 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (104): الفقيه والاصطفاء

ماجد الغرباوي14خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق12) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

التراث والسلطة

ماجد الغرباوي: يبقى التراث منجزا بشريا يحتفظ بتاريخيته، وعدم تعاليه على النقد والمراجعة، مهما بالغوا في قدسيته. ويبقى مرتهنا في إطلاقه وتأثيره لمتانة مبانيه ومبادئه وأسسه، بما في ذلك الفقه الإسلامي الذي يشتغل على نصوص الكتاب والسنة. وأما على الصعيد العقدي والحقائق التاريخية فلا يمكن الركون له مطلقا، ما لم ترث رواياته العلم واليقين، ودونها المستحيل مع وجود فارق زمني أمده قرابة 15 قرناً، وكثرت الإشكالات التي تحوم حوله، إضافة لمشكلات التدوين والإسناد والنقل الشفاهي الذي سبق مرحلة التدوين بمئة وخمسين عاما أو يزيد. الشك.. قدر التراث، فكيف يكون دليلا على الحقيقة؟. لكن رغم ذلك تجد العقل التراثي مرتهنا له، منقادا لإرادته. لذا فإن نقد التراث مسؤولية لتفكيك سلطته، والكشف عن حقائقه، بعد إلتباس المقدس بالمدنس، والقَبلي بالديني.

إن فضح التراث سيساسهم في ترشيد الوعي، الذي مازال مرتهنا لوقائعه وأحداثه. ومازال الفرد منشدا لماضيه على حساب حاضره ومستقبله، بسبب تزوير الحقيقة وقوة الخطاب المثيولوجي، الذي يؤسس لأسطرة الرموز الدينية والتاريخية، ويضرب حولها أسيجة قدسية قوامها الخرافة واللامعقول، ولم يصمد أمام النقد إلا النزر القليل من مقولاتها. فنطمح لسلب التراث قدسيته وسطوته، من أجل الحقيقة، والعودة إلى الذات لاكتشافها إنسانيا ووجوديا، وتقويمها وفق مقولات عقدية وأخلاقية تستمد صدقيتها من الكتاب الكريم عندما تكون القضية دينية، ومن العقل والقيم الإنسانية عندما تكون دنيوية. إن التحرر من سطوة التراث خطوة أولى للنهوض الحضاري، والتخلص من تبعاته وآثامة وأوزاره. (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

وبهذا السياق نسعى للتميز بين ما هو ديني وقَبلي للكشف عن مدى مشروعية المبادئ التي ارتكز لها الفقه السياسي للمسلمين. فثمة جدل لا ينتهي حول شرعية السلطة دون مقاربة المبادئ التي قامت عليها. وعليه، يبقى شرط القريشية في شرعية الخليفة، مبدأ قبليا، عنصريا، كرّسه وجود مهيمن ثقافي يرتهن في وعيه لقيم العشيرة، كان حاضرا بقوة يدفع باتجاه المضي بالبيعة وفق ذات المبدأ القبلي (القريشية وحقها في السلطة والزعامة). من هنا ثمة أسئلة تفرض مشروعيتها حول مشاغل الدين، والإسلام تجاه الثقافة السائدة آنذاك. فالنزعة القبلية واصلت حضورها، على امتداد خلافة المسلمين، وبقي السلطة مرتهنة لقريش، كشرط أساس لمشروعيتها، فكانت السلطة مؤسسة قبلية، تتخللها الشورى، وكانت قريش تتقدم الصحابة حتى في عدد روايات الفضائل ورصيدها الرمزي، الذي هو رصيد قَبلي قبل أن يكون دينيا، ثم كان عثمان ضحية سياسة ولاءات قبلية أحدثت منعطفا حادا في تاريخ المسلمين. ويكفي أن نظام التوريث شاهد على قوة رسوخ العصبية القبلية لدى الدولتين الأموية والعباسية. ويطرح استفهامات عن موقف الدين منه. وأما على صعيد المعارضة فإن نظرية الإمامة الشيعية قائمة على مبدأ التوريث/ أهل بيت النبي / الأئمة من أهل البيت. تختص السلطة بهم، ولا تنتقل لغيرهم، فالنسب له مدخلية في اصطفاء الإمامة.

المسلمون كغيرهم من الشعوب نتاج بيئة توارثت قيم العبودية قرونا مديدة، فهي جزء من تكوين الوعي الجمعي، بشكل يستغرق وعي الذات والآخر. وبشكل يستمد الفرد مشروعية سلطة السيد / الشيخ من ذات النظام. وهنا يجب الإشارة إلى نقطة مهمة تفاديا لأي إلتباس مفهومي. ليس المقصود من نقد قيم القبيلة هيكلها التنظيمي الذي هو جزء من تشكيلات المجتمع، لوجود تباين جوهري بين قيم التنظيم المجردة عن قيم العبودية، والأخرى التي تشكل جوهرها. فالتماسك القبلي أحيانا يلعب دورا إيجابيا في تسوية الخلافات، وتحييد النزاعات، فتكون مواقفه إيجابية، خاصة في مجتمعات تحترم كلمة العشيرة العليا، الصادرة عن شيخها. لكن المشكلة في قيم العبودية وسيادة قيمومة السيد حدا مصادرة إرادة الفرد وإلغاء استقلاليته. فالفارق في طبيعة وعي الذات والآخر، في كلا الحالتين. الثانية يكون الفرد مستلب الوعي دائما، وأما الحالة الأولى فهو رقم مؤثر داخل المعادلة السياسية، من خلال إنسانيته. وما نطمح له انتشال الوعي الديني المرتهن لوعي تاريخي عالق بلحظة الخلاف حول السلطة.

شرعية السلطة تاريخيا

تبقى شرعية السلطة إشكالية، مهما تمادت قيم العبودية والعنف والاستبداد والتسلط، وتبقى السلطة تبحث عن مبررات تضمن بها قناعة الفرد وضمان ولاء المجتمع، خاصة عندما يبدأ الملك / الفرعون بتوسيع دائرة سلطته، حيث يعاني ضمان ولاء الشعوب الجديدة ويشك بإخلاصها، فيلجأ لشرعنة سلطته، بمختلف الأساليب، غير أن خيار المرجعية الميتافيزيقية والميثولوجية تبقى ماثلة، ولها أولوية التفاعل مع مجتمعات مسكونة بالغيب والخرافة والخوف من المجهول والمستقبل، فيعمل الخطاب المثيولوجي على سلب الوعي قدرته النقدية، التي هي خاملة أساسا بفعل البيئة وبدائية الثقافة وغياب النموذج الإنساني المنافس. فشرعنة الميثيولوجية للسلطة المستبدة مرت بمراحل، رافقها عنف وارهاب ومصادرة الفرد جميع حقوقه، وتكريس جهوده لتقديس السلطة بل وعبادة الملك / الفرعون. وقد لعب الكهنة ومثقفو العرش وأروقة السلطان آنذاك دورا خطيرا في تزوير الوعي الديني والثقافي.

ثم في مرحلة جديدة لتطور الوعي البشري، وانتشار الرسالات السماوية، تخلت الشعوب عن عبادة "الملوك الآلهة" التي تجلت في الفراعنة، غير أنها ركنت لمبدأ جديد لشرعنة سلطة الملك / السيد، وهو التدخل المباشر من قبل الله تعالى لاختيار الحاكم أو الملك، أو ما يعرف في الفكر السياسي بنظرية: الحق الإلهي المباشر. فهذه النظرية تعتبر السلطة حقا إلهيا، يمنحه من يشاء، وقد اختار الملك مباشرة، فتكون سلطته سلطة إلهية، يجب طاعتها وحرمة التمرد ضدها، وهي سلطة مقدسة، متعالية لا فرق بينها وبين سلطة الإله من حيث صلاحياتها وقيمومتها على الشعب. ولها حق التصرّف به وفقا لمصالحها. وترى أن الله قد فوّض وخص هؤلاء الحكام بالسلطة، بشكل تقتصر فيه مسؤولية الشعب على طاعتهم وعدم التمرّد على سلطتهم. وليس لأحد محاسبتهم سواه.

غير أن الرؤية العقدية لهذه النظرية تطورت إلى: الحق الإلهي غير المباشر، الذي يعني ضمان رضا الخالق في انتخاب الملك / الحاكم الأعلى، وترى أن هداية الله وراء اختيار الشعب لحاكمه. فيكون مسيّرا لا مخيرا في سلوكه وتصرفاته، ولا يجوز محاسبته على فعل خارج إرادته مهما جانب الحق، وتمادى في ظلمه وطغيانه وجبروته.

وهذه النظريات ضاربة بالقدم، وتجد لها أصداء في النظريات السياسية للمسلمين، كبعض الآراء السنية التي تحرّم الخروج على السلطان مهما تمادى. وتوجب طاعة أولياء الأمر مطلقا، فتمنحه حكما ثيوقراطيا. وأيضا السلطة والإمامة بالنسبة للشيعة نص وتعيين من قبل الله تعالى، وتعني قيمومة الإمام وولايته الكاملة، قياسا على: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، التي تنتقل كافة صلاحياتها بحسب ذات النظرية إلى الإمام، ولهم أدلتهم. ثم تأتي ولاية الفقيه بصلاحيات كاملة من الإمام، وتكتسب نفس قيمومته وولايته المطلقة. فيصدق أن نظرية الإمامة والولاية المطلقة للفقيه نظرية ثيوقراطية مفهوماً ومصداقاً. وهذا هو فهم متكلمي وفقهاء الشيعة. أما الإمام علي فله رأي آخر، حيث كان يرفع صوته عالياً، لقد "بايعني الذي بايع الأوَلين".

وقد سبق عثمان غيره بدعوى الاصطفاء عندما طالبه الصحابة / الثوار التنازل عن الخلافة فقال: (لا أخلعُ قميصا ألبسنيه الله)، وعثمان جاءت به شورى قريشية محسوبة عينها عمر، ولا علاقة لله تعالى بالموضوع، غير أنه أراد تزييف الوعي، من خلال فكرة الاصطفاء التي ترهب السامع، خاصة والقوم مؤمنون، يخشون الله، لكنها لم تنطل. وحدث ما حدث. وهكذا تشبث بهذه الفكرة غير واحد من خلفاء الدولتين الأموية والعباسية.

الاصطفاء

 نخلص أن مشروعية السلطة وفق النظرية الأولى، مشروعية ذاتية تستوجبها الطبيعة الإلهية للملك / الفرعون / السيد. وأما النظريتان الثالثة والثانية فتقومان على مبدأ الاصطفاء، المفعم بدلالاته ورمزيته، ويكفي أنه يختص بالله تعالى، فيكتسب شيئا من قدسيته، وسلطته وولايته. كما أن المفهوم يلعب على البعد المعتّم في المفهوم، فيوحي ثمة خصائص لا يمكن إدراكها، سوى الخالق. فالاعتراض عليه اعتراض على الله وإرادته، وهي حد الكفر به. فإيحاءات المفهوم تربك الوعي البسيط، الذي هو صفة عامة للشعوب البدائية ومازال أحد سمات الوعي الرثي، المكبل بأغلال التراث، والخطابات المثيولوجية.

بهذه الطرق تم شرعنة السلطة، وهي أخطر أنواع تزوير الوعي، يتوقف تفكيكها على نقد مقولاتها وقبلياتها، ليعود المفهوم بدلالات مغايرة وهذا ما فعله الكتاب الكريم، عندما أناط الاصطفاء والتفاضل بالتقوى والعمل الصالح والقدرة على تحمّل النبوة والوحي وتبليغ الرسالة.

الاصطفاء القرآني ليس تشريفا، كما ترى ثقافة العبودية التي سادت العالم قرونا متمادية، وكما يرى الفكر الطائفي فيما بعد، بل تكليفا ومسؤولية وصلاحيات منضبطة بالحق والعدالة، وليست هناك سلطة مطلقة كما يفهم الاتجاه العبودي الاصطفاء. فالتوريث لازم الاصطفاء في الاتجاه الأول لأنه قائم على أساس عنصري، ووجود طبيعة بشرية مختلفة، أو طبيعة يمتزج بها اللاهوت بالناسوت. بينما الاصطفاء القرآني ناظر إلى أبعد من العنصر البشري، إلى التجربة الروحية للشخص المصطفى كاستعداد أولي، يتطور من خلال طاعته وعبادته، حد الذوبان بالوجود المطلق. لذا يشمل الملائكة أيضا: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). فالقرآن طرح مفهوما جديدا، وقطع الطريق أمام دعاوى الاصطفاء، القائمة على أسس عنصرية وتوريثية، بل ونفهم أنه منصب إلهي، يتوقف على مشيئة الله والتصريح به قرآنيا، فيبقى الأصل الأولي عدم ثبوته لأي شخص. كما أن اختصاصه بالنبوة حال دون استغلاله من قبل السياسة، لأنها تقوم على الكفاءة، ثم تأتي التقوى ضمانا للعدالة. فهي لا ترتهن للاصطفاء وإنما تتوقف على سلوك الفرد وقدرته على التحكم بإرادته ومشاعره ومواقفه وفقا للكتاب وأحكامه الشرعية، فهي متاحة لكل إنسان، بل هي هدف العبادات. بينما النبوة شيء يختلف عن السياسة ومشروعيتها، وأمر يتعلق بالنبوة، فالمفهوم القرآني للاصطفاء جاء في سياق صراع الهيمنة بين القيم الجاهلية وقيم التوحيد، كما يصفهما القرآن. فالخطاب القرآني جاء لبيان الخط الموازي دينيا. والمحصلة، ثمة اختلاف جوهري بين المفهوم العبودي أوالقَبلي للاصطفاء، ومفهومه دينيا وقرآنيا. الأول يقوم على التمييز العنصري، بناء على نقاء الدم، واختلاف طينة الخلق. وأما الثاني فهو مفهوم سماوي، يعبّر عن منظومة قيمية قائمة على التوحيد، والطبيعة البشرية التي تتميز بتجربتها الروحية، وقدرتها على التألق، وتحمل المسؤوليات الإلهية. فليس ثمة تشريف، بل مسؤولية ربانية، فلا تشمل إلا من صرّح به الكتاب الكريم.

تقول الآية: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ). فـ"من" التبعيض تنفي مدخلية "النَسَب" كقيمة عنصرية، رغم أن بعضهم ذرية بعض، فثمة طبيعة مشتركة بين هؤلاء الأنبياء تؤهلهم للنبوة والاصطفاء والتفضيل. وأيضا قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ،  ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، فأيضا لا تشترط النَسب والقرابة أو الذرية وإلا  فيتعين الإطلاق، غير أن هؤلاء أنبياء يوحى لهم، فنفهم أن الوحي كان أحد أسباب اصطفائهم، لذا لا يبعد ان تكون مريم نبية، لأنها الوحيدة التي تم اصطفاؤها بين نساء العالمين وقد أوحى الله تعالى لها. (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ). وأخيرا فإن آية: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، لا تعني الفوضى في نسبة الاصطفاء فنقتصر على القدر المتيقن. ونحتاج الى تشخيص عالم الغيب والسرائر، لذا قال: (وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ).

وبالتالي الاصطفاء قيمة مطلقة، يتولد عنها الاستبداد، والاستئثار بالسلطة، فهي أخطر مفاهيم شرعنة السلطة، وأقدرها على ضمان ولاء الشعوب. لذا طرح الكتاب مفهوما مغايرا وفق معايير مختلفة، لقطع الطريق أمام استغلاله، وشرعنة سلوكيات لا تمت للعدل والانصاف ومراعاة حقوق الإنسان.

المفهوم الأيديولوجي للاصطفاء

حاولت كل من السلطة والمعارضة توظيف الاصطفاء بطريقتها الخاصة، لتعزيز شرعيتها، من خلال الانتساب للإلهي دون البشري، فكانت نظرية الجبر التي تمسك بها خطاب الاستبداد المتمثل آنذاك بالحكم الأموي بدءا من معاوية ومدرسة علم الكلام القديم، قد ارتكزت للاصطفاء بشكل غير مباشر، حينما احتج معاوية لولم يكن الله راضيا عليه لاستبدله، في مغالطة مفضوحة، تحيل على الاصطفاء، فكأنه يستدل بسكوت الخالق على اصطفائه، وهذا خطأ، لأن الكتاب لم يخول أحدا بنسبة لاصطفاء لأي شخص كان. وأن الله لم يتدخل في اختياره.

وأما المعارضة السياسية فقد تشبثت بمختلف الاساليب، وقد تمسك الشيعة بالاصطفاء ليكون ظهيرا لمبدأ الوصية والنص، وبهذا نجحوا في ترقية مقام الإمامة من إمامة سياسية إلى إمامة دينية ثم إمامة بمعنى الولاية التكوينية وقد مرَّ تفصيل الكلام. ورغم كثرة الروايات، وما تتحدث به نصوص زيارات الأضرحة، نختار نماذج تكفي لتسليط الضوء على طبيعة المفهوم والطينة المختلفة لخلقهم، فالأئمة كانوا وفقا لهذه الروايات أنوارا يطوفون حول العرش، وخُلقوا من طينة مغايرة لطينة البشر، في تعارض واضح لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). وبعض الروايات تقول: (شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا)، فهم طينة مختلفة، وأنهم نور. وفي رواية يقول رسول الله مخاطبا عليا (خلقت أنا وأنت من نور الله تعالى). وهي رواية شيعية.

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، أي الإمام الصادق، أنه قال: (نحن شجرة النبوة ومعدن الرسالة ونحن عهد الله ونحن ذمة الله، لم نزل أنوارا حول العرش نسبح فيسبح أهل السماء لتسبيحنا، فلما نزلنا إلى الأرض سبحنا فسبح أهل الأرض، فكل علم خرج إلى أهل السماوات والأرض فمنا وعنا، وكان في قضاء الله السابق أن لا يدخل النار محب لنا، ولا يدخل الجنة مبغض لنا، لان الله يسأل العباد يوم القيامة عما عهد إليهم ولا يسألهم عما قضى عليهم).

وخلاصة ما تقدم، أن الاصطفاء صفة تفاضلية على أساس روحي إيماني، غير أنهم تشبثوا به لشرعنة السلطة / الخلافة / الإمامة السياسية. وما القريشية سوى معادل موضوعي للاصطفاء، يظهر هذا واضح في تبرير سلطة قريش التي سيأتي ذكرها عند بيان الموقف الإسلامي من قيم القَبيلة. وعندما طرح الكتاب مفهوم الاصطفاء بصيغة مغايرة سلب السلطات السياسية شرعنتها على أساس الاصطفاء. وبالتالي فالقريشية مبدأ قَبلي، لا يمكنه شرعنة السلطة على أساس ديني. وكذلك الاصطفاء مفهوم ديني، روحاني، يرتبط بمشيئة الله وبالقيم المعنوية للإنسان، غاية ما يدل عليه التفاضل على أساس التقوى والقرب من الله تعالى، وليس له أية دلالة على شرعنة السلطة، فليست ثمة ملازمة بين الديني والسياسي بالضرورة، فلا يمكن الارتكاز للاصطفاء مصدرا لشرعية السلطة والخلافة أو ما يعرف بـ"الإمامة السياسية"، التي تستلزم الولاية والقيمومة، ومصادرة الرأي الآخر، ومنع المعارضة. ويبقى أن نعرف موقف الدين الجديد من القيم القبلية الأخرى، التي لا تقل خطورة من هذا المفهوم.

 

يأتي في الحلقة القادمة

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

لن اتكلم عن الاصطفاء و علاقته بالمشيئة الالهية و استثناءاتها و لكن بودي الاشارة لمشكلة الصمت بمعنى الرضا.
فعدم الاعتراض من البشري او الالهي ليس دليلا على الموافقة. فنحن هنا في مجال التكوين و التشريع و لسنا في حفلة عرس و يحيط بها خفر العذارى. فالاه تعالى لا يخجل من مؤمن و لا من كافر. و من بشر بالعقاب و الثواب لن يقف مكتوف الأيدي امام تجاوزات السلطة المادية.
و شكرا

This comment was minimized by the moderator on the site

لكنها انطلت على الناس وتم توظيفها لخدمة السلطان، وما زال هذا المنطق حاكما في بعض الشعوب. تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

وبودي ان اضيف ان المستقبل في الفلسفة غير موجود. و في علم الكلام توجد اطوار. ما يستجد من امور و ما انتهى و دخل في ذمة الماضي. فالفعل البشري غير منزه عن المطلق بل هو جزء من النية. و اية فكرة هي مجرد فعل بالقوة. و لذلك انا مع المفكر الروسي باختين. ان المستقبل و المغفرة و التطهير ليست جزءا عضويا من كتلة الأفعال. بل هي طور متحول من الشخصية الانسانية و هي في معركة اثبات وجودها او اكتشافه و اسباغ معنى عليه.
و هنا تدخل مشكلة القضاء و التشريعات فالمسافة بينهما جرح لا يندمل.
شكرا ايضا..

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية وتقدير للاستاذ الغرباوي : لا استبعد ان الصحابة قد فهموا الاصطفاء وفقا لسياقه القرآني في البعد الروحي للمصطفى وقدرته على الاتصال بالله بدون مكدرات وشوائب نفسية . واعتقد ان النبي محمد لا بد ان يكون قد وضح لهم ذلك ، لكنهم بعد وفاته تكالبوا على هذا المفهوم وحرفوه عن غايته ومحتواه لاجل مصالحهم النابعة من قيمهم القبلية . فعثمان بن عفان رد على المصريين الثائرين بعدما طالبوه بخلع نفسه قائلاً : لا أخلع قميصا ألبسنيه الله . ويشجعه ابن عمر على هذه الفكرة الرهيبة بقوله : لا تخلع قميص الله عنك ، فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم خلعوه أو قتلوه . والواقع ان الله لم يختر عثمان ولم يصطفيه كخليفة وانما جاء نتيجة مشاورات ملتهبة بين عدة صحابة . ان الاصطفاء بعدما انسلخ عن سياقه القرآني اورثنا مصائب كبيرة ، أقلها انه ساهم في ترسيخ نظام يشبه نظام الطبقات العنصري الموجود في الديانة الهندوسية . وتقع على عاتق اصحاب الفكر التنويري مسؤولية كبيرة في تفكيك هذا المفهوم واعادته الى اصله وازالة اللبس عن الاذهان المنغلقة فلعل شيئا من الوعي يعود الى هذه الأمة المنكوبة .. تحية وتقدير لاستاذنا الكبير .

This comment was minimized by the moderator on the site

حضورك الزاخر بالوعي والشواهد التاريخية يسعدني جدا، احترامي لمداخلاتك القيمة الاستاذ العزيز طارق الربيعي، بالفعل نحن بحاجة لجهد نقدي لكشف الزيف والخداع باسم الدين، نحتاج لجرأة وشجاعة، نامل مواصلة الحوارات لعلنا نضيف شيئا

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى استاذنا الفاضل الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذه المقالات الرائعة التي تغوص في دهاليز فقه السلف الصالح و فقه اصحاب المذاهب و تقدم لنا زبدة انتاجهم الذي دمرنا على مدى 1400 سنة و لا زلنا نعاني من هذا المرض.

مرضنا الذي احرق الاخضر و اليابس هو "المذاهب و آراء اصحاب المذاهب" التي اغلبها خرافات و تتناقض كلياً مع آيات القرآن و مغزى الرسالة السماوية. هؤلاء الله شخصهم بأنهم في "قلوبهم زيغ". هؤلاء هم سبب دمارنا.

كان الاولى بهؤلاء جميعاً ان يتناولوا آيات القرآن و ليس وضع الحشو و الخرافات لتجهيل و تدمير الناس لتحقيق اهداف خاصة بهم. و هكذا تشكلت المدارس الاسلامية و لا زالت تغذي البشر المسكونة بالخوف من المجهول بهذه الخرافات. و هنا هو مربط الفرس؛ الاستمرار بهذا النهج التدميري.

و لكن لا استطيع ان افهم الذين يدعّون انهم من سلالة الرسول (ص) ان يقعوا في هذا الخطأ الفادح و حالهم كحال الاخرين. "اننا خلقنا من نور الله" و "نسبح حول العرش و كل علم خرج الى اهل السماوات و الارض منّا و عنّا" ---؟؟؟. فهذا لا استطيع ان اهضمه اطلاقاً.
لا اعتقد ان الرسول (ص) و لا الامام علي و لا اولاده (ع) يؤيدون هذه الروايات التي وضعها الذين جاؤا من بعدهم و اعطوا قدسية لانفسهم ليس لها اسس في كلام الله اطلاقاً.
كان الاولى بهم ان يتمسكوا بوحدة الدين المتمثل بأن الناس سواسية كما خلقهم الله و هو المسؤول عن حسابهم. و كذلك ان يتمسكوا بآيات القرآن و احاديث الرسول الصحيحة.

نعم ان الله اصطفى الانبياء و حدد اسماؤهم في القرآن. و حتى الاية التي وردت في المقالة:

الحج 75
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ

تدل على اصطفاء الله للملائكة و كذلك للرسل فقط . و هذا واضح من الآيات التي قبلها و التي بعدها:

الحج 73
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ

الحج 74
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

الحج 75
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ

الحج 76
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ

الآيات اعلاه تدل على تكليف الرسل بحمل رسالاته السماوية و ليست مفتوحة لباقي البشر.
و شكراً مرة اخرى و مزيداً من المقالات التنويرية.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

الفكر المغالي مشكلة التشيع بامتياز، حيث دخلت مفاهيم غريبة على الثقافة الاسلامية، اغلبها ينتمي لثقافات اخرى، غير ان المشكلة تمسك الناس بالغلو من حيث لايشعرون. وكان يفترض برجال الدين ان يقولوا الحقيقية.تياتي لحضورك اخ ثائر.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4534 المصادف: 2019-02-03 10:38:35