المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (98): الفقيه وجذور الاستبداد

majed algharbawi8مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والتسعون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق6- س87) من أسئلة الأستاذ الباحث مهدي الصافي

 

جذور الاستبداد

ماجد الغرباوي: الفتوى تجلٍ لوعي الفقيه وانحيازه اللاشعوري لقبلياته ومصالحه. فمن الخطأ وصفها بالموضوعية والتجرّد التام. بل ولا علاقة لها بالتقوى ومراعاة القواعد العلمية والمنطقية دائما، لأن المعرفة البشرية تخضع لنظام اللغة وآلية اشتغالها داخل فضائه المعرفي، وفهم النص يتأثر بثقافته ومستوى وعيه ويقينياته. لذا يتعين تحري بدايات وعيه ونقد مقولاته التي ترسّبت لا شعوريا ضمن أنساق مضمرة، يصعب اكتشافها وتقويضها إلا بالنقد والتفكيك. وقبليات الفرد ثقافته وما تشتمل عليه من معارف وعادات وتقاليد وعقائد وأعراف وتصورات وأوهام، وما يختزنه العقل الجمعي، والوعي المجتمعي، وكيفية فهم الذات وهويتها، والآخر وحقيقته. وكل واحدة منها تنتمي لنسق معرفي وثقافي قائم على مقولات أساسية ونصوص تأسيسية. وهذا ما نطمح له كمقدمة لمعرفة الأنساق المعرفية للفقيه الموجهة لآرائه الفقهية، وقبل ذلك وعيه للقيم الدينية، ومنظومة العقيدة الإسلامية. من هنا سنركّز على ثقافه وبيئته، لرصد قيمها، ومصدر سلطتها، وتداعياتها على وعي الذات والآخر، وما يترتب عليه من حقوق وواجبات والتزامات.

ثنائية: السيد / العبد

يقوم النظام العبودي على ثنائية: السيد / العبد، بشكل يتوقف وجود أحدهما على وجود الآخر، وينتفي بانتفائه. فيصدق عليهما ما يشبه منطقيا تقابل المتضايفيين، كالأب والإبن. الفوق والتحت. والمتضايفان إصطلاحا: أمران وجوديان، تصور أحدهما يستتبع تصور الآخر. لا يجتمعان من جهة واحدة في وقت واحد، فهو إما سيد أو عبد. وإنما أقول ما يشبه المتضايفين لأن وجود الفرد يضمحل داخل وجود أوسع يمثل ثنائية السيد / العبد، فلا يكون طرفا حقيقا في معادلة المتضايفين. والمقصود هنا مرحلة التصور ووعي الذات، بدءا بمرحلة التلقي القهري التي رست أنساقها لا شعوريا، وترسّخت عميقا داخل البنية المعرفية للفرد والعقل الجمعي. فنحن أمام نظام معرفي، ومنظومة قيم تتحكم بوعيه، سواء كان سيدا أم عبدا. يساعد إدراكها على تفكيك العقل الفقهي لاحقاً، وفهم طريقة اشتغاله، وهذا يستدعي مقاربة الأطر النظرية السائدة آنذاك، وسياقات تطورها. فالتركيز على بدايات الوعي وروافده المعرفية، تقتضيها خطورة دورها في تكوين العقل. وما بعدها مرهون بالوعي وقدرته على محاكمة قبلياته. فهناك مرحلتان: التلقي القهري، والموقف النقدي. تهمنا أولاهما التي تعمل لا شعوريا، وتحرك الفرد ضمن سياقاتها. وأما المرحلة التالية، فهي مرحلة نقد وتقييم تلك المقولات ومن ثم الحكم عليها. فقد تعززها إخفاقات الوعي. أو يفيق ويتدارك ما ترسّب في لا شعوره. فمرحلتا التلقي والحكم، يقابلهما مرحلتا اللاشعور والشعور المعرفي. فنسعى من خلال تفكيك العقل الفقهي، في ضوء مقولات النظام العبودي، للكشف عن تداعياتها، ومدى تأثر العقل الفقهي بها، وذلك أن الفقيه في الوعي الشعبي، واسطة بين الفرد وخالقه من خلال ما يستنبطه من أحكام شرعية، فيتحكم بوعيهم من خلال وعيه، وهذا مكمن الخطر الذي يضغط باتجاه تفكيك العقل الفقهي لتحري حقيقته الدينية والاجتماعية، ومساحات العقل والميتافيزيقيا. فوعي العلاقة بين السيد والعبد ضمن الأطر المعرفية للنظام العبودي، ينعكس لا شعوريا على  وعي الفقيه في فهمه لعلاقة المخلوق بالخالق. بل ويرتّب عليها ذات الإلتزامات والضرورات، كشمول التشريع لجميع مناحي الحياة، بسبب هيمنة الرب حدا يصادر العبد إنسانيته وعقله وإرادته، يقابله عجز حدَ الانسحاق والتشيؤ. فتفكيك العقل الفقهي سيسلب شرعية الآراء والفتاوى الفقهية المؤسسة على مقولات عبودية. ويعود بالوعي الاجتماعي إلى سياقات الفهم القرآني القائمة على رؤية مختلفة لعلاقة الخالق بالمخلوق. علاقة تفوض الإنسان مسؤولية خلافة الأرض، واستخلافها، وتحقيق كل ما يحقق سعادته، ويحمي حقوقه وحرياته. وبالتالي سنتحرى حقيقة مقولات الفقيه، ونفضح بشريتها وانتماءها، ومدى وفائها للعقل والمنطق. فالاجتهاد مفهوما يوحي بمنهج عقلي صارم، غير أن الواقع شيء مختلف، فالفقيه لا يغادر النص، ولا يتخلى عن قبلياته. ويضحي بعقله لصالح النص وإشراطاتها.

ثنائية العلاقة

إن المبدأ الذي تقوم عليه ثنائية السيد / العبد، هو معطى أخلاقي واجتماعي جاهز، لا يخضع للنقد والمراجعة، يتلقاه الفرد ضمن ثقافته وبيئته. يمنح السيد / الملك تفوقا، تفرضه طبيعة مختلفة لخلقه ونقاء دمه. كأن تتجلى فيه طبيعة إلهية، تستلزم عبادته وطاعته، حدَّ التشيؤ والاسترقاق، بشكل يضمحل فيه الفرد ويغدو أداة لتنفيذ إرادة متعالية، يمنحها ولاء مطلقا، وهيمنة تدبيرية، وفق وعي مستلب حدَ التماهي وعدم الشعور بالاغتراب، تقبع خلفه ثقافة تسلب الفرد هويته واستقلاله، فتكون تبعيته قدرا وجوديا، لا شيئا زائدا على وجوده. بل يتوقف وجوده على وجود الآخر، بشكل لا يعي وجوده إلا من خلاله. وهذا وعي باطني لاشعوري، من وحي حقيقة العبودية التي تتلبسه، وتبقيه مشدودا لقيمها. وبالتالي، فوعي العلاقة وعي للذات من خلال الآخر. وعي يتوقف فيه وجود الأنا على غيرها، كالرؤية من خلال المرآة. فلا تمرّد ولا عصيان حينئذٍ، لتوقف الصراع الطبقي على فعلية شروطه. هكذا هو النظام العبودي كأحد مراحل التاريخ البشري. وهو وعي بدائي، خرافي، بسيط، سببه ضعف التجربة البشرية وسذاجة العقل، وارتهان تحقق وجود الذات على الآخر. فلا وجود حقيقي للفرد إلا ضمن وجود كلي، يتجلى فيه وجود السيد بقوة، تستلزم قداسته ودونية الآخر. قداسة تدبّر العبد وتملي عليه إرادتها، في سياق استبدادها وجبروتها وهيمنتها التي تلغي عقل العبد وإرادته، وتصادر إنسانيته وفق منطق الغاب، الذي تفرضه أيضا طبيعة الحياة ووحشيتها آنذاك. (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).

ثم أفرز تطور التجربة البشرية فيما بعد وعيا مختلفا للعلاقة بين السيد والعبد، وضعت حدا لتبعيته الوجودية، بمعنى التحقق، لا بالمعنى الأنطلوجي. لكنها أبقت على تعالي الذات المقدسة، استجابة لخصائص ذاتية تستوجب سيادتها وهيمنتها. وهي بداية لتشكّل وعي طبقي، لكنه وعي مستلب، يكرّس هيمنة الذات المقدّسة بفعل خصائصها الذاتية، التي هي خصائص إلهية بحكم التجلي أو الاصطفاء. أو لنقاء الدم واختلاف "طينة" الخلق. ومعنى الوعي الطبقي، إمكانية الصراع من حيث القوة والاستعداد، لا من حيث الفعل والتحقق الخارجي، خاصة في بداية الفرز الاجتماعي بين طبقات المجتمع. ويمكن تلخيص ما يتميز به هذا النظام، بما يلي:

- الانقياد للعقل الجمعي والوعي الكلي، بما في ذلك الوعي الديني، حيث يتوحّد الإله الملك / السيد. سلوكا وفعلا وتقريرا. فالإله في العقل الجمعي قوة وقدرة مطلقة ضمن تحيز زمكاني، يتجلى في الملك / السيد (فَقَالَ – أي فرعون - أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ). يقصد بقوله الإيحاء للمتلقي بطبيعته الإلهية، التي تقتضي تبعية الوجود الأضعف للوجود الأقوى. فهو وجود واحد "مشكك"، يتفاوت شدة وضعفا، ابتداء من الأعلى. وهي نظرية وحدة الوجود فيما بعد. فوجود العبد تابع لوجود سيده من حيث وعي الذات والآخر، بشكل يتعذر وعيه لذاته بمعزل عنها. فمنطق العلاقة تحكمه دلالات وإيحاءات الاستبداد المقدس، ومنطق تنزيه الذات المتعالية، واحتقار المحايث، في مختلف تمظهراته الاجتماعية. مما يقتضي احتكار الولاء، والتحكم به وفقا لمقتضيات مصالحها وإرادتها، مهما كانت ظالمة ومتوحشة.

- ثم في المرحلة الثانية (مرحلة التماييز الطبقي، بفعل التطور الاجتماعي والاقتصادي) تم تجريد الملك / السيد من إلوهيته، ومنحه صفة ذاتية، هي نقاء الدماء واختلاف "طينة" الخلق، به يستحق مقام التقديس (أو مقام القرب الإلهي في الخطاب الديني فيما بعد). وهو مقام يتولى الكاهن / مثقف السلطة تثقيف المخيال الشعبي عليه، لينطلق في خلق أساطير وخرافات، تعمق قدسيته، وتضبط سلوك وتوزان طبقة العبيد. وبالتالي فالسيادة إفراز وعي اجتماعي ينتمي لمنظومة قيم العبودية التي تفرض محدداتها على أنساقه المعرفية وطرق تفكيره. ومرد هذه المرحلة إلى وعي أكثر تطورا لمفهوم الإله، وتجرّده عن الخصائص البشرية، كلازم لأسطوريته. فلا تصدق إلوهيته مع السجون البشرية والأسيجة المادية. وهذا لا يمنع تجليه في بعض النفوس البشرية، كما يرى العرفاء والمتصوفة لاحقا.

- في المرحلة الثالثة، مرحلة مع بعد الأديان، بدأ الإنسان / العبد يستعيد إنسانيته تدريجيا، رغم هيمنة قيم العبودية التي واصلت تأثيرها بعد الإسلام، عبر تمظهرات مختلفة، أبرزها التماهي مع الأطروحات السياسية والاجتماعية القبلية. وكان أول اختبار للمسلمين قبولهم مبدأ القرشية في حسم نزاع السلطة بعد وفاة النبي، وهو مبدأ قبلي وليس دينيا أو إنسانيا. وما كان لرواية "الأئمة من قريش" أن تؤثر وتحسم نزاع السلطة لصالح قريش بمفردها لولا وجود أرضية مهدّت لقبولها، وقد مرَّ تفصيل الكلام حولها. واستمرت قريش تواصل سيادتها في السلطة من خلال فرض القرشية شرطا لصحة الخلافة، يقابلها في المعارضة شرط الإمامة.

والسؤال مدى قدرة الأديان عامة والإسلام خاصة على تحرير الفرد من قيم العبودية التي تعني التسليم المطلق، والانقياد وروح التبعية، في ظل خطاب قرآني، ينظّر لطاعة الله ورسوله مطلقا وعلى طاعة أولي الأمر مشروطة، ويثني على تسليم الفرد، ويعاقب كل تمرد ديني وعبادي؟ (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ). وهل حقق  بالفعل هذه المهمة؟ وكيف نفسّر الوعي العبودي ضمن الأطر الدينية والتشريعية؟.

وهو سؤال مشروع، فالعبودية استعداد قبل أن تكون قيمة ذاتية للإنسان. وصفة تطرأ على الذات، فلا ينتفي وجوده بانتفائها، وتبقى استعدادا وقابلية، بفعل سياقات نفسية ومعرفية وتربوية، تفرض نفسها مهيمنا ثقافيا، يتحكم بمسارات الوعي الفردي والجماعي. تتطلب معالجتها إنقلابا في سياقات الوعي، وتأسيسا جديدا للمقولات الأساسية التي ترتكز لها بنية العقل في أدائه.  ولو شئنا تعريف العبودية، نقول:

العبودية: منظومة قيمية، تكرّس دونية الأنا، بفعل استلاب الوعي أمام الذات المتعالية. فهي بهذا المعنى ضد نوعي للحرية، التي تعني الاغتراب داخل منظومة قيم تصادر الفرد حقوقه الوجودية، والإنسانية. وهي بهذا الفهم قوام الأديان وفقا لنظرية العبودية التي مرَّ الحديث حولها مفصّلا، لكن الأمر يختلف وفقا لنظرية الخلافة التي نتبناها، فالإنسان خُلق حرا كي يمارس دوره في الحياة الدنيا (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). وما يبدو في ظاهره خطابا عبوديا، هو خطاب تحرري، يسعى لتحرير الوعي من ربقة عبوديات مصطنعة، من خلال عبادة محررة من الاستغلال والتبعية لغير نداء الضمير الإنساني، إلا أنها تُستغل من قبل حماة الدين ورجاله. فالخطاب الديني لا يكرّس منطق العبودية بمعنى الاستغلال والتبعية لإنسان آخر، بل يسعى لتحرير وعي الفرد والمجتمع، من خلال استبدال أنساقه المعرفية القائمة على العبودية، إلى أنساق تقوم على الإيمان بالمطلق الذي هو الله تعالى، فيتحرر عبرها الوعي المستلب، من خلال طاعة الله والانقياد له، بشكل صحيح، لا كما يريده الفقيه أو رجل الدين. فيمكن تلخيص معالم نظام العبودية، أنه:

- سلطة مطلقة سيادية، تقتضيها خصوصية الخِلقَة والاصطفاء، تختص بها الذات المتعالية.

 - يقابلها وعي مستلب، يكرّس روح التبعية والانقياد. يسلب الفرد إرادته واستقلاليته وعقله وحقه في تقرير مصيره، حداً لا يعي ذاته إلا من خلال سلطة فوقية.

النظام القبلي

كان النظام القبلي يسود الجزيرة العربية وغيرها قبل البعثة، وكان نظاما راسخا، متماسكا، قادرا على مواجهة التحديات، من خلال وشائج القربى والدم والولاء والمصير المشترك. يتقوم بنظامه الاستبدادي، واحتكار السلطة، ويرتكز للقبيلة كوحدة أساسية في تكوين المجتمع، لذا يعد نسخة متطورة عن النظام العبودي، لتبنيه ذات القيم والمبادئ، ولو بشكل أكثر تطورا. وهذا النظام يتقوم بما يلي:

1- تكريس سلطة شيخ القبيلة، وتفرّده بامتيازات سلطوية، استبدادية، يقتضيها الشرف القبلي ومنصب السيادة.

2- اضمحلال الفرد داخل كيان القبيلة، وربط مصيره بمصيرها، حداً لا يعي ذاته إلا من خلال إنتمائه.

وما أنا إلا من غُزَيَّةَ إن غوَتْ * غويتُ وإن ترشُدْ غزيةُ أرشدِ

3- تتقوم العلاقات القبلية بوشائج الدم والقربى والمصير المشترك.

4- يقوم النظام القبلي على الطاعة والانقياد لشيخ القبيلة وقراراته، التي قد يستبد بها أو يشرك من يراه أهلا للتشاور.

5- المجتمع القبلي مجتمع ذكوري، يقصي المرأة حدَ التشيؤ، ومصادرة حريتها وحقوقها وإنسانيتها.

وبالتالي فمصدر قوة القبيلة روح الطاعة والانقياد، أسوة بنظام العبودية رغم اختلافهما من حيث بنية الوعي الفردي والاجتماعي. حيث يعتبر النظام القبلي نسخة متطورة. لكن يبقى الاستبداد وتداعياته الخطيرة، الملازمة للعنف وتمجيد القتل ومنطق القوة، علامة فارقة في كلا النظامين. كلاهما يؤسس لمنطق التبعية والانقياد على مستوى السلوك، ويؤسس للخرافة واللامعقول على مستوى المعرفة والإدراك العقلي.

 النظام الأبوي

تتماسك بنية العائلة، التي هي أصغر وحدة اجتماعية، داخل المجتمع القبلي برابطة القربى، ووحدة النسب، وسيادة سلطة الأب، وفق نظام أبوي / بطركي، هو جزء من نظام شامل، تناط به مهمة تنسيق العلاقة بين الأب / الإبن ضمن أعرافها وتقاليدها. وليست سلطة شيخ القبيلة سوى تراكم نوعي لسلطة الأب. وهي سلطة تقوم على الطاعة وفروض الولاء للأب وشرعته الاستبدادية. وكان منطلق المجتمع في احترام الأب منطقا ذكوريا وعبوديا، يألف التسلّط، وترويض الفرد على الطاعة والانقياد، بعيدا عن العقل والنقد. فالعائلة المسؤول الأول عن تكوين الوعي، وبناء قبلياته الثقافية. تربطها بالمجتمع علاقة جدلية، تعمّق منطق العبودية القائم على شِرعة الأب / الذكر / المستبد، وإلغاء قيمة الفرد وحقه في تقرير مصيره. فالعقل العربي بشكل عام تجلٍ لثقافة مجتمع تهيمن عليه قيم العبودية، (دونية الأنا، وتنزيه الذات المقدسة). ويرفع شعار "الاستبداد المقدّس". وقد واصلت هذه القيم حضورها في الثقافة الإسلامية، ومن خلال العقل الفقهي، رغم الخطاب القرآني الذي سعى لتحرير الوعي من نزعاته القبلية القائمة على الاستبداد، ومصادرة العقل. غير أن إخفاقات الوعي حالت دون إدراك مقاصده، واستغلاله لشرعنة قيم العبودية والاستبداد، وتأكيد شِرعة الذكر على حساب الأنثى.

ولم يتحرش القرآن بقيم المودة والاحترام بين الأب والإبن، لكنه ضبط العلاقة وفق مبادئ إنسانية. بدءا من إشراك الأم مع الأب بالاحترام، والتعريف المستمر بمعاناتها ومكابداتها خلال الحمل. فالاحترام قرآنيا قائم على أساس الشكر ورد الجميل للأبوين: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)، وبهذا انتزع الخطاب القرآني المنطق الذكوري من العلاقات العائلية. كما انتزع المنطق الاستبدادي وأبقى على علاقات الاحترام والشكر، دون التحكّم بمصير الأبناء، حينما قال: (وإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا). فالقرآن أقام العلاقات العائلية على مبادئ إنسانية وعقلية، بعيدا عن منطق التسلّط والاستبداد. وأكد قيم الأبوة الإنسانية بدلا من قيم الأبوة القبلية الملازمة لشِرعة الذكر، واحتقار الأنثى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ). فالمنطق القبلي منطق استعلائي، يستعلي فيه الذكر بذكوريته، بينما يؤسس القرآن لعلاقة مختلفة، لا فرق في ذلك بين الأب والأم، ولا ميزة لهما تقتضي تسلطهما واستبدادهما، إنما هي علاقات إنسانية، وقد يكون الأبن أجدر من أبيه في قراراته، لذا يكون مسؤولا عن مصيره مباشرة، بينما يخول النظام الأبوي الأب مصير العائلة برمته. قال تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا).

فالإسلام قد حافظ على كيان العائلة وتماسكها، وأصّل لعلاقة أبوية على أسس أخلاقية وإنسانية، بعد تجريدها من سطوة الأب وقيم العبودية. فالمبالغة بالاحترام حد تحريم التأفوف وإظهار الضجر من مداراتهم، تعويض نفسي للأبوين، وشكر لجهودهم ومعاناتهم وتضحياتهم، وضمان أخلاقي حينما يتراجع بهم العمر. ومن يراجع آيات الكتاب الكريم يجد اهتمامه بالعائلة كمؤسسة اجتماعية اهتماما ملحوظا. غير أن قيم العبودية وقيم النظام الأبوي استطاعت رغم كثافة الخطاب القرآني، التكيف مع القيم الدينية، واكتسبت شرعيتها من خلال وعي بقى وفيا لجذوره، ويمكن الاستشهاد بمجموعة عقائد ومفاهيم تؤطر العقل الجمعي.

سيأتي بيانها في الحلقة القادمة

  

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (11)

This comment was minimized by the moderator on the site

تسنى لي الاطلاع على هذه الحلقة في صبيحة هذا اليوم بتوقيت حلب.
كلام الاستاذ الغرباوي يقطع و يصل. فهو يعيد للأذهان عيوب تراكم المعاني عبر التاريخ و ضرورة استعادة لحظة السياق كبديهة ذاتية و موضوعية.
فالمعنى ليس في قلب الشاعر فقط و لكن في قلب خلفيات و اساسات الشاعر.
و ان كانت مقارنة الالهي مع الارضي لا تجوز، لكن بمجرد صدور النص و دخوله التداول و غياب الوحي ندخل في زمن البشر و قوانينهم و تناهي قراتهم و لا تعاليها، و لذلك لا بد من قراءة النص بعد صدوره و كأنه كلام من انسان متميز لانسان عادي.
و شكرا.

This comment was minimized by the moderator on the site

اسعد الله ايامك الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق،وشكرا لقراءة الحوار وتعليقك عليه. بات نقد قبليات الفقيه ضرورة لمعرفة الحقيقة، فليس ثمة مقدس يحول دون نقدها ومراجعتها. تحياتي مع خالص الاحنيات

This comment was minimized by the moderator on the site

سلام عليكم أخي أستاذ ماجد وتحية خاصة للأخ العزيز الدكتور صالح الرزوق
منذ الحلقة الأولى لهذا الحوار الساخن والمثير للجدل وانا أتابع بصمت فأؤيد وأعارض وأتفق وأختلف وأصفق وأغضب مما دفعني إلى تحميل كافة الحلقات على أمل أن اتفرغ لمراجعتها بحثا وتدقيقا وتنقيرا وتفكيكا وإذا بالرقم يصل مع هذه الحلقة إلى (778) صفحة أي فور.
هذا الرقم الكبير زائدا ضغوطات العمل المستمر والمتواصل بشكل متعب ألجأني إلى استلال أربع حلقات منها هي مجمل أسئلتي وأجوبتكم عليها على أمل أن أتمكن من انجاز كتاب أتحدث فيه بصراحة عن هذه التجربة وقد جمعت له المصادر والمراجع والمادة العلمية وكتبت عدة مباحث منه ولكني أضطر إلى تركه والانشغال بأمر طارئ آخر وحينما أعود إليه أضطر إلى حذف الكثير مما كتبت
المشروع لا زال قائما ولكن هل سأتمكن من انجازه أم ان الضروف ستحول دون ذلك؟
أمنيتي أن يبادر أهل الاختصاص والمؤسسة الدينية إلى دراسة هذا الحوار دراسة جادة والرد عليه بنفس الأسلوب الرائع للأستاذ الغرباوي عسى أن تكون المخرجات إضافة كبيرة للفكر الديني تسهم بتبيان الكثير من المفاصل المختلف بشأنها
تحياتي لك أخي أبا حيدر ولكافة أسرة المثقف ومبدعيها وكتابها وروادها

This comment was minimized by the moderator on the site

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، الاخ الاستاذ الجدير صالح الطائي، يسعدني أن ينال الحوار اهتمام باحث اسلامي مثلك، ويسعدني ان نلتقي ونختلف فهذا دليل العلمية والموضوعية. بلا شك نتائج الحوار لا تلتقي مع الاتجاه السائد وتطمح لرؤية جديدة. وتحتاج الى تأمل، لعلنا نبلور رؤية مشتركة تخدمنا كأمة تريد النهوض من سباتها، وبنفس الوقت تود الحفاظ على موروثاتها، وهي معادلة قد تبدو صعبة، لكنها ممكنة، حينما نجرده من التقديس، ونتعامل معه كمنجز بشري.
الانقطاع عن الكتابة يسبب ارباك للكاتب، لهذا تضطر للحذف والكتابة من جديد، اعتقد قرارك في تسليط الضوء على الحلقات المشار لها، ستكون مبادرة كريمة افتخر بها، نأمل ان ترى النور، قريبا. اجدد احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري الرائع و شكراً الى الاخوة الاستاذ مهدي الصافي و الدكتور صالح الرزوق و الدكتور صالح الطائي.

نعم ان العلاقة بين الفقيه او المفتي و الانسان المسلم العادي هي علاقة السيد مع العبد. و هي تجريد الانسان من انسانيته و عقله و ربطه مع اجندات المفتي. هذه النقطة التي ذكرها الاخ الغرباوي مهمة جداً و انا اجزم انها هي التي دمرت المجتمعات الاسلامية الجاهلة.

نحن نعيش في القرن الواحد و العشرين و التطور السريع و الهائل في جميع نواحي الحياة و هؤلاء يعتبروننا اشبه بقطيع من الماشية و علينا الاطاعة و الالتزام بكل شيء يفتون به حتى لو كان خارج منطق العقل البشري و يتعارض مع آيات القرآن الكريم. في نظرهم ان الانسان يجب ان يعيش تحت مظلتهم مسلوب "العقل و الارادة".

ان آيات القرآن الكريم مكتوبة بلغتنا و نحن نعرف من مدارسنا الابتدائية و المتوسطة و الثانوية "مباديء اللغة" و كلماتها و دلالاتها و لا نحتاج الى فقيه يوضح لنا معانيها و مقاصدها. لا فائدة من نظرية تصدر من الله و لا نستطيع فهم "مبادئها".

لو نظرنا الى آيات القرآن نرى ان الله يبين للرسول في كتابه الكريم من ان دوره هو "شاهداً و مبشراً و نذيراً" و ليس "وكيلاً" على الناس كما موضح في الايات التالية:

سورة الأحزاب - آية 45
يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا

الاية اعلاه واضحة وضوح الشمس و هي تخاطب الرسول بشكل مباشر و توضح له من ان دوره " شاهداً و مبشراً و نذيراً".

سورة الإسراء - آية 65
ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا

الاية اعلاه توضح للرسول من ان عائدية الناس الى الله و ليس له سلطان او سلطة عليهم .

سورة الإسراء - آية 54
ربكم اعلم بكم ان يشا يرحمكم او ان يشا يعذبكم وما ارسلناك عليهم وكيلا

الاية اعلاه توضح من ان الرسول ليس "وكيلاً" على البشر و ان الله هو الذي ينجاز بهم.

هؤلاء الذين يضعون انفسهم ممثلين عن الله ؛ انهم يفترون الكذب عليه ؛و انه ذكرهم في آياته كما يلي:

سورة النساء - آية 50
انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به اثما مبينا

سورة النحل - آية 116
ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون

سورة يونس - آية 69
قل ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون

هؤلاء يفترون على الله الكذب في سبيل تحقيق اهدافهم و مصالحهم الخاصة في ارضاء السلطان او المصالح التجارية او السياسية و كذلك السيطرة على الناس الساذجين الذين لا يعرفون من اين تشرق الشمس.
شكراً مرة اخرى الى استاذنا الفاضل الغرباوي على هذه المقالات الرائعة التي اعتبرها شمعة تظيء الطريق امامنا لأنقاذنا بعد ان فقدنا بوصلة الطريق الصحيح و ضعنا في متاهات الدين و السياسة.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ د. ثائر عبد الكريم، شكرا لمواصلتك قراءة حلقات الحوار، وشكرا لتفاعلك وتعليقك. المقاربة ابستومولوجية، الكلام الانساق المضمرة القابعة وراء الفتوى، وليست هنا شخصنة، ولا تعميم وعدم تعميم، النظرة كلية معرفية خالصة، ام السلوك فله مورد اخر، تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة..ارى العبودية في مجتمعاتنا كالاسير او السجين المنهك القابع في زنزانة الاستبداد تحيط به سلطات متعددة لاتسمح له بالتفوه بكلمة واحدة غير انهم يطلبون منه كما تطلب الانظمة الاستبدادية الظالمة امرا ثابت وقع هنا انك مذنب اي عبد لايحق لك الاعتراض او السؤال او التحرر!
الاستاذ الغرباوي يحمل ويتحمل اعباء تحريك المياه الراكدة في التراث الاسلامي والعربي علها تخرج شيئا صالحا يمكن ان يركب قطار الحضارة لينقذ هذه الامة من الاوحال الكثيرة التي تحيط بها من كل جانب او يبدا الجميع بحملة تنقية التراث وتصحيح المفاهيم..شكرا له على هذا الجهد الفكري الكبير ونتمنى له الاستمرار في هذه الموسوعة الفكرية المهمة..اضافة الى ماتقدم نعتقد ان التراث الديني هو العامل الاساس في ابقاء الثقافة البدوية-القبلية راسخة في المجتمعات العربية وهي اكبر عقبات بناء المجتمعات المدنية الحضارية التي تحترم القانون والنظام وتنبذ الاعراف والعادات والتقاليد البدائية ونعتقد ايضا او نكاد نجزم ومن خلال التجارب الميدانية والمعرفة الشخصية ان التراث الديني (رجال دين وفقهاء،طوائف ومذاهب وفرق الخ.)تتعمد ابقاء اعمدة الهيمنة الطبقية الفوقية من قبل الحكام او المسؤولين او التجار او شيوخ القبائل على طبقة العوام(العبيد وفقا لرؤية الاستاذ الغرباوي)من ان بعض او قلة من مراجع الدين والفقهاء حاولوا ان يكونوا بالقرب من الطبقات المعدمة والفقيرة(المهمشة اجتماعيا وهي طبقة العوام وهم اغلبية المجتمعات العربية)عبر تواضعهم امامهم والاستماع لهم والتواصل معهم الا ان الشعور الاستعلائي بقي ثابت لانه ينطلق من مفهوم السيد اي العالم (بعض هؤلاء عندما كنا ندخل معهم في نقاش حاد ينسحبون تحت ذريعة انهم اصحاب اختصاص كالطبيب والمهندس ولايحق لنا المجادلة والنقاش)والعبد اي العوام الجهلة .الخ.
عذرا على الاطالة ونتمنى ان نرى في الحلقات القادمة شرح عن علاقة الدين بالدولة والفرد والمجتمع وهل هو جزء من المنظومة الاخلاقية الحضارية الحديثة بعد ان لاحظ المسلمين قبل غيرهم ان الحضارة الغربية لديها منظومة اخلاقية انسانية لم يكن للدين اساس كبير او رئيس فيها..

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضور الاخ الباحث مهدي الصافي، أخطر ما في التعليق قوله: (ان التراث الديني هو العامل الاساس في ابقاء الثقافة البدوية-القبلية راسخة في المجتمعات العربية وهي اكبر عقبات بناء المجتمعات المدنية الحضارية). وهنا نحتاج لتجرد لتحري هذا القول، كما سياتي الكلام عنه. لغة التبرير سبب اخر واخطر وراء تخلفنا. شكرا لحضورك وتفاعلك الذي يسعدني

This comment was minimized by the moderator on the site

الباحث الأستاذ ماجد الغرباوي
أراك أيها الجليل تسبر أغوارا غميقة وتمارس الملاحة في بحار صعبة ..أعني ذلك التماسّ الخطير بين الإلهي الإطلاقي المتعالي المنزّه والزمني التاريخي الاجتهادي البشري..نقطة التماسّ تلك هي سرّ البوصلة والتطابق بين النيّة القلبيّة والهداية الإلهيّة والصوابيّة الإنسانيّة والوجاهة العقليّة والنزاهة السلوكيّة مع الحذر العظيم والمراجعة التي تصل حدّ المحاسبة ..تطهيرا للنفس الزكيّة من شبه الظلم والفساد "ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا" وهل أهل البيت إلا بقعة الضوء ومعدن العلم وقدوة الأمة والسراج المنير الذي يقتبس من مشكاة النبوّة ....حجّة بالغة وقسطاس مستقيم لا يحيد ومنهج ربّانيّ سديد .." وما يلقّاها إلا الذين صبروا وما يلقّاها إلاّ ذو حظّ عظيم " .." ..والسؤال مدى قدرة الأديان عامة والإسلام خاصة على تحرير الفرد من قيم العبودية التي تعني التسليم المطلق، والانقياد وروح التبعية، في ظل خطاب قرآني، ينظّر لطاعة الله ورسوله مطلقا وعلى طاعة أولي الأمر مشروطة، ويثني على تسليم الفرد، ويعاقب كل تمرد ديني وعبادي؟ " إنه السؤال الشديد الماثل الذي يظلّ دائما أكبر من كل محاولة إجابة أو مقاربة .. فضلا عن أننا لم نقرأ فيه محاولة سديدة جادة أو قولا ثقيلا يشفي الغليل ويرفع الشبهة / التهمة التي تظلّ في حكم المتأكّدة..تهمة الانحراف عن نهج الحق الذي هو اسم من أسمائه تعالى..استنطاق الواقع يجعلنا نخلص إلى حقيقة أقرب إلى الفاجعة وهي كالتالي : هذه المجتمعات المحكومة بسلطة الأوليغارشية Oligarchy أو حكم الأقليّة المتنفذة التي تفصّل كل شيء على حسب مصالحها لحفظ امتيازاتها ولو اقتضى ذلك سحق العامة والدهماء والرعاع و..و..( نعوت رائجة ومستعملة في الأدبيات السياسية منذ تجارب الحكم الأولى ) جرّدت كثيرا من النفوس من فضائل غريزة الحرية ومن بركات مفهوم الحق وواقع التكريم الإلهي الذي يخلق روحا متوثّبة واثقة قادرة على استعادة استواء هيئة الإنسان بعد أن أحنتها المظالم والجهالات والعسف ..بعد قياام الثورة البلشفيّة في روسيا القيصريّة ..ثورة 1917 ووقع القضاء على نظام الإقطاع والأقنان..قام النبلاء وملاّك الأراضي من الإقطاعيين بتسريح أقنانهم وخدمهم الذين ورثوا الخدمة في المزارع والقصور عن آبائهم وأسلافهم ..قائلين لهم : لقد صرتم أحرارا ولم نعد أسيادكم ..فاذهبوا إلى المدن حيث تشتغلون في المصانع وتصنعوا لأنفسكم حياة جديدة ..كثير من هؤلاء رجعوا إلى أسيادهم الإقطاعيين قائلين لهم : ماذا نفعل بكل هذه الحريّة التي لم نتعوّدها ..دعونا نعيش تحت سيادتكم وفي ظلكم ..لم نتعلّم كيف نكون أحرارا أسياد أنفسنا !!أنظر ..إنها العبودية المختارة التي خلفتها أنظمة الاستعباد حيث فقد الناس فضائل الروح الحرّة وذوت فيهم الملكات والمراقي ..الأمم الحيّة تحتاج إلى منعة ذاتية وجلاء معرفيّ وهي في سبيل ذلك عليها أن تربّي تلك الشعلة الزرقاء في إنسانها ومواطنها ..شعلة الكرامة والحريّة والولاء المطلق لإنسانية الإنسان المستمدّة من إخلاصها لله في دينها لا لمصلحة طائفتها وعائلتها السياسية أو عشيرتها أو دائرتها الضيقة .." إن قانونا جائرا لا يعدّ قانونا بالمرّة وليس يخضع للقوانين الجائرة إلا الضعفاء " ..هكذا قال القدّيس أوغسطين ..أحد أعظم العقول اللاهوتيّة التي عرفتها الإنسانية ..عبارة حفرت ضمن أعظم المقولات الحقوقيّة التي علقت في مدخل معهد الحقوق الأمريكي ..وبعدها الآية 135 من سورة النساء .. "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ".. مادام واقع المجتمعات لم يخضع لمنطق الحق والعدل والحرية فإن كل واقع ينتجه الظلم والحيف والعسف في حكم الهباء المنثور لو استعرنا التشبيه القرآني المعجز ..المفكّر الأستاذ ماجد الغرباوي ..شكرا لهذه الجرعة الكبيرة من الصواب والفكر العميق والنباهة المخلصة ..أراك قد فتحت جرحا نظيفا في واقع غير نظيف يجد صعوبة بالغة في الإذعان للحق أو حتى مجرّد سماعه ..
دمت موفقا و دمت تنويريّا أصيلا
محبّتي

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي العزيز الاديب والمترجم والباحث الجدير د. محسن العوني، سعدت بحضورك وقراءتك الحوار. هذه المداخلة القيمة سلطت الضوء على بقع مهمة في حلقة الحوار، وبحق مداخلة وعي تاريخي. تستحق ان تنشر مقالات مستقلا او كتعقيب لثرائها. مشكلتنا الان حول تفسير الحق الذي يتنازعونه، وهو بحد ذاته احد اشكاليات تتجدد داخل النص الدين بشكل عام، ويحتاج الى تفصيل، نامل في مقاربته باقرب مناسبة، او ربما يطرح كسؤال. تحياتي الخالصة واحترامي دائما

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على رده على تعليقي و شكراً الى الدكتور محسن العوني على تعليقه.

انني فهمت من تعليق الدكتور العيني ان كلمة "اهل البيت " التي جاءت في تعليقه تعني "سلالة الرسول (ص) -"بني هاشم" –آل محمد.

اعتقد من خلال مراجعتي لآيات القرآن الكريم ان كلمة " اهل البيت" تعني عائلة الرسول و تشمل زوجات الرسول و ذريته فقط و لا تعني بني هاشم. لاحظت ان اغلب المسلمين لا يميزوا بين مفهومي "اهل البيت" و "آل بيت". لكي اوضح هذا دونت الحقائق التالية:


1- توجد كلمة "اهل البيت" ذكرت مرة واحدة فقط في القرآن و هي موجودة في سورة الاحزاب آية 33.

2- لا توجد في كل آيات القرآن كلمة "آل بيت". علماً انه موجود اسماء الانبياء ابراهيم و موسى و عيسى و كذلك مريم و ابولهب --- آل ابراهيم؛ آل عمران----الخ.

علينا ان نبحث عن ما هو المقصود بمفهوم كلمة "اهل البيت" ؟ و هل هي تعني ؛ زوجات الرسول و ذريته او تعني عشيرته من بني هاشم .

لكي نفهم هذه الاية بشكل دقيق و واضح علينا النظر الى هذه الاية اي 33 و كذلك الى الايات التي قبلها و الى التي بعدها.

سورة الاحزاب الايات 28 الى 34.

28-يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا

29 -وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا

30-يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا

31-وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا

32-يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا

33-وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا

34-وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا

ان الايات اعلاه تتعلق بشكل جلي بنساء الرسول و الرسول فقط و لا علاقة لها بعشيرة الرسول "آل محمد" لا من قريب و لا من بعيد اطلاقاً. و يمكن ملاحظة ان الاية الاخيرة اي 34 معطوفة على الاية 33؛ لتعكس استمرارية المعنى للايات من 28-34. و ان كلمة "اهل البيت" يقصد بها عائلة الرسول؛ القاطنين معه في البيت وهم (الرسول زائداً نسائه و اطفاله). و كلمة "يطهركم" جاءت لتشمل الجميع و ليس النساء فقط. لان الله يعتبر هنالك رمزية دينية لعائلة الرسول لكي يكون لها وقعها الديني و الاجتماعي في المجتمع آنذك. ان هذه الرمزية تشمل الرسول و زوجاته و اطفاله "اهل بيته".


بينما كلمة "آل البيت" تمثل سلالة الرسول من اقربائه كما موضح في الآية التالية.

آل عمران 33.
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ

آل براهيم و آل عمران توضح عشيرة آل ابراهيم و آل عمران و اصطفائهم على البشر في وقتهم.

و ان كافة المسلمين يقولون في الصلاة "صلى الله على محمد و آل محمد " و يقصدون عشيرة الرسول.
لماذا لم يقولوا و "اهل محمد"؟ ليكون متوافقاً مع الآية القرآنية –سورة الاحزاب 33 المذكورة اعلاه ؟؟؟.
هذا رأي شخصي من خلال فهمي لآيات القرآن الكريم و من لديه رأي مختلف ارجو توضيحه. و شكراً
آسف على الاطالة
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4469 المصادف: 2018-11-30 01:35:00