المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (46): النص وحرية النقد

majed algharbawi22goma abdulahخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والأربعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من سؤال الأستاذ جمعة عبد الله

 

س73: جمعة عبد الله، كاتب وناقد / اليونان: طالما أن كثيرا من أحاديث الرسول الكريم خرجت بعد وفاته، عن سياقها وزوّرت وحرّفت، لاغراض شخصية وسياسية وسلطوية، أدت إلى انشقاق الدين الإسلامي الى مذاهب متعددة. وكل مذهب صار يستند على مصادر ومراجع خاصة تدعم مذهبه، بأنه الأرجح من المذاهب الأخرى، وهنا نتلمس الحيرة والارتباك، بأننا كيف نميز الحديث النبوي الشريف، بأنه أصيل صادق وصحيح، عن الآخر المريب والمشكوك فيه. أو الموضوع والمكذوب؟

ج73: ماجد الغرباوي: الأحاديث الموضوعة، والتقوّل على الرسول، مشكلة حقيقية، ابتلت بها العقيدة الإسلامية، وتأثر بها الفكر، وأثرّت في ثقافة المجتمع وسلوكه. وقد تفاقم الوضع طرديا كلما ابتعدنا عن عصر الوحي، حيث اتسعت الحاجة لنصوص مقدّسة تعضّد مصالح شخصية وأخرى سياسية أو دينية. وبالفعل كان لها دور خطير في قمع المعارضة وترسيخ حكم النخب القبلية على حساب الكفاءات. والسبب أن النص المقدّس سلطة عليا مؤثرة، يتفاوت في درجة إلزامه ونهيه، سواء كان آية أو روايةً. وسواء كان الحديث النبوي معتبرا أو لا. فما يقوله النبي وحي سماوي لاريب فيه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ). وطاعته مفترضة على المؤمنين (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ). فالرواية تستمد منه قدسيتها وتعاليها، ولها ما للآية من إلزام، وجوبا ونهيا. فالقداسة سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، وتسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، عندما يفرض محدداته، ومديات الانفتاح والتنقيب. فقد يعتقد الباحث الديني أنه حيادي ويمارس كامل حريته في النقد والبحث داخل النصوص المقدّسة، لكن الحقيقة أن صفته الدينية، تفرض عليه أن يكون متحيزا، بشكل تقتصر قراءته للنص على التأويل والشرح والبيان، دون النقد، فيخضع لا شعوريا لسلطة النص المقدس، باعتباره نهائيا، مطلقا. فمهمة الفقيه مثلا استنباط الأحكام من ذات النص باعتباره مرجعية معرفية نهائية لا يطالها النقد، ويُرجع الخطأ إذا وقع للتطبيق أو قصور الفهم. النص الديني لا يتنازل عن عليائه، عصي على النقد والمراجعة، ينتظر من يستنطقه ويكشف مدلولاته دون المساس بقداسته. فقراءة الباحث الإسلامي تكون منحازة بالضرورة، يقتصر فيها على اقتناص مداليل تجدد رؤيته وفهمه. والبحث عن مبررات كافية لمواجهة التحديات.من هنا يصدق أن وعي الباحث الديني / الفقيه / المفكر وعي مغلق، دائري، يستفزه نقد المقدس. ويرابط داخل مدارات النص، مهما كانت قصية، إلا أنه لا يخرج عليه، ولا يشك بصدقيته. فالمعرفة الدينية محدودة الخيارات، لا تخضع للتجربة ومحاكمات العقل.

تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فيؤثر الباحث التمادي بالتبرير على خدش حصانة النص، رغم أن النصوص جاءت لمعالجة الواقع، وفعليتها ترتبط بفعلية ظروفه، وليست أحكاما مطلقة تتعالى على شروطها التاريخية وفلسفة تشريعها. والسبب أنه يعتقد بمثالية النظام المعرفي الديني وصلاحيته وشموله لكل مناحي الحياة، وباستطاعة الفقيه التشريع داخل منطقة الفراغ. وأوضح مثال الحديث عن نظام سياسي أو إقتصادي في الإسلام، رغم تجاهل النصوص المقدسة لها، سوى مبادئ وقيم تصلح أن تكون أطراً أخلاقية. غير أن الفكر الإسلامي عمد إلى تأسيس نظرية في السياسة والحكم والاقتصاد، وشيّد نُظما فكرية ومعرفية. فهي رؤية وقراءة مشروعة للنص، وحق محفوظ لهم، غير أن دعاة الدين تعاملوا معها حقائق نهائية يتباهون بها دليلا على قوة النظام الإسلامي وقدرته على مواكبة الحياة. وهذا نمط من الأدلجة أضرّ بمصداقية الدين، حينما تعامل معها المتشددون كمطلقات، أباحوا لأجل تحقيقها سفك دماء المسلمين قبل غيرهم. الدعاة لا يميزون بين النص وقراءة النص، ويردمون الحدود الفاصلة بين الدين وفهمه، وبين الآية وتفسيرها. فإذا كان النص مقدسا، فإن فهمه وتفسيره جهد بشري اجتهادي، قد يصيب وقد يُخطئ.

إن الباحث الديني / الفقيه / المفسّر، يقرأ من داخل النص، فيخضع لسلطته ومحدداته لا إراديا. ويعتبر الاجتهاد خارجه تمردا. لا لأنه لا يريد الحرية أو لا يفهم معناها، بل لأن قداسة النص هي التي تتولى هندسة قبلياته وبنيته الفكرية والمعرفية فتفرض محدداتها ومدياتها، وآلية تفسيره أو تأويله للنص، وهي التي تحدد هامش الحرية وفضاء التفكير داخلها. فالحرية لا تعني بالنسبة له التحرر المطلق من قيود النص،  وتجريده من سلطته. فقراءته تبقى اجتهادا شخصيا في دائرة النص ومدياته، فتكون محدودة، غير منتجية، تطارها إكراهات النص. ومثالها جميع القراءات التراثية بل وأغلب الفكر الديني الخالي من النقد والإبداع. وهذه القراءة تختلف عن القراءة المقاصدية للنص، التي تحاول تقديم فهم جديد للدين، والبحث عن مقاصد أحكامه وشرائعة في إطار ظروفها الزمانية والمكانية. فهي لا تفرّط بقداسة النص، لكنها تقدم فهما جديدا له.

أما المتحرر من سلطة القداسة، فيختلف في طريقة فهمه للنص، حيث يتعامل معه بما هو نص، كأي نص، بمعزل عن قائله، أو وفق نظرية "موت المؤلف". فيخضعه لكافة مناهج النقد، الفلسفية والعقلية: "التحليلية والتفكيكة والوصفية والتأويلية". فلا محددات ولا سلطة فوقية للنص، سوى بنيته، وهي سلطة لغوية بنائية، يمكنه تفكيكها، وإعادة تركيبها. على خلاف الباحث في الفكر الديني، فهو مقموع تحت سلطة المقدس ومحدداته. ولا يمكنه ممارسة النقد على مؤلفه، فهو مقيّد، خلافا لمناهج أخرى، تتمادى في نقدها الثقافي والمعرفي، وتبالغ في دراسة خلفية الخطاب وقائله، وتنقّب في المضمر من أنساقه المعرفية.

إن التجرّد المطلق ضرب من الخيال، فيجب عدم المبالغة في تجرّد الباحث المتحرر، لاستحالته، وكل باحث منحاز لا إراديا لقبلياته وخلفيته، رغم نقده المتواصل لها، لتوقف فهمه للنص عليها. فيقصدون بالتجرد، التعامل المباشر مع النص بعيدا عن كاتبه أو قائله. أو بعبارة أوضح تجريد النص من أي سلطة معرفية خارج نظام القراءة النقدية، سواء كان مصدرا مقدسّا، أو ما تفرضه الأنساق الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية. من هنا تكون نتائج بحثه أقرب للواقع وأكثر ثباتا. النص المقدس أمام الباحث المترر نص مفتوح على مختلف المناهج والتأويلات، فتأتي القراءة زاخرة بالتأويل، حينما تتقّب في أعماقه، وتكتشف طبقاته المتوارية في طياته. فما من نص إلا ويخفي عددا كبيرا من النصوص والأنساق المضمرة. وبالتالي فإن حقيقة الاختلاف بين الباحثين، الديني والمتحرر في هامش الحرية، حينما يتقصى كل منهما مديات النص، ويكشف عن مضمراته، وما يروم تمريره من مسلمات بعيدا عن سلطة النقد. فخيارات القراءة والتأويل بالنسبة للباحث المتحرر مفتوحة، بينما يحد المقدّس من خيارات الباحث الديني، فتكون مهمته أصعب في مواجهة التحديات فيلجأ للتبرير، كنوع من الاعتراف بحدود حريته. فرفض الميتافيزيقيا مثلا يضطره إلى مناهج جدلية، ويبقى يراوح لا يستطيع تخطي قناعاته، لأنها باتت هي الأخرى مقدسة، لا يطالها النقد، فأصبحت ضمن اللامفكر فيه، والمتواري، خاصة مقولات البنية المعرفية التي ترسو باللاشعور مبكرا في المرحلة التلقينية.

إن حصانة النص تجعل منه فضاء معرفيا مغلقا، يحد من خيارات قراءته وتأويله. ومهما تمادى الباحث في نقده، لا يجافي منطق النص ودلالالته ولوازمه، فيعود لتلك الثوابت والمحددات، يتحرك في مداراتها، في تماهٍ مستمر مع النص، وفي دوامة المراجعة والنقد لقبلياته حينما تصدم مسلماته بمنطق النص أو تأويلاته. ولعل في النصوص الغرائبية مثالا واضحا للفرق بين القراءتين، حيث يتخلى العقل أمام انبهار الباحث الديني، أو لا أقل يلوذ بالصمت، ويبالغ في قداسة النص وقائله، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته. بينما يرفض الباحث المتحرر تلك الغرائبية حينما تناقض العقل والمنطق ويتعذر التأكد من صدقيتها تجريبيا. فالعقل لا يتخلى عن دوره، ولا يتوانى عن طرح الأسئلة والاستفهامات. فهو لا يتعقل وجود إنسان خارج الطبيعة البشرية مهما كانت قدسيته، أويكون  قادرا على اختراق القوانين الكونية.

إن الدعوة إلى قراءة النص الديني من داخله ووفقا لمنطقه كلام دقيق وصائب، من أجل فهم يتماهي مع محدداته، ولا يكون شاذا في نتائجه. فثمة مبادئ كلية حاكمة، ينتسب لها النص بشكل وآخر. وإلا ستخرج القراءة عن فضائها الديني، وتنحى باتجاه آخر، يبدو مشوّها، ينهار أمامه الإطار الكلي الذي يحكم النصوص الدينية. وهذا ما  يحصل عادة مع القراءات التلفيقة والترقيعية، التي تطمح لمواءمة النص الديني مع الواقع، مهما كان حجم المسافة بينهما، كتحدٍ حضاري أمام الكشوفات العلمية ومعطيات العلوم الإنسانية. وأوضح مثال جهود أسلمة العلوم، التي هي جهود ترقيعية لم تنتج لنا أي علم من العلوم الإنسانية التي نشأت وتطورت في بيئة أخرى، وداخل قيم وأطر مختلفة تماما عنا. العلوم تراكمية، تعتمد مناهج وأدوات مجردة لقراءة الواقع وفهمه. لا علاقة لها بالدين. وهذا لا يمنع أن تكون للدين قيم وأطر أخلاقية تغذي الرؤية التربوية والاجتماعية والنفسية. الدين له تخصصه وحقله، وعندما يقحم في مجالات غريبة عن منطقه، يرتبك أداء الفهم الديني، ويعود بالضرر على الدين ذاته. لكن المنطق الأيديولوجي يرفض الاعتراف بالحقائق والكشوفات العلمية، ويصر على كمال الدين وشموله لجميع مناحي الحياة، وقدرته على الاستجابة لكل متطلبات الواقع خارج حدوده. أو ما يعبر عنه شعار الحركات الإسلامية: الإسلام هو الحل. القرآن هو الحل. وهذه احد عوائق النهضة الحضارية للمسلمين.

أتضح مما تقدم أن قداسة النص سلطة موجهة لوعي الناس، ومرجعية معرفية نهائية. فالنص المقدّس هو الموجّه لحركة الفكر الإسلامي ومدياته عبر التاريخ. كما تبيّن أن النص المقدس لا يتحرك فقط بقيمته المرجعية، ولا بقداسته فقط، وإنما يتحرك ضمن منظومة معرفية، وجهاز مفاهيمي، تربطهما علاقة جدلية بالبيئة الثقافية والاجتماعية للمتلقي، الفرد والمجتمع. وكل واحدة من هذه المفردات هي سلطة بحد ذاتها، تعزز من قيمة المقدّس. فالفيلسوف واللاهوتي "المتدين" عندما يستغرق في تأمله النقدي، سرعان ما يعود لأحضان النص الديني تفاديا لأي فهم، يستفز يقينياته، وقد ينقلب على تفكيره حينما يتمرد، ويسعى لنقضه تماهيا مع عقيدته.

الرواية ليست مجرد نص عادي، بل سلطة تحرك الفرد فور سماعه، وتفرض عليه موقفا وسلوكا يعزز قيمتها وسلطتها. وهي ليست مجرد نسيج لغوي بل يتلقاها المتلقي ضمن نظام معرفي متوارٍ، ومجموعة أنساق ثاوية في أعماقه، ودلالات تؤثر لا شعوريا، وبنية معرفية تتحرك في إطار مقولاتها. ويظهر هذا بوضوح على مشاعر المتلقي عندما تتحدث الرواية عن موضوع الآخرة أو عذاب القبر أو تحفز فيه روح النقد والندم وجلد الذات وطلب العفو والمغفرة والشعور بالذنب وتأنيب الضمير. أو التفاعل العاطفي مع المواقف التاريخية. كما أن تداعيات رفض النص أو التمرد على منطقه، لا تغيب عن ذهن المتلقي، فيندفع باتجاهه، من خلال حزمة مؤثرات، شعورية ولا شعورية. فعقوبة العاصي أخروياً يهتز لها جميع كيانه. فيكون تلقيه تلقيا مزدوجا. إيجابي باعتبار صدقية النص. وسلبي عندما يتمرّد عليه، ويرفض أوامره ونواهيه.

الهيمنة المرجعية، واستجابة المتلقي المتوخاة من وراء الرواية، هو الهدف الأساس وراء وضعها واختلاقها، لتكون أداة ماضية لاقناع الناس بمضمونها وقمع معارضيها. والنص المقدس هو الوحيد القادر على تحقيق هذين الهدفين معا، خاصة عندما يعتقد الناس بوجوب طاعته، امتثالا لله ولرسوله. وهذا هو سبب تقوّل بعض الرواة على الله ورسوله كذبا وزورا، خدمة لمصالح شخصية أو سياسية أو دينية. بل أن النصوص الموضوعة هي التي أدارت لعبة السياسة، وقلبت موازين القوى على طول تاريخ السلطة في الإسلام.

ورغم اكتشاف طيف واسع من الأحاديث الموضوعة، لكن بقي ما هو خطير منها عصيا على الكشف إلا وفق مناهج نقدية صارمة، قد تنفع نتائجها طبقة الواعين من الناس، لكنها لا تقنع الفقهاء، ومن يتعاملون مع النص بقدسية فائقة. سيما حينما تكون الرواية معتبرة صدورا، واضحة دلالة، وفقا لمناهجهم في نقد الحديث، بل حتى مع عدم وجود دليل على اعتبارها وصحة صدورها، يخشون رفضها، ويتعاملون معها برفق، كي لايتجرّأ، ويتخطى الخطوط الحمراء، أو يخترق مناطق محرمة، فتجد ديدنه الاحتياط في تعامله مع الروايات. لذا ما زالت سُنّة النبي توجه وعي الناس، رغم ما فيها من ضعف وتناقض مع آيات الكتاب الحكيم. ورغم تاريخيتها إلا ما ندر، وفقا لمسؤولياته كنبي ومبلغ وبشير ونذير.

ينبغي التنبيه، إن الفهم المتقدم للآيات والذي يؤسس لعصمة مطلقة للنبي ومطلق وجوب طاعته في غير القضايا الإجرائية، هو فهم سائد، مشهور، متعارف، ومعتمد لدى الفقهاء والمفسرين. وهناك تفسير آخر سيذكر في محله. تفسير يعتمد سياق النص في فهم مقاطعه وآياته، ينتهي بنا إلى فهم مغاير، يكبح استغلال النص المقدّس، ويقوّض الجمود على حرفيته. وما لم نقم بتفكيك الفهم السائد لهذه الآيات سنبقى في أسر العقل التقليدي، ونتحاشى العقل النقدي، والاستدلال البرهاني، فنستبدل المنطق بالتكفير في تعاملنا مع كل فهم مغاير، بل وننصب العداء لكل رأي مغاير.

النص ليس مجرد مفردات وجمل، بل هو نسق ثقافي، ونظام معرفي، وسلطة تستمد قوتها من أسلوب بنائه، وطريقة تركيب الكلام، وتشكيل دلالاته.  ففهم النص يتطلب عدة معرفية، تتنوع في أدواتها ومناهجها، تغور في أعماقه، لتكتشف طريقة اشتغاله وأدائه، والإطلاقات تعمق سلطته حتى لو كانت نصوص مكذوبة. فتارة لا يكفي التفكيك، بعيدا عن منهج التحليل، تبعا لقوة رمزيته وإيحائه. فالنصوص مخاتلة، مراوغة، تخفي أكثر مما تظهر، وتستدرج المتلقي بدلالاتها، لتخفي مدلولات لا تريد خضوعها لمنهج النقد، خاصة النصوص المقدسة التي اتصفت ببلاغتها، وقوة تعبيرها ورمزيتها. ففهم كل نص ينتج نصا جديدا، له معالمه، وأسلوب اشتغاله، في توظيف سلطته على المتلقي. ويتضح هذا جليا في فتاوى الفقهاء، واستنباطاتهم الفقهية. فالنص الجديد يتصل وينفصل عن النص الأول وفقا لخلفية القارئ / الفقيه مثلا، ومنهجه في فهم النص. وأكثر وضوحا في روايات تفسير القرآن، فإنها تحجب النص الأول وتحل محله، في سطوتها وسلطتها. سيما المنهج الأثري، الذي لا يجيز مقاربة النص القرآني مباشرة، بمعزل عن رواية تراثية تفتح مغالقه وأسراره (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ). والراسخون بالعلم هم النبي وأصحابه. فيجب اعتماد الرواية في فهم آياته. وهذا الاتجاه لا يدرك أن النص الثاني يحجب النص الأول، ويغلق منافذ العلم والتأويل بسبب تاريخيته، وقبليات قائله. وهكذا بالنسبة للنص الثالث الفقيه / المفسّر.

إن كتب التفاسير، والتفسير الأثري للقرآن، آراء شخصية، وقراءة وفهم بشري للنص، فالتركيز عليها يحجب النص الأول، لعدم وجود قراءة بريئة. فلا تطابق تام بينهما. ولا يمنع وجود ما يدل عليه تضمّنا أو التزاما. لتأثر النص الثاني بخلفية المفسرّ، ثقافيا وعقيديا وفكريا، فمن يؤمن بالإمامة وخصوصية أئمة أهل البيت، تجده ينحاز  شعوريا أو لا شعوريا مع كل مصداق ينطبق عليهم. كما يقدم فهما للآيات يجاري العقيدة الشيعية. وهكذا بالنسبة للمذاهب الأخرى. وهذه هي مشكلة النص أساسا، فلا عجب كما مر بنا تحذير الرسول من الكذب عليه في حياته. فاسناد الكلام له لا يختلف في قدسيته وسطوته عن قدسية وسطوة الآيات. وحينما يكذب عليه، فستؤسس الأحاديث الموضوعة لعقيدة جديدة، أو رؤية مغايره، وربما حتى مختلفة من مضامين الكتاب الحكيم، إضافة للأهداف السياسية والقبلية التي تكون على  حساب المضطهدين والمحرومين والمنبوذين، ممن لا ينتمون لغير قريش، مهما كانت كفاءتهم، بل قد تتقاطع مع مبادئ الدين ومقاصده وغاياته. جاء في رواية عن الإمام علي: (.. وقد كذب على رسول الله "ص" على عهده حتى قام خطيبا فقال: "أيها الناس قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار". ثم كذب عليه من بعده)؟. فالكذب والوضع ليست مشكلة جديدة بل كذبوا على النبي وهو في حياته وبعد وفاته، حتى بات عدد الروايات الموضوعة يفوق التصور. وبالفعل لعبت الأحاديث دورا خطيرا في تطوير العقائد، خاصة لدى الشيعة، حيث امتد لديهم عصر النص حتى نهاية الغيبة الصغرى، فللإمام ما للرسول في العقيدة الشيعية، وأحاديثه ذات القيمة القدسية والمرجعية، فهي حجة عليهم كحجة آيات الكتاب وروايات النبي.

وعلى الضفة الأخرى كرست الروايات المنسوبة للنبي سلطة قريش على مدى قرون، وثبتت القرشية شرطا في تولي السلطة، والخلافة. فالفقه السلطاني يشترط القرشية في شرعية الخلافة. لذا كل الدول التي قامت في ظل الدولة العباسية كالبويهيين والسلاجقة راعت هذا الشرط، وأبقت على منصب الخليفة شكليا ضمن شرط القرشية، لطمأنة المسلمين وعدم استفزازهم بحاكم من خارج ثقافتهم وعقيدتهم في السلطة والحكم.

يتبع في الحلقة التالية

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (10)

  1. صالح الرزوق

هذه الأسئلة مهمة مثل الأجوبة. و أهميتها تأتي من ضرورة فرز الصحيح من الخطأ. هل الصحابي هو الذي كان يرسم خطة للوصول إلى مركز مرموق في الدولة الناشئة. أم أنه الذي يتابع الرسالة بروحها.
من هو الصحابي الحقيق.
الطامع بمكانة في الدنيا أم الطامع بمكانة في الدعوة.
و هنا يمكن أن نفكر أين تنتهي الدولة و تبدأ الإيديولوجيا. و لمن ألأولوية للمبادئ أم لحراس المجتمع الجديد.
العلاقة إشكالية و خادعة بين الطرفين.
و لذلك لا يمكن أن تجزم أسباب طرد غارودي مثلا من الحزب اشليوعي.
أو إسقاط أنغلز من الدولة السوفييتية و استبداله بالماركسية اللينينية.
و قل نفس الشيء عن إشكالية الصراع الصامت الذي اصبح علنيا بين ألرسوزي و عفلق في معادلة الأخوة الأعداء سوريا و العراق.
لا يمكن أن أمعن في الأمثلة المعاصرة لأن الحبل على الجرار.
حتى مفهوم الوحدة العربية كان أقرب لخدعة من استراتيجية بعيدة المدى.
و شكرا..

 
  1. ماجد الغرباوي    صالح الرزوق

نعم الاسئلة متداخلة، اشكالية، تحتاج لمزيد من البحث والتحقيق كي يطلع الجميع على حقائق التاريخ. شكرا لمشاركاتك د. صالح الرزوق

 
  1. جمعة عبدالله

اقدم شكري الجزيل الى الاستاذ المفكر الكبير ماجد الغرباوي , على براعته الفذة , في التحليل والتشخيص , على هذه المداخلة المفصلة باسلوبه الراقي الذي عودنا عليه , في الوضوح والتبسيط والشرح الوافي والمقنع , في السؤال الذي طرحته ضمن حلقات البحث الفكري والديني , في رؤية عصرية موضوعية , في جردها البناء . حقاً كان السؤال , هو عقبة من عقبات في البحث الديني لنصوص الدينية , بأعتبارها نصوص مقدسة لا يتناولها النقد , ولا يطالها اي شك في محتواها المقدس لان قداسة النص الديني لا يطالها الشك والنقد ( فالقداسة سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، وتسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، ) والعقبة الثانية , هي انحيازية الباحث الديني لنصوص الدينية الى مديات تفكيره الديني المذهبي وتحليلاته , التي تحد من حريته في التناول . ومسألة المهمة التي طرحها المفكر الكبير , هي موضوعية اسلمة العلوم , وهو ما دأب عليه بعض الباحثين في ربط العلم بالدين , في اسلمة العلوم . اعتقد ان حججهم يبطلها الواقع ولا هناك مسند لها. لان العلوم بمختلف انواعها لا تنتمي الى الدين , وانما الى التطور الانساني , في خدمة البشرية , واذا اسلمنا الى حجج لهذا البعض من الباحثين عن اسلمة العلوم , فأن تطور العلوم والعلم في تقنياته التكنولوجية الحديثة , جاءت خارج الدين الاسلامي , بالضبط من اجناس اغبيتهم يدينون بالدين المسيحي , ولكن لم نسمع منهم اطلاقاً , في ربط العلم بالدين , وانما الى تطور عقلية الانسان والبحث عن ابتكارات علمية جديدة , خدمة للانسانية جمعاء . وبهذا الصدد , ارجو من استاذنا المفكر الكبير , واعرف ان مشاغله كثيرة , ان يخصص حلقة , حول أسلمة العلوم ومفهومها . وكذلك موضوعية العلاقة بين العلم والدين
وشكرأ ودمتم في خير وصحة وعافية

 

شكرا لسؤالك الذي حرضني على الكتابة، وهو موضوع مهم تطلب مقدمات، كي يتضح دور النص والرواية الموضوعة، ويقف القارئ بنفسه على حجم التداعيات، والتأثيرات عبر التاريخ الإسلامي، اكرر شكري واعتزازي للاخ الاستاذ جمعةة عبد الله

 
  1. مهدي الصافي

تحية طيبة
شكرا للاستاذ المفكر الغرباوي على هذه الخطوات الجادة في اذابة جليد او خطوط الممنوعات او المحرمات المقدسة...اضافة الى ماتقدم نعتقد ان المسألة يجب ان يتم الفصل فيها في حالة النقد او التحليل او البحث الاسلامي للقرأن والسنة..فما يتعلق في القران الكريم لابد ان يؤمن الباحث المسلم بقدسية الكتاب وبأنه منزل من عند الله عزوجل على نبي الرحمة محمد ص حتى لايصبح الحديث والتفسير والتأويل والنقد عقيما ويدور في منطقة فارغة لايمكن ان تملأ بالبدائل الفكرية او المعرفية الا اننا يمكن ان نجدد الفهم للنص القراني على غرار الطريقة التي يشتغل بها الدكتور محمد شحرور والسيد كمال الحيدري اي اعتبار النص القراني ثابت ومتغير وفقا لارادة الله عزوجل الذييجب ان تنسب اليه كل حالات التقدم والتطور والتحضر الانساني كالفطرة المتحركة عندها يصبح النص ثابت لكن التأويل متغير تبعا للظروف البشرية والكونية الطبيعية..اما السنة والعقائد المضافةلها بعد وفاة النبي محمد ص هي التي نعتقد انها سبب مشاكل الامة الاسلامية لانها غير واضحة او ليست موثقة تاريخيا بطريقة عقلانية او منطقية علمية انما تفهم وفقا للاهواء والحاجات والاغراض السياسية والدينية .الخ.

 
  1. ماجد الغرباوي    مهدي الصافي

شكرا لحضورك الاخ الكاتب والباحث الجدير مهدي الصافي، ما تفضلت به صحيح، فلا مساس بالمقدس، والكلام كان حول هامش الحرية في البحث والتحقيق لدى الباحث الإسلامية، حينما يمارس المقدس سلطته عليه. لسنا بصدد انهاء المقدس او التشكيك به اطلاقا، لكن ايضا من حقنا التمييز بين المقدس الومدنس،الديني وغيرالديني. تحياتي لك ثانية

 
  1. ثائر عبد الكريم

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذا الايضاح و شكراً الى الاخ جمعة عبد الله على هذا السؤوال المهم المتعلق بالنص و حرية النقد. و شكراً الى الاخوة المعلقين الدكتور صالح الرزوق و مهدي الصافي.

نعم لقد وضع الفقهاء و رجال الدين قيود صارمة على الباحث في المجال الديني؛ و لذلك نرى ان اغلب البحوث الدينية ركيكية و ضعيفة تتناول القشور و لا تدخل في صلب موضوع النص الديني لانه يعتبر مقدس حتى ان كان من صحابي. قد نتفق على ان آيات القرآن ثابتة المحتوى و مقدسة و لكن لماذا نعطي صفة التقديس الى مفسريها و هم بشر مثلنا ؟؟؟.
و بالنسبة الى السنة النبوية و احاديث الرسول التي يوجد منها الكثير التي تشوبها صفة التزوير و التي وضعت لتخدم اجندات معينة اصبحت مقدسات يجب ان لا نناقشها ابداً؟؟.

و هذا بطبيعة الحال ادى الى تكفير و منع العقل البشري من التفكير بماهية هذه الاحاديث و مدلولاتها ؛ و النتيجة هي الركود و احتقار العقل و ربطه في تراث الكتب الصفراء المزورة . و هذا هو سر تخلفنا لاننا اصبحنا نراوح في مكاننا على مر السنين نجتر آراء بشر مثلنا سبقونا قبل اكثر من 1400 سنة و ندور في حلقة مفرغة.

هنالك فجوة كبيرة في تاريخنا لا نعرفها و لا نعرف ماذا حدث بها؟؟؟.

هل من المعقول ان كتاب الله تتأخر كتابته الى عهد الخليفة الثالث؟؟؟. لماذا هذا حدث؟؟؟
و هل من المعقول ان احاديث الرسول و السنة تكتب من غير "العرب" بعد ما يقارب من 200 سنة من وفاة الرسول (ص)؟؟؟.

اليس هذا يحتاج الى الغوص في عمق التاريخ لكشف الحقائق .؟؟؟

الآية التالية توضح عدم اكتراث المسلمين بالقرآن الكريم:

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا- الآية 30 من سورة الفرقان.

و غيرها من الآيات؟؟؟
اذا كان القرآن الكريم لا يؤثر بهؤلاء فكيف تؤثر الاحاديث و السنة النبوية؟؟ و كيف لا تزور و كيف لا يضعوا المنع على التفكير بشكل علمي سليم؟؟؟.

و النتيجة التي حصلنا عليها هي:
القرآن الحالي آياته غير متسلسلة ضمن الظرف الزماني-التاريخي و المكاني لنزولها؟؟؟.
السنة النيوية و احاديث الصحابة عليها الكثير من الاختلافات و الشكوك؟؟؟.

امّا ربط الاكتشافات العلمية بالدين الاسلامي فلا اعتقد ان هذا صحيح . الدين هو علاقة روحية بين الانسان و خالقه؛ و امّا الايات المتعلقة بالكون و الطبيعة فهي تشير الى قدرة الخالق. و شكراً

آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

 
  1. ماجد الغرباوي

شكرا لك د. ثائر عبد الكريم، وتحية لمثابرتك واهتمامك. هذه الحلقة بالذات مخصصة لفهم آليات المقدس حينما يمارس سلطته على الباحث الاسلامي. وهناك كلام سيوضح الافكار اكثر. اجدد احترايم

 
  1. د. جودت صالح العاني

(( فأذا كان النص مقدسًا، فأن فهمه وتفسيره جهد بشري إجتهادي قد يصيب وقد يخطئ)) .. هذا كلام سليم .. ولما كان القرآن الكريم نصوصًا مقدسة (غير بشرية) ، فأن الأشكالية لا توجد في النصوص، إنما في (التفسير) البشري و(الأجتهاد) البشري .. والتفسير والأجتهاد هما بشريان قد يصيبان وقد يخطئان .. وكل ذلك يحدث في أمور هي في حقيقتها (كيف يمكن أن يفسر النص من أجل الفهم والتطبيق وتحويله إلى تشريع يساعد الأنسان على تصريف شؤونه الدنيوية بما لا يخالف النصوص المقدسة أو يخرج عليها عند التفسير والأجتهاد .. ولكن الأجتهادات والتفسيرات قد تجنح في (غلوها) تتجاوز روح النصوص المقدسة أو إضفاء ما لا طاقة للنص على تحمله .. بعضها يشوه وبعضها الآخر يحور - حسب المصالح الفئوية الضيقة - حين يغيب معيار المنطق العقلي عند التفسير والأجتهاد .. عندها (ينقسم) الناس بين مقتنع ورافض ، عندها يتعدد المفسرون والمجتهدون وتتناسل الأنقسامات وتتحول تفسيرات النصوص وإجتهاداتها إلى وبال عند التطبيق وتتوسع الثغرات ، فبدلا من تيسير خدمة المسلمين والناس أجمعين تتعقد سبل التطبيق ويتشرذم المجتمع .. فالأساس في النص لا خلاف عليه في كل المذاهب وهو يشكل قرابة 94% ، أما الثانوي الذي يراد تفسيره أو الأجتهاد بشأنه فيقع في 6% - حسب رأي العلماء المتابعون- ولكن عامل السياسة والمصالح الأنانية الضيقة هي التي تدخلت وتداخلت وفرقت ودفعت بالناس إلى الفرقة التي تذهب بقوتهم وبجهدهم من أجل البناء والتقدم ... المشكل الأساس في كثرة المفسرين والمجتهدين للنصوص (الثانوية) وتركهم (الأساسية) التي تؤكد على التحابب والتقارب والتلاحم والتآخي والتعامل (كأسنان المشط) في التساوي ، والتأكيد على الرحمة والتراحم وعدم الأعتداء (إن الله لا يحب المعتدين) و (أوفوا بالعهد) و (تراحموا في ما بينكم) .. إلخ ... كل النصوص المقدسة التي تؤكد على التآهي والسلام يتركها المفتون والمجتهدون والمفسرون وهي من الأساسيات ويذهب أكثرهم - عن قصد ربما - إلى التركيز على ما يفرق وبطريقة التهجين والغلو دون مراعات لمقاربات المكان والزمان وروح النص والإتيان بما لم ينزله الله من سلطان ... أين هو الخلل ؟ في النص أم في البشر؟ لماذا يحمل النص التشويه والتفسير القاصر؟ علمًا بأن من يحمل النص خلافًا للمقاصد إما جاهل أو قاصر عقل أو مغرض؟ وأين هي (المعايير) المنطقية للعقل البشري التي تبعد النصوص عن التشويه وتمنع إنقسام وتشرذم البشر؟ .... دمتم بألف خير وعافيه .

 
  1. ماجد الغرباوي

الاخ الاستاذ د. جودت صالح العاني، سعيد بحضورك ومداخلتك القيمة، التي قررت حال المسلمين، وهم يتعاملون من مختلف النصوص، حتى حجب النص الثاني الأولى، والثاني حجبه الثالث، وبات الصراع على فهم بشري، لا يمت للنص ومضمونه، وحصل ما حصل كما تفضلت. دمت بعطاء ووعي لا ينضب مع خالص احترامي

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4114 المصادف: 2017-12-10 04:03:30