيدة وشريعة). أو (عقائد وتعليمات). وهو ما يعبّر عنه منطقيا بـ"الحمل الأولي" حيث يكون النظر لذات المفهوم والصورة الذهنية. وتكون دلالة الدين على العقيدة دلالة تضمنية.

- وإذا نظرنا للعقيدة كمفهوم كلي بلحاظ مصاديقه وأفراده، بشكل يكون النظر للمفهوم باعتباره عنوانا لمصاديقه، أي ملاحظتها بـ"الحمل الشايع" وليس بالحمل الأولي، فتكون شاملة للعقائد الدينية وغيرها. وتكون العقيدة الدينية أخص.

- النسبة المنطقية بين الدين والعقيدة عموم وخصوص من وجه. يلتقيان في العقيدة الدينية، وتفترق عنه بغيرها. كما يفترق عنها بالتشريع والانقياد. لأن هذه النسبة "تكون بين المفهومين اللذين يجتمعان في بعض مصاديقهما، ويفترق كل منهما في مصاديق أخرى". فيقال لكل منهما أعم من وجه وأخص من وجه.

- نسبة العموم والخصوص بين الدين والعقيدة المفترضة في السؤال غير ممكنة، لأن شرط اتصاف نسبة العموم والخصوص المطلق، أن يشارك أحدهما الآخر في جميع أفراده دون العكس. والعقيدة لا تشارك الدين في جميع أفرادها بل ببعضها، فلا تكون أخص مطلقا من الدين. ولا يكون هو أعم مطلقا. والعكس صحيح أيضا.

س 84-2: هل هما (الدين والعقيدة) من مادة روحية واحدة، أم ليد الإنسان دخل في تشكيل أحدهما؟

ج 84-2: بشكل عام تارة تكون القضية بلحاظ صدقها ومطابقتها للواقع مطلقة، لا ينتابها الشك، عندما يدل الدليل الحسي عليها أو يمكن الاستدلال عليها برهانيا أو رياضيا. أولا يمكن الاستدلال عليها كذلك فتكون قضية نسبية، كالقضايا الدينية والميتافيزيقية والعقدية. وهذا ما نركز عليه هنا، وأما التشريعات فهي أوامر ونواهٍ، تتوقف فعليتها على انقياد الفرد ومدى تسليمه وإيمانه بها.

القضايا النسبية يتعذر الاستدلال عليها خارج النص وتقنيات الفهم البشري التي قوامها الإيمان والتصديق والتسليم. فمثلا لا يُعد الإيمان بوجود عوالم ما ورائية ضرورة عقلية وفلسفية لولا الكتب السماوية. بل حتى النص المقدّس غير قادر بمفرده على فرض صدقيتها، لولا ثقافة المؤمن وعقله المؤثث بمفاهيم تذعن للنص الديني، كحقيقة مطلقة. فوجود أرضية معرفية، وحاضنة ثقافية ملائمة شرط لتأثير الخطاب الديني في هذا الخصوص، وشرط لتصور الحقيقة الدينية. فيكون الإيمان بها إيماناً نفسياً، قائماً على مفاهيم ومقولات نسبية، تختلف من شخص إلى آخر. فالقضايا الميتافيزيقية تتشكل حقيقتها داخل الفضاء المعرفي وليس خارجه كما هي الحقائق المطلقة. لا فرق في ذلك بين الحقيقة البسيطة والمركبة.

ومعنى هذا أن إدراك الحقائق النسبية تختلف حسب ثقافة الفرد وقبلياته، وهي عناصر متحركة، تتأثر بمختلف العوامل والظروف. فلا غرابة في تباين صورة الإله لدى الناس. لذا جاء في الأثر: "الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق". أي كل حسب وعيه وتصوره، إذ لا موضوعية للصورة الذهنية، سوى أنها طريق للواقع، وإلا ستكون شركا، وتصبح المقولة المتقدمة باطلة. فالتصور الذهني في القضايا النسبية خارج عن إرادة الإنسان، بفعل نظام المعرفة، وكيفية تصور الذهن للمفاهيم. وهنا يأتي دور الأنبياء لترشيد العقيدة، أي ترشيد التصورات المنبثقة عن قبليات الناس وثقافتهم، وتأثرهم بموروثاتهم ومصالحهم الشخصية والسياسية. ويبقى القرآن شاخصا لرصد الإنزلاقات العقيدية. فشرط صحة أي عقيدة إسلامية مطابقتها للكتاب الكريم، لأن القضايا العقدية قضايا نسبية يتوقف إدراكها على خلفية الفرد، وطبيعة تفاعلها داخل الفضاء المعرفي في الذهن. فتتأثر بثقافته لا شعوريا، فتحتاج للتسديد والتصويب. وبهذا يتضح دور الفرد في صياغة العقيدة بحكم نسبية قضاياها، وحاجتها لقبليات الفرد في تصورها.

ومن جهة ثانية: الإيمان شرط صدقية العقيدة، والتسليم شرط لصدقية الدين. وكلاهما (الإيمان والتسليم) يتأتى عبر تراكمات لا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر تفاوتهما من شخص إلى آخر. وتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتربوية، ومنها ذات العقيدة وقوة رمزيتها وإيحاءاتها وحجم تأثّر العقل الجمعي بها. كما تساهم ممارسة الطقوس، والشعارات وإحياء المناسبات في ترسيخ الإيمان والتسليم والطاعة والانقياد دينيا. وتتصف العقيدة الدينية برسوخها وقوة حضورها، بفعل ممارساتها الطقوسية، وثرائها ورمزيتها باعتبارها وحيا يوحى. أي أن القضايا العقيدية والدينية لا يمكن الجزم بمطابقتها للواقع بدليل حسي أو برهاني، فتتقوم بالتسليم والطاعة. فالإيمان بها إيمان نفسي، هو تجلٍ للإيمان بالمطلق.

وبالتالي فكل من القضايا العقدية والدينية، تنتمي لمقولة الكيف النفساني فلسفيا، وكلاهما من مشاغل العقل النظري، ويختص الدين بمشاغل العقل العملي أيضا. وقضاياهما قضايا نسبية في بعدها الميتافيزيقي، تتأثر بخلفية الفرد وقبلياته.

س84-3: أيهما أقرب إلى العقل الإنساني، تطوره وفهمه وإضفاء ما يضفيه إليهما من دلالات؟

ج 84-3: إن الدور النفسي واللامعقول والطقوسي في ترسيخ العقائد وفعلية الأديان لا يعني الفوضى، وإلغاء دور العقل. بل أن موقف العقل حاسم في موضوع العقائد لتدارك الإنسياق اللاشعوري مع اللامعقول الديني، والتمادي في اجتراح عقائد تلبي ضرورات طائفية ومذهبية وحتى سياسية واجتماعية. ولا معنى لمنطق التبرير اللاوعي (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ). لخطورة الآثار المترتبة على العقيدة بالذات، وخطورة الأديان وقدرتها على التحكم بإرادة الفرد والمجتمع. فيجب أن يكون للعقل دوره، خاصة في دائرة اللامعقول والقضايا الميتافيزيقية التي هي قضايا نسبية، موكلة له في وعيها وإدراكها. وأهم نقطتين أن يتحرى العقل قدر الإمكان معقولية المعتقد، وفرز ما هو خاضع لحكم العقل بالدليل والبرهان، وما هو مقتضى مؤدى الأخبار بناء على حجيتها. كي تساهم العقيدة في بناء وعي حضاري، بعيدا عن الجهل والخرافة واللامعقول، بدافع الحفاظ على التراث والهوية. فهو قادر مثلا على إدراك حقيقة بعض العبادات الملتبسة: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ). فعقلنة العقيدة ليس أمرا صعبا، مهما كان نوع المعتقد. لأن العقل يشتغل في إدراكه على أسس العقيدة والمبادئ التي قامت عليها، فيبدأ من الوجود والوجود الواجب، ليتحرى صدقيته من خلال مختلف المعتقدات. وبهذا الشكل يمكنه نقد مرجعيات العقيدة وتفكيك سلطاتها، وتحديد مدى صدقيتها.

إن تناسل العقائد خاصة الدينية منها سببه خمول الوعي، وانهيار العقل أمام اللامعقول وتخليه عن النقد والمراجعة. وهذا يتطلب خطابا دينيا يعيد للعقل دوره في فهم الدين ودور الإنسان في الحياة، وهي مهمة تتوقف عليها عملية التجديد، والخروج من نفق التخلف الحضاري. كما يمكن الاستعانة بالعقل لفهم مقاصد الشريعة، وعلل الأحكام. ودراسة موضوعاتها تاريخيا، ومدى فعليتها، كمبرر لفعلية الأحكام الشرعية. فدور العقل لا يتوقف على العقيدة بل دوره داخل الدين أوسع وأكثر فاعلية، خاصة في ظل الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية، التي لا تستغني عنه. كما يمكنه التوغل في قبليات التسليم والطاعة لتدارك استدراجها بعيدا عن العقل وعقلانية التدين. وبالتالي فالعقل في إطار الدين يمكنه ممارسة دوره عل جميع الأصعدة: العقيدة، التشريعات، التسليم والطاعة، الوعي والسلوك والمشاعر الدينية. كما يمكنه تقديم فهمٍ متجدد للدين يواكب تطورات الحياة، والاستفادة من معطيات العلوم لتقويم مسيرة الوعي الدين. خاصة المجتمعات المسكونة بالغيب واللامعقول، حيث يلتبس الديني بغيره، وتختلط الخرافة بالشعائر الدينية..

تعدد الأديان

إن المتبادر من مفهومي العقيدة والدين لدى الناس خصوص العقيدة والدين السماوي، لكن الحقيقة أن بعض مصاديق العقيدة قضايا دينية، والعقيدة مفهوم عام تصدق على كل معتقد يستوفي شروطه الإيمانية. وأيضا بالنسبة للأديان فإنها تتعدد بتعدد العقيدة بل وحتى مع وحدتها كما بالنسبة للمذاهب في إطار وحدة الدين. ومرد تعدد الأديان إلى الرؤية الكونية، النابعة عن رؤية عقيدية وفلسفية. لأن العقيدة هي أساس الدين، الذي يتوقم به هيكله الروحي والعبادي والتشريعي والأخلاقي. وبالتالي فهناك ديانات وضعية بعيدة عن السماء، تختلف في تعاليمها وطقوسها باختلاف عقائدها وفهمها للكون والحياة. بعضها بسيط ساذج وآخر غني في فلسفته وتعاليمه. في مقابل أديان سماوية تتعدد هي الأخرى بتعدد وعيها الديني وعلاقتها بالخالق المطلق. فالأديان الإبراهيمية مثلا تختلف في تصور الإله، رغم إيمانها بوحدة الخالق وبعثة الأنبياء والوحي والمعاد، والجميع يحتفظ بطقوسه وتعاليمه وتشريعاته. فالإسلام بالمعنى الأخص لا يشرك بالله أحدا، بينما (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله). بهذا يتضح دور العقيدة في الدين. فهي الأساس الذي يرسو عليه الهيكل الديني في تعاليمه وتشريعاته ورؤيته الكونية.

إن الرؤية المتقدمة حول العقيدة والدين تؤكدها الرؤية القرآنية، فالعقيدة لازمت الوعي البشري قبل بعثة الأنبياء، لعدم توقف صدقيتها على شيء سوى الإيمان القلبي. جاء في الكتاب: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). وهذا لا ينفي تشكل الوعي الديني قبل بعثة الأنبياء، وفق عقائد بدائية، تولى الإنسان صياغتها وفقا لحاجاته وضروراته. وقد قاوم بعضها تحديات الأديان السماوية، وواصل وجوده وتأثيره، ووقف ندا لها. (أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)، (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ). فالآية تؤكد وجود أديان بشرية، بعيدة عن وحي السماء وتعاليم الأنبياء.

ومن جانب آخر يؤكد الكتاب الكريم على مكونات الدين وشرطه في التسليم والطاعة المطلقة، كما في الآية المتقدمة. وآيات كثيرة: (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ). (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ)، والآية الأخيرة واضحة في دلالتها على شرط التسليم، واعتباره مقياسا للتفاضل بين الحسن والأحسن. فقوة التسليم وصدقه هو الفارق بين الحسن والأحسن في تدين المرء.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbaw10مجدي ابراهيم

خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

س82: د. مجدي ابراهيم: لئن كان رواة الحديث بشراً يتأثرون بمصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية؛ ولئن كانوا نتاج عقل محكوم بظرفه الثقافي والمعرفي؛ فلا أقلّ من أن يكون علم الجرح والتعديل له قواعده الثابتة في إطار وضعية قائمة لم تفلت إذْ ذَاَكَ من قبضته، ولا من وضع هذه الأولوية في وضعها الصحيح؛ فشواهد الوضع كما ذكر الأستاذ ماجد ليست تنفي صدور الحديث تماماً كما لا تبقيه هنا بغير جرح أو تعديل.

والسؤال هنا: ما قيمة هذا العلم اليوم في ضوء مكتسبات المناهج الحديثة والمعاصرة، كالبنيوّية والتفكيكية وما شابهها؟

ج: ماجد الغرباوي: يكتسب علم الجرح والتعديل أهميته من مكانة السُنة النبوية، التي تشكّل مرجعية نهائية ومطلقة للتفكير الديني أسوة بالكتاب الكريم، وثاني مصدر للتشريع من بعده. وكان المحفّز وراء تأسيسه لاحقا، تراكمات الوضع والكذب على رسول الله، فجاء لتمييز الحديث الصحيح عن غيره بعد دراسته متنا وسندا وفق ضوابط علمية حسب الفرض،. وقد صنّفوا الأحاديث تارة بلحاظ المتن وأخرى بلحاظ السند ورجاله، ووضعوا مصطلحات لمختلف حالاته، وراحت تظهر معالمه بشكل تدريجي منذ القرن 3 هـ، حتى اكتماله في القرن السابع الهجري، ونضوجه في القرن العاشر الهجري. وأما قبل عصر تدوين الحديث فكانت جهودا متواضعة، لم ترق لمستوى العلم، رغم حاجة السُنة إليه، حيث كان الغالب هو التداول الشفاهي للأحاديث، مما أتاح اختراقه، من خلال توظيف بعض الأسانيد الصحيحة، التي تدفع الريبة والشك. وكان وراء هذا الوضع أسباب عدة، منها: خصوم الدين. تداخل المرويات الدينية بين الأديان المختلفة، خاصة ما يعرف بالإسرائيليات. عدم الدقة في النقل. تآكل الذاكرة. موت الصحابة. والأهم الصراع السياسي على السلطة، وعدم وجود مرجعية لحسمه، الذي دفع باتجاه انتحال الأحاديث تعضيدا لهذا الطرف أو ذاك، حتى شرعنوا السياسي بالديني من خلال السُنة وقوة تأثيرها على الوعي الجمعي. فجاء علم الجرح والتعديل لتدارك هذا الضعف، ووضع ضوابط لفرز الأحاديث وتمييزها. لكنه كرّس الاستبداد السياسي والديني، وتمت صياغته بشكل يخدم المذاهب والفرق الدينية المتصارعة أساسا. فالمشكلة ليس في علم الحديث كعلم يدرس كليات موضوعاته، بل المشكلة في تباين ضابطة الدلالة، التي تأثرت بالصراع بين المذاهب والفرق. فمثلا عندما يعرّفون الصحيح بأنه "الحديث الذي رواه العدل الضابط إلى منتهاه"، يختلفون في معنى العدالة، ومدى انطباقها على المناوئ المذهبي والسياسي. وبعضهم يقف عند حدود التعريف وآخر يوسع من دائرته، للتوفر على عدد أكبر من الأحاديث الصحيحة التي تخدم هدفه. خاصة في باب العقائد التي تتوقف على وفرة روايات الفضائل. فتمت أدلجة هذا العلم بما يخدم رؤية الفقيه وأهدافه السياسية. وأحيانا يلتفون على المصطلح. فمثلا الجميع يحكم بضعف الروايات المرسلة، لكن تجد من يسعى لتصحيح بعضها، اعتمادا على الراوي الأخير، وما يرد في كتبه ومدوناته. فاحتالوا على ضعف السند بتصحيح ذات الكتاب. وهذا يؤكد أن علوم الحديث لا يمكن التعويل عليها مطلقا، لذا اختلف المسلمون حول القيمة العلمية لأحاديث الصحاح، واختلفوا حول عدالة أو وثاقة عدد كبير من الرواة، وشروط التحديث. والأخطر تسقيط بعض الرواة لأسباب طائفية، فيخرج عن كونه ثقة بسبب انتمائه المذهبي. أو بسبب قناعة فقهية مغايره. فتجد ضمن ألفاظ الجرح كلمات مثل: شيعي، مغالٍ، خبيث. مجسّم، ناصبي، بتري، وغير ذلك، وهي ألفاظ لا تخفى دلالتها السياسية - الطائفية.

مصداقية علوم الحديث

حينما تتحكم متبنيات الفقيه، الأصولية والفقهية بهذا العلم، ويتأثر بخلفيته العقيدية فلا يمكن الاعتماد عليه مطلقا وفي جميع الأحوال مما يبعث الريبة في قيمته المعرفية. ويمكن الاستشهاد ببعض النماذج:

اولا: اختلاف وثاقة بعض الرواة من مذهب إلى آخر. وسقوط اعتباره بمجرد اكتشاف مذهبه.

ثانيا: ليس الاختلاف مصداقيا، كي لا يؤثر على موضوعية العلم وحياديته، بل أن الشرط العقيدي مأخوذ في أصل بعض المفاهيم، صرّحوا أو لم يصرحوا بذلك، فعندما يعرّفون الحديث الصحيح بقولهم: (الحديث الذي رواه العدل الضابط إلى منتهاه)، يشترطون في مفهوم العدل صحة عقيدته، لفسق المخالف عندهم. علما أن العدالة صفة لا علاقة لها بعقيدة الفرد، فكم من شخص عادل لا دين له. وبالعكس. العدالة ملكة تمنع صاحبها عن إرتكاب الكذب. غير أن العدالة عند بعضهم تُختزل طائفيا. فبعض علماء الشيعة يعتقد أن فاسد المذهب، وهو المخالف للمذهب الشيعي وعقيدته، لا يتصف بالعدالة، فينبغي الإكتفاء بها شرطا في التعريف، وعدم الحاجة لذكر شرط "الإمامي" في قولهم: الحديث الصحيح (ما اتصلت روايته إلى المعصوم بعدل إمامي)!!. فيجب تعريفه: (ما اتصلت روايته إلى المعصوم بالعدل).

ثالثا: الرواة بشر، مهما كان إيمانهم وإلتزامهم الديني، بما فيهم الصحابة والتابعون ومن تلاهم. بشر لهم مصالحهم الشخصية والسياسية والطائفية. والمرء يتأثر لا شعوريا بثقافته وبيئته، وينحاز لقبلياته وثوابته. يختلف في مستوى وعيه وإدراكه واستيعابه. وهم نتاج عقل محكوم بظرفه الثقافي والمعرفي. لكن الجرح والتعديل لا يأخذ بهذه الحيثيات، ويكتفي بوثاقة الراوي، ما دامت روايته تخدم هدفه.

رابعا: طالما يتأثر الراوي بعقيدته، فينقل ما يوافقها من أحاديث. وهذه مؤاخذة صريحة، لكن هذا العلم يتجاوزها. فالراوي الشيعي يروي الروايات التي تؤكد مسح الرجلين في الوضوء مثلاً، وفقا لمبناهم، بينما يؤكد الراوي السني على غسلهما. وكل فقيه يعتمد ما يوافقه من هذه الروايات، رغم مخالفتها لضوابط هذا العلم، بل يكيّفونه بشكل يخدم مبانيهم الفقهية. فلا يبق للعلم أية موضوعية.

خامسا: التخلي عن ضوابط هذا العلم عندما تخدم الرواية هدفه العقيدي، خاصة في مجال الفضائل، حيث تعتبر الرواية اعترافا وشاهدا قويا من الخصم الطائفي.

سادسا: إن توثيق الرواة قائم على الشهادات الحسية والقرائن. فكيف يمكننا الاطمئنان لتوثيقات كتب الجرح والتعديل مع عدم معاصرته للطبقات المتقدمة من رجال سند الحديث؟

سابعا: لو اطلعنا على ما يعتمده الرجلي من قرائن قد لا نتفق معه حول قيمتها المعرفية، وربما ما يراه قرينة على الوثاقة قد نراه عكس ذلك، كل حسب ركائزه في الجرح والتعديل.

مناهج التوثيق

هناك من يعتقد بصحة جميع روايات المصادر الحديثية، كالصحاح عند السُنة وكتب الأصول عند الشيعة. فهو مستغنٍ عن مناهج التوثيق، اعتمادا على توثيقات الكتاب. وهذا منهج أصحاب الحديث والسلفيين. فيضطر لتأويل غرائب الروايات، حينما تخالف القرآن والمنطق والعقل، دون طرحها. فيؤمن بكل خرافة، ويجد في اللامعقول الديني سبيلا للهروب من سؤال العقل. وهؤلاء لا يتورعون بتكفير من يشكك بصحة مطلق السُنة النبوية. ويتمسكون بحرفية النصوص، ويرفضون كل تجديد، ويتمسكون بكل ما اشتملت عليه السنة النبوية، مهما تغيرت الظروف الزمكانية.

وبشكل عام هناك منهجان في توثيق الروايات، منهج الوثاقة ومنهج الوثوق. الأول يشترط وثاقة جميع رجال سند الحديث في صحته. ثم ينتقل للمتن للتأكد من خلوه من الشذوذ والغرابة، ليكون حجة في مؤداه. وهذا الاتجاه يرى أن نفس وثاقة الراوي هي موضوع لحجية الخبر، أو كما يعبرون: (أنّ وثاقة الراوي أُخذت بنحو الموضوعيّة). فمتى ما تحققت يكون حجة، مهما كانت نوع القرائن الحافة به، كإعراض مشهور العلماء عنه مثلا. ويقصد بالوثاقة الأعم من العدالة، بما يشمل مطلق عدم الكذب، فتشمل الثقة الفاسق. على العكس من العدالة المستفادة من مفهوم آية النبأ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ). فإن ارتكاب المعاصي فسق، لا يصح معه توثيق صاحبه. ومن يشترط خصوص العدالة في وثاقة الراوي عليه أن يتحرى سلوك الراوي أيضا. وهناك من لا يرى أي مفهوم للآية فتسقط دلالتها وحجيتها في هذا المجال.

وأما منهج الوثوق، فلا يكتفي بوثاقة الراوي، بل يعتمد القرائن في الجرح والتعديل، فالخبر الذي تحفه قرائن دالة على ضعفه يحكم بضعفه مهما كانت وثاقة رواة سنده. مما يعني أن الوثاقة عنده أحد طرق وثاقة الراوي، وليست هي موضوعا لحجته. وأيضا بإمكانه تصحيح الخبر الضعيف من خلال القرائن. فعمل المشهور بالخبر يُعد قرينة دالة على صحته، ولو كان ضعيفا وفقا للمبنى الأول.

إن منهج الوثوق بهذا الشكل يبدو بريئا، علميا، أقرب للمناهج الحديثة في نقد النصوص، لكنه ليس كذلك حقيقة، بل هو معدّ لتكريس التحّيز، فيحاول قدر المستطاع تضعيف ما هو قوي من الروايات أو بالعكس مجاراة لخلفيته وانطباعه. فهذا المنهج يبقى رهن عقيدة الفقيه وتوجهه السياسي والطائفي ورأيه الفقهي. أي أنه يؤسس لمرجعيات تتحكم بصحة الخبر. فيبتعد عن البراءة والعلمية.

اتضح مما تقدم أن كلا المنهجين تنتهي مهمته بفرز الحديث الصحيح عن غيره وفقا لضوابطه، تارة بلحاظ السند وأخرى بلحاظ المتن، أو معا. وهذا كل ما يحتاجه الفقيه بناء على فهمه للدين وموقفه من السُنة النبوية. غير أن هذه المناهج لا تحقق هدف من يختلف معهم حول أصل حجية السُنة. وبالتالي فالدعوة لتجديد المناهج النقدية في علوم الحديث، الدراية والرجال له مبرراته.

تجديد المنهج

ثمة ضرورات موضوعية لتجديد مناهج علوم الحديث، تفرضها نظرة مغايرة للدين، تحدّ من إطلاقات الأحكام، عندما ترتهن فعلية الحكم بفعلية موضوعه، وهذه الضرورات، هي:

أولاً - شخصيا اعتمد منهجا آخر في توثيق الروايات يبدأ من المتن عكسا لما هو متعارف من دراسة السند أولا. فأطرح ما خالف كتاب الله. ولا اعتني بحديث يخالف: العقل والمنطق والقوانين الكونية والقيم الإنسانية. أو يكرّس الظلم والاستبداد والاستهانة بالإنسان وعقله ووعيه. أو يؤسس لمذاهب تنأى عن هدف الدين، أو يكرّس الجهل والأمية والخرافة على حساب العقل ووعي الإنسان. ولو صح عندي صدورها فستكون مادة خصبة لدراسة مراحل تطور العقل الديني، ومدى وفائه لقيمه ومبادئه. وأما في نقد النص والدراسات النقدية فأأخذ بنظر الاعتبار قوة تأثير الحديث. واستدعي المهمش والمتروك والضعيف وجميع التراث كي اكتشف المستبعد والمسكوت عنه، واتقصى مساحات اللاوعي، وأدرس براعة النص وقدرته على خلق حقيقته. وهذا المنهج يوظف كل المناهج الحديثة في نقد النصوص للتعرف على ما وراء النص، ومساره الدلالي، ومدى علاقاته بغيره من النصوص، وما هي إيحاءاته. بينما تقتصر مهمة المناهج القديمة على فرز الصحيح من الموضوع. كما أنها لا تصمد أمام النقد العلمي. فالمناهج القديمة لا تحقق ما نصبو له من دراسة الحديث وفهمه.

ثانياً: إن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه وما ترتبط به من قرائن وقيود. مما يعطيه قدرة على التحكم بفعلية الحكم، مهما كان مصدره. وهذا مبدأ أصولي، يرتكز لفهم قرآني للأحكام الورادة في الكتاب الكريم، فنحتاج إلى مناهج تساعد على دراسة موضوعات الأحكام دراسة تفصيلية، ضمن ظرفها الزماني والمكاني، للتأكد من فعليتها، وهذا تعجز عنه المناهج القديمة التي ينتهي دورها بتمييز الأحاديث من حيث صحتها أو عدمها. ثم أن معرفة موضوعات الأحكام ليس أمرا بسيطا، خاصة المواضيع الاجتماعية التي جاء الحكم فيها تلبية لضرورات تاريخية، فنحتاج للتأكد من فعليتها أو عدمها. كأحكام الإرث والنشوز بالنسبة للمرأة. فهل مازالت الموضوعات فعلية، وما زالت الأحكام مثلها، أم أن موضوعاتها قد تغيّرت بفعل التحولات الثقافية والاجتماعية الكبيرة، وحينئذٍ ينبغي إعادة النظر في فعليتها؟

ثالثاً: إن حجية السُنة كما تقدم تقتصر على ما له جذر قرآني، وهذا يفترض توظيف مناهج حديثة لأمرين مهمين:

1- دراسة حيثيات الحكم الشرعي قرآنيا، ومن ثم تفكيك المنهج النبوي في التفصيل والبيان، لمعرفة خلفياته، ودوافعه والكشف عن بشريته. إذ لا يمكن أن تكون تفصيلاته وحيا، لأن الوحي ما اشتمل عليه الكتاب الكريم، "ما فرطنا في الكتاب من شيء". وإذ لم يكن وحيا فهو اجتهاد شخصي. وحينئذِ ينبغي لنا دراسة الواقع وحاجاته وضروراته وثقافته وأساليبه الاجتماعية، ومستوى الوعي، وأثر الديانات السابقة، للتأكد من استمراره ومن ثم ضرورة استمرار الحكم الشرعي. وهذا النوع من الدراسات من خلال مناهج نقد النص الحديثة ستساعد الفقيه على تقديم فهمٍ مغاير للحكم الشرعي وفقا لراهنه الثقافي والاجتماعي. وهنا يتضح بجلاء دور مناهج النقد الحديثة وقدرتها على كشف الأنساق الثقافية آنذاك، والفوارق الجوهرية بينها وبين واقعنا وفقا لحاجاتنا وضروراتنا، وفهمنا للدين ومقاصد التشريع.

2- لا يمكن إهمال ما زاد على الأحكام الشرعية النبوية ذات الجذر القرآني، ولا بد من دراسة دوافعها وضروراتها، كي يستفيد منها الفقيه، وهو يستنبط أحكاما شرعية. فما تبقى من روايات تتوزع على مستويات، فالأحكام الولائية، أحكام اقتضتها مصالح المسلمين وضرورات الأمن القومي. ودراستها ضمن ظرفها الزماني والمكاني يوفر للفقيه رؤية تساعده على فهم الموقف الصحيح من القضايا الكبرى. وأيضا بالنسبة للقضايا الأخلاقية، فإن دراسة مرتكزاتها، والخلفية الثقافية والاجتماعية تساهم في كشف ما هو نسبي وما هو مطلق منها، كي لا تفرض على المسلمين قيم أخلاقية هي معطى ثقافي لبيئة اجتماعية مختلفة. كما سنفرز ما يخص النبي من أحكام شرعية، وما يفعله كبشر له رغباته وحاجاته.

رابعا: إن فهم الدين يلعب دورا كبيرا في تحديد مقاصد الشريعة وغاياتها، فيتأثر بها الحكم الشرعي، وفتوى الفقهاء، وهنا تلعب المناهج النقدية الحديثة دورا مهما جدا، للتعرف على مسار الأديان تاريخيا، وكشف تاريخية بعض الأحكام، في ضوء هدف الدين والغاية من وجود الإنسان على الأرض.

خامسا: لا تخفى مكانة رجل الدين بشكل عام والفقيه بشكل خاص، ولا تخفى قدسية الفتوى دينيا واجتماعيا وسياسيا. وقد كرّست بعض الفتاوى مشاعر الطائفية والتكفير والتنابذ والخرافة واللامعقول الديني. والأخطر دور الفتوى في تعميق روح التبعية والانقياد لا إراديا لخدمة مصالح شخصية وسياسية ومذهبية. فالمتبادر لدى الناس أن الفتوى تمثل رأي الدين وقيم السماء، وهذا خطأ فادح، فالفقيه كأي إنسان يتأثر بقبلياته وثقافته وتوجهاته السياسية والطائفية، في عملية استنباط الحكم الشرعي أو بيان الموقف العملي من الحكم المشكوك، مهما كان ورعه. فنحن بحاجة للكشف عن حقيقة الفتوى وفضح خلفية الفقيه وأهدافه وغاياته، وهذا يؤكد حاجتنا لمنهج النقد الحديث.

 

س83: د. مجدي ابراهيم: إذا نحن اعتبرنا أن مسألة رواية الراوي علامة ضعف تثير استفهاما كرواية الصحابي لعدد كبير من الأحاديث؛ فلا ننسى دخولها في ما عُرف من خشية وتوق وحذر أن يكون هذا الحديث أو ذاك قد ورد بالفعل عن الرسول الكريم، فيخشى الراوي من عدم ذكره تورعاً، حتى ولو كان ضعيفاً، فصحاح السّنة بها الضعيف لأجل هذا السبب. وأعتقد أن أحدَ رواة الحديث الكبار ردَّد هذا المعنى عن نفسه : الخشية من أن يكون هذا الحديث أو ذاك ورد فعلاً عن رسول الله؛ فكيف لا يذكره؟.

ج83: ماجد الغرباوي: قد يبدو هذا مبررا لشمول الروايات الضعيفة في الصحاح، لكن:

- إن شمول كتب الصحاح للروايات الضعيفة فيه نقض للغرض من تأليفها، إذ الهدف من هذه الكتب كما هو عنوانها التعهد بصحة صدور رواياتها عن النبي الكريم، فما فائدة العنونة بالصحة مع وجود الروايات الضعيفة؟. فينتفي غرض تصنيفها.

- تارة نجزم ونقطع بصدور الرواية عن النبي، فتكون حجة بمعنى المنجزية والمعذرية، لحجية القطع والجزم الذاتية. شريطة أن يكون القطع مستوفيا لكافة شروطه العلمية، فيخرج قطع القطّاع، والقطوعات المتولدة عن ميل لا شعوري لدى الفقيه. وقد بينت سابقا مدى تأثر التوثيقات بالانتماء العقيدي بشكل تخرجها عن الموضوعية. وهذا لا يصدق إلا في الحديث المتواتر، وهو نادر جداً، وقد مر الكلام حول القيمة المعرفية للروايات. وماعداه تبقى الآحاديث محتملة الصدور، فتشمل المضنون والمشكوك والمحتمل. وليس لهذه الأخبار والأحاديث أية حجية ذاتية، لكن قالوا بأن الشارع قد جعل الحجية لروايات الآحاد الخاصة بالأحكام الشرعية، بموجب أدلة لا تقاوم النقد العلمي وفقا لمعطيات علوم الحديث. فالأصل في هذه الأحاديث عدم حجيتها، فتكون مجرى للبراءتين العقلية (قبح العقاب بلا بيان)، والشرعية (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا). والرسول هنا بمعنى البيان.

لقد تحول هذا النوع من الروايات عبئا ثقيلا على الوعي، خاصة وهم يستميتون من أجل توثيقها، فقالوا بالتسامح في أدلة السنن، من أجل إحيائها. وليتهم لم يقولوا، فمن يقرأ رواياتهم يجزم بعدم صدورها، مثلا يستحب أن تصلي كل ليلة ألف ركعة، في كل واحدة تقرأ سورة الحمد مرة وسورة ياسين مرة. وبعضهم يروي بدلا من الواحدة ألف مرة، وغيرها من السنن التي قد تكون صدرت لكن ضمن ظرفها ولا تكون حجة علينا. نحن بحاجة للتحلل من ثقل التراث وسلطته القاسية على العقل التراثي، وفتح آفاقا معرفية جديدة للعقل الديني أو نختار التخلف ملاذا إلى الأبد. فهذا النوع من الروايات لا يخدم الدين، ويعيق التنمية الحضارية، عندما يكرّس الكسل، وكراهة الحياة، واقتصار العمل الصالح على الدعاء والصلوات الطويلة المرهقة لجهد الإنسان ومشاعره، والعزوف عن مسؤولياته التاريخية والرسالية.

 

....................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi10مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

س81: د. مجدي ابراهيم: إذا كنا نذكر أن الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية قول النبي صلوات الله عليه فأنا أتساءل: أي حكم هذا؟ هل هو من جملة الأحكام الشرعيّة الاعتقادية أم من جملة الأحكام الشرعية العمليّة؟

ج81: ماجد الغرباوي: المقصود بالقاعدة المتقدمة (إن الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية سيرة النبي: قولا وفعلا وتقريرا) هو كل حكم له تأثير مباشر على الإنسان، سلوكا وموقفا. فيشمل الأحكام الشرعية العملية والأحكام الشرعية الاعتقادية حينما ينطبق عليها مفهوم الحكم. غير أن المتبادر من الحكم الشرعي عادة، خصوص الأحكام الشرعية العملية (العبادات والمعاملات). إذ نص الكتاب على مجموعة منها شملت العبادات، المواريث، العقود، قضايا المرأة، الزواج، الجهاد، العلاقات الاجتماعية، وغير ذلك، لتنظيم سلوك الإنسان، وضبط علاقته بخالقه ونفسه وبيئته ومجتمعه. بعضها يجب الإتيان به فحكمه الوجوب، أو لا يجوز ارتكابه فحكمه الحرمة. وربما يكون مندوبا أو مكروها. وما عدا ذلك فهي مساحة الإباحة التي يوكل أمرها للمكلف / الإنسان، يتمتع بها كيفما يشاء، وفقا لعقله ومصالحه. ولا شك في شرعية وحجية الأحكام القرآنية مطلقا، لكن فعليتها تتوقف على فعلية موضوعاتها، وهذا رأي خاص. كما لا ريب في كمال الدين بمعنى التشريع بقرينة آيات الأحكام التي حفت بهذه الآية بالذات. من هنا نشأ الإشكال حول حجية ما زاد على الأحكام الشرعية القرآنية. وهي الأحكام والفتاوى التي تختزل الإباحة، وتقيّد حرية الفرد والمجتمع. لأن كل فعل لم يرد فيه أمر أو نهي قرآني فهو مباح. فتشبثوا بحجية مطلق السنة، لتشريع أحكام مستحدثة، ليس لها جذر قرآني. ولجأ الفقيه لتأصيل ما يعرف بالأصول العملية لتحديد الموقف العملي من الحكم المشكوك. وهي مجموعة قواعد عقلية، تم الاستدلال عليها بأدلة اجتهادية. وبالتالي فهذه الأحكام هي مدار اجتهاد المجتهد، ووجوب تقليد المقلد. فهل جميع فتاوى وأحكام الفقيه ملزمة أم خصوص ما لها جذر قرآني؟.

هذا هو الإشكال الذي تجيب عنه القاعدة الآنفة، وتشترط في حجية السنة وجود جذر قرآني للحكم النبوية، بعد حصر التشريع بالله تعالى، واقتصار وظيفة النبي على التبليغ والبيان. فكل بيان وتفصيل نبوي لحكم قرآني مجمل، يعتبر حجة. أو من باب تطبيق الكلي على مصاديقه، ما لم يكتسب المفهوم معنى جديدا.

شمول القاعدة

يتوقف شمول الأحكام الاعتقادية بالقاعدة المتقدمة على صدق مفهوم الحكم عليها. فهل العقائد من صنف الأحكام؟ أم هي قضايا تصورية، يتوقف عليها قبول الأعمال، فتكون مائزا بين الشرعي وغيره. فمفهوم الصوم شرعا يختلف عنه لغة. كلاهما امتناع عن الأكل والشرب. غير أن صدقية الأول تتوقف على الإيمان وقصد القربى في وقوع الفعل. (من آمن وعمل صالحاً)، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). فالحكم الشرعي العملي يختلف في ماهيته عن العقيدة. الأول، أوامر ونواهٍ، والثاني إذعان قلبي ويقين نفسي. وهذا يدعونا للتأني في إطلاق صفة الحكم عليها، وتأويل ما يبدو في ظاهره حكما شرعيا عقيديا.

إن الإيمان بأية عقيدة لا يتوقف على وجود أمر شرعي، فهو يترسخ وفق آلية مختلفة. وتترتب عليه أحكام خطيرة، يتاثر بها سلوك الإنسان ومشاعره ومواقفه. لذا فالإيمان عندهم ليس مجرد صورة ذهنية، بل: (الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح). والأخير هو الإلتزام بالواجبات الدينية وعدم ارتكاب المحرمات المنهي عنها شرعا. لذا يرى بعضهم أن عمل الجوارح ركن من أركان الإيمان لا مجرد شرط في كماله. فيرتّبون على عدم الإتيان بالواجبات الشرعية، وارتكاب المحرمات أحكام الكفر والارتداد. خلافا لمن يعتقد أن عمل الجوارح شرط لكمال الإيمان. أي أنها تحقق مصاديق الإيمان خارجا، فلا يعتبر العاصي كافرا أو مرتدا. لأن الإيمان متحقق سواء عمل صالحا أو لم يعمل. وسواء ارتكب معصية أم لم يرتكب. فيصدق أنه مؤمن ارتكب ذنبا.

ونشب خلاف بينهم أيضا حول جواز التقليد في أصول الدين، وهي أصول العقيدة الإسلامية: (التوحيد، النبوة، والمعاد). وقد أضاف لها الشيعة: الإمامة والعدل. بعضهم جعلها أصولا مستقلة، وبعض اعتبر الإمامة امتدادا للنبوة، والعدل امتدادا للتوحيد. فذهب المعتزلة والشيعة وغيرهما إلى عدم جواز التقليد في الأصول، ويجب على الفرد تحصيلها بالعقل والنظر. وقال جمهور الفقهاء والحنابلة بجواز التقليد بل ووجوبه. ومن قال بالوجوب، لا فرق عنده بين وجوب التقليد في الأحكام الشرعية العملية والأحكام الاعتقادية، لعدم قدرة المكلف على ذلك بنفسه. وكل ما صدر عن النبي حولهما، فهو حجة ملزمة. ولا فرق بين العقيدة ولوازمها من هذه الناحية، كصفات الخالق، ومدى اختلاف المسلمين حولها. وحول المعاد وتفصيلاته، والنبوة وحقيقتها.

العقيدة والإيمان

يمكن تعقّل التقليد بالنسبة للأحكام الشرعية العملية، بخصوص ما له جذر قرآني، خاصة تفصيلات العبادات باعتبارها توقيفية، تتوقف حجيتها على ورود إذن من الشارع. لكن هل يمكن التقليد في العقيدة؟

فينبغي حسم هذه القضية أولا. يقصد بالعقيدة: (الحُكْمُ الذي لا يُقْبَلُ الشكُّ فيه لدى معتقِدِه.

العَقِيدَةُ "في الدِّين": ما يقصد به الاعتقاد دون العَمل، كعقيدة وجود اللهِ وبَعْثة الرُّسُل والجمع: عَقائِد)، هكذا جاء في كتب اللغة. فتأتي من الانعقاد، والعقد. أي انعقاد القلب على قضية حد اليقين.

والمراد بها اصطلاحا، كما ذكرته في مقدمة كتاب مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني:

(العقيدة منظومة فكرية توجّه وعي الفرد. يتأتى الإيمان بها عبر تراكمات لا شعورية، نفسية – ثقافية، هي سر تفاوته من شخص إلى آخر. فتؤثر في تكوينه جميع المؤثرات النفسية والسلوكية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتربوية، ومنها ذات العقيدة وقوة رمزيتها وإيحاءاتها وحجم تأثّر العقل الجمعي بها. كما تساهم ممارسة الطقوس، والشعارات وإحياء المناسبات في ترسيخ الإيمان بها، فيلعب دورا فعّالا في تأسيس بنية معرفية يترشّح عنها منظومة أفكار وتصورات ومعتقدات تغذّي الخيال حداً يمكنه مقاومة الانهيارات المفاجئة لصدقية حقيقته، من خلال إعادة تشكيل وبناء العقيدة في ضوء قبليات الإنسان وحاجاته وضروراته وتطلعاته، خاصة في مجال العقائد الدينية والمواقف الأيديولوجية. فالعقيدة تنمو في أحضان الإيمان ودفئه، وقد تلتف على معطيات العلوم والاكتشافات المعرفية وتوظفها لترسيخ أسس الإيمان بها، وتحصين ذاتها بأسيجة تضمن بقاءها حية فاعلة، كقداسة وعصمة الرموز التاريخية. فثمة جدل متواصل بين الإيمان وبيئته لتجديد فاعليته على مستوى السلوك والأخلاق والوعي، بدوافع أيديولوجية، لتبقى العقيدة سلطة توجه وعي الفرد وتؤثر في فهم الواقع. فالصورة الذهنية للعقيدة وليدة إيمان الفرد وضروراته ومصادر معرفته. يتجسد ذلك في التقاطعات الحادة حول مفردات العقيدة. وعدم تأثر الإيمان بالكشوفات المعرفية. وطالما مارس الناس طقوسا رغم مخالفتها للعقل والذوق العام).

وفي هذا التعريف ما يكفي لفهم معنى العقيدة ومنشأ الإيمان بها. فهي منظومة فكرية تترسخ لا شعوريا. وغالبا ما تكون متوارثة، ما لم يفق الفرد ويراجع عقائده ومتبنياته. فيصدق في هذه الحالة أن إيمانه جاء عن تفكير ونظر. وأما عامة الناس فلا يصدق عليهم هذا. بل ولا يصدق عليهم التقليد، قياسا على الأحكام الشرعية، الذي يعني اتباع الفقيه في فتواه، فالعقيدة لا تتأتى بالتقليد. بل لا يؤثر أي خطاب في مجال العقيدة بمعزل عن حالة الفرد وبيئته وثقافته ومستوى وعيه. فعندما تتحدث لشخص عن الجن قد يؤمن أو لا يؤمن، لكن حينما تحكي له قصصا، وحوادث، وتسرد له عدد الذي التقوا بالجن، وصفاتهم وقدراتهم الخارقة، فإنه سيذعن ويؤمن تدريجيا عندما تتفاعل الفكرة مع قبلياته، في رحاب مخيال يتألق في أفق اللامعقول وعوالم الغيب المترامية. فالعقيدة لا شعورية، يؤمن بها الفرد رغم عدم قناعته بها عقلا. فهي ليست من صنف الأحكام، ولا تتاثر برأي الفقيه إلا في بعض تفصيلاتها، التي لا سبيل لها سوى النقل والخبر. فيكون دوره من باب الراوي. أو تنظيرا قائما على مرويات دينية، وهنا تلعب خلفيته وقبلياته وثقافته في صياغتها والاستدلال علهيا. فتأتي العقيدة متوافقة معها، بل ولأجلها كخطاب أيديولوجي لا مجرد تنظير عقائدي.

العقيدة والضابطة القرآنية

عندما نعود للكتاب الكريم نجد الخطاب الإيماني خطابا عقليا، يرتكز للدليل والبرهان: (أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). ويرفض: (بَلْ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهْتَدُونَ)، (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ). ويرفض التبعية والتقليد. ويرفض: (بَلْ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهْتَدُونَ)، (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ). ويمجّد الوعي العبادي: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا). ويؤكد على التفكر والتفكير والنظر، من أجل هداية الإنسان عن طريق العقل: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، فهؤلاء دعوا الله بعد إيمان برهاني قائم على التفكر في خلق السماوات والأرض. فيمكن الاستشهاد بها على نفي التقليد في العقيدة. وحصر الِإيمان بالدليل والبرهان. ولا فرق بين الشخص الواعي بالدليل تفصيلا وغيره الذي يشير له إجمالا، فيكون أحد مناشىء إيمانه بعقيدته.

من هنا يتضح أن ما يبدو حكما عقيديا في القرآن، هو إرشاد لحكم العقل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وحكم العقل ثابت بغض النظر عن وجود الحكم العقيدي أو عدم وجوده. فيكون الحكم إرشادا له. وبهذا يتضح أن ما يسمى بالأحكام العقيدية هي أحكام إرشادية، لحكم العقل. فما يرد عن الرسول أيضا هو إرشاد لحكم العقل، وليس تفصيلا وبيانا وفق رؤية اجتهادية ترتكز لضرورات موضوعية. فعندما يفصّل النبي أحكام الصلاة المجملة في القرآن، يفصّلها وفقا لما هو متاح آنذاك، حيث كانت هناك صلاة وركوع وسجود، فيختار في ضوء الأجواء العبادية إرتكازا للكتاب الكريم ومبادئه وقيمه وأهدافه. وأما بالنسبة لأوامره العقيدية (وجود الخالق حصرا) فهي أوامر أو أحكام إرشادية لحكم العقل.

والعقيدة الدينية واضحة قرآنيا، تلخصها آية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚكُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). إضافة إلى الإيمان بالمعاد والغيب. غير أن العقائد تضخمت بفعل كثرة الروايات وحاجة المسلمين لهامش أوسع، يغطي شرعية الخلافات السياسية والطائفية، فنسبت للرسول مختلف العقائد. وجميعها حجة بناء على حجية مطلق السنة النبوية، رغم عدم اتفاقهم حولها. وهذا لا ينفي دور علم الكلام الإسلامي في تشعب البحث العقيدي، حول مجموعة مفاهيم، كان وراءها دوافع سياسية وطائفية، وأخرى تخص الدفاع عن الإسلام وعقيدته، وتفنيد شبهات الخصوم الدينيين. لكن هناك مفاهيم مصدرها الوحيد أحاديث منسوبة للرسول الكريم، ولها أثر كبير على وعي الفرد والمجتمع، كعقيدة المهدي، رؤية الملائكة والجن، الإمامة، قدسية الصُحابة، حياة البرزخ، الشفاعة بهذه السعة المهولة، وغيرها. فهل كل ما يروى من تفصيلات عقيدية حجة يجب الإيمان به، وتصديقه؟ وما هي قيمته المعرفية؟.

إن إيمان الناس بقضية ما لا يعني مطابقتها للواقع، بل نكتشف من خلاله بنية العقل ومضمراته التي تفضي له. وأما صدقية العقيدة فتحتاج لأدلة. أي أن الانتقال من المرحلة التصورية إلى المرحلة التصديقية التي يذعن فيها القلب ويؤمن، يحتاج لأدلة، تارة تكون عقلية، وأخرى نقلية. فلا يمكن الاحتاج بإيمان الناس على صدق عقيدتهم، لتعدد مناشئه. رغم أن الإيمان بشكل عام تجرية روحية شخصية يعيشها الفرد بمشاعره وأحاسيسه، لا تحتاج إلى أدلة حسية وملموسة، بل يدرك الإنسان نور الإيمان بقلبه، ويعيش فيوضات التجربة بمشاعره. لكن كلامنا عن الدليل كحجة في الاستدلال. لذا يجب أن يكون الدليل العقلي بما يشمل الدليل الفلسفي، دليلا برهانيا، يقوم على بديهيات ومبادئ عقلية. والحقيقة أن العقل لا يدرك أكثر من ضرورة وجود علة وراء هذا الكون، ولا بد له من خالق وفقا لمبدأ العلية. وبطلان التسلسل، وأن الصدفة غير عاقلة، وما في الكون يؤكد وجود نظام وقانون وإبداع هو نتاج تخطيط وعقل وبرمجة. فالعقل لا يدرك أكثر من هذا. ومن يشكك بمدأ العلية، يحاصره من حيث لا يريد، لأنه محكوم بها، مهما كان دليل النفي.

ويبقى النقل (القرآن وكلام الرسول) الدليل الوحيد على مفردات العقيدة الدينية. لهذا فالقضايا الدينية قضايا نسبية لا يمكن الاستدلال عليها بمعزل عن النص / الخبر وخلفية المتلقي. أي لا يمكن الاستدلال عليها بدليل حسي كما بالنسبة للقضايا المطلقة. وقد مر الكلام مفصلا.

لكن ما هي قيمة إخبارات النبي بالنسبة للقضايا العقائدية؟

والجواب أن بعض القضايا العقيدية غيب مطلق. فلا يتأتى الإيمان بالعالم الميتافيزيقي بأسره، بما يشمل عالم الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار، إلا من خلال الإيمان بالله: (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ). وأما بالنسبة لغيره: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا، لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا). ولا توجد قرينة على أن المراد هم خصوص الأنبياء، فربما تقصد الآية بالرسل، بعض الملائكة، الواسطة بين الله ورسله: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). ومع الشك فإن آية: (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، يمكن أن تشكل قرينة على إرادة القول الثاني، فيبقى الغيب غيبا منحصرا بالله بما فيه صفاته، وكنهه، وخصائصه. ويكون القرآن بالنسبة للقضايا الغيبية حاكما على كل رواية وخبر، بل وحاكما على كل تفسير وتأويل. وبهذا نفهم قيمة الروايات الغيبية. فلا قيمة لأي إخبار عن الغيب بمعزل عن القرآن. وقد حرص الكتاب الكريم على فتح نافذة من الغيب تحقق ما تصبو له الأديان. لذا ينبغي التعامل مع قضايا الغيب بدرجة عالية من الدقة والاتزان، والاستناد للكتاب كمصدر موجّه ومرشد ومعيار، والكف عن الاستغراق في تفصيلات عَزَفَ عن بيانها، واكتفى بفتح نافذة تشبع حاجة الإنسان منها، لكي لا ينشغل المسلم عن معالجة مشكلاته الحياتية، أو الهروب عنها إلى عالم لا يدركه إلّا بقدر محدد لكنه مغرٍ، لا سيما بالنسبة للمؤمن الذي يستهويه الحديث عن مكنونات الغيب، باعتباره عالماً مجهولاً يحب التعرف عليه، وفض أسراره المرتبطة بمصيره الأخروي.

وما تبقى من عقائد، فالنبوة دليلها المعجزة بالنسبة للمخاطبين، وما بعدهم يكون التواتر حجة، كما بالنسبة لقوم موسى وعيسى. أو القرآن بعد نبوة محمد بن عبد الله، حيث أكد صدورها. وبالتالي لا يجوز أية إضافة عقيدية تنتمي لعالم الغيب، ما لم يرد فيها قرآن، وبهذا نفهم قيمة الأخبار والروايات التي تتحدث عن الغيب، عندما يكون منحصرا بالله، وأن الرسول لا يتقول عليه مطلقا: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ). فلا يمكن تصديق كل ما يروى عن عالم الغيب، كتفصيلات الجنة والنار وعذاب القبر وأنواع الملائكة وخصائصهم، والشفاعة وتفصيلاتها، بما يزيد على الكتاب الكريم. لأنه سيكون حديثا بغير علم، وهو باطل بالضرورة (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). أو يكون معارضا للكتاب الكريم فيكون بطلانه أوضح، كمن ينسب علم الغيب للنبي، والقرآن ينفيه بآية صريحة. ومن باب أولى بطلان ما ينسب من علم الغيب لغير النبي الكريم.

ويمكن استدعاء مفردة عقيدية كشاهد أولي على الموضوع. هناك عدد كبير من الروايات تصف الملائكة بصفات خرافية من حيث أشكالهم، وعدد أجنحتها. تنقل مداولات نبوية حول موضوعات شتى، يطغى عليها البعد الطائفي والسياسي، يتناقلها الناس ويستدلون بها كيقينيات نهائية. وهذا النوع من الروايات لا يمكن تصديقه لاستحالة رؤية الملائكة على هيئتها الحقيقية، وثمة اختلاف ماهوي يحول دون لقاء الملائكة مباشرة، فلا توجد سنخية بين جنس الملائكة وجنس البشر. قال تعالى: (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ). وأيضا بالنسبة الى مريم تقول الآية: (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا)، فهي لم تشاهده على حقيقته بل تمثل لها بشرا سويا. وهكذا بالنسبة لإبراهيم عندما استقبل ضيفيه، تعامل معهم على أساس أنهم بشر قبل أن يكشفوا عن هويتهم وهدفهم من الزيارة: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف). (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ .... قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ). إضافة إلى أن رؤية النبي لجبرائيل عند سدرة المنتهى رؤيا قلبية. فلا يمكن الاستدلال بها.

وكذلك بالنسبة للروايات التي تتحدث عن لقاء النبي بالجن، وما يدور بينهما من أحاديث، فإنها روايات موضوعة، فالنبي لم ير أي كائن ما ورائي، تقول الآية: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا). فهو لم يسمع منهم مباشرة فضلا عن لقائه بهم، لكن أوحي له ذلك!!. (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ...). وهكذا ما تبقى من مفردات العقيدة الإسلامية.

العقيدة والمعجزات

وأيضا ما ينسب من معاجز سواء للنبي أو غيره، فلا يمكن تصديقها، ولا تكون الأخبار حجة علينا، ما لم ينص الكتاب الكريم عليها. وقد قررت قاعدة في كتاب مدارات عقائدية ساخنة.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني. القاعدة تقول: (الممتنع عقلا، لا يُحتمل وقوعه خارجا، سواء كان الامتناع ذاتيا، كشريك الباري، أو لعدم تحقق شرطه كاقتراب النار من الورقة شرط لاحتراقها، او لطبيعة الشيء وتكوينه، كامتناع صدور المعجزات والخوارق الكونية على يد الإنسان حسب طبعه وتكوينه. وما أكد القرآن وقوعه، يُقتصر فيه على مورده). ولا يمكن رفع اليد عن هذه القاعدة لأن أحكام العقل لا تخصص، وبالتالي نشترط وجود نص قرآني، نرفع به اليد عن القاعدة، لنفهم أن المعجزة قد جرت وفقا لقانون آخر نجهله. وأمثلة هذه القاعدة كثيرة خاصة العقيدة الشيعية وأسطرتها لرموزها التاريخية والدينية. نرجئ الحديث عنها.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi9مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة الثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

 

ماجد الغرباوي: في مقابل منطق العبودية الذي تقدم الحديث عنه، هناك منطق الخلافة، الذي يختلف جوهريا في رؤيته للإنسان وللدين وأحكام الشريعة. وهو فهم يستمد شرعيته من الكتاب والقيم الإنسانية الرفيعة.

منطق الخلافة

يؤكد هذا الاتجاه على مركزية الإنسان، ودوره في استخلاف الأرض، ويقيم علاقته بالخالق، وفق ثنائية الخالق والمخلوق. فتأتي علاقته مع الله منسجمة مع فهم مختلف للدين والحياة، بشكل يشعر الإنسان باستقلالية، تمكنه من وعي الذات. وهذا ليس استكبارا (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، بل وعيا متوقدا بالإيمان. فعلاقة الفرد بربه علاقة العابد بالله، لا علاقة العبيد بسيدهم. فترى القرآن يؤكد عليها وينسب المتلبسين بفعل العبادة لنفسه: (وعباد الرحمن). فعبادتهم عبادة إرادية واعية. وأما عبودية العبد فهي عبودية مطلقة، ليس فيها تمرد أو اختيار. لذا في قصة الخلق إكتفى الخالق بسؤال إبليس عن سبب عدم سجوده، ولم يجبره عليه. لأن العبادة الواعية فعل إرادي.

وأيضا نسب العبّاد لنفسه حينما راهن على قدرتهم في استخلاف ووراثة الأرض: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، رغم ضعف الإنسان كما يًستشعر من آية: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالإنسان هو رهان الخالق مع ملائكته عندما احتجوا على خلافته خوفا من فساده وسفكه للدماء (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). واحتجوا أيضا أنهم أولى بها يسبحون بحمده ويقدسونه (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ)، لكنه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة وجود الإنسان على الأرض ومدى قدراته وقابلياته، فاقتصر نظرها على البعد الإيماني. بينما خلافة الإنسان أبعد، وقد أشار لها تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، لكنها لم تدرك مراده. فهم لم يعاصروا الإنسان ولا يعرفون عن قدراته الخلاقة سوى سفك الدماء قياسا على مخلوقات سابقة، بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة كل تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وقد حقق تطورا حضاريا كبيرا.

فالغاية من تشريع الأحكام وفقا لهذا الاتجاه، ليس اختبارا لدرجة طاعة الإنسان ومستوى عبوديته كي يواكب الحكم كل تطورات حياته، في ظل قيمومة الفقيه ومن سبقه. بل أن تشريعها جاء لتحقيق ملاكات تتوقف عليها مصلحة الاجتماع البشري. فتكون رهن فعليتها وفعلية موضوعاتها. ما دام الحكم ناظرا لمصلحة الإنسان وفقا لشرطه التاريخي. فما كان فعليا في زمن الرسالة قد لا يكون كذلك في زمن آخر. لا بسبب نسخ الحكم كما يعتقدون بل بسبب عدم فعليته. وهذه وجهة نظر تحترم قدسية التشريع وتناقش في فعليته، بينما النسخ يرمي المشرّع بالجهل، وعدم قدرته على تشخيص تمام الموضوع وشروطه. بعبارة أخرى أن ما جاء في القرآن من تشريعات تكفي حاجة الإنسان ليواصل حياته اعتمادا على عقله وقيمه ومبادئه الإنسانية، التي تحفظ له كرامته ودوره، وتحقق شروطه الحياتية بعيدا عن الظلم والتعسف. وهو فهمٌ مختلف لا يسمح بتضخم الأحكام الشرعية. لكن الفقهاء لم يلتزموا به، لأنه لا يحقق سلطتهم ومركزيتهم، ويسمح بتمرد الإنسان والاحتجاج بعقله في مقابل فتاواهم وأحكامهم. فتحرره من سلطة الفتوى ليس تمردا بل وعيا حقيقيا لفلسفة التشريع.

وهذا الاتجاه كسابقه أيضا يؤمن بوجود ملاكات حقيقية وراء تشريع الأحكام، لكنها ملاكات تراعي الإنسان وشروطه الحياتية، فيدور الحكم مدار مصلحته في ضوء دوره التاريخي. فالأصالة له، لا للتشريع. وليس من مصلحته محاصرته بفتاوى وأحكام تصادر حريته وعقله، وتتركه مشلولا أسيرا لفتاوى الفقهاء، حتى في أبسط أفعاله، خاصة أن الاتجاه الأول حرم الإنسان حريته عندما اعتبر مساحات الإباحة الواسعة حكما شرعيا، فيتمكن الفقيه التحكم به متى شاء واقتضت ضرورات فتاواه.

وبهذا يتضح أن ما زاد على التشريعات القرآنية ليست بحجة ما لم يدل الدليل عليها. لذا تمسكوا بمطلق السيرة النبوية، وبعضهم وسع مدارها لغيره، وسعوا إلى تأسيس قواعد عقلية تساعدهم على استنباط الحكم الشرعي، وتكسبه شرعية دينية. فإذا ناقشنا أدلتهم ستنهار شرعية الأحكام الزائدة، باستنثاء ما كان له جذر قرآني، وهنا سيكون دور الفقيه اجتهاديا. تارة يستدعي السيرة النبوية فيكون مقلدا وليس مجتهدا إلا في حدود فقه النص، وتطبيق كلياته على مصاديقها، دون التشريع بعيدا عن الكتاب الكريم.

وأصوليا ينطبق على الشك في حجية السنة في غير الأحكام القرآنية، تفصيلا وبيانا، قاعدة دوران الأمر بين الأقل والأكثر، لأن معنى حجية السنة في الزائد، حجية ما فيها من تكاليف وأحكام، فيكون الشك فيها شك في المكلف به، وهو مجرى البراءتين العقلية والشرعية. كما أن الأصل عدم حجية الزائد، لاختصاص التشريع بالله إلا ما ثبت بالدليل، وهو منتفٍ قرآنيا بشكل صريح واضح. وثالثا أن الأصل في الإنسان حريته، وكل قيد وحكم هو تققيد لها، فيحتاج إلى دليل وعند الشك في الأصل عدم التقييد. بل يمكن استصحابها في حالات الشك لاثبات عدم الحجية.

مهام الرسالة قرآنيا

اتفق الجميع أن الولايتين التكوينية والتشريعية مختصة بالله تعالى. لكنهم اختلفوا في جعلهما لغيره، حيث قال غلاة الشيعة بجعل الولاية التكوينية للأئمة من أهل البيت وفقا لمعتقدهم، وهو رأي لا يستحق التوقف عنده أبدا، فالكون يسير وفق قوانين منضبطة، لا يمكن لأي أحد التأثير عليها. لكنهم اتفقوا إلا ماندر على جعل ولاية تشريعية للنبي، بأدلة لا تصمد أمام النقد الموضوعي. وهذه المسألة يمكن حسمها قرآنيا بسهولة، رغم إصرارهم على حجية مطلق السنة النبوية. فوظائف النبي قرآنيا: بشير، نذير، مبلغ، معلم، هادٍ، داعٍ، سراج. في مقابل: لست عليهم بمسيطر، ليس لك من الأمر من شيء. وآيات أخرى. ولا دليل على أن المراد بالحكمة خصوص السنة النبوية، لأن الأولى مفسّرة قرآنيا كما في الآية 39 / سورة الإسراء، حيث ترجعها لمبادئ إنسانية، فتختلف عن الوحي، لكن أيضا لا يدركها سوى الحكيم من الناس. والطاعة المفترضة للرسول في الإجرائيات. وقد مر تفصيل كل هذا. يبقى سؤال مهم يحسم هذه القضية بالذات: لو كانت سنة النبي كالقرآن في حجيتها ووجوب الإلتزام بها مطلقا، فلماذا لم تُضف له، وتُضبط كغيرها من الآيات، وينتهى الجدل حول حجيتها؟ لماذا فتحت علينا أبواب الجحيم، وراح كل فريق ينسب لرسول لله ما يشرعن عقائده، ويخدم مصالحه السياسية والمذهبية، حتى اختلط الديني بالسياسي، والمقدس بالمدنس، والعقلي بالخرافي؟ ألا يدل هذا على وجود فارق نوعي، واختلاف جوهري بينهما؟ وبالتالي فالجذر القرآني للرواية هو الذي يحدد مدى حجتها، وما تبقى فله دلالته القوية التي يمكن الاستفادة منها في تطوير الفهم الديني.

فالتشريع منحصر بالله تعالى لذا جاءت آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، مسبوقة بمصفوفة أحكام، وتلتها أحكام. وفي هذا اشارة بليغة لكمال الدين، واكتمال التشريع، بما يكفي ليكون الكتاب حجة على الناس، وهذا دليل على عدم حجية غيره. وعدم وجود دليل صريح واضح على جعل الولاية التشريعية للنبي، سوى تأويلات واستظهارات واجتهادات شخصية، ومع الشك فالأصل عدم جعلها، فتبقى مقتصرة على أصلها، أي الباري تعالى. ودليلنا على محدودية الأحكام الشرعية بما جاء في الكتاب، دليل قرآني، (قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)، كما في هذه الآية والتي سبقتها وغيرهما من شواهد. هذا إضافة لما تقدم من كلام حولها. والتمادي قد يصدق عليه قوله تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ).

فرسالات السماء تواكب مسيرة الإنسان حتى بلوغ هدفه، فهي من جهة تربطه بالخالق، ومن جهة أخرى تخوله خلافة الأرض، فدور الأديان هو دور حاضن للإنسان، حتى يتقوّم عوده، فلا يعقل أن يطارده من خلال الفقيه وفتاواه التي تنأى عن المشاعر الإنسانية حينما تتعامل معه كآلة تقتصر مهمته على تطبيق ما يملى عليه من فتاوى وأحكام اجتهادية. وهذا دليل آخر على عدم حجية أي حكم ليس له جذر قرآني، ما لم يدل الدليل الشرعي الصريح عليه، وهو مفقود بالضرورة.

الحرية قدر الإنسان

إذا لم تكن الحرية من ذاتيات الإنسان فهي من أخص خصائصه أعارضه. وقد لا أجازف حينما أعتبرها فصلا في الحد المنطقي، لأنها ليست أقل خطورة من الناطقية. فكما يصدق في الحد التام أن الإنسان حيوان ناطق، كذلك يصدق: الإنسان كائن حر. ولا عيب في استخدام الجنس البعيد، فهو أكرم للإنسان من تعريفه بالجنس القريب أي الحيوان. وحريته تدخل في صميم كينونته. فلاتصدق الصفة مع غيره إطلاقا، لأنها تعني توظيف العقل والقدرة على اتخاذ القرار، وهذا لا يتحقق لغير الإنسان، ولا يمكنه التخلي عنها. فهي صفة إرادية في استخدامها لا في أصل وجودها: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالشكر والكفر متفرعان على حرية وإرادة الإنسان. وما إبداعات البشرية خلال تاريخها إلا دليل على حريته التي هي ركيزة قدراته في مختلف مجالات الحياة. لذا قلت يصدق أنها فصل منطقي، لأنها من ذاتياته، ولا معنى له بدونها. وبهذا يتضح أن العبودية صفة طارئة بفعل عوامل خارجية: سياسية واقتصادية وبيئية وثقافية. وقد جاء في المأثور: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا). فالأصل ملازمة الحرية لوجود الإنسان، بشكل يمتنع سلبها إياه إلا لضرورات تتعلق بحياته وعلاقاته الاجتماعية. ومهما كانت قدسية الأحكام الشرعية فهي قيود لا تطيقها حرية الإنسان، لذا كان الرهان القرآني على خطاب الترهيب والترغيب في ضمان إلتزام الإنسان، علما أنها مشرّعة لمصلحته. فهناك تمرد داخلي يحتاج لترويض.

وبالتالي فكما يصدق تعريف الإنسان بأنه: ذات مفكرة، حينما يُشك في أصل وجوده استنادا إلى قول الفيلسوف الفرنسي، رينه ديكارت: "أنا أفكر إذا أنا موجود". فكذلك يمكن تعريف الإنسان بإنه: ذات حرة، حينما يشك في حريته وإرادته وقدرته على اتخاذ القرار. ويصدق أيضا: "أنا حر إذا أنا موجود". والحرية هنا بمعنى الاستعداد فتكون سابقة على التفكير بمعنى وعي الذات، ولو من حيث الرتبة لا من حيث تعدد العلل. أي أن لحظة وعي الإنسان لذاته هي لحظة وعيه لإرادته. فتكون الأصالة لحريته دائما. ومقتضى هذه الأصالة عدم قدرة أية جهة سلبها إياه، بما فيهم الخالق تعالى. بل لا معنى للسلب لأنها بهذا المعنى من ذاتيات الإنسان، لا فقط من أخص خصائصه. لكن يمكن تقييدها وتحجيمها وترشيدها، حينما يتوقف على الترشيد مصلحة عامة. فالإنسان هو المسؤول الأول عن نفسه وسلوكه ومواقفه، لذا لم يشترط أي شيء في خلافته قرآنيا. وقد عاش الإنسان ردحا طويلا من الزمن بعيدا عن الأديان، بانسجام حقق مصداق الأمة الواحدة، وقد امتدحت الآية تلك الفترة حينما قالت: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)، لأن إقامة الأمة الواحدة هدف مهم بالنسبة للأديان وقد تحققت على يد الإنسان بمعزل عن السماء. لكن حينما وقع الاختلاف بعث الله الأنبياء، بعثة مغياة لحين عودة الناس لرشدهم: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). فتكون المهمة الدينية في بعدها التشريعي مهمة ترشيدية، حيث يحتضن الدين الإنسان كي يتمكن من مواصلة حياته ويكتشف قابلياته وقدراته. والآية دقيقة جدا، فهي لم تفرض أي قيّم على الإنسان، ولم تشترط نبيا أو إماما أو فقيها، بل ليقوم الناس بأنفسهم بالقسط.

وتتوقف على الحرية مسؤولية الإنسان عن عمله واختياره، خاصة مسؤولية الأمانة التي تحدثت عنها الآية السابقة. فمنطق العبودية يسلب الإنسان حريته حينما يفرض عليه أحكاما تغلق جميع منافذ الحياة، ويضعه بين خياري: الطاعة المطلقة أو الخلود في النار. على عكس منطق الخلافة الذي يرهن الحكم الشرعي بفعلية موضوعه. وهذا ما أكده الفكر الوجودي حينما اعتبر الحرية مقوما ذاتيا لوجود الإنسان، فهي ليست خيارا بل قدرا لا يمكنه انتزاعه، فهو موجود حر. والحرية تستلزم الإرداة، فيتحمل الإنسان مسؤولية عمله وسلوكه وموقفه، وهذا مبعث قلقه.

فنخلص إلى نتيجة أن منطق الخلافة يقتضي وضع سقف للأحكام الشرعية بما يتناسب مع مهمة الإنسان في الحياة. وهذا لا يتنافى مع إيمان الفرد، فالحرية لا تعني الكفر، والتنصل عن القيم والمبادئ الدينية. بل تعنى أن يكون الإنسان أكثر مسؤولية عن قراراته ومواقفه. ولا تتقاطع كما يعتقد البعض مع آية: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ). لأن الكلام حول المقدار الزائد من الأحكام التي يستنبطها الفقيه، والفتوى التي يفتي بها. كما أن الكلام حول مدى فعلية أحكام الشريعة. فالقول بعدم فعلية حكم بسبب عدم فعلية موضوعه ليس فيه إنكار لأصل التشريع، كي يحكم على قائله بالردة والكفر.

نعود للسؤال، اتضح أن الأحكام الشرعية الزائدة عما هو مدون في الكتاب الكريم مشكوك في حجيتها وشرعيتها ما لم يكن لها جذر قرآني، وعند الشك فالأصل حاكم، وهو القدر المتيقن منها، أي الأحكام الشرعية القرآنية. غير أن الفقهاء اضطروا لشرعنتها من خلال قواعد عقلية، يمكن مناقشتها وتفنيدها.         وليس هذا محلها.

كما وظف الفقهاء خطابا أيديولوجيا صارما، يقمع أي تمرد على سلطتهم الدينية. بشكل أصبح الفرد لا يفرق بين الحكم الشرعي القرآني، والحكم الشرعي الفقهي / الفقاهتي. فالجميع بالنسبة له مقدس، رغم تداعياتها على حرية الفرد.

ثقافة الفرد

ينبغي أن يتسلح الفرد بثقافة دينية قرآنية، تمكنه من اتخاذ موقف من الفقيه وفتاواه، بشكل يستطيع السؤال عن دليل الفتوى مقارنة بما هو مشرّع قرآنيا، على صعيدي العقيدة والشريعة. فالفقه رغم أنه تخصص له مناهجه وأدواته لكن يمكن للفرد التوفر على قدر من المعرفة التي تمكنه من إدراك مباني الفقهاء ولو بالحد الأدنى. فبإمكان الفرد تحري عقيدة الفقيه، ومصادر معرفته، ومنهجه في الاستنباط. وينبغي تحري صدقية أن الفقيه لا يفتي إلا طبقا للكتاب والسنة، بينما مصادر الاستنباط أوسع من ذلك. بل حتى في دائرة السنة فإن من يؤمن بحجية مطلق روايات كتب الصحاح مثلا، تختلف فتواه عمن يخضع كل رواية للنقد، والجرح والتعديل. أو من يعتقد بانسداد باب العلم والعلمي يختلف عمن يؤمن بحجية روايات الآحاد. وبالتالي ستشكل ثقافة الفرد هاجسا، تجعل الفقيه يتأنى في فتاواه وإملاءاته، التي تتحكم بمصير الإنسان.

الفارق بين الاتجاهين

إن الفارق بين منطق العبودية، ومنطق الخلافة فارق جوهري في وعي علاقة الإنسان بخالقه، وبدوره في الحياة. فمن يعتقد أن دوره يقتصر على العبودية المطلقة، فهو بحاجة مستمرة للحكم الشرعي، كمحدد لوعيه وسلوكه، وقد يستدل على هذا الاتجاه بقوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وهذا الاستدلال غير تام، حتى اضطر بعضهم توجيه الآية، بما يكرّس معنى العبودية، حينما اعتبر جميع سلوك وفعل الإنسان هو عبادة، وليس المقصود منها خصوص التعبد بالعبادات.

وهذه الآية لا يمكن الاستدلال بها على تكريس مطلق العبودية، للأسباب التالية:

أولا: حينما تقرأ الآية الكريمة ضمن سياق الآيات، قد يفهم منها نفي الإطلاق، تقول: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ). فالنفي واضح، تقول الآية، ما خلقت الجن والإنس لمجرد العبادة، ولا نريد منهم رزقا، ولا نريد منهم أن يطعمون. فالعبادة إذا جزء من سلوك الإنسان وليست هي تمام ملاك خلقه. وهذا القدر من الشك، مهما كانت قيمته الاحتمالية يمنع انعقاد الإطلاق.

ثانيا: يصدق أن الآية مجملة، فنحتاج لفهمها وفقا للمنطق القرآني، إلى آية محكمة واضحة. وآيات الخلق قد بينت الهدف من خلق الإنسان وقالت صريحا أنه خليفة الله في أرضه. إني جاعل في الأرض خليفة. وخليفة الله ليس مخلوقا للإمتحان والافتتان وتكريس وقته لأداء العبادات، وإنما هي مسؤولية ربانية. ويمكن بآية خلافة الإنسان فهم جميع الآيات التي تتحدث عن افتتان الإنسان في الحياة الدنيا، فهو ليس افتتانا ماكرا، كافتتان السيد بعبده. وانما افتتان مسؤول، لتحفيز الإنسان ليكون بمستوى الحدث والمسؤولية التاريخية.

ثالثا، لم يقل أحد بوجوب تفرغ الإنسان للعبادة، وترك الحياة الدنيا. وقد جاء في الخبر: (إن لله عليك حق، وإن لنفسك عليك حق، وإن لعيالك عليك حق، فاعط كل ذي حق حقه). 

ولا شك في وجود فهم مغاير للآية يتسق مع مرتكزات الكتاب الكريم، والهدف من خلق الإنسان فقد ورد عن ابن عباس في تفسير هذه الآية أن المراد من "إلا ليعبدون"، أي إلا ليعرفون. فتكون معرفة الحقيقة هدف أساس لخلق الإنسان.

 

...............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi8مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

د. مجدي ابراهيم: أستاذ فلسفة / مصر: قرأتُ الحوار المفتوح عن ضوابط الرواية الدينية مع الأستاذ ماجد الغرباوي في عناصره الخمسة: معرفة الروايات، وشواهد الوضع، ومناهج التوثيق، وحجيّة السنة، ثم أخيراً القيمة المعرفية. والحقيقة أشهد له بعمق التحليل والنقد مع نفاذ تطبيق المناهج الحديثة على روايات الحديث؛ الأمر الذي يشكّل رؤية المفكر في ضوء نظرة مستقبليّة لا تدعو للفرقة أو الانقسام مقدار ما تدعو لفهم النصوص الحديثية الداعية بحكم تراكمها واجترارها إلى الفرقة والانقسام؛ ثم التركيز؛ على حد قوله؛ على النسخة التي تربط القرآن لا بالسّنة ولا بالعترة؛ ولكن بظرفه الزماني وبمتغيرات ضرورات الإنسان ومواكبته لعصره.

وسأقوم بتحديد تساؤلاتي في النقاط الآتية متخذاً هذه البديهة المعرفيّة أساساً لنقطة انطلاق: وأعني بها التفرقة الفارقة بين الشرع الجديد والفهم الجديد. لقد وضع الأستاذ ماجد منهجاً رصيناً في دراسة روايات الحديث ونقدها بيّنه لنا خلال حواره العام وحدّد عناصره، وهو نفسه القاعدة الأم التي يعوّل عليها علماء الحديث ولا يعولون على سواها، ويقوم عليها علم الجرح والتعديل (فما خالف كتاب الله من تلك الروايات فهو زخرف؛ ولا حجيّة لأحاديث النبي مطلقاً في غير الأحكام الشرعيّة في الكتاب المجيد، ووجود الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية قول النبي عندما يكون تفصيلاً وبياناً له، إذْ التشريع من عند الله مقتصر عليه).

والسؤال هو:

س80: د. مجدي ابراهيم: إذا كان التشريع من عند الله ومقتصر عليه؛ فلا يمكن أن نأتي بتشريع جديد بل يمكننا أن نأتي بفهم جديد في التشريع الذي هو من عند الله؛ وهذه النقطة فيما أرى جوهرية؛ لأنها هى نفسها التي تمكّن العقل الحداثي (في مقابل العقل التراثي) بوضع الضوابط والمتغيرات لمواكبة الإنسان لعصره، وتفتح أمامه السّعة في الفهم والتصرف في شئونه الدنيوية كيفما يشاء، وبغير قيود أو حدود. فهل يمكن في وجهة نظر الأستاذ ماجد الأخذ بها والتعويل عليها؟!

ج80: ماجد الغرباوي: بدءا أتقدم بجزيل الشكر والاحترام للأخ الأستاذ الدكتور مجدي إبراهيم، أستاذ الفلسفة. وأشكر حسن ظنه وثقته. وأعتبر ما قاله شهادة صدرت عن أكاديمي وباحث مرموق. فأفتخر بها وأعتز. كما أشكر مشاركته من خلال أسئلته القيمة التي ستثري الحوار، وننفتح من خلالها على آفاق معرفية جديدة.

نعم يمكن الأخذ بها، متى ما دل الدليل عليها، فلا تكون حينئذٍ خيارا، بل عودة لفهم الدين، وأحكام الشريعة وفق محددات الكتاب المجيد. لأننا أمام قضايا دينية، توقيفية، شرطها ثبوت جعل شرعي صريح بخصوصها. وليست المسألة خاضعة للاجتهاد ورغبات أيديولوجية أو مذهبية. وكان أحد أهداف الجهاد أن يكون الدين كله لله (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) بمعنى تحريره، وسلب شرعية الأديان التي تتحكم بمصائر الإنسان ولو بالقوة. والدين هو العقيدة والشريعة. فالرهان على ما طرحته يتوقف على تسوية إشكاليات، ترتبط بفهم الدين، ودور الإنسان في الحياة، وتحديد مهمة الأنبياء الرسالية، وحدود تأثر الفقه بالمتغيرات الزمكانية. ومدى وعيه بها، وقدرته على التحرر من قبلياته التي تفرض محدداتها وسلطتها. فرغم دعاوى الإجتهاد، غير أن الفقيه أسير قواعد تم تأصيلها عقليا لضبط منهجه في استنباط الأحكام الشرعية، فهو يخضع لها ويقدسها وينسى أنها صنيعته، المرتهنة في صدقيتها لقبلياته، وما يؤمن به من يقينيات دينية وعقلية وفلسفية. فهي قواعد تم تأصيلها لتلبّي رغباته التي تنسجم مع عقيدته وفهمه للدين وللتشريع، يظهر هذا واضحا من خلال استدلاله عليها، فبعض يميل بطبعه للاحتياط فينعكس على موقفه الأصولي من القضايا المشكوكة، بينما يميل الثاني للبراءة والسعة.   

فالرهان في بعده الآخر، يتوقف على نقد المرجعيات الفكرية والعقيدية والأصولية للفقيه، وتشكيل وعي جديد وفق فهم مختلف للدين، وإعادة النظر بالمقدس، وقدسية التراث والسلف الصالح، والعودة المباشرة للكتاب الكريم، نتدبره وفقا لحاجاتنا وتطلعاتنا، كمرجعية نهائية في مجال تخصصه. فهو "تبيان كل شيء"، وفيه "تفصيل كل شيء"، و"ما فرطنا في الكتاب من شيء". وهو أمر ممكن، رغم وجود روايات تشترط وساطة التراث والسلف في فهمه وتفسيره. فحجّمته وهي تبغي هدايته. لكنها روايات ضعيفه، لأنه بيان للناس، فلا يمكن احتكار فهمه وتفسيره، فيكون القرآن حاكما عليها حتى وإن كان بعضها صحيحا.

وينبغي مراجعة الأدلة التي تقوم عليها مقدمات الاستنباط، وفضح بشرية الفقيه وعدم تعاليه وقدسيته. فهو كأي متخصص يستنبط الحكم الشرعي وفقا لمقدماته، وهي مقدمات علمية حسب الفرض، تتوقف صحتها على صحة أدلتها والمبادئ التي قامت عليه. لذا فالاستنباط متاح لكل من يمتلك أدواته، وليس ثمة اصطفاء من قبل الله تعالى أو توفيق إلهي كما تشيع المؤسسات الدينية ووسائل إعلامها. والاجتهاد مَلَكَة يكتسبها المجتهد من خلال الدرس والتدريس وممارسة الاستنباط. وقد يفقدها حينما ينقطع عن عمله أو يتخلى عنه. كما تتحكم بالفقيه عقيدته ورؤيته الكونية وفهمه لفلسفة الأحكام، ومصادره المعرفية وثقافته ووعيه. فتصدي الفقيه للافتاء واستنباط الأحكام يرتكز لقناعة ترتبط بفهمه للدين ودور الإنسان في الحياة. وهو فهمٌ متعدد في روافده العقيدية والثقافية والعلمية. وبالتالي فكما أن تطور علم الفقه وأصوله وتعدد مسائله ساهم في تضخم الأحكام الشرعية. كذلك فرضت خلفية الفقيه نفسها على منهجه في استنباط الأحكام الشرعية. كالاختلاف السني - الشيعي حول مصادر التشريع، بين الكتاب والسنة وبين الكتاب والسنة الشاملة لروايات أهل البيت.

اتضح مما تقدم أن نقد مرجعيات الفقيه الفكرية والعقيدية سيُتيح رؤية مختلفة للدين، ويطيح بأدلته وشرعية استدلاله للأحكام الشرعية، بعيدا عن الكتاب الكريم. فالحد من تضخم الفتاوى، وتناسل الأحكام يرتهن لنقد تلك المرجعيات والأصول التي يعتمدها الفقه الإسلامي عامة. فهي أصول هشة تتستر على آيديولوجيتها بعناوين العلم والقواعد العقلية.

فلسفة الحكم الشرعي

ثمة فرق جوهري بين اتجاهين ومنطقين في فهم الدين وفلسفة الأحكام الشرعية، منطق العبودية، ومنطق الخلافة. يتوقف عليهما فهم أسباب تضخم الأحكام، وطوفان الفتاوى الشرعية. إن فلسفة الحكم تكشف عن سبب التشريع وحكمته ودواعيه وطريقة تأثيره، كما أن تاريخ الحكم يكشف عن البيئة الاجتماعية والدينية والثقافية التي انبثق عنها السؤال. حيث جاءت الأحكام الشرعية في الكتاب الكريم ردا على أسئلة السائلين، ولا يوجد حكم ابتدائي أو لم يكن مسبوقا قبل البعثة، كالعبادات وتفصيلاتها، سوى بعض الاختلافات. فالحكم مرتبط بموضوعه. غير أن جل الفقهاء إن لم يكن جميعهم يعتقدون أن فعلية الأحكام منقطعة عن أسباب تشريعها، فلا يدرسون تاريخها وفلسفتها. بينما تاريخ التشريع يؤكد وجود أسباب وراء تشريعها، وقد تنتفي فعليتها بانتفائها. جاء في الكتاب: (يسألونك، ويسألون، يستفتونك) حتى نهاهم عن الإلحاح بالسؤال: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم). وهذه الآية بالذات وراؤها فلسفة عميقة، سنشير لها لاحقا.

الأول: منطق العبودية

تعتبر العبودية، التي هي ضد الحرية والاستقلال، جوهر النظام الأبوي السائد آنذاك وما يزال. تختلف في مصاديقها بين الاستعباد بالقوة والقهر، كأسرى الحروب آنذاك. أو تكون العبودية شعورا داخليا، نفسيا، متأصلا، يشترط وجود الآخر في وعي الذات. حداً أن بعضهم كالرقيق لا يفهم سوى أنه أداة مملوك لغيره. وهذا الصنف من العبيد لا يتأثر في أجواء الحرية، فيكون شاذا في سلوكه بين التمرد والتبعية المطلقة.

ومنطق العبودية دينيا، اتجاه يختزل دور الإنسان بالفتنة والامتحان والاختبار. ويقصر فيه دور الفرد على تطبيق الأحكام الشرعية، مع سلبه حرية الحركة خارج ما هو مشرّع منها. ولازمه أن يكون للشريعة رأي في كل تفاصيل الحياة. وما من حادثة كما يعتقدون إلا ولله فيها حكم، في إطار شمول الدين لجميع مناحيها. وهو اتجاه يضع النص دائما فوق العقل. ويكتفي بالكتاب والسنة والتراث وفتاوى الفقيه مصدرا لمعرفته. لا يؤمن بأية فلسفة وراء الأحكام الشرعية، ويعتبرها تعبدا مطلقا، وهي شاملة وثابتة مهما تغيرت موضوعاتها، ويكون الدين / الفقيه قيّماً عليه. ويلخصون هذه الفكرة بقولهم: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة). وهو اتجاه التيارات الدينية عموما، والسلفية خصوصا.

وهذا الاتجاه لا ينفي وجود ملاكات "مصالح ومفاسد" وراء تشريع الأحكام، لكنه ينفي قدرة البشر على إدراكها، فتبقى عللها مجهولة، وينبغي التعبد بها. ففلسفة الأحكام عنده قائمة على التعبّد المطلق. ولا تدور مدار ما يترآى ويبدو من حكمتها وأبعادها الاجتماعية والأخلاقية. لأن العلة الحقيقية تبقى مجهولة لنا، وربما تكون الغاية وراء تشريع الحكم تمحيص طاعة العبد ومدى إلتزامه بأوامر المولى ونواهيه. فعندما يطلب الأب من أحد أبنائه ماء، ربما يقصد اختبار طاعته فيحاسبه إذا أتى به غيره، لكن لا يحاسبه إذا كانت غايته شرب الماء، فملاك الأمر بالنسبة له قد تحقق.

وهكذا يتصور منطق العبودية الأوامر الإلهية، فلا يجتهد أمام النص إطلاقا، ولا يُتعب نفسه في البحث عن ملاكه ومصلحته. ولا يتحرى فعلية موضوعه أوعدم فعليته. وبالتالي يبقى الحكم الشرعي فعليا في كل الأحوال والأزمان. وتكون الشريعة شاملة لجميع مناحي الحياة، ولا يجوز تشريع أي قانون يتقاطع معها. وبما أن الأحكام الشرعية محدودة لجأ للسيرة النبوية، ثم انتقل يقلد الفقيه. فتضخمت الأحكام الشرعية على حساب عقله وحريته، التي هي مساحة الإباحة الشرعية كما هو مقرر عندهم فقهيا. وغدا كائنا مسيرا بأحكام الفقيه، تقتصر مهمته على تطبيقها والعودة له عندما يشك بغيرها. فتشل قابلياته العقلية، ويفقد حرية القرار. فهذا الاتجاه لا يكف عن تشريع الأحكام وتأسيس قواعد أصولية، للحد من مساحات الإباحة والحرية التي تترك له خيار التصرف في إطارها، ويمكن التأكد من صدقية هذا الاتجاه من خلال فتاوى الفقهاء المتخمة بالتحريم والاحتياط الوجوبي، وكحد أدنى يفتي بالاحتياط الاستحبابي دون الافتاء بالإباحة، بفعل ثقافة العبودية الراسخة في أعماقه. وهذا النوع من الفقهاء عبء على الدين، عندما صادروا سعته ورحمته، واستبدلوها بفتاوى قاهرة على الضد من الكتاب الكريم الذي يعلو صوته دائما: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).

صورة الإله

إن وعي الإله في المنطق العبودي منتزع من مفهوم الأب / الشيخ / الرئيس / المولى في النظام القبلي / الأبوي. تقتصر فيه مهمة العبد على التلقي، والتفاني في إرضاء الأب، مع الإلتزام الحرفي بأوامره ونواهيه حتى المحتملة منها، كإجراء احترازي لتفادي سخطه وغضبه. وتتأكد هذه الصورة بشكل أقوى في علاقته بالخالق / الرب / المطلق حينما يؤمن به إيمانا مخلصاً. فالرب بهذا الفهم ضرورة لوعي الذات وتأكيد وجودها. لا بمعنى العلية بل بمعنى تحقق الذات، فهو لا يعي ذاته إلا من خلال علاقة العبودية بين العبد وربه أو سيده، ويتعذر عليه وعي ذاته مستقلا عنه، بل لا تحقق ولا معنى لوجوده بدونه. وليس المقصود بهذه العلاقة فناء العارفين أو وحدة الوجود أوالخشوع الإيماني الواعي أو الوجد العرفاني والصوفي. بل وعي تفرضه روح العبودية التي يتوقف تحققها على وجود السيد / الرب. أو أي سلطة فوقية ترسم حدود شخصيته. فيبتدع صورة خيالية للرب، تحقق ذاته خارجا. فبعض يحتاج لرب متسلط، قاهر، يبرر به تضاؤل شخصيته. فهو قد لا يجد تفسيرا مقنعا لها، لكنه يجد في صورة الإله ما يبرر حالته. بينما تختلف صورة الرب لدى شخص آخر، من وحي فهم مغاير. وهذا الاتجاه يمثل منظومة عقائدية كاملة، لا مجرد مشاعر باطنية، تطفو وتختفي. فهو فهمٌ للخالق والمخلوق، وفلسفة محددة لوجود الإنسان ودوره، وفهم للدين وغاياته ومقاصده.

إن مشاعر العبودية تؤثر لا شعوريا في البنية المعرفية وطريقة التفكير لأنها متأصلة لدى بعض الناس، بما فيهم فقهاء، فينحاز للاحتياط في استنباط الأحكام الشرعية. ليس بدافع الخوف والخشية فقط، بل بدافع عميق يفرض عليه الخضوع التام لأجل الخضوع، فلا يهتم بفلسفة الحكم وملاكاته من مصالح ومفاسد، ولا يهمه متى أثر الحكم على مفاهيم إسلامية أخرى. المهم أن يجد مبررا للطاعة المطلقة. ومرضاة الخالق بالنسبة له تنحصر في عبادته، بما فيها الخلافة الربانية. (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). فيتشبث بها رغم أنها آية مجملة، كما سأبين لاحقا. وهذا النوع من العلاقة يتطلب أحكاما شاملة تستغرق مساحة الإباحة، فضلا عن الوجوب والحرمة، وما بينهما من استحباب وكراهة. والحقيقة أنه يكره الإباحة والحرية في أعماقه، فهو لا يحقق ذاته إلا من خلال عبوديته وليس من خلال حريته واستقلال شخصيته. وهذا الاتجاه ينطوي على يقين سلبي، في مقابل يقين إيجابي واعٍ، تحدثت عنه سابقا. فالعلاقة العبادية وفقا لهذا الاتجاه قائمة على ثنائية رب / عبد، وليست خالق / مخلوق. وفلسفة الأحكام قائمة على الطاعة المطلقة. وهي تمام ملاكها. فالأولوية بالنسبة لهذا الاتجاه دائما للتشريع والتعبد المطلق بأحكام الشريعة. بل ويختار الاحتياط على البراءة إذا دار الأمر بينهما، رغم أن كلاهما حكم شرعي حسب الفرض.

وهذا النوع من الفهم يرتكز لمبدأ ما يعرف عندهم بحق الطاعة، في مقابل قبح العقاب بلا بيان. وهما قاعدتان أصوليتان. الثانية تنفي أية عقوبة لا ينص عليها بيان / آية / رواية ، استظهار دلالي، كي تكون حجة على الإنسان. فيكون الشك بجعل الحكم الشرعي موردا للبراءة العقلية فضلا عن البراءة الشرعية. عكسا للنظرية الأولى التي ترى أن للمولى الحقيقي حق الطاعة في التكاليف المحتملة فضلا عن المشكوكة والمظنونة. وهي كما ترى تنطلق من عمق عبودي يفترض مولى / جبارا، يتربص أخطاء عبده لينتقم منه، فعليه الإتيان بالمحتمل من باب حق طاعة المولى الحقيقي. وهي تعتقد بشمول الشريعة لكل صغيرة وكبيرة، وتسمح للفقيه بتشريع أحكام واسعة النطاق. فمساحة الحرية وفقا لهذا الرأي معدومة، ما لم تتدارك الأمر البراءة الشرعية وتبيح للمكلفين إجراء البراءة في كل فعل مشكوك. فالأصل وفقا لهذه النظرية هو الاحتياط دائما، بينما الأصل وفقا للنظرية الثانية: قبح العقاب بلا بيان هو البراءة العقلية في كل فعل مشكوك. رغم أن كلاهما يعترف بوجود ملاكات وراء تشريع الأحكام الشرعية.

ملاكات التشريع

وعليه مادام الجميع يعترف بوجود ملاكات وراء تشريع الأحكام، فلا يحق لأي شخص كائن من كان تشريع الأحكام سوى الله تعالى لأنه القادر على إدراك الملاك الحقيقي، على المدى البعيد، وليست الملاكات الظاهرية، كالفوائد الاجتماعية مثلا. وأقصد بالملاك، الأوسع من أفق الفقهاء الذين يحصرون الملاك بالمصالح والمفاسد الظاهرة. بينما الملاك الحقيقي المختص بالله تعالى يرتبط بدور الإنسان والدين في الحياة، فتكون له امتدادات واسعة لا يمكن إداركها من قبل غير العليم. فعندما يقرر النبي شيئا لا يعد حكما شرعيا بل أمرا ولائيا أو أخلاقيا وفق مصالح ومفاسد ظاهرية أو آنية. فهو لا يعلم تداعياته وتطوراته وتأثيراته المستقبلية. الحكم الشرعي الصادر عن الله يواكب حركة الإنسان والمجتمع، ضمن دور الدين في الحياة. وعليه لا يجوز تقديم الرواية على الآية، لأننا قد نخسر بسبب الرواية ملاك تشريع الآية، الذي هو السعة والرحمة، وسنخسر بتقييدها وتخصيصها تلك المساحة من الحرية التي هي معنى السعة والرحمة. كما أن أي تشريع خارج الآيات لا يدرك الملاكات الحقيقية له لأنها مختصة بالخالق وقدرته على التشخيص الحقيقي من خلال ترابط المنظومة الدينية في جميع أبعادها.

ينبغي التنبيه أن هذا الاتجاه يوظف تقنيات اللغة للتستر على حقيقته، فهو لم يجاهر بحقيقته، وربما لم يدركها أساسا، فيستخدم ألفاظا لها دلالات ساحرة، لا تنكشف مداليلها للقارئ، بل وترسم صورة مشرقة، متوهجة، خاصة حينما ترتبط بالمطلق، المتعالي، أي الخالق، كتفسير حالة العبودية بالتقوى والورع والخوف من الله تعالى. فكل مفهوم من هذه المفاهيم له إيقاعه في المخيال الديني. خاصة أنها في وعي المتلقي ليست مجرد مفاهيم أو ألفاظ وكلمات عابرة بل هي مقامات ربانية لا يبلغها المؤمن إلا بمجاهدة النفس وتوفيق من الله. وهذه التعابير البراقة تستخدم في مجالات أخرى كالتستر على روح العبودية الثاوية في أعماق رجل الدين.

اللغة شبكة من الإيهامات، والدلالات، والمجازات. لا تنفد مراوغاتها، ومكرها. يمكن توظيفها ببراعة للتستر على كثير من الحقائق، بل ولها قابلية هائلة على تزوير الوعي من خلال ما توظفه من ألفاظ. فكم من كلمات مدهشة في دلالاتها تخفي في أعماقها معانٍ مختلفة، يصعب الإمساك بها، إلا من خلال القرائن والسياقات اللغوية. فلا شك أن التقوى والورع مقامات سامية، شرطها مجاهدة النفس ورقابة أخلاقية متواصلة. وهي صفة إيجابية، إلا أنها تستغل للتستر على روح العبودية، حينما يصر الفقيه الذي ينتمي لهذا الاتجاه على الاحتياط دائما. بينما يستغنى الفقيه المتحرر من هذه الروح عن الاحتياط في الحكم حينما يطمئن لاستنباطه واجتهاده دون التفريط بورعه وتقواه. بينما الأول يتشبث بكل ممكن ولو من باب الاحتياط ليبقى في دوامة العبودية، من أجل تحقق الذات خارجا. بل يختار الاحتياط رغم شرعية البراءة. فحينما يخير بينهما، يختار الاحتياط لا شعوريا ولو بمستوى الاستحباب.

وخلاصة ما تقدم أن معالجة روح العبودية سيحد من تضخم الفتاوى والأحكام. كما تبين أن اتفاق الجميع على وجود ملاكات وراء تشريع الأحكام يسلب حق الفقهاء في استنباط أحكام جديدة، لاختصاص الملاكات بالله تعالى. وهذا لا يمنع أن يمارس الفقيه دوره في تطبيق الكليات على مصاديقها، أو الاجتهاد بمعنى الفهم والتفصيل والبيان داخل أروقة أحكام الشريعة، مع مراعاة فهم متجدد للدين ودور الإنسان في الحياة.

يتبع في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

majed algharbawi7صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق5) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س78: د. صالح الطائي: إن المشاريع السياسية وظفت الدين لخدمة مناهجها، وهذا التوظيف هو الذي تسبب بولادة الفكر المتطرف في الإسلام.

ج78: ماجد الغرباوي: إينما وجدت السلطة تجد الدين حاضرا لتزيف الوعي، وشرعنة الاستبداد، والتستر على الظلم، خاصة المجتمعات المرتهنة في وعيها للمقدس بشكل عام والدين بشكل خاص، حتى في المجتمعات العلمانية تجد السياسي يتودد لرجل الدين في محاولة لاستمالة أصوات الناخبين، وضمان عدم سخطهم عليه. وقد تفننوا في توظيف الدين لشرعنة سلطتهم، وضبط سلوك شعوبهم، وعدم مساءلتهم. فبعض النظريات الثيوقراطية خلعت على الحكّام طبيعة إلهية. وأخرى ذهبت للتفويض الإلهي. وثالثة نسبت انتخاب الحاكم للهداية الربانية. ورابعة تقول بجعل الولاية الشرعية، ونظريات أخرى. وذلك بفعل المهيمن الروحي والقدسي للدين، وقوة حضوره وتأثيره، فهو سلطة هائلة، يخضع لها الفرد من وحي تعاليه ورمزيته وإيحاءاته وانتسابه للغيب والمطلق. وهو مكوّن أساس لهوية الفرد وتراثه ورأسماله الرمزي، تتجلى فيه ذاته وإنتماؤه، الذي يمتد بامتداد جغرافيته وتاريخه. فالدفاع عنه دفاع عن النفس، والبذل من أجله بذل من أجلها. فيخشى عليه وعلى مستقبله وسمعته، ويستعد للتضحية والفداء لأجله، ويفعل كل ما يعزز رمزيته وحضوره. يتبنى مواقفه، ويتفاعل مع رموزه، ويندفع تلقائيا لحماية عقيدته وشعائره وطقوسه، ويقف بالضد مع كل موقف معاد، فيمكن للفقيه ورجل الدين تعبئة المؤمنين بسهولة، من خلال خطاب ديني يستهدف مشاعرهم، دون عقولهم. وهذا مكمن الخطر حينما يستغل الخطاب السياسي الأيديولوجي المشاعر الدينية في مشاريعه السلطوية أو لقمع المعارضة والاستبداد بالسلطة. ففصل الدين عن السياسة حماية للفرد والدين معا.

لكن المؤسف أن الإسلام قد تأثر بالوضع السياسي بعد وفاة الرسول، وراح تأويل النص يخدم مصالح شخصية وسياسية، بفعل إطلاقاتها ومرونتها وقوة رمزيتها، وعدم ضبط السنة النبوية وتدوينها، فنُسبت للنبي روايات موضوعة تخدم مختلف التوجهات السياسية والطائفية. وتم تفسير الصحيح منها بشكل يخدم ذات الأهداف. فوضع الأحاديث، ونسبتها للنبي الكريم كان إيذانا بتوظيف النص الديني لغايات سياسية وأهداف مذهبية وطائفية. وقد ازداد وضعها طرديا كلما ابتعدوا عن زمن الوحي، فصارت الروايات الموضوعة عبأ على الدين، ثم جاءت الفتوى بدواعٍ طائفية ومذهبية لتكرّس التوظيف السياسي للدين. فالفقيه لا يتخلى عن قبلياته وهو يستنبط الحكم أو الموقف الشرعي من الأحداث السياسية. بل أنها تملي عليه فهماً متحيّزا للنص، وتفرض عليه تأويلا يخدم مصالحه الطائفية والسياسية، فيجد نفسه مرتهنا لها لا شعوريا.

التوظيف السياسي

إذا كان إسلام البعثة إسلام رسالي فإن إسلام ما بعد البعثه إسلام سياسي، بعد توظيِفَ النص المقدّس لخدمة طموحات سلطوية ظهرت على أشدها يوم السقيفة، حينما أصرت قريش على التفرد بالحكم. فلجأت لتوظيف الدين / النص لحسم السلطة من خلال رواية أبي بكر عن النبي: "الخلافة أو الإمامة في قريش". وهو توظيف صارخ، لرواية لا يمكن صدورها عنه لأسباب مر تفصيلها، أحدها أنها تنطوي على تزكية لمطلق قريش في السلطة، وهذا لا يفعله نبي، خاصة السلطة ومنزلقاتها. وكانت تداعيات هذا الشرط خطيرة، استأثر فيها الولاء على حساب الكفاءة، حتى تولى الخلافة شخصيات لا يتوفر فيهم الحد الأدنى من الكفاءة والإلتزام الديني سوى انتسابهم لقريش. وتم إقصاء جميع الطاقات والكفاءات المسلمة المتمثلة آنذاك بالأنصار، وتوالى الإقصاء وما يزال بضغط هذا الشرط. والغريب أن الفقه السلطاني تخلى عن القيم الإنسانية والقرآنية وتشبث برواية، هي خبر آحاد مهما كانت منزلة الراوي!!. فكرّس الاستبداد، وقمع المعارضة، وشرعنة سلوك الخلفاء مهما جافى الدين وقيمه ومبادئه. وقد وظف النص الديني أيضا لقمع المتمردين والمعارضين عبر التاريخ، وطبقت أحكام الردة وأحكام الجزية رغم عدم فعليتهما. الأول لعدم وجود عقوبة دنيوية على المرتد أساساً. والثاني لأنتفاء فعليته بانتفاء فعلية موضوعه.

ولعل أخطر توظيف للدين لصالح السياسة، ما قاله الخليفة الثالث عثمان بن عفان، إبان الفتنة: (ما كنت لأخلع رداء سربلنيه الله). حيث اعتبر الخلافة والحكم أمرا إلهيا، ورداء سربله الله تعالى إياه خاصة من دون المؤمنين، فيكون المعترض عليه معترضا على الله تعالى، وهذا قمة التزوير الديني، وأوضح مصاديق توظيف الدين لصالح السياسة. فعثمان جاءت به الشورى، وليست خلافته أمرا إلهيا. وقد انتهى الأمر بقتله لأنه لم يعبأ بكلام الثوار، وفيهم صحابة رسول الله. ثم جاء الخلفاء الأمويون والعباسيون فاستغلوا الدين لترسيخ استبدادهم وطغيانهم، ويكفي عدد الروايات التي ظهرت فجأة دليلا على حجم توظيف الدين لصالح السياسة.

الخلافة شأن بشري، تخضع لمنطق السلطة ومتطلباتها، وتؤثر فيها جميع المؤثرات الداخلية والخارجية، وخلافة ما يعرف بالراشدين تجربة بشرية عززت وجودها دينيا. وكان الصحابة يعون ذلك جيدا، ويعرفون أنهم في زمن يختلف عن زمن النبوة. فهذا عمر بن الخطاب يخاطب إبن عباس: (إن العرب لا ترضى أن تجتمع فيكم (أهل البيت) النبوة والخلافة!!). فمرحلة النبوة غير مرحلة الخلافة في وعيه ووعي باقي الصحابة بما فيهم الأنصار والحزب الهاشمي. فإذا كان للرسالة ضروراتها فإن للخلافة خياراتها في اختيار رموزها وشكل الحكم وطريقة الوصول للسلطة. سلطة النبي سلطة أصيلة مجعولة من قبل الله تعالى. وسلطة الخلفاء سلطة بشرية، تخضع للعبة السياسية، بجميع أدواتها، كالاستبعاد والإقصاء والتحالفات والالتفاف وتقديم الولاء والاستفادة من عناصر القوة. وتوظيف كل ما يخدمها من نصوص مقدّسة وروايات موضوعة، والارتكاز للعمق القبلي، والعادات والتقاليد. فكل شيء مباح ما دام لخدمة الخلافة الإسلامية، بما فيه سفك الدماء!!!. بل أن سياسة الخلفاء لم تخل من الإلتفاف على القيم الدينية، عندما ارتكزت لحسم سلطاتها لبعض بيوتات قريش من خلال نص، كرّس الحس القبلي، وأصبحت القريشية التي لا علاقة لها بالدين والسماء مبدأ في الحكم، وهذا تجنٍ فاضح على الدين وقيمه ومبادئه.

التداعيات المستقبلية

إن الأخطر في توظيف الدين لصالح السياسة في عهد الخلفاء أمران:

الأول: الارتفاع بالخلفاء فوق النقد والمراجعة، من خلال روايات الفضائل التي ظهر القسم الأعظم منها بعد عصر الراشدين. فكان مفهوم الصحبة يعادل مفهوم العصمة عند الشيعة. وصار سلوك الخلفاء حجة شرعية في مناطق الفراغ التشريعي. ومرجعية دينية – سياسية لخلفاء الدولتين الأموية والعباسية وما تلاهم. كما في الأحكام السلطانية وفقه السلطة. فتم تجريد عصر الخلفاء من تاريخيته وبشريته، رغم أنه وليد بيئته وظروفه الزمانية والمكانية، ولا يمكن تعميم نموذجه. وللخلفاء أنجازاتهم وأخطاؤهم التي لا يمكن تبريرها. لكن الصحابة اليوم كالأئمة عند الشيعة، كلاهما مرجعية معرفية وأخلاقية، وكلاهما يحظى بقداسة تتعالى على النقد والمراجعة، وتستوجب أحكاما ضد مناوئيهم السياسيين، والحكم بوجب التبرئ منهم، وحرمة موالاتهم.

والثاني: تم التمسك بإطلاقات آيات الحرب والجهاد وغيرهما، رغم اختلاف الموضوع، من أجل شرعنة استخدام القوة والعنف باسم الدين ونشر رسالة الإسلام. فموضوع الجهاد في عصر البعثة هو حماية الرسالة، والدفاع عنها، وقد أعلن الكتاب الكريم صراحة انتصار الإسلام، واكتمال الدين، ولا يوجد مبرر لمواصلة القوة. بينما التحركات العسكرية في عصر الخلفاء جاءت لحماية الدولة، وتوسعة السلطة، وتوفير مصادر مالية. فالثابت قرآنيا أن أسلوب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس بالقوة والإكراه. (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وهي آية محكمة. لا يوجد ما يدل على نسخها قرآنيا بشكل صريح وواضح. غير أن السلطة وجدت في النسخ ما يضمن شرعنة سلوكها العسكري، التوسعي.

فكلا الأمرين المتقدمين هيأ لظهور حركات متطرفة، اتخذت من سيرة الخلفاء مرجعية شرعية استباحوا بموجبها دماء الناس، بعد تكفيرهم، وتجريدهم من إيمانهم وإسلامهم.

لقد استمر توظيف الدين وشعاراته وطقوسه لخدمة المصالح السياسية، والأمثلة كثيرة، بل ما من حكومة على مدى تاريخ المسلمين إلا وتشبثت بالدين لتزوير الحقيقة واستغلال الوضع من خلال فقهاء السلطة، ورجال دين اقتصرت مهمته على تزوير الوعي. ومثال ذلك، توظيف كل من الدولتين العثمانية والصفوية للدين في صراعهما السياسي. فكانت مشيخة الإسلام تقف مع السلطان العثماني، في مقابل فقهاء الشيعة الذين اصطفوا خلف الشاه الصفوي. وكل منهما راح يعبأ أتباعه دينيا ومذهبيا، بلا ورع ولا تقوى ولا خوف من الله عزوجل.

ولعل أقوى توظيف للدين لصالح السياسة الجهد التنظيري للإخوان المسلمين، عبر نظريتي الحاكمية الإلهية وجاهلية المجتمع، لشرعنة الجهاد ضد الحكومات قاطبة، بل وتكفير المجتمعات الإسلامية. وقد استباحت الحركات الإسلامية المتطرفة دماء الأبرياء من وحي هاتين النظريتين من أجل الوصول للسلطة. وتبقى الأهداف السياسية سببا أساسا وراء تصاعد العنف من قبل هذه الحركات، سواء صرّحت بذلك أم لا، لأن اقامة الدولة بالنسبة لهم استراتيجية وليست تكتيكا أو وسيلة كما توحي به بعض النصوص السياسية. وقد نظـّر للدولة الإسلامية جمع من المفكرين الحركيين من مختلف المذاهب الإسلامية. أهمهم أبو الأعلى المودودي، صاحب نظرية الحاكمية الإلهية، التي ترى وجوب محاربة جميع الحكومات الوضعية وإقامة دولة إسلامية، واعتبرت التحرك ضدها جهادا في سبيل الله. كذلك سيد قطب الذي طوّر نظرية الحاكمية الإلهية وأضاف لها جاهلية المجتمع. فمشروع الإخوان المسلمين وجميع الحركات الإسلامية مشروع دولة واستلام السلطة، وما الدين سوى مبرر لشرعنة تحركاتهم السياسية والعسكرية. الإلتزام الديني لا يتوقف على وجود سلطة. وهذا وعي أيديولوجي متأخر، تقف وراءه طموحات سياسية. بل أثبتت تجارب الحكم عدم وفاء الإسلاميين بالتزاماتهم، وقد مارسوا السلطة وفقا للعبة السياسية ومتطلباتها، واقترفوا لأجلها تجاوزات شرعية مخلة بالقيم والمبادئ الإسلامية.

كما أجد في نظرية ولاية الفقيه توظيفا صريحا للدين، كرّس سلطة الفقيه بصلاحيات مطلقة، وشرعن الاستبداد الديني من خلال نصوص دينية لا تصمد أمام النقد العلمي الموضوعي. بل لا يمكن تأصيل ولاية للفقيه بهذا الإطلاق من خلال آيات الكتاب. أو من خلال روايات واضحة وصريحة تورث العلم واليقين. ولم ينعقد حول هذه السعة من الصلاحيات إجماع لفقهاء الشيعة قبل غيرهم. لكنها نظرية تشرعن الطموحات السياسية. وتدفع باتجاه التحرك من أجل إقامة دولة دينية.

السلوك القويم دليل على صدق الدين. ومشاعر الحب آياته ودلالاته. والدين تجربة روحية، وإيمان فعلي بالله تعالى، وضرورة من أجل مجتمع فاضل، تختفي فيه الرذائل، وتسوده قيم الحق والعدل. فليس الدين أداة للسلطة وتزييف الوعي واستغلال الناس. وليست كهنوتا وطقوسا بالية. هو شعور عميق بالوجود. وترابط إنساني عندما يقوّم سلوك الفرد وأخلاقه، ويبعث الطمأنية والاستقرار النفسي. فالدين علاقة روحانية بين الخالق والمخلوق. علاقة مفعمة بالحب والإيمان واليقين.

 

س79: د. صالح الطائي: إن المفسرين ورجال الحديث تمكنوا من حيث لا يدرون من خدمة السياسة والترويج لنظرياتها حينما أعملوا الرأي تحت غطاء أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والتأويل والتعليل ليعيدوا تشكيل الرؤية القرآنية

ج79: ماجد الغرباوي: لا يخفى أن سبب صراع السلطة بين الصحابة هو عدم وجود مرجعية (آية / رواية) صريحة تحسم النزاع. ورغم البيعة ظلت الشكوك تحوم حول شرعية الخلافة، مع وجود من هو أقرب لرسول الله. فتحولت شرعية السلطة بمرور الأيام إلى إشكالية، استهلكت جهودا عقيدية ونفسية وفكرية جبارة، وأريقت بسببها دماء غزيرة. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان). وقد انعكس الصراع على وعي الناس وسلوكهم ومواقفهم. ويكفي شاهدا أن المذاهب الإسلامية جميعا تأسست على موقف الصحابة من الخلافة. ونظّرت ما يعزز موقف السلطة أو المعارضة. فكانت مهمتها الأولى شرعنة الموقف السياسي. وقد تأثرت به العلوم الإسلامية كالفقه وعلم الكلام والتفسير، فتجد تأويل الآيات تجافي الموضوعية، وتعكس الاتجاه المذهبي والطائفي للمفسّر. وراح علم الكلام يعزز شرعية السلطة أو المعارضة. ويسعى لشرعنتهما دينيا. ولعبت الروايات دورا خطيرا في توجيه الوعي الديني والسياسي. كل ذلك من أجل تعزيز الرأسمال الرمزي، ومراكمة فضائل تساعد على شرعنة الموقف السياسي، للسلطة والمعارضة. فبدأوا أولاً بتأويل آيات الفضائل، من خلال ما يروى عن أسباب نزولها. ثم جاء دور روايات الفضائل التي أخذت تتدفق بشكل لافت خلال القرون الأربعة الأولى، لشرعنة الموقف السياسي ومراكمة مزيد من الفضائل، كشاهد على شرعيته. وأخيرا أستأثرت إشكالية شرعية السلطة بالبحوث الكلامية، وظهرت اتجاهات تكرّس الاستبداد السياسي، وأخرى تنزع نحو الثورة وتجريد الخلافة شرعيتها. وثالثة ترتكب العنف والتكفير باسم الإسلام والدين الحنيف.

إن كل ما تقرأه عن الفرق والمذاهب هو نتاج تلك الفترة بالذات، وكان أبطالها علماء الكلام، والفقهاء، ورجال الحديث، والمفسرين الذين خدموا السياسة عن علم، لا أنهم خدموها من حيث لا يشعرون. وهم المسؤول الأول عن ظهور الانحرافات العقيدية والغلو بالسلطة والرموز الدينية، وتقديم فهم للدين بعيدا عن مراميه وغاياته ومقاصده. وجردوا الفرد حريته، وحرموه حقوقه.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi6صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س77: د. صالح الطائي: هناك اختلاف كبير بين إسلام عصر البعثة والإسلامات الموجودة اليوم على الساحة وبعض هذه الإسلامات لا يمت إلى الإسلام الحقيقي إلا من حيث الاسم.

ج77: ماجد الغرباوي: ثمة سؤال: هل إسلام عصر البعثة نموذج نهائي لا يمكن تجاوزه، أم الدين نسق قيمي يستجيب لمتطلبات العصر والزمان، ويتجدد مع كل قراءة تستوفي شروطها الموضوعية؟. ثم ما هو دور الدين في الحياة، وما هي وظيفته تجاه الإنسان والمجتمع كي يكون إسلام عصر البعثة نموذجا نهائيا؟ وهل للدين قيمومة دائمة أم دوره احتضان الإنسان مرحليا؟ وهل قيمومته في الجانبين العقدي والتشريعي أم الأول فقط؟ وأسئلة أخرى تتفرع عليه. فثمة نماذج متعددة بين إسلام عصر البعثة وإسلامات اليوم يجب تحري مشروعيتها.

لا شك أن فهم الإسلام يتأثر بوعي الناس لدور الدين والإنسان في الحياة. كما يتأثر فهمه بالظروف الزمانية والمكانية، ومدى تطور الثقافة والفكر، ومعطيات العلوم. خاصة ما يتعلق باللغة والنص والتأويل. شريطة المحافظة على جوهره وقيمه ومبادئه، كي لا يخرج عن حقيقته. وهو القدر المشترك بين جميع الأديان، كنسبة الوحي للغيب، ونبوة الأنبياء، وتعهد القيم الإنسانية. وما عدا ذلك يخضع للتأويل والفهم والقراءة. فوراء التعدد والاختلاف أسباب ذاتية وموضوعية. وهذا لا يبرر الانحراف عن رسالة السماء أو استغلال الدين باسم التأويل والفهم الديني، أو وضع وتحريف النصوص المقدسة لخدمة مصالح سياسية وطائفية، أو اضطهاد الإنسان وسلبه حقوقه المشروعة تحت أية ذريعة دينية.

لكن يبدو أن السؤال اعتبر إسلام عصر البعثة نموذجا نهائيا، عندما قارن بينه وبين إسلامات اليوم. خلص إلى نتيجة أن بعضها لا يمت له بصلة سوى الإسم. ولازم استنتاجه أن البعض الآخر ينتمي لإسلام عصر البعثة. فاعترف بتعددها وكان ينبغي لها أن تكون واحدة قياسا بإسلام عصر البعثة. أليس هذا التعدد دليلا على تباين وعي الدين بشكل عام والإسلام بشكل خاص رغم صحته؟ وإلا كيف تعددت نسخه مع صحة انتسابها جميعا لعصر البعثة؟. فالسؤال يستبطن تناقضا، يمكن توظيفه لفهم الجواب. فهناك سببان وراء تعدد فهم الدين، وتعدد نسخه، الأول، ذاتي مرتبط بالنص، كمرجعية نهائية للمسلمين. والثاني يتعلق بالواقع وضروراته، وطبيعة الأسئلة المطروحة عليه.

فتعددت عناصر فهم الدين بعد وفاة الرسول، بعد أن كانت محصورة به، وهي: (النص، الواقع، وقبليات المتلقي). والنص يبقى عنصر الثبات على امتداد التاريخ. وأما الواقع وقبليات المتلقي / الفقيه / المفكر فهي عناصر متغيّرة، يتعدد فهم الدين بتعددها. فالسؤال سؤال عن إمكانية تعدد الفهم الديني، كضرورة لمواكبة الدين لتطورات الحياة، أو عدم إمكانيته. كي نحكم على إسلامات اليوم، بمعايير تأخذ بنظر الاعتبار الواقع وتطور وعي الفرد والمجتمع أو لا تأخذ.

مرحلة الرسالة

مرحلة الرسالة أو البعثة هي مرحلة التأسيس النظري للمفاهيم والقيم الدينية، يقتصر فيها دور الفرد على التلقي والامتثال. التلقي عن الرسول، والإمتثال المباشر لأوامره ونواهيه. سواء ما يخص الوحي، أو ما يصدر عنه من شرح وبيان وتفصيل لآيات الكتاب الحكيم. فالمتلقي لا يواجه النص بمفرده، ويكتفي بالسؤال عن التفصيل لا عن فلسفة التشريع. خاصة حينما يكون متعلق الحكم الشرعي مألوفاً لديه، مثل: "أقم الصلاة". فالصلاة مشترك ديني رغم اختلاف تفصيلاتها، وليست غريبة على ثقافة المتلقي. وبالتالي لا توجد محفزات لفهم النص أكثر مما يعيه تلقائيا وفقا لمستوى وعيه وخلفيته وثقافته. والذي حدّ من السؤال، وقمع الشكوك، أن التلقي آنذاك كان تلقيا مقدّسا، بين المطلق والنسبي، بين الأعلى والأدنى، يحصر المعرفة بالسماء، فليس أمام المرء سوى التسليم والانقياد، في ظل أجواء روحية مفعمة باليقين، وعقل جمعي يصغي ولا يعترض. وقد دأب النبي يعزز قدسية الخطاب القرآني، ويمنحه مهابة عالية جدا عندما يتوقف عن بيان الأحكام الشرعي بانتظار الوحي (يسألون، ويسألون، يستفتونك). ويُقصر دوره على التبليغ والشرح والبيان والتفصيل، ليكرّس قدسيته، وعدم تجاوزه. فثمة هيمنة روحية بفعل الوحي، وشخصية النبي، لا تسمح بالاجتهاد مقابل النص / القرآن. ولا تأويل مع وجود مصدر البيان والمعرفة الدينية. بل لا معنى للاعتراض والتمرّد في أجواء القداسة، وسياق العقل الجمعي، الذي يراهن عليه الكتاب في ترسيخ الإيمان، وزجر الشكوك وعدم اليقين، بشكل ينضمر معه السؤال وعلامات الاستفهام. وهي صفة الأجواء المشحونة بالعاطفة والتي ينتمى لها أغلب الصحابة، ممن تأثر إسلامهم بالعقل الجمعي، والأجواء الروحية، ولغة الكتاب التي تنساب مع مشاعر الإنسان، وطريقة تلاوته، وما يحيط النبي من قداسة ورهبة. فالمسلم يجد نفسه مسلما من حيث لا يدري، إضافة لموجة دخول الإسلام الكبرى (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا)، التي أدخلت قبائل كثيرة في الدين الجديد دون أن تعي شيئا منه سوى شعاراته. فمرجعيات التفكير خضعت لهيمنة العقل الجمعي والعاطفي رغم أنها في طور التأسيس التي تفترض تفاقم الأسئلة وكثرة الشكوك. لكنها تلاشت، بما فيها سؤال الحقيقة. بل أن الحقيقة في تلك الأجواء ما تذعن له نفس المسلم والمسلمة وعاطفتهما، فأجواء البعثة لا تشجع على السؤال، لأنه وليد الشك، ولا شك في غمرة العاطفة وتأجج المشاعر، لذا لم يتطور السؤال الديني، ولم تتشعب الاستفهامات فهي مرحلة التسليم المطلق. غدت معها خلفية المتلقي كمرآة تتلقى لتعكس، فهي استجابة لا شعورية، بفعل الهيمنة في بيئة مسكونة بالغيب واللامعقول، وظاهرة النبوءات، والاعتقاد بالجن والشياطين، فكيف إذا كان وحيا من السماء؟!!.

لقد تولى الخطاب الديني في زمن البعثة تشكيل العقل المسلم، وصياغة وعيه بما يخدم الرسالة، وكان القرآن يؤكد على الإيمان بالغيب والتسليم والطاعة، وعدم الشك، بل بعض الآيات تخلق وازعا ذاتيا لقمع الشك، كآية: (قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)، (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)، فهو يعلم ما في القلوب، ويحذّر. فكانت اسئلة الصحابة منحصرة في الأحكام وتفسير بعض الآيات. عكس أسلوبه الحواري مع المشركين والكافرين. وكانوا حذرين جدا يخشون أن تنزل بهم آية تفضح خباياهم، وما تكنه صدورهم. فعصر البعثة عصر مختلف، ليس للمتلقي ومصالحه دور في فهمه وتأويله. أقصد بالمتلقي خصوص المؤمن المعني دينيا.

خلاصة ما تقدم أن الجهاز المفاهيمي للإسلام كان في طور التأسيس في ظل استيلاء المقدس على وعي الفرد وتلاشي الشكوك، في إطار حصانة تقمع الأسئلة والاستفهامات. وكان المشهد العام، صورة نمطية قائمة على التلقي والانقياد. لا توجد طموحات أكثر من النصر أو الشهادة، وضمان مرضاة الله والرسول. هذا من حيث النص وقبليات المتلقي، وأما الواقع، فكان حدود المدينة مركزا، والجزيرة العربية أفقا، فكان النص يأخذ بنظر الاعتبار تلك الحدود الجغرافية، وثقافتها وعاداتها، ولغتها. وكان النص / الحكم الشرعي ناظرا له. فالمورد يبين لنا شروط وقيود موضوع الحكم الشرعي للتأكد من فعليته التي تتوقف عليها فعلية الحكم الشرعي المجعول، وهذا لا يمس بصدقية القاعدة الأصولية "المورد لا يخصص الوارد"، لأننا لا نريد نفي إطلاقات الأحكام وإنما بيان خصائص موضوعاتها. وهي مجموعة ممكنات تتوقف عليها فعلية الأحكام. وبما أننا نجزم بتغيّر موضوعات الأحكام لأكثر من سبب، لذا لا يمكن أن يكون عصر البعثة نموذجا نهائيا في تفصيلاته، لا في مبادئه وقيمه. ففهم الدين يتأثر بمتطلبات العصر والزمان ووعي الإنسان، من عصر إلى آخر. ويبقى أن نفهم مسار التطور، لمحاكمة إسلامات اليوم، وفقا لمرجعية النص لا لمرجعية النموذج التطبيقي المثقل بخصوصيات الظروف الزمكانية. ويكفي مراجعة أولية للكتاب الكريم لتطلع على طبيعة المجتمع وما يواجه المسلمين من إشكالات عقائدية، وصراع ديني مرير بين أهل الكتاب من جهة والدعوة الجديدة من جهة ثانيا، صراع حول الرأسمال الرمزي للمهيمن الديني والروحي، وصراع حول الحقيقة، ومدى احتكارها من قبل هذا الدين أو ذاك. كما أنشغل النبي كثيرا بتسوية خلافات قانونية يضج بها مجتمع المدينة آنذاك، ينبغي أخذها بنظر الاعتبار. أضافة إلى مهمة الرسالة في إرساء عقيدة التوحيد، واستتباب الإيمان. ثم ستقرأ في القرآن قصة الصراع الدموي بين المسلمين ومناوئيهم من قريش وأهل الكتاب. فظروف التكوين والرسالة أعطت تلك المرحلة خصوصية لا تتكرر. فعصر البعثة لا يتعالى على تاريخيته، ولا يمكن أن يكون نموذجا مطلقا خارج قيمه ومبادئه التي هي قيم دينية وإنسانية، يمكن الاحتكام لها، واعتبارها مقياسا لتقويم التجارب الإسلامية التي تلت عصر البعثة. وهذه هي مشكلة السلفيين والوهابيين يريدون استنساخ السيرة النبوية وسيرة والصحابة خارج ظروفها الزمانية والمكانية. ويكفّرون كل من يخالفهم في هذا المنهج. فهم يجردون السيرة من بيئتها وثقافتها التي هي جزء منها. ويتعاملون مع ظواهر الأحكام بغض النظر عن حكمتها وفلسفتها وعلل تشريعاتها. فمثلا يصرّون على استخدام السواك في تنظيف الأسنان، وكأن له خصوصية، بينما حقيقة الأمر أنه أداة لتنظيفها في ذلك الزمان، ويمكن استبداله بأية أداة أخرى. فالسلفي يكابر حينما يلغي خصوصية العصر، وتطورات الحياة. لذا يؤكدون على عدم الأخذ بمعطيات الحضارة إلا للضرورة!!. فيكابرون من حيث لا يشعرون، فجميعهم يتمتع بعصر العلم والمعرفة وتطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ولم يبق لهم سوى الوهم والخديعة النفسية، بحجة الإلتزام بالسيرة النبوية، والتمسك بإطلاقاتها حتى في غير الأحكام الشرعية، بما يشمل القضايا الشخصية.

مرحلة ما بعد الرسالة

اتصفت مرحلة ما بعد عصر البعثة بانقطاع الوحي ووفاة الرسول. أي انقطاع مصدر المعرفة والبيان والتسديد. ولم يبق سوى نصوص الكتاب والسنة النبوية. ثم بفعل الصراع حول السلطة، دشنت المرحلة الجديدة بدايات الإسلام السياسي، في مقابل الإسلام الرسالي. حيث راحت السياسة تفرض نفسها على تأويل النص، وتوظيفه لصالحها. ويمكن رصد مستويين لتطور الدين ابتداء من عصر الخلفاء:

المستوى النظري: تمثلت بدايته باهتمام بعض الصحابة بالقرآن، جمعا، وتفسيرا، واستذكارا لأسباب نزول آياته للاستشهاد بها. وتطبيق كليات الأحكام الشرعية على مصاديقها، بفعل الحاجة لها. كما بدأ التركيز على السيرة النبوية كمتمم للكتاب، لتدارك نقص التشريعات، وبيان معانيه، أو الاستشهاد بها كمصاديق لآيات الفضائل، حينما دخل النص مرحلة التأويل. وتأثّر فهم النص بقبليات القارئ التي تتأثر هي الأخرى بالواقع وثقافته.

المستوى التطبيقي: تمثل بتوظيف النص المقدس لمصالح سياسية، حينما استشهد أبو بكر بن قحافة بحديث رواه عن رسول الله، جاء فيه: "الخلافة في قريش: أو "الإمامة في قريش". فصارت القريشية شرطا دينيا في الخلافة والحكم. كما فرضت السياسة نفسها على تأويل النص، لصالح هذا الطرف أو ذاك. فإسلام عصر الخلافة إسلام سياسي، إسلام السلطة والحكم، ومعالم دولة جديدة.

ثم راح كلا المستويين يتطور بفعل الصراع المستمر حول السلطة، وغزارة الدماء التي سفكت بسببها. وبفعل ضرورات الدولة الأموية، حيث مرحلة الاستبداد السياسي، وحاجتها الماسة لشرعنة سلوكها وتصرفاتها، وقمع المعارضة من خلال الدين. فظهر علم الكلام دفاعا عن العقيدة، وترسيخا لمقولات تخدم الاستبدادين السياسي والديني، المتمثل بفقهاء السلطة. أو بالعكس تخدم المعارضة (العلويون والشيعة) ضد السلطة (الأموية والعباسية). فتعددت اتجاهاته، وكان أبرزها المعتزلة والاشعرية وباقي الفٍرق الإسلامية. كما تعددت الاتجاهات الفكرية والروحية، كالتصوف والفلسفة، إضافة لتعدد المذاهب الفقهية التي ترتكز لمقولات كلامية مختلف حولها. ففي كل مرحلة، ومع ظهور كل اتجاه فكري وعقيدي جديد يبرز فهم جديد للدين، بفعل العناصر الثلاثة المتقدمة: (النص، الواقع، قبليات المتلقي). فنستنتج من هذا ثمة فهم متجد للدين بفعل تطور الواقع وقبليات المتلقي، والمناهج المعتمدة في فهمه، ومدى ارتكازها للعقل أو اللامعقول والخرافة. وهناك فهم فُرض على الدين بفعل السياسة ومتطلباتها، حينما يشرعن الاستبداد، ويبرر الظلم والتعسف والاضطهاد. وأحسب أن تطور الفهم الديني حتمية، بسبب تطور الواقع، والتحديث المستمر لقبليات المتلقي. إيجابا أو سلبا. تطورا أو إنكفاء. بل أن عدم مواكبة الفهم الديني لضرورات الواقع، والجمود على حرفية النص، يقتل الدين.

إسلامات اليوم

نعيش اليوم تعدد الإسلامات حقيقة لا مفهوما، والواقع يشهد لذلك، فالمقارنة بين المذهبين الشيعي والسني مثالا هي مقارنة بين إسلامين لا فقط مذهبين فقهيين، ابتداء من مفهوم الخالق حتى ولاية الفقيه على بعض الآراء الشيعية. مرورا بالإمامة والخلافة، ومصادر التشريع، ومرجعية الأئمة أو الصحابة، واختلاف معايير التقييم والتوثيق، وتفصيلات كثيرة كالمهدي والغيب والرجعة والعصمة وعدالة الصحابي، والموقف من السلطة والحكم والخلافة. وكل منهما يدعي احتكار الحقيقة وسبيل النجاة في الآخرة. لكنهما يتسامحان منّة وتكرما من أجل استتباب الأمن، ووحدة المسلمين. كما أن كل اتجاه مذهبي تتفرع عنه اتجاهات عقدية وسياسية. فعن المذهب الشيعي ثمة فٍرق موغلة بالغلو والخرافة وكراهية الآخر، وثمة فرق بين من يؤمن بولاية الفقيه في الحكم أو لا. وبعض الاتجاهات السنية ولغت في دماء المسلمين قبل غيرهم، بدواعٍ دينية يؤمنون بها!!. وتباينوا في موقفهم من سلطة والمستبد الجائر.

وهذا واقع نعيشه، وليس نقلا تاريخيا. فهما اتجاهان وإسلامان، لا فقط مذهبان فقهيان. تنحصر مساحات الإلتقاء بالشهادتين والأحكام الشرعية المنصوصة قرآنيا، إجمالا لا تفصيلا، فثمة اختلاف فقهي حولها. بل الاختلاف ضارب في داخل المذهب الواحد. وهذا أمر طبيعي، بسبب اختلاف الروايات ومناهج الاستدلال. ولا يمكن سلب صفة الإسلام عن أي واحد منهما. فالاختلاف في المقولات الكلامية وصفات الباري تعالى لا تنفي صفة الوحدانية ما لم يصل الاعتقاد حد التجسيم أو الشرك. وكذلك الإيمان بالإمامة ليس مداعاة للخلاف حول نبوة النبي محمد. والمذاهب الفقهية اجتهادات، طبيعتها الاختلاف وتباين وجهات النظر. وبالتالي لا يمكن سلب صفة الإسلام عنهما.

وعندما نعود للسؤال الذي اتخذ من عصر البعثة النبوية معيارا لمعرفة الإسلام الصحيح، نجد أن المعطيات التاريخية لا تسمح بالمقارنة، حيث كان التلقي مباشرة عن النبي، ثم غدا المسلم وحيدا في مواجهة النص بعد وفاته، فيخضع للواقع ومتطلباته، ويتأثر بقبلياته وثقافته. وتتحكم بوعيه الديني العناصر الثلاثة: النص، الواقع، قبليات المتلقي. فثمة اختلاف لا يسمح بالمقارنة. ولا يلتقيان إلا في صفة الإسلام. فينبغي الاحتكام لقيم الدين، وليس للنماذج التطبيقية. وأهم تلك القيم هي إنسانية الإنسان التي من أجلها أكد الدين على العدل وعدم الظلم، وزرع التقوى في نفوس المؤمنين. فكل إسلام يسلب الإنسان إنسانيته لا يمت للدين بصلة، لأنه محور الخلق ورهان الخالق عندما جعله خليفة في الأرض. وتبقى الأولوية للإنسان وليس للتشريع. ولا مصلحة للدين سوى مصلحة الإنسان، فالتجاوز عليها من خلال التشريعات الفقهية يفقدها قيمتها الدينية. والحركات الإسلامية تتجنى على الدين حينما تستبيح دماء الناس. كما أن مصادرة حرية الإنسان باسم القيمومة وولاية الفقيه رؤية متعسفة للدين. الإنسان هدف الدين أولا وقبل شيء. ولا يجوز مصادرة إنسانيته وحقوقه تحت أية ذريعة.

ذكرت أن هذه الأسئلة تتيح مراجعة المفاهيم التي أدمنها الفكر الإسلامي، لتسمح لنا بتفكير مختلف يتوافق مع هدف الدين في الحياة، وإحياء النزعة الإنسانية فيه.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi5صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة السادس والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س76: د. صالح الطائي: إن الرأي الشخصي شخصن الرأي العقدي فجرده من مقوماته.

ج76: ماجد الغرباوي: القضية ليست مطلقة، فالرأي الشخصي رأي في مقابل رأي عقدي، كما هو مفترض السؤال. قد يتفقان حول بعض النقاط ويختلفان حول أخرى. فيبقى الرأي الشخصي محترما، مهما كان مصدر الرأي العقدي، ما لم يتخل عن موضوعيته، ويحكم على الرأي المقابل، سلباً أو إيجاباً، من خلال موقف مسبق من صاحبه. وهذا أوضح مصاديق الشخصنة. فمن يعادي شخصا يحكم بخطأ مطلق آرائه، ومن يقدس رمزا يؤمن بقدسية آرائه، ويمنع نقدها ومراجعتها. فالشخصنة تقصي الفكرة، وتستهدف صاحبها. وهذه خسارة فادحة، تسببت في قطيعة معرفية تامة بين الفٍرق والمذاهب الإسلامية خاصة، ومن قبلها جميع المذاهب الدينية، وجرّدت الفكرة من أيجابياتها أو كرّست سلبياتها، تبعا لزاوية النظر. فأحد مشاكل الشخصنة في عدم قدرة الإنسان على الفصل بين الفكرة وصاحبها، فيسقط مشاعره عليها. ويصبح الموقف من صاحبها مدارا لصحتها وعدمها. وهي لا تخص حقلا دون غيره، فكراهة الناس للمسؤول الحكومي مدعاة للشطب على جميع انجازاته، والعكس صحيح. وهذا واضح في خطابات التبجيل تاريخيا. فالجميع يحكم على التاريخ وأحداثه من خلال رموزه وأبطاله. وكان طرفا النزاع الطائفي وما يزال محكوما بالشخصنة، فأحدث قطيعة بينهما. فلا إشكال أن الشخصنه تجرّد الرأي العقدي من مقوماته، مادامت الفكرة تستمد قيمتها من مصدرها. وقد استُبعدت آراء مهمة، وكُرّست أخرى، ربما خرافية، تحت طائل الشخصنة. بل أنها أطاحت بمقومات العقيدة التي ينبغي أن تحقق الهدف الرئيس من الدين في ضوء دور الإنسان في الحياة. فليست المشكلة في وجود رأي شخصي مقابل الرأي العقدي، لأن الثاني أيضا مجرد رأي حسب فرض السؤال. ولو أنه وضع الرأي الشخصي في مقابل العقيدة لكان ثمة ما يدعو لتجريد العقيدة كمفاهيم ناجزة من كل رأي يسلبها إطلاقها، حفاظا على مقوماتها. لأن المفاهيم العقائدية رغم أنها مفاهيم ناجزة قرآنيا، لكن قابلة للتأويل في بعض أبعادها، وهي حدود الرأي الشخصي. بل يمكن التوغل في أعماق الأبعاد الثابتة للعقيدة، واستنطاق مضمراتها.

وما زال الحديث عن العقيدة أجد من المناسب الاستشهاد بآيات تجسّد مفهوم الشخصنة قرآنيا، بمعنى الانصراف عن الرأي العقدي أو العقيدة إلى صاحب الرأي، أو الحكم على الفكرة من خلال موقف مسبقا من صاحبها. ففي قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ). لكنهم عادوا ليؤكدوا أن مشكلتهم ليست مع الدعوة بل مع صاحبها: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). فكفروا بالفكرة / الدين / العقيدة لأن صاحبها لم يكن رجلا عظيما. فتهميش الفكرة والانشغال بصاحبها، مصداق حقيقي للشخصنة. وأيضا تتجلى في رد فرعون على موسى عندما عرض عليه دعوته، فشخصن الخلاف و(قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ). وحجاب المعاصرة يفعل فعله في تقييم الأفكار حتى جاء في المثل (مغنية الحي لا تطرب).

بل حتى الخلافة الإسلامية خضعت للشخصنة، عندما ارتكز المهاجرون إلى مبدأ قبلي على حساب الكفاء. فالشخصنة تصدق على الفرد وعلى الجهة. فالنظر لذات الفكر والرأي ثقافة حضارية تفتقدها مجتمعات القطيعة التي اعتادت السكوت وعدم الاعتراض، وتقمع حرية الرأي. أجد في مشهد الإصغاء لرأي الأطفال هنا نموذجا مثاليا للتربية الصحيحة التي تفجر الابداع والطاقات. فالأبوان يتركان كل شيء، ويصغيان لطفلهما حينما يبدي رأيه بمسألة ما، ويتعاملان معه معاملة الكبير. فيمتلئ ثقة وشعورا بالمسؤولية تجاه جميع ما يخصه.

معنى مقارب

لكي نتحرر من سطوة المصطلحات، وإكراهات التعريف. نفترض أن المراد بالشخصنة في السؤال هو:

- التحكم بالرأي العقدي: حينما يطغى الطابع الشخصي، مجردا عن الاستدلال والبرهان. أو ينأى عن جوهر العقيدة. فيبدو رأياً مشخصناً.

- الرأي السلطوي: حينما يفرض الرأي الشخصي قناعته على الرأي العقدي، فيقمعه. ما يشبه عملية اختزال للرأي العقدي بالرأي الشخصي. وهنا يصدق أنها شخصنة عندما تكون منطلقات صاحب الرأي سلطوية، نابعة من مشاعر فوقية، تحتكر الحقيقة، محكومة لمنطق الفٍرقة الناجية. ومصاديقها: التوسعة والاختزال لأي مفهوم عقدي لمصالح مذهبية أو طائفية. أو فرض تأويل يسلب المفهوم مقومات الإطلاق، بشكل يخبو بموت مصداقه. بينما قوام العقائد في تجددها ومواكبتها الزمانية والمكانية. فلا تحدها المصاديق وتطفئ توهجها.

وفي هاتين الحالتين لا يعني الرأي الشخصي موقفا شخصيا مسبقا من صاحب الرأي، بشكل يستمد الحكم على مضمون الرأي العقدي من ذات الموقف المسبق. ولا يعني موقفا نظريا من ذات العقيدة بشكل يعيد فهمها وفقا لمتبنياته التي تسلبها مقوماتها.بل هي وجهة نظر تريد شخصنة الرأي.

التطور التاريخي

عندما نعود لماضي الأديان، نجد شخصنة العقيدة (بالمعنى الثاني) وراء زيغها وانحرافها. مهما كانت دوافعها وأسبابها. لأن الشخصنة لا تعني قراءة حيادية للعقيدة، وفهم لها ضمن ضرورات محددة، بل هي عقيدة مغايرة، في بعض أبعادها، كما بالنسبة للشرك بالله. فإن الشرك ندٌ لعقيدة التوحيد. وفق تأصيل نظري مختلف، ويصدق أنه عقيدة في مقابل عقيدة، وتأصيل نظري في مقابل آخر. فتأصّيل ربوبية عيسى ضمن الديانة المسيحية مثلا، يقابله تأصيل قرآني توحيدي في ذات الديانة المسيحية. فالشرك هنا لا يعد فهماً للعقيدة، بل تصورا مغايرا لمعنى الإله وطبيعة الارتباط به، يسعى لاحتكار الحقيقة. ولازمه نفي الآخر وحرمانه من النجاة. فتصدق الشخصنة بالمعنى الثاني على خطاب الشرك، وربما كان السؤال ناظرا لهذا النوع من التباين في الخطاب. خاصة أن السؤال جاء بصيغة الماضي، فهو يحيل على شخصنة قد تحققت فعلا. وهذا أحد مصاديقها، ثم بإمكان القارئ استدعاء أمثلة من مسار تطورات عقائد المسلمين.

وفي مقابل الأنداد العقدية، كالندية بين عقيدتي التوحيد والشرك، هناك قراءات تستلهم من العقيدة، دون المساس بها، فلا ينطبق عليها مفهوم الشخصنة، كدراسة البعد الاجتماعي للعقيدة، فإنه يعطي ديناميكية لمقولاتها، تدفع باتجاه العمل الصالح، وربط العقيدة ببعدها الإنساني والاجتماعي. مثال ذلك، الاختلاف في معنى الصلاة، فالفقيه يضع لك مسطرة للصلاة الصحيحة وفقا لحركاتك وسكناتك، ولا يهتم بتفاعلك الروحي. فمن أدى الصلاة بهيئتها المعروفة سقط عنه الواجب، سواء حققت حضورا روحيا لدى المصلي أما لا، فلا يهمه ذلك. بينما القراءة الاجتماعية تقدم فهما مختلفا للصلاة، وتعتبرها انفتاحا روحيا على الغيب والخالق، يستحضر خلالها الإنسان كامل مشاعره وأحاسيسه، ثم تتجلى عبر سلوكه وأخلاقه، فيكون مقياسه لقبولها وعدم قبولها مقياسا أخلاقيا، وليس فقهيا، جامدا بلا حياة. وهذا الفهم هو المقصود منها وفقا لآيات الكتاب الكريم، حيث يقول تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)، فتتجلى حقيقتها بسلوك الإنسان المؤمن. وهذا فهم اجتماعي للعبادة، يستلهم من وجود 54 آية تحث على العمل الصالح، أن الغاية من العبادات إقامة مجتمع صالح. وهكذا يفهم باقي العبادات. وهذا غير مقصود في السؤال.

شخصنة العقيدة في بعض أبعادها تنتج لنا نسخة مغايرة، حتى مع وجود بعض المشتركات، وهذا أحد أسباب بعثة الأنبياء، حيث تتعرض العقائد للإنحراف، فتخسر مقوماتها في خلق روح التقوى، الضمانة الحقيقية للإلتزام بالقوانين والأخلاق، وعدم تجاوز قيم الدين. فعقيدة التوحيد ترهن مستقبلك الأخروي بعملك الصالح، بينما عقيدة الشرك، ترهنه بالشفاعة مطلقا، فيصاب المجتمع بالانحلال وعدم الإلتزام، فتدعيات الشخصنة متعددة.

الرأي الكلامي

مهما كانت مبررات ودواعي علم الكلام القديم لكنه لا ينجو من الشخصنة. بل هو مصداق لها في بعض آرائه. فالرأي الكلامي رأي متحيز، يكرّس مصالحه، خاصة عندما تكون دوافعه سياسية أو طائفية أو مذهبية، وهو أوضح مصاديق الشخصنة. وكان وراء تأصيل مجموعة عقائد ومقولات ومفاهيم، لخدمة مصالح طائفية، تركت تداعيات أثّرت سلبا على فهم الدين، وتسببت في خواء العقيدة، وسلبها مقومات الرقي والتكيف مع الحياة، ضمن ضوابط الخلق والهدف الأساس من جود الإنسان على الأرض. فكان وما يزال الرأي الكلامي خطابا أيديولوجيا للدفاع عن متبنياته، وتفنيد حجج الخصوم المذهبيين. فكان الفكر الكلامي يستهدف العقيدة من وحي موقفه من صاحبها، فحينما يكون نداً، يوظف طاقاته المعرفية لتفنيدها، بغض النظر عن صدقيتها. وبالعكس يكرس أدواته المعرفية لنصرة عقيدته، فقد ضاعت المقاييس المعرفية في ظل علم الكلام الإسلامي، وأساء المتكلمون لدينهم وعقيدتهم، رغم وجود بعض الإيجابيات. ويمكن الإشارة إلى بعض سلبيات علم الكلام القديم وتداعياته، بما يجلي حقيقة أن الرأي الشخصي يشخصن الرأي العقيدي، ويسلبه مقوماته.

1- زحف الجدل المحتدم حول المسائل المطروحة ليقطع خيوط التواصل بين العقيدة والحياة الاجتماعية. فعقيدة التوحيد التي كان يعيشها الإنسان المؤمن في بدايات البعثة ممارسة حياتية يومية تطبع سلوكه وأخلاقه، صارت تدور في مدارات عقلية بعيدة عن هموم الحياة ومتطلباتها، وراح كل متكلم يحشّد أدلة وبراهين لدعم حول القضايا والمسائل العقيدية المطروحة، متكئا على البراهين والأقيسة الأرسطية في المنطق، فانتقلت عدوى الجدل لجميع المعنيين، حتى غدت المواجهات الكلامية ديدن البارزين من العلماء والمتكلمين.

إن انفصال العقيدة عن الحياة الاجتماعية ترك آثارا سلبية انعكست من خلال تحول العقيدة عند الفرد إلى ممارسات طقوسية وشعائر مجردة، يخلص المرء في أدائها بعيدا عن روح الإسلام وتجلياته الاجتماعية، فتبددت الخُلق الإسلامية والقيم الرسالية وتفككت عرى المجتمع.

أما الفكر فأخذ يعاني من إشكالات وشبهات تتعلق بأمور غيبية وقضايا مطلقة يعجز العقل البشري المحدود أن يبت بها، فتحولت تلك المفاهيم إلى طلاسم يصعب فهمها ورموز يتيه العقل في تحليلها.

وبهذا قضت البحوث الكلامية، شعر المتكلمون أم لم يشعروا، على جذوة الإيمان الوقّادة، وحولت الحياة إلى معادلات مادية ليس للعقيدة تأثير عليها إلّا في حدود بسيطة، لأنها مبتلاة بإشكالات لا تسمح لها بالاطلال على الحياة الاجتماعية واحتياجاتها.

ثمة مؤاخذة أخرى، هي أن الجدل المحتدم بين المتكلمين - آنذاك- والتجريد الفكري بأقصى مدياته في معالجة الشبهات، عطّل المنهج القرآني في بيان العقيدة، فحينما نرجع للقرآن نجده يتكلم عن العقيدة بشكل واضح ومقنع، وفي إطار نظام فكري متكامل ينسجم مع الفطرة والعقل، ولا يسمح للأخير أن يستغرق في استكناه الغيب لأنه عاجز عن ذلك، فتكفل هو بالحديث عنه بقدر يشبع الحاجات الفكرية للإنسان. فلم يتحدث عن الذات الإلهية باعتبارها غيبا مغلقا على العقل البشري، ولا يستطيع سبر أغوارها أو الوقوف على ذاتياتها. بينما أكد القرآن على صفاته، ودعا إلى اقتران الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من خمسين آية، لربط العقيدة بالحياة الاجتماعية. وهذا المنهج صادق على جميع مفردات العقيدة. فمثلا لم يصرّح القرآن الكريم بالدور الوجودي للنبي، لا نفياً ولا إثباتاً، ولم يطالبنا بذلك لكي لا نعيش دوامة التفكير في قضايا ليس لها مساس، لا بالعقيدة ولا بالواقع الاجتماعي، بينما أكد القرآن على مفهوم الأسوة في شخصية الرسول ودعا إلى اقتفاء أثره في سلوكنا الاجتماعي. فالمنهج القرآني يُبقى الإنسان واقعياً يعيش هموهه الحقيقية ويكدح إلى ربه من خلال تجاربه الاجتماعية.

2 - إن هشاشة علم الكلام من الناحية العلمية ساعدت على نفوذ الأهواء السياسية الى مطالبه، لتصنع منه أداة تحمي السلطان وتعزز موقعه داخل الأمة. ففكرة (الجبر، الإرجاء، وفاعل الكبيرة) جاءت لتبرر عمل السلطان وتشرعن ممارساته التعسفية. ففكرة (إن الإنسان مجبور على أفعاله) تبرئ ساحة السلطان من أي عمل سلبي، مادام مجبراً عليه، وتسند فعله إلى الله تعالى ولا اعتراض على الخالق سبحانه. وفكرة: (إن فاعل الكبيرة مؤمن) تبقي السلطان الموغل في الخطيئة على إيمانه وترجئ أمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه.

فأصبحت مهمة علم الكلام إطفاء وهج العقيدة وفاعليتها في نفوس الناس، خلافاً للهدف الذي وضع من أجله العلم . كما تقاعست الأمة عن أداء وظيفتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون أن تشعر بثقل الذنب المرتكب.

3 - نشوء علم الكلام كان ايذاناً لتأسيس الفرق وتعميق الخلاف بين المذاهب الإسلامية، فعندما تخندقت الفرق حول نفسها وظّفت عدتها وعتادها لتحصين مواقعها الدفاعية وشن حملات قاسية على الفرقة الثانية. واستبدلت لغة الحوار بتراشق عنيف يستهدف القضاء على خصمه الذي صنعه بيده. وبهذا صار الكيان الآخر هو المقصود بالذات دون الأفكار. فليست هناك مراجعة للآراء أو إعادة نظر بالأفكار المتبناة، لأنها حق مطلق لا يدانيه أي شك أو نقص، ومهمة المتكلم هي حشد الأدلة والبراهين والحجج، وإن لم تكن علمية، لاثبات صحة مدعاه وخطأ الآخر.

4 - أُسقط الإنسان من معادلة المتكلمين، وأُهمل عنصر الحياة الاجتماعية الفاعل دون أن يلتفت إلى حاجاته وتطلعاته، فهجرته العقيدة وأخذ يشق طريقه بمعزل عنها، خلافا للمنهج القرآني الذي أراد أن تكون العقيدة موجها للإنسان في سلوكه وممارساته، ويعيش التوحيد بكل كيانه ومشاعره وأحاسيسه، ويتسق مع الوجود في حركته إلى الله تعالى . فلجأ الإنسان إلى نزعات باطنية، غنوصية، صوفية لملء الفراغ الروحي الذي خلّفته العقيدة بعد أن هجرت الحياة واستقرت في عقول المتكلمين، تهددها الشكوك والأوهام. واخذ الإنسان يمارس لونا آخر من العقيدة، اقتصر فيها على طقوس وشعائر مجردة، فصيرته إنسانا مزدوج الشخصية.

تعدد الرأي

إن تعدد الآراء حتى في مجال العقيدة يكسب الفكر ثراء كبيرا، وهو علامة وعي متقدمة، تتصف بها الشعوب المتطورة، وكان تعدد الآراء، أتفقت أو اختلفت، متداولا وقد أثرى الفكر العقيدي. خاصة في مجال تدارس المفاهيم والحقائق النسبية التي لا وجود ولا معنى لها خارج الذهن، ويتفاوت تصورها والإيمان بها تبعا لاختلاف الثقافة والقبليات المعرفية، كمفهوم الإله. وبالفعل تعددت آراء المتكلمين قديما حول الخالق وصفاته. ثم تطورت المفاهيم العقدية خلال رد الشبهات المتعلقة بالخالق كله بفضل تعدد الرأي في المسائل الخلافية. وقد دخلت على الخط مقولات جديدة، مثل: الجبر والاختيار، والقدرة والاستطاعة. تارة بدوافع سياسية، وأخرى بسبب تطور مباحث علم الكلام. ثم اختلفت الآراء حول مسألة (فاعل الكبيرة، وهل هو مؤمن أم كافر) في زمن الدولة الأموية. وظهر المعتزلة رأياً فكرياً على الساحة . بعد ذلك تلاحقت المسائل الخلافية حول بعض مفاهيم العقيدة كمسألة خلق القرآن، وهل أن كلام الله قديم أم حادث، فكانت إيذانا بتشكّل الفرق الكلامية، لاسيما وإن الحكومات الجائرة أخذت تغذي اتجاه الانقسام العقيدي، فكان لها دور كبير في تأسيس الفِرق الكلامية خدمة لمصالحها السلطوية. وبسببها تبلور (الكلام) كعلم استأثر باهتمام جميع المسلمين، وربما لم ينافسه علم آخر. وتولى المتكلمون بيان مفاهيم ومفردات العقيدة الإسلامية والدفاع عنها من زوايا نظر مختلفة، تعكس تعدد الآراء والمباني الكلامية والعقدية. وعلى عاتق المتكلمين وقعت مسؤولية التصدي للشبهات المثارة من قبل غير المسلمين، أو الوافدة من خارج حدود الأراضي الإسلامية عن طريق الترجمة. كما ساهم المتكلمون في إغناء الفكر العقيدي بأدلة وبراهين رفدت العقيدة فكرياً.

لكن رغم ثراء التعدد يبقى خطاب الفٍرق الكلامية خطابا مشخصنا، حيث راح كل مذهب يتمسك بمقولاته، ويحتكم لها في تكفير الآخر، ويتصارع معها حول تأويلها. فبين الشخصنة والتعدد الحميد حدود واضحة، وبينها وبين القراءة تداخل يتطلب وعي المفهومين، وبيان الفواصل المعرفية بينهما.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

majed algharbawi4صالح الطائيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ د. صالح الطائي.

 

س75: د. صالح الطائي: إن النص المقدس تعرّض إلى التحريف والتغيير بدوافع سياسية، وهذا التحريف هو الذي تسبب في ولادة المذاهب الإسلامية، التي تبنى كل منها وجهة نظر من وجهات النظر الكثيرة التي طرحت على الساحة.

ج75: ماجد الغرباوي: تناولت موضوع تحريف القرآن سابقا، كما تحدثت عن الوضع وتحريف الروايات مرارا، وأشرت إلى خطورتها حينما تقع ضمن المقدس الديني، رغم افترائها على الدين، فيصدق أنها من (الكذب المقدّس)، كما اسميه. وما دام السؤال في سياق المراجعة النقدية، فالمناسب تناول التحريف من زاوية أخرى للوقوف على حقائق الأمور، كي لا تبقى عالقة، موضوعا للجدل الطائفي المرير الذي أرهق الخطاب الإسلامي. فكم من قضية شتت مشاعر المسلمين لا أصل لها. فنحن بحاجة للتحقيق في دعوى السؤال، فهل حقا تعرّض النص المقدس للتحريف، بما يعني أننا الآن نتداول نصوصا مقدسة محرّفة؟ وهذه دعوى خطيرة. أما أنها حُرّفت ثم أعيد تقويمها؟ وما هي حدود التحريف، وما هي حقيقة قدسيه؟ بل يمكننا العودة خطوة إلى الخلف لدراسة دوافع السؤال، حينما نسب التحريف لبعض النصوص المقدسة؟ فهل السؤال ينقل عن واقع موضوعي، أم هو بدوره عبارة عن نصوص تاريخية، وما هي قيمتها المعرفية، ودرجة وثاقتها؟ بعبارة أوضح هل لعبت خلفية السائل دورا في صياغة السؤال، خاصة أنه ساق الخبر كمسلمات نهائية يريد من خلالها ترتيب نتائج تخدم هدفا محددا؟. وإنما أقول ذلك لعدم وجود اتفاق بين الجميع حول تحريف الكتاب الكريم. رغم اتفاقهم على اختراق الحديث النبوي. لكن المشكلة أن السؤال مطلق، فيشمل بإطلاقه النص القرآني. وبالتالي فإن كل واحدة من هذه المفردات ستؤثر في الإجابة. وليس أمامنا سوى نص السؤال للتنقيب والحرث في أعماقه للكشف عن مضمراته، وما يريد أن يقوله. فمحور السؤال هو السياسة، بمعنى عودة جديدة لموضوع الخلافة. لكن السؤال شئنا أم أبينا يشي بدوافع أيديولوجية ووجود أحكام مسبقة حول الموضوع، يفترض أن تؤخذ بنظر الاعتبار.

يتضمن السؤال مفاهيم، تتوقف الإجابة على معرفتها:

أولاً- المقدّس: هو المطلق، المتعالي. أو ما يصدر عن العقل الكامل، وهو مصدر المعرفة، لا يجوز نقده ومراجعته. فالقداسة، كما ذكرت سابقا، سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، المؤمن بقداسة النص، وتسلبه خيار القراءة المفتوحة، عندما يفرض محدداته، ومديات الانفتاح والتنقيب. فقد يعتقد الباحث الديني أنه حيادي ويمارس كامل حريته في نقد وتفكيك النصوص المقدّسة، لكن الحقيقة أن إيمانه، يفرض عليه التحيّز، بشكل تقتصر قراءته على التأويل والشرح والبيان، دون النقد، فيخضع لا شعوريا لسلطة النص وقدسيته، باعتباره مطلقا. فمهمة الفقيه مثلا استنباط الأحكام من ذات النص كمرجعية معرفية نهائية لا يطالها النقد، ويُرجع الخطأ إذا وقع للتطبيق أو قصور الفهم، لأن النص الديني لا يتنازل عن عليائه، عصي على النقد والمراجعة، ينتظر من يستنطقه ويكشف مدلولاته دون المساس بقداسته. فتكون قراءة الباحث الإسلامي منحازة بالضرورة، يقتصر فيها على اقتناص مداليل تجدد رؤيته وفهمه. والبحث عن مبررات كافية لمواجهة التحديات. من هنا يصدق أن وعي الباحث الديني / الفقيه / المفكر وعي مغلق، دائري، يستفزه نقد المقدس. ويرابط داخل مدارات النص، مهما كانت قصية، إلا أنه لا يخرج عليه، ولا يشك بصدقيته ومطابقته للواقع. فالمعرفة الدينية محدودة الخيارات، لا تخضع للتجربة ومحاكمات العقل. وهذه هي قوة المقدس وقوة سلطته المعرفية. فهو مجموعة تابوهات، تحد من حرية القراءة. وليس في هذا ذم للباحث الديني، لأنها تقنية المقدس وآلية سلطته، ومعنى الإيمان وحدوده.

ثانياً: ما المراد بـ"النص المقدس"؟ هل خصوص القرآن، أم بإضافة السيرة النبوية (قوله وفعله وتقريره)؟ أو يضاف لهما سيرة الصحابي على الرأي السُني. وسيرة الأئمة من أهل البيت على الرأي الشيعي؟. وهذا قضية مبنائية، تختلف حسب المباني العقيدية، وعدد مصادر تشريع الأحكام الشرعية، بل ما هي مصادر المعرفة بشكل عام. فيبقى غيرها رؤية شخصية، قد تكون إرشادا لحكم شرعي أو حكم عقلي أو مبدأ إنساني. والسؤال ليس حول التشريع وقدسية نصوصه، بل بقرينة السياسة أن المراد به ما يخص السياسة. وتحديدا موضوع الخلافة ولوازمها. فالسؤال يفترض وجود نصوص، ثابتة، مقدسة في الشأن السياسي للمسلمين، وقد تم تحريفها بعد وفاته، فتسببت في تعدد المذاهب الإسلامية. ومر أن القرآن لم يتحدث بالشأن السياسي بشكل صريح واضح لا لبس فيه. واكتفى مبادئ وقيم تضبط الأداء السياسي، وتضعه على طريق العدل والاستقامة، بما يحفظ مصلحة الإنسان، وضمان حريته وأمنه واستقراره. ولم يبق سوى الروايات، ومدى حجيتها وفقا لشروط صحتها. وقد تكفلت الحلقة السابقة ببيان الموقف النبوي من الخلافة. كما أن اجتهادات الفكر الإسلامي لا ترقى لمستوى المقدس، مهما كان مصدرها، وتبقى وجهات نظر شخصية. فالنصوص السياسية، لا يوجد ما يؤكد قدسيتها كقدسية نصوص الأحكام الشرعية، آيات أو روايات. فلا يصدق عليها تحريف النص المقدس.

وعندي أن النص المقدّس هو النص المفتوح على التأويل، لثرائه وتعدد دلالاته، القادر على فرض سلطته ومحدداته من خلال تقنياته، وانتسابه للمطلق المتعالي. فينحصر بالكتاب الكريم، وتأتي روايات الأحكام بيانا وتفصيلا وشرحا من قبل الرسول ضمن مهمته القرآنية فتكون ملزمة حينما تكتمل شروط القراءة. وما عداها يبقى اجتهادا وقراءة وإرشادا محكوما بظرفه ومتطلبات عصره. وهذا الفهم سيحد من سلطة مطلق النص ما لم ينتمٍ للكتاب المجيد. ويحافظ على ديمومة قداسته وتعاليه، كمرجعية عليا. فهو لا يستسلم مطلقا، ويسعى لتحري أسباب التشريع والبحث عن شروط فعلية الأحكام الشرعية، فثمة طيف منها لم يعد فعليا رغم وجوبها، لعدم فعلية موضوعاتها، وفق قراءة لا ترفض النص وتأخذ بنظر الاعتبار دواعي التشريع، وترهن فهمه وفعليته لمتطلبات العصر والزمان وحاجات الناس، في إطار الهدف الكلي للدين ودور الإنسان في الحياة.

ثالثاً: هناك فرق بين النص وتأويله أو تفسيره. النص، هو الآية قرآنيا، وحديث الرسول روائيا. أما القرآن فلا يوجد دليل على تحريف آياته. وهل يعقل سكوت جميع الصحابة بما فيهم الإمام علي لو كان هناك تحريف حقيقي لبعض آيات الكتاب الكريم؟؟ وإنما أذكر الإمام علي باعتباره الخليفة الرابع، وقد احتفظ بنسخته الخاصة من القرآن الكريم. وكان بإمكانه فضح التحريف وتصحيحه أيام ولايته، حينما كان مبسوط اليد، قادرا على اتخاذ القرارات، وهذا لم يحصل. رغم ذلك كل شيء ممكن سيما التصحيف بعد تنقيط المصحف العثماني. وأقول ممكن، لأن حفظ الكتاب سوف لا يتأثر بأي تحريف أوتصحيف وفقا لمفهوم مختلف لمعنى الحفظ في آية: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، مر بيانه وتفصيله.

ثم أن الكتاب الكريم لم يهتم بموضوع السياسة ولم ينظّر لها بما يكفي لبناء نظرية في السياسة والحكم، سوى مبادئ وقيم يمكن توظيفها فكريا وفقهيا، لكنها تبقى اجتهادات شخصية، ووجهات نظر خاصة. فتنسب لأصحابها. لذا لم يتفق الفكر السياسي للمسلمين على نظرية واحدة، فإذا كانت الشورى مبدأ الحكم في الفكر السياسي السني، فهناك ثمانية نظريات حول السلطة والحكم لدى فقهاء الشيعة، كلها تتمحور حول الإمامة، وأنها نص وتعيين من قبل الله تعالى. وسبق لصحابة الرسول التنازع حول السلطة، ولم يهتدوا لمرجعية تحسم الصراع، فلاذوا بمبدأ قبلي، ولما عاد الجدل حول شرعية الخلافة في عهد الدولة الأموية وبعد مقتل الإمام الحسين، تركز النزاع حول تأويل بعض ما يمكن تأويله من الآيات لصالح هذا الطرف أو ذاك، اعتمادا على بعض الروايات، كآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، مثالاً لا حصراً. فإذا وقع تحريف كما يشير السؤال فربما يقصد خصوص تأويل الآيات، حينما وظفت بمساعدة الروايات لمراكمة الفضائل، كدليل على شرعية الخلافة أو الإمامة، أو لتعضيد الرأسمال الرمزي لكل من طرفي النزاع. فالآيات بنفسها مطلقة، لكن الرواية هي التي تخصصها. فلا يمكن تصور تحريف الآيات لأغراض سياسية، لعدم وجود آيات صريحة في المقام. ولو أن السؤال ذهب لوجود تحريف في آيات تخص الإمامة الدينية فربما يمكن مناقشتها، فهناك من يدعي ذلك، خاصة أصحاب التفسير الأثري، الذين دأبوا على تفسير الآيات وفق مقاسات الرموز الدينية والمذهبية. فبعض التفاسير الشيعية لم تبق آية إلا وأوّلتها بأحد الأئمة، وهناك من يدعي تحريف آية (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، حيث يقول أن أصلها "كنتم خير أئمة" وليس أمة. وأيضا في الجانب السني مثله، فهو صراع حول الرأسمال الرمزي لأطراف النزاع.

المشكلة أن الرواية تمثل سلطة قدسية هائلة، وكان لها دور في كل الخراب الذي حلّ بالمسلمين، منذ أحداث السقيفة التي كرّست سلطة قريش من خلال رواية لم يروها سوى الخليفة الأول. وليس انتهاء بالدولة العباسبة بل بقيت الرواية تلعب دورا سلبيا في ثقافة المجتمع. وما الأحكام السلطانية سوى روايات ومقولات كلامية واجتهادات شخصية لكنها تحولت إلى مرجعية لشرعنة السلطة. ويكفي أن تنقلب معادلة السلطة من تقديم الكفاءة على الولاء إلى تقديم الولاء على الكفاءة. فخسر العالم الإسلامي شخصيات كان ينبغي لها أن تكون في قمة الهرم لتؤدي دورها الرسالي والإنساني.

إن خطورة النص / الحديث دفعتني لتقسيم الروايات في مجال نقد النص، إلى رواية صحيحة الصدور، وأخرى محتملة الصدور، ما لم نجزم بنفيها. فالمعيار قوة حضور النص، لدراسة ونقد مرجعيات التفكير الديني، فبعض الروايات تتسم بقوة حضورها رغم ضعف سندها، كروايات الفضائل، مثل رواية العشرة المبشرة بالجنة وغيرها. وإنما أقول محتملة لأنها قد تكون قد صدرت فعلاً، وحينئذٍ نسعى للكشف عن علة ومناسبة صدورها، كي تدور فعليتها مدار علتها، ثبوتا وعدما. وتقدم أن ملاك فضيلة الصحابي في هذه الرواية استقامته، لا خصوصيته. غير أن الناس لا تفهم هذا، وتتشبث بظاهر الرواية وإطلاقها، رغم وضعها. فالأسلوب الأمثل لسلب هذه الروايات سلطتها، هو نقد أساس قدسيتها. فتسقط بسقوطها. وما قدمته من تقسيمات للسيرة النبوية في الحلقة (72) يخدم هذا الهدف، وسنحدد القيمة الحقيقية لهذا النمط من الروايات.

قد تقول إن رأي الرسول وإن لم يكن حكما شرعيا فهو أيضا مقدس حينما يكون إرشاديا. وهذا صحيح. فيبقى مرتهنا لشرطه الذي هو أساس الحكم الإرشادي، فثناء النبي على أيٍ من الصحابة يدور مدار استقامته، وإلا فليس من المعقول أن يمنح النبي تزكية مطلقة ويتحمل مسؤولية تصرفاته وسلوكه ومواقفه، لكائن من كان، وتصبح فوضى. خاصة ما من خليفة إلا وهو مشمول برواية أو أكثر من روايات الفضائل، فهل نغض الطرف عن كل أفعالهم بحجة هذه الرواية وغيرها؟ وهذا ما وقع فيه الفكر السلفي الذي راح يؤول ويبرر سلوكهم وأخطاءهم. وعليه فملاك روايات الفضائل استقامة الصحابي، وليست هي تزكية مطلقة، وصك غفران. ودليل الاستقامة، سلوك الفرد، ومدى تقواه في تعامله مع الناس، خاصة عندما يكون في السلطة، ويكون مبسوط اليد، وقراراته نافذة. المنهج القرآني واضح في فرزه بين الحق والباطل، وبين العمل الصالح والطالح، بين المؤمن وغيره. ويؤكد مسؤولية كل إنسان عن عمله وسلوكه وموقفه.

ولادة المذاهب الإسلامية

اعتبر السؤال أن تحريف النص المقدس لصالح السياسة كان وراء ولادة المذاهب الإسلامية. ولا شك أن المذاهب الإسلامية ولدت متأخرة متأثرة بالوضع السياسي وانقساماته. وليس العكس. إذ لم يحتج المتنازعون بعد وفاة الرسول بأي نص قرآني أونبوي، ثم جاء التنظير ليكرّس شرعية هذا الطرف أو ذاك من خلال روايات ظهرت فجأة. فتأثرت جميع الاتجاهات الفكرية والفقهية والكلامية بالموقف السياسي للصحابة.

كان الإفتاء منحصرا بالنبي، ثم بعد وفاته كان الناس يرجعون لأحد الصحابة لمعرفة الحكم الشرعي. وكانت أدلة أجوبتهم إما آية من القرآن أو رواية عن رسول الله مع اجتهادت محدودة. ثم مع تطور الحياة وتراكم الأسئلة اضطروا للتفقه في الدين، كتطبيق القواعد الفقهية الكلية على مصاديقها حتى ظهور عصر الفقهاء وبداية الاجتهاد والنظر الفقهي. غير أن عهد عثمان يُعد بداية نشوء تحيّز الصحابة والحفاظ ورواة الأحاديث، عندما استبعدوا ابن مسعود ومصحفه، وعدم إشراكه وغيره من أجلاء الصحابة في عملية جمع القرآن. والاكتفاء بلجنة من قريش يرأسها زيد بن ثابت بمعية: عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وربما هذا سبب الشك في وجود تحريف بالكتاب الكريم. بعد إتلاف جميع النسخ الأخرى، والرقاع التي كانت تدون عليها آيات الكتاب عند نزولها. لكن يبقى عدم اعتراض الصحابة دليلا على عدم وجود تحريف حقيقي، باستثناء التصحيف والقراءات. وهذا متفق عليه تقريبا. حيث اختار عثمان لغة قريش لغة رسمية للكتاب الكريم عند اختلاف القراءات.

وقد تجلى الانقسام واضحا بموالاة طرفي النزاع السياسي، علي ومعاوية. وبعد مقتل الخليفة الشرعي، بدأ معاوية، الذي راحت تلاحقه تهمة الخروج على الخلافة الشرعية، وشق جماعة المسلمين، بدأ يكرّس النص لتكريس شرعية سلطته، وسلب شرعية الإمام علي، ثم ظهر علم الكلام ليعزز سلطة معاوية، ويقمع كل تشكيك حول شرعيتها (إضافة لمهامه العقيدية الأخرى)، فتم تداول مقولات نظّرت لبراءة الخليفة، ونسبة أفعاله لله تعالى، كالقدر، الإرجاء، فاعل الكبيرة، الجبر، وغيرها، فخدمت السياسة، ودفعت باتجاه نشوء مذاهب فقهية، موالية للسلطة، أو تقف مع المعارضة ضدها. فاختلفت بعض الفتاوى باختلاف المبنى العقائدي، فمن يؤمن بعدالة الصحابة مطلقا أو يقول بعصمة الأئمة، يختلف عمن لا يؤمن بهما. فالمذاهب لم تختلف بسبب تحريف النصوص المقدسة بدوافع سياسية، لكن السياسة فرضت أولوياتها على مناهج الاستنباط، والمبادئ العقيدية القائمة عليها. فمن يؤمن بالجبر والإرجاء لا يؤاخذ الحاكم على سلوكه مهما كان ظالما مجرما، كما بالنسبة لموقف فقهاء المسلمين من معاوية ويزيد قاتل أهل البيت ومن تلاهم. وأما أحكام العبادات والقضاء فالاختلاف بين المذاهب الإسلامية قليل، يقول الشيخ المفيد، أن استقلال كل مذهب من المذاهب الإسلامية في مسائله الخلافية لا يتعدى أصابع اليد. فـ 95 بالمئة متفق عليه، لذا لا تجد اختلافا حقيقيا في الصلاة والصوم والحج وباقي العبادات، سوى أشياء لا تمس صميم العبادة. لكن الاختلاف في الموقف الفقهي السياسي. فالفقه السلطاني فتاوى فقهاء السلطة، لشرعنة الاستبداد، وسلطة الخليفة القائمة على الظلم والعدوان، وحرية التصرف بالثروات، وتبرئة مسؤوليتهم عن إراقة الدماء. فالفقيه وفقا لهذا المبنى لا يحكم بفسق الخليفة، مهما تمادى في ظلمه وتجاوزه، لأنه مجبر على فعله، وليس حرا كي يختار ويحاسب على فعله، وبما أن التكليف مشروط بالقدرة والاستطاعة، فيُرجأ أمر المجبر (مسلوب الإرادة) أي الخليفة الظالم إلى الله. لكن لماذا يحاسب غيره من العباد ولا يحاسبه؟ ولماذا فرض الكتاب الكريم عقوبات مطلقة كالحدود والقصاص إذا كان الإنسان مجبرا على فعله؟. ثم أليس في تأسيس هذه المقولات التفاف على حكم العقل وذائقة العقلاء بل والناس جميعا؟ فالظلم قبيح من أي شخص صدر، وغير المؤمن أيضا يحكم بقبحه. وما حكم به العقل حكم به الشرع.

ليست المشكلة في التنوع المذهبي، بل له الفضل في تراكم الثراء الفكري والكلامي والفلسفي والفقهي، لكن المشكلة في توظيف الشريعة لتفسيق الآخر، ورفضه وتكفيره، خاصة المعارضة السياسية. حيث نالت ظلما عظيما بسبب فتاوى فقهاء السلطة. وقد تمادى فقهاء السلطة حتى سوّغ بعضهم ولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على آوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه، لقمع المعارضة وتبرير سلطة الخليفة.

يتصح مما تقدم، لم يثبت تحريف أية آية قرآنية، وقد اتفقت المذاهب الإسلامية على سلامة النسخة المتداولة من الكتاب الكريم. وما ينقل من روايات تمس الجانب السياسي للمسلمين تقع ضمن دائرة الرأي الشخصي للنبي، فليست ملزمة شرعا. لاختصاص حجية السيرة بما له جذر قرآني وهي الأحكام الشرعية. وهذا الفهم سيعمّق قيم التسامح ورفض منطق التنابذ بين المسلمين.

ثم أن وضع الروايات وتحريفه، وتوظيف النص وتأويله، ليس مقتصرا على السلطة دون المعارضة، فربما الثانية أكثر اندفاعا، لحاجتها الماسة لنصوص تسلب السلطة شرعيتها، وتكريس شرعيتها كمعارضة. السلطة عادة تتحرك من موقع القوة فلا تحتاج لوضع النصوص، لولا تحريض المعارضة. وبالتالي فالجميع متهم بالوضع وليس طرفا دون آخر. فما نحتاجه في مسيرتنا وضع فاصلة مع التاريخ والتراث وجميع هذه الروايات، كي نحتكم للعقل في مواقفنا، فـ(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وهذا لا يعني تبرئة النص من مسؤولياته، بل الروايات الموضوعة كانت وما تزال وراء كل الخراب الديني والأخلاقي، ولها تنسب رثاثة الوعي والخرافة واللامعقول الديني والتسيب الأخلاقي، في مجال السياسة وغيرها. وما يرومه الحوار وضع النقاط على الحروف، والتعامل مع القضايا التاريخية بقدرها، كي نتدارك تبعاتها وانعكاساتها على صعيد العلاقات العامة، وعلاقة الناس بالدين، ونساهم في لملمة الجراح. فليس ثمة ما يتوقف على هذه الروايات وغيرها، وطريق السلطة وشرعيتها اليوم يختلف عما حدث قبل قرون متمادية، فلا حاجة لتلك الآراء والنظريات. لذا تجدني حريصا على تحديد دائرة المقدس، ومن له حق التشريع. للحد من قدسية الروايات. فأغلب الروايات الموضوعة تنسب لغير النبي لكنها مقدسة، ويصدق عليها مفهوم (الكذب المقّدس)

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com