المثقف - حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (103): الفقيه وقيم التفاضل

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق11) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

قيم التفاضل

ماجد الغرباوي: العبودية، إذاً: استعداد قبل أن تكون قيمة ذاتية للإنسان. وصفة تطرأ على الذات، لا ينتفي وجوده بانتفائها، تتطور بفعل سياقات نفسية ومعرفية وتربوية، تفرض نفسها مهيمنا ثقافيا، يتحكم بمسارات الوعي الفردي والجماعي. تتطلب معالجتها انقلابا في سياقات الوعي، وتأسيسا جديدا للمقولات الأساسية التي ترتكز لها بنية العقل في أدائه. وقد مرَّ الكلام عن وعي الذات والآخر في ظل قيم العبودية، حينما يتوقف وعيها على وجوده، وتصبح الأنا موضوعا لهيمنته واستفزازه، كإفراز طبيعي لأنظمة الهيمنة منذ القدم، حيث تمارس مختلف الظروف عملية تزوير الوعي، وإخماد توهجه، لتكريس روح التلقي والتبعية والانقياد. فسلب الوعي، استراتيجية ضمن منظومة الهيمنة والنظام الاستبدادي - الأبوي. ثم إن استلاب الوعي، كما ذكرت، حالة لا شعورية، يفقد معها الفرد القدرة على إدراك مقاصد الخطاب ومضمراته، لها أسباب ذاتية وموضوعية. ذاتية ترتبط باستعداد الفرد للرضوخ والتبعية أو التمرّد على قيم العبودية مهما كانت قساوة الظروف. وهو استعداد فطري، يرتبط بحالات نفسية تراكمت عبر ظروف طابعها العنف والإرهاب، تحصل بسببها ردة فعل، تضع الفرد في ترقّب وخوف مستمرين، ينتابه قلق وشرود لا إرادي، مع كل حادث مفاجئ. هذا كان واقع مجتمعات ما قبل البعثة، خاصة مجتمع أم القرى ومن حولها. فثمة منظومة كاملة قائمة على ثنائية السيد / العبد، تتحكم بالوعي الجمعي. يتعذر تقويضها. تحتاج إلى مران وتحدٍ مستمرين، مران يقلب معادلات الوعي وثنائياته، سواء في قيم المجتمع العبودي أو القبلي أو النظام الأبوي / البطركي.

لكن يبقى التماهي مع قيم المجتمع مرتهنا لوعي الفرد ورؤيته للأنا والآخر، وحجم ما يترتب عليها من آثار، تؤكد ذاته وانتماءه، وتعزز مكانته واعتباره. فيكون التماهي نسبيا، مهما اختلفت مناشئه. ويتناسب مع قوة مهيمنها الثقافي، وقدرته على التأثير والاستجابة للتحديات. وعندما يربط مصيره بها حداً يلزم من تمرده هدرا لوجوده، يرتبط معها بعلاقة جدلية، وتستأثر بولائه وموالاته. ويغدو مرتهنا لإملاءاتها وإكراهاتها، سواء كانت دينية أم اجتماعية، فثمة مصير مشترك تجعله أشد تعلقا بها، يندفع لحمايتها والذب عنها، ورعاية طقوسها وعاداتها وتقاليدها، مستعينا بإيمان نفسي تكمن أهميته في قدرته على خلاق أجواء نفسية متجددة، تستمد قوتها من نوازعه ومكامن فطرته. فيتوقف على الإلتزام بقيم المجتمع وعاداته وتقاليده انتماء الفرد، وقيمته الاجتماعية، إضافة للآثار النفسية والوجودية المترتبة عليها. فتحقيق الذات وتحقيق طموحاتها، هدف استراتيجي، يتولى رسم خارطته الوجودية، ويتحكم بقناعاته ومواقفه.

المركز والهامش

يدور الناظم القَبلي حول مركزية السيد / الشيخ، وهامشية الأطراف، كما لا تخضع العلاقة بينهما لقيم القبيلة دائما، بل تحددها مصلحة المركز، وتبقى الأطراف تدور مداره، حدَ الاستلاب. مهما تعددت أطراف المجتمع القبلي. فالطبقة الحاكمة أو "الملأ" بالتعبير القرآني، تستأثر بجميع المكاسب والامتيازات، على حساب الهامش، طبقة العبيد، مرورا بالطبقات الأقل رتبة أو شرفا سياديا. فالسيادة والثروات والمواقع الاجتماعية المتقدمة للمركز، لا يشاركه فيها أحد إلا وفقا لضوابط تكرّس مركزيته. وثمة قضايا اعتبارية كالزواج والمصاهرة، لا يسمح بها للطبقات الأدنى. لتكون مظهرا اجتماعيا مميزا وعلامة فارقة للتمايز العنصري. فالقيمة الاعتبارية للمركز قيمة ذاتية، تستمد شرعيتها من النَسَب العائلي وشرف السيادة. فهي الطبقة الحاكمة، صاحبة القرار، ولها حق الولاية والقيمومة، استحقاقا تفرضه منظومة القيم الاجتماعي التي يذعن لها الجميع، ويمنحها ولاءه وإخلاصه. ولا يمكن لأي أحد انتزاع سلطة المركز إلا بالقوة والعنف. فالانتساب للملأ أو طبقة الأسياد يمنح الفرد حصانة ذاتية، ويختص بميزات اجتماعية، ترفع نرجسيته تعاليه على النقد والمراجعة، وربما يكتسب بمرور الأيام قدسية اجتماعية، وليس فقط تعالٍ عنصري. لذا استغرب أسياد قريش من بعثة محمد بن عبد الله رسولا، ولماذا لم ينزل الوحي على شخصيات تعتبر مهمة وعظيمة وفقا للمقاييس القبلية، (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). فالنبي الكريم ليس أقل شأنا نَسَبيا، بل أقل رتبة في سلم التفاضل القَبلي، الذي له حساباته الأخرى، كالرصيد الشخصي من الثروات والعبيد وقوة السلاح والمحاربين والعلاقات المتينة من خلال التحالفات القبلية، والقدرة على حسم المواقف الصعبة.

قد تجتمع السلطتان السياسية والدينية، كما حصل لقريش، حيث كانت تتزعم القبائل العربية، وتتولى رعاية الحجيج، وبيت الأصنام، وتتولى مسؤولية الوفادة والسقاية. مما يعزز مكانتها وسلطتها. لكن لا يلزم من فقدان أحدهما خسارة الأخرى، رغم حجم الآثار المترتبة على الجمع بينهما، لأن القيم القَبلية أصيلة تشارك في تشكيل الوعي الجمعي لأبناء القبيلة، وتمثل قيمة ذاتية بالنسبة "للملأ" منهم. قد تتغير المفاهيم والتصورات الدينية، وقد ينتقل المجتمع من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان بوجود إله واحد لا شريك له، مما يطيح بسلطة تعدد الآلهة ورمزيتها، لكن النظام القبلي، منظومة قيمة، مسؤولة عن هيكلة المجتمع، ورسم حدود اعتبارية بين طبقاته. بل حتى مع الإطاحة بسلطة القبيلة لا يجرد أفرادها من الانتساب لها، هو انتساب تكويني، يحمل رصيدا معنويا ورمزيا كبيرا وفقا لذات القيمة المشتركة بين جميع القبائل. وكلما ذكرت مآثرها وموبقاته، تتردد أصداؤها في أعماقه فيشعر بالفخر أو الخجل. وبالتالي، لا يمكن خلخلة نظام القيم الاجتماعية القائمة على النسب والولاء إلا بقيم جديدة، تعيد تشكيل النظام ومبادئه، كالانتقال للمبدأ الإنساني بدلا من المبدأ القبلي. وهذا لم يتحقق حتى بعد البعثة بل تم تكريس قيم الاستبداد السياسي والحس القَبلي.

أما غير طبقة الأسياد وتحالفاته المتكافئة فترتهن مكانة الفرد لقيمته الاعتبارية التي تتعدد بتعدد روافدها، وتختلف في رصيدها ونسبيتها ورمزيتها، تبعا لثقافة المجتمع وقيمه وأولوياته، فتكون جميع القيم حاكمة بنسب مختلفة. المنطقة العربية قبل الإسلام كانت تسودها قيم، يستمد منها الفرد اعتباره ومكانته، ابتداء بالنَسَب ومنزلته داخل أسوار القبيلة وخارجها، وهي المعيار الأول، وكل القيم الأخرى كالشجاعة والكرم والبلاغة تأتي بعدها، غير أنها ترفد مكانته واعتباره التي على أساسها يحدد علاقته بطبقة الأسياد. وهذه هي الطبقة الوسط بين الملأ، وطبقة العبيد، ممن يتعامل معهم  المركز لا فقط هامش وأطراف، حقها التبعية والانقياد، بل ويجردها من إنسانيتها، التي هي حقيقة الوجود البشري.

القيم السياسية

نخلص إلى نتيجة، "إن جميع القيم والمبادئ تفرض سلطتها ومحدداتها على الوعي، وتمهّد لنظام اجتماعي، يرتهن اعتبار الفرد ومستقبله، ويفرز نظامه السياسي ومنظومته القيمية والأخلاقية". وهذا يشمل المجتمع العربي قبل البعثة. ولكي نقدّم تفسيرا موضوعيا لظاهرة الاستبداد السياسي، والفقه السلطاني، يتعين دراسة آلية قيم المجتمع القبلي، وفلسفة حضورها وقوة تأثيرها. ومن ثم تشخيص متبنياتها ومبادئها، الأسباب الحقيقية وراء شرعنتها، ومدى تأثر المسلمين بها.

لقد أفرزت منظومة القيم السائدة آنذاك مجموعة مبادئ سياسية، كانت وراء ديمومة النظام السياسي - القَبلي، المتمثل بسلّم الوظائف والمسؤوليات والمقامات الاجتماعية، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات، ابتداء من منصب السيادة حتى "التشيّؤ" العبودي مرورا، بالطبقة المحيطة بالشيخ / الزعيم، ابتداء ببطانته الخاصة، وشيوخ القبائل الأقل شأنا، ثم الشاعر، الفارس، وغيرها. وهنا نشير لأهم مقومات النظام، ومبادئه وقيمه:

- يقوم النظام السياسي – القَبلي، على الصعيد النظري، على ثنائية السيد / العبد التي تستدعي جملة حقوق وواجبات وامتيازات. تتولد عنها ثنائيات أخرى. فثمة طبقة الأشراف التي تحتكر جميع الامتيازات، وطبقة سواد الناس، إضافة لطبقة العبيد، الفئة المسحوقة إنسانيا. فهذا النظام يؤسس لنظام أخلاقي، معياري، ترسم حدود المسؤوليات والوجود الفعل لأفراد القبيلة على أساس ما يجب وما لا يجب.

- يمثّل الولاء أحد أهم المرتكزات الأساسية لتماسك القبيلة، وقدرتها على مقاومة التحديات الداخلية والخارجية. ولازمه مصادرة استقلالية الفرد، وحقه في النقد والتمرد. فالولاء ضمان الاعتراف، يتناسب معه طرديا، قوة وضعفا.

- يعتبر الوعي القبلي جزءا من وعي الذات، في علاقتها بالآخر. أي أن هوية الفرد تستمد وجودها من انتسابها القَبلي، حداً تنعدم الفواصل.

 - يتقوّم هذا النظام من الناحية الإجرائية بثنائية المركز / الهامش، التي تفرض شروطها ومحدداتها.

 - تعتبر السلطة وفقا لثنائية المركز / الهامش استحقاقا لقيم الشرف القَبلي، فلا تنتزع إلا بالقوة، وتسمح باستخدام العنف دفاعا عنها. والشرف القَبلي، قيمة اعتبارية، نسبية، مرتهنة لمصادر نشأتها، ومدى قدرتها على الصمود.

- تكرّس ثنائية المركز / الهامش منطق الوصايا، وقيم العبودية والطاعة والانقياد، كلازم لمركزية السلطة الذي يلزم أيضا إقصاء الهامش إلى مدارات الانقياد وتنفيذ الأوامر حد الانسحاق.

- يستبطن الشرف القَبلي، روحا عنصرية، تستدعي التمايز بين طبقات المجتمع، وتكرّس قدسية طبقة الأسياد والأشراف، ولو تقديسا قَبليا.

السلطة ملك عضوض لأشراف القَبيلة، والارتكاز للتوريث مبدأ أساس فيها، من منطلقات عنصرية. رغم محاولات حثيثة جرت فيما بعد، لتفسيره على أساس الكفاءة والجدارة القيادية، أو على أساس الاصطفاء الإلهي.

- التهميش قدر الناس وأفراد القبيلة خارج دائرة "الملأ"، وفقا للمنطق القَبلي الاستبدادي.

- النظام القَبلي، نظام أحادي، لا يقبل المشاركة في القرارات، رغم توظيفه للشورى، وتبقى كلمة الفصل والقرار الأخير لشيخ القبيلة.

- العنف قيمة أصيلة، لحماية الملك، وتدبير الأمن، وتوسيع سلطة النفوذ القَبلي.

من هنا يمكن قراءة نزاع السلطة بين المهاجرين والأنصار من زاوية مختلفة، يمكن في ضوئها تقديم تفسير لرواية النبي "الخلافة أو الإمامة في قريش". التي كانت وراء فرض القريشية شرطا في شرعية خلافة المسلمين.

أولا: أثبتت الوقائع التاريخية، عدم وجود مرجعية نصية (آية أو رواية صحية صريحة مجمع عليها) لتسوية النزاع حول السلطة.

ثانيا: أكد الحدث المزلزل عدم وجود اهتمام مسبق من قبل الرسول بمسألة الدولة والحكم، وعدم وجود تشريعات تخصها، سوى مبادئ وقيم أخلاقية لضبط أدائها.

ثالثا: يستنتج مما تقدم أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية، وشأنا بشريا لا سماويا، تستمد شرعيتها من الشعب. وأن النبوة غير السلطة، وليست من لوازمها، وليس من اختصاصها إقامة دولة وفقا لأيديولوجيتها. فتبقى شأن المؤمنين بها، ونجاحهم في تبني قيم الرسالة السماوية.

رابعا: إن حسم السلطة على أساس قبلي، كان متوقعا، باعتباره نظاما سائدا آنذاك، ولم يتخذ الدين الجديد موقفا سلبيا منه، باستنثاء إعادة تشكيل الولاء على أساس ديني لا قَبلي. من هنا تمت البيعة. وكان الخلاف بين التفاضل القبلي، وليس حول ذات المبدأ.

خامسا: انعقاد البيعة للخليفة الأول وفقا للشرط القريشي، يكشف عن تبنٍ سائد آنذاك لمبادئ وقيم النظام القَبلي. ولم تُطرح مبادئ مغايرة له، بل جميع الترشيحات ارتكزت لذات المبادئ. فالأنصار رشحوا سعد بن عبادة، شيخا قَبليا، ولم يرشح على أساس كفاءته القيادية، وهذا لا يلغي قدراته في هذا الشأن، بل أن ترشيحه يؤكد كفاءته، غير أن المبدأ القبلي هو الأساس فيها، باعتباره رمزا كبيرا في مجتمعه. والمهاجرون حصروها بقريش باعتبار استحقاقها الطبيعي في السلطة، ولا ينبغي لأحد منافستها، وقد عضدت الرواية هذا الاتجاه وانحسم النزاع لصالحها، وغدت القريشية شرطا في شرعية الخلافة. ولم يبتعد علي بن أبي طالب عن المبادئ القبلية عندما طالب بالسلطة واعتزل القوم ستة أشهر، رغم تأكيده المستمر على كفاءته القيادية مستشهدا باعتماد الرسول عليه في كثير من المهام الصعبة. غير أنه أيضا تشبث بالقرابة، وهو مبدأ قبلي، يعتبر التوريث أمرا مشروعا: (لا تخرجوا ملك محمد من عقر داره فتشمت بكم العرب).  فالسلطة ملك!!، إذاً يجب التعامل معها على هذا الأساس، وهكذا تعامل معها المهاجرون أثناء المفاوضات (نحن عشيرته وأولى الناس به). وأما شرط النص والتعيين الذي يتشبث به الفكر السياسي الشيعي راهنا، فقد ظهرمتأخرا، ولم يكن متداولا إطلاقا بعد وفاة الرسول، وحتى مع صحة حديث الغدير لم يفهم منه الصحابة البيعة بمعنى السلطة. وقد مر تفصيل الكلام. ولم تختلف المعارضة السياسية المتمثلة بأبي سفيان، من خلال تحريضه المتواصل لعلي والثورة ضد بيعة المهاجرين، فأيضا كان توجها قَبليا. فراية السلطة التي كانت خفاقة طيلة فترة الخلافة الراشدة والخلافتين الأموية والعباسية هي راية قَبلية بامتياز. وكانت أحد الأسباب وراء ظهور الفقه السلطاني، الذي نظّر فقهيا للاستبداد السياسي، وسعى لشرعنتها.

سادسا: لم تشرّع رواية النبي "الأئمة من قريش"، على فرض صحة صدورها، لشرط القريشية، بل كانت اعترافا بكفاءتها وخبرتها القيادية، وقدرتها على الإمساك بزمام السلطة. فتكون الرواية إرشادية لا تشريعية، من باب النصيحة والإرشاد. وقد أشرت لهذا الاحتمال مسبقا. غير أنها وجهت وجهة سياسية مختلفة.ولو كانت الرواية بصدد تأسيس مبدأ للسلطة، فإن موضوعها لا يحسم برواية أحاطت بها علامات الاستفهام، بل تحتاج إلى تشريعات تتناسب مع حجم مسؤولياتها وخطورتها، وهذا منتفٍ بالضرورة.

سابعا: ساعد السلوك السياسي للخلفاء والقبليات القَبلية للمسلمين آنذاك، على شرعنة قيم الاستبداد والانقياد والتبعية.

الفقه والسلطة

إن التباس القَبلي بالفقهي، والسياسي بالشرعي، الذي كان الفقيه والمتكلم وراءه، كان السبب الأساس وراء تزوير الوعي الديني، وتكريس قيم الاستبداد والعبودية والطاعة والانقياد. ومازال الفقه السلطاني ينظّر لقيمومة السلطة المتمثلة بالفقيه تارة وأخرى مَن يمثله، تزامنا مع فقه الصحوة الإسلامية التي يتلخّص مشروعها السياسي – الديني بإقامة دولة بإشراف الفقيه، مهما كانت تداعياتها على الفرد وحقه في الحرية وتقرير المصير. فوجود الفقيه على رأس السلطة أو بإذنه تعني إلغاء الفرد، تحاشيا لأي تصادم بين البشري والإلهي، الذي هو سلطة مطلقة، تنحصر بالفقيه. وهو وعي أيديولوجي يلتف على الحقائق من خلال صيغ مواربة، تمنح الفقيه سلطات شرعية مطلقة.

إن ما تقدم يكفي لتحديد مصادر السلطة في الفقه الإسلامي، بدأ من شروط الخليفة، التي هي شروط قَبلية لا علاقة للدين بها، إما على أساس التفاضل القَبلي أو على أساس التوريث. ولم يطرح أي مبدأ ديني أو إنساني بديلا، وحينما بدأ الفقيه بالتنظير للسلطة وشرعيتها، قام بشرعنة المبادئ القَبلية أولا. ثم راح يفسّر القرآن وفق قبلياته، حتى وهو يستشهد على صحة تأويله بآيات أخرى. كما أن البيعة، التي ينبغي أن تكون عامة، استطاع الفقه السلطاني قصرها على نخبة قريش، فبيعة الأول مبادرة قريشية خالصة ثم تلاهم الحاضرون انسياقا مع العقل الجمعي. والثاني تم تنصيبه من قبل الأول، والثالث نتاج شورى قريشية. حتى حُصرت هذه الشروط بأهل الحل والعقد، الذين هم قريش فعلا. كما نجح الفقيه في توظيف المفاهيم القرآنية لخدمة السياسة، كآية أولي الأمر، حيث دافع عن وجوب طاعة الخلفاء وعدم التمرد على إرادتهم، رغم أن الآية مشروطة. وأن طاعتهم شُرعت على أساس كفاءتهم القيادية والإدارية وليس مطلقا، وهو ما تشي به آيات أخرى، ومرتكزات قرآنية، تعد من الآيات المحكمات. وهذا الأمر تجده جليا في الفقه السلطاني. فكل من السلطة والمعارضة كانت تدور ضمن مدارات قَبلية / بشرية، يتعين التمرد عليها وسلبها شرعيتها المصطنعة، والتكيف مع الصيغ الحديثة في إدارة السلطة والحكم.

وأقصد بالفقيه مفهوما الأعم من الصحابة والرواة فيما بعد، ممن لعبوا دورا خطيرا في المعادلة السياسية، فيشمل كل من له قدرة تأويلية وتنظيرية في الشأن الديني، وأما الفقيه اصطلاحا فقد تبلور متأخرا، بعد ظهور عصر الفقهاء.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

اعتقد ان فكرة الخلافة لاقت في هذه الحلقة تكملة حيثياتها.
و اود ان اشير الى ان الاسلام دين مركب لأنه تطبيقي و خلفه تشريعات مدنية و جزائية.
و ما بني على احكام الوحي يصعب فصله عن فكرة الوحي نفسها. للتوضيح الاسلام يمزج بين الروحانيات و الماديات. او ببن اللاهوت و الناسوت و الحدود بين الطرفين مرنة و براغماتية و من تتوجب علينا المراجعة و التنقية و التنقيح باستمرار.
و شكرا.

This comment was minimized by the moderator on the site

اشارة دقيقية اشار لها الاخ صالح الرزوق، بالفعل هناك مساجة تسمح بالمراوغة واللعب على الصيغ الكلامية. تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية للاستاذ الغرباوي : نعم ان النبي محمد لم يكن يولي السلطة والحكم اهتماما كبيراً ، بحيث انه ترك هذه المسألة بدون تقنين واضح يكون ملزما للجميـــع ومتفق عليه . وهذا يفسر اللبس والخلاف الذي حصل بين المسلمين بعد وفاة النبي ومن ثم ترشيحهم لابي بكر على اسس العصبية القبلية واطلاق لقب - الخليفة - عليه الذي اصبح فيما بعد ( امير المؤمنين ) هذا اللقب بحد ذاته منح الملوك المسلمين حصانة مقدسة وشرعية دينية . وبما ان ( السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية وشأنا بشريا لا سماويا .. ) أختلط الارضي بالسماوي ، والمدنس بالمقدس ، فتولد الاستبداد - الشرعي - بابشع صوره واكثرها دمويـــــــــــة . وقد تحققت رؤية ابو سفيان عندما قال للعباس عم النبي لحظة دخول جحافل المسلمين الى مكة : لقد اصبح مُلك ابن اخيك عظيماً ! . ومن نسل هذا ولد الملوك المستبدين وهم يتلفعون بعباءة الدين والقداسة ، يقطعون الرؤوس بالسيوف ، ويقمعون الأفكار بالقرآن . تحية وتقدير للاستاذ الغرباوي على جهوده الكبيرة وافكاره القيمة .

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمداخلتك الاخ الاستاذ طارق الربيعي، القيم القبلية اصيلة ونجمت في المحافظة على وجودها بغطاء شرعي هذه المرة. تحياتي لرؤيتك الواعية

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً للأخ الفاضل الدكتور ماجد الغرباوي على هذه المقالة التنويرية الرائعة و شكراً للأخوة المعلقين.

نعم ان علاقة السيد /العبد مستبدة من تاريخنا و ارثنا القبلي الذي كان سائداً قبل الاسلام و ان الدين الاسلامي لم يستطع تغييرها ؛ و اعتقد ان الخلفاء الراشدين الاربعة لم يتخلوا عن قبلياتهم بالرغم من معايشتهم الرسول و معرفتهم ان الدين الاسلامي يؤكد على عامل "التقوى" و عدم "التنابز بالالقاب" بعد الايمان به.

الحجرات 13
يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير

الحجرات 11
يا ايها الذين امنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى ان يكن خيرا منهن ولا تلمزوا انفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فاولئك هم الظالمون

الآيتان اعلاه تشيران الى ان التقوى و عدم الاشارة الى الانساب و القبائل هي اهم صفات المؤمن ؛ و لكن الواقع غير هذا؟؟.
فكل شيء بني خطأً من الاساس و ها نحن ندفع ثمنه حالياً.
شكراً مرة اخرى الى استاذنا الفاضل الدكتور الغرباوي على هذه المقالات التنويرية الرائعة.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

السياسة والحكم تتطلب مفاضلة على اساس الكفاءة، والتقوي تاتي لضمان عدم استغلها. وهذا لم يحصل بل كانت المفاضلة على اساس قبلي وهم صحابة رسول الله. تحياتي للاخ ثائر عبد الكريم

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4527 المصادف: 2019-01-27 06:11:54