 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (138): دلالات الغدير (2)

ماجد الغرباوي15

خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والثلاثون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق4) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الدلالات (2)

ماجد الغرباوي: إن دلالة حديث الغدير فرضت الاهتمام به من قبل المتكلمين والمؤرخين وأصحاب السنن والحديث والفقهاء. وكما ارتكز الشيعة له دليلا على استخلاف علي بن أبي طالب، ينفي السنة ذلك، ويؤكدون صدور روايات تؤكد على الخليفتين الأول والثاني، وأن ما رامه الرسول في الحديث الاشادة بعلي دون النص على إمامته. فالصراع على السلطة وشرعيتها، والتنافس المحتدم لمراكمة شواهد على أحقية أحد الطرفين، مع فقدان الدليل الصريح على الخلافة والإمامة، كان السبب الرئيس وراء أهمية الحديث. فتجد السنة بالمرصاد للجهود الكلامية الشيعية، لخطورة ما يترتب على الحديث من آثار تمس شرعية الخلافة الإسلامية، ما إذا صحة دلالته على استخلاف علي لخلافة النبي دون غيره. لكن الشيعة لم يمنعهم ذلك، وقد واصلوا الدفاع عن الحديث ودلالته، منذ أكثر من عشرة قرون، وجمع الشيخ الأميني كل ما يخص الغدير في موسوعته بـ(11) جزءا، التي عنوانها الغدير. من هنا يعتبر التجرد التام شرطا لتحري دلالات الحديث بعيدا عن تجاذبات الفِرق الكلامية، وصراع السلطة الذي يتفاقم بلا هوادة. وشرط التجرد هو التخلي عن سطوة الآراء الكلامية مادامت قناعات أيديولوجية راسخة، هدفها الانتصار على الخصم ودحر أدلته، وليس تقديم أدلة عقلية برهانية لاثبات المطلوب. فينبغي التوجه إلى ذات النص لقراءة دلالاته من خلال ظرفه وقرائنه، الحالية والمقالية، وفي إطار مبادئ الدين، باعتباره نصا شرعيا، كما يؤكد الفريقان على ذلك.

يبقى البحث الموضوعي مرتهنا لمعنى كلمة مولى التي هي مشترك لفظي بين أكثر من عشرة معانٍ. وليس أمامنا سوى القرآن واللغة والقرائن الحالية والمقالية، لتحري دلالاتها. وكما أكدت أعلاه أن الصحابة الذين واكبوا الحديث قد فهموا دلالة كلام النبي. لكن ماذا فهموا؟ وكيف تلقوا كلامه؟ ومدى تأثر الموقف السياسي بعد وفاته بهذا الحديث؟

نسعى لتحري جميع الاحتمالات، وإسقاط الضعيف منها بعد اختباره نقديا، ومن ثم تعضيد الاحتمال الأقوى لنخلص إلى نتيحة عقلانية تستمد شرعيتها من النص أيضا. وقد خرجت آية التبليغ كقرينة على إرادة تبليغ ولاية علي بن أبي طالب، لأنها لم تصرّح بذلك. ومادام الموضوع مجهولا، فسيكون الاستدلال بها من باب التعريف بالأخفى والأجهل منطقيا. وهذه هي تداعيات قطع الآية عن سياقها لأغراض أيديولوجية كما فعل الشيعة. وإلا فموضوع الآية محدد عند قراءتها ضمن سياقها القرآني، كما تقدم بيانه. وبهذا الشكل سقطت القيمة الاعتبارية لهذه القرينة، وانقطعت علاقة قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" بها.

القرينة الثانية: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)

(النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، هي القرينة الثانية التي يمكن أن يُستدل بها على تنصيب علي بن أبي طالب للخلافة في قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". وهذا يتوقف على معنى كلمة "مولى"، التي هي مشترك لفظي بين أكثر من عشرة معانٍ. حيث جاء في حديث الغدير قول النبي: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا "أي الصحابة": بلى يارسول الله، فقال: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". وقوله: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟" إشارة إلى الآية أعلاه. ورواية الشيخ المفيد أكثر تفصيلا: (ثم نادى بأعلى صوته: "ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟" فقالوا: اللهم بلى، فقال لهم على النسق، وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين عليه السلام فرفعهما حتى رئي بياض إبطيهما وقال: "فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله).

فيصدق من وجهة نظر خاصة أن تكون دلالة قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه" مرتهنة لدلالة كلمة "أولى" في الآية أعلاه. فما المراد بقوله تعالى: "أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؟ وما هي حدودها وسلطتها وصلاحياتها؟. وقد مرَّ الكلام مفصلا حول دلالة هذه الآية ضمن بحث الولاية، وملخصه:

(اختلفوا حول معنى الولاية في الآية الكريمة: "النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ"، هل المراد بها خصوص الولاية التشريعية؟ أم أن المراد بها القيمومة والسلطة وحق التصرّف "بشكل يملك منهم ما لا يملكون من أنفسهم". فيكون من حق الولي التصرّف بمعزل عن رضاهم وإرادتهم، وكأنه يتصرّف في ملكه؟). بمعنى آخر هل أن الآية تدل على الولاية والقيمومة وحق التصرف؟. فإذا ثبت هذا المعنى فلا شك أنه سيؤثر في دلالة قول النبي يوم الغدير: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". لكن هناك من ينفي دلالتها على الولاية مباشرة، ويرى:

أولاً: أن كلمة "أَوْلى" ضمن سياق الآية تعطى معنى الأولوية والتقدّم والرجحان، لا معنى التصرّف والتحكّم. وتعني (أن المؤمن يفتدي النبي بنفسه، ويقدّمه عليها في كل شيء، فهو نبي الله وخاتم المرسلين... "فمعنى كون النبي أولى بهم من أنفسهم أنه أولى بهم منهم: ومعنى الأولوية هو رجحان الجانب إذا دار الأمر بينه وبين ما هو أولى منه. فالمحصل أن ما يراه المؤمن لنفسه من الحفظ والكلاءة والمحبة والكرامة واستجابة الدعوة وإنفاذ الإرادة فالنبي أولى بذلك من نفسه. ولو دار الأمر بين النبي وبين نفسه في شئ من ذلك كان جانب النبي أرجح من جانب نفسه"، كما ذهب لذلك العلامة الطباطبائي صاحب الميزان، مثالا لا حصرا)... ثم إن تخصيص المؤمنين في الآية يؤكد إرادة معنى التقدّم والأولوية، التي تستدعي شخصا مطيعا، مُضحيّا، يتقبل أوامر النبي برحابة صدر وإيمان صادق، وهي صفات المؤمنين: "يُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ". فالتضحية والتنازل عن الحقوق لصالح النبي تعبير عن الحب والإخلاص. "مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ". وبالتالي فيستفاد من الآية: أن الرسول أولى بمؤازرة المؤمنين وتحمل المسؤولية عنهم، والأجدار في تفادي ما يقع عليهم من حقوق وواجبات. يشهد لذلك نهاية الآية: "وأُولُوا الأرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلى بِبَعْضٍ في كتاب اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنينَ والمُهاجِرِينَ" حيث قدمت الآية الأنساب على الهجرة في توارث المؤمنين، خصوصا المهاجرين كما في الروايات. فالآية وسياقها يدور حول مستويات الولاية بمعنى المسؤولية تجاه الآخرين، وما يتفرع عليها من استحقاقات عينية وغير عينية للورثة. فيكون النبي أولى من المؤمنين بميراث من لاوارث له، ثم الأنساب. ففي رواية عن قتادة، مشهورة في كتب الحديث لدى الجميع، قال في بعض القراءة "النَّبِيُّ أوْلَى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ وَهُوَ أبٌ لَهُمْ"، فالأولوية هي مقتضى الأبوة، ثم رووا ما يؤكد هذا أكثر: وذُكر لنا أنه قال: "أيُّمَا رَجُلٍ تَرَكَ ضياعا فَأنا أوْلَى بِهِ، وَإنْ تَرَكَ مالا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ". وهذه دلالة بليغة على إرادة معنى المسؤولية الأبوية، ولا علاقة لها بالولاية بمعنى حق التصرّف. وهنا ينبغي التنبيه لا نقصد من الرواية تأييد التحريف بل أن جملة "وَهُوَ أبٌ لَهُمْ" تكون تفسيرا وبيانا لمعنى الأولوية في الآية. فيبقى الأصل عدم ولاية أحد من الناس على غيره). وبهذا نفهم أن للآية الكريمة دلالة مغايرة لمعنى السلطة ضمن سياقها القرآني. وسيكون علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وفقا لقول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". ويعني، أنه أولى بحبهم وتقدمه عليهم، بل وسيكون مولى لكل من كان النبي مولاه، فهناك تركة شخصية للنبي سيتولاها علي من بعده، باعتباره وصيه، وأمين سره، "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" وكفى بهذه المنزلة دليلا على عظمته وتقدمه بين الصحابة. وكان ينبغي الأخذ بها عندما تداول الصحابة شأن السلطة، فيصدق أنهم اختاروا المفضول على الفاضل.

ثانياً: إن إرادة الإمامة، واستخلاف علي بن أبي طالب للسلطة في قول النبي: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، يلزم منها وحدة الولاية بين الرسول وخليفته، وقد مرَّ بنا في تفسير آية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، إذ قلنا: مادامت الآية وضعت ولاية الله ورسوله والمؤمنين على مستوى واحد، دون تفصيل، فلازمه عدم اختلاف المفهوم، وعدم تفاوت الصلاحيات. ولازمه وجوب الولايتين التكوينية والتشريعية للجميع، وهذا لا أحد يقول به، خاصة بالنسبة للمؤمنين، ماعدا الشيعة وفقا لمبانيهم العقدية، حيث جعلوا مصداق المؤمنين واحدا، رغم أنه جاء بصيغة الجمع، وهو الإمام علي، ومنحوه حق الولاية بموجب هذه الآية. وهذا خلاف المنطق القرآني الذي اعتبر الولاية أصالة وبالذات لله تعالى، لا شريك له، باعتبار خالقيته وربوبيته. وولاية غيره تكون مجعولة وليست أصيلة فتحتاج إلى جعل صريح واضح بيّن لا لبس فيه ولا تشابه، نرفع به اليد عن الأصل، كي يكون حجة على الجميع.. كما أن آية التنازع لا تسمح بوضع ولاية المؤمنين بمستوى ولاية الله ورسوله، بل يجب مراجعة الله ورسوله في حالات النزاع، وهذا أدل دليل على محدوديتها وعدم إطلاقها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ).

ثالثا: الظاهر من سياق الآيات أن المراد بالولاية هو خصوص النصرة، وهو واضح من موضوع وأسباب نزولها وما تهدف إليه من تشريعات ومفاهيم دينية جديدة. وهي دعوة صريحة لعدم الوثوق باليهود والنصارى، وعدم اتخاذهم أولياء. أي حلفاء وفقا للعهود والمواثيق المبرمة بين الطرفين، بعد خيانتهم ونقضهم لها. ودعت للتلاحم على أساس إيماني، يكون الله ورسوله والمؤمنون هم الناصر والحليف والظهير والولي والقوة الحقيقية. وبهذا أقصت استراتيجية المعركة، معاهدات أهل الكتاب من حساباتها. ووضعت خطة جديدة تعتمد خصوص المؤمنين لتولي شؤون وإدارة المعركة والمجتمع المدني. والسبب أن صفات المؤمن التي ذكرتها الآية كفيلة بعدم خيانته وتخليه عن المسؤولية، لأن العبادة تعزز التقوى والخشوع والخوف من الله، وهذا ما تحتاجه المسؤولية، لضمان عدم فساد القيادة. ولو كانت الآية بصدد جعل ولاية لهم بمعنى السلطة وحق التصرّف كان ينبغي توظيف ألفاظ دالة على موضوعها، كأن تقول الآية: القوي الأمين من المؤمنين، كما في آية شعيب وموسى، حينما خاطبت أباها بألفاظ دالة على المطلوب، وقالت: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ). ولم تقل يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. فهنا أيضا مناسبات الحكم الموضوع تكون حاكمة.

معنى المولى

خلاصة ما تقدم ظهور معنى "المولى" في النصرة، دون غيرها من معانيه، التي هي كثيرة، كما جاء في المعاجم اللغوية وسياقات استعمالها في خاصة في القرآن: (الرب والسيد والعبد والمالك والمعتق والمنعم والمعتق والمنعم عليه والناصر والمحب والتابع والجار وابن العم والحليف والعقيد والصهر). وأقرب المعاني التي تخص الإنسان دون خالقه أو التي تشترك معه، هي: السيد، المالك، الناصر، المحب، والحليف. والرسول يصدق أنه سيد على ما يملكه من العبيد والإماء. وتقدمه على المؤمن. هو حليفهم، وهم حلفاؤه. وله عليهم حق النصرة والمحبة، وحينما يقول من كنت مولاه فهذا علي مولاه، يصدق لعلي ما صدق له. ويشمله قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا)، (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير).

ويتضح كلام الرسول أكثر إذا عرفنا معنى: "ولي، ولاء، تولي". جاء في المفردات: (أن يحصل  شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد). بهذا يتضح أن المراد هو الإشادة بعلي ومكانته وقربه منه، باعتباره وصيه من بعده على شؤونه الشخصية، بل ويؤكد كلام الرسول أن منزلة علي منه لا مجرد ابن عمه أو زوج ابنته، بل هو "بمنزلة هارون من موسى"، كما في الحديث المشهور. وهناك وشائج إيمانية ومقامات روحانية، تقتضي أن يكون مولى للمؤمنين، كرسول الله لكن لا بمعنى الولاية والقيمومة، لأنها قضية توقيفية، تتوقف فعليتها على وجود إذن صريح واضح بين لا لبس فيه من قبل الله تعالى، أي آية صريحة فيه، وهي منتفية بالضرورة. وأما لماذا كل هذا، فهنا احتمالان:

الأول، ما ورد في قصة "بريدة"، حيث استفز كلامه النبي، واعتبره تشكيكا في ولي من أولياء الله الصالحين، وينوب عنه عند غيابه، حيث وصف بريدة ردة فعل الرسول كما جاء في الروايات السنية: (فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغيَّر، فقال: «يا بريدة ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: "من كنت مولاه فعَليٌّ مولاه"..). وسياق القصة وتفصيلاتها يحسم الخلاف حول سبب صدورها، عندما ربطت قوله النبي بحادثة بريدة وجفوته من علي وإساءة الظن به، خاصة عندما استشهد رسول الله هنا بقوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، ولم يستشهد بآية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)، التي تتحدث عن الولاية وصلاحياتها. وهذا شاهد دقيق ودليل يحسم معنى المولى في نص حديث الغدير، وفقا لما قررناه حول معنى آية (النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ)، لذا يصر كثيرون على إرادة الولاية بمعنى القيمومة والسلطة في هذه الآية كي تستقيم دلالة حديث الغدير. وعليه فأسباب صدور قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وما سبقته من أحداث وفقا للرواية السنية، تساعد على فهم دلالته، بسهولة.

المسكوت عنه

أولاً: افتتحت خطبة الرسول يوم الغدير كما جاء في الروايات بجملة: "إني قد دعيت ويوشك أن أجيب". أجد في هذه الجملة مؤشرا، ربما لم يلتفت له أحد من قبل. من خلاله يمكن أن نفهم دواعي الخطبة وقوله: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، وفق منهج هرمنيوطيقي، يرتكز لفهم النص ودواعيه عبر الاقتراب من أجوائه النفسية والاجتماعية والسياسية. فالرسول هنا يقول: "إني قد دعيت ويوشك أن أجيب". فما هو شعور من يدنو أجله؟ وماهي هواجسه وهمومه وأولوياته؟ لا شك يبدأ بكتابة وصيته أو وصاياه حول تركته وماله وأهله، ويوصي لمن يأتمنه ويثق بحكمته وأمانته، فثمة حقوق شرعية لورثته، وأموال تعود لبيت المال وأخرى أمانات. فبماذا يهتم النبي قبل وفاته؟. لا شك أنه سيهتم بشيئين: الرسالة وديمومتها، ووصاياه الشخصية، دون السياسة شؤون الحكم، لأنها خارج اختصاصه، كما أكدت هذا مرارا.

أما الأول، أقصد الشأن الديني، فقد صرّح الكتاب الكريم بتمام الدين، الذي هو عقيدة وشريعة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وهي آية صريحة ومحكمة. وبالتالي لا يحتمل أن يخالف الرسول كتاب الله ويدعي حاجة الدين إلى من يتممه، لا عقيدة ولا تشريعا. فهذه المناسبة تحول دون تبادر الشأن الديني. أو قيمومة علي على الدين. لكن تبقى ديمومة الرسالة، التي تتطلب قدوة ونموذجا صالحا يقتدى به، إضافة إلى التمسك بالدين وتعاليمه وشرائعه. وهذا ما يفسر قوله في ذات الحديث: إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله و(عترتي أوسنتي). وسيأتي الحديث

وأما الثاني، الشأن الدنيوي، فله مبرراته، فعلي وصيه على ماله وعياله. ولديه أمانات وثروات وعبيد وإماء، تستدعي من يدير شؤونها. وعلي وصيه وسيد البيت الهاشمي من بعده، وقد طعن بمصداقيته بريدة وشك بأمانته، حتى غضب النبي كما جاء في الرواية. فوجد من الحكمة أن يؤكد للجميع ماهي مكانة علي منه، وما هي مسؤولياته من بعده؟. فاختزل الكلام بجملة مكثفة، غنية بدلالاتها، لتعدد معاني المولى. لذا فكثير من معانيها اللغوية تنطبق على علي بن أبي طالب. وهذا مبرر معقول، يقطع الشك، ويمنح عليا ما يستحقه من فضيلة.

وبهذا يتضح أن قول النبي "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"، ليس نصا على الإمامة، بأية معنى كانت، دينية أم سياسية. وأنها ناظرة إلى تزكية علي، وتأكيد وصايته من بعده. وهو وصي لمحمد بن عبد الله.

وإذا قيل أن معنى المولى تعني الولاية في بعض معانيها، وهذا يؤكد ولاية علي. ونحن أيضا نقول هذا، وللمؤمنين ولاية بنص الآية الكريم (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا). إلا أنها ولاية مقيدة، ليست كولاية الله ورسوله، فلا قيمومة وسلطة. بل كما مرَّ تفصيله في محله، أنها ولاية إدارية.

ثانياً: ان صرامة آية التبليغ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) تؤكد خطورة موضوعها، وأنها جاءت تعقيبا على قضية مهمة متنازع حولها، لذا قالت الآية: (وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)، وهذا أمر متعارف عندما يشتد الخصام بين طرفين، فإن أحدهما يلحق كلامه بخطاب تهديدي، وعليه نفهم أن الآية تحيل على موضوع لم يحسم نهائيا، والآية تطالب أهل الكتاب (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). تريد موقفا عمليا يؤكد صدق إيمانها، ولا تكتفي بالكلام والعهود، لأن الطقوس العبادية شعائر تعكس مضامين الدين. ولو حمل موضوع الآية على تبليغ ولاية علي بن أبي طالب، ستكون قضية طارئة، غير مطروقة سابقا، ولازمها خطاب مختلف، يتناسب معها. كأن تنص آية من آيات الكتاب على ولايته، وينتهي الأمر، فلماذا يجعل موضوع التبليغ في الآية مجهولا وهي قضية عقائدية، تترتب عليها أحكم والتزامات دينة، هل من صالح الدين ومصير المسلمين افتتانهم بهذه الطريقة المفجعة التي أودت إلى إقتتال المسلمين؟. العقيدة قرآنيا واضحة، ليس بينها موضوع الولاية والخلافة إطلاقا: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

لكن هل ينتهي الأمر إلى هنا أم ثمة ما هو أهم وأخطر؟

يـأتي في الحلقة القادمة

 

..........................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

مثل كل الكلمات العربية المولى كلمة لها عدة وجوه أو معان، و كذلك لها قيمة ظاهرة و قيمة مخفية أو متضمنة، و السياق هو الذي يحدد.
ان اللغة كائن حي و تعكس ما بنفس المتكلم و ليس القواعد العامة فقط. حتى ان النحو المتعصب لا يجيز ان نقول: كل الكلمات، بل يقول الكلمات كلها، مع ان العرب يقبلون التقديم و التأخير و ضرورات الخطاب أيضا.
و باعتبار انه بيننا و حادثة الغدير فترة زمنية لامتناهية بالقياس لعمر الإنسان الطبيعي هذا يزيد من الإشكالية.
و التستر وراء احاديث الرسول و كلام القرآن له مناسبات كثيرة تتضارب أو تترادف حسب الهدف النهائي.
و اختزال السياق أو إجباره ليتجه بمسار معين معروف في العلوم و الفقه و الأدبيات.
و أنا اعتقد ان كلمة مولى هنا لها قيمة تعبوية اكثر من معناها الحقيقي. لقد حملناها اكثر مما تحتمل.
و كلمة مولى غالبا ما يكون معها نصير و وكيل و قد وردت في الدعاء المعروف: حسبنا الله و نعم الوكيل نعم المولى و نعم النصير غفرانك ربنا و إليك المصير.
و ان ما نفهمه من هذه الكلمة في اللغة العربية الحديثة يختلف عما كان يفهمه العرب في وقت البعثة و الهجرة. مثلا ولى البلح يعني بدأ يجف.
ان التعبئة و التحشيد تبدل المعاني و تعطيها غلافا دنيويا و عملياتيا بخلاف المعنى الروحاني الأساسي الذي يحمل شحنة عامة لعلاج نقاط محددة بحالات محصورة.
و هو ما يحاول الأستاذ الغرباوي توضيحه و تفكيكه.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتفاعلك مع حلقات الحوار، وشكرا لتعليقاتك وملاحظاتك القيمة، الاخ د.صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

كلام سليم وأدلة قرآنيه وروائية قويه يصعب دحضها ولكن التسليم بها يؤدي الى نتائج خطيرة تقتضي بنسف الإمامة الاثنى عشريه من الأساس ولايتبقى منها سوى زعامة البيت الهاشمي والذي يترأسه علي بن ابي طالب ومن ثم توالى ولده من بعده ....!؟ وهنا يتبادر الى الذهن تساؤل بناءا على ما قدمه الأستاذ القدير ماجد الغرباوي، وهو من حيفية التسليم بصحة ماذكره من استدلال وليس من باب أثبات الامامه، ما الداعي لان يجمع النبي المسلمين في ذلك الموقف اذا كان الغرض هو الوصاية في إرثه من موالي وعبيد وأملاك ...!؟ واذا كان الامر شخصي فالأجدر ان يجمع اهل بيته وأقاربه ويبلغهم بوصاية علي ع من بعده على بيته وارثه، اذ ليس للمسلمين فيه لا ناقة ولاجمل...؟ الا تعتقد ان جمع المسلمين في ذلك الموقف بحيث يوزع أولهم آخرهم كما جاء في الروايات، ان في تلك الولاية التي جأت على لسان النبي شيء مهم يخص المسلمين ولذلك جمعهم ....!؟ لو كان الامر عائلي بحت لاصبح موضع استهجان ونقد من قبل المسلمين اذ لا علاقة لهم بمن يرث النبي من اهل بيته....! ولكن ما نقل إلينا يثبت خلاف ذلك فما وردنا تأويل لكلام النبي كل حسب اتجاهاته وميوله الدنيوية .....!؟ وما ذكرته لك ليس من باب أثبات صحة مدعي الامامه ولكن من باب سد الثغرات فلايبقى منفذ يمكن من خلاله التشكيك في سلامه استدلالكم، وأخيرا تقبل مني خالص ودي وامتناني لشخصكم الكريم على هذا الجهد الكبير في محاولة فهم الالتباس الحاصل والذي بسببه عانت هذه الامه ما عانت من التشظي والكراهيه والحقد حتى سالت بسببه الدماء وانتهكت الحرم والى يومك هذا بمجرد العزف على تلك الوتيرة حتى تثور ثائرة المسلمين ليفتك بعضهم البعض..... دمت مبدعا متنور.

جابر علي مرهون
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ جابر علي مرهون، شكرا لتفاعل مع الحوار، وملاحظاتك هنا اكمال لسؤالك القيم: يبدو فاتك تسلسل الأحداث، ثمة أسباب ذكرتها وراء قول النبي من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وهي قصة بريدة وما حصل في قلبه من كراهية لعلي، لأنه ساق خمس غنائم غزوة اليمن. ويعتقد انه أخذ اكثر من حقه. وبالتالي شكك في مصداقيته، وشكك في كونه ينوب عن النبي في عمله، وهذه الحادثة تسلط الضوء بوضوح عن دواعي كلام الرسول الكريم. فهو بهذا الكلام أعلن للجميع عن منزلة علي منه، وانه مولى لكل من كنت مولاه، وولاية الرسول هنا لا تعني السلطة كما بينت، خاصة عندما استشهد باية النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم، وتقصيت دلالاتها هنا وسابقا في بحث الولاثة. كما في الحلقة السابقة بينت حقيقة اية التبليغ، ومع سقوط هاتين القرينتين عن الاعتبار في هذا المودر بالذات، كان لازاما علي البحث عن دلالات اخرى. فوجدت في قصية بريدة ما يمكن الاستشهاد به على ارادة هذا المعنى.
واما لماذا جمع الناس لهذا الغرب فقد بات واضحا، ولو كان امرا الهيا عاما لجميع المسلمين، لاشار لذلك في خطبة الوداع في مكة، لكنه لم يفعل وما حصل بسبب بريدة التي اغضب كلامه النبي، فليس علي صحابيا عاديا، بل هو وصيه من بعده. وسيأتي كلام جديد في الموضوع تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

نعم لقد فاتني ماذكرت رغم اني اطالع ما تذكره باهتمام بالغ حتى راجعت كلامك فتبين لي موارد جهلي....! فنسيت انك بصدد نفي الاستخلاف الإلهي من بعد النبي وتصورت ان امر الغدير مقصور على موروث النبي....! فهذه تحسب لك، ولكن ما عساي ان افعل لذلك المورث الذي يزج أفكاره زجا بين طيات افكاري ولو كنت مجرد الفكر لفهمت مقصودك من اول وهله ...! حينها تذكرت مقولة الكاتب العظيم علي شريعتي ما مضمونه (( من يفرغ لي افكار رأسي ويعيد لي ظرفه الفارغ لأمله بكل ما هو سليم)) في انتظار حلقاتك القادمه أيها الفذ فأستمر.

جابر علي مرهون
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4816 المصادف: 2019-11-12 00:08:34