المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (89): حدود الشريعة في القرآن

majed algharbawi8مجدي ابراهيمخاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والثمانون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق11) من أسئلة الأستاذ د. مجدي ابراهيم.

 

ماجد الغرباوي: ثمة فارق بين إلغاء الشريعة الثابتة قرآنيا، وبين فقه الشريعة. الأول قطيعة تامة، بفعل موقف أيديولوجي أو عقدي. ويقصد بالثاني تواصلا معها في ضوء الواقع بما يحقق مصلحة الإنسان، تارة باعتبار قدسيتها، أو بفعل العدالة المتضمنة في ملاكاتها. فيمكن تحديد الفارق الجوهري بينهما، بما يلي:

إلغاء الشريعة: الإنسان مصدر التشريع، فيشرّع ما يناسب مصالحه ويحمي حقوقه، بعيدا عن المقدس وسلطته.

والدعوة لإلغاء الشريعة تارة تكون منطلقاتها علمانية، تحتكم للقوانين المدنية الوضعية، وترفض التشريعات الدينية، بحكم مبادئها التي تفصل بين الدين والسياسة أو بينه وبين الحياة عامة. وهناك من يعتقد أن الأحكام الشرعية تاريخية، وقد استنفدت قدرتها على مواكبة الواقع. وقسم ثالث يقول بنسخ الأحكام، الذي يعني إستبدال حكم بحكم، فيلغى الحكم السابق. بغض النظر عن إيمان المرء وعدم إيمانه، في جميع هذه الحالات الثلاث.

فقه الشريعة: منهج عقلي في استنباط الأحكام الشرعية، يقوم على مركزية الإنسان في ضوء فهم الدين وفلسفة التشريع، ويرتهن فعلية الأحكام بفعلية موضوعاتها.

وهو منهج يسعى لإدراك ملاكات الأحكام، ودراسة موضوعاتها في ضوء الواقع وضروراته، بعد التعرّف على تاريخ الحكم والظروف المحيطة به. وبهذا يختلف عن المنهج النمطي لاستنباط الأحكام الشرعية القائم على فصل المسألة الدينية عن فلسفة الدين والتشريع، حيث تبقى الأحكام مطلقة بغض النظر عن الواقع وضروراته. ومنهج فقه الشريعة، منهج مقترح، في طور التأسيس والبناء، إرتكازا لمبدأ التأصيل العقلي، الذي مر تفصيله.

لا خلاف أن الكلام حول الشريعة وأحكامها ومدى الإلتزام بها يختص بالمؤمنين بقدسيتها وصلاحيتها، فهي بالنسبة لهم شاملة لكل زمان ومكان. فالخلاف مع العلمانيين خلاف عقائد أولا وبالذات حول دور الدين والتشريع في حياة الإنسان. وأما القائلون بالنسخ فلا دليل لهم سوى ما أكدته الآيات من نسخ صريح كآية النجوى. كما يلزم من النسخ جهل الخالق بملاكات الأحكام.

أكدت مرارا أن الأحكام الشرعية لا تلغى، ما دام مصدرها الكتاب الكريم، لكن ممكن أن لا تكون فعلية بسبب عدم فعلية موضوعها، فتسقط عن التكليف. وهذا أمر آخر غير إلغاء الشريعة، بل هو من صميم فقه الشريعة وغاياتها ومقاصدها. باعتبار أن الأحكام الشرعية قد شرعت وفق ملاكات من المصالح والمفاسد. وليس الأمر فوضى أو القصد منه اختبار عبودية الناس. بل أن منطق الخلافة يرى أن الأحكام تواكب تطور الإنسان، وترعاه وتحتضنه كي يواصل طريقه في خلافة الأرض. ويرى أن النبوة الخاتمة هي عودة للعقل بعد نضوجه وقدرته على إدراك ملاكات الأحكام وعلاقاتها بالواقع. وفقه الشريعة مقتصر على الفقيه باعتبار تخصصه في هذا الحقل، وليس متاحا لأحد ما لم يستوف شروط الفقاهة.

الشرائع تاريخيا

ليس التمسك بالشريعة باعتبار قداسة مصدرها فقط، بل لأنها مجموع تشريعات تنظّم حياة الناس والمجتمع، وفقا لمبدأ العدالة والانصاف. فهي امتداد لتشريعات سبقتها، فألغت بعضها وأمضت أخرى، وأضافت ما يواكب حياة الإنسان والمجتمع، وهذا يعني بشكل من الأشكال تاريخيتها، وتوقف فعليتها على فعلية موضوعاتها. خاصة الأحكام الاجتماعية. فينبغي التوفر على ما يبرر التخلي عن أي حكم من هذه الأحكام التي تمثّل عدالة التشريع، بدليل إمكانية الاحتكام لبعضها حتى لغير المؤمنين بها. وهذا بُعدٌ آخر في الشريعة لا علاقة له بمصدرها. فالالتزام بها ليس عيبا أو تخلفا مطلقا، بل مدار الإلتزام وعدم الإلتزام بها عدالتها، وقدرتها على بسط ضبط سلوك الفرد والمجتمع. فالالتزام بها إلتزام بملاكات العدالة، بغض النظر عن مصدرها. لأن الحُسن والقُبح عقليان. وقد أثبتت هذه الأحكام أو أغلبها جدارتها، وقد سادت ردحا طويلا من الزمن. فالتخلي عنها يستدعي مبررا عقليا نرفع به اليد عن حكم العقل بحسن العدل، الذي هو تمام ملاكاتها.

وأقصد بالشريعة خصوص التشريعات القرآنية، وليست التشريعات التراثية وما يصدر عن الفقهاء، فإنها وجهات نظر اجتهادية، تصيب وتُخطئ. وطالما عسكت نظرة سلبية، بسبب جمودها، وعدم انفتاحها على الواقع وضروراته، خاصة وهي تقصي الإنسان الذي هو مدار التشريع. فلا مبرر للقطيعة التامة مع أحكام الشريعة القائمة على العدل والانصاف، ويمكن إعادة النظر في الأحكام من خلال موضوعاتها وفقا للواقع وضروراته. وفي هذه الحالة سنستفيد من قدسيتها، خاصة في المجتمعات المسكونة بالدين والقداسة، فإن الإيمان بقدسيتها يمثل وازعا للإلتزام بها. وهذا الكلام ليس تبريرا بل هو واقع، لأن العدالة هي هدف التشريع، أي تشريع، حسب الفرض، لذا أمضى الإسلام أحكام البيع والشراء والتجارة، ولم يرد في الكتاب المجيد سوى مبادئ، كحرمة الربا أضعافا مضاعفة.

عندما نعود للقرآن الكريم لتتبع مسار تشريع الأحكام، نجد الأمم السابقة قد عاشت ردحا من الزمن بعيدا عن الأديان (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)، وكانت هذه الفترة بالذات خصبة بطقوسها وعقائدها وخرافاتها وأساطيرها. وبعبارة أدق كانت تعيش تجربتها الروحية بمعزل عن السماء، سوى قلوب عامرة بمشاعر العجز أمام المطلق وهم يواجهون مختلف التحديدات. فالإيمان بالغيب إيمان تلقائي (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، لتدارك ضعف الإنسان وعجز قدراته أمام ظواهر الطبيعة. وقد اكتشفت رحلات الآثار مختلف الطقوس، وما زال بعضها حيا في أستراليا والأمزون. نشأت الطقوس بدائية اقتصرت على عبادة الطوطم ثم الأرواح، فعبادة الكواكب ثم الأصنام والأوثان، وتخلل ذلك عبادة الملوك التي طورت المظاهر الطقوسية، باتجاه إقامة معابد خاصة للإلهة، وتجسيد الطاعة والخضوع عبر الركوع والسجود. فإذا كان نزوع الإيمان البشري فطريا، فإن تمظهرات الطقوس والأديان فرضتها حاجة موضوعية، لضبط سلوك الفرد والمجتمع، ورسم العلاقة بين العبد وسيده بما يكرّس قدسية الثاني. لأن القداسة تمثل جوهر الأديان. أي أن حاجة الإنسان للدين أولا وبالذات حاجة لا شعورية للمقدس. فلا يمكن الاستهانة بمقدسات الشعوب لقوة حضورها ورمزيتها. بل عدم وجود المقدس يفضي لضياع الشعوب المسكونة بالغيب واللامعقول. فكان الدافع وراء بعثة الأنبياء انتشال الوعي الديني الزائف الذي يكرّس عبادة الأرواح والأصنام والطاغوت، بعد أن كان الوعي يتجه بفطرته نحو المطلق، يرسم عظمته وقدراته وفقا لحاجاته وضروراته. فهدف النبوات ترشيد العقيدة، وتأسيس مرجعيات جديدة لبيان الحق وحسم النزاعات: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ). فهدف الأديان السماوية هداية الناس وتحقيق التوازن الروحي والسلوكي، مع تحقيق العدالة الاجتماعية، لذا تولت ترشيد الشعائر والتشريعات التي كانت سائدة، فألغت بعضها، واستبدلت أخرى، وأضافت ما يواكب حاجة الأنسان والمجتمع.

ينبغي التأكيد أن التشريعات أو الشريعة هي جزء من الدين، وهو أعم منها، يصدق مع وجودها أو عدمها، زادت أم نقصت. سأل الصحابة النبي عنها أم لم يسألوا. ولو لم يسألوا لكانت الأحكام الشرعية الآن أقل، دون أن يتأثر الدين بذلك. فثمة فارق بينهما. هدف الشريعة ضبط سلوك الإنسان، بينما يهدف الدين إلى هداية الإنسان واحتضانه ليواصل المهمة التي خُلق لأجلها. أي خلافة الأرض واستخلافها. لذا موقف الإسلام من أهل الكتاب ليس موقفا عدائيا أو خلافا حول بعض التشريعات والمقدسات، أو مجرد تباين عقدي حول الخالق وصفاته، رغم أهمية الأخير، لكن ثمة دور للدين يختلف مع كل رسالة، فيجب مغادرة ذلك الفهم إلى فهم أكثر تطورا من خلال تطور الوعي، والمجتمعات البشرية. لذا أجد أن آية: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) تشير لهذا المعنى رغم أن مفهوم الإسلام أعم من الدين الإسلامي. أي أنها تريد قطع طريق العودة لفهم تراثي للدين، والبدء بفهم مختلف يواكب تطور الإنسان والحياة. و(الدين منظومة فكرية ومفاهيمية لها خطابها وأيديولوجيتها ولغتها ورمزيتها، تستمد وجودها من عقيدة تتصف بقدرتها على تفسير بعض الظواهر الحياتية والميتافيزيقية، كالموت وما بعد الموت. ويترشح عنها نظام عبادي وأخلاقي وسلوكي يتقوم بالطاعة والتسليم). فالشريعة تترشح عن الدين، وهي جزء من تعاليمه بالمعنى الأعم من الأخلاق والأحكام. وليس التشريع مقوما ذاتيا للدين بشكل ينتفي الدين بانتفائها. وأغلب الأحكام جاءت ردا على أسئلة الناس. فهي لا تؤثر في حقيقة الدين وإن كان الإلتزام بها شرطا لصفة التدين. فتبقى أحكامه محدودة، كي يواصل الإنسان تشريع ما يحتاج من قوانين في ضوء مبادئ الدين وقيمه.

حدود الشريعة في القرآن

مر أن التشريع مختص بالله تعالى (الله يفتيكم)، لأنه الأعرف بملاكات الأحكام من حيث مَداها وعلاقتها بالدين ودور الإنسان في الحياة. فالتشريع وفقا لفلسفة الدين ومنطق الخلافة له دور ضمن الهدف الكلي للخلق، لا يقتصر على ضبط سلوك الفرد والمجتمع، رغم أهميتهما، لكنه توازن ضمن الهدف العام. وهذا ليس متاحا لغير عالم الغيب والشهادة، بما في ذلك الأنبياء ممن نفى الكتاب الكريم عنهم علم الغيب صراحة، وحصره بالله تعالى: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ). وقد ذكر كل ما يريده من أحكام ضمن آيات القرآن المجيد. وما لم يرده لم يقله، وهذه هي مقدمات الحكمة كما هو في المصطلح الأصولي. بل أعلن إكتمال الدين الشامل للتشريع حينما قال: (اليوم أكملت لكم دينكم). وهذا يؤكد محدودية التشريعات، وعدم حاجة الفرد لغيرها، بما يعني إحالة الإنسان على عقله وتجربته الحياتية والاستفادة من تجارب الأمم والشعوب في اختيار ما يناسبه من تشريعات، شريطة أن تقوم على مبدأ العدل وعدم الظلم واحترام حقوق الإنسان. وهي مرتكزات عقلية، إنسانية ودينية. الله عزوجل يريد الإنسان خليفة في أرضه، يمارس دوره من خلال حريته وإرادته وعقله، وبالفعل سار الإنسان منفردا قبل بعثة الأنبياء. ولم يخلق الله الإنسان للاختبار والطاعة، بل خلقه ليمارس دوره الإنساني فترك له أبواب التوبة والإنابة مشرعة كي لا ينقلب الذنب والخطيئة إلى عقدة وتمرد ضد الحياة. ولو كان هدف الخلق هو الاختبار، تجد عقوبة السماء تترصد خطأ الإنسان، وتلاحق خطواته وهفواته (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ)، لكن الله غني عن العالمين، وليس بظلّام للعبيد. و(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ). وله هدف نبيل وسامٍ من وراء الخلق.

آيات الأحكام

إن آيات الأحكام في القرآن محدودة، تقارب 500 آية. تزيد أو تنقص قليلا وفقا لمباني الفقهاء. وهي تختلف في إطلاقها ودرجة إلزاماتها وفعليتها إلى أنواع:

1- أحكام خاصة بالنبي كقوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا). فهي أحكام اقتضتها مسوؤلياته الدينية والاجتماعية.

2- أحكام خاصة بأهل الكتاب وأمم سابقة قبل البعثة النبوية، يستشهد بها الكتاب في مناسبات خاصة. كآية: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).

3- أحكام ناظرة إلى واقع خارجي محدد، كآيات القتال التي كانت تطارد المحاربين من أعداء الرسالة وهي في بداية ظهورها. ولا يمكن لهذه الآيات أن تكون فعلية ثانية، ما لم يتعرّض ذات الدين للفناء، وهذا مستحيل بعد أن تجاوز عدد المسلمين المليار، وبإمكان من يروم الدعوة توظيف وسائل الاتصال الحديثة، وما هو متاح من إمكانيات قانونية، في مختلف بلدان العالم، ولا يلجأ للعنف الديني سوى العاجز، الخائف. فالدليل يواجه بالدليل والبينة بالبينة، وليس بالسيف والعنف وإراقة الدماء.

4- أحكام مشروطة، لا تكون فعلية إلا بتحقق شرطها. كما في آية الحج، التي اشترطت الاستطاعة في فعلية الحكم المجعول. وهي بالمصطلح الأصولي الأحكام التي جعلت على نحو القضية الخارجية.

5- أحكام انتفت بانتفاء موضوعها، كأحكام الرق قاطبة، بعد اندثار العبودية.

6- أحكام مطلقة متى ما استوفت شروطها العامة، التي هي شروط جميع التكاليف الشرعية: القدرة، البلوغ، والعقل. وهذه الأحكام، بعضها تكليفي، كالأمر بوجوب الصلاة. والآخر وضعي، يشرّع وضعا معينا، كالزوجية. وهذه الأحكام مأخوذة على نحو القضية الحقيقية، فلا تكون فعلية إلا بفعلية موضوعاتها.

7 – أحكام إرشادية، ترشد إلى مرتكزات عقلية غالبا، كآيات الأحكام الاعتقادية، مثل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً).

بهذا يتضح أن حدود الشريعة في القرآن، تقف عند حدود الأحكام المجعولة على نحو القضية الحقيقية، متى استوفت شروطها، وأهمها فعلية موضوعها. وحينما لا يكون الموضوع فعليا لا يكون الحكم المجعول فعلياً على أحد، فيسقط عن التكليف. وبالتالي من حقنا البحث عن كيفية تضخم الأحكام والفتاوى الشرعية بشكل مذهل؟ وما هي مشروعيتها مع محدودية الأحكام في الكتاب الكريم؟ وما هي تداعياتها على مستقبل الإنسان والتنمية الحضارية، خاصة أن الفتوى بررت سفك الدماء، وهتك الحرمات، واستعباد الأحرار، والالتفاف على قيم الدين من خلال حيلها الشرعية، وكرّست الاستبداد، واستباحت أموال الناس، وصادرت الحريات، وفرضت قيمومة الفقيه ووصايا رجل الدين.

تأسيسا على ما تقدم، فإن الأصل عند الشك في أي حكم هو عدمه. أو ما يسمى بالبراءة العقلية ثم البراءة الشرعية (قبح العقاب بلا بيان)، وليس الأصل كما تقدم بيانه هو حق الطاعة بالمحتمل والمشكوك والمظنون فضلا عن المتيقن. من هنا يمكننا الشك في شرعية كل فتوى وحكم شرعي لم يذكر في الكتاب الكريم، ما لم يدل الدليل القرآني عليه. أما لماذا القرآني، فلأن الكتاب الكريم أعلن اكتمال الشريعة، أي أعلن القدر الذي يحتاجه الفرد من الأحكام الشرعية. وفي القرآن إشارات بليغة تؤكد اقتصر التشريع على الله وما أوحي لرسول الله فقط، كآية: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ). فالآية تؤكد أن الحرمة التي هي حكم شرعي وحي سماوي، وليس اجتهادا شخصيا أو فقهيا. لكن كم محرّم فرضه الفقهاء حتى غدا الدين حقل ألغام بكثرة أحكامه الفقهية التي تحد من حرية الإنسان، وتعيق عقله وتفكيره!!.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

في هذه الحلقة متابعة ضرورية لتنظيف السياق من غبار السنوات،
و لكن هنا نقطة هامشية و عابرة لفتت انتباهي و هي عن الربا،، و الرق ايضا،
فالعبرة داىما بالغاية، و لا اعتقد ان دينا له مثل هذا العمق و الامتداد يكون مجردا عن الغايات التي تنفع الانسان و تضبط علاقته بغيره و بنفسه،
فالقران لم يذكر شيىا عن العادة السرية مثلا، و لكن وردت احكام و اضاءات حول الاضرار بالنفس، و اشد انواع الضرر بالذت هو الانتحار في لحظة ياس و لاجدوى،
و الاهم من ذلك ما ورد فيه نص واضح كتحرير الرق،
و الغاية هي المساواة و احكام بنية المجتمع لتكون تكافلية و مبنية على التعاضد و الشراكة المستديمة،
و اذا القينا نظرة على تاريخ العبودية سيتبين لنا مشكلة الدولة العميقة،
فالعبيد لهم قوانين و علاقات، و تهاتف بالذهن،
و ما نسميه ثورة سبارتاكوس ما هو الا نسخة مجهضة من ثورة المماليك،
فسبارتاكوس لقي حتفه لان اهدافه كانت ليبرالية في مجتمع ظلامي و دكتاتوري،
بينما المماليك تنمكنوا من اقامة دولتهم على غرا. دولة الزنج في العراق و البحرين،
ان الحكمة من تحرير العبيد لا يلغي الصراع الطبقي و التفاوت في الثروات و تراتب العمل و لكنه يلغي ما هو اسوأ و اشد شرا و هو التفكير بانقلاب عسكري تعقبه انقلابات اجتماعية تعكس بنية الدولة،
عذرا للاطالة،
فالملاحظة ليست من صلب الموضوع لكنها تصب فيه
و شكرا

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه الحلقة التنويرية و شكراً الى الدكتور مجدي ابراهيم و الى الدكتور صالح الرزوق.

لم اطلع على الشريعة و لا على فقه السلف الصالح؛ و انا من المؤمنين بفصل الدين عن الدولة و السياسة بشكل كامل و السبب يعود الى ان الدين هو دين ايماني عقائدي و ليس دين سياسة.
المذاهب جميعها مذاهب سياسية و هي التي دمرت الاسلام و ان الله حذّر من المذاهب "الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً – و كل حزب بما لديه فرحون---". اذا كان رجال المذاهب يعرفون ان الله حذّر من تفتيت الدين في كتابه الكريم بشكل واضح فلماذا هذا الاصرار على المذاهب؟ و كيف تريدوننا ان نثق برجال الدين الحاليين و السابقين؟؟؟.

ان الذي يركّز على آيات القرآن يرى ان الله يدعو المسلمين الى التركيز على القرآن و ليس على شيء آخر؛ اي ليس على مكملات الدين من سنة و فقه حسب آراء رجال الدين. و السبب لان البعد الزمني للسنة و الفقه يتلائم مع تلك الفترة الزمنية و لا يمكن الاعتماد عليهما الى قيام الساعة. و السبب الاخر لانها منتجات بشرية لا تعرف بالغيب و ماذا سيكون حال الملسمين بعد 2000 او 3000 سنة. و حتى الرسول لا يعرف الغيب "لو كنت اعلم ما في الغيب لأستكثرت من الخير---" و " مفاتيح الغيب عند الله" -- الخ.
و الاية التالية توضح مغزى مفهوم القرآن:
القرة 141
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

و الشيء الاخر و المهم ان الله ترك آيات القرآن مفتوحة التأويل عبر الاجيال " لا يعرف تأويله الاّ الله و الراسخون في العلم" و لم يذكر اسم الرسول. و هذا يدل دلالة تامة على ان كل المنتجات البشرية من سنة و فقه لا يمكن الالتزام بها حرفياً.

من الممكن الاعتماد على السنة النبوية في بعض الامور الايمانية المتعلقة بالعبادة و المتلائمة مع آيات القرآن "كالصلاة و الصوم و الحج---"؛ و امّا الامور الاخرى لا اعتقد ان السنة و الفقه يتلائمان مع التاريخ الزمني للاجيال. و شكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

ملاحظات نقدية على التعليق
ان للتعليق مهمة فكرية وثقافية، وبالتالي نفترض فيه الدراية ومن ثم التعليق بالنقد او التقييم، من اجل استفادة القاريء غير المتخصص بموضوع ومادة البحث. كما انه ضروري للكاتب نفسه من اجل اعادة النظر بما كتب او بالتوسع فيه وتوضيح ما ينبغي توضيحه.
اما المداخلات التي كتبها الاخوة، فإنها لا تفي بالغرض، كما انها لم تفهم قصد المؤلف كما ينبغي.
مع خالص الاحترام للجميع

This comment was minimized by the moderator on the site

شكري وتقديري لجميع الأحبة ممن شارك في قراءة هذه الحلقة، ومن أبدى رأيه فيها. اكرر احترامي لكم جميعا الاستاذ د. صالح الرزوق، د. ثائر عبد الكريم، الاستاذ احمد محمد

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4387 المصادف: 2018-09-09 04:51:20