المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (101): الفقيه ومضمرات الوعي

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة الواحدة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (9ق) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

مضمرات الوعي

ماجد الغرباوي: يفترض أن الدين منظومة، هدفها تحرير الفرد من سطوة قيم العبودية، واستعادة عقله وحريته، ما لم يُستغل ويُعاد انتاج قيمها ضمن نسيجه، بيانا أو تفسيرا أو تأويلا. والكلام ليس حول العبودية بما هي مفهوم تصوري، تكسبه الممارسات العبادية دلالة تصديقية. وإنما الكلام عنها على مستويين، الأول: طبيعة الآثار الاجتماعية والسياسية والنفسية والتربوية المترتبة عليها. والثاني: نوع اللوازم البيّنة وغير البيّنة. القريبة والبعيدة. فالعبودية الاختيارية المتولدة عن قناعة دينية،  هي إيمان وإذعان مطلق، وقناعة تامة بقيمها، تنقلب معها مفاهيم الحرية حداً يعيش الإنسان مشاعر مختلفة. فهي قيم أصيلة في المجتمعات القبلية، يتلقاها الفرد بداية الوعي، بل هي ضمن القيم التي تؤسس لوعيه، وتؤصل لقيم فوقية تترتب عليها.

عندما نعود لواقع المسلمين وفقا للفهم المتقدم، نجد ثمة شكوكا حول قدرة الدين على انتزاع الفرد من واقعه، وتحرير قبلياته من أسر مرجعيات ظلت وفية لنظامها المعرفي القائم على ثنائية تكرّس التبعية والانقياد، وتبرر استلاب الوعي. سواء من آمن في زمن البعثة أو بعدها، من داخل الجزيرة العربية أو من خارجها. يشهد لذلك تمسك المهاجرين بمبدأ القريشية لحسم نزاع السلطة بعد وفاة الرسول، حتى أصبحت شرطا في شرعية الخلافة الإسلامية!!. وقد انبرى جملة من الفقهاء لتأصيلها فقهيا، وتعزيزها بروايات عن النبي تؤكد اختصاص القيادة بقريش، وغدت بديهية إسلامية، رغم حمولتها القَبلية والاستبدادية، سوى خلاف بين من يرى صحة خلافة القريشي مطلقا / السُنة، ومن يحصرها بأئمة أهل البيت / الشيعة. فكيف تفوّق مبدأ عنصري قَبَلي، على قيم أصيلة في التفكير الديني حسب الفرض، كوحدة العنصر البشري، ومركزية التقوى في التفاضل بين الناس، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). هل ناقض الدين نفسه وشجع عليه؟ أم أن قبليات المجتمع نجحت في التكيّف مع الوافد الثقافي الجديد؟ أو ربما إغراءات السلطة دفعت باتجاه التشبث بها، لحسم النزاع حولها؟ لكن كيف ينهار الإيمان أو ينقلب على مبادئه؟ أو لم ينقلبوا ولم يرتدوا، لكن الصحابة فهموا أن السلطة أمر مناط بهم، ولهم حرية اختيار من يرونه مناسبا، وبما أن لقريش خصوصية القيادة داخل المجتمعات العربية، فلهم أولوية الحكم، لذا أقر الجميع لهم، واقتصر الخلاف على أيٍ من بيوتات قريش أحق بها؟ لكن ماذا عن الحمولة السلبية في اعتماد المبدأ القبلي؟ وماذا عن حجم تداعياته في تقديم الولاء على الكفاء؟ وشطب الأخطاء وتنزيه سلوك السلطان، وتبرير الظلم والجور والعدوان؟. وماذا عن العقل الفقهي الذي نظّر للبعد الشرعي، على حساب قيم الدين؟

فثمة ظواهر في المدونات الفقهية تلحّ على نقدها، وتحري مرجعياتها، وهناك فقه يكرّس الاستبداد، كالفقه السلطاني عند السُنة، وولاية الفقيه عند الشيعة، التي تمنح الفقيه سلطة مطلقة، يستمدها من نيابته للإمام المهدي، ظل الله في أرضه، من حقه تعطيل الدستور والفرائض، كما حصل في عهد الإمام الخميني، حينما عطّل فريضة الحج لثلاث سنوات بعد توتر العلاقة بين إيران والسعودية. ولم يقف الأمر عند حدود الفقه والتأصيل الفقهي، بل راح علم الكلام ينظّر لعقيدة التنزيه والعصمة المتمثلة بعدالة الصحابة، المعادل الموضوعي للعصمة عند الشيعة، لتعضيد فكرة الاصطفاء، وشرعنتها كأصل عقدي، يواري سوأة قيم العبودية القائمة على الاستبداد، وقمع المعارضة. وقد حشد الطرفان شواهد وتأويلات واستدلالات لدعمها. فكانت روايات الفضائل تترى، وقد وظفوا جميع تقنيات الجرح والتعديل لتمريرها، وتفادي محنة ضعف السند أو كليهما. كما كان تأويل الآيات على أشده، في تنافس امتد لقرون وما يزال يكافح لتكريسها، بينما راحت الخرافات وروايات الكرامات تتولى تخدير الوعي، وتطويعه بما يخدم ثنائية السلطة والمعارضة. ولا يمكن الاستهانة بعدالة الصحابة وعصمة الأئمة على الصعيد الفقهي، فهما ركيزتان أساسيتان في عملية استنباط الأحكام الشرعية. وكانت خلاصة كل هذه الجهود شرعنة الاستبداد، وسلوك الخلفاء، وتبرير سفك الدماء، وهدر الثروات، وترسيخ مبدأ الوراثة في الحكم، وتحصين الرموز تبجيلا وتقديسا، والارتفاع بهم فوق النقد والمراجعة.

وبالتالي فإن سلوك السلطة والمعارضة تاريخيا يبعث على الارتياب، لا يستدعي إذناً شرعيا لتحري صدقيته وحقيقته، ومدى تناغمه مع قيم الدين. حتى مع مدنية السلطة، لأن الدين كان يستبد بمرجعيات الصحابة كما هو المفروض، وعنه تصدر تصوراتهم ومواقفهم وأحكامهم، خاصة مَن ترعرع في أحضان البعثة النبوية، وانتهل من أخلاقها ومبادئها. وليس ثمة ما يمنع النقد والمراجعة، بما في ذلك آيات الفضائل التي تخص الصحابة، بل أن الشكوك مبررة قرآنيا، في ضوء بعض الآيات، التي تجعل من الرِدة والانقلاب على الإيمان أمرا محتملا. لأن اعتناق الدين الجديد، تقويض لقبلياته، وتأسيس قبليات جديدة وفق مفاهيم مختلفة للحياة والموت، والآخرة، والعبادة، والمعبود، والعلاقة بالناس و"الملأ" في مجتمعاتهم. والتخلي عن القبليات ليس سهلا، بل الإيمان معاناة حقيقية، غير أن الأجواء النفسية التي أحاطت بالمسلمين، وتوالي المعارك وما تصاحبها من مشاعر، مهّدت لتوطيد الإيمان. وهذا يختلف عمن يولد في بيئة مسلمة، وينشأ نشأة دينية، حيث يكون إيمانه مكتسبا، يتلقّاه ضمن ثقافته. تصطلح عليه المدونات الفقهية "الإسلام الفطري"، في مقابل "الإسلام الملي". الأول من يولد من أبويين مسلمَين أو أحدهما. فيقتل عندهم إذا ارتد. بينما يستتاب الثاني أولا فإن تاب وإلا قُتل.

إن السلف الصالح سلطة مازالت مؤثرة، تفرض محدداتها على المجتهدين من جميع المذاهب، وهذا مبرر آخر يدعو لتحري ذلك التراث المثقل بقيم العبودية، حداً غدت جزءا من الدين، للتخلص من سطوته وتحرير العقل المسلم من فخاخه وأثقاله. ومن الآيات التي تبرر النقد والمراجعة، قوله تعالى:

- (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ).

- (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ..). التي تؤكد إمكانية الردة مطلقا.

- (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..)؟. وهي واضحة في فضح قلق الإيمان، وعدم رسوخه كمنظومة فكرية وأخلاقية.

- (.. وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم).

- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ..).

هذه الآيات وغيرها تبدي قلقاً واضحا حيال صدقية الإيمان وضمان ولاء المسلم وعدم ردته عن الدين. فالردة ممكنة، لا تستثني أحدا، يؤكدها خطاب الآية الأخيرة الموجه لخصوص المؤمنين. ومعنى الردة، نكوص الولاء، بسبب ضعف الإيمان، وعدم استقراره حداً: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). وهي صفة إيمانية، بل وأعلى درجات اليقين في مجتمع يولي العلاقات الاجتماعية قدسية خاصة، لكنه يضحي بها لصالح مبادئه وقيمه الدينية.

فإطلاقات آيات الرِدة المتقدمة، صالحة لتقييد إطلاق آية: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). ومعنى التقييد: استثناء المرتد من إطلاق هذه الآية بالذات. ولازمه شرط الاستقامة وعدم الارتداد في صدقية مصاديقها مستقبلا. فهي صادقة في زمن النزول ما لم يرتد. ومرتهنة لإيمانه وعمله الصالح فيما بعد. فليست ثمة تزكية مطلقة، وإنما تتوقف على فعلية شرطها، أي الاستقامة. وإلا يلزم من إطلاقها شرعية جميع سلوكياتهم، خاصة (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ)، التي تتجاوز مرحلة البعثة وما بعدها، بما يتنافى مع المنطق القرآني، بل ويتنافى مع منطق الحق مطلقا. وهذا أيضا مبرر لتحري سلوك الصحابة ومن تابعهم بإحسان، خاصة وقد تورطوا بالسلطة وسفك الدماء وهدر ثروات المسلمين. فالأمر يختلف عن زمن البعثة، عندما كانوا تحت إشراف وقيادة النبي مباشرة، وكان الوحي يتنزل يحذّر ويفضح، حتى كان أحدهم يخشى أن ينزل فيه قرآنا (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ).

وكقاعدة عامة: يبقى الأصل نزاهة من أشارت لهم الآية، ما لم يدل الدليل القطعي على رِدتهم أو انحرافهم عن الاستقامة القرآنية. وهي ممكنة تؤكدها آية: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ). فنلتزم بنزاهة السابقين الأولين زمن البعثة، وتبقى الرِدة محتملة، وأما بعد وفاته فالجميع يرتهن لسلوكه واستقامته، بل آية "الانقلاب على الأعقاب" تؤكد إمكانية الانقلاب على الإيمان، وهي مطلقة لا تستثني أحداً، وقد نزلت في معركة أُحد، حيث كبار الصحابة آنذاك. وبالتالي فهذا القدر من الشك يؤكد أيضا إمكانية الرِدة، كصيرورة نهائية لقلق الولاء. ولازمه نفي النزاهة والعصمة المطلقة، ويبقى الصحابي هو وسلوكه ومواقفه وقدرته على إدارة الأزمات بما لا يخل بقيم الدين، وضمن فهم إنساني ينأى عن قيم العبودية والاستغلال. وتبقى سيرة الصحابة في دائرة النقد والمراجعة، بحثا عن مرجعياته، المرتبطة بدوافع أيديولوجية وسياسية وقبلية.

نستخلص مما تقدم:

أولاً: إمكانية الارتداد ولو على المدى البعيد، مع نفي العصمة السلوكية، والفكرية للصحابة. فهناك أمران، يرتبط الأول بالبعد النظري / الإيمان في مقابل الرِدة. والثاني يكون موضوعه السلوك / العمل الصالح في مقابل الانحراف السلوكي. والفقهاء يرتّبون حكم  الرِدة علي كليهما، فمن ارتد عن الإسلام إلى الكفر يصدق عليه حكم المرتد. ومن أنكر ضرورة من ضرورات الدين، كالصلاة والصوم وغيرهما يطبق عليه ذات الحكم. فالرِدة أوسع مفهوما من الارتداد عن الدين، بما يشمل سلوك الفرد ومدى إلتزامه بأحكام الشريعة. غير أن الآية لا تفيد هذا الإطلاق بل وتعسف واضح، فنقتصر على القدر المتيقن، وهو الارتداد عن الدين، بمعنى العودة للكفر.

ثانياً: التزكية شهادة حسن سلوك، يتوقف فيها (رضى الله) على إيمان الفرد وعمله الصالح، لذا تكون شاملة لمن اتبعوهم بإحسان كما جاء في سياق الآية، فلا خصوصية لسبقهم سوى الثبات على المبادئ وقوة الإيمان والاستقامة، فتشمل كل من اتصف بهذه الصفات مستقبلا. تؤكده سياقات آيات الكتاب التي ترتهن مصير الفرد بإيمانه وعمله الصالح، قانونا قرآنيا عاما، وردت فيه أكثر من خمسين آية، تربط بين الإيمان والعمل الصالح. وليس في الآية أية دلالة على العصمة الفكرية أو السلوكية أو غيرهما. ولا مرجح لهم دون غيرهم، خاصة بعد وفاة النبي. واعني بالعصمة استبعاد صدور الخطأ في مواقفهم وسلوكهم، خاصة عند ممارسة السلطة والحكم.

ثالثا: الارتداد دليل مرونة قيم العبودية والقَبلية وقدرتها على المراوغة والتخفّي تحت عناوين مشروعة، تجعل من التمسك بقيمها أمرا عباديا، والعبادة لا أنها فقط تطهّرها من الرجس والأدران والعاهات الأخلاقية، بل وتجعل منها أمرا مقدّسا، لا ينطفئ غضب الرب إلا بالانقياد لها.

إذن، فالطريق ممهد لتقصي مدارات قيم العبودية ضمن النسيج الإسلامي (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). والنفاق أعم من الولاء والتظاهر بالإيمان لتفادي التحديات وتحقيق الأهداف والمصالح الشخصية. فمن لم يتمكن الإسلام منه يبقى وفيا لقيم العبودية، التي هي قيم مجتمعات الجزيرة العربية، بل والمنطقة بأسرها.

الإيمان بمفرده لا يكفي لكبح المتواري من قيم العبودية وهيمنة قيم القبيلة والنظام الأبوي، ما لم تقوّض مقولات البنية المعرفية السابقة، وإعادة تشكيل العقل وفق تأسيس معرفي، يرفض تبريرها تحت أي مبرر، ويرتكز للبرهان والدليل في محاكمة المفاهيم والأفكار، حينئذ فقط يصدق التحوّل الجذري بفعل الإيمان الجديد. فالآيات المتقدمة تؤكد فاعلية المُهيمن الثقافي وفق آلية الضمور والظهور الموارب أو المتستر بقيم الدين الجديد. بل أنه قادر على تكييفها لتكريس مفاهيمه، مستفيدا من مرونة النص الديني، وثرائه الدلالي، فالآيات التي تشيد بالتسليم للخطاب الديني مثلا، تكفي لتمرير قيم العبودية تحت سارية الدين، ما لم يتداركها الوعي، ويعيد قراءتها ضمن سياقاتها القرآنية. فالحديث عن تسرّب قيم العبودية للعقل المسلم حديث مشروع، تؤكده التنظيرات الفقهية للاستبداد، كالفقه السلطاني، بشقيه السني والشيعي (ولاية الفقيه) تحت ذرائع سياسية لا علاقة لها بالتشريع، بل وتتقاطع مع قيم الدين الذي يؤكد على إقامة العدل والانصاف ورفض الظلم والعدوان.

أجد أن مبرر قلق الآيات المتقدمة يحيل لنظام المعرفة البشرية بشكل عام، وقدرة المضمرات العقدية والمقولات التأسيسية، على المراوغة والإلتفاف. فتغدو قيما دينية معقولة بمعيار العقل الديني المندمج بقيم العبودية، دون التجرد من حمولتها الدلالية وتأثيراتها. فروح التلقي المُستَلَب تحافظ على مشروعيتها بانتسابها للدين. والفرق واسع بين تلقٍ مُستَلب يجرد الفرد إرادته، ويصادر حريته، وتلقٍ واعٍ، عقلاني، متوازن ومستنير، يؤكد وجود الفرد وحريته وإرادته.

إفرازات البعثة

أفرزت البعثه النبوية واقعين، قبل وبعد، بينهما فصام عقدي مرير، تراوح بين الكفر والتوحيد، مرورا بالشرك، انعدمت معه احتمالات التسوية العقدية. وانقلب الفصام إلى صراع دموي، امتد لعشر سنوات، هي حياة النبي في المدينة. وقد انتهى بصلح الحديبية ومن ثم دخول مكة، عام الفتح، فدخل الناس في دين الله أفواجا. فثمة مشتركات بين الصحابة، وهناك خصوصية السابقين الأولين، ممن واكب حياة الرسول أو جُلها. وهي خصوصية فرضتها استقامتهم، فيأتي السِبق فضيلة إضافية

وأما المشتركات فهي وحدة الثقافة والبيئة الاجتماعية، وهي بيئة قبلية وأبوية. يسير بموازاتها نسق قيمي، يخص النظام الأبوي الذي يتقوّم بالطاعة والانصياع، وتعززه مقولات تراثية واجتماعية، تكرّس طاعة الأب كقيمة تستمد شرعيتها من مقام الأبوة، لها استحقاقها الذي تحفظ به، وحدة العائلة، الوحدة الأساس بالنسبة للقبيلة، المجتمع. فهناك نسقان يتحكمان بوعي الفرد والمجتمع، النسق القبلي القائم على ثنائية السيد / العبد، والنسق الأبوي المرتكز لثنائية الأب / الإبن. فوشائج الولاء والدم والقرابة تعد بنية فوقية للمجتمع القبلي، تكمن تحتها أنساق مضمرة تغذي البنى الفوقية. لذا لا تتمكن تلك الوشائج منفردة من تحريك المشاعر القبلية، عندما يتحرر الفرد من قبلياته، بل تبدو باهتة، وربما ينقلب ضدها ويرميها بالجاهلية والتوحش، خاصة السلوكيات القبلية السلبية، كدوامة الحروب، والإسراف، وتبرير الغزو والنهب. وما لم ندرك تلك المقولات المؤسسة لبنية العقل القبلي، سيبقى الغموض يلف سياقات وعي ما بعد اعتناق الدين الجديد، الذي كافح من أجل تحرير العقيدة من عبادة الأصنام والأوثان، لكن لم يكافح جادا أو كافح ولم ينجح في قمع الموروث القبلي وقيمه ومبادئه. فثمة أنساق متوارية بقيت تتحين، حتى انطلقت بقوة خلال تسوية الصراع على السلطة، بل لم يتخلص منها الصحابة في زمن الرسول، حدا كان النبي يسعى لكسب قريش، وطمأنتهم، والثناء على صفاتهم الإيجابية فيهم، كما هناك روايات في فضائل قريش، قد تكون موضوعة لكن تبقى محتملة، فاعلة، مؤثرة.

فعندما تقول الآية: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) تؤكد وجود لبس في فهم العلاقة في ضوء الإيمان. فهناك اختلاف في مبادئ العلاقة بين الإيمان بالله ورسوله وعدم الإيمان. وتباين في طبيعة المقولات المؤسسة للعلاقات الاجتماعية. فمن يؤمن يتعين عليه تبني فهماً جديدا، يقوم على القطيعة مع أقرب الناس عندما يكون محاربا لله ولرسوله. بينما العلاقة مع غير المحارب وإن لم يكن مسلما، هي: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). لكن رغم هذا التثقيف استبدت قيم العشيرة والقريشية بالصحابة، واستأثروا بالسلطة، بعد استبعاد الانصار، الذين لم يوص رسول الله بأحد كما أوصى بهم، لحجم تضحياتهم من أجل الرسالة وصاحبها؟

فثمة احتمالات تسلط الضوء على حقيقة تمسك الجميع بمبدأ قبلي، على حساب مبادئ الدين والإنسانية. ولماذا لم يستطع الدين القضاء على قيم العبودية، بل وشرّع لها في أحكام العبيد. وأسئلة أخرى يجب مقاربتها من أجل الحقيقة، واستعادة الإنسان لوعيه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

من يومين عمم الدكتور عبد الحليم المدني شريط فيديو يتكلم فيه شيخ معمم عن انه اذا اقترن الاسلام بالسيف فهذا سيكون له مفعول اخطر من الصواريخ البالستية، و ان الاسلام عرف النفاق و الرياء بسبب استغلال النوايا الخبيثة للتسامح الذي ينطوي عليه الدين بينما كان عرب الجاهلية واضحين في وثنيتهم و عصبيتهم، و لم يسدلوا عليها اقنعة روحية،
و هنا يمكن ان نفهم ان السياسة و اساليب تعاطي الدين مع من دخل فيه افواجا هو الذي سبب هذه للظاهرة،
مثل الديمقراطية الاوروبية فقد استغلها المتعصبون لطلب اللجوء ثم الاعداد لهذه الفتنة التي نعيشها،
ان المعرفة مطلقة و لكن اساليب ادراكها خاصة، و هذه هي حقيقة المشكلة.

This comment was minimized by the moderator on the site

نعم الدين يستغل، وقد استغل بالفعل، نامل في تواصل الحوار من اجل الحقيقة شكرا لحضورك

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية للاستاذ الغرباوي : الدين الاسلامي لم ينجح في تأسيس ثقافة بديلة للعرب الذين دخلوا فيـــه وامنوا بالنبي محمد . فنلاحظ ان المسلمين الاوائل على العموم تمسكوا بقبلياتهم الموروثة وانساقهم الاجتماعية ولم يتغير سوى شكل الطقوس والعبادات والى يومنا هذا الا ما رحم ربي من المسلمين ذوي الفكر النير والرؤية الانسانية الشاملة .. وهنا اشير الى واقعة تأريخية تبرز هذا الجانب فبعد غزوة حنين التي ثبت فيها الانصار وابدوا شجاعة فائقة غيرت موازين المعركة وحصل فيها المسلمين على الكثير من الغنائم . لكن التوزيع لم يكن عادلاً ، فحصة الانصار لم تكن شيئا قياسا الى حصة رجال قريش من الذين دخلوا الاسلام بعد الفتح حتى قال بعض الانصار ( يغفر الله لرسول الله (ص) ، لقي قومه فاعطاهم وتركنا ، اعطاهم وسيوفنا تقطر من دمائهم ) . بل ان القرآن اعطى الانصار منزلة اكبر من الذين دخلوا الاسلام بعد الفتح (( لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ )) هذه الحادثة تجعلني اشك بأن النبي محمد نفسه لم يتحرر من وشائج الولاء للقبيلة وقرابة الدم .. تحية تقدير واحترام للاستاذ الغرباوي .

This comment was minimized by the moderator on the site

ملاحظات وشواهد قيمة الاخ الاستاذ طارق الربيعي، شكرا لحضورك المفيد دائما. سنواصل الحوار ، لنتعرف على حقائق ينبغي لها ان تظهر، لفهم في ضوء بعض الظاهر العصية على الفهم والتي يسارع الخطاب التراثي الى تبريرها ومنحها صفة قدسية. اكرر احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

الشكر الجزيل للأستاذ المبجل د.ماجد على هذه المطارحات و المقاربات و الإضاءات الهامة على إشكالات جوهرية في وعي الإسلام كدين يدعو للحرية و الصدق و النباهة و التسامح و التقدم المعرفي و العلمي لترسيخ ثقافته التي رسم خطوطها العريضة القرآن الكريم في نظم أمور الإنسان و المجتمع و الطبيعة و استلهام حقيقة حب الله و الإنفتاح عليه في توحيده و الإستقامة على نهج الحق العادل، اتصور استاذنا أن هناك ضرورة ملحة لقراءة و تحليل و تفكيك ظاهرة العبودية انتربولوجيا من خلال الإرتكاز الآيات التي توحي بحقيقة النفسية القبلية و التركيبة الجمعية التي أوجدت الجحود و النفاق و الشرك في الجغرافية العربية طبعا مع اخذ في الحسبان المؤثرات الثقافية آنذاك من قبل الحضارات التي كانت بجوار جزيرة العرب، هذا التأسيس يفتح أفقا معرفيا و تأسيسا علميا مهمة في سبر أغوار النفسية العربية و يعطي إنتقالا ثقافيا مهما في فهم الدين خارج صندوق القبليات و المقدسات الوهمية و الارتجالات التاريخية التي اعتمدت مشاكل و ألغام التراث البياني من حديث و تفسير و فقه و انسداد حركة علم الاصول و جمودها ..شكرا لكم و ننتظر المزيد في الحلقات المقبلة إن شاء الله.

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك المبجل الاخ الاستاذ عبد الحميد محسن، وشكرا لتعليقك، ومشاعرك الطيبة. شكرا لملاحظتك القيمة نعم الايات نقلت لنا كثيرا من مشاعرهم وثقافتهم، ويمكن توظيفها لفهم حقائق الامور مازال الحبث مستمرا. اجدد احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذا المقال التفصيلي الرائع المتعلق بالفقه و الخلافة و الامامة. و شكراً الى الاخوة المعلقين.

بالاضافة الى ما تقدم من افكار نيرة من قبل الاخ الغرباوي في هذا الموضوع؛ هنالك امور كثيرة يجب ان توضح لنا بشكل صحيح بما يتناسب مع عقلية الانسان و كذلك مع نظرية المسلمين و هو القرآن الكريم.

لماذا كل الخلفاء الراشدين من قريش؟.
حسب ما عرفت من هذه المقالات التنويرية ان الخليفة الاول هو الذي افتى بأن تكون الخلافة في قريش. و هذا اسس لنا الخلاف بين الخلافة و الامامة. و الثانية هي كذلك في قريش و مبدأ الامامة يرتكز على احد قبائل قريش و هم بني هاشم. و على هذا اسست السلالة الملائكية في الحكم و قيادة المسلمين و اصبح لنا حكّام ملائكيين كذلك اصبحت لنا عمائم سود و اخرى ملائكية ملائكية.
و ظهرت لدينا مفاهيم العصمة و القدسية و معرفة الغيب و طلب الشفاعة و المغفرة ----الخ. علماً ان هذه المفاهيم تعود الى الله فقط لا يشاركه بها احد. و هي واضحة في اغلب آيات القرآن.

بالاضافة الى هذا ان هنالك حديث منسوب الى الرسول يشير الى العشرة المبشرين بالجنة و كلهم من قريش؟؟.
اذا كان الرسول حسب ما ورد في القرآن لا يعرف "ما في الغيب" و "مفاتيح الغيب عند الله وحده"؛ فكيف عرف الرسول هؤلاء سوف يدخلون الجنة و ذلك بأعطاهم تزكية؛ علماً؛ انهم تقاتلوا بعد وفاته و قتل الآلاف من المسلمين الابرياء في معركة الجمل؟؟. هل هذا صحيح؟؟.

انا لا اعتقد ان هذه الاحاديث صحيحة و اذا كانت صحيحة فأعتقد انها اسست الى القبلية و القرابة و المناطقية –الخ و هي سبب مشاكلنا الحالية.

الشيء الآخر و المهم الذي توضحه اغلب الآيات القرآنية هو ان العدل بين الناس بدون تمييز و الابتعاد عن ظلم الانسان لأخيه الانسان له اولية خاصة عند الله. و ان الكفر و الشرك في دينه اهون عند الله من ظلم الانسان لأخيه الانسان. اعطيكم مثال على هذا من القرآن:

الكهف 29
وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا

بالرغم من ان الاية اعلاه تتكلم عن "الكفر" و "الايمان"؛ و لكنها تقول اعتدنا "للظالمين ناراً" و لم تقل للكافرين؟؟؟. هذا يدل على الكفر بدين الله اهون بكثير و لا يقارن بظلم الانسان للانسان.

و في سورة البقرة 254 ان الله يقول ان "الكافروين هم الظالمون".

البقرة 254
يا ايها الذين امنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل ان ياتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون

و هنا اعتقد ان الله يقصد ان معنى الكافر في هذه الاية هو:
1- قد يكون انسان غير مؤمن برسالة السماء ؛ و لكن انه "ظالم". ففي هذه الحالة يعتبر "كافراً" لأنه ظالم.

2- او ان يكون مسلماً مؤمناً و لكنه انسان "ظالم" فأعتقد انه في هذه الحالة يعتبر "كافراً" بالرغم من ايمانه؟؟؟. لأنه انسان ظالم. و هذا هو حال اغلب حكامنا و رجال ديننا.

و لكن الله وضّح كيفية التعامل مع غير المؤمنين و اصحاب الكتاب و المجوس و غيرهم.

الحج 17
ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد

الاية اعلاه توضح من ان كل البشر سواء كانوا مسلمين "الذين آمنوا" و اصحاب الكتاب و غيرهم يخضعون الى حكمة الله و هو الذي يفصل بينهم يوم الحساب حسب اعمالهم في الحياة الدنيا. الايمان لا يكفي ما لم ترافقه نفس بشرية تؤمن بالعدل و عمل الخير و التآخي و نصرة المظلومين.

و هنا يمكن ان يكون عطف الله على انسان غير مؤمن و لكنه "عادل" اكثر بكثير من عطفه على انسان يدعّي انه مسلم و لكنه انسان "ظالم" . و النوع الثاني ما اكرثهم في بلداننا الاسلامية و هم سبب دمار الديار و العباد. و شكراً مرة اخرى و مزيداً من الحلقات التنويرية.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير.

This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بالاخ د. ثائر عبد الكريم، وشكرا لمتابعاته ومداخلاته واستشهاداته، نعم الاسئلة كثيرة، وهناك اولويات نسعى لطرحها، تمنياتي لك بالتوفيق والسداد

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4509 المصادف: 2019-01-09 02:20:01