 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع الأديب ا. د. عدنان الظاهر (11)

mohsen ouniخاص بالمثقف: الحلقة الحادية عشرة من الحوار المفتوح مع الأديب ا. د. عدنان الظاهر، وفيها يجيب على اسئلة د. محسن العوني.

 

د. محسن العوني، أديب ومترجم / تونس

الأستاذ الدكتور الفاضل عدنان الظاهر.. كل المحبة والتقدير وباقة ورد وحزمة زهور برية .. يسعدني التواصل معك أستاذي الكبير /

 

تمهيد

شجاعة القول لدى الأستاذ الدكتور عدنان الظاهر واتساع رؤيته الفكرية ونضج تعاطيه مع المسألة الحضارية .. فضلا عن منهجه العلمي الذي لا يجامل ولا يعادي .. وتلك العين الذكية اليقظة الرّاصدة التي طالما شدّتني إليه .. مع رسوخ قدمه في البحث والتوثيق و حرصه على القيام بواجب الشهادة وتلك المتعة الفريدة والنادرة والخاصة جدا التي أحسّها كلما رأيته يفتح جرحا نظيفا في واقعنا المريض الحرون الذي يدمن الهروب ويمارس المناورة ولا يمتلك الشجاعة الكافية لمارسة النقد الذاتي ومواجهة مشاكله المتراكمة بينما يحاصره الحشد حشد المراهنين على تخلّفه ووهنه من كل طريق..و

تجعلني أتوجّه إليه بهذه الأسئلة / التساؤلات وأسأل عن مصير الحوار المفتوح .. لماذا اختفى وهو لم يكتمل بعد..!!؟ وفي عز الكلام سكت الكلام!!..أرجو أن يتمّ الحوار المفتوح مع الأستاذ الدكتورعدنان الظاهر لتتمّ .. شهادته كما أرجو نشر الحوار في كتاب تعميما للفائدة وتوثيقا للبحث

 

" وكذلك بعثناهم ليتساءلوا "

الكهف / 19

" النفوس تتقادح والعقول تتلاقح والألسنة تتفاتح "

أبو حيّان التوحيدي / المقابسات

" لنثري بعضنا البعض من اختلافنا المتبادل "

بول فاليري

 

س100: د. محسن العوني: كيف تبدو للأستاذ الدكتور عدنان الظاهر صورة الآخر في الثقافة العربية الإسلامية؟ *

ج100: د. عدنان الظاهر: الحياة دايالكتيك متحرك أبداً متغيّر أبداً ولا من ثبات أو توقف أو سكون في حركة المادة الكونية والإنسانُ جزء منها ... جزء جدَّ بسيط . وقد عبّر التوحيدي عن ذلك أصدق وأبرع تعبير فيا له من مفكّر عملاق .

 

س101: د. محسن العوني: يذهب بعض المفكرين إلى أن الغرب صنع شرقه والشرق صنع غربه .. كيف يعلّق الأستاذ الدكتور عدنان الظاهر * على هذا الرأي؟

ج101: د. عدنان الظاهر: الغرب صنع بعض الشرق لا كلّه عزيزي الدكتور الأستاذ محسن العوني . صنعه بالإستعمار والإستشراق . ترك المستعمرون آثاراً لم تزل باقية تتفاوت قوةً وعمقاً من بلد عربي لآخر . فما تركه الإستعمار البريطاني في العراق على سبيل المثال يختلف عمّا تركه الفرنسيون في الجزائر والإيطاليون في ليبيا ولكنْ .. يبقى المُستعمر إستعماريّاً مهما بدّل لونه وزيّه وأقواله ويبقى العربُ عَرَباً كما كانوا زمان الجاهلية الأولى مع فوارق بسيطة طرأت تحت تأثير المُستعمِر منها لغة هذا المستعمر وبعض عاداته وأنماط حياته .

 

س102: د. محسن العوني: كيف ينظر الأستاذ الدكتور إلى الدور التربوي والثقافي والاجتماعي الذي قامت به الكنيسة والإرساليات التبشيرية * في البلاد العربية والإسلامية؟

ج102: د. عدنان الظاهر: قناعتي ومشاهداتي تقول إنَّ دور الكنائس الغربية والإرساليات التبشرية التي نشطت في البلدان العربية وما زالت هو دور غير فعّال وليس كبير الوزن . كما أنه كذلك متفاوت التأثير والإتساع يختلف من بلد عربي إلى بلد عربي آخر . السد والمصد والكابح الأعظم بالطبع هو الدين الإسلامي الراسخ الجذور في العالم العربي . ليس لديَّ إحصائية دقيقة تُبيّن عدد من اعتنق الديانة المسيحية من بين العرب المسلمين خاصة بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية (دولة الرجل المريض) لكني حسبما أرى بقي نشاط هذه الكنائس محدوداً متحفّظاً يتركز في كبريات المدن والعواصم العربية . لم أرَ في حياتي رجل دين مسيحي تبشيري في قرى ونواحي وأرياف العراق سوى ما كانت تعرض السفارة البريطانية في أربعينيات القرن الماضي بين الحين والآخر من أفلام ترفيهية متنقّلة تقام في المدارس أو في الساحات العامة وما كنا نعيرها الإهتمام الذي كانت تتوخاه السفارة البريطانية . كان في بغداد كلية أمريكية تبشيرية تُسمّى كلية بغداد لكني لا أعرف أحداً من بين طلبتها المسلمين قد غيّر دينه . بلى ... كان البعض منهم متأثراً بنمط حياة الأمريكان.

 

س103: د. محسن العوني: وردت في مقدمة بحثك القيّم "الشعراء والأديان الأخرى " في سياق الحديث عن توظيف الشعراء العرب المسلمين للأديان في شعرهم ..عبارة أراها مؤسسة وقد جاءت في صيغة تساؤل لا يركن إلى إجابة / إجابات بقدر ما يستثير التفكير ويوجّه نحو البحث والنظر والتأمّل وهي كالتالي: "ما الذي يعنيه لهم الدين الآخر وما الذي يغريهم فيه؟ هل قرأوا ثم استوعبوا هذه الأديان مغزى وتفصيلا وجوهرا؟

ج103: د. عدنان الظاهر: أغلب دراسات الأديان الأخرى وخاصة اليهودية والمسيحية قام بها أدباء وكتاب ومؤرخون قدماء معروفون . خاضوا فيها من وجهات نظر إسلامية صرفة ففقدت موضوعيتها وحيادها العلمي . وكان مرجعهم الأساس هو القرآن الكريم وما وجدوا فيه من سور وآيات تتكلم عن أصحاب هاتين الديانتين .

 

س104: د. محسن العوني: كيف يبدو للأستاذ الدكتور واقع دراسة ومعرفة العرب والمسلمين بالأديان الأخرى وانفتاحهم عليها.. وخاصة المسيحية واليهودية؟

ج104: د. عدنان الظاهر: خاض في هذه الموضوعات كتّاب ومثقفون وأكاديميون معاصرون لكنهم قلّة قليلة . ثم ما كان هؤلاء يمارسون مطلق الحريّة في كتابة ونشر ما كتبوا وما نشروا إلاّ في النادر . سيف الدين الإسلامي وأساطين الدين تقف لهم بالمرصاد ! ألم يًكفّروا طه حسين وعلي الوردي وعلي عبد الرازق وغيرهم من أنماطهم بل وأفتوا بقتلهم؟ هل نسينا ما تعرّضَ له سلمان رشدي ولو أنه غير عربي؟ شخص واحد يُحيّرني أمره .. كتب ونشر ما نشر عن القرآن والدين والإلحاد ولم يمسسه أحدٌ بأذى .. أعني السوري الدكتور صادق جَلال العظم .

 

س105: د. محسن العوني: عن علاقة التبشير بالاستعمار، وردت في بحثك " الشعراء والأديان الأخرى " في سياق حديثك عن النص الذي أهداه الشاعرعبد الوهاب البياتي للمناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد.. فقرة على درجة كبيرة من العمق والدقة وهي كالتالي: "

ما الذي يجمع بين هذه المرأة الجزائرية المسلمة والسيد المسيح؟ وما هي الا واحدة من بين مئات آلاف المجاهدين والمجاهدات الجزائريات ممن قلبوا الدنيا على المستعمر الفرنسي سواء بالتظاهرات السلمية في فرنسا ومدن الجزائر أو بحمل السلاح وخوض المعارك الدامية في الجبال والقرى وبعض المدن الجزائرية. كانت ثورة المليون شهيد. أفلن يجد البياتي مثالاً آخر يقارنه بالمسيح؟ إنَّ جميلة بوحيرد لم تُستَشهد ولم تُشنق أو تصلب كما كان الحال مع عيسى المسيح. أمرها معكوس، فلقد كانت تقاتل محتلاً مسيحياً حاول (فرنسة وتمسيح) شعبها وبلدها وانتصرت أخيراً وتم طرد المحتل من وطنها .. كانت تقاتل جبروتاً وطغياناً محسوبين على المسيح ولا أقول إنها كانت تقاتل المسيح نفسه.."

وخاصة العبارة الأخيرة "

كانت تقاتل جبروتاً وطغياناً محسوبين على المسيح ولا أقول إنها كانت تقاتل المسيح نفسه.."

ج105: د. عدنان الظاهر: ذكّرتني صديقي العزيز أستاذ محسن العوني .. ذكّرتني بموضوع السيدة جميلة بوحيرد الذي شغل العالم العربي في حينه .. فقد سألتني سيّدة جزائرية عن وقع حادثة جميلة على العراقيين وأجبتها وفي نفسي شجن وغصّة في فمي . كان حدثاً كبيراً هزَّ نفوس مثقفي وأدباء وشعراء العراق في حينه . لهذه الحادثة في نفسي ذكريات وكنتُ حينذاك لم أزل طالباً أدرسُ الكيمياء في دار المعلمين العالية في بغداد .

 

س106: د. محسن العوني: كيف يبدو لك تأثير هذا الالتباس في وعي العرب والمسلمين بين المسيح والمسيحية التي ظهرت في أرضهم وبلادهم وهي بعض تراثهم ..وبين الاستعمار وانتهاكاته وعنصريته وما خلّف من ندوب في الذاكرة الحية وعلى العقول والقلوب؟

 

ج106: د. عدنان الظاهر: التفريق بين المسيح والمسيحية وعنصرية المستعمرين المسيحيين معروفة للقاصي والداني كما هو الحال في التفريق بين الدين الإسلامي ومتطرفي ومكفّري المسلمين من أتباع القاعدة وغيرها من غُلاة التطرّف والسَلَفيّة . ثم إنَّ الرومان الوثنيين الذين قتلوا عيسى المسيح بتحريض من اليهود عادوا بعده فاعتنقوا دينه على يد أحد أباطرتهم وأمه . لا دينَ للسياسة دكتور محسن . أدخلت أمريكا بعض رجالات الدين المسيحي من الرهابنة والقساوسة عناصرَ في وكالة المخابرات المركزية السي آي أي .

حيث حلَّ مُستعمِرٌ سقط الدينُ واختفى ! ما هي القاعدة ومن خلقها وموّلها وسلّحها؟ إذا خدمت أمريكا فيلقاً مقاتلاً في أفغانستان ضد الجيش السوفياتي فما الذي يمنعها من خدمة الأمريكان وغير الأمريكان من القتال في سوريا اليوم؟ القاعدة كذلك محسوبة على المسلمين ولكنْ أيَّ إسلامٍ إسلامُها؟

 

س107: د. محسن العوني: " لا نكاد نهتمّ بالأديان غير الإسلامية ولا نكاد نجد من بيننا علماء فيها في مستوى علم علماء أهلها والعكس موفور بكثافة ..نحن لا نملك في جامعاتنا الدينية وغيرها الاقسام التي تكوّن هؤلاء العلماء والمكتبات المختصّة التي توفر لهم قاعدة البحث والاختصاص وعبثا لفتنا النظر إلى هذا النقص الذي سيدفع يوما الإسلام ثمنه باهظا بل بدأ يدفع الثمن .. نشكو .. ونشكو فقط .. !!؟ "

يدعو المؤرخ الأستاذ محمد الطالبي إلى ما يمكن أن ندعوه تجوّزا " بالاستغراب " على اعتبار أن الإسلام "سيغنم الغنم كله عندما يكوّن مستغربين ومختصين في الديانات غير الإسلامية وأن يكوّن هياكل انفتاح وحوار حتى يصير باختصار أكثر قدرة على المنافسة وأكثر مصداقية " وهو ما يعتبره شرطا ضروريا لتجاوز ما أطلق عليه بحق " تراث اللاّتفاهم " / "tradition d'incompréhension"

كيف ينظر الأستاذ الدكتور عدنان الظاهر إلى دعوة المؤرخ الأستاذ محمد الطالبي؟ 

ج107: د. عدنان الظاهر: ما قال الدكتور محمد الطالبي صحيح . لقد دنوتُ كثيراً من هذه المسألة ضمن جواب لي سابق . أُضيف فأزداد ألماً ويُتماً : مَن هم كبار المستشرقين ومشاهير التحقيق في تراثنا العربي والإسلامي تأريخاً وأدباً وديناً؟ كلهم من اليهود ! هل لدينا علماء متخصصون في اللاهوت المسيحي أو في التوراة والزبور وفلسفة القبالا اليهودية الصوفية؟ هل كتب أحدٌ عنها دراسة مقارنة مع التصوّف الإسلامي مثلاً؟

س108: د. محسن العوني:  مارأي الأستاذ الدكتور عدنان الظاهر  في مناهج جامعاتنا الدينية (وغير الدينية) في دراسة الظاهرة الدينية وعلم - مقارنة الأديان وحوارها وواقع وآفاق هذا   التخصص الحيوي المستقبلي الهام في البلاد العربية والإسلامية ؟  

ج108: د. عدنان الظاهر: أحسبُ أني كنتُ قد مسستُ هذا السؤال أو جزءاً هاماً منه وأجبتُ عليه بما أعرف .

أما الجامعات الدينية في العالم العربي فأكثرها شهرة اليوم هو جامعة الأزهر .

غير أني غير مُطلّع بشكل كافٍ على المناهج الدينية لهذه الجامعة أو سواها إنْ وُجدت ... ربما توجد في المملكة السعودية جامعة تُعنى أساساً بعلوم المذهب الوهابي ... ربما .. لأني لست على يقين تام من هذه المسألة .

وماذا عن جامع الزيتونة في تونس وهل هو جامعة أم مجرد جامع ؟ 

مع شكري لعزيزي الأستاذ الدكتور محسن العوني وللصديق الكريم الأستاذ ماجد الغرباوي صاحب الأفضال والأيادي النظيفة الممدودة دوماً لتقديم كل مساعدة مطلوبة .

عدنان

 

يمكن توجيه الاسئلة عبر الاميل الاتي

almothaqaf@almothaqaf.com

 

للاطلاع

حوار مفتوح مع الأديب ا. د. عدنان الظاهر

 

 

خاص بالمثقف

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2342 الاربعاء  30 / 01 / 2013)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2339 المصادف: 2013-01-30 14:14:45