 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (112): الفقيه ومبادئ الحكم

majed algharbawi8خاص بالمثقف: الحلقة الثانية عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق20) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

ماجد الغرباوي: لا يمكن فهم ولاية الفقيه وتطوراتها بمعزل عن مسار التاريخ الشيعي، الذي بدأ موقفا من السلطة، في أول نزاع حولها بين الصحابة، ثم واكبته العقيدة في ظل جدل كلامي بين الفِرق والمذاهب الإسلامية، حول شرعيتها، والمقولات المرتبطة بها، كمفهوم الكافر، الجبر والتفويض، فاعل الكبيرة، الإمامة. ورغم وحدة المعارضة العلوية عامة والشيعية خاصة، لكنها لم تتوحد تماما في رؤيتها العقدية، واتصفت بتوالي انشطاراتها، حول شروط الإمامة ومصاديقها، مع اتفاقهم على بعضها، ذكر ذلك الشهرستاني في الملل والنحل. وأبرزها: الكيسانية والزيدية والإمامية والغلاة والاسماعيلية. غير أن كل فِرقة قد تشظت لاحقا، ولم تحافظ أي منها على تماسكها. وربما يقصد الشهرستاني بالاتفاق خصوص الفِرق الرئيسية في بداية ظهورها، أو ربما بخصوص إمامة الإمام علي. ومن يراجع كتب الملل والنحل يقف على مختلف التفصيلات والاتجاهات العقدية. بعضها تمادى في غلوه، وآخر كان متهاودا، لكن ليس دون مفهوم الإنسان الكامل، حيث يكاد يكون مشتركا بالنسبة للإمام الأول كحد أدنى.

الموقف من السلطة

لم يتخذ الإمام علي موقفا سلبيا من السلطة، وانسجم مع جماعة المسلمين بعد قطيعة دامت ستة أشهر، فيصدق أنه كان حدثا عابرا، غض الطرف عنه رغم شعوره بالغَبن وربما المرارة، فهو الأكفأ، تشهد له مواقفه، وحزمة روايات نبوية تُشيد بفضله، منها قول الرسول: (أقضاكم علي). غير أن المبدأ عنده فوق السلطة والولاية، فلم يشذ عن جماعة المسملين. وكان مستشارا بارزا لدولة الخلافة، وصحابيا جليل القدر والعلم والحكمة، وقد بايعه المسلمون خليفة رابعا لهم بعد مقتل الخليفة الثالث. وهو الوحيد الذي استأثر بالرأي العام، وبايعه الصحابة والتابعون علنا.

ثم عاد النزاع الأول بين الصحابة إلى واجهة الجدل الكلامي في العصر الأموي، لمحاكمة مواقف الصحابة، وأحداث السقيفة، وفق مرجعية جديدة تم التنظير لها في خضم جدل مرير حول شرعية السلطة. فخضعت المقولات والمفاهيم التي تبلورت آنذاك لإكراهات ثنائية السلطة والمعارضة، وتنافس محموم لإثبات شرعية أي الفريقين المتنازعين على الخلافة، فأنتج الجدل مفاهيم جديدة، كمفهوم الإمامة السياسية ثم الإمامة الدينية، وفق شرط النص والتعيين، لسلب الخلافة الرسمية شرعيتها، والاشعار بمظلومية أهل البيت. حتى أصبحت شعارا ضمن نظرية الإمامة، تقوم عليه شرعية الحزب العلوي، الأعم من الشيعة، في مقابل الحزب الأموي. وكان وراء هذه التنظيرات وغيرها متكلمو العلويين قاطبة، بما فيهم أصحاب الأئمة كمؤمن الطاق وهشام بن الحكم وغيرهما. يشهد لذلك اعتبار التولي لأهل البيت والتبري من أعدائهم، فرعا من فروع الدين، بل ذهب بعضهم إلى أنه أصل من أصول الدين، ولا يخفى حجم شحنة الكراهية والتعبئة النفسية التي يتضمنها هذا الشعار، الذي يقصي الآخر، ويصرّ على احتكار الحقيقة، فكأن المشروع السياسي العلوي مشروع طائفي، وليس مشروعا للأمة المسلمة.

أما الموقف العملي للأئمة فكان حياديا تجاه الخلفاء، ولو ظاهرا، وقد نأوا بأنفسهم عن السياسة، بعد استشهاد الإمام الحسين، ومقتل أهل بيته وأصحابه، باستثناء ولاية العهد التي أسندها المأمون للإمام الرضا. وقد تجنبوا العمل الثوري، وركزوا على الجانب العلمي والفقهي، حيث برع الإمامان الباقر والصادق في هذا المجال، وكانت مدرسة الثاني مشهودة بعمقها وسعتها وكثرة علمائها. وبدلا من السعي للحكم، انشغل الأئمة بالتنظير لدولة العدل الإلهي، التي سيقودها المهدي، والتي ستحقق جميع الأهداف الشيعية، حتى اضطروا لرسم صورة مثالية لدولته المرتقبة، تعويضا عن اخفاقاتهم في الوصول إلى السلطة. أي أن الخطاب الإمامي رحّل موضوع السلطة إلى نهاية التاريخ. بهذا الشكل أقنعوا شيعتهم بالتخلي عن فكرة الدولة الشيعية. فمنهم من رابط معهم، ومنهم من تمرّد والتحق بحركات ثورية أخرى، كما حصل مع بعض أصحاب الإمام الصادق. فأصبح هدف أصحاب الأئمة الأساس هو إدانة الخلفاء، وتأكيد غصبية السلطة، ومظلومية أهل البيت، فخاضوا نضالا فكريا وعقديا، وكان من نتائجه التنظير للولاية الدينية، إضافة للولاية السياسية، من أجل إحياء دورها، وعدم ربطها بالسياسة خاصة، فتسقط بسقوطها، بل وصل الأمر للولاية التكوينية. وقد مرَّ تفصيل كل هذا. وأما الاتجاهات الثورية من العلويين فقد استمرت تحركاتهم ضد الدولتين الأموية والعباسية، دون الوصول للخلافة.

إن الموقف الحيادي لأئمة أهل البيت، والتعويل على المهدي في إقامة دولة العدل الإلهي، أو الدولة الشيعية المثالية، قد ساعد على تماسك القواعد الشيعية، التي هي أعداد محدودة آنئذٍ بفعل الاضطهاد والملاحقة. واستمرار خط الإمامة. لكنه من جانب آخر قتل الإرادة السياسية، وأسس لوعي سلبي من السلطة والحكم، ووضعت الشيعة في موقف محرج، بعد تمسك الفقهاء بغصبية السلطة، وعدم شرعيتها خارج ولاية الإمام المعصوم، وتشبثوا بحديث: "كل راية قبل ظهور المهدي فهي راية ضلال". فقطعوا الطريق أمام أي محاولة شيعية للوصول إلى السلطة، وكان مبررهم أن ظهور الإمام مسألة وقت، ثم يباشر مشروع السلطة وحكومة العدل الإلهي بنفسها، أما وقد امتدت الغيبة لعشرات القرون، ومازال الأمل بعيدا، فقد تحولت مسألة السلطة إلى عقدة لدى الاتجهات الثورية، وأصحاب المشاريع السياسية، على العكس من عموم الفقهاء ممن رأوا في هذه المقولات مبررا للتقاعس السياسي. ورغم الرخاء الأمني والسياسي الذي مرَّ به جملة من فقهاء الشيعة في الدولتين البويهية والصفوية، لكنهم لم يشاركوا في السلطة مشاركة فعلية، واكتفوا باستغلال الظرف السياسي لنشر التشيع، وبيان مظلومية أهل البيت، وفضح جرائم الدولتين الأموية والعباسية، والتبشير بدولة المهدي. والاكتفاء بالطقوس والشعائر الحسينية وسيلة لتأكيد الهوية الشيعية.

تجدر الاشارة أن غصبية السلطة إدانة صريحة للخليفة أو السلطان، لكن عندما تقرأ مقدمات الكتب المهداة لهم من  قبل بعض علماء الشيعة تصاب بالحيرة، فالمجلسي صاحب موسوعة البحار مثلا، يرتفع بالسلطان الصفوي منزلة المعصوم، عندما أهدى له كتابه "زاد المعاد"!!!. فهل الأحكام الشرعية مقاسات وفق المصالح الشخصية، أم أن صفة الظلم تتغير عندما يهادن الفقيه السلطان؟. يبدو من سلوكهم أن لديهم رغبة بالسلطة، لولا إكراهات علم الكلام القديم الذي خصها بالإمام المعصوم دون البشر. والغريب الاقتناع بها من قبل علماء الطائفة، دون تفكير في الجانب العملي، فهل يقصدون بغصبية السلطة شمول كل سلطة، بما في ذلك جميع دول العالم؟ والأغرب منهم العلماء المعاصرون. فولاية الفقيه جاءت حلا لمعضلة السلطة وشرعيتها، غير أن ركاكة المباني التي قامت عليها، لا تجعل منها نظرية متماسكة على المدى البعيد، كما أنها كرّست الاستبداد والتبعية باسم الدين، في ظل موجة حقوق الإنسان، والمطالبة بالديمقراطية. إن فكرة غصبية السلطة، موقف من سلطة الخلفاء الأمويين والعباسيين، وليس لها أية أساس شرعي، وقد تقدم مرارا أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية، كي تكتسب شرعيتها من الإمام المعصوم. فمادام ضرورة اجتماعية فهي تخضع لضرورات الواقع، وكيفية اتفاق الناس حول صيغة الحكم وشروطه، فيكون بمنزلة عقد اجتماعي حول السلطة وصلاحياتها، فهي تخصهم بالذات، وهم مصدر شرعيتها، لكن الفكر الإسلامي مازال مرتهنا إما لفكرة الخلافة أو لفكرة الإمامة.

ولم يمر الموقف العقدي الشيعي من شرعية السلطة، وربطها بالإمام، وترحيل دولة العدل الإلهي لآخر الزمان، حيث ظهور المهدي المنتظر، بلا تداعيات، بل أفرزت عقيدة الانتظار من جهة، وحمى التنافس على الرصيد الرمزي للمذاهب والفِرق المتنازعة، ثقافة الغلو، وأسطرة الرموز الدينية، والتشبث بالخرافات، وبقي اللامعقول يمثل جوهر الفكرة الشيعية، خاصة هوية الإمام، ومكانته، وعصمته ودوره ومركزيته. وقد تطور الموقف المغالي الى القول بالولاية التكوينية ومنافسة الخالق في خلقه، كل ذلك لتعزيز الرصيد الرمزي للأئمة، وطرحهم مخلوقات مغايرة للطبيعة البشرية رغم  تأكيد الكتاب الكريم على بشرية الرسول (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا).

لقد أثقل الغلو بمختلف مستوياته الوعي الشيعي، وغدا لا همَّ له سوى الدفاع عن معتقدات، أفرزتها بيئة صراع سياسي محموم، وثنائية السلطة / المعارضة. وبدلا من القطيعة مع الماضي وتراث الفِرق والمذاهب، كرّس الشيعة جهودهم لتعضيد عقيدتهم من خلال مزيد من الطقوس، والاعتناء المبالغ فيه بالأضرحة، والحث على تقديسها، والانفاق السنوي لإحياء التراث، ومراكمة ما تنتجه دور التحقيق، أو ما يضيفه القلم الشيعي، وجميعها لا يخرج عن المقولات الأساسية، باعتبارها حقائق مطلقة، تقتصر مهمته على تعزيز أدلتها، وتفنيد شبهات المعارضة. مع اتخاذ موقف صارم من كل تحرك داخلي مريب يشكك بالعقيدة الشيعية، باعتبارها قراءة ناجزة، ومعطى نهائي غير قابل للنقد والمراجعة. وقد طال التشهير بجميع الرموز الفكرية التي تحدث الخطاب العقدي، وإعادة صياغة بعض مفردات العقيدة بشكل ينسجم مع روح القرآن، ويبتعد عن التطرف والغلو.

نؤكد لا أمل في الاصلاح للوضع الإسلامي عامة، والوضع الشيعي خاصة سوى إعادة النظر في النسق العقدي المألوف والمتداول، وبناء مبادئ عقدية تنسجم مع فهم متجدد للدين، وتأخذ بنظر الاعتبار مركزية الإنسان، ودوره الاستراتيجي في الحياة الدنيا.

الإمام علي ومبادئ الحكم

كان بإمكان الشيعة الركون للإمام علي في تحديد مبادئ السلطة، ونظام الحكم، وشروط الخلافة أو الإمامة، غير أنهم رابطوا في خندق المعارضة التي فرضت عليهم تبني مقولات كلامية، تعزز قدسية أو أسطرة الأئمة، من أجل سلب السلطة الحاكمة شرعيتها، بشكل أصبحت القداسة هدفا مركزيا، وغدت جزءا من البنية العقدية للعقل الشيعي.

لقد أثرت أحداث التاريخ في الذاكرة الشيعية، وباتت جزءا من وعي الذات المسكونة بالمظلومية، وعجزها عن السلطة بسبب قناعات افرزتها ضرورة تاريخية، لا تكف الخطابات الطائفية، عن استعادتها، حتى باتت من ضرورات الرؤية السياسية الشيعية، فكانت ولاية الفقيه أفضل معبّر عن قلق شرعية الحكم. لكن هذا لا يعني أنها صيغة مقدّسة أو صيغة حضارية، فإن مفهوم السلطة وكيفية الترشيح والانتخاب باتت تجري بآليات تتناسب مع الوعي الراهن، وترتكز لمقولات نمت وترعرعت في ظل أجواء سياسية وثقافية مختلفة، يكون الإنسان هو مركز الحياة، وأن حريته مبدأ أساس لا يحق للسلطة السياسية مصادرتها إلا بقدر ما تقتضيه المصلحة العامة، فيعود ما سلب منها عليه بمنفعة أعظم، كالإلتزام بالأنظمة والقوانين المرعية داخل بلده.

إن تأصيل السلطة وفقا للمبادئ التي أرساها الإمام علي من خلال تجربته في السلطة، كانت أفضل صيغة، يمكن أن تكون أساسا لنظام سياسي يحترم القيم السامية، ويؤمن بالشورى والمواطنة، وحقوق الإنسان، بعيدا عن الاستبدادين، الديني والسياسي. لكن الشيعة خسروا عليا الإنسان، واحتاروا بصورة رسمتها ريشة الغلو، فبات يناوب الله في تدبير كونه، ويتولى بدلا عنه رعاياه، على الضد من قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ). فأرهقهم الوعي المغالي، وبات شغلهم الشاغل الرد على مناوئيهم، والانشغال بالعقيدة وترميم ثوابتها، وتعضيدها بالطقوس والشعارات. فالصورة النمطية للإمام علي والأئمة من بعده صورة أفرزتها ثقافة الغلو، وصراع مرير على السلطة، ودعوى احتكار الحقيقة، ومراكمة رصيد رمزي، تمثّل القداسة جوهره، وأسطرة الرموز وقود استمرارها.

يمكن تلخيص مبادئ الإمام علي في السلطة والحكم، من خلال أقواله وتوصياته وسلوكه في السلطة، فهو صاحب تجربة غنية، وقد خاض ثلاثة حروب داخلية. وعندما يحدد مبادئ إنسانية للحكم يحددها عن وعي وحكمة ودراية، وهذه المبادئ، يمكن ايجازها بما يلي:

أولا- مبدأ المواطنة:

حيث يقول: (فَإِنَّهُمْ [الناس] صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ). نهج البلاغة، 53، عهده للأشتر النخعي. والثانية أعم فتكون ركيزة المواطنة عنده على أساس إنساني (نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)، ولا يقصد بالمناظرة تشابه الخلق، بل كان في صدد بيان حقوق الرعية، في عهده لمالك الأشتر عامله على مصر، فيكون لغير المسلم ما للمسلم من حقوق، خاصة مصر، موطن الأقباط. وهذا ما تؤكد مقدمة خطابه، حيث جاء فيها: (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْـمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإمّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ). فلا خصوصية للدين، مادامت القضية ترتبط بالمواطنة، التي من الطبيعي فيها تعدد الأديان والمذاهب. وهي حقوق مضمونة دينيا. فالإمام إذاً يفرّق بين الحقوق المدنية، وما يترتب على العقيدة والدين من مؤاخذات. فالثانية مجالها اليوم الآخر، وهي موكولة لله تعالى، وكيفية تعامله معهم: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). فما حصل بعد عصر الخلفاء من ممارسات تعسفية ضد أهل الكتاب، صدرت عن فهم ديني إقصائي، لا ينتمي للقيم الإنسانية. عقل مستكين، يجمد على ظواهر النصوص، لا يتحرى مناسبات الحكم والموضوع، ولا يفرق بين القضايا الخارجية والقضايا الحقيقية في مجال الأحكام الشرعية، فيصدق أن مقتل العقل التراثي في منهجه، فهو مُرتهن للروايات الدينية والتاريخية. وبدلاً من نقدها، يتخلى عن عقله ويستميت في الدفاع عنها.

ثانيا- مبدأ المحاسبة:

حيث يقول: (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي). نهج البلاغة، الخطبة 216، ق: حق الوالي وحق الرعية. وهو مبدأ عظيم، اعتمدته الأنظمة الحديثة فساهم في الحد من الظلم والجور والفساد المالي والإداري، إذ كان السلطان / الملك شخصا مقدسا، فوق النقد والمحاسبة، وفوق القانون، بل السلطة تستمد شرعيتها منه. وهي أنظمة بوليسية، شمولية، استبدادية، ليس لها مصداقية حتى مع وجود مجالس نيابية.

ثالثا- مبدأ الشورى:

حيث أكد في كلمة له: (وَإنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالاْنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ لله رِضىً).. نهج البلاغة الكتاب رقم (6). وبالمفهوم الحديث أنه أناط مهمة تعيين الخليفة الأصلح بالنخبة، دون عامة الناس، وتأتي البيعة لتؤكد شرعيته. ولم يربط الإمامة بنص أو وراثة، بل هي مهمة المسلمين أنفسهم، مما يؤكد أن السلطة ضرورة اجتماعية وليست دينية في فهم الإمام علي، حيث يقول: (لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر). الخطبة 40، نهج البلاغة.

رابعا- مبدأ العدل وعدم الظلم:

وهو مبدأ أساس في السلطة، وعليه تتوقف سلامة وأمن المجتمع والبلاد، (وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلاَةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلاَدِ) الخطبة 53، نهج البلاغة. ويقرر (فَإِنَّ في العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ، فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ!)، نهج البلاغة 15. فوضع الجور مقابل العدل، حينما يعجز الحاكم عن إقامة العدل، فإنه سيلجأ للجور والظلم. بل ويعتقد أن للعدل تجليات، وليس مجرد كلام أو إدعاء، فالحكم العادل كما يقول: (قال: وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ، بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ، بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ!). نهج البلاغة، الخطبة: 209.

بهذا يتضح أننا أمام مبادئ إنسانية قائمة على العدل والمواطنة والشورى وعدم التفرّد بالحكم مع وجوب المحاسبة، والمساواة بين الحاكم والمواطن العادي. فيمكن للمسلمين، خاصة الشيعة تشييد نظام سياسي وفقها. غير أنهم سجنوا أنفسهم داخل العصر الأول، ضمن مقولات جاءت نتاج وضع استنثائي وإكراهات فرضتها ثنائية السلطة / المعارضة. ولا يمكنهم التحرر منها ما لم يعيدوا النظر في منظومة العقيدة برمتها، وهذا ما نعمل لأجله، من أجل العودة للحياة، والانسجام مع الأنظمة الحديثة، التي سجلت نجاحا فائقا وعلى جميع الأصعدة.

السلطة في وعي الصحابة

إن حيرة الصحابة في تسمية الخليفة، هل هو خليفة الله أو خليفة رسول الله، يؤكد عدم وجود تصوّر عن السلطة في وعي الدائرة الخاصة من الصحابة فضلا عن عامتهم. بل أن الإمام علي تعامل معها على أنها ملك محمد، يجب أن ينتقل لأهل بيته: (وقال: يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم وتدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأننا أهل بيته)، والسلطان هنا بمعنى الملك، لذا يصح انتقاله من بيت لآخر، وهو السائد آنذاك. فالمحاكمات الكلامية فيما بعد تمت وفق مرجعيات تعي معنى السلطة ومؤسساتها، من خلال تجربة الدولتين الأموية والعباسية، لذا اشتد الجدل بين الأطراف الكلامية المتنازعة. بل أن وعي الإمام علي عن السلطة بعد خلافته يختلف عنه بعد وفاة الرسول. فتجربة الصحابة كانت تجربة بدائية، راحت تتطور مع تطور الفتوحات واتساع النشاط التجاري والعسكري. فالنزاع لم يكن حول زعامة دولة، بل حول مشيخة قبلية، لذا ارتكزوا للمبدأ القبلي في حسمها.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

قرأت الحلقة بشكل جيد و رأيت انها تضيف كثيرا لمعلوماتنا. و كان بودي:
١- تعريف معنى الغلاة أولا.
٢- و ثانيا كشف مصداقية تصانيف الشهرستاني للملل و النحل. فهذه الفروق البسيطة بين الباطنية و الظاهرية حول الاسلام تصنع مجموعات متناحرة مع ان مبدأها بشكل اساسي و جوهري متشابه.
ان التصنيف يكون بالعادة حاملا لسمة او فرق بنيوي. و الشهرستاني مع انه من اهل الكلام و ألف كتابا بعنوان مصارعة الفلاسفة لم يكن واضحا بهذه الأمور و هو ما يحتاج لوقفة تأملية لغربلة المدسوس و الغامض من الحقيقي و غير المشبوه و الصحيح.
٣- و بالنسبة لاستشارة الامام علي فهي جائزة ترضية او قناع ماكر خلفه وجه سيء النية. كانت السياسة هي في استيعابه و هضمه و ليس تمكينه و كلنا نعرف التفاصيل.
٤- و تبقى مشكلة الشورى. انها حد اسلامي و لا يمكن تشبيهها بالديمقراطية. ان الديمقراطية جزء من دمج الشارع بماكينة و دواليب المجتمع الرأسمالي. بينما هي محدودة في الاسلام و تعمل في شريحة فقط و لا علاقة لها بالشارع بحد ذاته.
و هنا مسألة عويصة.
هل مجالس الشورى هي التي تقرر ام انها تمهد الطريق للاحتكام لصناديق الاقتراع و هل هذا يجوز شرعا. و كيف تعمل الشورى الاسلامية في بلد مختلط. و هل علينا استشارة بقية الجماعات و الاقليات الدينية ام نتركهم في النسيان.
دائما اود عدم خلط الشورى بالمفهوم المدني المعاصر و العلماني للديمقراطية و شكرا.

This comment was minimized by the moderator on the site

لا يمكن الاخذ بالتراث بعيدا عن النقد والمراجعة ومقارنة النصوص والتاكد من صحة صدورها ولو بشكل يغلب فيه الاطمئنان. شكرا لقراءتك الحوار،وشكرا لاثاراتك المحفزة. الشورى في القران ليست اكثر من التشاور، فهناك اختلاف جوهري بينهما رغم ان التشاور مشترك بينهما. تحياتي لحضور الاستاذ د. صالح الرزوق.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المفكر الفاضل الغرباوي تحية طيبة.

تقول حضرتك وبدلا من السعي للحكم انشغل الأئمة بالتنظير لدولة العدل الإلهي التي سيقودها المهدي والتي ستحقق جميع الأهداف الشيعية حتى اضطروا لرسم صورة مثالية لدولته المرتقبة .
هل كانوا ائمة ال البيت مؤمنون بنظرية المهدي ويؤكدون ذلك كما كما تقول حضرتك.
كما تتحدث حضرتك وتقول... (والاعتناء المبالغ فيه بالأضرحة، والحث على تقديسها) فهل برأيك ان الزيارة لهذه الاضرحة وتقديسها بهذا الشكل لايجوز او فيه اشكال .

وقد ذكرت أن الإمام علي تعامل معها على أنها ملك محمد، يجب أن ينتقل لأهل بيته: (وقال: يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم وتدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأننا أهل بيته). فنفهم من ذلك وحتى الاخرين في عصره الخلافة لاتجوز لغير ال بيت النبي .وكذلك نفهم ان السلطان يعني الحكم دينيا كان او سياسيا.

ودمتم بأمان الله

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك وتفاعلك الاخ الاستاذ ابا سجاد
قضية المهدي كالامامة شغلت الصف الشيعي، وكانت إحدى أسباب الانشطارات المتتالية. وما من يموت إمام ويأتي التالي إلا وسألوه هل انت المهدي الموعود؟ فيجب لا. فالأئمة منغمسون في الموضوع، لكن قوة التظير ظهرت بعد الغيبة الكبرى.
وأما زيارة الأضرحة فتعتمد على نية الزائر، لكن ماذا عن نصوص الزيارة وهو يتلوها مؤمنا؟ هذا هو السؤال الخطير الذي يهربون من مقاربته؟
أما عن السلطة كما نفهمها فلا تنتقل من بيت الى اخر، بل الملك ينتقل، والملك تلازمه السلطة بمعنى استخدام القوة.
تحياتي لك ثانية

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4590 المصادف: 2019-03-31 08:24:52