المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (87): مقتضيات الحكمة في التشريع

majed algharbawi6مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق9) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

ماجد الغرباوي: تقدم أن فعلية الأحكام الشرعية تتوقف على فعلية موضوعاتها، التي تتوقف هي الأخرى على فعلية جميع شروطه الزمكانية. وكانت الاستطاعة للحج مثالا واضحاً على ذلك. غير أن هذه القاعدة بهذه الصورة، رغم أهميتها، لا تجدي نفعا في ما نحن فيه. فالموضوع المشروط لا يكون فعليا إلا بفعلية شرطه، وأن الحكم لا يدعو لإيجاد موضوعه، كلاهما قضية متفق عليها. فالقاعدة تختص في موضوع الحكم الشرعي المشروط، كاشتراط الاستطاعة في فعلية وجوب الحج. واشتراط عدم السفر والمرض في وجوب الصوم. فكما أن فعلية الموضوع موجبة لفعلية الحكم ابتداء، فكذلك يسقط التكليف حينما تختل فعلية الموضوع بسبب اختلال أحد شروطه، كالصائم إذا قطع مسافة وسافر خارج مكان إقامته.

إلا أن هذه القاعدة عاجزة تحديد فعلية أو عدم فعلية موضوعات الأحكام المطلقة. فنحتاج لمنهج مختلف في فقه الشريعة، ندرس بموجبه تلك الموضوعات، للتأكد من فعليتها أو عدم فعليتها، كمقدمة لتطبيق قاعدة: "فعلية الحكم تتوقف على فعلية موضوعه". فهذا المنهج ينطلق من دراسة ملاكات الأحكام الأساسية لتحديد فعلية أو عدم فعلية الحكم، من خلال علاقتها بمبادئ الحكم ومرتكزاته. فثمة علاقة جدلية بين الواقع والأحكام الشرعية. بل أن الحكم ناظر للواقع في ملاكاته، وقد جاء لمعالجته وخدمة للإنسان ومصالحه، كما هو مقتضى منطق الخلافة، وليس الحكم اختبار لمدى إلتزامه وتعبده، كما يتصور منطق العبودية. فهو منهج منبثق عن رؤية فلسفية للحكم الشرعي، ووعي مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة. وفهم علمي لآلية عمل مبادئ الحكم في مرحلة تشريعه، وطبيعة علاقتها بمقاصد التشريع في مرحلة جعل الحكم وفق مقتضيات الحِكمة.

لا شك أن فقه الشريعة بهذا المعنى عملية معقدة، تتطلب عمقا علميا وفلسفيا قادرا على إدراك مبادئ الأحكام، التكليفية والوضعية في مرحلة ثبوت الحكم، (وهذا قياسا على حياتنا، وكما يمارسه المشرّعون). حيث يحدد المشرّع ملاك الفعل أولا، فإذا أدرك وجود مصلحة فيه، تتكون لديه إرادة تتناسب معها، فيبرز إرادته من خلال خطاب في مرحلة الاثبات. غير أن هذا القدر من تشخيص مبادئ الحكم الشعري لا يبيّن كيفية إدراك الملاكات، وما هي محددات إرادة المشرّع حينما يدرك وجود مصلح أو مفسد في الفعل، وهو ما نحتاجه في فقه الشريعة للتأكد من بقاء فعلية أو عدم فعلية بعض الأحكام الشرعية. والحقيقة أن إدراك المصالح والمفاسد في ملاكات الأحكام متعذر علينا، ما لم تكن مصرح بها قرآنيا. وأما غير المصرح بها تبقى تخمينات لا يمكن الجزم بمطابقتها للواقع، لذا عمدت أمام هذا الانسداد المعرفي إلى تقصي مرتكزات تلك المبادئ، وفق مقتضيات الحكمة في عملية تشريع الأحكام، لتكون منطلقا لفهم آلية عمل المبادئ، ومن ثم تحديد فعلية الحكم. وقد أخذت بنظر الاعتبار أن المشرع هو الخالق المطلق، وما يتصف به من صفات الكمال والحكمة والعدل والإنصاف والرحمة، (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ). فكانت تلك المرتكزات ثلاثة: (مركزية العدالة، السعة والرحمة، الواقع وضروراته). وقد تم الاستدلال عليها قرآنيا وعقليا، كما تقدم بيانه. مما يسهل فهمَ محددات ملاكات الأحكام من مصالح ومفاسد. حتى وإن لم ندرك ذات المصلحة، لكن سنعلم أن إدراكها جرى وفق هذه المرتكزات ضمن معادلة حكيمة، متوازنة، راعت ملاكات الجعل الشرعي الأساسية، التي حصرتها بعنوانين: العدالة الاجتماعية، والتوازن الروحي والسلوكي. فيكون لدينا من خلالها مؤشر، يمكن الاستعانة به لتحديد بقاء أو عدم بقاء فعلية الحكم. فعندما تختل العدالة الاجتماية نفهم أن معادلة عمل مرتكزات تلك المبادئ باتت غير صالحة للواقع الجديد، فنتحرى الحكم الملائم. ولكي نتعرّف على آلية عمل تلك المرتكزات وتحديد مقاصد الجعل التي تتحكم بها، ينبغي أولا تحديد بعض المفاهيم الضرورية:

تعريفات أساسية

الحكم الشرعي: التشريع الصادر من الله تعالى، لتنظيم حياة الفرد والمجتمع.

الشريعة: خصوص الأحكام الواردة في الكتاب الكريم

الفقه: هو إدراك فلسفة التشريع في ضوء فهم متجدد لدور الدين والإنسان في الحياة، وتحري مقاصد التشريع، وغايات الشريعة خلال عملية استنباط الحكم الشرعي. وأما التعريف المتعارف فهو قاصر حيث يقولون: (الفقه: فهم المجتهد لتلك الأحكام خلال عملية الاستنباط)

ملاكات الأحكام: المصالح والمفاسد، الموجبة لتولّد إرادة تشريعية، تتناسب طرديا معها، فإذا كانت المصلحة شديدة تولدت إرادة تشريعية بدرجة الإلزام في الوجوب. والنهي في الحرمة حينما تكون هناك مفسدة شديدة. وما بينهما من استحباب وكراهة.

مبادئ الأحكام الشرعية: مجموع: الملاك والإرادة والاعتبار، المأخوذة في مرحلة ثبوت الحكم. غير أن الاعتبارصيغة تنظيمية لإبراز الحكم وإثباته على المكلف.

مرتكزات مبادئ الحكم: مرجعيات عقلية وأخلاقية وفق مقتضيات الحكمة، تتحكم بتشخيص الملاكات، ودرجة الإرادة التشريعية.

وهذه المرتكزات، إضافة إلى مقاصد مرحلة الجعل الشرعي، رؤية شخصية، قد لم يسبق لها أحد، يمكن استنتاجها من خلال تأمل فلسفي في ضوء فلسفة الدين ومقاصد التشريع، إرتكازا لمبادئ العقل وما تكشف عنه جملة من الآيات، تمت الإشارة لها مسبقا. وهذه المرتكزات والمقاصد، هي مقتضى الحِكمة، التي يرتهن لها فقه الشريعة، من أجل رؤية مغايرة للحكم الشرعي، تنتظم في سياق فهم مختلف لدور الدين والإنسان في الحياة.

الحكمة: وضع الشيء في محله، في ضوء فلسفة التشريع، ومنطق العقل والعقلانية.

مقتضيات الحكمة: الضابطة العقلية الموجّهة لمبادئ الحكم في مرحلة الجعل في إطار مقاصد التشريع الكبرى: "العدالة الاجتماعية" و"التوازن الروحي والسلوكي".

مقاصد مرحلة الجعل الشرعي: تلك المقاصد التي تقتضيها حكمة وفلسفة التشريع، في ضوء مجموعة من آيات الكتاب المجيد، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، والاستجابة التي يترتب عليها الإحياء أو الحياة الفاضلة، هي استجابة فعلية من خلال الإلتزام بالأحكام الشرعية والأخلاقية. وليست الحياة الفاضلة سوى استتباب العدالة الاجتماعية، وتحقق التوازن الروحي والسلوكي. وهما مقاصد مرحلة الجعل الشرعي.

الحِكمة ومقاصد الجعل الشرعي

بدءا نقول: ثمة علاقة بين مبادئ الحكم من جهة. وبينها وبين مقاصد التشريع في مرحلة الجعل والثبوت، من جهة ثانية. فالسعة والرحمة مثلاً مشروطتان بالعدل وضرورات الواقع، وليس مطلقا. والعكس صحيح، لتحاشي الظلم والجور واضطهاد الإنسان الذي قد يحدث مع عدم مراعاة شرط العلاقة القائمة بينهما. لذا لا يمكن الاستجابة للواقع مطلقا على حساب المبادئ الأخرى. وأما علاقة هذه المبادئ بمقاصد الجعل الشرعي فأيضا علاقة شرطية، لا يمكن الإخلال بها أو تجاوزها، وهذه هي مقتضيات الحكمة. فهي علاقة منضبطة في ضوء فهم حقيقي للدين ودور الإنسان في الحياة. وقد تقدم أن ملاكات الأحكام قائمة على (مركزية العدالة، السعة والرحمة، الواقع وضروراته). لذا فإن اختلال العدالة الاجتماعية أو التوازن الروحي والأخلاقي مؤشر ودليل على وجود خلل في توازنات مرتكزات مبادئ الجعل، الناظرة أساسا للموضوع المفترض أو الخارجي عند تشريع الحكم، وليس في هذا تجاوز لقداسة النص، بعد أن أدركنا طبيعة العلاقة القائمة بين تلك المبادئ، ونوع الترابط بين مرتكزاتها من جهة، ومقاصد مرحلة الجعل الشرعي. فالمرتكزات تكون ناظرة للمقاصد الأساسية حينما تؤثر في توازنات مبادئ الحكم.

وليست الفقاهة سوى إدراك ما وراء الأحكام من فلسفة ومقاصد وعلل، واكتشاف طبيعة العلاقة بينها. خاصة أن علاقة المقاصد بالمبادئ علاقة غائية. أي أن الغاية من وجود مبادئ الأحكام تحقيق تلك المقاصد خارجا، من أجل سعادة الإنسان كي يواصل مهمة الخلافة والاستخلاف. وبالتالي فالشك في فعلية الأحكام بسبب المقاصد الأساسية يزلزل اليقين السابق، ويحول دون إجراء الاستصحاب، لعدم تمامية ركنه الأول (اليقين السابق). وهذه الحالة تختلف عن الشك في بقاء واستمرار اليقين، التي تعني استمرار اليقين مع وجود شك طارئ. أما هنا فإن سبب الشك وجود خلل واضح في المقاصد الأساسية للتشريع من خلال الواقع ومستوى تخلفه، مما يزعزع اليقين في بقاء فعلية الحكم الشرعي.

المقصد الأول: التوازن الروحي والسلوكي:

تقدم أن المبدأ الأساس في تشريع العبادات، مطلق العبادات، بما فيها الذٍكرْ والتفكر والتأمل والتسبيح، أن تكون منسجمة مع العدل، وتتوفر على شرط السعة والرحمة، حينما تلاحظ قدرة الإنسان وظروفه الاجتماعية. فهذا القدر وفقا لمقتضيات الحكمة يشبع حاجة الإنسان للعبادات، ويروي الحد الأدنى من الظمأ الروحي، ويحقق التوازن النفسي والشعوري، الذي يتجلى بالاطمئنان النفسي (ألا بذكر الله تطمئن القلوب). كما يرسّخ مَلكَة التقوى السلوكية (لعلهم يتقون)، حينما يندفع الفرد ذاتيا للعمل الصالح ويحجم عن ارتكاب الذنوب والمعاصي. فتحقيق التوازن الروحي والسلوكي مقصد أساس في ملاكات الأحكام في مرحلة جعلها وإنشائها. بحيث يشعر الإنسان المؤمن بالاطمئنان النفسي والتقوى. لذا تراوحت العبادات بين الواجب الذي يجب على المؤمن الإتيان به، والمستحب المفتوح لمن يريد الاستزادة منها. وهذا واضح من خلال الآيات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فالتقوى مؤشر لسلوك الإنسان الصائم. ولا معنى لصيام لا يخلق مشاعر التقوى، ولا يحجز الصائم عن ارتكاب المعاصي. وأيضا: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ). النهي عن الفحشاء والمنكر تعني التقوى، فما لم تتحقق التقوى من الصلاة فلا معنى لها عباديا، وإن سقط التكليف فقهيا، لأن مشاغل الفقه تركّز على مظاهر العبادات لا جوهرها وحقيقتها، فوجوب الصلاة يسقط عند الفقيه حينما يؤدي المكلف صلاته، لكنها ليست كذلك قرآنيا ما لم تتجل في سلوك الفرد من خلال تقواه في المواقف الحرجة. بمعنى آخر، الصلاة بالنسبة للفقيه مجموعة حركات.أو تمرين رياضي يجب على المكلّف أداؤه في الوقت المحدد ضمن شروطه الشرعية، سواء ترتب عليها أثر عملي في سلوكه أم لا. وسواء كان قلبه خاشعا أم لاهيا، سارحاً مع مشاغله الدنيوية. لذا الفقه كان وما يزال أحد أسباب تسويف القيم الدينية والأخلاقية، خاصة في المعاملات حينما يشرع لك الفقيه مجموعة من الحيل الشرعية التي تلتف بواسطتها على حقوق الآخرين. وأنت تسرق، وتعلم أنك تسرق، لكن قلبك مطمئن ما دامت هناك فتوى شرعية.

ثمة حقيقتان، الأولى: هناك تفاعل وجدل مستمر بين التوازن الروحي والتوازن السلوكي، فكلما تعمقت التجربة الروحية للإنسان كلما توازن سلوكه الخارجي، فالتجارب الروحية تدفع بالسلوك نحو مثالية مطلوبة في مجتمع الفضيلة، مجتمع العدل والإنسانية. أي أن التوازن الروحي ينعكس لا شعوريا على سلوك الفرد والمجتمع، لذا تلعب الشعائر الجماعية دورا مهما في تعميق مشاعر المجتمع، مثلها مثل العبادات الفردية، حينما تستوفي كامل شروطها.

والحقيقة الثانية: أن التوازن الروحي والسلوكي غير خاضع للواقع وتطوراته، فلا مجال للتشكيك في موضوعات العبادات، إلا من خلال ذات المفهوم العبادي، كما بالنسبة لمفهوم الصلاة، حينما يستدل ببعض الآيات على إرادة مطلق الصلاة الأعم من الصلاة المتعارفة والدعاء ومطلق التجربة الروحية. وهذا القدر من العبادات يعد الحد الأدنى لتلبية حاجة الإنسان، كي ينفتح على الغيب، ويستشعر التقوى والورع والخشية من الله تعالى. بل وهذا القدر مصداقا لمبدأ العدل في علاقة المخلوق بخالقه. فالعبادات لا تتأثر بالواقع من حيث مصاديقها. لكن مصاديق غير العبادات تتأثر بالواقع، فالعدالة تدور مدارها ما دامت تحقق المقاصد الكبرى للتشريع في مرحلة جعل الأحكام.

المقصد الثاني: العدالة الاجتماعية:

العدالة الاجتماعية مقصد أساس لمبادئ الحكم في مرحلة تشريعه وجعله، فتشمل مطلق الأحكام في غير العبادات. أي أن تحقق العدالة الاجتماعية ضابطة لمبادئ الحكم، حينما تتغير موضوعاتها بسبب الواقع وضروراته. بهذا يتضح أن مواكبة الشريعة لتطور الحياة البشرية ستكون منضبطة بتحقيق العدالة الاجتماعية، وليست المسألة كيفية أو خاضعة لرغبات فقهية أو سياسية أو ولائية. فالقرآن مثلا لم يحدد نسبة الصدقات والزكاة، وتركهما للواقع وضروراته بما يحقق العدالة الاجتماعية، لذا يمكن للفقيه إعادة النظر بهما في حالات الضرورة. فالمسألة ليست تعبدية محضة. وأيضا يمكن للفقيه تعميم فريضة الزكاة لغير الأنواع المروية وفق ما هو متداول في مختلف البلدان. لأن المهم بالنسبة للشارع المقدس، هو دفع الزكاة والصدقات لمستحقيها كي تستتب العدالة الاجتماعية. وهذا ما تؤيده الآيات الكريمة، فنقتصر على هذا المثال لوضوحه.

زكاة الأموال نموذجا

تعتبر الزكاة الأعم من الصدقات المصدر المالي الأساس لاستتباب العدالة الاجتماعية، واستقرار مجتمع الفضيلة، لذا حث عليها الكتاب الكريم في عدد كبير من الآيات، وأعتبر دفع الصدقات قرضا، حسابه على الله: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، (إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ)، (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ). (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، من أجل تدارك لهفة المحتاج. فليس هناك ألم كألم الفقر، حينما يبات المرء طاويا هو وعياله، أو لا يجد ما يسد فيه حاجته ومتطلبات حياته. إن مهمة الدين أن يرقى بأخلاق الناس إلى مستوى الشعور بالمسؤولية من خلال سلوكهم العملي. لذا نفهم من خلال التأمل في الآيات التي قرنت بين الصلاة والزكاة أن إتيان الزكاة هي المصداق والمؤشر الحقيقي على صدقية إيمان المصلي. فالمصلي يريد من خلال أداء الصلاة أن يؤكد إيمانه وطاعته، لكن هذا التأكيد يبقى مجرد دعوى ما لم تقترن بالعمل من خلال أداء الزكاة، والتصدق على الفقراء.

وبما أن الزكاة هي المصدر الأساس لتحقيق العدالة الاجتماعية، لذا جاءت مطلقة في الكتاب الكريم، كي تواكب حاجات المجتمع المسلم، وسد نقصه: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)، وبينت الآية مواردها بما يحقق العدالة والتوازن في هذه الأصناف: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ). (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ). لكن رغم مجيئها مطلقة في الكتاب الكريم إلا أن الآيات رسمت حدودا قصوى لروح البِر والعطاء، روح الخير والشعور بالمسؤولية، روح الإيمان والتقوى، بشكل لا تختل معه العدالة، والسعة والرحمة، وتؤدي وظيفتها في تحقيق العدالة الاجتماعية: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ). وهو الشيء القليل والزائد عن حاجتك. (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا). (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا).

وبالتالي فتحديد نسبة الزكاة في جميع الأصناف مثلا جاءت بشكل تحقق العدالة الاجتماعية، وحينما تختل هذه العدالة بإمكان الفقيه فرض ضرائب تساعد على استعادة توازنها. وهكذا الأمر في الأحكام القضائية، وأحكام المرأة والمواريث. وهذا هو المهم حين تحري موضوعات الأحكام للتأكد من بقاء فعليتها واستمرارها، ومدى مواكبتها لحاجة الإنسان والمجتمع. وكما تقدم فإن العدالة لا تختل هنا لأن الشارع المقدّس أخذ الواقع بنظر الاعتبار، فما دامت تحقق العدالة الاجتماعية فهي قائمة على العدل والإنصاف.

وملخص هذا المثال:

1- إن الهدف الأساس من تشريع الزكاة تحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا واضح من خلال معالجاتها لاشباع حاجات الفقراء والمحرومين، وفقا لما ذكرته آيات الكتاب.

2- بما أن العدالة الاجتماعية تتأثر بالواقع وضروراته، فيجب أن تواكب نسبة إخراج الزكاة ذلك الواقع، لذا جاءت آياتها مطلقة .

3- فالنسبة الواردة في الروايات كانت ملائمة لذلك الواقع، وقد حققت مبدأ العدالة الاجتماعية. وعندما يحصل خلل فيها، يمكن للفقيه إعادة النظر في هذه النسبة وفقا لحاجات الطبقة المعدمة.

4- وبالتالي وهذا هو المهم كشاهد على ما تقدم، يمكن للواقع أن يكون مبررا لإعادة النظر في فعلية الحكم الشرعي حينما تختل المقاصد الأساسية للتشريع، بسببه لا بسبب عوامل أخرى. وهذه المرة ليس من خلال شروط الموضوع، بل من خلال علاقة مرتكزات مبادئ الحكم بملاكات الجعل الشرعي. تحتاج لمهارة عليمة وفقهية، ودراية بالواقع وضروراته.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

ارى ان هذه الحلقة اقرب للحرفية و المهنية في قراءة النص و علاقته بالتاريخ، و لا اقول التنظير،
فالتاريخ ملموس و تطبيقي بعكس الميتافيزيقا فهي ادراك و تصور.
و اهم ما في هذه الحلقة انها توكد على مشكلة النص و احاديته امام تعددية الواقع كما ورد في مقالة للمرحوم كامل شياع، و نشرت لاول مرة في العالم يوم أمس برابط
http://www.alaalem.com/?aa=news&;id22=48869
و على ما ارى ان الزوايا الحادة في اي نص لا يمكنها ان تتلاءم مع استدارة الحركة في الواقع،
و اذا كانت الاديان نهاىية و جازمة لماذا تعدد الرسل، اليس لتطوير الرسالة و هي ذات منبع يمكن لاي مفكر ان يسميه النفسه، و استعير هذا التعبير من الدكتور سامي ادهم في كلامه عن الفسحة المضيئة.
نتمنى للاستاذ الغرباوي ان يتابع قراءته و مشروعه، بسبب الفائدة المرجوة منه، و شكرا،،،

This comment was minimized by the moderator on the site

نعم هذه الحلقة تخصصية، اقتضاها السؤال، محكومة بمصطلحات خاصة، لانها بصدد تقديم منهج جديد، ربيما يتقاطع مع بعض محرمات الدراسات الفقهية. تحياتي لحضورك د. صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه السلسلة من المقالات التنويرية الرائعة و شكراً للمعلق الدكتور صالح الرزوق. و احب ان اضيف التعليق التالي:

لقد وضح الاخ الدكتور الغرباوي على ان ملاكات الاحكام ترتكز على ثلاثة دعامات وهي : مركزية العدالة ؛ و السعة و الرحمة؛ الواقع وضروراته. و كذلك بين نقطة مهمة وهي ان سبب الشك في التشريع يعود الى وجود "خلل" في المقاصد الاساسية للتشريع مما يزعزع اليقين في فعلية الحكم الشرعي. و قد وضح كذلك ان هذه المقاصد هي:

1- المقصد الاول: التوازن الروحي و السلوكي
ان هذه النقطة التي ذكرها الاخ الغرباوي مهمة جداً و السبب يعود الى ان الدين هدفه تهذيب النفس الانسانية من كل الشوائب و ان تتشبع قيم الدين الاصيلة في ذات المسلم و تنعكس على سلوكه في تصرفاته اليومية. و قد جاء في المقالة كلام جميل جداً و هو :

"الصلاة بالنسبة للفقيه مجموعة حركات أو تمرين رياضي يجب على المكلّف أداؤه في الوقت المحدد ضمن شروطه الشرعية، سواء ترتب عليها أثر عملي في سلوكه أم لا. وسواء كان قلبه خاشعا أم لاهيا، سارحاً مع مشاغله الدنيوية. لذا الفقه كان وما يزال أحد أسباب تسويف القيم الدينية والأخلاقية، خاصة في المعاملات حينما يشرع لك الفقيه مجموعة من الحيل الشرعية التي تلتف بواسطتها على حقوق الآخرين. وأنت تسرق، وتعلم أنك تسرق، لكن قلبك مطمئن ما دامت هناك فتوى شرعية". انتهى

الكلام اعلاه الذي وضحه الاخ الغرباوي كلام علمي و جميل جداً و هو يعكس واقعنا الحالي الذي نعيشه و الذي تربينا عليه من قبل رجال الدين وفقهائهم. ان فهمنا للدين فهم خاطيء و السبب يعود الى ان هذا الفهم يرتكز على اسس بعيدة كل البعد عن مغزى الدين.
ان اغلب المسلمين يفهم الدين على انه اداء و اجبات فقط و ليس لها علاقة بمخرجات هذه الواجبات. مثلاً اذا " اديت الصلاة؛ او ذهبت للحج" فأن كل ذنوبك سوف تغسل و تصبح كما ولدتك امك.!!!!

و لذلك نحن في الدرك الاسفل في الاخلاق مقارنة مع بقية الشعوب بالرغم من الوقت الكثير الذي نصرفه في طقوسنا الدينية. نعم هذه هي الحقيقة.

السؤال المهم الذي يطرح نفسه:
لماذا لا تتغلغل القيم الدينية الى اعماق نفوسنا و تشذبها من كل امور السوء كما يريدها الله؟؟.
اذاً ما هي الفائدة من اداء واجبات دينية لا تنعكس قيمها في تصرفاتنا اليومية؟؟

2- المقصد الثاني: العدالة الاجتماعية
لا اعتقد توجد عدالة اجتماعية في المجتمعات الاسلامية. لذلك نرى مستويات الفقر و الامراض تفتك في شعوب هذه المجتمعات. و ان الزكاة و الخمس و غيرها تذهب الى جيوب رجال الدين و ليس للفقراء.

انا اعتقد ان الافكار الواردة في الآيات القرآنية هي مشابهة الى مباديء الدول العلمانية الغربية.

في الدول الغربية كل الاموال من السياحة و السياحة الدينية و الضرائب التي تفرض على الموظفين --- و غيرها تذهب الى خزينة الدولة . و هذه الاموال تصرف على الشعب كما يلي:

توفير رواتب الى المرضى و المعوقين . بالاضافة الى تخصيص كوادر صحية لمتابعتهم و زيارتهم الى بيوتهم
توفير رواتب للعاطلين عن العمل و مساعدتهم في الحصول على العمل
توفير السكن لكل المواطنين و حتى اللاجئين
توفير الخدمات الصحية مجاناً للمواطنين
توفير الخدمات التعلمية مجاناً لكل الاطفال
انشاء المشاريع الجديدة من عمارات سكنية و مستشفيات و مدارس –الخ.؟

هذه الاموال تحت مراقبة دقيقة و هي في ايادي امينة صاحبة اخلاق و قيم انسانية عالية و سلوك مضبوط و قد تكون ملحدة او مؤمنة بقيم السماء؟؟.. و دائماً يفكرون نحو الافضل مع التطور الزمني.

لا اعتقد ان القرآن يتعارض مع مباديء هذه الدول؟؟؟. بالعكس ارى ان مفهوم الدين هو اسعاد الانسان و ليس اضطهاده بأسم الدين كما هو في دولنا. و شكراً
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

احترامي لأسئلتك المشروعة جدا، نعم هذه مشكلة تحتاج لمعالجة جذرية، نحن نسعى لتقديم شيء جديد، وما زالت أمامنا قضايا مهمة تتطلب مزيدا من البحث. شكرا لقراءتك الممعنة الاخ د. ثائر عبد الكريم

This comment was minimized by the moderator on the site

اسباب تتويه الامة الاسلامية وضياعها هي تناقض الفقيه اورجل الدين وتعرض سلوكياته مع مقتضيات الدين والشريعة الاسلامية وضياعه بين الرياء واهواءه الشخصية. الاديبة و الكاتبة و الناقدة و الشاعرة فوزية بن حورية

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك الاستاذة فوزية. لك خالص الاحترام

This comment was minimized by the moderator on the site

حين تحتكم حتى ولو جزء بسيط من فكر الاستاذ الغرباوي تشعر بعظمة التشريع الالهي وكيفية انسجامه مع متطلبات الحياة فلقد أشار الاخ الدكتور الغرباوي في مقاله هذا والذي سبقه الى نقاط جوهريه في فهم التشريع وكيفية استنباط الحكم الشريعي بأسلوب لايسعك معه الا ان تقف احتراما لفكره النير.

This comment was minimized by the moderator on the site

إذا زاوية النظر تلعب دوار خطيرا في فهم النص، وهذا يتوقف على خلفية القارئ والمنهج والادوات التي يستخدمها في فهم الدين. احترامي لك الاخ الاستاذ جابر علي مرهون

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4375 المصادف: 2018-08-28 06:23:27