المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (79): الفقيه ومنطق العبودية

majed algharbawi8مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والسبعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

د. مجدي ابراهيم: أستاذ فلسفة / مصر: قرأتُ الحوار المفتوح عن ضوابط الرواية الدينية مع الأستاذ ماجد الغرباوي في عناصره الخمسة: معرفة الروايات، وشواهد الوضع، ومناهج التوثيق، وحجيّة السنة، ثم أخيراً القيمة المعرفية. والحقيقة أشهد له بعمق التحليل والنقد مع نفاذ تطبيق المناهج الحديثة على روايات الحديث؛ الأمر الذي يشكّل رؤية المفكر في ضوء نظرة مستقبليّة لا تدعو للفرقة أو الانقسام مقدار ما تدعو لفهم النصوص الحديثية الداعية بحكم تراكمها واجترارها إلى الفرقة والانقسام؛ ثم التركيز؛ على حد قوله؛ على النسخة التي تربط القرآن لا بالسّنة ولا بالعترة؛ ولكن بظرفه الزماني وبمتغيرات ضرورات الإنسان ومواكبته لعصره.

وسأقوم بتحديد تساؤلاتي في النقاط الآتية متخذاً هذه البديهة المعرفيّة أساساً لنقطة انطلاق: وأعني بها التفرقة الفارقة بين الشرع الجديد والفهم الجديد. لقد وضع الأستاذ ماجد منهجاً رصيناً في دراسة روايات الحديث ونقدها بيّنه لنا خلال حواره العام وحدّد عناصره، وهو نفسه القاعدة الأم التي يعوّل عليها علماء الحديث ولا يعولون على سواها، ويقوم عليها علم الجرح والتعديل (فما خالف كتاب الله من تلك الروايات فهو زخرف؛ ولا حجيّة لأحاديث النبي مطلقاً في غير الأحكام الشرعيّة في الكتاب المجيد، ووجود الحكم الشرعي في القرآن يعدُّ شرطاً لحجية قول النبي عندما يكون تفصيلاً وبياناً له، إذْ التشريع من عند الله مقتصر عليه).

والسؤال هو:

س80: د. مجدي ابراهيم: إذا كان التشريع من عند الله ومقتصر عليه؛ فلا يمكن أن نأتي بتشريع جديد بل يمكننا أن نأتي بفهم جديد في التشريع الذي هو من عند الله؛ وهذه النقطة فيما أرى جوهرية؛ لأنها هى نفسها التي تمكّن العقل الحداثي (في مقابل العقل التراثي) بوضع الضوابط والمتغيرات لمواكبة الإنسان لعصره، وتفتح أمامه السّعة في الفهم والتصرف في شئونه الدنيوية كيفما يشاء، وبغير قيود أو حدود. فهل يمكن في وجهة نظر الأستاذ ماجد الأخذ بها والتعويل عليها؟!

ج80: ماجد الغرباوي: بدءا أتقدم بجزيل الشكر والاحترام للأخ الأستاذ الدكتور مجدي إبراهيم، أستاذ الفلسفة. وأشكر حسن ظنه وثقته. وأعتبر ما قاله شهادة صدرت عن أكاديمي وباحث مرموق. فأفتخر بها وأعتز. كما أشكر مشاركته من خلال أسئلته القيمة التي ستثري الحوار، وننفتح من خلالها على آفاق معرفية جديدة.

نعم يمكن الأخذ بها، متى ما دل الدليل عليها، فلا تكون حينئذٍ خيارا، بل عودة لفهم الدين، وأحكام الشريعة وفق محددات الكتاب المجيد. لأننا أمام قضايا دينية، توقيفية، شرطها ثبوت جعل شرعي صريح بخصوصها. وليست المسألة خاضعة للاجتهاد ورغبات أيديولوجية أو مذهبية. وكان أحد أهداف الجهاد أن يكون الدين كله لله (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) بمعنى تحريره، وسلب شرعية الأديان التي تتحكم بمصائر الإنسان ولو بالقوة. والدين هو العقيدة والشريعة. فالرهان على ما طرحته يتوقف على تسوية إشكاليات، ترتبط بفهم الدين، ودور الإنسان في الحياة، وتحديد مهمة الأنبياء الرسالية، وحدود تأثر الفقه بالمتغيرات الزمكانية. ومدى وعيه بها، وقدرته على التحرر من قبلياته التي تفرض محدداتها وسلطتها. فرغم دعاوى الإجتهاد، غير أن الفقيه أسير قواعد تم تأصيلها عقليا لضبط منهجه في استنباط الأحكام الشرعية، فهو يخضع لها ويقدسها وينسى أنها صنيعته، المرتهنة في صدقيتها لقبلياته، وما يؤمن به من يقينيات دينية وعقلية وفلسفية. فهي قواعد تم تأصيلها لتلبّي رغباته التي تنسجم مع عقيدته وفهمه للدين وللتشريع، يظهر هذا واضحا من خلال استدلاله عليها، فبعض يميل بطبعه للاحتياط فينعكس على موقفه الأصولي من القضايا المشكوكة، بينما يميل الثاني للبراءة والسعة.   

فالرهان في بعده الآخر، يتوقف على نقد المرجعيات الفكرية والعقيدية والأصولية للفقيه، وتشكيل وعي جديد وفق فهم مختلف للدين، وإعادة النظر بالمقدس، وقدسية التراث والسلف الصالح، والعودة المباشرة للكتاب الكريم، نتدبره وفقا لحاجاتنا وتطلعاتنا، كمرجعية نهائية في مجال تخصصه. فهو "تبيان كل شيء"، وفيه "تفصيل كل شيء"، و"ما فرطنا في الكتاب من شيء". وهو أمر ممكن، رغم وجود روايات تشترط وساطة التراث والسلف في فهمه وتفسيره. فحجّمته وهي تبغي هدايته. لكنها روايات ضعيفه، لأنه بيان للناس، فلا يمكن احتكار فهمه وتفسيره، فيكون القرآن حاكما عليها حتى وإن كان بعضها صحيحا.

وينبغي مراجعة الأدلة التي تقوم عليها مقدمات الاستنباط، وفضح بشرية الفقيه وعدم تعاليه وقدسيته. فهو كأي متخصص يستنبط الحكم الشرعي وفقا لمقدماته، وهي مقدمات علمية حسب الفرض، تتوقف صحتها على صحة أدلتها والمبادئ التي قامت عليه. لذا فالاستنباط متاح لكل من يمتلك أدواته، وليس ثمة اصطفاء من قبل الله تعالى أو توفيق إلهي كما تشيع المؤسسات الدينية ووسائل إعلامها. والاجتهاد مَلَكَة يكتسبها المجتهد من خلال الدرس والتدريس وممارسة الاستنباط. وقد يفقدها حينما ينقطع عن عمله أو يتخلى عنه. كما تتحكم بالفقيه عقيدته ورؤيته الكونية وفهمه لفلسفة الأحكام، ومصادره المعرفية وثقافته ووعيه. فتصدي الفقيه للافتاء واستنباط الأحكام يرتكز لقناعة ترتبط بفهمه للدين ودور الإنسان في الحياة. وهو فهمٌ متعدد في روافده العقيدية والثقافية والعلمية. وبالتالي فكما أن تطور علم الفقه وأصوله وتعدد مسائله ساهم في تضخم الأحكام الشرعية. كذلك فرضت خلفية الفقيه نفسها على منهجه في استنباط الأحكام الشرعية. كالاختلاف السني - الشيعي حول مصادر التشريع، بين الكتاب والسنة وبين الكتاب والسنة الشاملة لروايات أهل البيت.

اتضح مما تقدم أن نقد مرجعيات الفقيه الفكرية والعقيدية سيُتيح رؤية مختلفة للدين، ويطيح بأدلته وشرعية استدلاله للأحكام الشرعية، بعيدا عن الكتاب الكريم. فالحد من تضخم الفتاوى، وتناسل الأحكام يرتهن لنقد تلك المرجعيات والأصول التي يعتمدها الفقه الإسلامي عامة. فهي أصول هشة تتستر على آيديولوجيتها بعناوين العلم والقواعد العقلية.

فلسفة الحكم الشرعي

ثمة فرق جوهري بين اتجاهين ومنطقين في فهم الدين وفلسفة الأحكام الشرعية، منطق العبودية، ومنطق الخلافة. يتوقف عليهما فهم أسباب تضخم الأحكام، وطوفان الفتاوى الشرعية. إن فلسفة الحكم تكشف عن سبب التشريع وحكمته ودواعيه وطريقة تأثيره، كما أن تاريخ الحكم يكشف عن البيئة الاجتماعية والدينية والثقافية التي انبثق عنها السؤال. حيث جاءت الأحكام الشرعية في الكتاب الكريم ردا على أسئلة السائلين، ولا يوجد حكم ابتدائي أو لم يكن مسبوقا قبل البعثة، كالعبادات وتفصيلاتها، سوى بعض الاختلافات. فالحكم مرتبط بموضوعه. غير أن جل الفقهاء إن لم يكن جميعهم يعتقدون أن فعلية الأحكام منقطعة عن أسباب تشريعها، فلا يدرسون تاريخها وفلسفتها. بينما تاريخ التشريع يؤكد وجود أسباب وراء تشريعها، وقد تنتفي فعليتها بانتفائها. جاء في الكتاب: (يسألونك، ويسألون، يستفتونك) حتى نهاهم عن الإلحاح بالسؤال: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم). وهذه الآية بالذات وراؤها فلسفة عميقة، سنشير لها لاحقا.

الأول: منطق العبودية

تعتبر العبودية، التي هي ضد الحرية والاستقلال، جوهر النظام الأبوي السائد آنذاك وما يزال. تختلف في مصاديقها بين الاستعباد بالقوة والقهر، كأسرى الحروب آنذاك. أو تكون العبودية شعورا داخليا، نفسيا، متأصلا، يشترط وجود الآخر في وعي الذات. حداً أن بعضهم كالرقيق لا يفهم سوى أنه أداة مملوك لغيره. وهذا الصنف من العبيد لا يتأثر في أجواء الحرية، فيكون شاذا في سلوكه بين التمرد والتبعية المطلقة.

ومنطق العبودية دينيا، اتجاه يختزل دور الإنسان بالفتنة والامتحان والاختبار. ويقصر فيه دور الفرد على تطبيق الأحكام الشرعية، مع سلبه حرية الحركة خارج ما هو مشرّع منها. ولازمه أن يكون للشريعة رأي في كل تفاصيل الحياة. وما من حادثة كما يعتقدون إلا ولله فيها حكم، في إطار شمول الدين لجميع مناحيها. وهو اتجاه يضع النص دائما فوق العقل. ويكتفي بالكتاب والسنة والتراث وفتاوى الفقيه مصدرا لمعرفته. لا يؤمن بأية فلسفة وراء الأحكام الشرعية، ويعتبرها تعبدا مطلقا، وهي شاملة وثابتة مهما تغيرت موضوعاتها، ويكون الدين / الفقيه قيّماً عليه. ويلخصون هذه الفكرة بقولهم: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة). وهو اتجاه التيارات الدينية عموما، والسلفية خصوصا.

وهذا الاتجاه لا ينفي وجود ملاكات "مصالح ومفاسد" وراء تشريع الأحكام، لكنه ينفي قدرة البشر على إدراكها، فتبقى عللها مجهولة، وينبغي التعبد بها. ففلسفة الأحكام عنده قائمة على التعبّد المطلق. ولا تدور مدار ما يترآى ويبدو من حكمتها وأبعادها الاجتماعية والأخلاقية. لأن العلة الحقيقية تبقى مجهولة لنا، وربما تكون الغاية وراء تشريع الحكم تمحيص طاعة العبد ومدى إلتزامه بأوامر المولى ونواهيه. فعندما يطلب الأب من أحد أبنائه ماء، ربما يقصد اختبار طاعته فيحاسبه إذا أتى به غيره، لكن لا يحاسبه إذا كانت غايته شرب الماء، فملاك الأمر بالنسبة له قد تحقق.

وهكذا يتصور منطق العبودية الأوامر الإلهية، فلا يجتهد أمام النص إطلاقا، ولا يُتعب نفسه في البحث عن ملاكه ومصلحته. ولا يتحرى فعلية موضوعه أوعدم فعليته. وبالتالي يبقى الحكم الشرعي فعليا في كل الأحوال والأزمان. وتكون الشريعة شاملة لجميع مناحي الحياة، ولا يجوز تشريع أي قانون يتقاطع معها. وبما أن الأحكام الشرعية محدودة لجأ للسيرة النبوية، ثم انتقل يقلد الفقيه. فتضخمت الأحكام الشرعية على حساب عقله وحريته، التي هي مساحة الإباحة الشرعية كما هو مقرر عندهم فقهيا. وغدا كائنا مسيرا بأحكام الفقيه، تقتصر مهمته على تطبيقها والعودة له عندما يشك بغيرها. فتشل قابلياته العقلية، ويفقد حرية القرار. فهذا الاتجاه لا يكف عن تشريع الأحكام وتأسيس قواعد أصولية، للحد من مساحات الإباحة والحرية التي تترك له خيار التصرف في إطارها، ويمكن التأكد من صدقية هذا الاتجاه من خلال فتاوى الفقهاء المتخمة بالتحريم والاحتياط الوجوبي، وكحد أدنى يفتي بالاحتياط الاستحبابي دون الافتاء بالإباحة، بفعل ثقافة العبودية الراسخة في أعماقه. وهذا النوع من الفقهاء عبء على الدين، عندما صادروا سعته ورحمته، واستبدلوها بفتاوى قاهرة على الضد من الكتاب الكريم الذي يعلو صوته دائما: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).

صورة الإله

إن وعي الإله في المنطق العبودي منتزع من مفهوم الأب / الشيخ / الرئيس / المولى في النظام القبلي / الأبوي. تقتصر فيه مهمة العبد على التلقي، والتفاني في إرضاء الأب، مع الإلتزام الحرفي بأوامره ونواهيه حتى المحتملة منها، كإجراء احترازي لتفادي سخطه وغضبه. وتتأكد هذه الصورة بشكل أقوى في علاقته بالخالق / الرب / المطلق حينما يؤمن به إيمانا مخلصاً. فالرب بهذا الفهم ضرورة لوعي الذات وتأكيد وجودها. لا بمعنى العلية بل بمعنى تحقق الذات، فهو لا يعي ذاته إلا من خلال علاقة العبودية بين العبد وربه أو سيده، ويتعذر عليه وعي ذاته مستقلا عنه، بل لا تحقق ولا معنى لوجوده بدونه. وليس المقصود بهذه العلاقة فناء العارفين أو وحدة الوجود أوالخشوع الإيماني الواعي أو الوجد العرفاني والصوفي. بل وعي تفرضه روح العبودية التي يتوقف تحققها على وجود السيد / الرب. أو أي سلطة فوقية ترسم حدود شخصيته. فيبتدع صورة خيالية للرب، تحقق ذاته خارجا. فبعض يحتاج لرب متسلط، قاهر، يبرر به تضاؤل شخصيته. فهو قد لا يجد تفسيرا مقنعا لها، لكنه يجد في صورة الإله ما يبرر حالته. بينما تختلف صورة الرب لدى شخص آخر، من وحي فهم مغاير. وهذا الاتجاه يمثل منظومة عقائدية كاملة، لا مجرد مشاعر باطنية، تطفو وتختفي. فهو فهمٌ للخالق والمخلوق، وفلسفة محددة لوجود الإنسان ودوره، وفهم للدين وغاياته ومقاصده.

إن مشاعر العبودية تؤثر لا شعوريا في البنية المعرفية وطريقة التفكير لأنها متأصلة لدى بعض الناس، بما فيهم فقهاء، فينحاز للاحتياط في استنباط الأحكام الشرعية. ليس بدافع الخوف والخشية فقط، بل بدافع عميق يفرض عليه الخضوع التام لأجل الخضوع، فلا يهتم بفلسفة الحكم وملاكاته من مصالح ومفاسد، ولا يهمه متى أثر الحكم على مفاهيم إسلامية أخرى. المهم أن يجد مبررا للطاعة المطلقة. ومرضاة الخالق بالنسبة له تنحصر في عبادته، بما فيها الخلافة الربانية. (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). فيتشبث بها رغم أنها آية مجملة، كما سأبين لاحقا. وهذا النوع من العلاقة يتطلب أحكاما شاملة تستغرق مساحة الإباحة، فضلا عن الوجوب والحرمة، وما بينهما من استحباب وكراهة. والحقيقة أنه يكره الإباحة والحرية في أعماقه، فهو لا يحقق ذاته إلا من خلال عبوديته وليس من خلال حريته واستقلال شخصيته. وهذا الاتجاه ينطوي على يقين سلبي، في مقابل يقين إيجابي واعٍ، تحدثت عنه سابقا. فالعلاقة العبادية وفقا لهذا الاتجاه قائمة على ثنائية رب / عبد، وليست خالق / مخلوق. وفلسفة الأحكام قائمة على الطاعة المطلقة. وهي تمام ملاكها. فالأولوية بالنسبة لهذا الاتجاه دائما للتشريع والتعبد المطلق بأحكام الشريعة. بل ويختار الاحتياط على البراءة إذا دار الأمر بينهما، رغم أن كلاهما حكم شرعي حسب الفرض.

وهذا النوع من الفهم يرتكز لمبدأ ما يعرف عندهم بحق الطاعة، في مقابل قبح العقاب بلا بيان. وهما قاعدتان أصوليتان. الثانية تنفي أية عقوبة لا ينص عليها بيان / آية / رواية ، استظهار دلالي، كي تكون حجة على الإنسان. فيكون الشك بجعل الحكم الشرعي موردا للبراءة العقلية فضلا عن البراءة الشرعية. عكسا للنظرية الأولى التي ترى أن للمولى الحقيقي حق الطاعة في التكاليف المحتملة فضلا عن المشكوكة والمظنونة. وهي كما ترى تنطلق من عمق عبودي يفترض مولى / جبارا، يتربص أخطاء عبده لينتقم منه، فعليه الإتيان بالمحتمل من باب حق طاعة المولى الحقيقي. وهي تعتقد بشمول الشريعة لكل صغيرة وكبيرة، وتسمح للفقيه بتشريع أحكام واسعة النطاق. فمساحة الحرية وفقا لهذا الرأي معدومة، ما لم تتدارك الأمر البراءة الشرعية وتبيح للمكلفين إجراء البراءة في كل فعل مشكوك. فالأصل وفقا لهذه النظرية هو الاحتياط دائما، بينما الأصل وفقا للنظرية الثانية: قبح العقاب بلا بيان هو البراءة العقلية في كل فعل مشكوك. رغم أن كلاهما يعترف بوجود ملاكات وراء تشريع الأحكام الشرعية.

ملاكات التشريع

وعليه مادام الجميع يعترف بوجود ملاكات وراء تشريع الأحكام، فلا يحق لأي شخص كائن من كان تشريع الأحكام سوى الله تعالى لأنه القادر على إدراك الملاك الحقيقي، على المدى البعيد، وليست الملاكات الظاهرية، كالفوائد الاجتماعية مثلا. وأقصد بالملاك، الأوسع من أفق الفقهاء الذين يحصرون الملاك بالمصالح والمفاسد الظاهرة. بينما الملاك الحقيقي المختص بالله تعالى يرتبط بدور الإنسان والدين في الحياة، فتكون له امتدادات واسعة لا يمكن إداركها من قبل غير العليم. فعندما يقرر النبي شيئا لا يعد حكما شرعيا بل أمرا ولائيا أو أخلاقيا وفق مصالح ومفاسد ظاهرية أو آنية. فهو لا يعلم تداعياته وتطوراته وتأثيراته المستقبلية. الحكم الشرعي الصادر عن الله يواكب حركة الإنسان والمجتمع، ضمن دور الدين في الحياة. وعليه لا يجوز تقديم الرواية على الآية، لأننا قد نخسر بسبب الرواية ملاك تشريع الآية، الذي هو السعة والرحمة، وسنخسر بتقييدها وتخصيصها تلك المساحة من الحرية التي هي معنى السعة والرحمة. كما أن أي تشريع خارج الآيات لا يدرك الملاكات الحقيقية له لأنها مختصة بالخالق وقدرته على التشخيص الحقيقي من خلال ترابط المنظومة الدينية في جميع أبعادها.

ينبغي التنبيه أن هذا الاتجاه يوظف تقنيات اللغة للتستر على حقيقته، فهو لم يجاهر بحقيقته، وربما لم يدركها أساسا، فيستخدم ألفاظا لها دلالات ساحرة، لا تنكشف مداليلها للقارئ، بل وترسم صورة مشرقة، متوهجة، خاصة حينما ترتبط بالمطلق، المتعالي، أي الخالق، كتفسير حالة العبودية بالتقوى والورع والخوف من الله تعالى. فكل مفهوم من هذه المفاهيم له إيقاعه في المخيال الديني. خاصة أنها في وعي المتلقي ليست مجرد مفاهيم أو ألفاظ وكلمات عابرة بل هي مقامات ربانية لا يبلغها المؤمن إلا بمجاهدة النفس وتوفيق من الله. وهذه التعابير البراقة تستخدم في مجالات أخرى كالتستر على روح العبودية الثاوية في أعماق رجل الدين.

اللغة شبكة من الإيهامات، والدلالات، والمجازات. لا تنفد مراوغاتها، ومكرها. يمكن توظيفها ببراعة للتستر على كثير من الحقائق، بل ولها قابلية هائلة على تزوير الوعي من خلال ما توظفه من ألفاظ. فكم من كلمات مدهشة في دلالاتها تخفي في أعماقها معانٍ مختلفة، يصعب الإمساك بها، إلا من خلال القرائن والسياقات اللغوية. فلا شك أن التقوى والورع مقامات سامية، شرطها مجاهدة النفس ورقابة أخلاقية متواصلة. وهي صفة إيجابية، إلا أنها تستغل للتستر على روح العبودية، حينما يصر الفقيه الذي ينتمي لهذا الاتجاه على الاحتياط دائما. بينما يستغنى الفقيه المتحرر من هذه الروح عن الاحتياط في الحكم حينما يطمئن لاستنباطه واجتهاده دون التفريط بورعه وتقواه. بينما الأول يتشبث بكل ممكن ولو من باب الاحتياط ليبقى في دوامة العبودية، من أجل تحقق الذات خارجا. بل يختار الاحتياط رغم شرعية البراءة. فحينما يخير بينهما، يختار الاحتياط لا شعوريا ولو بمستوى الاستحباب.

وخلاصة ما تقدم أن معالجة روح العبودية سيحد من تضخم الفتاوى والأحكام. كما تبين أن اتفاق الجميع على وجود ملاكات وراء تشريع الأحكام يسلب حق الفقهاء في استنباط أحكام جديدة، لاختصاص الملاكات بالله تعالى. وهذا لا يمنع أن يمارس الفقيه دوره في تطبيق الكليات على مصاديقها، أو الاجتهاد بمعنى الفهم والتفصيل والبيان داخل أروقة أحكام الشريعة، مع مراعاة فهم متجدد للدين ودور الإنسان في الحياة.

يتبع في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

اشكر الاستاذ الغرباوي و الدكتور ابراهيم على فتح الباب لنقاش العلاقة بين العبودية و النظام الابوي،
و لناخذ مصر على سبيل المثال،
كان السادات يقول للضباط الاكبر منه بالسن في الاجتماعات الرسمية ابنائي، و يسمي افراد الجيش اولادي،
و حتى انه يوم مفتله لم يلبس الدرع الواقي للراس بحجة انه بين ابنائه و لا خوف عليه منهم،
مثل هذه الهفوات و الزلات تكشف حسا متاصلا عند المصريين فيما يتعلق بالاب الاله، و اصلا يرى فرويد ان الفرعون الذي وحد الوجهين القبلي و البحري هو من نقل رمزيا فكرة التوحيد الى موسى،
طبعا هذا كلام كبير و خلافي،
لكن لا دخان بلا نار،
المجتمعات البطريكية هي اساس حضارة المشرق و لم نتمكن من نفيها كما حصل في الغرب و لو بنسبة ضئيلة،

This comment was minimized by the moderator on the site

بالفعل المجتمعات البطريكية هي اساس حضارة المشرق، وبقيت اثارها وستبقى راسخة في بعض النفوس، ما دام هذا النظام قائما. تحياتي لحضورك الدكتور صالح الرزوق.

This comment was minimized by the moderator on the site

مهدي الصافي
تحية طيبة وشكرا للاستاذ الغرباوي والاخ الدكتور ابراهيم على فتح محور فكري او ثقافي اخر للنقاش الحر..
نعتقد ان طريقة العودة دائما للمراجع او التاريخ لتأكيد صحة التراث او نقده لاثبات اخطاءه او انحرافاته ليست دائما مهمة سهلة او ناجحة او لها ضرورة احيانا..ففي كل الحضارات السابقة والاديان القديمة كان هناك رجال المعابد او كبير الكهنة ثم جاءت الاديان السماوية فظهرت ايضا صورة الرهبان والقساوسة وائمة المذاهب والحديث الخ.
اذن نحن بحاجة الى معرفة حدود البحث (ولا اقصد هذا الحوار حصرا)هل هي مطلقة ام اصلاحية او الغائية..اي هل ممكن ان يعيش المسلم في عصر الالكترون بدون مرجع او رجل دين بتقنين او تنظيم حركة المؤسسات ورجال الدين في الدولة والمجتمع ليس وفقا للطريقة المدنية او النظام العلماني وانما وفقا للحاجة والطريقة العلمية التي يمكن ان تظهر في بلاد المسلمين على يد المفكرين واصحاب الاطروحات والنظريات الدينية العلمية على غرار محاولات الدكتور الشحرور..ام نحن بحاجة الى اصلاح المؤسسات الدينية بحيث يصبح الحصول على درجة الاجتهاد الفقهي لرجل الدين بعد اكمال الدراسة الجامعية للعلوم الانسانية والفلسفية والاسس المنطقية للاستقراء اي ان النخب الفكرية تضغط من اجل ان يتعلم طالب العلوم الدينية العلوم الرياضية والفيزيائية الطبيعية قبل ان يصل الى درجة الفقيه لا ان يبقى اسير الدراسات التاريخية المغلقة...او يجب ان نطالب بألغاء رجل الاجتهاد والتشريع الديني من المجتمعات الاسلامية وتحويل مؤسساتهم الدينية الى مراكز للدراسات والابحاث والتحليل الديني والاخلاقي والانساني لفهم الحاجات الاجتماعية الدينية والتكفل بالاجابة عليها وتغطية الضرورات والمستحدثات منها فقهيا وعلميا والاقيا واعتبار الدراسات الاسلامية دراسة جامعية عامة ....نحن نذهب الى الراي القائل ان المرجعيات الدينية سواء كانت مؤسسات او مراكز بحث او رجال دين وحوزات عليهم ان يتخلصوا من عقد الماضي والانتقال الى عصرهم الحالي بعقلية المفكر الذي يؤمن ان كل ابداع وكل ابتكار وكل تغير اصلاحي حديث هو من عند الله عزوجل وبالتالي نحن علينا ان لانقبل اي تأويل اسلامي يحرض على العنف والكراهية والحقد والتحجر والعبودية والارهاب العقائدي او الفكري بعدم القبول بأن لله وكلاء على خلقه في الارض خارج اطار الامر بالمعروف والنهي عن المنكر عذرا على الاطالة وشكرا لكم مرة اخرى وكل عام وانتم بخير

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك الاخ الاستاذ مهدي الصافي، وشكرا لاثارتك القيمة. وكل ما ذكرته أسئلة مشروعة، الا ان الاجابة عليها يتوقف على فهمنا لدور الدين والانسان في الحياة، فاذا تمكنا من التوفر على اجابة صحيحة، تصبح جميع هذه الأسئلة واضحة.
وفي الاسئلة تفصيلات لم تذكر، بينما تتوقف الاجابة في بعضها عليها. فمثلا الحاجة لرجل الدين، هناك فهم يقدم رجل الدين قيما ابويا على الفرد والمجتمع، وهناك من يتخذ منه قائدا سياسيا ودينيا، وثالث يكتفي به فقيها. فهذا التفصيلات مهمة. وغيرها من الاسئلة مهمة يمكن الاجابة عليها بشيء من التروي. ما نحتاجه عمل جذري لا تنفع معه المشاريع غير المتخصصة في الدين والفكر الديني، لذا تجد كتاباتهم مليئة بالشطحات، بعيدا عن منهج الكتاب ومنطقه الداخلي. اجدد احترامي الى حين الرد على اسئلتك التي تاخرت كثيرا يا صديقي.

This comment was minimized by the moderator on the site

كالعادة معالجة بالعمق للتحديات المعاصرة التي تواجه الانسان وعلاقته بالخالق والمسألة الدينية والإيمانية سواء في قضايا الاجتهاد او التبعية او العقل أو العبودية (.. السيد/ الرب..) (.. والحقيقة أنه يكره الإباحة والحرية في أعماقه، فهو لا يحقق ذاته إلا من خلال عبوديته وليس من خلال حريته واستقلال شخصيته.) بدلا من مفهوم (خالق / مخلوق.) وفيما يخص العقل (..وهذا الاتجاه يضع النص دائما فوق العقل. ويكتفي بالكتاب والسنة والتراث وفتاوى الفقيه مصدرا لمعرفته... ويلخصون هذه الفكرة بقولهم: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة). ولازمه عدم التصرف خارج إرادة التشريع، ويكون الدين / الفقيه قيّماً عليه. ) وهو ما يتناقض مع الحكم الشرعي الصادر عن الله (...الحكم الشرعي الصادر عن الله يواكب حركة الإنسان والمجتمع، ضمن دور الدين في الحياة. وعليه لا يجوز تقديم الرواية على الآية، لأننا قد نخسر بسبب الرواية ملاك تشريع الآية، الذي هو السعة والرحمة، وسنخسر بتقييدها وتخصيصها تلك المساحة من الحرية التي هي معنى السعة والرحمة.)
وبالنسبة لمسالة توظيف تقنيات اللغة والتنبيه منه (... ينبغي التنبيه أن هذا الاتجاه يوظف تقنيات اللغة للتستر على حقيقته، فهو لم يجاهر بحقيقته، وربما لم يدركها أساسا، فيستخدم ألفاظا لها دلالات ساحرة، لا تنكشف مداليلها للقارئ، بل وترسم صورة مشرقة، متوهجة،..) هذه المسألة في غاية الاهمية والتصدي لها والإضاءة عليها تعبر عن إدراك الأستاذ الغرباوي لخطورتها وهذا ما نلاحظه في بعض المحاضرات الدينية من سلق لغوي للموضوع للتمويه ...
اخيراً، أعتقد ان الأية 116 من سورة النحل تصف وتختصر ما جاء في المقال المهم لهذا النوع الفقهاء العبء (... وهذا النوع من الفقهاء عبء على الدين، عندما صادروا سعته ورحمته، واستبدلوها بفتاوى قاهرة على الضد من الكتاب الكريم الذي يعلو صوته دائما: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). حيث يقول الله عن هؤلاء ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ( النحل116)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب والاديب الاخ الاستاذ عباس علي مراد، شكرا لقراءتك الحوار، وتلخيص مرتكزاته. يسعدني متابعتك . بالفعل الاية الكريمة تعضد المقال وما جاء فيه. لكن المشكلة الفقيه لا يعتمد القرآن وحده وله مصادره وادواته التي يبرر فيها اجتهاده. لك خالص الاحترام

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الأخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه الحلقة المهمة و المتعلقة بالعلاقة بين رجل الدين و الخالق و المخلوق. و شكراً الى الاخوة المعلقين.
في الحقيقة ليس هنالك رجال دين عندنا بالمعنى الذي يعنيه رجل الدين و انمّا رجال ديننا يعتبرون انفسهم كمدراء مكاتب الى الله او الى الرسول. و لكن هؤلاء مختلفين في كل شيء يفتون به. و امّا المسلم البسيط فيعاملونه كعبد مطيع ضائع بين آراء هؤلاء و تصريحاتهم و فتاويهم المتناقضة و بين الجهل و الامية التي تغلف عقله. ان كلامهم و فتاويهم اعلى بكثير من المنطق العقلي الذي نملكه. ان فتاويهم تعتبر من المسلمات و التي يجب علينا عدم الاعتراض عليها او مناقشتها مهما كانت الأمور. انهم وكلاء الله في الأرض؟؟.

في الوقت الحاضر لا يوجد دين إسلامي ابداً و انمّا الموجود هو أحزاب و مذاهب سياسية / مغلفة باسم الدين أحرقت الأخضر و اليابس متسلطة على رقاب المسلمين.

اغلب الآيات القرآنية بسيطة و مفهومة في معانيها و مقاصدها و لكن رجال ديننا حملّوا الآيات اكثر من دلالاتها بكثير و نتيجة هذا اصبحنا في مرحلة التيه. و شكراً
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بالاخ د. ثائر عبد الكريم. بالفعل بعض رجال الدين يتصرف وكأنه وكيل مفوض من قبل الله فيضطهد الناس باسم الدين والشريعة. واما بالنسبة لصعوبة لغتهم، فبعضها يعود للمصطلح الفقهي والاصولي. لكن بشكل عام ايضا ما تفضلت به، فما يعرف برسائل العلماء لا يفهمها الانسان العادي الا نادرا وبشكل جزئي. شكرا لك ثانية

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4310 المصادف: 2018-06-24 04:53:29