المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (86): المنهج في فقه الشريعة

majed algharbawi5مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق8) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

ماجد الغرباوي: إن فقه الشريعة، وإعادة النظر في فعلية الأحكام الشرعية عمل منضبط وفق مبادئ وأصول ومبررات موضوعية، تتطلب إدراك مقاصدها وغاياتها، ورصد ملاكات الأحكام التي تتحكم بفعليتها أو عدمها. فالعملية لا تخضع لأهواء الفقيه، أو تسويات تلفيقية للتخلص من تحديات الآخر. ولا تستجيب للمؤثرات الأيديولوجية والمصالح الشخصية. بل هناك ملاكات من المصالح والمفاسد وراء الأحكام أو ما يسمى في التراث بـ"علل الأحكام"، التي اختصت بها بعض الكتب، ككتاب علل الشرايع للشيخ الصدوق. فإذا ثبت أن فعلية الحكم الشرعي تتأثر بفعلية موضوعه، حينئذٍ سنعيد النظر في جملة أحكام بسبب تحولات الواقع. وعليه فثمة مبادئ نرتكز لها للتعرّف على ملاكات الأحكام، ومدى بقاء فعلية موضوعاتها. لكن ينبغي أولاً تنقيح قاعدة: (فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه) أصولياً:

مقاربة أصولية

يمكن تأصيل قاعدة: (فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه) أصولياً، كالآتي:

بدءا نستعين بآية الحج لمقاربة القاعدة، وتأصيلها أصولياً، حيث يتضح دور فعلية الموضوع في فعلية الحكم المجعول. فآية: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) مثلا لا حصرا، تشرّع لوجوب الحج. فنقول: الحج واجب في الإسلام. لكن ما دام الحكم مشروطا بالاستطاعة فلا يكون واجبا على هذا الفرد أو ذاك ما لم يكن مستطيعا فعلا، لتوقف فعلية الحكم المجعول عليها. فالحكم الشرعي هو وجوب الحج، وموضوعه الفرد المستطيع فعلا. ويقصد بالاستطاعة كل ما يتعلق بقدرة الشخص على الذهاب للحج: القدرة المالية والجسدية، وتأمين الطريق أو ما يطلق عليه فقهيا أن يكون مخلى السرب، آمنا في ذهابه وإيابه، وأن يأمن عائلته ومتاعه. وفي العصر الحديث يتوقف الحج على توفر مستمسكات رسمية، إلى غير ذلك. وكل واحدة منها تؤثر في صدقية الاستطاعة، التي هي موضوع الوجوب المجعول. وبهذا يتضح أن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه (بما يشبه علاقة العلة بالمعلول). لذا أكدت مرارا أن الحكم لا يُلغى مع عدم فعلية موضوعه، لكنه يسقط التكليف الشرعي به. وهذا مبدأ قرآني لا غبار عليه، وله نظائر، كالحكم بوجوب الصوم. فإن وجوبه يخص مَن هلَّ عليه شهر رمضان: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)، ولم يكن مسافرا أو مريضا: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ). فوجوب الصوم ثابت بموجب آية الصيام. لكن وجوبه على هذا الفرد أو ذاك يتوقف على فعلية موضوعه، وهو "شخص بالغ، عاقل، قادر،غير مريض وغير مسافر، وقد هلّ عليه شهر رمضان". فالحكم المجعول يتأثر باختلال أي واحد من هذه الشروط. أي أنه مرتهن لفعلية تلك الشروط.

وهذه القاعدة تسري على جميع الأحكام الشرعية، ومفادها: (إن فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه). فيمكن من خلال دراسة موضوعات الأحكام التعرف على مدى فعليتها، وعدم اختلال أيٍ من شروطها وقيودها، بعد تقلبات الواقع منذ عصر البعثة حتى يومنا هذا. فعدم فعلية الموضوع موجبة لعدم فعلية الحكم الشرعي.

مقاصد الشريعة

تصدى بعض العلماء لتحري مقاصد الشريعة في أحكامها، وهي جهود مهمة، ككتاب الموافقات للإمام الشاطبي، وكتاب مقاصد الشريعة للطاهر بن عاشور، وكتاب علال الفارسي وآخرين. وقد اتفقوا على المقاصد الخمسة: "حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال". وكان المحفّز وراء تحري مقاصد الشريعة، ضبط فتاوى الفقهاء وعدم خروجها عن مقاصد الشارع المقدس. والمقاصدية سنة إلهية في خلقه: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، مما يؤكد وجود مقاصد تنسجم مع هدف الخلق ووجود الإنسان. وهي مقاصد استقرائية يمكن أن تضاف لها الحرية التي يتحقق بها وجود الإنسان، وإقامة القسط والعدل.

والفارق بين مقاصد الشريعة وفقه الشريعة، أن الأولى تحدد فتوى الفقيه، وهو يمارس عملية استنباط الحكم الشرعي أو حينما يصدر فتاواه. بينما فقه الشريعة ناظر إلى مبادئ الأحكام وملاكاتها التي كانت وراء تشريعها. فالأولى تنفع في توجيه الفتوى دون الكشف عن الملاكات الواقعية. وملخّصها يجب على الفقيه الأخذ بنظر الاعتبار مصالح الإنسان في عملية الاستنباط. وما نريده تحري مبادئ الحكم في مرحلة الجعل، ومراجعة موضوعات الأحكام للتأكد من فعليتها، من خلال مرتكزات مبادئ الحكم أو من خلال محددات مقاصد الشريعة، فتكون المقاصد في الحالة الثانية أداة ضمن منهج المعرفة. وأما مرتكزات مبادئ الحكم الشرعي، هي:

أولاً: مركزية العدل

العدل لغة، ضد الظلم، ويراد به: إعطاء كل ذي حق حقه.

والقسط، هو: العدل، الميزان، الحصة والنصيب. أو العدل الظاهر، لذا توصف به الموازين دائما.

وقد يقتضي العدل المساواة والشمول، كالمساواة في تطبيق الأحكام والقوانين. أو لا يقتضيىها، حينما يعطى كل حسب عمله وجهده. فهو أيضا عدل، لأنك لم تبخسه ولم تظلمه، وقد استوفى استحقاقه.

و(العدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه، كالإحسان وكف الأذى. وهناك عدل يعرف أنه عدل بالشرع، ويمكن أن يكون منسوخا، كالقصاص..).

وهذا يؤكد أن العدل تارة يكون مطلقا عندما يتعلق بالقيم والمبادئ الإنسانية التي يتوقف عليها استقرار وتوازن المجتمع. وأخرى يكون نسبيا عندما يتعلق بقضايا تتأثر بالواقع وضروراته، كملاكات الأحكام الشرعية.

وعندما نعود لملاكات الأحكام الشرعية نجد أن العدل ركيزتها (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ)، (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ). وهو هدف أساس لرسالات السماء: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ). وعليه مدار القضاء والحكم والسلطة: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ). ومدار استقرار المجتمع وتوازنه (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)، (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

والعدل في ملاكات الأحكام الشرعية مفهوم نسبي، يراعي مصالح الإنسان وفقا للواقع وضروراته. ويمكن الاستشهاد بأمثلة قرآنية لتوضيح نسبيته، وهي متعددة. فمن العدل أن يوضع مال اليتيم القاصر تحت قيمومة رجل عادل، لا يأكل أمواله ظلما. ومن الظلم أن تُدفع له ولمّا يبلغ الرشد. والعكس صحيح حينما يكون قادرا على التصرف بحكمة: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). فالعدل مفهوم واحد لكن تغيّر مصداقه حسب الواقع وضروراته. ونفس الأمر ينطبق على السفهاء: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)، لأنه فيه ظلم لكم ولأموالكم. لكن حينما يرتفع السفه يجوز أن تدفع له.

وقد ارتكز النبي الكريم في قوله: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، إلى مبدأ العدل والانصاف، ولم يستشهد بآية قرآنية في المقام. وقصة هذا الحديث معروفة تاريخيا. حيث باع سمرة بن جندب داراً لأحد الصحابة وأبقى نخلة في مُلكه، وراح كل يوم يدخل الدار بحجة زيارتها، فاشتكى الصحابي للرسول، فقال له: اقلعها. لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وهذا حكم مطلق، ليس له جذر قرآني صريح في القرآن، لكنه جرى وفقا لموازين العدل والإنصاف وعدم الظلم، وجميعها مبادئ إنسانية ودينية، شددت عليها السماء. وقد أصبح هذا الحديث قاعدة فقهية معتمدة لدى الفقهاء، تعرف بقاعدة: "لا ضرر في الإسلام"، يستدلون بها في عملية استنباط الأحكام الشرعية.

وهكذا بالنسبة لأحكام الإرث وأحكام المرأة عامة، فيمكن أن تتغير وفقا لمبدأ العدل وعدم الظلم، مثلها مثل بعض مصاديق القصاص والحدود والتعزيرات. فغاية الرسالات إقامة القسط والعدل: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). والتعليل واضح في الآية. فملاكات وفعلية الأحكام تدور مدار العدل والإنصاف، إثباتاً ونفياً.

وخلاصة ما تقدم أن العدل وعدم الظلم أهم مبررات فقه الشريعة وإعادة النظر في فعلية الأحكام الشرعية، بفعل الواقع وضروراته. لا فرق بين جعل الحكم وامتثاله، كما بالنسبة لأساليب إقامة الحدود والتعزيرات.

ثانيا: السعة والرحمة

ينبغي للأحكام الشرعية أن تعزز انسيابية المجتمع: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وأن تساهم سعتها ورحمتها في تعزيز تماسكه، فالمشقة التي تصل حد الإصر والغل تعتبر مبررا وعلة لاستبدال الأحكام الشرعية قرآنيا، لتدارك تداعيات ما يترتب عليهما من مشقة وحرج، وفق قاعدة: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). فالحرج والمشقة حدَ الإصر والغل موجبان لاستبدال أحكام الشرائع السابقة كما في قوله تعالى: (الّذين يتّبعون الرّسول النّبيّ الأمّيّ الّذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطّيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتي كانت عليهم). فالحكم الجديد جاء لتعزيز قيمة السعة والرحمة في الدين. وقد بينت الآية ثقل الأغلال التي كانت عليهم والأصر الذي كان محيطا بهم: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ). وربما هناك أحكام أخرى لم نطلع عليها، شملتها ملاكات السعة والرحمة.

إذاً نستفيد من الآية إمكانية التخلي عن الحكم عندما يتحول الى أصر وغلٍ يكبّل حركة الفرد والمجتمع. وهذا منطق قرآني سليم، يمكن اعتماده في فقه الشريعة، حتى لو لم يتصف الحكم حين تشريعه بهذه الصفات، لكن الحالة تختلف بعد قرون، حيث يعيش الناس واقعا مغايرا.

فالآيات المتقدمة تؤسس لقاعدة فقهية مهمة، تؤكدها السُنة الإلهية في تطور الشرائع، فيجب اعتمادها، خاصة أن مجتمعاتنا تتطلع لأفق تشريع جديد يحفظ قيم الدين، ولا سبيل لذلك مع انقطاع الوحي، سوى فقه الشريعة في ضوء مقاصدها وغاياتها، والارتكاز الى العقل، والاستفادة من معطيات العلوم الحديثة، وتجارب الأمم، ومراعاة مصالح الناس، والنظر الى المستقبل. وينبغي التذكر دائما لو كانت الشرائع صالحة لكل زمان ومكان لخلدتها الكتب السماوية، لكنها ركزت على الأديان ومبادئها وقيمها وتاريخها ومسارها، وأهملت ما يتعلق بالتشريعات، لهدف لا يُخطئه الوعي والعقل المتوقد. فالسعة والرحمة وعدم العسر والحرج مبدأ قرآني يمكن على أساسه إعادة النظر في فعلية بعض الأحكام الشرعية، بعد تطاول الزمان ارتكازا لقوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).

المهم بالنسبة لنا تأصيل المبدأ سواء كان هناك مصداق خارجي فعلا أم لا. لكن كقاعدة يستطيع الفقيه التمسك بها. خاصة مع وجود أدلة قرآنية عليها، ولو من خلال الأمثلة المذكورة. وبالفعل اعتمد الفقهاء قاعدة: "نفي الحرج"، وملخّصها: (نفي كل حكم يستلزم ثبوته على العباد الحرج). وهذا يعني أن الأحكام قد أخذت بنظر الاعتبار عدم استلزامها الحرج عند تشريعها، فإذا ثبت الحرج من جراء حكم شرعي نفهم عدم تشريعه في تلك الحالة. وهذا يعني أن قاعدة نفي الحرج حاكمة على دليل الحكم. أي ناظرة إلى الدليل الأولي. فتقول أن تشريع الحكم ليس مطلقا بل تختص بحالة عدم الحرج. فكيف إذا بلغ الحكم مستوى الإصر والغلّ.

ثالثاً: الواقع الموضوعي

إن وجود شريعة لكل حقبة زمنية أقرب للعدل والإنصاف، مادامت البشرية في تطور، وتسعى للكمال دائما، فينبغي للشريعة مواكبة تطور الإنسان ووعيه ومسؤولياته وثقافته. وبالفعل قد راعت السماء هذا التطور وقررت أن (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا). وهذا مبدأ ديني، يشجع على إعادة النظر في فعلية مجموعة من الأحكام بعد مضي 15 قرنا تقريبا، وفق عملية منضبطة تلتزم المنهج القرآني وتراعي الواقع وملاكات الأحكام، وتستمد شرعيتها من فهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة وفقا لمنطق الخلافة. وهذا يتطلب عودة للنص ومقاربته بعيدا عن التراث، وفق رؤية عقلية، تأخذ بنظر الاعتبار الواقع في تحديد ملاكات الأحكام. وقد تقدم أن وراء الأحكام الشرعية ملاكات من المصالح والمفاسد التي تراعي مصلحة الإنسان أولاً وبالذات. وهي تدور مدارها وجودا وعدما. لذا عاش الإنسان ردحا من الزمن بعيدا عن تعاليم السماء، مما يؤكد ثمة ملاكات وراء الشرائع، ويمكن للإنسان الاستغناء عنها، مع عدم استيفاء ملاكاتها، كما بالنسبة لحياة البشرية قبل بعثة الأنبياء: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). فهدف الرسالة وفقا للآية الثانية تسوية الخلافات وإقامة القسط والعدل، من خلال مرجعية الكتاب. فهدفها أولا وأخيرا إقامة العدل، الذي ضاع بفعل الظلم والعدوان. وهذا كما يتحقق بمرجعية الكتاب يتحقق بغيرها، ما دام مفهوم العدل واحدا، لكنه نسبي بفعل الواقع وضروراته. 

لا تتوقف إقامة العدل على أحد حتى الأنبياء، وقد أشاد النبي الكريم بعدل النجاشي ملك الحبشة، وبات الغرب نموذجاً في إقامته والتمسك به في قوانينه وأنظمته الداخلية. من هنا نفهم أن مهمة الدين في أحد أبعاده مواكبة تطور الإنسان حتى ينضج ويتمكن من إقامة القسط، كما أشارت الآية، فإنها لم تشترط وجود نبي أو إمام أو فقيه في إقامته، بل المقياس أن يصدر القسط والعدل من الناس جميعا، عندما يتحوّل إلى ملكة دائمة في سلوكهم. لذا تجد المجتمعات الراقية حضاريا تلتزم القسط والعدل من خلال إلتزامها بقيمه وقيم القوانين الراعية له. وبهذا نفهم أن ختم النبوة تعني، العودة للعقل البشري في هدي قيم الدين ومبادئه (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). أو بعبارة أوضح أن ختم النبوة إيذان برفع الوصايا المباشرة، كي يتمكن الإنسان من القيام بدوره في خلافة الأرض. لذا يصدق أن العدل أساس الملك، والعدل أساس الحياة.

تجدر الإشارة أن مبررات فقه الشريعة تارة تختص بمبادئ الحكم القائمة على العدل والإنصاف وعدم الظلم والسعة والرحمة. وأخرى تنظر لموضوع الحكم حينما يتغيرا بفعل الواقع الموضوعي.

ولكي تكتمل الصورة نتطرق لبعض الأمثلة من الواقع

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

مشكلات التشريع انها اقرب لانص من المنطق و الواقع. و كثير من الاساسيات في الاسلام تشكل عبءا على المسلم المعاصر بسبب تبدل الاحوال عبر القرون و اختلاف احتياجات البشر. و ما بني على نص مختلف مع المعنى سيقدم ايضا تشريعات مختلفة مع الاحوال.
و لإنه لا يمكنني الدخول بتفاصيل كي لا اضرب رأسي بجدار الجمود و التخلف يكفي ان اقول ان ما نحن عليه هو اسلام فيه خزان من الامكانيات الحضارية و الثقافية و لكن يرعاه مسلمون محرومون من حرية التفكير بحجة ابدية الاعتقاد.
و هذا ما يناقشههنا الاستاذ العرباوي بضبط للنفس و بأدوات ذهنية و عاطفية معروفة.
فهو يضع العاطفة بجوار و لصق العقل ليقدم رؤية يمكن التصالح معها.
و الله اعلم..

This comment was minimized by the moderator on the site

لا شك بحاجة الفقه الى تجديد جذري يبدا بنقد جميع مسلماته، ومن ثم تاسيس مناهج مغايرة من اجل معرفة دينية مستنيرة. تحياتي لحضورك د. صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه الحلقة التنويرية الرائعة المتعلقة بالمنهج في فكر الشريعة و شكراً للدكتور مجدي ابراهيم على سؤاله ؛ و شكراً الى الاخ المعلق الدكتور صالح الرزوق.

في الحقيقة ان العالم الاسلامي في سبات تام و لا يعرف ماذا يدور حوله من مآسي بسبب فقه السلف الصالح و فقه الشريعة و صومعيات الدين. و كلاً من الشريعة و فقه السلف الصالح اغلبها مزورة و كذلك هي انتاجات بشرية بالاضافة الى هذا ان اغلب ما جاء بها ليس له جذر قرآني و هي قد تلائم فترة ظروفها الزمنية.

ان التمسك الحرفي بالشريعة و فقه السلف الصالح وضع المسلمين في وضع حرج جداً في الوقت الراهن و سبب المشاكل الكثيرة جداً بين ابناء الشعب الواحد (بين المذاهب لنفس الدين و بين الدين و الاديان الاخرى). هذا داخل حدود الدول الاسلامية.
بالاضافة الى هذا ان اغلب المسلمين المتواجدين في الدول الاوربية متمسكين ليس" بدينهم" و لكنهم بخرافات المذاهب و فقه السلف الصالح و نصوص لا يقبلها العقل البشري. بالرغم من انهم يعيشون في مجتماعات متقدمة و لكنهم "نقلوا" معهم كل الخرافات المذهبية الى خارج الوطن.

في اغلب الدول الاوربية توجد مساجد مبنية بأموال رسمية من قبل الدول الاسلامية و هي كانت تجمع كل المسلمين من عرب و اتراك و ايرانيين و ماليزيين و اوربيين (معتنقي الاسلام) --الخ. و كان الخطاب الديني جيداً نوعاً ما.
و كان لا يوجد نقاب للنساء ابداً و الحجاب محدود جداً. و كان المجتمع البريطاني يرحب بالانسان الملون اينما يذهب و يعامل بأحترام كما يعامل الاخرين. الاوربيون بشكل عام لا يتكلمون بالدين و لا بالسياسة و نظرتهم ان قيمة الانسان عمله و ما يقدمه للمجتمع بغض النظر عن دينه او بلده الاصلي. و يحترمون خصوصية الجالية المسلمة.

حالياً كل شيء تغير حيث النقاب و الحجاب هو الطاغي عندنا و بالرغم من ان المجتمع متساهل و لكن يعتبر ان هذا استفزاز له. و يتسائلون لماذا لم يكن النقاب موجداً سابقاً؟؟. و هل ان الدين الاسلامي يحتقر المرأة الى هذا الحد؟؟. بالاضافة الى هذا في الوقت الحاضر حلت لدينا الحسينيات حيث تفرق المسلمين و بدأت الكراهية بينهم اكثر و اكثر على اسس مذهبية؟؟.

في يوم ما قبل فترة كنت اتكلم مع مهندس كومبيوتر باكستاني و قال لي انه من فرقة الاحمدية فقلت له لا توجد مذاهب في الاسلام فأستغرب مني و قال لي ان الدين نزل بلغتكم و نحن تعلمنا المذاهب من ترجمات كتبكم الدينية و انتم مسؤلين عن تدمير الدين؟؟. بينت له بعض الايات و اقتنع بها و قال لي تعال الى المسجد و القي محاضرة ؛ قلت له انا مهندس و لست مختص في امور الدين. و شكرني جداً على هذا الموضوع. كان الكلام معه باللغة الانكليزية لانه لا يعرف العربي.


اذا كان الدين الاسلامي دين واحد لا توجد به مذاهب لماذا هذه المذهبية التي احرقت الاخضر و اليابس؟؟. لماذا لا تتنازل هذه الاصنام البشرية التي فرضت نفسها ان الله خولها للنطق بأسمه عن عروشها رأفة بالدين و بالناس و خاصة في هذا الظرف العصيب؟؟.

اذا كانت مقاصد الشريعة ترتكز بشكل رئيسي على مركزية العدل؛ و السعة و الرحمة و الواقع الموضوعي ؛ لماذا كل انواع الظلم يسود في اغلب الدول الاسلامية ؛ و خاصة من قبل رجال الدين. و هذا انعكس على الواقع الديني و الاجتماعي الذي نعيشه. حيث ادى الى الكراهية بين ابناء الدين الواحد؟؟؟.

نرجع الى النقاب. حالياً امتدت نغمة النقاب الى السياسيين البريطانيين حيث قبل فترة ان وزير الخارجية البريطاني السابق بورس جونسون قال عن النساء المنقبات يشبهن "صناديق البريد" او "سراق البنوك". و طلبت رئيسة الوزراء منه الاعتذار فرفض. و الشيء ان احد ائمة اوكسفود ايده في هذا الطرح. و لكن الشيء المضحك اجتمع 300 شخصية اسلامية و قدموا شكوى الى رئيسة الوزراء حول هذا الموضوع و يتهجمون على جونسون انه ضد المسلمين و الاسلام؟؟؟.

انا اعتقد ان هذه الامور و التعنت على امور غير موجودة في الدين ستكون له عواقب مستقبلية كبيرة جداً على المسلمين في الدول الغربية. هل ان الدين هو لبس ملابس سوداء و وجوه مخفية لا تعرف من هو الانسان الذي بداخلها؟؟.
اذا كان النقاب هو شيء يعود للدين لماذا "التزم المسلمون" بقرارات حكومة السويد و الحكومة الفرنسية و غيرها من الحكومات في منع النقاب؟؟؟. لان الحكومتين خيرتهم امّا ان يخلعوا النقاب او يرجعوا الى اوطانهم الاصلية؟؟؟.
هل النقاب موجود في الدين و الشريعية و فقه السلف الصالح؟؟. لا اعتقد
الموضوع طويل جداً
و آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

يجب احترام الشعوب وعدم اقحام عادات وتقاليد لا اساس شرعي لها, كالنقاب الذي يستفز مشاعر الناس خاصة بعد داعش وكراهية الناس للاسلام بسببه. فالنقاب بات يذكر به. شكرا لك ولمتابعتك اخي العزيز د. ثائر عبد الكريم

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4359 المصادف: 2018-08-12 04:35:08