المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (95): التشريع الإلهي

majed algharbawi5مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق3-س87) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

التشريعات الإلهية   

ماجد الغرباوي: ثمة سؤال جدير عن شرعية الأحكام بشكل عام، وأحكام الشريعة بشكل خاص تترتب عليه نتائج تتعلق بمستقبل الحكم، وفق الواقع وضروراته. فهل يكتسب الحكم شرعيته من انتسابه لمصدره، كما تذهب لذلك المدونات الفقهية، أم يستمدها من ملاكاته، كما يرى فقه الشريعة؟. وقد يبدو الاختلاف لفظيا. فانتساب الحكم لمصدره انتساب للمطلق، العالم بالملاكات الواقعية للأحكام. وليس الأمر كذلك، فالحكم بالنسبة للأول، ناظر للواقع لكنه لا يرتهن له، ويستقل بأولويته، وإطلاقه وشموليته، منذ لحظة صدوره، التي هي لحظة تعاليه وقدسيته، ويُنظر له من خلال فهم أيديولوجي ينتمي لنظرية العبودية. فيجرّد الحكم من خصوصياته التاريخية وأسباب نزوله. (المورد لا يخصص الوارد) قاعدة، يلتزمون بها، تحرر الحكم من قيود تشريعه الزمانية والمكانية، ليغدو مطلقا، شاملا. فليست ثمة فلسفة وراء الأحكام سوى حق طاعة المولى، بعيدا عن فقه ملاكاته وفلسفة تشريعه. وهي رؤية تنتمي لنظرية العبودية، التي تكرّس الطاعة المطلقة وفقا لقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وتستبعد كل ما يعضّد دور الخلافة الإنسانية.

غير أن فقه الشريعة، الذي نؤسس له في هذه الأبحاث، يؤكد على ملاكات الأحكام ومرتكزات مبادئه مصدرا لشرعيته. فتتوقف فعليتها على فعلية موضوعاتها، ويتاح للعقل تحري الواقع وضروراته، وفق فلسفته وتاريخيته، والأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان ودوره في الحياة، وفقا لنظرية الخلافة التي ينتمي لها فقه الشريعة، والتي تقدّم رؤية مختلفة لهدف التشريع، تنسجم مع مهمته الإنسانية، بعيدا عن منطق العبودية وتكريس الاختبار والفتنة كهدف أساس وراء التشريع. فالحكم بالنسبة لفقه الشريعة ليس منقطعا عن تاريخه، فيقتضى النظر إليه ضمن هذا السياق، فثمة تشريعات سابقة (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ، مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ)، بل أن الشرائع أحكام بشرية قبل نزول الأنبياء، جاءت كضوابط أخلاقية قانونية لتنظيم مختلف العلاقات. فأعادت الشريعة الإسلامية الأحكام إلى نصاباتها وفقا لمنطق العدل والسعة والرحمة، وعدم الظلم والجور، بما يحقق ملاكات الجعل الشرعي، ثم قامت بتعميمها. فهي أحكام حاسمة يتوقف عليها توازن المجتمع، حقوقيا، وروحيا وسلوكيا. وتنطوي على مرجعيات معيارية، في تحيّزها ومبادرتها. فهناك واقع سبق التشريع، فرض منظومته الأخلاقية. واقع قد يكون عادلا وقد يكون ظالما، ينتصر لقيم العبودية، وتفرض على الإنسان العبد واجبات باهظة، بعد شطب إنسانيته، وارتهانها لصالح سيده. أحكام منبثقة عن قيم مجتمع طبقي بغيض، يضحّي بالعبد / الإنسان دائما. فتشريع أحكام المرأة أو الإرث أو الطلاق مثلا، لا ينفي ولا يلغي التشريعات السابقة، لذا أمضت الشريعة أحكام التجارة والبيع، واكتفى الخطاب الديني ببعض المبادئ، كحرمة بيع الربا (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، وأن تكون تجارة عن تراضٍ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ). فالشريعة الإسلامية قوّمت الشرائع السابقة والسائدة آنذاك وفقا لمبدأ العدل، والرحمة. وأضافت ما يواكب الواقع الموضوعي، ويستجيب لضروراته. بهذا تتضح قيمة ما يطرح من إشكالات حول الجذور التوراتية أو القبلية للتشريعات الإسلامية.

وعندما يرتكز الحكم في شرعيته إلى ملاكاته ومرتكزات مبادئه، لا يعني الفوضى، وقد تقدّم في منهج التأصيل العقلي أن مرتكزات مبادئ الأحكام ناظرة إلى مقاصد الجعل الشرعي: (تحقيق التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، المتوخاة من أحكام الشريعة). وكل واحدة من تلك المرتكزات تنفي ضدها، فلا شرعية لأحكام تقوم على الظلم والجور والعدوان، واستعباد وشقاء الانسان. أو مصادرة حريته وحقوقه جزافا. فإرادة التشريع وفقا لهذا المنهج تتأثر بالواقع وضروراته.

ولا يخفى اختلاف المنهجين، فإن التعبّد الصرف يقتضى الإطلاقين الأحوالي والأزماني للحكم، ما لم تنكشف علة تشريعه صراحة. ويكون الفارق بين أحكام الشريعة وغيرها بالنسبة للأول، هو ذات الفارق بين الإلهي والبشري، السماوي والأرضي، المقدّس والمدنس، الديني والوضعي. المطلق والمحدود. بينما شرعية الحكم بالنسبة للثاني منوطة بملاكاته، التي تحقق مقاصد الجعل الشرعي، مما يتيح تحري فعليتها من خلال فعلية موضوعاتها، فقد تسقط بعض التكاليف الشرعية تبعا لاضمحلال فعلية موضوعاتها أو تغيّر شروطها وقيودها. فالفقيه لا يجمد على حرفية النصوص، ويلاحق دلالتها ومضمراتها، لاكتشاف فلسفة تشريعها، وشروط فعليتها، كل ذلك ضمن فلسفة الدين وفلسفة الخلق والوجد الإنساني. غير أن هذا المنهج يثير أسئلة مهمة حول قدسية النص وصرامته، تتطلب إجابات مقنعة. وقبل الإجابة على الإشكالات الواردة، يتعين تحديد مفهوم الشرعية، وعلاقته بمفهوم المشروعية. ما هي معاييرها، ومرجعياتها في تحديدها، وحسم النزاع حولها؟ وكيف  يكتسب الحكم شرعيته من ملاكاته؟

المشروعية: "كل ما يصدر عن جهة يحق لها التشريع"، فتشمل الأحكام الشرعية والأحكام الوضعية المنبثقة عن إرادة شعبية، أو تستند للأنظمة والقوانين المشرَّعَة لحماية الشعب ومختلف مصالحه.

فقد يراد بها خصوص "الشرعي"، وما يترشّح عن مبادئ وأسس دينية، فيصبح السؤال عن مشروعية الحكم سؤالا عن أدلته الشرعية، حيث يتطابق المعنىى اللغوي والاصطلاحي للكلمة. وأخرى يراد بمشروعية الحكم / القرار، قانونيته ودستوريته، فاستناد الحكم للقانون كفيل بمشروعيته. لا فرق بين الأحكام ألإلهيّة والوضعية، لأن الثانية تتأسس على مواد قانونية، صدرت عن جهات مسؤولة عن تشريع الأنظمة والقوانين.

شرعية الحكم: "ما يحقق شرط مصداقيته".

 لأن الحكم: تشريع يقصد به تحقيق غاياته وأهدافه. فيفقد شرعيته عندما ينشد العدالة وهو يشرع للظلم مثلا. ولا شرعية لحكم ما لم تستجب ملاكاته لما يحقق التوزان الروحي والسلوكي بالنسبة للعبادات، ويحقق العدالة الاجتماعية في غيرها. ولا شرعية لحكم يكرّس الظلم والعدوان مهما كانت قوة مصدره. وبشكل أوضح، نحن لا نشك بمشروعية قانون مهمٍ كقانون الضمان الاجتماعي الذي تستفاد منه شرائح واسعة من الشعب مثلا، ونضع اللوم على الجهات الحكومية عند عدم تطبيقه. بينما نلتزم بقانون يكرّس سلطة المستبد رغم ظلمه. فالإلتزام تحت طائل القوة والعنف لا يجعل منه حكما مشروعا. مشروعية الحكم قضية حساسة ومهمة، تتطلب تثقيفا عاما، ليتبصّر الفرد بحقيقة الأحكام التي ينصاع لتطبيقها طواعية أو خوفا، مهما كانت سلطتها، فقد يكون المرء سببا لمصادرة حقوقه وحريته، شعر بذلك أم لم يشعر.

تقدم، لا يمكن تجاهل مصدر النص / الحكم، حينما تترتب عليه حقوق وواجبات، بل النص في هذه الحالة يستمد سلطته من مصدره، إضافة إلى طريقة بنائه وتركيبه وأدائه ودلالاته اللغوية، وطبيعة أوامره ونواهيه. فيستمد سلطته ومركزيته وتأثيره من مؤلف النص أو مشرّع الحكم، وأسلوب الخطاب في التعبير عن مضامينه. فعندما يصدر أمر من السلطات العليا بإمكانك قراءة النص بمعزل عنها، للكشف عن كواليس صدوره، وما يخفيه من تحفظات ومخاوف وتطلعات. لكن لا يمكن تحديد درجة إلزامه بمعزل عن مصدره، فهو يستمدها منه، ومن قدرته على تنفيذ وعوده. وبالتالي فهو مقوّم ذاتي لسلطة النص لا لشرعيته. فشرعية الحكم تغاير سلطته، وهذا مبرر صدور قرارات الردع التي تتضمنها القوانين عادة. والقرآن أيضا يعزز أوامره بعقوبات جزائية رغم تعاليها، ورغم ما تحمله صورة الخالق في وعي المؤمن، إضافة إلى خطابات ترغيبية وترهيبية، تتولى ضمان تطبيقه. فسلطة الحكم الشرعي مجعولة، أما شرعيته فمرتهنة لملاكاته، وقدرتها على تحقق مقاصد الجعل الشرعي، رغم جهلنا بها، فقد ندرك العلل القريبة لها، لكننا نجهل عللها البعيدة، لأننا نؤمن بأن الحكم جزء من منظومة دينية، تتضمن فلسفة الخلق والتشريع، وبيان مهمة الإنسان في الحياة. فنخلص أن شرعية الحكم غير سلطته، واتجاه العبودية يخلط بينهما، فتكون الأحكام مطلقة، لا يؤمن بتوقف فعلية الحكم على فعلية موضوعه، بل أن الأحكام نافذة في إطلاقيها الأزماني والأحوالي.

خصائص التشريعات الإلهيّة

تأسيسا على ما تقدم، تستمد الإحكام الشرعية قوة حضورها من صورة الخالق في وعي المتلقي، بكل عظمته وكبريائه وجبروته، وقد تفقد قيمتها خارج دائرة الإيمان، وربما ترمى التشريعات بالتخلف والتوحّش واللإنسانية. وهو أمر طبيعي لغير المؤمن، وأما بالنسبة له، فإن المشاعر الإيمانية تعمّق سلطة أحكام الشريعة، وتدفع باتجاه طاعتها وعدم التمرد على إرادة الله.  وأما خصائصها، فهي:

1- خصوصية المشرّع:

تتسم الإحكام الإلهية بخصوصية المشرّع، فهو خالق السماوات والأرض، العالم تفصيلا بملاكات الأحكام. الخبير بمصالح العباد، يدرك علاقة الحكم بغيره وبهدف الرسالة والإنسان في الحياة. يعلم خصائص النفس البشرية، وما هي حاجاتها: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). أضافة إلى أن للخالق وفقا للمنطق الإيماني حق التشريع أصالة. فالمؤمن يتلقى الخطابات الدينية ضمن أفق تصوراته عنه وما يترتب على طاعة أوامره. فثمة ثقافة وقبليات تتولى فهم الخطاب الديني، وأحكام الشريعة. فعندما يستجيب المكلف للجهاد في سبيل الله مثلا، ينطلق من المعنى الذي يضفيه الدين على فعل القتال. والمعنى ليس شيئا آخر سوى المخيال الديني، الذي هو نتاج ثقافة وتصورات تراثية، إضافة إلى مستوى الوعي والعوامل النفسية والاجتماعية والسياسية. ويكفي أن خطابات الترغيب في الكتاب الكريم، بلغتها البلاغية، قادرة على تحريك مشاعره، بل وقادرة على إعادة تشكيل وعيه، لتدارك ما يطرأ على إرداته من انهيارات متوقعة بسبب وقع الحرب. وبالتالي فإن إلتزام الفرد بأحكام الشريعة، خاصة العبادية منها، والإلتزام بأحكام وأخلاق المعاملات والعلاقات دون رقيب ما عدا ضميره، يعكس صورة الخالق في وعيه. فالحكم الشريع ليس مجرد حكم، بل حكم إلهي، يتصف بقوة سلطته وحضوره وتأثيره. وهذا سرّ الورع الشديد عند بعض المؤمنين، في مواطن الشبهات.

2- خصوصية التشريع:

تتصف التشريعات الإلهية بالتطابق التام بين الواقع وملاكات الأحكام، حين تشريعها، وعلى المدى البعيد، ما لم يحدث طارئ (عالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ). والدليل أنها قد حققت مصداقيتها تاريخيا، ونجحت في سيادة العدالة والانصاف والرحمة، وتقبلها الناس آنذاك باعتبارها أحكاما مثالية، مقارنة مع غيرها من الشرائع. وهذا يعجز عنه المشرّع الوضعي مهما كان حكيما، خاصة استشراف المستقبل، فتجد تعديل القوانين ديدن الدوائر التشريعية، لأنه محكوم بالواقع وما تفرضه ضروراته. رغم ثبوت بعضها، وعدم تاريخيتها، كالقوانين التي ترتكز للمبادئ الإنسانية، وقيم العدالة. والأمر أوضح على صعيد العبادات، كممارسة روحية، ومشاعر تؤثر في النفس البشرية فتحتاج إلى توازن يحفظ استقرارها، فجاءت بهذا القدر، كحد أدنى وتركت الباب مفتوحا، على مستوى الاستحباب والنَفْل، لتُطفئ ظمأ الأرواح الهائمة، وتروي شغف عشقها للغيب والمطلق. وبالتالي، فثمة تطابق تام بين ملاكات الأحكام والواقع. أو وفقا لفقه الشريعة، هناك تطابق تام بين الإرادة التشريعية وملاكات التشريع. فقدسية الأحكام لا فقط لخصوصية المشرّع  بل لخصوصية التشريع، وواقعية ملاكاته أيضا. غير أنها مشروطة بالواقع وضروراته، فالملاك هو الملاك ما لم يطرأ على موضوعه ما يستوجب عدم فعليته. أو ما يستوجب إعادة النظر في إرادته التشريعية وفقا لفقه الشريعة. وحينما يسقط التكليف فبسبب تغيّر الموضوع لا بسبب ذات الحكم التشريعي. وهذا أحد خواص الحكم الشرعي.

3- قدسيتها وتعاليها:

إن وراء العبادات غايات تتعلق بسلوك الفرد والمجتع، استوجبت خطابات ترغيبية وترهيبية عالية التردد، من أجل تحقيق مقاصدها، وأهمها التقوى، أُسُ ضمان توازن الفرد وعدم طغيانه، وأساس توزان المجتمع. من هنا كان الإيمان شرطا في تحقق أهداف الرسالة وأحكامها الشرعية: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). فسلطة وقدسية ومهابة التشريعات الإلهية لا تغادر قلب المؤمن ومشاعره، فتخلق عنده وازعا ذاتيا لتطبيقها. أي أن خطابات الترغيب والترهيب وصورة الإله في وعي المتلقي تعمل على إعادة تشكيل الحكم الشرعي، ليغادر حالته القانونية المجرّدة، ويتلبس مشاعر روحانية ترافق تطبيقه، وتجعله يعيش قلق المصير الأخروي، فهو بين الرجاء والخوف، حينما يشك بطاعته، ويأكله الندم بعد ارتكابه الذنوب والمعاصي: (لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة). بينما التمرّد صفة ملازمة لتطبيق القوانين الوضعية، ويبقى الفرد وضميره وثقافته. فالأحكام الإلهيّة حالة فريدة، ضمن شرطها الإيماني، الذي يتجاوز أفق الدنيا ليربط الفرد بمصيره الأخروي، وهو شرط يتجدد، وينمو بفعل التفاعل بينه وبين تطبيق الأحكام والإلتزامات بشعائرها الدينية.

4- التشريعات الإلهية جزء من منظومة دينية: تُعنى بفلسفة الخلق والدين والحياة، وتمهّد لمجتمع صالح، مجتمع إنساني، تسوده العدالة والرحمة، فلكل حكم من أحكام الشريعة، علّتان، علة قريبة، قد تصرّح بها الآيات، كالتقوى بالنسبة للصوم، وعلّة بعيدة مرتبطة بمنظومة فكرية وعقيدية وتشريعية شاملة، مركزها الإنسان. وهي علّة مجهولة لنا، تختص بالله تعالى. فلا ريب بتحقق التقوى لدى الصائم حينما يلتزم بحقيقة الصيام، غير أن تشريع متعلق الحكم قد أخذ بنظر الاعتبار دور الدين ومهمة الإنسان في الحياة. بشكل ينسجم الحكم مع منظومة الأحكام الكلية، فتكون مبهمة، يتعذر على الفرد إدراكها حتى على مستوى التخمين، مما دفعني لتقصي مرتكزات مبادئ الحكم، خاصة مرتكزات إرادة التشريع، بدلا من تحري عللها البعيدة، في عملية مراجعة موضوعات الأحكام، في حالة الشك بفعليتها، باعتبارها ناظرة لمقاصد جعل الأحكام. وبالتالي تبقى أحكام الشريعة مقدّسة، ومطلقة، خاصة في أحكام العبادات، ما لم تختل مقاصد الجعل الشرعي: تحقيق التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، بشكل تمتد تداعياته إلى ما هو أبعد من التأثير المحدود / الإنسان أو المجتمع. وليس التجارب الشخصية هي المقياس بل  حينما يكون الخلل ظاهرة تنعكس على السلوك العام، وتؤثر في العقل الجمعي، بشكل تنحصر علة الظاهرة بالشريعة وأحكامها. فمثلا لا يمكن نفي فعلية حكم الصوم بسبب ارتفاع درجات الحرارة فقط، بل يجب تحري الموضوع على مستوى التنمية والنظام العام وحركة المجتمع، إقتصاديا وسياسيا. بينما يمكن بسهولة مراجعة القوانين الوضعية من خلال تطبيقاتها في الواقع.

فحينما تقول الآية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ). فالأذى هو علة الحكم بالاعتزال، إلا انها علة قريبة، قد يتبادر من الأذى خصوص الجسدي، حينما تكون المرأة في وضع خاص، تستهجن الممارسات الجنسية، بسبب تبعاتها الجسدية، غير أن الأذى يحيل إلى معانٍ أعمق، ينظر إلى الجانب النفسي للمرأة وانعكاساته على مزاجها، وحضورها العالي، وعلاقتها بزوجها، وتربية أطفالها، ومستقبل علاقاتها الاجتماعية. فهذه النظرة الواسعة سمة الأحكام الشرعية. والأمر أوضح عندما تقول الآية بعد بيان قسمة الميراث (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا). فقد لا تظهر عدالة القسمة، وقد تُرمى بالإجحاف والظلم، خاصة ما يقع على الأنثى في مقابل الذكر، غير أن الآية تؤكد وجود مصالح بعيدة، لا تعلمونها. الله يعلمها وهو العليم الحكيم.

5 – التشريعات الإلهيّة أحكام مصيرية

يرهن الخطاب القرآني مصير الإنسان في الآخرة بمستوى استجابته وإلتزامه بالأوامر والنواهي. فعقوبة معصية الأحكام الشرعية لا تقتصر على العقوبات الدنيوية، بل هناك مؤاخذات أخروية، يتحدد في ضوئها مصير الإنسان، مما يعمّق سلطتها وأهميتها، وهذا مبرر تقوى وورع المؤمن الملتزم. فطاعة الفرد تصدر عن روح مؤمنة، يحدوها أمل الفوز في دار البقاء. روح متعطّشة للقاء الله ونيل مرضاته. فالخطابات القرآنية، وخصوص خطابات الترغيب والترهيب، تعمد على برمجة مخيال المتلقي، حدا يستهين بالدنيا حينما يجد نفسه ملزما بعمل يتطلب التضحية والفداء، ويخشى معصية الله، كمن يعاقر نارا تتوقد أمامه. وبالتالي فهناك تلازم بين الاستجابة وعدم الاستجابة للأوامر الإلهية في الحياة الدنيا، ومصير الفرد في الحياة الأخرى. وهذا بحد ذاته يجعل الأحكام الإلهية خطيرة، فنقتصر على الصريح في الكتاب الكريم.

وأما الإشكالات الواردة ...

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

مع ان التكوين الطبقي ليس في صلب الموضوع لكنه توجد اكثر من اشارة لتدلل على دوره في صياغة التوجهات النهائية للاخلاق،
و هذه لفتة ذكية من الاستاذ الغرباوي،
فالجذور الطبقية للذهن العربي كانت وراء انتاج ثقافة طبقية ايضا،
و احب ان اضيف ان طبقية المجتمعات العربية قبيل الاسلام لا تعني العلاقة بين بنية فوقية و بنية تحتية بالمفهوم الماركسي البسيط، بل هنا بنية معقدة تؤثر فيه البنية التحتية بالفوقية كما وجد هابرماز في معرض كلامه عن اوروبا في القرون الوسطى،
فالاخلاق تعيد انتاج نفسها لتؤثر لاحقا على ادوات و اساليب الانتاج،
و هذا ينسحب ايضا على تفسير العلاقات من جهة و تفسير النص من جهة اخرى،
فقراءة النص يمكن ان تساهم لحد كبير في اعادة تشكيل العلاقات / البنية التحتية للمجتمع، و مع الزمن تتحول الرسالة او المغزى المرجو من الدين لمجموعة من الرموز و الاصطلاحات المنفصلة عن هدفه الاساسي، و هو تطوير و اصلاح المجتمع،
و باعتقادي ان الثورات الاسلامية واحدة من اهم البراهين،
فهي ليست من مصدر طبقي بالفعل و لكنها نتيجة عوامل عرقية بسبب تعددية الشعوب التي اشتركت في نشر الدعوة و حملها،
و باختصار لقد انتجت فقهاءها و مشرعيها لتبرير الانفصال عن الخلافة المركزية و الاستئثار بحصة من الكعكة، و لذلك هي مسؤولة عن تكوين دين داخل الدين مثلما كانت هي دولة داخل الدولة،
و اضيف ان واقع الخليج العربي و نمور اسيا مرهونة بولاءات فوق طبقية، بايديولوجيا اختارتها ادوات الحكم و ارتبطت بعلاقة مصيرية مع الدولار الامريكي،
و قد لعب ذلك دوره في تطويع التفسير و الشرح و التشريعات و الفقه لتكون وسيلة تبرير و تسويغ، و هو ما استفاضت به هذه الحلقات من هذا الحوار،
لقد اختلطت المواقع بين المسلم و الله و الوحي و الرسول و ادى ذلك لتشرذم فكري نبعت منه اديان اسلامية و لاقول مذاهب فقط، و اعتذر سلفا عن هذه المصطلحات فهي لا تستفز احدا و لكنها ترمز،

و شكرا،

This comment was minimized by the moderator on the site

لا يمكن فهم النص منفصلا عن جذوره السياسية والاجتماعية والثقافية، والمجتمع العربي كان قبل البعثة مجتمعا طبقيا (الملأ) يضطهد الضعيف والمقطوع، ويسمح لسادة المجتمع بامتيازات على حساب الانسان. شكرا لما تفضلت به د. صالح الرزوق تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة للاستاذ المفكر الغرباوي المحترم..اضافة الى ماتقدم من توضيح وتعليق وبحث وتفصيل وتحليل حول التشريعات الالهية وكذلك فقه الشريعة وبقية الاعمدة المهمة في تلك المناقشة الموسعة..نود ان نشير الى محور او لنقل عنه الخط والحد التاريخي الفاصل بين المقدس في عهد الانبياء ومابعدهم..هذا الذي اطلقنا عليه في بحث مختصر نشر في موقع صحيفة المثقف الاديان الشعبية واشرنا بأختصار الى ان جميع الاديان السماوية وغيرها تتحول بعد رحيل الانبياء والرسل الى اديان خاضعة لارادة الواقع وظروف المجتمعات والبيئة الشعبية الحاضنة لها وقلنا هذا الامر يعطينا علة ان القران الكريم تم تفسيره شعبيا بعد وفاة الرسول محمد ص ولهذا استمرت ظاهرة الاختلاف والتجديد للتأويل القراني اي ان الله عزوجل ختم الاديان السماوية برسالة النبي محمد ص ثم سمح للمجتمعات الانسانية ان تتأمل وان تجتهد في الاخلاقيات والتشريعات القرانية وفقا للضرورات الانسانية والاجتماعية..اي ان الحد والخط التاريخي الفاصل بين مايقال عن الحديث النبوي حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه كذلك والذي كان ولايزال الحاجز الشرعي الاكبر للمجتمعات الاسلامية التي لم تجد في التراث مايسعفها للعمل على تغيير او تصحيح هذا الحديث فبقيت تتوارث الاحكام الشرعية المذكورة في القران حتى بات العالم يرى تطبيقه عمليا مانود قوله هل هناك وسيلة او اسلوب او طريقة او محاولة عقلية معرفية يمكن من خلالها انتاج فكر ديني منفتح على الحياة العصرية الحديثة يمكن ان ينهض بالمجتمعات الاسلامية وينتشلها من ازمة تطبيق الحدود والتشريعات الاسلامية في عصر الحضارة الالكترونية..مانعتقده صحيحا هو ان الاساس في التشريع هي الاحكام الالهية وكل ماجاء في القران الكريم ولكن الاجتهاد ضرورو عقلية انسانية في جميع التفاصيل المتعلقة بحياة وطبيعة وثقافة المجتمعات المتطورة التي لايمكنها ان ترجع الى الوراء لاستنساخ تجربة تطبيق حدود السيف وقطع الايدي والجلد...هذا الامر مسكوت عنه وخط احمر عن غالبية المؤسسات الدينية والفقهاء ومراجع الدين والمذاهب ولهذا فشلت المجتمعاع الاسلامية في التقدم وبناء منظومة اخلاقية عصرية ناجحة كما حصلت عليها المجتمعات الاوربية التي عبرت هذا الحد التاريخي بين المقدس عهد السيد المسيح والشعبي بعد رحيله..عذرا للاطالة..وشكرا لكم ولجميع اسرة الثقافة والمثقف

This comment was minimized by the moderator on the site

كما تفضلت كل قراءة وتفسير وفهم للنص ما بعد مرحلة النبوة تعد قراءة بشرية، تعكس ثقافة المتلقي، وجميع المؤثرات الاجتماعية والنفسية والسياسية. كما ان الاحكام الشرعية لبت حاجات آنية، ينبغي اعادة النظر بفعليتها من خلال فعلية موضوعاتها دائما. شكرا لمداخلتك اخي العزيز الاستاذ مهدي الصافي

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع و شكراً الى الاستاذ مهدي الصافي لتقديمه هذا السؤال و على تعليقه المتعلق بالتشريع الالهي و شكراُ الى الدكتور صالح الرزوق على تعليقه.
آسف انني لم اشارك في تعليقات الحلقات السابقة لانني كنت في العراق لمساعدة اخي الكبير لاخذه للاطباء و اجراء التحاليل المرضية. الحمد لله حالياً وضعه احسن من السابق.
نرجع الى الموضوع.

التشريع الالهي و مصدره القرآن.
نعم الذي تفضل به الاخ الغرباوي رائع جداً في توضيح مصادر التشريع و فاعليتها في المجتمع. حيث بين الاعمدة الاساسية للتشريع الالهي و هي :
خصوصية المشرع؛ خصوصية التشريع؛ قدسية التشريع و تعاليه؛ التشريعات الالهية كجزء من منظومة دينية؛ و التشريعات كأحكام مصيرية.

ان الذي يتأمل في آيات القرآن يجد ان رسالة السماء تهدف الى تحقيق العدالة بين الناس و خلق مجتمع سوي تسوده كل قيم الفضيلة. و ان رسالة السماء اتبعت اسلوب الترغيب و الترهيب في هذا الامر.
بالاضافة الى هذا ان الله لا يجبر على دخول دينه الجديد بالاكراه " لا اكراه في الدين"؛ " و من شاء فليؤمن و من شاء فليكفر" -- الخ من الايات.

حالياً لو نظرنا الى العالم الاسلامي نجد ان الاسلام غير موجود او ان وجوده بالاسم فقط. و السبب هو انه ازيح من قبل اصحاب المذاهب و اصبحت المذاهب "اديان" جديدة لنا؛ و انا اتفق مع ما ذكره الدكتور الرزوق و الاستاذ الصافي بدلاً من الدين الاسلامي و رسالة السماء التي نزلت على رسول الله محمد (ص).

و انا اعتقد ان المستقبل مظلم بالنسبة الى المسلمين الاّ اذا نزلت القيادات الاسلامية من بروجها العاجية و اعترفت ان الاسلام دين دين واحد موحد لكل البشرية و انه ليس ديناً مذهبياً.

" الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً—" " و كل حزب بما لديه فرحون".----"و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا" ------ الخ.

و ان هذا الاستنتاج جاء من كثرة المدارس المذهبية الطائفية الشيعية و السنية في وقتنا الحاضر ؛ و طبيعة مناهجها الطائفية المدمرة للدين و للمجتمع. و سوف يكون مستقبلنا مظلم على يد الطائفيين من خريجي هذه المدارس التي انتعشت في هذا الوقت الحرج من تاريخنا المليء بالمآسي.

و احب ان اشير الى امور مهمة وردت في القرآن الكريم؛ وردت في سورة آل عمرن آية7:

"--- ايات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تاويله وما يعلم تاويله الا الله والراسخون في العلم----".

و الاية اعلاه تشير الى نقاط مهمة جداً و هي:
1- آيات محكمات – المتعلقة بأصول العبادة- هذه الايات متعلقة في الاذان و الصلاة و الصوم----الخ. علماً اننا شاهدناها بعيوننا و سمعناها بآذاننا من الرسول مباشرة و المفروض انها تنتقل عبر الاجيال جيل بعد جيل كيف كان يؤديها الرسول ؛ فكيف اختلفنا عليها حالياً؟؟؟؟؟؟.

2- آيات متشابهة – و هنا يدخل دور الذين في قلبوبهم "زيغ" او مرض فتنة لتأويلها حسب ما يريدون ( حسب ما تريد اديانهم الجديدة) – و هذا هو الحاصل حالياً.

3- ان الله حدد من ان تأويل الايات المتشابهة بذاته و كذلك بالراسخون بالعلم ؛ و يمكن ملاحظة ان اسم الرسول لم يذكر في هذه الاية. و هذا له دلالات كبيرة و هي ان هذه الايات تكون ثابتة المحتوى و متغيرة التأويل/المعنى عبر الزمن و الاجيال. و من هذا نستطيع ان نستنتج ان فقه السلف الصالح و كذلك السنة النبوية لا يمكن التمسك بها حرفياً ؛ و هذا عكس ما يدعيه فقهائنا. قد تكون هنالك بعض الامور جيدة و صالحة لكل وقت و لكن ان نتمسك بكل شيء فهو امر قاتل.

الرسول لا يعرف ما في الغيب " لو كنت اعرف ما في الغيب لاستكثرت من الخير –" ----الخ. ان دور الرسول هو " مبشراً و نذيراً". لذلك لم يرد اسمه في الاية اعلاه. انه لا يعرف ماذا سيكون حال العالم بعد 1000 او 2000 سنة. علم الغيب يعود الى الله فقط " عنده مفاتيح الغيب".
آسف على الاطالة و شكراً مرة اخرى الى الاخ المبدع الدكتور الغرباوي على هذه الحلقات التي اوقدت عقولنا و جعلتنا نفكر و نتمعن في امور ديننا و خاصة و نحن نعيش في هذا الزمن الرديء من تاريخنا المليء بالجهل و الامية و المكائد المحيطة بنا من كل صوب نتجه اليه.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الدكتور ثائر عبد الكريم، الحمد لله على سلامتك، دعائي لأخيك بالشفاء العاجل, وشكرا لمتابعتك، وقراءتك حلقات الحوار، كما اشكر تفاعلك معها من خلال تعليقاتك القيمة

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4443 المصادف: 2018-11-04 04:19:59