المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (93): الاجتهاد مفهوما

majed algharbawi3مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق1-س87) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

س87: مهدي الصافي: ماذا يقول السيد ماجد الغرباوي في الاجتهاد عند الشيعة؟

ج87: ماجد الغرباوي: الاجتهاد مبدأ أساس لإحياء الشريعة وتكيّفها مع الواقع، وفق شروط وآليات تختص بمَن يعي متطلبات الزمان والمكان من الفقهاء. وللاجتهاد مبررات فرضها جدل النص والواقع، ثم راح يتطور كعلم مختص بالشريعة الإسلامية في مقابل التلمود الذي استفاد منه الفقهاء بحكم التجاور أو تقارب جملة من التشريعات. وبالتدريج تشعب واتسع بفعل طبيعة الأسئلة وتحديات الاتجاهات العقدية، وتعدد مباني الفقهاء، والانفتاح على المنطق والفلسفة، وتطور علم أصول الفقه. وما التراث الفقهي الزاخر إلا ثمرة من ثمراته. وهذا لا يمنع من وجود تداعيات وسلبيات، ما دام الاجتهاد وجهات نظر شخصية، رغم القواعد العقلية التي تتحكم بعملية استنباط الأحكام الشرعية.

والسؤال عن الاجتهاد سؤال عن "التقليد"، وعن مفهومه وتاريخه وشرعيته، وتداعياته على الوعي الجمعي وحركة النهضة الحضارية. إذ لا معنى للاجتهاد ما لم يكن هناك مقلد للمجتهد. وبمرور الأيام اكتسب المفهوم دلالات جدية، ترتبط بالقيادة والاتباع. وهذا ما يميّز علاقة الفرد والمجتمع الشيعي، حيث اتخذ المفهوم أبعادا استمدها من خلفيته العقدية المتصلة بالإمامة، التي منحت الفقيه / المرجع صفة النيابة عن الإمام المعصوم، يقوم مقامه في الإفتاء والتصرف بالأموال / الحقوق الشرعية، وتسوية الخلافات القضائية. فاستأثر بولاء الجميع، وبات مقام المرجعية الدينية مقاما قياديا، يتعدى الإفتاء إلى تدبير الشأن الشيعي، ومواقفه السياسية.

الاجتهاد تاريخيا

الاجتهاد لغة: بذل الجهد للحصول على شيء ما.

واصطلاحا: إما أن يُراد به الرأي الشخصي للمجتهد. أو يراد به: استفراغ الوسع في استنباط الحكم الشرعي من أدلته.

كانت الحاجة للاجتهاد منتفية في زمن البعثة، وكان النبي يجيب على أسئلة واستفتاءات الصحابة مباشرة أو عبر سؤال الوحي: (يسألونك، ويسألونك، ويستفتونك). وكان دليلهم من بعده إما آية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله، الشاملة لقوله وفعله وتقريره، باستثناء اجتهادات محدودة جدا حينما تطرأ مسألة مستحدثة، فكان اتفاقهم يكفي، بعد اليأس من وجود دليل من الكتاب والسُنة. غير أن تطور الحياة، وتوسّع المجتمع، فرض أسئلة جديدة، راحت تتفاقم بمرور الأيام، فنشأت حركة اجتهاد، تتقوم باستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وهما القدر المتفق عليه بين جميع المذاهب الإسلامية (ما عدا القرآنيين). ثم دخل الاجماع دليلا ثالثا، رغم الاختلاف في تفصيلاته. لكنهم اختلفوا أشد الاختلاف حول العقل وقدرته، كدليل مستقل على الحكم الشرعي أو كاشفا عنه. فهناك اتجاهان رئيسان، حول الموقف من الفراغ التشريعي والعقل:

الأول: موقف عموم المسلمين:

وهم أهل السُنة في مقابل الشيعة. وقد انقسموا إلى اتجاهين، عنهما تفرعت أغلب الاتجاهات والمذاهب الفقهية.

أ – مدرسة الرأي والاجتهاد:

 يرى فقهاء هذه المدرسة أن الأحكام في الكتاب والسنة، لا تستوعب جميع المسائل المستحدثة، مما يعني نقص التشريعات،  فنحتاج إلى أدلة نستعين بها على استنباط الحكم الشرعي، لملء الفراغ التشريعي، بشكل لا تتقاطع في نتائجها مع ما هو مشرّع نصا. فكان هناك الاجتهاد، والاستحسان، والقياس، وهي أدلة تمثل رأيا شخصيا للمجتهد، من خلال حسه الفقاهتي / الفقهي، ومستوى تبحّره في مختلف الأدلة النقلية والعقلية. وقد قررت هذه المدرسة قاعدة فقهية مفادها: "إذا اراد الفقيه استنباط حكم شرعي، ولم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنة، رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص". فالاجتهاد بهذا المعنى يُعد دليلا مستقلا على الحكم الشرعي. وهذه المدرسة يتزعمها الفقهية التابعي المعروف أبو حنيفة النعمان المتوفي سنة 150 هـ. وله تنسب مدرسة الرأي عادة. وكانت أدلته في استنباط الحكم الشرعي ستة: "القرآن، السنة، الاجماع، القياس، الاستحسان، العرف". وكلام أبي حنيفة صريح فيما روي عنه: (رُوي عن الإمام أبي حنيفة أنه قال: «آخذ بكتاب الله تعالى، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله أخذت بقول الصحابة، آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم، ولا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب - وعدَّد رجالاً- فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا»..). 

ب – مدرسة الحديث:

تمتاز هذه المدرسة بشدة تمسكها بظواهر النصوص، مع شجبها للاجتهاد والقياس والاستحسان والرأي. ولها ينتسب المذهب الظاهري، الذي أسسه داود بن علي المتوفي 270  هـ، ومن بعده ابن حزم الأندلسي. وهو مذهب يتمسك بظواهر الكتاب والسنة، ويرفض الرأي والقياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع. ويؤكد الشافعي تمسكه بمباني هذه المدرسة أيضا، حينما يقول: (لا يجوز لأحد أن يقول بالاستحسان ... ومن استحسن فقد شرّع). كما لا يرى المصالح المرسلة أصلا شرعيا. ويقول: (ليس لأحد أبدا أن يقول في شيء حلَّ ولا حُرّم إلا من جهة العلم، وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة، أو الإجماع أو القياس). ويعني الاجتهاد أو القياس عند محمد بن إدريس الشافعي، المتوفي 204 هـ،: (إلحاق أمر غير منصوص على حكمه، بأمر آخر منصوص على حكمه، لاشتراكه معه في علة الحكم). فأدلة هذه المدرسة تقتصر على الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، والاجماع والقياس بالمعنى الذي طرحه الشافعي.

ولم تقتصر ردود الأفعال ضد مدرسة الرأي على الاتجاه السلفي وأهل الحديث والمذهب الظاهري، والموقف الشيعي فقهيا، بل امتد للجانب الأخلاقي والعقدي، حيث ظهر الاتجاه الأشعري الذي أسقط العقل، وصادر استقلاليته في بعض الأحكام، وقد ذهب الأشعري صراحة إلى أن الحُسن والقُبح شرعيان، لا عقليان. الحسن ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه. وليس للعقل قدرة على التشخيص.

الثاني: موقف خصوص الشيعة:

لم تواجه الشيعة مشكلة فراغ تشريعي بعد وفاة الرسول، حيث استمر عصر التشريع عندهم عبر أئمتهم، بدءا بالإمام علي، ومن ثم ولداه الحسن، والحسين والتسعة من ولد الحسين، آخرهم محمد بن الحسن المهدي، الذي غاب، واستمر التواصل معه عبر أربعة سفراء. وبانتهاء الغيبة الصغرى 329 هـ انتهى عصر النص بالنسبة لهم، وبدأت مرحلة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية لكن بمفهوم آخر. ومقتضى تواصل عصر التشريع لدى الشيعة، عدم الفرق بين سيرة النبي وسيرة الأئمة (قولا وفعلا وتقريرا)، من حيث حجيتها، (تخصيصاً وتقييداً لآيات الكتاب الكريم). والقضية مرتبطة بعقيدتهم ورؤيتهم لمفهوم العصمة والإمامة ومقام الإمام. فالشريعة بالنسبة لهم ليست محدودة بالكتاب وما ورد عن الرسول بل تشمل سيرة الأئمة: قولا وفعلا وتقريرا. فكانت أحاديثهم أثرى من حيث تنوع مسائلها، خاصة المستحدثة. وعليه يكفي انتهاء سند الرواية إلى أحد الأئمة المعصومين بسند صحيح أو معتبر لتكون حجة على الفقيه، يمكنه الاستدلال بها، ما لم تكن معارضة برواية أخرى. وبهذا انتفت الحاجة للاجتهاد طوال حياة الأئمة. بل أن موقف الأئمة وأصحابهم كان سلبيا جدا من مفهوم الاجتهاد وفقا لمدرسة الرأي التي تعتبره أحد أدلة الفقيه في استنباط الحكم الشرعي، وقد حصلت مواجهات ضارية، تجلت من خلال المناظرات والتأليفات التي كانت تشجب الرأي، حتى بات مفهوم الاجتهاد مثقلا بدلالاته السلبية عبر توالي الأيام. وصار المتبادر منه تحكيم رأي ومزاج المجتهد في استنباط الحكم. وقد استمر الموقف السلبي منه من خلال مؤلفات وكتابات أصحاب الأئمة ومن جاء بعدهم من العلماء والمحدثين، كما هو موقف الشيخ الصدوق في القرن الرابع الهجري، ومن بعده الشيخ المفيد الذي ألف كتابا بهذا الخصوص. وتبنى السيد المرتضى في بداية القرن الخامس الهجري ذات الموقف حينما قال: (إن الاجتهاد باطل، وأن الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا الاجتهاد)، وتلاه الشيخ الطوسي، توفي460 هـ، بقوله: (أما القياس والاجتهاد فعندنا أنهما ليسا بدليلين، بل محظور في الشريعة استعمالهما). وقال إبن إدريس في كتاب السرائر: (والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا).

وبقي الاجتهاد مفهوما سلبيا عند الشيعة، يُحيل على تحكيم مزاج الفقيه في الحكم الشرعي، وهو بمنزلة الكفر. أو خضوع الحكم الشرعي لرأي الفقيه الشخصي. ولم يتخلصوا من هذا المفهوم حتى مجيئ المحقق الحلي المتوفي سنة 676 هـ، الذي أعطى الاجتهاد معنى جديدا، حيث عرّفه (بذله الجهد في استخراج الأحكام الشرعية). وبشكل عام يتبنى فقهاء الشيعة موقف الإمام الصادق ومن جاء بعده، فهو بالنسبة لهم موقف شرعي لا يمكن التنازل عنه، مهما كانت قناعة الفقيه، ومهما كان مستوى ركونه للاجتهاد بمعنى الرأي، كدليل كاشف عن الحكم الشرعي. لهذا يغمز فقهاء الشيعة باجتهادات ابن الجنيد والاسكافي من علماء القرن الرابع لميولهما للرأي، رغما أنهما من كبار فقهاء الشيعة. وبهذا يتضح هناك موقفان مختلفان من مفهوم الاجتهاد لدى الشيعة الإمامية، هما:

1 – الاتجاه الأخباري:

يعتبر الميرزا محمد أمين الاستربادي المتوفي سنة 1033 هـ مؤسس هذا الاتجاه، وقد ألف كتابا بعنوان: "الفوائد المدنية" بلور فيه أفكاره وبرهن عليها. وهو امتداد لموقف مدرسة الحديث التي اقتصرت مصادرها التشريعية على الكتاب والسنة، ورفضت الاجتهاد والقياس والاستحسان. وقد زاد عليهم الأخباريون الشيعة رفضهم للاجماع باعتباره بدعة سنية. وهم يعتقدون بصحة جميع الروايات الواردة في الأصول الحديثية الشيعية الأربعة: "الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب والاستبصار"، وغيرها من كتب الحديث. وكان موقفهم سلبيا جدا من الفقهاء الأصوليين.

وفي محاولة لشرعنة هذا الاتجاه، أرجع الأخباريون حركتهم لعصر الأئمة، باعتباره اتجاها سائدا إلى عصر الكليني والصدوق.

وقد احتدم الصراع بين الأخباريين والأصوليين في بداية القرن الحادي عشر الهجري، ولم يخبُ إلا في القرن الثالث عشر على يد الشيخ الوحيد البهبهاني، توفى 1205هـ. وقد تزعّم الاتجاه الأخباري، عدد من علماء الشيعة، اشتهروا بموسوعاتهم الحديثية، كالشيخ المجلسي صاحب كتاب البحار (110) أجزاء. والشيخ الحر العاملي صاحب موسوعة وسائل الشيعة (20 أو 30) جزءا حسب الطبعة. وهناك الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق ونعمة الله الجزائري، وغيرهم. وما يهمنا موقف هذا الاتجاه من العقل، فهو يأخذ بالرواية مهما كان ضعفها سندا ومتنا ويطرح الرأي مهما انتسب للفقه والفقاهة، لذا كرّس هؤلاء الخرافة والغلو والتطرف في حب أهل البيت، والعداء من السنة، حدَ التكفير والبراءة منهم. وقدموا النقل على العقل، واقتصروا في فتاواهم على نصوص الروايات. ولا قيمة للعقل ومستقلاته وأحكامه أمام الرواية، مهما كانت ضعيفة السند. فهناك برأيهم عقل كلي هو عقل المعصوم تصدر منه الأحكام، ولازمه أن الحسن والقبح شرعيان وليس عقليين.

2 – الاتجاه الأصولي:

لا يختلف الموقف الرافض لهذا الاتجاه من الاجتهاد بمعنى الرأي، ويرفض بشدة اعتبار القياس والاستحسان من الأدلة الكاشفة عن الحكم الشرعي. وكان المحقق الحلي المتوفي سنة 676 هـ أول من قدم تعريفا جديدا، زعزع به النظرة السلبية لمفهوم الاجتهاد، عندما عرّفه: "الاجتهاد: بذل الجهد في استخراج الأحكام الشرعية". وبهذا خرج مفهوما من كونه دليلا على الحكم الشرعي إلى كونه منهجا في استنباط الحكم الشرعي، يعتمد على قضايا نظرية وعقلية، ليست مستفادة من ظواهر النصوص بالضرورة. فالاجتهاد بهذا المعنى ليس مصدرا للحكم بل عملية استنباط الأحكام من مصادرها. ويراد بالاستنباط: (تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا استدلاليا).

وبهذا كسب الأصوليون المعركة وأصبح الاجتهاد ميزة يتصف بها الفقه الشيعي، وقد تمكن فقاؤهم مواصلة استنباط الأحكام الشرعية، بينما عمد الجانب الآخر، المدرسة السنية إلى غلق باب الاجتهاد، والاكتفاء بما صدر عن أئمة المذاهب الإسلامية. وكذلك فعل الأخباريون.

يذكر أن بوادر ظهور القواعد الأصولية لدى المدرسة الشيعية تعود لأيام الأئمة، حيث كانوا يؤسسون لبعض القواعد كالاستصحاب في روايات زرارة بن أعين عن الإمام الصادق مثالا. وهي قواعد ذات مناشىء عقلية. فالبحوث الفقهية لم تكن بمنأى عن العقل ومستقلاته.

الاجتهاد بمعنى الرأي

رغم تحفظي على التشريع خارج حدود الشريعة بشكل عام، لكن الموقف من القياس بمعنى الرأي أجده صارما، يخفي خلفه موقفا أيديولوجيا أكثر منه علميا، فليس العقل الفقهي كالعقل العادي، بل هو مشبع بالفقه، ومعرفة مباني الفقهاء، وخبرة متراكمة بالأخبار، متنا وسندا، وهذا مقتضى من يتصدى للإفتاء من الفقهاء. فعندما يقول المجتهد: "هذا رأيي في المسألة"، يقصد رأيه الفقهي القائم على الأدلة. وبشكل عام جميعهم يعملون آراءهم في عملية الاستنباط بنسب متفاوته. بل أن بعض المتأخرين صريح في ذلك عندما يعتبر (الشمُّ أو الحسُ أو الذوق الفقهي / الفقاهتي)، دليلا على الحكم. فليس الحس الفقهي سوى الاجتهاد بمعنى الرأي. وحقيقته ما يظهر للمجتهد من خلال عقله الفقهي والأصولي، لكن لا يستطيع التعبير عنه على هيئة دليل، فيقول هذا رأيي. أي أن تحليل رأيه الاجتهادي ينتهي إلى أدلة شرعية أو عقلية، ضاربة في أعماقه. فرأي أبي حنيفة بالقياس كما ينقل عنه: (وهو إلحاق فرع بأصل فيه نص بحكم معين من الوجوب أو الحرمة، لوجود علة الحكم في الفرع كما هي في الأصل. والإمام أبو حنيفة يُقدم السنة ولو كان حديثاً مرسلاً على القياس، كما يقدم الحديث الضعيف على القياس) (كتاب: أبو حنيفة النعمان، وهبي سليمان غاوجي، ص135-137).والقياس منصوص العلة متفق عليه، لا أحد يخالف في ذلك. كما بالنسبة للخمر إذا كانت علة تحريمه الإسكار، فيقاس عليه جميع أنواع الخمور، قليله وكثيره، لوجود ذات العلة.

وأيضا بالنسبة للاستحسان، فإن يقصد به: (اختيار أقوى الدليلين في حادثة معينة) (المصدر السابق: ص139-140). فهو يستند إلى دليل، لكنه يرجح أحدهما على الآخر بموجب مرجح أو عدة مرجحات، قد نتفق أو نختلف حولها. باستثناء ما إذا أسند الترجيح استحسانا وفق مذاقه الشخصي وليس الفقهي، فلا شك هنا في تداخل البشري بالشرعي. ولم يسجل التاريخ أن فقيها تصدى للإفتاء بموجب رأيه الشخصي الخالص، بحيث يقول هذا رأي بعيد عن الفقه وأدلته. وما عبارة (رأيي) سوى ترجيح لأحد طرفي القضية بموجب دليل معتبر عنده. وهذا هو المنهج الصحيح، الذي يعتمده الفقهاء قاطبة، خاصة المدرسة الأصولية التي تتبرأ من الاجتهاد بمعنى الرأي، فإن الفقيه الأصولي يعمل رأيه كثيرا.

لست بصدد الدفاع عن القياس والاستحسان، ولست مع التمادي في الإفتاء أساسا، لكن دفعتني الموضوعية لمعرفة حقائق الأمور، فهذه المسألة لا تندثر، وتتجدد في كل وقت وزمان رغم تبعاتها الأيديولوجية، وستستمر ما لم ننقب ونبحث ونكتشف حقائق الأمور من خلال منهج تحليلي، مقارن.

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (9)

This comment was minimized by the moderator on the site

في الواقع لا توجد عندي خبرة بهذه الأمور، لكن معركة تجديد العقل العربي لها جانب روحي و اخر مادي،
و يجب ان اعترف ان تطوير الفهم الروح لمسالة العقل، هو الذي يمهد للتخلص من الجمود و التخلف،انها تجهز الانسان لتقبل منطق التطور، و الاستعداد للشيء ياتي قبل تحقيقه،
و اسمح لي هنا بمثال من هيغل عن البوذية،
فهو يعتقد ان عدم قدرة الصورة على استيعاب الروح، و تغليب العاطفة البشرية على ضرورات الواقع، أدت بالضرورة لان يكون لتماثل بوذا كل تلك الايدي،
انها الاطراف التي لا نراها و تعبر عن استعداد الروح لتجاوز اغلال الطبيعة و محدودية او ضعف الجسم البشري،
و عليه ان يكون فهمنا للدين مضافا له الاجتهاد و للاستحسان يمنحه مهارات اضافية لمواجهة التحديات و المخاطر،
و لدي في الذهن امثلة كثيرة من بين روايات تاريخ الاسلام، لكنها امثلة فنية و يمكنني الكلام عنها لاحقا، و يكفي الان ان ادعو لمقارنة ما كتبه كاتب مسيحي مثل جرجي زيدان عن تاريخ المسلمين، و ما كتبه كاتب مسلم مثل سيد قطب عن نفس الموضوع،
هل يمكن مقارنة السعة عند زيدان بالتكرار و المحاكاة التي التزم بها قطب؟..
و شكرا..

This comment was minimized by the moderator on the site

هم متفقون على ضرورة الاجتهاد ما عدا السلفيين والاخباريين، الذين يتمسكون بظواهر النصوص، والسيرة، سواء سيرة النبي أو باضافة الصحابة او الائمة. لكن الخلاف حول قيمة الأدلة التي يستدل بها المجتهد خلال عملية استنباط الحكم الشرعي. تحياتي للدكتور صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل ماجد الغرباوي المحترم
اعتزاز و تقدير و شكر
اعرف ان الموضوع محصور في الشريعة...تمنيت و بالذات في جانب الاجتهاد ان يتحرر من هذا الطوق...فالاجتهاد عام و الشريعة مهما هي او كانت او "رغبت" أو اريد لها ان تكون عامه...فالواقع جعلها محصورة في عدد او مساحة /مكان.
اعتقد و اعترف بعدم تمكني من الصغة المناسبة لكن اقول: ان الاجتهاد هو انزال النص الى/على واقع...فلا يوجد نص مهما اريد له ان يكون ملائم لكل الواقع الذي نعيشه اليوم
الاجتهاد في الشريعة اليوم اصبح:ايجاد الحيلة الشرعية
...................
دمتم ايها الكريم و الاساتذة الكرام بتمام العافية

This comment was minimized by the moderator on the site

هذا هو الاختلاف بين المجتهدين التقليديين، والمجددين. المجتهد المجدد يريد أخذ الواقع بنظر الاعتبار في عملية استنباط الحكم الشرعي، وتحري مقاصد الشريعة، واعادة النظر في اطلاقات الاحكام على غير ذلك. فما تفضلت به يشعر به كل شخص غيور على الدين، وقد تحرر من سلطة التراث. تحياتي لحضور الاخ الاستاذ عبد الرضا حمد جاسم

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة...تسلسل تاريخي مهم وجهد كبير يبذل عبر تحليل وقراءة موضوعية لمسألة الاجتهاد..
اضافة الى ماتقدم نعتقد ان تراكم التراث مع التغير الانساني والحضاري والعلمي واعتباره موروث قابل للتجدد والبقاء امر في غاية الصعوبة..فالامم الملتزمة بالتراث الديني ظاهريا لايمكنها ان توقف عجلة التقدم او التراجع الثقافي والاجتماعي تبعا للبيئة والظروف المحيطة به..ففي بلادنا بعد معاناة طويلة وازمات متلاحقة من الحروب والظلم والاستبداد والفقر والفساد عادت لمايسمى عرفا التدين بقوة فأصبحت اغلب المذاهب السنية سلفية متشددة والشيعة سيطرت على ممارساتهم وشعائرهم وطقوسهم المدارس التكفيرية المغالية كثيرا بال بيت الرسول محمد ص هؤلاء استغلوا عقيدة الامامة والاجتهاد لاظهار سنة جديدة هي سنة ال البيت ع وهذا خلاف الاسلام الحقيقي الاصيل المتمثل بالكتاب وسنة الرسول محمد ص اي لاتوجد هناك سنة بعد وفاة النبي بينما نجد ان جميع الفرق الاسلامي لاسيما السنية السلفية والشيعية الطقوسية تعمل وتأخذ بسنة السلف او الائمة...هؤلاء لايعتمدون على اي حجج قرانية او عقلية بل لديهم كل ماجاء في السيرة هو تشريع حسن ولابد ان يعمل به من هنا نعتقد ان عصر الامامة زالاجتهاد والسلف الصالخ يجب ان ينتهي عبر اعتماد مؤسسات فقهية رسمية لكنها غير خاضعة لسيطرة الدولة تأخذ على عاتقها توفير الاجابات الشرعية عن الاسئلة التي قد يحتاج لمعرفتها بعض المسلمين الاميين...نعتقد ايضا ان الاجتهاد يجب ان يكون محدودا في القضايا الفقهية الملتبسة كالمشاكل الاجتماعية الاصلاحية او التوافقية كالزواج والطلاق والميراث او الجهادية كالحروب الدفاعية اي يبتعد عن شمولية الافتاء...كذلك نحن نذهب الى مايقوله الدكتور الشحور بأن مراجع الدين او الفقهاء المجتهدين عليهم عدم الاجتهاد واصدار احكام التحريم خارج مجموعة المحرمات المذكورة في القران الكريم....شكرا لكم

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لاضاءتك الاخ الاستاذ مهدي الصافي. هم يعتقدون ما من واقعة الا ولله فيها حكم، فكيف يكفون عن الافتاء، ستقرا في الحلقة القادمة تفصيلات اكثر حول الموضوع. تمنياتي لك بمواصلة طريق الاصلاح والتجديد مع احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الغرباوي الكريم
ورد في تعليقي السابق التالي:" ان الاجتهاد هو انزال النص الى/على واقع" انتهى
ما اعتقده ان الاصح اضافة كلمة "محاولة" ليصبح :" ان الاجتهاد هو محاولة انزال النص الى/على واقع" انتهى
....................
اكرر الشكر

This comment was minimized by the moderator on the site

هذه بعض ملاحظات عابرة وعامة لقارئ عام غير متخصص يتطفل على موائد المتخصصين، نرجوا أن يتقبلها الباحث الاسلامي المُمَيّز الاستاذ الفاضل الغرباوي.
وأجملها بالنقاط التالية:
1- الفقه مظهر من مظاهر استعمال العقل في الفكر الاسلامي :

يمثل الفقه وبضمنه الاجتهاد احد مظاهر استخدام العقل في الفكر الاسلامي ، وهذه مسألة تستحق التأمل والانتباه لها. فالفقه باعتباره علما اسلاميا محضا يتوفر على استعمال كبير للعقل في مناهجه. وجاء ادراك المسلمون لضرورة الاجتهاد ، الذي يمثل النظر والتأمل العميقيّن بالنص وبالاحاديث، من أن القرآن لا يحتوي على الشريعة كاملة. لماذا؟ هذا برسم الباحثين المعنيين بالتجديد الاجابة عنده.

والاجتهاد من وجهة نظر معرفية هو أمر خاص بالاسلام وحده لأنه يمثل حالة قانونية (تشريعية)غير شائعة في أي من النظم القانونية القائمة بسبب قابليته في تمكين التوافق (بمعنى الاستجابة) بين الشريعة والواقع الاجتماعي. والمدارس الفقهية التي جمدت الاجتهاد خلال فترات زمنية معينة ومعروفة للجميع ارتكبت خطأيّن: تجميد العقل واخراجه من دائرة الفكر الاسلامي نهائيا ، و ثانيا، الدخول في غيبوبة مستدامة لانكارها وجود الواقع ( فالتغير هو لب طبيعة الحياة).؛ أما اولئك الذين استمروا بالاجتهاد ، فيمثلون علامة فارقة في الفكر الاسلامي بسبب وعيهم المتقدم جدا بالصلة المتجددة بين الواقع والتشريع (بمعنى سن القوانين لتلبي حاجات المجتمع المتغيرة باستمرار ).

والآن في القرن الواحد والعشرين، أظن زاعما دخول الاجتهاد مرحلة انغلاق جديدة ومستدامه عند كل المدارس الفقهية على حد سواء.

2- القياس وأثر الفلسفة الاغريقية
بالنسبة للقياس، والذي يمثل أثر الفلسفة الاغريقية في الدين الاسلامي ، فهو استعمال القياس الأرسطي بصوره المختلفة ، وهو مظهر آخر من مظاهر استعمال العقل في الفقه. ومدرسة الرأي الحنيفية (نسبة لأي حنيفة) هي الاكثر استخداما للمنطق الأرسطي.
واضافة للاستحسان، هناك الاستصلاح استخدمته المدرسة المالكية في الاندلس، وهو لايختلف كثيرا عن الاستحسان.

3-عن مفهوم الاجتهاد بالرأي: نكتة لطيفة
هناك نكتة جدير بالانتباه أثارها الفاضل الغرباوي وهي اضاءة مهمة، خاصة وأنَّ الخطاب كما أظن موجه لغير المتخصصين ؛ وتتعلق هذه الاضاءة ب ‘‘وحقيقته (أي الاجتهاد) ما يظهر للمجتهد من خلال عقله الفقهي والأصولي، لكن لا يستطيع التعبير عنه على هيئة دليل، فيقول هذا رأيي ‘‘. والشئ بالشيء يذكر، مادمنا في الحديث عن الاجتهاد ، وأكرر بما أنه موجه لغير المتخصصين، أرى أن هناك غموض طفيف في بداية الجملة الاولى تحت العنوان الفرعي : الاجتهاد بمعنى الرأي. يقول المؤلف ‘‘ لكن الموقف من القياس بمعنى الرأي أجده صارما، يخفي خلفه موقفا أيديولوجيا أكثر منه علميا، ‘‘ أحبذ اضافة مفردة المُعارض ليذهب الاشكال الذي ربما يحصل عند غير المتخصصين ممن لا بضاعة عندهم مُجزاة في أمور الفكر من امثالي. ولماذا لم يتوسع الباحث في تبيان ما هو الموقف الايدولوجي الذي يقف وراء رفض القياس وعدم الأخذ به؟
واخيرا، بقي لي ملاحظتيّن سريعيتيّن، ألاوهما البعد التاريخي لمسألة الاجتهاد يتوجب تناوله من زاوية تركز على جوانب مخفية غير معروفة.؛ وثانيهما فوضى الاجتهاد : وهذه ظاهرة بحاجة لمعالجة جدية تبحث في اسباب نشؤوها، ونتائجها المُدمرة.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ الباحث الجدير زيد العامري الرفاعي، شكرا لمداخلتك القيمة، وتفاعلك مع الحوار، وهو تفاعل علمي جاد، من خلال ملاحظاته وأسئلته. وها شيء مفرح، فالغاية من الحوار بلورة أفكار ورؤى جديدة.
1- ما تفضلت به كلام دقيق، فاستنباط الاحكام الشرعية ممارسة عقلية، خاصة في بعدها الأصولي. وأما بالنسبة للشريعة فلا ريب أنها كامل في حدودها القرآنية، غير أن مقولة ما من واقعة إلا ولله فيها حكم دفعتهم للبحث عن أدلة جديدة. ونبهت لهذه النقطة وسيأتي المزيد.
2- مدرسة الرأي تعتبر رأي الفقيه دليلا على الحكم الشرعي، مما أثار حفيظة الجميع، وكانت المواقف صارمة، خاصة أن بعضها مرتبط بالسلطة. لذا كان هدفي تحري الحقيقة بشكل أولي، للتأكد ما يشاع حول استخدام الرأي. علما أن الجميع لهم آراءهم الفقيهة التي هي من وحي فقاهتهم وذوقهم الفقهي. فمثلا لو صدر الرأي عن أحد أئمة الشيعة هل سيؤاخذ عليه كما يؤاخذ أبو حنيفة؟
3- نحن في حوار فتقصي البعد التاريخي للاجتهاد لا ضرورة له هنا، وربما سأتناوله من خلال الكتاب المختص بهذا الموضوع، الذي أنوي العمل عليه مستقبلا باذنه تعالى. واما عن تداعيات الاجتهاد وفوضى الافتاء فقد تحدث عنه في الحلقة القادمة. اتمنى الاطلاع عليها. وشكرا لك ثانية فقد استفدنا من مداخلتك القيمة

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4422 المصادف: 2018-10-14 04:14:15