 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (132): مشروعية التقديس

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق2) من أسئلة الأستاذ الباحث فاضل الشمري: 

 

رِدة الفكر الحركي

س106: فاضل الشمري: كيف تفسّر التحول الفكري لدى كبار المفكرين الإسلاميين السياسيين كراشد الغنوشي وغيره، من الأيديولوجية الإسلامية إلى الاعتراف بالعلمانية وفصل الدين عن السياسة:

- هل بسبب فشل الحركات الإسلامية في قيادة المجتمع؟.

- أو لأنهم اكتشفوا مؤخرا عدم وجود نظام حكم في الإسلام. والأمر متروك للناس، ليختاروا ما يوافقهم سواء شورى أو ديمقراطية أو أي نظام يحقق مصالحهم؟

- أم شيء آخر لاهذا ولا ذاك؟.

ج106: ماجد الغرباوي: المراجعة المستمرة من قبل بعض قيادات ومثقفي الحركات الإسلامية انتهى بهم إلى قبول العلمانية بصيغتها الإيجابية. وفصل الدين عن السياسية، مع احترام الأديان جميعا. كما ينبغي التنبيه هناك بين الإسلاميين من لا يؤمن بأهداف الحركات الإسلامية من الأساس رغم انخراطه بالعمل التنظيمي، ويعتبر الحزب الإسلامي أسلوبا متطورا لتنظيم عمل الدعوة الى الله، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

كان الدافع وراء المراجعة والنقد أمرين:

 الأول: قصور الأدلة الشرعية التي اعتمدتها الحركات الإسلامية لشرعنة أهدافها السياسية، وقصور الأسس التي قامت عليها. كأدلة الحاكمية الإلهية لأبي الأعلى المودودي، التي أعاد بناءها سيد قطب.

وثانيا، السلوك المتطرف لبعض الحركات الإسلامية عندما أقدمت على تكفير الناس. استباحت دماءهم، وارتكبت بحقهم مجازر بشعة، والاعتداء على مؤسسات الدولة، كما حصل في بداية ثمانينات القرن المنصرم في مصر وسوريا وتونس بل وحتى العراق. بل والأخطر تكفير المسلمين وفقا لرأي سيد قطب الذي اعتبر الناس جميعا جاهلية جديدة اسماها اخوه محمد قطب جاهلية القرن العشرين، فالناس جميعا محكوم عليهم بالكفر وفقا لهذه النظرية. يقول يوسف القرضاوي، كما ذكرت مفصلا كلامه في كتاب تحديات العنف: (لكن الاخطر ما تحتويه التوجهات الجديدة في هذه المرحلة لسيد قطب، هو ركونه إلى فكرة "التكفير" والتوسع فيه، بحيث يفهم قارئه من ظاهر كلامه في مواضع كثيرة ومتفرقة من "الظلال" ومما أفرغه في كتابه "معالم في الطريق" أن المجتمعات كلها قد أصبحت "جاهلية"...).

 إضافة الى إخفاقات الحركات الإسلامية التي لم تحقق سوى مزيدا من القتلى والسجناء والمشردين بين صفوفها، فخلت الساحة للأحزاب العلمانية.

فهؤلاء يرون أن العمل السلمي كان أكثر جدوى ونفعا، يحفظ كرامة الإسلاميين ويصون دماءهم. لذا بعضهم اقتنع أن الدين علاقة بين العبد وربه، والقرآن لم ينظّر لأي نظام سياسي أو إقتصادي. والبعض الآخر، ذهب ينظّر للعلمانية وفصل الدين عن الدولة عن قناعة تامة، ويؤمن بالتداول السلمي للسلطة والديموقراطية، بل ويمارس السياسة بإطار أخلاقي ديني، فيتسلح بقيم الفضيلة ويمار السياسة بأدواته بعيدا عن الدين. فيستطيع تحقيق أهداف الدين من خلال السلطة دون إقحامه فيها.

أما بالنسبة للإحتمال الثاني في السؤال: نعم رأيي الذي انتهيت له مبكرا جدا قبل أكثر من ربع قرن، بعد دراسة وبحث مستفيض لجميع أدلتهم وغيرها، ومراجعة مستمرة للدين وتفصيلاته وتشريعاته بحكم تخصصي كباحث في الفكر الديني: لا علاقة للدين بالسياسة بل اؤمن بضرورة فصلهما حفاظا على الدين وقيمه الرفيعة. وأبرز الأدلة إهمال القرآن وهو المصدر التشريعي الأول لعصبي الحياة السياسة والإقتصاد، فلم تجد أي ملامح لنظام سياسي أو إقتصادي، بل الإسلام أمضى التبادلات التجارية المعمول بها آنذاك باستثناء المعاملات الربوية. ولم يتعرض القرآن لموضوع السلطة وخلافة النبي. ولم يخاطب الرسول بأية صفة يستدل بها على إرادة المعنى السياسي.

 والدليل الثاني: إهمال الرسول لهذا الموضوع. فالمصادر التاريخية تؤكد أن الرسول مات ولم يتطرق لهذا الموضوع، بل وحتى المتنازعين على السلطة أيام السقيفة لم يحتج أي منهم بما فيهم الإمام علي برواية أو حديث عن الرسول الكريم. بل الإمام علي احتج عليهم بنفس المبدأ الذي احتجوا به على الأنصار، وهو القرب من رسول الله. فقال إذا كان هذا مبدأكم فنحن أهل بيته. طبعا الإمام علي تصدى بكفاءته وثقته العالية بنفسه، إضافة لكونه الأقرب للرسول. فكلا السببين دفعاه باتجاه التصدي للسلطة. والكلام مرَّ مفصلا.

مشروعية التقديس

س107: فاضل الشمري: لا شك أن الإمام علي معروف بمواقفه الرسالية وبطولاته وفكره وأدبه وحكمته. وقد ضرب مثلا أعلى في سلوكه، حتى قيل أنه فشل سياسيا، لأنه رفض الكذب والخداع، وتمسك بمبدئيته وعقيدته. فعلي ابن عم الرسول قد لعب دورا في الإسلام لا ينكر.

والسؤال ما هو دور بقية الأئمة تاريخيا؟ فما عدا ثورة الإمام الحسين فإن دورهم لا يختلف عن دور غيرهم من علماء الفقه. فلماذا هذا التهويل والتقديس والمغالاة في الحب؟ لا أنكر أنهم من أهل بيت النبوة، وقد جسّدوا بسلوكهم أخلاق الإسلام، ولكن ما هي دواعي تقديسهم والقول بعصمتهم؟ هل هي حقيقة دينية أم مفتعلة؟. واضرب لذلك مثالا فقبل عشرين سنة لم يكن مقام الشيخ عبد القادر الكيلاني في بغداد كما هو الآن من عمارة وزوار ولا نعلم ما سيكون بعد مئة سنة ولعل أئمة الشيعة بمرور الزمن اصبحوا كما هو مرقد عبد القادر الكيلاني وأبو حنيفة. فما هو تعليقك؟.

ج107: ماجد الغرباوي: السؤال يتضمن عدة فروع:

 الأول: من المقارنة بين المجموعتين الأولى والثانية يبدو أنك تفهم التشيع فهما ثوريا، لهذا نفيت أي دور للأئمة الآخرين، سوى تبليغ الإسلام وتثقيف الناس والتصدي للقضايا الفقهية. كما اعترفت للمجموعة الأولى بإحياء الدين عكس الثانية. بمعنى آخر أن إحياء الدين كما تعتقد يتوقف على فعل ثوري وموقف معارض كما فعل الإمامان الحسن والحسين، أما الثقافة والفكر فلا تساهم في إحياء الدين. وبهذا سمحت بتبجيل المجموعة الأولى حد القول بعصمتهم، وتساءلت عن جدوى تقديس المجموعة الثانية التي اقتصر دورها على الفقه والحديث، ولم يصدر عنها أي موقف ثوري، بل أنهم لا يختلفون عن أي عالم دين آخر في زماننا.

أولا: أنت تعلم أن التشيع في بدايته كان موقفا سياسيا معارضا حول الخلافة، وهكذا استمر موقفا سياسيا حتى مقتل الإمام الحسين ليتصدى للشأن الفقهي والفكري والعقيدي، بل والبدء بتأسيس المذهب الشيعي فقهيا وكلاميا. مما يعني أن الظروف الموضوعية لعبت دورا أساسا في تحديد الموقف السياسي لأئمة أهل البيت. وفهمك لا يختلف عن فهم أتباع المذهب الشيعي تاريخيا، فكان فهمهم فهما ثوريا معارضا، حيث استمرت الانتفاضات الشيعية مطالبة بالثأر من قتلة الإمام الحسين، ثم صبروا حتى حانت الفرصة في نهاية الدولة الأموية وطالبوا الإمام الصادق بالنهوض والثورة لكنه رفض، فتمرد عليه بعض أصحابه، والتحقوا بالثوار. فالفهم الثوري للتشيع ليس غريبا على الشيعة بل هو قديم بقدم أتباعهم. لكن هذا لا ينفي أن يكون للأئمة دور إيجابي آخر على مستوى العلم والمعرفة وتبليغ الرسالة، بل هو دورهم الأساس لولا الظروف السياسية الاستثنائية. كما لا تنسى مضايقات الدولتين الأموية والعباسية.

ثانيا: إحياء الدين لا يتوقف على التحرك الثوري المسلح دائما. العمل بالحكمة والموعظة الحسنة أجدى وأنفع في الظروف الاعتيادية. تضحيات العمل الثورى باهظة الثمن عندما لا تكون مدروسة، كما هو الحال بالنسبة للحركات السياسية الإسلامية راهنا. العمل المسلح استثناء في الإسلام وليس أساسا إطلاقا. فكما ساهمت ثورة الإمام الحسين في إحياء الدين، كما يعتقدون، ساهمت جهود الأئمة الآخرين في إحيائه وفقا لفهم الشيعة له. ثم لو قرأنا الحدث الكربلائي من زاوية أخرى فإن ثورة الحسين كادت تجتث أهل البيت ولم يبق لهم باقية، فليس من المعقول أن يواجه 70 شخصا جيشا كبيرا، رغم اضطراره للمواجهة.

 أخلص الى نتيجة أن إحياء الدين يتنوع بتنوع الظروف الموضوعية، وطبيعة الفهم الديني.

ثالثا: ينبغي التبجيل (تبجيل أي شخص) وفق ضابطة محددة، ولا أعتقد أنك تقتصر التبجيل على العمل الثوري، فليست هي المناط الوحيد له، بل أن العلم والتقوى والاستقامة، خاصة الأخيرة هي مناطات حقيقية لتبجيل الأشخاص في الثقافة الدينية، إن أكرمكم عند الله اتقاكم، لكن من حقك تثير علامة استفهام حول حدودها ومستواها.

رابعا: وأيضا العصمة ينبغي أن تكون وفق ضابطة، اتفقنا أو أختلفنا حولها، اعترفنا أو لم نعترف بشرعيتها وضرورتها. فإذا كانت العصمة حسب ما ترى تفرضها حركة الإمام، فهي لازمة له عندما يمارس العمل الثوري. لكن هذا يحتاج إلى دليل، وماذا في حالة السلم هل هو معصوم أم لا؟. (هذا الكلام بغض النظر عن حقيقة العصمة ومصاديقها وحدودها).

خامسا: بالنسبة للتهويل والتقديس سؤال مشروع جدا، فالشيعة للأسف الشديد كرّسوا مفاهيم لا تنسجم مع الاعتدال الشيعي، فضلا عن الإسلام، بل لقد عانى بعض الأئمة من الغلاة معاناة لا مثيل لها، الإمام الصادق يقول: لعن الله ابن أبي الخطاب كان يدس في روايات أبي. أو رواية أخرى: (سُئل يونس بن عبد الرحمن يوماً [وهو من كبار فقهاء ورواة الشيعة]: "يا أبا محمد ما أشدّك في الحديث وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟! فأجاب يونس: لقد حدّثني هشام بن الحكم إنّه سمع أبا عبد الله (ع) يقول: كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي، فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي ثمّ يدفعها إلى أصحابه، فيأمرهم أن يبثّوها في الشيعة، فكلما كان في كتب أصحاب أبي من الغلو فذاك ممّا دسّه المغيرة بن سعيد في كتبهم".)

كان لخط الغلو دور سلبي جدا، تمثل بتقديس أهل البيت وأسطرتهم حد التأليه والقول بالتفويض، وأن الله قد فوّض لهم الخلق والتصرف بالكون، وما علم الغيب وشفاء المرضى ومعرفة لغة الطير ومحاربة الجن، وحساب الخلق بيدهم يوم القيامة، وتوقف قبول الأعمال على الإيمان بهم ومعرفتهم، إلا ضرورة من ضرورات وجودهم، بل هناك من قال بالدور الوجودي لهم كما تقدم. وقد نجح خط الغلو باختراق التشيع بل استطاع تصدير نسخة أخرى وفق رغباته الأيديولوجية والسياسية، وما زال هذا الخط فاعلا، نشطا، لا تحده حدود، تضخ له الأموال، ويوظف منذ نشوئه موقف السلطات المتعاقبة من التشيع، مستغلا رثاثة الوعي والتخلف لدى شريحة واسعة من الشيعة. فهناك عقليات خرافية مصممة ثقافيا لتقبل الخرافة والتماهي معها. وأداة خط الغلو بارع في اقناع اتباعه من خلال روايات قصصية تتحدث عن أمور خارقة للأئمة سرعان ما تتفاعل معها سذاجة العقل. وروايات تكفيرية ضد الخط الآخر من الصحابة تؤلب بسطاء الناس وتوغر قلوبهم فيتحاملون على شخصيات تاريخية لا يعرفون عنها سوى ما تضخه آلة الغلو الإعلامية.

سادسا: أما بالنسبة للعصمة فقد تم التنظير لها مؤخرا على يد المتكلم التاريخي الشهير هشام بن الحكم من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم. فقال هشام بن الحكم بعصمة الأئمة لتسديد موقف الإمام ورفعه فوق النقد والمساءلة، فيكون أشبه بإجراء احترازي، لقمع المعارضة وردع التمرد. وبهذا استطاع تحصينه ببراعة كلامية، حيث قال إذا كان النبي معصوما ومسددا بالوحي، فإن العقل يحكم بوجوب عصمة الإمام لضرورة وجوده وتوقف معرفة الأحكام عليه!!. وربما كان يقصد بمفهوم العصمة التسديد في اتخاذ المواقف وفهم الأحكام الشرعية، إضافة للعصمة السلوكية، لذا لم يعترض عليه الإمام. أما مفهوم العصمة اليوم بات لها لوازم كثيرة تصل بالمعصوم مصاف الخالقية معاذ الله. إذاً هي مفهوم مستحدث لم تطرح قبل هشام بن الحكم بهذا الشكل رغم وجود أفكار أولية حولها. وقد مرّ تفصيل الكلام حول تاريخ العصمة، وظروف نشأتها.

 ثم جاء المتكلمون الشيعة وبدأوا التنظير لهذا المفهوم بأثر رجعي ليشمل الأئمة جميعا. بل جاء مفوم العصمة ليعطي زخما كلاميا كبيرا للشيعة في صراعهم مع الآخر حول الأحقية. حيث استمر الصراع حول من هو الأحق علي أم خصومه؟ فراح كل طرف يحشد أدلته لتعضيد أرائه وتصحيح مواقف رموزه. فخلص الفكر الشيعي: أن لازم عصمة الإمام علي صحة مواقفه مطلقا. وهكذا موقف الإمامين الحسن والحسين.

فبالعصمة استطاعوا:

- ترسيخ مفهوم الإمامة.

- اعادة صياغة العقل الشيعي.

- تبرير مواقف الأئمة جميعا.

- تماسك البنية الداخلية لأتباع أهل البيت.

- تحديد مفهوم القرب والبعد من الله عزوجل.

- تبرير التفويض الإلهي لهم.

- حماية رواياتهم وأحاديثهم التي يطعن بها أهل السنة لأنها مرسلة، ينتهي سندها بأحد الأئمة، ولم يصل للرسول، وهذه نقطة ضعف عانى منها الشيعة على مدى التاريخ لولا عصمة الأئمة.

أما أدلتهم على العصمة فأغلبها نفسية أو روايات أو أدلة سهلة النقض لكي تتهاوى.

دور متأخري الأئمة

نعود لملاحظتك في السؤال حول دور أئمة الشيعة المتأخرين، فما جاء في سؤالك صحيح، حيث بدأت أضواء الإمامة بالإفول حتى إذا وصلنا للإمامين الهادي والعسكري، نقرأ سيرة مختلفة، حتى في مجال تخصصهم الديني، حيث راح الإمام العسكري يحيل الناس على العلماء لمعرفة أحكامهم الشرعية. أما مواقفهم السياسية فربما كان للوضع السياسي ورقابة السلطة دور في تحجيم حضورهم السياسي. لكن الحقيقة أن الأئمة المتأخرين من الجواد حتى العسكري كانوا صغار السن، وكانت هناك فرق ومذاهب وآراء كلامية متضاربة، حول الإمامة ومصاديقها، فتجربتهم الحياتية لا تسمح بقيادة التشيع بكل تفصيلاته، وليس لهم وزن علمي كالإمام الصادق بل أقل من  ذلك كالإمام الكاظم والرضا يؤهلهم للعب دور أكبر، لهذا كانت تواجههم تحديات ركزت على مصداقيتهم كأئمة ينبغي أن يلعبوا دورا بمستوى الأئمة الأوائل. ثم ما أضعف موقفهم أكثر أن الفصائل الشيعية تبحث عن قائد ميداني يلبي طموحاتها السياسية، فلم يجدوا فيهم ما يشبع طموحهم القيادي. لهذه الأسباب وغيرها لم يكن لهم حضور واسع، حتى أنك شبهتهم في سؤالك بالعلماء والفقهاء، وليس أكثر.

المشكلة في فهم الرموز التاريخية الهالة القدسية الطاغية التي تحول دون معرفة الحقيقة. هالة تجرّدهم من بشريتهم، وتضعهم فوق التاريخ. بينما الرموز التاريخية والدينية كأي إنسان يمر بأدوار حياته، له نجاحاته وانكساراته، يصيب ويخطئ.

إشكالك إشكال موضوعي قديم، ولو بصيغ مختلفة، يؤكده التركيز على ذات الإمام بدلا من فقه وعلمه، لتدارك تداعيات الإشكال العصي، فراحت ماكنة الأحاديث تغذي الوعي الشيعي، بأحاديث تتعارض مع الكتاب الكريم، غير أنها تغلبت عليه بسبب رثاثة الوعي، حتى غدت مسلّمات عقدية لدى الناس، يرددونها كلحن تفتتن به عواطفهم، ويطرب لها سمعهم، وتحلق به أحلامهم. ففي الوقت الذي يؤكد فيه القرآن وحدة العنصر البشري، دون استثناء: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)، تذهب الروايات الشيعية إلى أن الأئمة خلقوا من طينة أخرى، وأنهم خُلقوا قبل خلق السماوات والأرض. وأن الله خلق الكون لأجلهم، والروايات كثيرة، مرَّ ذكرها. فالتركيز على قدسية ذات الأئمة لتعزيز عصمتهم، التي لا دليل عليها سوى رغبات نفسية، لاستحالة وقوع القضايا الخارقة خارجا، ببيان تقدم.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

توجد هنا اضافة حقيقية في مناقشة الاسلام السياسي و دور الفقه من الحياة العملية عند الشيعة.
و اود ان اضيف.
ان فكر الغنوشي يحتاج لوقفة متأنية لأنه ليس معروفا مثل فكر الأخوين قطب. و بصراحة اصبح قطب شيئا من الماضي هو و غريمه عبد الناصر. لم يعد للتفكير الوطني بروحه القومية الكلاسيكية اي دور عملياتي. و مثله الجهاد و التعبئة بأسلوب قطب. فالقاعدة و داعش و الربيع العربي وضعوا حدا لكل هذه الأشباح التي تدخل في الماضي نصف الميت. و اعتقد ان ما طرأ على الاسلاميين و الشيوعيين من تطور يكاد ينسف الأساسيات النظرية. لقد دخل مفهوم العبادة و الدين الى روح التفكير الشيوعي الجديد المعادي لل"ليبرالية". و بالمثل دخل مفهوم العولمة و الاستفادة من اليسار الجديد في اساس التفكير الاسلامي المعاصر.
لم يعد لقطب اي دور حقيقي. و ظهرت اسماء كثيرة اقرب لمعنى الحدود السائلة التي تتحكم بكل جوانب حياتنا المعاصرة. و منها الشريحة البينية عوضا عن الطبقة و التكامل في الصراع عوضا الصراع الطبقي. و استعادة الوعي او وعي الاعماق عوضا عن الثورة. و اختفى شعار الحاكمية و جاهلية القرن العشرين و حل مكانه شعار التعايش و المجتمع المدني. و هذا يتضمن فعليا الاقرار بفصل الدولة و السياسة عن دكتاتورية الايمان.
و حتى لو ان هذا الخطاب من باب الخدعة فهو اقرار بتحول هام و ملموس. و تراجع عن اساسيات قطب و فريقه.
اما بالنسبة لخروج الامام الحسين ب ٧٠ رجلا فقط مسألة فيها اكثر من اشارة استفهام. و حتى لو انها لعبة عسكرية. فهي تشبه غزوة بدر. و اعتقد ان التشابه في الحيثيات و الاختلاف في النتائج يفرض علينا اعادة النظر بكل من رواها و دونها و نقلها.
و لا ارى ان الحسين كان متهورا او ضعيف الايمان ليلقي بنفسه في التهلكة.

و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي لحضورك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق. يبقى سيد قطب ملهم الاخوان، في اصل فكرة الحاكمية، وما تقراه من افكار جديدة تنبثق عنها باساليب جديدة. من خلال الاستفادة من صيغ الحداثة السياسية، اقصد يبقى الهدف هو الحاكمية الالهية، ولا يتخلى عنها الاسلامي، بل يطوع الوسائل لصالحها علنا از اضمارا. تحياتي وشكرا لتعليقك المفيد

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لهذه الإنارات الفكرية الممتعة
التي يحتاجها العالم الاسلامي اليوم أكثر من أي وقت مضى
علينا الخروج من خزعبلات ( التاريخ) بالعقل والمنطق

فاطمة الزهراء بولعراس
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضور الاديبة فاطمة الزهراء بولعراس، وشكرا لتفاعلها مع الاحوار. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

يبدو اننا حتى في اكثر الافكار حرية لازلنا نخشى طرح الاسألة التي تخامر عقولنا , وليت شعري هل سنبقى نذور حول القداسة والامام الالهي ?
كلنا يعرف ما انتجه ابن سينا من خلال ما كتبه في الطب او الفلسفة او التصوف او ما كتبه الكندي او ابو حيان التوحيدي او جابر ابن حيان او ابن النفيس او البيروني او الطبري في تاريخه وتفسيره بل لو رجعنا الى زمن الصادق لوجدنا معاصره ابو حنيفة كان هو المهندس الثاني الذي شارك فعليا في هندسة بغداد .
فاين كانت مؤلفات الائمة العشر بعد علي الذي يمكن ان يعتذر له باعذار كثيرة غير انحيازية .
وهنا احب ان اطرح بعض الاسألة التي لا يصلح ان نجيب عنها بالطبع .
هل كان الائمة علماء ام محدثون ?
لماذا لم يعترض الامام الصادق ومن بعده على مقولة هشام ابن الحكم في العصمة ?
هل كان العباسيون يمنعون احدا من الائمة ان يؤلف كتابا في التفسير او المنطق او علم الحديث او اصول الفقه او الطب او الفلك او الجفرافيا او التاريخ .حتى نعتذر لهم بانهم كانوا محاصرين ومضايقين من قبل السلطة ?
ما هو عمل الائمة وكيف كانوا يعيشون ويكتسبون المال وينفقون على انفسهم وعيالهم ?
اخوان الائمة وابناء عمومتهم قاموا بثورات وحروب وحركات سياسية كبيرة وفاعلة في التاريخ الاسلامي بينما كان الامام الرضا ولي العهد والحسن العسكري اوصى الخليفة بتقسيم ارثه فاين مواقفهم السياسية او المعارضة للسلطة حتى يتم التضييق عليهم واضطهادهم ?
فاذا لم يكن لهم دورا سياسيا او عسكريا او علميا غير التحديث بالحديث وهذا مقتصور على الاماميين الباقر والصادق بالخصوص مع براعة الرضا في المناظرات العقدية الكلامية والتي لا ترقى بشكل من الاشكال الى مناظرات المعتزلة اهل هذا الفن واساتيذه ومن الفوا فيه الكتب....
فما هو دور الائمة اذن ?
انما هي ارادات بشرية للتقديس ولقلب التاريخ وصناعة الموتورين المضطهدين في تضخيم شيوخهم وأئمتهم وتقديسها والغلو فيها .حتى تشكل العقل الشيعي كما تكون العقل السني على افكار الشافعي والسلطة الحامية له ثم الحنبلي الحديثي الذي حمله وروج له المتوكل والذي يشابه في المنهج طريقة كل المحدثين في تقديم الحديث على القرآن والعقل كما ظهر ذلك.جليا في الفكر السلفي والاخباري .

ماهر
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك الاستاذ ماهر، جميع اسئلتك واستفهاماتك مشروعة. انا هنا اتحدث بصفتي باحث. وكان السائل يريد للعنف والسيف ان يكون مقياسا للقداسة، واردت ان افهمه ثمة قضايا اجدر بالقداسة، وهي العلم والتقوى.
ورأيي بالعصمة وأدلتها معروف كتبته صريحا قبل عدة حلقات بامكانك مراجعته. وهنا كتبت ايضا (هذا الكلام بغض النظر عن حقيقة العصمة ومصاديقها وحدودها). فلم اتبن آرائه، وبينت بصراحة في نهاية الحلقة رايي حول التقديس. فلست بصدد التبرير، لكنني اتحرى الموضوعية.
بعض اسئلتك سيأتي الجواب عنها ضمن اسئلة مطروحة، تنتظر النشر. واما ما تبقى من الاسئلة فيمنك المشاركة بها ضمن الحوار، لانه أجوبتها مفصلة، والتعليق سيكون مخلا او يعكس صورة مشوهة. وفي نهاية الحلقة يوجد اميل. عميق شكري واحترامي لتفاعلك شكرا لاثاراتك القيمة، واتمنى الاطلاع على كتابي مدارات عقائدية ساخنة وكتاب النص وسؤال الحقيقة. يمكنك الاتصال عن طريق اميل المثقف.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

نتمنى ان تجمع كل هذه الحلقات في كتاب لكي تتم الاستفاده منها بشكل اكبر الموضيع المطروحه مهمه جدا جدا

رحيم منصور
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4765 المصادف: 2019-09-22 05:56:17