المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (96): الإلهي والبشري

majed algharbawi6مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة السادس والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق4-س87) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي.

 

الإلهي والبشري     

ماجد الغرباوي: اتضح أن الخصائص المتقدّمة هي أساس تعالي الأحكام الإلهية، وسبب قداستها حتى مع انكشاف ملاكاتها، لأنها، كما تقدّم، منتزعة من صورة الخالق، في ضوء خطابات الترغيب والترهيب، وصفات العظمة والجبروت. فثمة خلفية تمهّد لتماهٍ مطلق بين الغيب والشهادة، لحظة امتثال التكليف، يستمد وجوده من ايمان الفرد وقوة تجربته الروحية، التي هي مشاعر نفسية تتوهج لحظة انفتاحه على السماء بكل انقياد وتسليم. لحظة لا معنى للعقل والبرهان والاستدلال فيها، حينما يتولى القلب رعايتها وتوظيفها، لحظة عصية على الفهم، متمرّدة، موغلة في اللامعقول، ترتعد فيها مفاصل الملتقي بين يدي الله وهيمنة روح الغيب على مشاعره. وهذه هي ميزة الدين وقدرته على ربط الإنسان بالغيب وما وراء الطبيعة، حداً تنعدم فيه الفواصل بينه وبين الشهادة في لحظة الامتثال. فيغدو الفعل غيبا يتجلى عبر مشاعره، ويتلبس حالة روحية لا يعرف كنهها وحقيقتها، سوى قلق يتأرجح بين الخوف والرجاء. الخوف من غضب الله وسخطه، وأمل بطوف حول مرضاته. فالقلق صفة ملازمة لمشاعر المؤمن، حداً يجعل منه مستعدا لامتثال أي تكليف مهما كان ثمنه باهظا، ويمتثل كل تشريع محتمل، ويستجيب لكل عمل خير برجاء أن يكون مطلوبا، وعلى هذا الوتر لعب الفقهاء، حينما أسسوا ما يعرف عندهم بقاعدة: (التسامح في أدلة السنن). أو ما اسميه قاعدة "وهم الحسنات". فتراه يهجر أعمال الخير التي أكدها الكتاب الكريم في أكثر من خمسين آية، ويعكف على امتثال مضامين روايات، تنأى به عن حقيقة الدين، وتقتل عنده روح الشعور بالمسؤولية، ليعيش أوهام الحقيقة، واكتساب الحسنات المجانية.

وتعني قادة التسامح في أدلة السنن، إلغاء قيمة السند مهما كان ضعيفا، وامتثال مضمون الروايات مهما كانت خرافية ولا معقولة، فكانت السنن دائما على حساب وعي الفرد واهتمامه بمستقبله. لأن الحياة وسعادتها وفقا للمنطق الديني هي حياة مرتهنة لرصيده من الحسنات، لا تقتصر على العمل الصالح، بل تشمل ممارسات وطقوس تنأى عن روح الدين وقيمه ومبادئه. وأمامك كتب الفريقين لتقرأ، كيف تهطل الحسنات، لمجرد قراءة دعاء بسيط، بينما لا تحصل من عملك الصالح سوى عشرة حسنات؟ فما قيمة عشرة حسنات أمام قراءة آية ودعاء، حيث يعطيك الله الف الف حورية، وتبدأ الرواية بسرد خرافي لما تجنيه، لذا فالدنيا لهو ولعب وتفاخر، وما الحياة الحقيقية سوى الأخرة، وطريقها معروف عندهم. فالمؤمن للأسف يعيش حالة استلاب خلال تجربته الدينية، وهذا مكمن الخطر حينما يلتبس البشري بالإلهي، والمقدّس بغيره، وحينما يتعامل المكلف مع فتاوى الفقهاء باعتبارها أحكاما شرعية منصوصا عليها، يطمح لرضا الله من خلالها، فيحرص على الإلتزام بها وتعهدها وامتثالها، وحقيقتها اجتهادات فقهية، ورأي بشري، يراد تمرير شرعيته من خلال نسبته للشريعة الإسلامية. ويتضاعف الخطر في خطابات تزوير الوعي الديني، التي تهدف إلى تكريس مصالح طائفية وسياسية. فثمة فلسفة عميقة وراء تحديدها قرآنيا، والنص على إكتمال الدين، عقيدة وتشريعا، لتفادي أي تداخل بشري بالإلهي، يتسبب بانتكاسة أخلاقية.

نعود للإشكالات المسجّلة على فقه الشريعة وتفرّد رؤيته للحكم وفلسفته، عما هو متداول في منهج استنباط الأحكام الشرعية. وهي إشكالات تفرضها قدسية الأحكام الإلهية، ومخالفتها للمشهور، وموقف المؤمنين بها، منها:

الإشكال الأول: ثمة مساحة متاحة يمكن إملاؤها وفقا لمقتضيات الحكمة، حينما ترتهن شرعية الأحكام إلى ملاكاتها، فتسقط قدسية الحكم الإلهي، التي تعني تعاليه على النقد والمراجعة ومقارنته بالمحايث والبشري. فهو يستمد من مصدره ما يرتفع به خارج حدود التفكير، ذلك الغموض الذي يبعث الرهبة، والسر العصي الذي يعطي بعدا أسطوريا للتجربة الروحية. فربط شرعية الحكم بملاكاته تسمح بنقدها حين انكشافها، ومقارنتها بالواقع وضروراته، فتسقط قدسيتها، وتسلبها مهابتها وهالتها. فكيف تربط شرعية الحكم بملاكاته، وبذات الوقت يحافظ الحكم الإلهي على قدسيته؟

الجواب الأول: إن ربط شرعية الحكم بملاكاته لا يلغي مصدره، ولا يستهين بقدسيته، بل يعني هناك ملاكات (مصالح أو مفاسد) اقتضت تشريعه، فيأتي الخطاب، أمرا أو نهيا، بموازاتها. أو بتعبير فقه الشريعة: ثمة ملاكات تتوقف عليها تحقيق مقاصد الجعل والتشريع اقتضت تشريعها. وقد مرَّ تفصيل الكلام عنها وعن مراحل التشريع، وهناك أيات صرّحت بعللها، وأخرى تشي أجواؤها بها، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). فالتقوى المتوخاة من الصوم هي علة تشريعه، كركيزة أساسية لضمان توازن سلوك الفرد والمجتمع. وأيضا (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ). وقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ). وهكذا جميع الأحكام سواء صرّح القرآن بعلة تشريعها أم لا.

فإرادة التشريع تتوقف على وجود ملاكات، يصدر الحكم بموازاتها، أو يصبح ضربا من العبث، ينأى بالفرد عن دور الخلافة الإنسانية، ويكرّس قيَّم العبودية والانقياد، رغم ما يترتب عليها من آثار والتزامات تتنافى مع حكمة وفلسفة الخلق، وتتعارض مع سياقات الآيات التي تؤكد وجود حكمة وغايات أعمق وراء الخلق، والله غني عن العالمين (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). وتؤكد مقاصدية الخلق: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).

العبودية تتعارض مع كون الإنسان خليفة، وقد تحمّل مسؤولية الأمانة: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). والظلم هنا لا بسبب جهله وضعفه، لأن الأمانة مهمته الأساسية عندما اختاره الله خليفة، لكن الظلم يقع عليه حينما لا يعرف قدره ودوره وقيمته الوجودية، فكيف تصدر له تشريعات عبثية أو لمجرد اختباره؟ الإنسان هو مركز العالم. وأحد مهام فقه الشريعة انتشاله من شرنقة الفقه وفخاخ الفتاوى، ليتحمّل مسؤولياته الإنسانية، من خلال عقله وتجربته، مستفيدا من قيم الدين، التي هي قيم إنسانية، اقتضاها وجوده الإنساني.

فالأحكام الشرعية كغيرها، تمرّ، كما تقدّم بيانه، بمرحلتين، مرحلة التصوّر أو مرحلة ثبوتها وتشخيص مبررات تشريعها، وطبيعة ملاكاتها. ثم مرحلة إبراز الحكم بصيغة قانونية (مرحلة الإثبات). (ولكل واحد من الأحكام التكليفية الخمسة مبادئ تتفق مع طبيعته، فمبادئ الوجوب هي الإرادة الشديدة، ومن ورائها المصلحة البالغة درجة عالية تأبى عن الترخيص في المخالفة. ومبادئ الحرمة هي المبغوضية الشديدة، ومن ورائها المفسدة البالغة إلى درجة نفسها. والاستحباب والكراهة يتولدان عن مبادئ من نفس النوع، ولكنها أضعف درجة بنحو يسمح المولى معها بترك المستحب وبارتكاب المكروه). كما هو رأي السيد محمد باقر الصدر في أصوله. أو بتعبير فقه الشريعة: إن درجة إلزامات الأحكام الشرعية تتناسب طرديا مع حجم ملاكاتها.

الإشكال الثاني: إن ارتهان شرعية الحكم لملاكاته، يلغي خصوصية المشرّع، فماذا يعني اختصاص التشريع بالله كما يؤكد فقه الشريعة؟

الجواب الثاني: المقصود بالتًشريع الذي يختص به الله، خصوص أحكام الشريعة. وهي مجموعة أحكام منصوص عليها قرآنياً، اقتضتها ضرورات واقع ما بعد البعثة. وفيها تجاوز لواقع تشريعي سابق، وتنظير لواقع تشريعي جديد، فهي ناظرة لذلك الواقع، وتخصه بالدرجة الأولى، ويبقى إطلاق كل حكم مرتهن لأدلته وقوة ظهوره وفعلية موضوعه. وهذا العدد من الأحكام قد تمت حمايتها بآية كمال الدين عقديا وتشريعيا، وعدم جعل الولاية التشريعية صريحا لأحد غيره، فيختص بها لأصالته ومقتضى كماله. وهذا فهم مختلف للحكم وفلسفة تشريعه، لا يلغي خصوية المشرّع وقدرته على تشخيص الواقع وملاكاته، حيث تتسم أحكامه بالثبات والإطلاق تبعا لفعلية موضوعاته. فثمة انكشاف تام للواقع ضمن شروطه التاريخية، لا يتحقق لغير الخالق. فالمقصود باختصاص الخالق بالتشريع، خصائصه التي مرّ ذكرها، وقدرة الحكم على فرض سلطته، وخلق دافع ذاتي لامتثاله حد التضحية بالأموال والأنفس واتخاذ كل موقف يستدعيه الحكم، وذلك بفعل قبليات المتلقي وثقافته وما يرتسم في مخيلته عن قدسيته وانتمائه، وحجم ما يترتب عليه من جزاء، وتبعات في حالة مخالفته والتمرد عليه. فهو يدفع أموال زكاته بيقين راسخ، ليعزز رصيده بعشرة أمثاله (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا). ويضحي جهادا في سبيل الله في قبال مصير مثالي: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ). وهذا لا يدانيه أي تشريع بشري. فثمة هدف وراءه يرتبط بفلسفة الخلق ودور الإنسان في الحياة، وخصوصية الجزاء الأخروي، يصدر عن عقيدة راسخة ووعي ديني عميق، مفعم بمشاعر المهابة والقدسية، فاختصاص الخالق بالتشريع اختصاصه بتشريعات نوعية. وهذا ما نخشاه، ونصر على اختصاص التشريع بالله في دائرة الشريعة الإسلامية، والفصل بين الإلهي المتعالي، والاجتهاد المحايث. كي لا تلتبس الحقيقة على المكلف، خاصة حينما ينظر إلى فتوى الفقهاء باعتبارها أحكاما إلهية. فأحكام الشريعة أحكام مقدّسة، هي اختصاص الخالق. لا يصح نسبة غيرها لها، يترتب عليها موقف أخلاقي، يطيح بقيم الدين ومصداقيته حينما يكتشف المكلف حقيقتها، فتذهب آماله أدراج الرياح، وربما يصاب بإحباط، يضع حدا لانتمائه الديني. كمن ينتظر أجر عمله، ثم يكتشف خيبته، لأنه امتثل ما لم يؤمر به، وربما لم يمتثل ما لم يؤمر به.

الإشكال الثالث: لماذا لا تكون مطلق سُنة الرسول حجة أيضا؟.

الجواب الثالث: مرّ الكلام أن الولاية التكوينية للخالق تستلزم ولايته التشريعة، إلا ما دل الدليل على وجوب التبليغ، والبيان، والتفصيل، لتقف مسؤولية الأنبياء على تخوم: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). فثمة ما يعلو على التشريع بالنسبة للإرادة الإلهية، وهو حرية الإنسان، أساس فلسفة خلقه. فتأتي التشريعات لتحفظ توازنه الروحي والسلوكي، وتحقق له العدالة الاجتماعية المطلوبة. وهذا يحتاج كشفا تاما مما منح التشريعات الإلهية حصانة ضد الاختراق، أو جعل أية ولاية تشريعة لغيره. ففلسفة الخلق اقتضت منح الإنسان هامشا واسعا من الحرية، حتى تشريع الأنظمة والقوانين في ضوء الواقع وضروراته. واكتفى الدين مبادئ وقيم صالحة كمرجعيات في عملية سنّها وتشريعها، وفقا لمبدأ العدل وعدم الظلم، ومراعاة الرحمة والسعة. الإنسان وفقا لمنطق القرآن رهان الله مع ملائكته على أساس قدراته على تحميل مسؤولية الرسالة، وقوام المسؤولية حريته واعتماده على عقله وقدراته في خلافة الأرض واستخلافها، والواقع يحتاج إلى مواكبة تشريعية، تستمد شرعيتها من مرجعياتها القائمة على العدل وعدم الظلم (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، فيكون الفيصل بين فعلية الحكم الشرعي وعدم فعليته، فعلية موضوعه، فلا فعلية لحكم لا فعلية لموضوعه، وهنا نحتاج لمواكبة تشريعية، خاصة في مجال فقه المعاملات الشامل لجميع مناحي الحياة الشخصية والاجتماعية ما عدا العبادات. والسنة النبوية فهمٌ لتفصيلات الأحكام في ضوء ذلك الواقع وخصوصياته وضروراته، فلا يمكن هدر السياق التاريخي للروايات النبوية. ثم أن الواقع يتطور، ويدعو لمراعاة ضروراته، فثمة سياق تاريخي متجدد، ينبغي موضعة الأحكام فيه. فلا يمكن أن تكون مطلق السنة النبوية حجة، بل حتى ما هو حجة، يمكن إعادة النظر فيه والبحث عن علل تشريعه وفقا لذلك الواقع، كي تكون العلة مناط التشريع، وعندما تختلف العلة يختلف الحكم. ثم لم يجعل الله ولاية تشريعية لأحد بشكل صريح وواضح، وما أدلة حجية مطلق السنة سوى تأويلات واجتهادات، أملتها مختلف المصالح.

الإشكال الرابع: كيف نغطي حاجة المجتمع للتشريعات القانونية إذا اقتصرنا على الأحكام المنصوص عليها قرآنيا، وما له جذر قرآني من السنة النبوية؟

الجواب الرابع: إن هاجس المشرّع / الله إلتباس الإلهي بالبشري بفعل التزوير، وليست مشكلته مع أصل التشريع خارج دائرة الأحكام الشرعية، إذا كان قائما على العدل والرحمة والسعة ومراعاة الواقع وضروراته، وهي مرتكزات إرادة التشريع. لضمان تحقق ملاكات الجعل التشريعي: التوازن الروحي والسلوكي، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

إن المشكلة الأساسية في استغلال الأحكام وتوظيفها خارج سياقات التنزيل ومناسباته، فتكرّس لمختلف المصالح، مما يعيق حركة الإنسان ومهامّه الإنسانية، لذا حذّر الكتاب من الإفتاء بغير علم. وكل تشريع ينسب للشريعة ولم ينص عليه الكتاب الكريم، ولم تكن الرواية النبوية شرحا وبيانا وتفصيلا له، يعتبر مصداقا لخطوات الشيطان (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)، لأن القدر المتيقن هو استثناء العلم (النص القرآني)، وما عداه، مهما كان نوع الدليل لا يعدو كونه ظنا، والظن لا يغني من الحق شيئا. ثم يردف الكتاب الكريم محذرا: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ).

وبالتالي، فيمكن اعتماد مرجعية العدل والسعة والرحمة ومراعاة الواقع وضروراته في سنّ وتشريع القوانين التي يحتاجها المجتمع. وتقدم أن فقه الشريعة يعتبر ملاكات الأحكام أساس شرعيتها، فكل تشريع في صلاح المجتمع وضبط سلوك الناس، منعا للجريمة والظلم والاستبداد، ومراعاة لأمن الناس ومصالحهم العليا، يعد حكما مستوفيا لشروطه، وشرعيته. وقد أمضت الشريعة الإسلامية البيع والشراء، واستثنت الربا وبيع النسيء، ارتكازا لملاكاتها القائمة على التراضي، لذا لا تجد أحكاما قرآنية تخص أحكام البيع والشراء. كما أهملت السياسة، سوى مبادئ تصلح أن تكون أُطرا لمختلف التشريعات. فملاكات التجارة ملاكات متغيّرة فاكتفت الشريعة بالتراضي لتمريرها وإمضائها. وليس التجارة فقط، فالمجتمع العربي رغم حكومة العنف والقوة لكن تضبط حركته مختلف التشريعات، بعضها ديني، وهناك قبَلي وأخلاقي، وعرفي، وتجاري، وتجاور وعلاقات، وحرب وسلام وديات وقضاء، وغير ذلك، فالإسلام لم يلغها جميعها، بل أمضى بعضها، وهذّب الأخرى، وأعاد توازن ثالثة على أساس العدل ومنع الظلم. وأضاف ما رآه ضرورة لحفظ توزان المجتمع واستتباب الأمن والسلام، كالمطالبة بأربعة  شهود شرطا لثبوت الزنا، وإقامة الحد. فلا يمكن للخالق أن يشرع لواقع متحرك تشريعات مطلقة، فربط فعليتها بفعلية موضوعاتها. وقد راعى مهمة الإنسان ودوره، وضرورة الاعتماد على نفسه. وأمامنا القوانين المدنية الحديثة، التي خلقت أجواء آمنة، وحياة اجتماعية مستقرة وفقا لمركزية العدل، وهذا شاهد على كفاءة الإنسان تشريعا. بينما تعصف بأحكام الفقهاء جملة إشكالات لا يمكنهم تجاوزها بفعل القواعد الأصولية التي أسسوها وفرضوها سلطة توجه وعيهم الفقهي.

وبالتالي يمكن اعتبار التشريعات القرآنية نماذج عملية لتشريع الأحكام، شريطة إدراك مرتكزاتها ومقاصد تشريعها. فتكون أحكاما بشرية تمثّل وجهة نظر فقهية. فالخطر يكمن في نسبتها للشريعة، فينقاد لها المكلّف مدفوعا بالطاعة والانقياد على أمل إحراز مرضاة الله. وبهذا الصدد يمكن تأسيس قواعد أصولية تساعد على تشريع أحكام تمثل وجهة نظر فقهية، فيكون القياس والذوق الفقهي أدوات ماضية، لأنك لا تريد تشريع حكم تنسبه للشريعة، فالفقيه أما أن يقصد معرفة حكم الشريعة، وأحكامها محدودة واضحة بينة ما عدا بعض الإلتباسات، التي يمكن الاستعانة بالسنة الشارح لتحري تفسيرها. وإما أنه بصدد أحكام لتنظيم حياة الناس في مساحة الفراغ التشريع بإمكانه الاستفادة من الأحكام الشرعية نماذج لتشريع معادل لها، يمثل وجهة نظر فقهية وقانونية.

الإشكال الخامس: لا شك بصدقية ملاكات أحكام الشريعة، فهي من لدن خبير عليم، فتأتي مطابقة للواقع، ويبقى دورنا التلقي والتسليم والطاعة، فنمتثلها بكل إيمان وإخلاص، لكن كيف يتسنى لنا ضمان ملاكات مطابقة للواقع بالنسبة للأحكام الوضعية؟.

الجواب الخامس: إن طاعة الأحكام الشرعية قائمة على التسليم، على أساس حكمة المشرّع وعلمه وإحاطته، وما ينكشف منها قد لا يكون علّة حقيقية للتشريع، ورغم ذلك نمتثل لها بحرارة الإيمان (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا). وبالتالي أيضا لا يمكننا اختبار ملاكات أحكام الشريعة سوى تكهنات غالبا، إلا ما انكشف انكشافا تاما أو صرّح القرآن بها. غير أن الأحكام الوضعية تكشف عن ملاكات وأسس تشريعها، فيكون الواقع محكا لصدقيتها، فيمكن تعديلها وفقا لمقتضيات المصلحة العامة، أو مقتضيات الدستور واللوائح القانونية.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

يتابع الاستاذ الغرباوي توضيح التحولات التي مرت بها المعاني من خلال القطيعة مع السياق في فهمنا للاسلام و التشريعات الاسلامية.
و برأيي انه في هذه الحلقة يتفضل مشكورا بتوضيح الفرق بين التأسلم و هو ميول سياسية في تفسير النص. و الاسلام و هو جوهر روحي ووجداني و له وظيفتان انه متقبل و حامل.
التقبل يعني استيعاب و هضم المستجدات. و هي غير الدخيل و الشاذ و الغريب. فلا يوجد ثقافة منتهية. و لا يوجد عقل كامل منذ البداية، و الادراك يتوسع مع التطور و هذا يستوجب اجراءات عاجلة لتلبية الحاجات.
و معنى حامل انه رسالة لها وظيفة. و هو يحملها بغاياتها و ليس بأدواتها. و يمكن للأداة ان تتبدل لكن الغاية تبقى على ما هي عليه. فالنداء للصلاة يمكن ان يكون مباشرا و يمكن ان يحل محله جهاز تسجيل. لكن الغاية هي التنبيه لموعد الصلاة و اوانها.
و اعتقد ان هذا ما تحاول هذه الحلقة توضيحه.
الحفاظ على روح المسألة. و شكرا.

This comment was minimized by the moderator on the site

وشكرا لمتابعاتك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق، نعم لايوجد شيء مكتمل بما في ذلك الوعي، لذا تبقى الحقيقة تراوغ، ويحتاج المتلقي الى مزيد من المتابعة والفحص والكشف. دمت مباركا

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الغرباوي المحترم تحية طيبة..هناك مقولةصوفية جميلة ارددها كثيرا وهي صحيحة نسبيا"التلميح اقوى من التصريح"هل نحن في مرحلة التلميح التي تسبق التصريح العلني بموقع الدين والتشريع والعقائد الثابتة والمتغيرة..ام ان الاحداث والوقائع والازمات والفتن الارهابية والصراعات الطائفية المتصاعدة تحتم على المفكرين والباحثين وحتى الفلاسفة ان وجد منهم والطبقة المثقفة ان تنخرط فعليا وبشكل مباشر في عملية تحليل الخطاب الديني او التشريعات الاسلامية كما فعل العديد منهم بما فيهم المفكر محمد الشحرور الذي اتبع اسلوب الفصل والتخصيص والتقسيم والتحديد والتمييز بين ماهو ثابت من التشريعات(وقد حدد اهمها على ما اذكر بقوله هناك فقط اربعة عشر قانون الهي للتحريم ولايجوز لاحد ان يحرم بعدها)...اي هل يمكن اننقول هناك تشريع الهي ثابت وتشريع ارضي متغير عام ترك للناس وللمجتمعات فرصة الاجتهاد والتأويل او حتى التعطيل تبعا لظروف الحياة وطبيعة الحركة التاريخية المتطورة للامم والشعوب المختلفة...ثم نرجع الى مسألة الوظيفة الدينية او التوظيف التشريعي للاحكام الاسلامية ومن يملك الحق في التطبيق والتنفيذ وهل هي مجرد واجبات اخلاقية للوعظ والتذكير والهداية ام هناك ثوابت تحتاج الى اساليب اجبارية للتنفيذ والاتباع والطاعة كما يفعل المتطرفون او المتشددون عموما...واحيرا وعذرا على الاطالة هل هناك فعلا اشياء او احكام شرعية فرضها الله عزوجل على عباده واحبة التنفيذ من قبل الحاكم الشرعي او المجتمع الاسلامي كفرض الحجاب والصوم والالتزام بالتقاليد والاحكام القرانية ام ان الرسالة المحمدية جاءت خاتمة للاديان بمعمى لا احد يستطيع ان يغرض شيىا على الناس بل لهم مطلق الحرية في الحياة وطرق العيش وبناء الدول والمجتمعات ووضع القوانين والانظمة وفنون الادارة والابداع والتخطيط والانجاز والتنفيذ والابتكار والتصنيع الخ...فقط وصلت اوربا الى تلك المستويات الحضارية المتقدمة بلا سفينة الاديان..شكرا لجهودكم الكبيرة جدا في مواصلة سلسلة الاجابات الفكرية العميقة لما طرح ويطرح من تساؤلات فكرية مهمة

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية ومحبة الاستاذ الباحث مهدي الصافي، عقل وقاد، اشكالي بامتياز، اسئلة مهمة تتطلب اجوبة عميقة، مشي على حبل السيرك، لكن سيترتب على اجوبتها اضافة نوعية ولك الشكر في اثارتها. ساقوم باضفاتها الى ما تبقى من اسئلتك القيمة. وساكتب الحقيقة كما اعتقد، فنحن بحاجة لكلام صريح لم يعد ان عجز التلميح وما عاد ينفع بل راح يؤول فيفقد قيمته كما في النصوص الادبية خاصة الشعر
اما عن السبب في بداية التعليق فلا شك ان الاحداث والوقائع والازمات هي الدافع للمنهج الجديد في الكتابة، ويمكن اختزال ما كتبته بالتخلف الحضاري
تحياتي لك مجددا

This comment was minimized by the moderator on the site

اعتقد بان على الانسان المؤمن ان لا ينقاد الى تعاليم الشريعة انقياداً اعمى باعتبار انها صادرة من الحق ، انما عليه ان يبحث عن فحواها ومقاصدها وما يترتب عليها من نتائج اجتماعية واقتصادية وهل هي مطلقة لكل زمان ام انها تدور مع ملاكاتها .. ان فريضة الحج على سبيل المثال رغم اعتبارها من اركان الدين يمكن اخضاعها لهذه القاعدة فقد تم تشريعها لاجل ان(( يشهد الناس منافع لهم)) والمسلمين يومئذ يعدون بالالاف ولم يكن هناك سلطة جائرة مستبدة تستثمر اموال الحجاج في قتل الشعوب وتجويعها وزرع بذور الكراهية في النفوس وغير ذلك من المستجدات والظروف التي تجعل المؤمن يفكر في جدوى هذه الفريضة والنتائج المترتبة على اداءها لا سيما وان اعلان التوبة النصوح يمكن ان يكون في اي مكان وليس شرطا في الحجاز او السعودية حالياً.. وهذا الامر لا يعني الاستهانة بالتشريع الالهي انما هو بث الروح فيه من خلال ربطه بملاكاته ( فلا يمكن للخالق ان يشرع لواقع متحرك تشريعات مطلقة فربط فعليتها بفعلية موضوعاتها ) .. اما فتاوى الفقهاء وهي غالبا ما تكون مسيسة وذات توجهات خاصة بعيدة عن روح الدين وقيم العدل والخير فلا قداسة لها اطلاقاً الا اذا كان الانسان فيها هو الغايـــة ... يريد الله من خليفته ان يكون حراً واعياً لا عبداً منقادا كما تقاد البهائم .. (( وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ...)) التحية والتقدير للاستاذ الغرباوي مع الامنيات الخالصة له بالصحة والعافية ..

This comment was minimized by the moderator on the site

تقول: اعتقد بان على الانسان المؤمن ان لا ينقاد الى تعاليم الشريعة انقياداً اعمى باعتبار انها صادرة من الحق ... يعني نحتاج لعقل وقاد واع مثلك الاخ العزيز الاستاذ طارق الربيعي، مبهر تحليلك لفريضة الحج. اشكر مداخلاتك القيمة لعلنا نضيف شيئا من خلال ما نكتب
خالص احترامي لك مجددا

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الدكتور الفاضل ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع و شكراً الى الاخوة المعلقين الرزوق و الصافي و طارق.

لدي ملاحظات احب ان اوضحها هنا ( و هذا رأي شخصي).

في سورة آل عمران آية 7 ان الله حدد نوعين من الايات و هما آيات محكمات و هي التي تتعلق بالصلاة و الصوم ---الخ. و هذه الايات وضّحها الرسول في التطبيق العملي و كذلك وضحت في السنة النبوية. هذه الايات ثابتة المحتوى و المعنى مع الزمن.

الايات الاخرى الايات المتشابهة و هي التي تكون ثابتة المحتوى و متغيرة المعنى مع الزمن. و لذلك تركها الله مفتوحة في تأويلها – "لا يعرف تأويلها الاّ الله و الراسخون في العلم". و الملاحظ ان اسم الرسول لم يذكر بها. و هذا يدل على امرين اولهما ان هذه الايات متحركة في معناها عبر الاجيال. و الامر الثاني ان السنة النبوية تكون ملائمة لظروف ذلك الوقت الاّ ما يتناسب مع العقل الانساني و مغزى الايات القرآنية.ان دور الرسول "مبشراً و نذيراً " و لا يعلم بعلم الغيب "مفاتيج الغيب عند الله فقط".

امّا فقه السلف الصالح فهو لا يملك القدسية ابداً لانه شيء انساني لا يتعلق مباشرة برسالة السماء. و قد يكون قسم منه جيد و يمكن الاخذ به اذا كان كان يحمل في مضامينه اسعاد الانسان و اكرامه بدلاً من نفخ الكراهية بين ابناء المجتمع.

الاخ الصافي طرح سؤالين مهمين و هما :
" مسألة الوظيفة الدينية او التوظيف التشريعي للاحكام الاسلامية ومن يملك الحق في التطبيق والتنفيذ وهل هي مجرد واجبات اخلاقية للوعظ والتذكير والهداية ام هناك ثوابت تحتاج الى اساليب اجبارية للتنفيذ والاتباع والطاعة كما يفعل المتطرفون او المتشددون عموما "

و " هل هناك فعلا اشياء او احكام شرعية فرضها الله عزوجل على عباده واحبة التنفيذ من قبل الحاكم الشرعي او المجتمع الاسلامي كفرض الحجاب والصوم والالتزام بالتقاليد والاحكام القرانية ام ان الرسالة المحمدية جاءت خاتمة للاديان بمعمى لا احد يستطيع ان يغرض شيىا على الناس بل لهم مطلق الحرية في الحياة وطرق العيش وبناء الدول والمجتمعات ووضع القوانين والانظمة وفنون الادارة والابداع والتخطيط والانجاز والتنفيذ والابتكار والتصنيع الخ

و استأذن الاخ الغرباوي لأجيب على هذين السؤالين ؛ حسب ما اعتقده شخصياً.

لا اعتقد ان الله يجبر احد بالاكراه على الدخول في دينه الجديد و اداء واجباته الدينية؛ و لا اعتقد ان الله كلفّ رجال الدين او غيرهم باللجوء الى القوة و العنف في اجبار الناس على دخول دينه الجديد.
هنالك الكثير من الايات تشير الى هذا؛ مثلاً:

البقرة 256
لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم.

الكهف 29
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا

و الشيء المهم و الذي يمكن ملاحظته من الاية اعلاه انه بالرغم من ان الاية تتكلم عن "الكفر و الايمان" و لكنها تقول "اعتدنا للظالمين" ناراً بدلاً من "الكافرين"---الخ. و هذا يدل على ان "الكفر" اهون من "الظلم" – ظلم الانسان لاخيه الانسان جريمة لا تغتفر.

الحج 17
ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد

الاية اعلاه تتكلم بشكل صريح و واضح عن اصحاب الكتاب و كذلك تتكلم عن المجوس؛ و ان الله يوضح لنا انه هو الذي يفصل بينهم يوم القيامة و ليس لنا دخل في هذا الامر ابداً.

آسف على الاطالة و شكراً مرة اخرى للاخ للمبدع الغرباوي على هذه الحلقات التنويرية الرائعة.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

سلمت يداك وشكرا لمشاركاتك الاخ الاستاذ د. ثائر عبد الكريم، متابعاتك القرانية قيمة

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4450 المصادف: 2018-11-11 02:16:51