 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (125): قداسة الفقيه

majed algharbawi7مهدي الصافيخاص بالمثقف: الحلقة الخامسة والعشرون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يواصل حديثه في (ق33) عن سلطة ومشروعية الفقيه. ويستكمل الإجابة على أسئلة الباحث مهدي الصافي.

 

ماجد الغرباوي: ثمة أسباب وراء تراكم الأحكام الشرعية واتساع سلطة الفقيه. منها سياسي، كالأحكام السلطانية، التي هي اجتهادات فقهية، ومسائل مستحدثة في شؤون السلطة والحكم، بعد قيام دولة الخلافة، واتساع رقعتها. والآخر يرتبط بفهم الدين ودور الإنسان في الحياة، في إطار مرجعيات عقدية، تضاعفت بفعل صراع السلطة واستلاب الوعي والفهم المبتسر للدين والإنسان، وفقا لنظرية العبودية. حتى غدت فتاوى الفقيه، بعد تنقيح قاعدة "ما من واقعة إلا ولله فيها حكم"، كالشريعة وضرورات الدين، مقياسا لشرعية سلوك الفرد والمجتمع، وأساسا لصدق مفهوم الانحراف والردة وربما الكفر. والقاعدة لم يصرّح بها الكتاب الكريم، غير أنها تملي قناعاتها من وحي الحاكمية الإلهية التي تقتضي شمول الدين لجميع مناحي الحياة، لذا رفعت الحركات الإسلامية الثورية شعار "الحل في الإسلام"، أو "الحل في القرآن". وهي شعارات مواربة ناقشتها تفصيلا في كتاب تحديات العنف. إذ تجلت الإرادة التشريعة في أحكام الشريعة، وتفصيلاتها النبوية، لاختصاص التشريع بالله، وعدم جعل ولاية تشريعية صراحة لغيره مطلقا، ليؤكد حرية الإنسان في منطقة الفراغ التشريعي، ارتكازا لأصل البراءة عند الشك بأي تكليف. والحرية هنا لا تعني فوضى التشريع، بل ترتهن لمصالح الفرد والمجتمع وفق ضوابط ومحددات. وهذه رؤية إسلامية – قرآنية متزنة، غير أن مبدأ الحاكمية الذي استغلته الحركات الإسلامية، وقبلها قاعدة ما من واقعة إلا ولله فيها حكم التي تأسست على ذات الفهم للحاكمية الإلهية وشمول التشريع، حصرت التشريع بالشريعة، وأفتت بعدم شرعية أي تشريع وضعي، مهما كان موضوعيا، ما لم يكن في إطار الشريعة. ولما كانت أحكامها محدودة، إرتهن التشريع لرأي الفقيه، باعتباره المجتهد القادر على استنباط الحكم الشرعي من مصادره.

ثم أن ضمان عدم انحراف الفرد دينيا وأخلاقيا، وإكراهات الحكم، التي تستدعي قمع المعارضة، وضبط سلوك الفرد، وضمان عدم تمرّده، كانت هي الأخرى وراء تراكم الأحكام، إذ ليس كالفتوى أداة قادرة على ضبط السلوك العام. وهذا أحد مبررات تأسيس قواعد أصولية، وقواعد عقلية كلية، تساهم في ملء الفراغ التشريعي، والإجابة على المسائل المستحدثة، فارتفع الفقه إلى مستوى الشريعة في قدسيتها، وصار الفقيه في الوعي الجمعي يماثل المشرّع / الله في صلاحياته وقدسيته وسلطته، يقتصر الموقف منه على الطاعة والانقياد وحرمة التمرّد والمعارضة. نفهم من هذا أن مبرر هيمنة الفقيه هو ارتفاع الفقه إلى مستوى الشريعة، لا فقط حراسة الدين وحمايته، رغم تفاوتهما، مما يسمح نسبته إلى الله، وبالتالي يحلّ الفقيه محل الله. فسلطة الفقيه إذاً مرتهنة لمقوماتها، علما أن الاجتهاد بمعنى الملكة والقدرة على استنباط الحكم الشرعي، تختلف عن سلطة الفقيه، التي تعني الولاية والقيمومة المباشرة، حينما يدعي ولايته، كما بالنسبة لنظرية ولاية الفقيه. أو غير مباشرة باعتباره مصدرا للإفتاء، والمسؤول عن تحديد الموقف الشرعي من القضايا المطروحة. وهنا تكمن سلطته وهيمنته، التي نطمح لتفكيكها، وإعادة تشكيل الوعي، بما يتناسب مع الاجتهاد، كعملية عقلية متاحة لكل من يملك شروطها، تهدف إلى استنباط الحكم الشرعي، بعيدا عن الهيمنة والقداسة. فهدفنا نقد الهيمنة باسم الدين والتشريع، وإتاحة الفرصة للوعي ليعيد اكتشاف نفسه، ويحدد مسؤولياته تجاه حياته ومستقبله. أما تلك المقومات فهي:

1- قدسية الاجتهاد:

الاجتهاد ملكة طارئة، يتوقف عليها صدق مفهومه. وهو صنعة ومنهج عقلي متاح، ضمن شروطه وأدواته. غير أن أسطرة المفهوم، وارتباطه بالفقه، وحاجة الناس للفقيه، سيما السلطة، أحاطت بالمجتهد هالة قدسية، سلبت عملية الاجتهاد بشريتها، ونَسَبَتها إلى الله وتوفيقاته، مما يشي باستحالة الاجتهاد بعيدا عن الإرادة أو الرعاية الإلهية. ليس قصدهم من "توفيق الله" ما يترتب عليه من إمكانية إستنباط الحكم، بل خصوصية الاصطفاء. فكأن المجتهد يؤكد اصطفاءه عندما يبرهن على اجتهاده. وهو مرادف للقداسة والتبجيل، الذي ترفعه فوق النقد والمراجعة، وتحرّم الرد عليه والتمرّد على فتاواه، بغض النظر عما تضمر من أهداف سياسية وأيديولوجية.

إن الاجتهاد، عملية ممكنة بحد ذاتها لمن يملك أدواته، ويتقن فهم النص، سواء ارتدى أو لم يرتدِ زي العلم الديني والكهنوتي. وهو صِنعة، وحِرفة ومِهنة، وقدرة على ممارسة الاستنباط، وفق شروطه، بأن يكون عارفا باللغة، والبلاغة، والإعجاز، وخبرة كافية بالتراث الحديثي ورجاله، وتاريخ الرواة، والمقارنة بين الآراء، وإمكانية فهم النص الديني. إضافة الى تمكنه أصوليا، شريطة أن يكون له رأي مستقل يمكّنه من توظيفه في عملية استنباط الحكم الشرعي. كأن يكون ذا رأي في خبر الآحاد، ومدى حجيته؟ وكيف يثبت حجية الظهور. وما هو الفرق بين الأدلة. وهل للشرط مفهوم أم لا؟ وما الأصل الأولي في حالات الشك: البراءة العقلية أم أصالة الاشتغال؟ وما هو المنهج في رفع التعارض بين الروايات. وهكذا في كل مفردة من مفردات الأصول. مما يؤكد حاجته للبحث والدراسة والتحصيل، كشرط لملكة الاجتهاد والقدرة على استنباط الأحكام، بعيدا عن أي سبب مثيولوجي. فالاجتهاد مَلكة كأية مَلكة مهنية يتوقف إكتسابها على وجود مهارة وتخصص في موضوعها. لا أنفي توفيق الله ورعايته فهما يحيطان بالمؤمنين، لكن الاجتهاد منهج علمي، يتوقف على ضبط أدواته. لكنه اكتسب قدسية موضوعه، أي فقه الشريعة، الذي يصفه جميع الفقهاء عبر التاريخ بأنه أشرف العلوم، وأقدسها!!. ولا يخفى إن الدفاع عن قدسية الفقه، دفاع عن مكانة الفقيه. فالفصل بيهنما يساعد على نقد الفقيه، وما عاد الفقه بعد تطور العلوم أشرف العلوم. الإنسان غاية الخلق، والشريعة جاءت لخدمته، لا لاستعباده. فلا قدسية للفقيه من هذه الجهة بالذات. كما لا معنى لقداسة الفقه، مادام وجهات نظر اجتهادية – شخصية، يشهد لذلك اختلاف الفقهاء في المسألة الواحدة. قداسة الفقيه صناعة أيديولوجية، ولعبة سياسية، تدفع باتجاه تضليل الوعي عبر مفاهيم دينية مرنة.

2- فهم النص الديني:

يوحي المجتهد باحتكاره الحقيقة التي تستلزم قداسته في الوعي الجمعي، عندما يدعي احتكار فهم النص بدعوى قدسية أدواته، أو تقمص الاصطفاء والانتساب للإلهام الإلهي والغيبي، ليقطع الطريق على من سواه: (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). وهذا مقوّم ثانٍ قد يفوق الأول، حينما يرمي الآخر بالانحراف أو الردة وربما الكفر. ويتجلى بوضوح في تفسير الآيات المتصارع حول مصاديقها مذهبيا وطائفيا. وهو أوضح مصاديق احتكار فهم النص، وتوظيفه أيديولوجيا. وبالتالي أي محاولة لتقديم فهم مختلف بعيدا عن المذاهب والنظرة الضيقة للنص، يخلخل سلطة الفقيه وقدسيته.

لا يمكن للفقيه أو لغيره احتكار فهم النص، ويبقى متاحا للقراءة، والفهم، متأثرة - أي القراءة - بقبليات القارئ وثقافته. بل أجد أن قراءة الفقيه محكومة بخلفيته العقائدية، حدا يتعذر عليه التجرّد والموضوعية، إلا في إطارها. بمعنى أدق أن قراءته وفهمه للنص مرتهنان لسلطة قبلياته، مهما إدعى الموضوعية والتجرّد. فقراءته قراءة منغلقة على رؤية واحدة. وسواء احتكر فهم النص أو لم يحتكره، فإنها عقيمة غير منتجة، سوى ما تمليه قبلياته المذهبية والعقدية عليه. وربما قراءة غيره أكثر موضوعية وانفتاحا، خاصة عندما يوظّف مناهج العلوم الإنسانية في فهم النص، خلافا للفقيه الذي يتمسك بأدواته، ويستميت في تقديسها، كي تحق ما يصبو له طائفيا.

3- الثقافة:

إضافة للسببين السابقين، نضيف "الثقافة" سببا ثالثا وراء الخطاب المثيولوجي الملازم لمفهوم الفقه  والفقيه. إذ تتولى الثقافة دائما إعادة  تشكيل الوعي بالفقيه وسلطته، بفعل وعي، يختلط فيه الوهم بالحقيقة، والواقع بالخيال. ويلتبس المقدّس بغيره. فالعقل الجمعي، تحت دواعٍ شتى يدفع باتجاه أسطرة الفقيه، وربط مقامه وقدراته بالإرادة الإلهية: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، من خلال مماثلة مقصودة بين رسالة الأنبياء ورسالة الفقهاء. وإسقاط الفارق النوعي بين الرسول والفقيه، بين الإلهي والبشري. كنوع من تزوير الوعي، يساعد على إعادة تشكيل مفهوم الفقيه وحدود سلطته. وعليه تفكيك الأنساق الثقافية للمجتمع ضرورة تزامنا مع نقد العقل الفقهي. فلا يكفي خلخلة قداسته، ما لم تتول الثقافة استبدال زاوية النظر، ويكتشف الفرد حدوده، بمعزل عن ولايته وهيمنته. وهذا يعني أولا نقد قدسية عقائده ومرجعياته ومنهجه وما يرتكز له من أدوات ومبانٍ. وهي أهم وأخطر مهمة على صعيد تحرير العقل، واستعادة وعيه وحريته كمقدمة لفهم مغاير للدين ودور الإنسان في الحياة.

نقد العقل الفقهي

 من هنا ندرك  أن نقد العقل الفقيه، ونقد المباني التي يقوم عليها منهج استنباط الأحكام الشرعية يساعد في إعادة تشكيل العقل الديني المرتهن في حريته لا للفقيه فقط، بل لقداسته، ومنزلته التي يضفيها المخيال الديني. فنقد مثالية الفقيه، تحرير للوعي من سلطته، واستعادة الفرد لإرادته، ليكون بمستوى الخلافة الربانية، يتحمل مسؤوليته بنفسه. خاصة أن المنطق القرآني ضد تراكم الأحكام الشرعية، عندما أكتفى ببيان ما يراه مناسبا، وأناط بعضها بالواقع وضروراته، ولم يتجاهل إكراهات الزمان والمكان. وحذّر من التمادي بالسؤال، كي لا ترتهن إرادة الشخص لغيره، حتى وإن كانت أحكاما شرعية، وهي نقطة مهمة يغفل عنها كثيرون بفعل التراث وسطوته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). وفي رواية عن الرسول يقول: (دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم [كثرة] سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم).

وبالتالي باستثناء الثابت من الأحكام الشرعية الواردة في كتاب الله، وما صدر عن الرسول من شرح وبيان وتفصيل لبعضها، يحتاج الباقي إلى دليل قطعي السند والدلالة، يبرر شرعية إلتزام الناس بفتاوى الفقيه. إذ الفرد لا يميز بين الحكم الوارد في القرآن وفتوى المجتهد، كلاهما بالنسبة له منجّز ومعذّر، تترتب عليهما ذات النتائج، إلتزاما وعصيانا. وهذه إحدى خيبات الوعي، عندما تولى الخطاب الديني تسويق صورة متعالية للفقه الإسلامي، استدعت تجريده من تاريخيته، وتقديمه امتدادا للشريعة، أو توسيعا لدائرتها، دون الإشارة للجهد البشري المبذول من قبل المجتهد، في عملية استنباط الأحكام الشرعية القائمة، في حالة عدم وجود دليل لفظي قطعي السند والدلالة، على قواعد وأصول عقلية واجتهادية ترتهن شرعيتها لدليلها، ومدى قدرته على مقاومة النقد العلمي، للتوفر على قواعد كلية شرطا لمنهج استنباط الأحكام الشرعية، القائم على وجود كبرى القياس المنطقي. من هنا يجب فرز الإلهي عن البشري، لتفادي التباس الشريعة بالفقه، والحد من تداخل المقدّس بالمدّنس، فثمة تزوير للحقائق، واستبعاد الوعي عن معاينة الواقع، عبر انتسابه للشريعة أو توحيدهما، فتجد مألوفا جدا وضع عنوان الشريعة على كتب الفقه، وفتاوى الفقهاء، مثل: مصباح الشريعة، فقه الشريعة. بشكل يوحي أنه يتلو أحكام الشريعة بواسطة الفقيه، وليس رؤيته الاجتهادية، وكأنه وسيط في نقل وبيان الحكم الشرعي وليس استنباطه والاستدلال عليه، الذي يمثل وجهة نظره. خاصة المسائل المستحدثة، التي لم تتطرق لها الشريعة، وليست من مصاديق أحكامها.

مقدمات الاجتهاد

قد يوحي مفهوم الاجتهاد بموضوعيته وحياديته، باعتباره منهجا عقليا، غير أن مقدماته ومرجعياته بل حتى منهجه، يتأثر لا شعوريا بجميع الظروف المحيطة بالفقيه، إضافة إلى قبلياته وعقيدته، وتوجّهاته السياسية وانتمائه. وهي قضية مرتبطة بنظام اللغة وطريقة التفكير. وقبليات الفرد سلطة موجهة، تجد هذا واضحا في الاستدلال على المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية، خاصة السُنة والشيعة. إذ كلاهما يستدل من وحي قبلياته العقدية والمذهبية، ويسعى لتفنيد الرأي الآخر. أو أن يفنّد الرأي المقابل ليؤكد صحة رأيه، فيهدران موضوعية البحث، ويعتقدان أنهما على صواب، وغيرهما على خطأ، خاصة مع تقديسهما لمرجعياتهما العلمية. وربَّ ما يلي يغني الفكرة:

لما كان عمل الفقيه محصورا في دائرة النص، فإن سياق تطوره وتاريخيته هو النص وليس خارجه. ومقاربة النص بعيدا عنه ومعه يكشف فارق القراءة، ومدى شرعيتها. وهذا يتطلب الاقتراب نفسيا من الفقيه والواقع التاريخي الذي تشكلت فيه قبلياته. لتحديد دورها في استنطاق النصوص. فعندما نقارن بين النصوص الأولى والنصوص الثانوية، نجد أن النصوص الأولية لا تنطق بما ينطق به الفقيه، باستثناء الآيات المحكمة والروايات النبوية ذات الجذر القرآني: "الشارحة والمفصلة والمبيّنة". فكيف تسنى للفقيه استنطاقها؟ ما هي أدواته؟ كيف تمكن من توظيف اللغة والقواعد الأصولية؟ وقبل ذلك ما هي شرعية أدواته في عملية استباط الأحكام الشرعية؟ وكيف اختلفت الآراء حول بعض الآيات، كآية التطهير مثالا لا حصرا. أو آية الخمس، وخصوص أرباح المكاسب، وبعض آيات الإرث، إذا كانت أدواته عقلية، يقرها العقل النظري؟.

لا شك أن القارئ يشارك النص في فهمه، فتختلف مداليله من شخص إلى آخر تبعاً لقبلياته وثقافته ويقينياته ونهائياته. وهكذا عندما يستنبط الفقيه حكما شرعيا أو يفتى في قضية مستحدثة، يتأثر لا شعوريا بقبلياته، بدأ من فهمه لحيثيات الموضوع، وتاريخ المسألة حتى تداعيات أو تأثيرات الحكم أو الفتوى، مرورا بفهمه واستنطاقه للأدلة الشرعية التي ارتكز لها، إضافة لكيفية توظيف أدواته واختيار منهجه، مما يفقد البحث الفقهي موضوعيته، بل لا يمكن تصورها في بعض التشريعات الفقهية، في ظل اختلاف جذر في جملة قضايا عقدية ومذهبية مفصلية. فنقد العقل الفقهي، وتفكيك مكوناته يتيح تشخيص حقيقته. إذ أن آراء الفقيه الذي يؤمن أن الإمامة شورى تختلف عمن يؤمن آنها نص وتنصيب من قبل الخالق. وكل منهما يقدم فهما  للآيات والأحاديث المرتبطة بها وفقا ليقينياته. وبما أن مسألة الإمامة والخلافة مسألة تاريخية، تبلورت من خلال سياق أحداث السقيفة وما تلاها، فلايمكنها اكتساب شرعية تضاهي شرعية النص القرآني، فكيف تكون يقينية يرتّب عليها الفقيه أحكاما وفتاوى؟ هذا مجرد مثال بسيط، لمعرفة زيف التنظير الفقهي في بعض الموارد.

أو بالنسبة للأحكام الشرعية، فيما إذا استدل الفقيه على حرمة الغناء بآية (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) بمعزل عن الروايات، فإنه يعمم مفهوم اللغو على الغناء، فينطلق من قضية نفسية يعتبرها يقينية يفتى وفقها، فثمة من لا يعتبر الغناء لهوا بل غذاء للروح وترفيها عن متاعبها. ولا يوجد اتفاق نهائي حول مصاديق اللغو، وشمول الغناء به. كما أن اللغو قد يصدق على غير الغناء فهل يُحكم بحرمته؟. إن القبليات النفسية للفقيه هي التي أسست ليقينيات راحت تتحكم بوعيه وفهمه للنص. فالآية الكريمة لم تصرّح بالغناء مستقلا أو كمصداق للغو، ولا يمكن للغة وحدها أن تفعل ذلك، لكن تم استنطاق الآية وتقويلها ما لم تقل، وفقا لقبليات الفقيه ومرامي تحريماته.

ربما فتوى التحريم جاءت موقفا رافضا لسلوك الفسق والمجون وهتك الحرمات، وما فيها من إسراف ولهو وتبذير، فتكون رادعا دينيا لسلوكهم المشين، ومقوّما للإنحراف من منطلق أخلاقي، وهذا يجعل منها فتوى مشروعة. لولا إقحام الفقه في مازق فقدان الدليل الشرعي الصريح. وكان بإمكان الفقيه أن يتخذ موقفا أخلاقيا، ويكون ملزما أخلاقيا، من باب الشعور بالمسؤولية، دون الوقوع في مأزق شرعنة الأخلاق. والتمادي في الفتاوى. فالأخلاق أساس المجتمع حتى قبل بعثتة الأنبياء، وأحد مهام النبي (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، غير أن الحكم الشرعي شيء آخر. وربما كانت فتوى تحريم الغناء في حينها مؤقفا سياسيا، لفضح سلوك السلطة وهتك حرمتها، فتكون مرتهنة لظرفها، فلماذا تعمم رغم اختلاف الظروف الزمانية والمكانية؟.

وأخيرا، إن قدسية الفقيه تأتي من رمزيته وانتسابه، فارتفع به الخطاب الديني الموغل بالخرافة والتقديس، فوق النقد والمراجعة، واعتبرت سلطة نهائية، تستمد شرعيتها من العناية الإلهية، لا من مؤهلاته العلمية.  من هنا تتضح أهمية النقد، ومن هنا نفهم أيضا أن قدسية الفقيه وسلطته مرتهنة لمقوماتها،  ولا يخفى هشاشتها، وعدم قدرتها على الصمود أمام النقد الموضوعي. فهي قداسة مصطنعة، ساعدت على تركيزها، أسوار القداسة، ومساحة المحرمات والغموض التي يتولى خطاب سلطة الفقه تسويقها. 

جدير بالذكر أن المرجعيات الدينية العليا موضوع مختلف، في أسباب نشوئها، وعوامل تكوينها. إضافة إلى حدود قدسيتها وضروراتها الدينية والاجتماعية والسياسية، وقد تناولتها تفصيلا في كتاب: مدارات عقائدية ساخنة.

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا يسعني الا ان اتوقف عند رأي الشرع بالفنون. اللغو و اللهو و العبث حرام لأنه هدر للوقت و تعطيل للغاية الاجتماعية المرجوة من الانسان العامل.
و كان الله قال اعملوا. و ربط الخوارج بين الايمان و العمل. و كانت التطبيقات على نفس مستوى الاهمية من الأفكار و الاقوال.
الاسلام دين معرفة عملية.
و هذا وحده يبرر المكانة السامية للاجتهاد و القياس و لمبدأ التناسب.
حتى شومسكي في قوانين اللغة اشترط لسلامة المبنى ان لا يتعارض مع سلامة المنطق. لغويا عبارة: رأيت أجنحة الرجل عبارة صحيحة نحويا. و لكن فعليا لا وجود لرجل بأجنحة. و عليه يجب ان نرفضها لانها مرفوضة منطقيا.
و على هذا الأساس نستطيع ان نحول التشريع الى آلة فعالة و تخدم الإنسان في حاضره و مستقبله.
و شكرا..

This comment was minimized by the moderator on the site

كثير من الاحكام الشرعية والفتاوى لا تنتمي للشريعة بمعنى الاحكام الواردة في الكتاب الكريم، ولو التنظيرات الفقيه لم تتجاوز الاحكام ما صدر منها في زمن النبي الكريم. دمت بعافية الصديق الدكتور صالح الرزوق

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة..شكرا للاستاذ الغرباوي على تلك التحليلات الشاملة وهذا النقد الموضوعي المنطقي المجرد..اضافة الى ماتقدم ..نعتقد ان الاساطير والاديان لديها القدرة الروحية والنفسية السحرية للهيمنة على عقول وتفكير وقناعات الامم والشعوب او الافراد والا كيف نسيت المجتمعات ان الفقيه او المرجع او رجل الدين انسان يتأثر كبقية البشر بالبيئة والظروف والواقع والنمط الثقافي او التراثي العام هو بالنتيجة رجل دين غير معصوم...فلاسفة اوربا هم اول من انتبه لتلك الحقيقة فبدأ الفلاسفة النفكرون يبحثون ويفكرون (منهم من بدأ من داخل الكنسية بغية الاصلاح والتغيير)خارج اطار الكنيسة مما جعلها في مواجهة مباشرة عقليا وعلميا مع الثوابت الدينية المتحجرة حتى هزمتها بالفكر في ثلاث مراحل متداخلة متواصلة من عصور النهضة والتنوير والحداثة...في العالم الاسلامي تم محاربة الفلاسفة والمفكرين والمتصوفة والفرق العقلية التي تؤمن بالاجتهاد ولم يسمح لها العمل علنا بل قمعت احيانا بوحشية مما سمح بظهور المذاهب والفرق الدينية المتشددة والتي اصبحت بمرور الزمن البديل الديني المقدس او العقائد الموروثة الثابتة للمسلم..الازمة او الكارثة او الخلل الذي يبحث حاليا هو كيف يمكن ان يعود الاسلام الى طبيعته الفطرية الاولى ايمان ودين بلا وكلاء على رقاب وحياة الناس..المشكلة في العالم الاسلامي ان الدول والانظمة السياسية المتعاقبة فاشلة وفاسدة ولهذا تتجه الناس الى ان الخلل ديني فقط وليس اخلاقي تربوي وثقافي من هنا يبرز دور الحركات الاسلامية ورجل الدين بالضبط كما حصل بعد الربيع العربي..الا ان تجربة الاسلاميين في الحكم وزيادة نسبة ومستوى الوعي في المجتمعات العربية والاسلامية جعلها تعود الى مناقشة جوهر واساس المشكلة وهي الاخلاق والانظمة السياسية الفاسدة والطوائف المسيسة تاريخيا.لانقول ان المجتمع ليس بحاجة الى فقيه او رجل دين ولكن نؤكد على انها مهمة عامة لايمكن اختزالها او احتكارها في المؤسسات الدينية فقط..وان الفقيه عليه ان يكون مفكرا او باحثا علميا يبتعد عن التشدد والتطرف والارهاب والتكفير في الافتاء وان لايضع نفسه حاكما على الناس بين الجنة والنار...وان ينخرط بطريقة علمية اكاديمية في دراسة العلوم الطبيعية اضافة الى دراساته الفقهية...

This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي للاخ الاستاذ مهدي الصافي، وشكرا لمداخلته القيمة. نعم الخطاب الديني يتصف بسحريته وقوة تاثيره، ما لم يكن العقل يقظا متمردا، يتاثر به. اوربا نهضت انطلاقا من الشكل ومحاكمة الانساق الفكرية السائدة، ثم تطورت المعرفة على جميع الاصعدة. شكرا لك وقد صحبتنا على مدى 35 حلقة. عبر اسئلتك المحرضة على الكتابة.

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الدكتور ماجد الغرباوي على هذه المقالة المتعلقة بقدسية الفقيه و كذلك قدسية فقهه و شكراً الى الاخوة المعلقين الدكتور صالح الرزوق و الاستاذ مهدي الصافي.

هذه الحلقة تتناول قداسة الفقيه و كذلك قداسة انتاجه الفقي!!.

لا اعرف من اين جاء الفقهاء بمصطلح القداسة و اضافوه الى انفسهم و الى انتاجهم الفقهي. لا يوجد هذا الشيء في القرآن الكريم ابداً ابداً. حتى ان الرسول لم يدّعي بهذا المصطلح ؛ و الاية التالية تبين بشرية الرسول.

الكهف 110
قل انما انا بشر مثلكم يوحى الي انما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا

الاية اعلاه تقول بشكل صريح و فصيح من ان الرسول هو بشر يوحى اليه عن طريق جبريل ؛ و تستمر الاية و تقول انما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه "فليعمل عملاً صالحاً" و لا يشرك به احداً.

و هذا يدل على ان البشر معرض للخطاً و لا يوجد شيء يعصمه ابداً. حتى الرسول لأنه غير معصوم من الخطأ ؛ ان الله يقول له في عملية تبليغ الرسالة "ان الله يعصمك من الخطأ" و هذه تدل على انه غير "معصوم مسبقاً".

المائدة 67
يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ان الله لا يهدي القوم الكافرين.

يونس 108
قل يا ايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل

الاية اعلاه تبين لكل الناس من انه الانسان الذي يؤمن؛ يؤمن لنفسه و الذي لا يؤمن كذلك لنفسه و الرسول ليس عليهم بوكيل "و ما انا عليكم بوكيل" و دوره "مبشراً و نذيراً". و الاية التالية تقول للرسول لست عليهم بمصيطر.

الغاشية 22
لست عليهم بمصيطر

اليس الاية اعلاه و هي كلام الله و غيرها من الايات الكثيرة تتعارض كلياً مع مصطلح "التقليد" الذي ابتدعه رجال الفقه ؟؟؟؟. هل ان الفقهاء فعلاً قرأؤا القرآن؟. و اذا كان الجواب بنعم هل فهموا معنى آياته المباشرة و غير المباشرة المعنى.؟؟؟

عندما نقارن فتاويهم مع نظرية المسلمين نرى ان اغلب فتاويهم تتعارض كلياً مع مغزى الدين الاسلامي . امّا عن جهل او عن تعمد لاغراض خاصة في قلوبهم "في قلوبهم زيغ".
و ان تشويه سمعة المسلمين و اتهامهم بالارهاب في بقاع العالم جاء ليس من المسلمين الابرياء و انما من رجال فقههم. هم الذين دمروا الاوطان و قتلوا و هجروا الناس الابرياء بدون ذنب بفتاويهم القاتلة.

تعالوا معي اعطيكم بعض الامثلة على هذه الفتاوي:

قبل اكثر من سنة سأل احد الصحفيين احد رجال الازهر لماذا لا "تكفروا الارهابيين". فكان الجواب لا نستطيع ذلك لان هؤلاء "رددوا الشهادتين" و يعتبرون مسلمين؟؟؟. و هذا يعني ان الانسان المسلم حسب هذا المفهوم هو الذي يردد الشهادتين فقط و نترك له الحرية بكل اعماله الشريرة و غير الشريرة. ؟؟؟؟

فقهاء الوهابية و فتاويهم في قيادة المرأة للسيارة حيث كانوا ضد هذا الموضوع و الان تغيرت الاحوال و يسودهم الصمت لان ابن سلمان زج في قسم منهم بالسجون. اين فتاويهم الدينية؟؟؟

و السيد السيستاني "دام ظله الوارف"!!. يقول في احدى فتاويه عن سؤال:

ما هو رأي سماحة سيدنا و مرجعنا بصحة الحديث الوارد عن الامام جعفر الصادق "من بكى او تباكى على الحسين وجبت له الجنة" ؟؟.

الجواب نعم ورد في احاديث متعددة –جملة منها معتبرة- الوعد بالجنة لمن بكى على الحسين كما في بعضها مثل ذلك لمن تباكى عليه او انشد شعراً فتباكى عليه.
المصدر موقع العتبة العلوية المقدسة في النجف على الرابط التالي. انتهى
https://www.imamali.net/files/files/58uu1ec.pdf

المخدرات تنخر في المجتمع العراقي و لكن لا توجد فتوى تمنعها لانها "غير محرمة" في الدين" و لا توجد آية تحرمها؟؟؟؟؟؟.

الحل لا يوجد حل الاّ اذا اتفق خبراء المسلمين في كل جوانب الحياة الدينية و الاجتماعية و العلمية لتشكيل لجنة كبيرة لاعادة تفسير القرآن بشكل صحيح و تقديم المشورة للانسان الذي يحتاجها. بغير هذا سنبقى 1400 سنة سنة اخرى او ربما مدى الحياة نرواح في مكاننا ويسودنا الجهل و التخلف و الضياع و الدمار.

شكراً مرة اخرى للاخ الغرباوي على هذه المقالات الرائعة التي تضرب على عقولنا بمطرقة عسى ان نستيقظ من السبات الذي نحن به قبل فوات الاوان.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لما تطرحه الاخ الاستاذ الدكتور ثائر عبد الكريم. بالفعل نحن بحاجة لجهود تتقصى جميع مدارات الفكر والعقيدة كي تستقيم المعرفة الدينية، ونستعيد وعينا وعقلنا. اكرر احترامي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4690 المصادف: 2019-07-09 04:47:15