 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (113): الفقيه وأولي الأمر

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة عشرة بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق21) عن سلطة ومشروعية الفقيه.

 

أولي الأمر

ماجد الغرباوي: رغم أن طاعة أولي الأمر واجبة في الشريعة الإسلامية إلا أنها طاعة مقيّدة، كما في آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). مما يستدعي معرفة طبيعة القضايا المناطة بهم، لتفادي أي إطلاق، يجعل من الآية دليلا شرعيا، لتكرّيس الانقياد، وتغدو فتاواه ذريعة بيد السلطة لقمع المعارضة، ومصادرة حرية الشعب باسم الطاعة الشرعية للولي. بينما يظهر من الآية أن ولاية أولي الأمر تختص في قضايا تحتمل بطبيعتها الاختلاف والتنازع، وتحتاج دائما لمرجعية أعلى لتسويتها. إلا أنهم فسّروها بالشريعة والسُنة النبوية. مما يعني إطلاق يد السلطة مادام ولي الأمر ملتزما ولو ظاهرا بهما، وهذا خلاف ظاهر الأمر اضطرهم الفراغ التشريعي للتمسك به.

إن الآية أعلاه من آيات التشريع، وتشكّل إحدى مرجعيات العقل الفقهي، وما لم نعد النظر في فهمها والكشف عن دلالاتها الحقيقية، وبيان سلطة أولي الأمر، ومرجعيات تسوية النزاعات، تبقى دليلا لشرعنة السلطة، وتزوير الوعي باسم التشريع. من هنا تكتسب أهمية خاصة في نقد العقل الفقهي. ومن يدقق في الآية يجد ثمة ملازمة بين سلطة أولي الأمر والرد إلى الله ورسوله. فهل تتوقف شرعية سلطتهم على وجود الرسول أم يكفي كتاب الله وسنته؟ وهل المقصود خصوص التشريع أم شخص النبي كقائد أعلى؟.   

يقصدون بأولي الأمر، كل من تصدى لشأن من شؤون الأمة. وفي اللغة: (أَوْلَى فلانًا الأَمرَ: جعله واليًا عليه). وأما اصطلاحا كما هو متسالم عندهم، فيقصد به أولياء أمور المسلمين، سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية. ويمكن اختزاله إلى: "كل من يتحمّل مسؤولية إدارية"، وبعضهم أضاف لها "أو دينية". وأولي الأمر عند الشيعة خصوص الأئمة الإثني عشر، ومن له نيابة خاصة كالسفراء الأربعة في زمن الغيبة الصغرى. أو من تشمله النيابة العامة، وهم الفقهاء.

والأهم من ولاية أولي الأمر صلاحياتها، في ضوء شرط الآية. ومعرفة القدر الذي يجب على المسلم طاعتهم فيه؟. ذهب الشيعة إلى اختصاص الولاية بالأئمة، ولهم ما للرسول من صلاحيات مطلقة. بينما لا فرق عند السنة بين مؤمن وآخر في الولاية متى تصدى لشأن من شؤون المسلمين، استنادا لإطلاق آية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ). شريطة أن تكون طاعته بعدم مخالفة الشريعة، (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). وحدود عدم مخالف الشريعة عدم ارتكاب الفحشاء والمنكر والبغي والظلم: (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

وكلا الاتجاهين أو التفسيرين كرّس مطلق الطاعة لأولي الأمر، واقتصر الاختلاف على مصاديقها، بين الأئمة ومطلق أولي الأمر، لكن الصلاحيات وشروطها التي تهمنا جدا، تكاد تكون مشتركات تشريعية بين المذاهب. وقد تمادى الفقه السلطاني في شرعنة سلطة أولي الأمر، متجاوزا بذلك القدر المتفق عليه بعدم مخالفة الشريعة، فكانت الفتاوى تحث على الطاعة والانقياد وحرمة التمرّد والعصيان. بل والأكثر أن التراث قد أسس لرؤية ثابتة، راح اللاحقون يقتدون بها، باعتبارها صيغة شرعية، تؤيدها الروايات، وهي أخبار مشكوكة، تتناقض مع أبسط مقومات الشخصية المؤمنة. حتى سوّغ بعضهم ولاية الفاسق، وقالوا بوجوب الصبر على أوامر السلطان الظالم والفاسق، وعدم جواز الخروج عليه، لقمع المعارضة وتبرير سلطة الخليفة. فابن كثير، مثلاً، أكد أن يزيد بن معاوية (إمام فاسق) لكنه يقول مع ذلك: إن (الإمام إذا فسق لا يُعزل بمجرد فسقه على أصح قولي العلماء، بل ولا يجوز الخروج عليه لما في ذلك من إثارة الفتنة، ووقوع الهرج، وسفك الدماء الحرام، ونهب الأموال، وفعل الفواحش مع النساء وغيرهن، وغير ذلك مما كل واحدة فيها من الفساد أضعاف فسقه كما جرى مما تقدم إلى يومنا هذا...).

الصحابة وأولي الأمر

إن منصب الخلافة / أولي الأمر كان أهم منصب بعد وفاة النبي، اجتمعت فيه وحدة السلطتين الدينية والزمنية، وتم استغلاله وتوظيفه بعد انقضاء عصر الراشدين. والمعروف تاريخيا أن الصحابة اختلفوا بادئ الأمر حول صفة الخليفة، فهل هو خليفة الله أم خليفة رسول الله؟، فاتفقوا على الثاني، ولقبوا الخلفاء بلقب "خليفة رسول الله"، وعضدوه بآية وجوب طاعة أولي الأمر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ)، فراح يتبادر من المفهوم وحدة الصلاحيات، وأن وليّ الأمر / الخليفة كرسول الله في ولايته المنصوص عليها قرآنيا، والملزمة شرعا، فتكون مطلقة. فمصطلح "خليفة رسول الله" مرر حزمة مفاهيم كرّست قداستهم وعصمتهم، وإن لم يصرحوا بذلك. لكن مواقف المسلمين ومشاعرهم تؤكد هذا المعنى. وهو تزوير واضح مع عدم وجود دليل صريح، بل الآيات فصّلت بين سلطة وولاية الرسول، التي هي مطلقة، ملزمة، شاملة، وبين سلطة وولاية أولي الأمر، التي هي محدودة، ومقيدة. لا إطلاق لطاعة أولي الأمر في كل ما يفعلون ويقولون ويقررون، بل هم ملزمون بتعاليم الإسلام. وآراؤهم آراء اجتهادية، تفرضها قبلياتهم، وظرفهم، وتنتهي سلطتهم وولايتهم عند أول نزاع حول الصلاحيات التنفيذية. كما ليس هناك دليل على إطلاق هذه الولاية والسلطة بعد وفاة الرسول. رغم وجوب طاعة أولي الأمر، ما دامت وفقا للقانون ولمصلحة البلاد والشعب. لكن الكلام حول وجود دليل شرعي وعدمه، لنكتشف حجم التزوير، سواء كان مقصودا أم لا، غير أنه أثّر، وما زال يؤثر في الوعي السياسي للمسلمين، ويحرّم أية مقاربة نقدية لعهد الراشدين رغم إكتظاظ الأسئلة والاستفهامات والشكوك التي تنتظر إجابات صريحة، حتى وإن انهارت قداسة تلك الفترة التاريخية. بل بقيت بعض القضايا مهمة تئن تحت وطأة الأسئلة والاستفهامات، لا يمكن مقاربتها، خوفا من الطعن بقدسية الصحابة. والدليل أن الآية الكريمة تقصدت استخدام كلمة "تنازعتم"، في تحديد موضوع سلطة وولاية أولي الأمر، كي لا يتبادر لذهن القارئ إطلاق ولايتهم وسلطتهم خارج موضوعها، الذي هو مجموعة صلاحيات إجرائية، يكون النزاع فيها متوقعا عادة. فالآية بصدد ضابطة لحسم النزاعات مع احتمال وقوعها. فطالبتهم بالعودة للنبي الذي منحهم تلك الصلاحيات، فهو أعرف بتسويتها. وأما لفظ الجلالة في الآية فقد جاء لتأكيد سلطة الرسول ووجوب طاعته في هذا الخصوص. ولو كان موضوع الطاعة والسلطة والولاية غير ذلك لأحالت الآية على الكتاب الكريم، باعتباره تبيانا لكل شيء. لذا قلت لا يوجد إطلاق للآية لما بعد وفاة الرسول، أي الجهة المخولة بحسم النزاع. ولا يوجد في الآية ما يستدل به على شرعية أية سلطة أخرى. فنص الآية استخدم تقنيات تعبيرية، حدت من التكهنات حول سلطة وولاية أولي الأمر خارج صلاحياتهم التنفيذية، بل وخارج سلطة الرسول. أي أنهم أولو أمر بإشرافه وتوجيهه، فتنتهي بوفاته. وتبقى لهم ولاية بمعنى الإدارة وتدبير الأمور بتخويل دستوري محدود، لايمنحه حق مصادرة حرية الفرد والجماعة. فالآية رغم سكوتها، قالت كل شيء، وعندما نفكك النص، نكتشف موقف القرآن من أولي الأمر، فليست هناك ثقة مطلقة في الحكم والصلاحيات لأي شخص، مهما كان عدد روايات الفضائل وصحة صدورها. القرآن هو الأصل والأساس، والكل يخضع لمنطق الآية وما تضمره من دلالات وأنساق معرفية وتشريعية.

الآية في أعماقها تتحفظ على السلطة والولاية، لا أنها تشرّع، كما هو المتبادر والمتعارف في تفسيرها. بل تتوجس من تخويل الناس سلطة باسم الدين والتشريع. فلاحظ دقة تعبير الآية في نهايتها: (إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، أي أن الآية وضعت في حساباتها إحتمال تمردهم!! والاستبداد بسلطتهم، فحثتهم على الرجوع للرسول لحسم الأمور وعدم التمادي بالسلطة واستغلالها، فـ (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). ولو كانت الآية بصدد تخويل أولي الأمر سلطة ذاتية مطلقة، فلا داعٍ لخاتمتها. فنهاية الآية قرينة على تشخيص المعنى.

وإذا قيل أن المقصود بالتنازع، خصوص النزاع بين الناس وأولي الأمر، وليس بين أولي الأمر أنفسهم. فولايتهم وسلطتهم لا تنخرم بالنزاع، بل تسوّى من خلال الكتاب الكريم وروايات النبي. وهذا الاستدلال ليس ظاهرا، لأن القضايا التي يمكن تسويتها من خلال الآيات والروايات هي القضايا التي يختلف في مفهومها وجعلها، فلا يعبر عنها بالنزاع بل بالاختلاف، وسوء الفهم والتشابه وغيرها من ألفاظ. لكن الآية عبرت بدقة عندما استخدمت مفردة "نزاع". أي نزاع حول شيء يملك أو يخضع لإرادتك، وهي الصلاحيات، سواء وقع النزاع بين أولي الأمر أنفسهم أو بينهم وبين الناس. كما أن طاعة الرسول في الآيات الكريمة طاعة تنفيذية وفي القرارات القيادية، حيث فرضت عليه الظروف وضعا يتطلب طاعة مطلقة، فجعل طاعته امتدادا لطاعته. وفرضت الآية طاعة مشروطة لأولي الأمر الذين يتلقون أوامرهم من النبي القائد، لذات السبب. فالآية ناظرة للقضايا التنفيذية والإجرائية، خاصة أن سياقها العام يتحدث عن المرافعات القضية يكون النزاع فيها متوقعا، ولا يمكن الاستدلال بها على حجية سنّته، بل ولا يوجد ما يدل على ذلك بآية صريحة، والتفصيل في محله. وبالتالي، فسلطة أولي الأمر محدودة وتختص بعهد النبي. فالقراءة النقدية للنص ستضعنا أمام اكتشافات معرفية مهمة، تجعلنا نتوقف في كل رواية تخص السلطة والولاية. فلا ولاية بموجب هذه الآية الكريمة. ويبقى كل حاكم مسؤولا عن سلوكه ومواقفه وقراراته والدماء التي سفكت في عهده، والثروات التي تبددت، والإنسانية التي استباح كرامتها وحيثيتها، وما لحق الدين من تصدع في مفاهيمه وقدسيته. فالآية حتى وإن كانت صريحة لا تعفي الخلفاء عن مسؤولياتهم، فكيف وهي لم تثبت لهم سلطة ولا ولاية. وهذا لا ينفي كما قلت وجوب طاعة أولي الأمر في السلطة باعتبارها ضرورة لضبط الأمن، وسيادة النظام والاستقرار. وكشاهد على ما تقدم، اقرأ الآيات الخاصة بها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا). فطاعة الله ذاتية، وله حق الطاعة مطلقا على عباده، وقد جعلها لرسوله في عدد من الآيات، لضرورات اقتضتها الرسالة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، وهي طاعة مطلقة، بينما طاعة أولي الأمر مقيدة رغم صرامة النصوص المفترضة بالولي: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

من هنا بات واضحا أن مفهوم الخليفة، كرّس الاستبدادين الديني والسياسي من خلال مكره ورمزية مراوغاته، عندما وحّد السلطتين الدينية والسياسية في شخص الخليفة، ومنحه سلطات واسعة، هي ذات سلطات الرسول باعتباره خليفته. فيجب طاعته وعدم الخروج عليه.

النظام الديني للمسلمين مهما اختلفت صيغه هو حكم ثيوقراطي، يكرّس سلطة الحاكم الأعلى ويحرّم الخروج عليه، ويمنحه سلطات واسعة. وهو نظام ينسجم مع القيم القبلية، ويتناغم مع وعي الفرد في نظرته وتقديسه لشيخ العشيرة. بل، كما تقدم، تم قراءة النصوص بوعي قَبَلي، منحاز، كرّس سلطة الاستبداد. وأخضع الشورى التي أكدت عليها الآيات لذات الفهم، فهي غير ملزمة للخليفة بنظرهم، ويبقى الخيار له في اتخاذ القرار النهائي. بينما آيات الشورى واضحة، تلزم النبي بالعزم واتخاذ القرار بعد التشاور، فيكون قرار الشورى ملزما ولو بشكل غير مباشر. لكن جوهر القرار يمثل رأي الشورى، الذي في ضوئه اتخذ النبي قراره. والشورى محصورة في القضايا الإجرائية والتنفيذية التي تتطلب تنوع الخبرات، فتكون ملزمة لحيثية الخبرة والاختصاص وتراكم التجربة، لا مجاملة أو اعتبارا لذات الأشخاص. والفرق كبير وواضح. فتارة نشاور بعض الشخصيات مجاملة لتمرير القرار وعدم الاعتراض عليه من قبل الشخصيات المؤثرة في المجتمع. وتارة نشاور أهل الخبرة ونستفيد من خبراتهم وتجاربهم في اتخاذ القرار. والثاني هو المراد من الآية. غير أن قرارات الخلفاء كانت تطاع باعتبارها تمثل الشرعية، وسلطة الرسول، وما الخليفة سوى خليفة رسول الله في صلاحياته. والحقيقة أن النبي لم يخلف أحدا بنص صريح، واضح لا لبس فيه، ولم يخوّل شخصا بأية سلطة وصلاحيات دينية وغير دينية، بل كان التكليف مقتصرا كما تبين من الآية على حياته حينما كان المرجع المختص شرعا بفض النزاعات، التي قد تحدث بسبب الإجراءات التنفيذية وصلاحياتها المحدودة. فنقل هذه الصلاحيات كاملة لما بعد وفاته، تحتاج لدليل، وهو مفقود، فينبغي وعي مفهوم أولي الأمر بشكل لا يسمح بتمدد الخليفة، بما يوحي وحدة الصلاحيات بينه وبين الصلاحيات النبوية.

وبالفعل طالما أكدت الآيات: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وقد صدق دعواه بالوحي وما نزل عليه من القرآن، (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). فسلطته سلطة إلهية حقيقية (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا)، ولم يجعلها لأحد من بعده: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). وبوفاته أنتهت سلطته الدينية، وما لازمها من سلطات سياسية واجتماعية. ولا طاعة مطلقة لأولي الأمر. وهذا هو الواقع، وهذا ما نحتاجه للتمييز بين الإلهي والبشري في شرعية السلطة في ظل تزوير مقصود لحقيقتها.

ثم جاء فقهاء السلطان رسّخوا قدسية الحاكم وسلطته في أذهان الناس فأصبح الخليفة خليفة الله في أرضه، والسلطان حاكم باسم الله. واستماتوا في الذب عن شرعية سلطته، عندما حرّموا الخروج عليه، وفرضوا وجوب طاعته مطلقا عند بعضهم. فأصبح سيف الشرع مسلطاً على كل معارض يتهمهم بالفساد أو الجهل، وقد استخدموا (وأطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) على نحو يتضارب مع أبعادها المنهجية. وقد ساعد على ذلك فساد رجل الدين ورخص بعض الرواة، فرجل السلطة متهم في تقواه، وورعه، يمكن للحاكم شراء مواقفه.

وبالتالي فولاية أولي الأمر، مرنة تحتمل النزاع والخلاف، وتختص في القضايا الإدارية والتنظيمية، فهي صلاحيات للمحافظة على النظام العام وإدارة شؤون الدولة والمجتمع. ولا تستبطن (أولي الأمر) شرط الفقاهة إطلاقا كي تتعدى للفقيه، ويستمد منها سلطته ويفرض علينا طاعته والانقياد له. فهناك اختلاف جوهري بين ولاية أولي الأمر وولاية الفقيه. ولاية الفقيه قيمومة وتدبير، تسلبك إرادتك، وتفرض عليك طاعة مطلقة للفقيه، غير مشروطة كأولي الأمر. فاحتمال التنازع مع الفقيه غير وارد إطلاقا، بينما القرآن يمنح مساحة للاختلاف رغم أنهم أولو الأمر، وطاعتهم ضرورية لضبط النظام وإدارة شؤون المسلمين، خاصة أمراء الحرب زمن الرسول.

فإذا كانت هناك مسؤولية دينية على رجل الدين فتنحصر بتبليغ الرسالة وإرشاد الناس، وتعليمهم مبادئ وأحكام الإسلام. لكن الأمر خرج عن السيطرة، وتعددت صلاحيات رجل الدين، وأصبحت مرجعيته جزءا لا يتجزأ من كينونة المسلمين. وصار المسؤول الأول عنهم وعن أموالهم ومستقبلهم، بل هو أولى بها منهم قياسا على ولاية الرسول (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم). بينما حتى طاعة الرسول تنسب إلى الله وليس له طاعة من دونه: (وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن الله).

  

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

ان مشكلة الطاعة و علاقتها بالتشريع مرتبطة بسوسيولوجيا الزعامة عند العرب.
فالعقل العربي عقل رؤوسي. بمعنى انه يحتاج لهدف اعلى منه ليخدم غرض التصعيد او ليضفي على المجتمع هدفا ساميا نحيا من اجله.
و لذلك كان الحراك السياسي عند العرب مقترنا ببنية القيادة و معناها سواء لها شكل ديني او غيره.
و التسلسل الهرمي جزء لا يتجزأ من هذه العقلية التي تخدم التعبئة او للتجييش و تضمن ولاء الصغار للكبار.
و اعتقد ان المضمون الطبقي كان واضحا اكثر من مفهوم العصبية الذي تكلم عنه ابن خلدون.
فالمتحكم بمصادر الثروات هو النافذ و هو الذي يحكم الا باستثناءات قليلة من بينها "المومينتوم " الذي تمثله كاريزما الرسول محمد.
و اعتقد ان كل هذه التفاصيل تجدها في كتاب العرب و القيادة لخليل احمد خليل و هو من كلاسيكيات التفكيك الاجتماع نفسي لشكل و اساليب العلاقة بين التابع و المتبوع.
و شكرا

This comment was minimized by the moderator on the site

المجتمع العربي مجتمع قبلي، ليس فقط هو بل كل المجتمعات آنذاك، مجتمعات قبلية، يحكمها راس متنفذ، ويخضع الجميع لادراته، لهذا تعاملوا مع السلطة بهذا المنطق، وهو منطق سائد، وليس هناك بديل. شكرا لمداخلتك القيمة الاستاذ د. صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر الاستاذ الدكتورماجد الغرباوي تحية طيبة .

رغم اهمية هذه الاية وما جاء بها من غموض وعدم الوضوح . فالقضية لاتقف عند حد هذه الاية فحسب وانما ستمتد وتطول الى اكثر الايات غموضا حيث تتحمل عدة وجوه حول تفسيرها وهذه هي المشكلة التي عاناه المسلم فمنهاعلى سبيل المثال.
اية الخمس فهل تبقى هذه الاية فعالة حتى يومنا هذا ولماذا لايستوفى منها مايخرج من الارض كالنفط والمعادن الاخرى وهل تستوفى سرا ونحن كمسلمين لانعلم ،،واية الورث وحقوق المرأة المغيبة التي اصبحت رئيسة ووزيرة وطبيبة ومحامية وكاتبة وما الى ذلك من مناصب اخرى .... والشورى التي لم يشر لها النبي مباشرتا والاسراء والمعراج وما حقيقة الدابة التي عرج بها الرسول ...وشرب الخمر حيث جاء فيه اجتناب وليس تحريم وجمع القرأن بطريقة لايتحملها العقل واعتراض الكثير بانه جاء ناقصا وليس مكتملا مثلما ذكره الشيخ المفيد انه جاء بمجلد واحد ولو جمع بالشكل الصحيح لجاء بثلاثة مجلدات،،،،،وما جاء في صحيح البخاري واعتراض عمر بن الخطاب حيث قال بأن هناك ايات سمعتها من الرسول ولم اجدها في هذا القرأن الذي جمعتموه واعتراض السيدة عائشة بأن اية براءة كانت سورة وليس اية . واحتفاظ بعض الصحابة بقرئانهم الذي حفوضه من خلال مصاحبتهم للرسول وعدم تسليمه في زمن الخلفية عثمان بن عفان الذي قام بحرق المصاحف وابقائه على نسخة واحدة ومصحف فاطمة الذي يدعي به الشيعة . وايات الزواج والنكاح وملك اليمين . واية ياايها النبي إ نا احللنا لك ازواجك اللاتي اتيت اجورهن ،، ولا نعرف هل كانت تلك الازواج ليس حلالا من قبل .
فالقرأن يادكتور للاسف لايقف عند اية اولي الامر .فلو كان كذلك لهان الامر من خلال ماطرحته حضرتك في هذه السلسلة القيمة التي فصلتها في عدة مقالات وكان شرحك لها مقنعا وافيا يتقبله العقل. فلك جزيل الشكر والامتنان على هذا المجهود الكبير الذي اتحفتنا به .
والسلام عليكم.

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك وتفاعلك الاخ الاستاذ ابا سجاد، سعيد بمواصلتك قراءة الحوارات، ما اشرت له من اشكالات في تعليقك، بعضها صحيح ويحتاج الى مراجعة نقدية حقيقية، لمعرفة الحقيقة. ثم هناك منهج في فهم القران لا يراعى مع الاسف، مثلا لا يفرقون بين القضايا الحقيقية والخارجية كما هو الاصطلاح الاصولي الذي يفرق بين الحكم المطلق والمقيد بزمانه. وبعض لا يرتكز للمنهج القراني في فهم المتشابه من الايات التي ينبغي ردها للحكمات. اامل ان نواصل الحوار لعل افكار جديدة تتبلور تحياتي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4597 المصادف: 2019-04-07 01:04:18