 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (143): الغدير وأدلة النقض (2)

majed algharbawi6خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق9- س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

أدلة النقض (2)

ماجد الغرباوي:

تاسعاً: خطب النبي في عرفات خطبة الوداع، ولم يشر فيها لموضوع الخلافة، ومن ينوب عنه بعد وفاته، فلماذا أجّل الإعلان عن الموضوع حتى افترقت القبائل، ولم يبق معه إلا أهل المدينة ومن حولها لو كان حديث الغدير نصا على الإمامة السياسية؟. أليست الخلافة شأنا عاما، يُعنى بها الجميع؟. مما يرجح وجود مقتضي طارئ برر كلامه، وربما موقف بُريدة كان سبباً رئيساً أو أحد الأسباب المحفزة له.

عاشراً: كان التخبط واضحا في سقيفة بني ساعدة، ومن خلال الجدل بين المهاجرين والأنصار، لعدم وجود مرجعية واضحة لحسم النزاع حول الخلافة، وهذا يؤكد عدم وجود نص أو تعليمات بخصوص الإمامة، مع قرب عهدهم بيوم الغدير، فاضطر القوم للتعامل معها وفقا لقيمهم في تفاضل القبائل العربية، وهي قيمة أصيلة بالنسبة لهم، وثمة أرضية قبَلية لتقبلها، شرعنها أبو بكر بروايته التي انفرد بها عن النبي!!!: الخلافة في قريش. فراحوا يتبارون أيهم أقرب وأولى برسول الله؟ فجميع الفرقاء ارتكز لقيم العشيرة والقرابة من رسول الله، لاسكات الأنصار وانتزاع الخلافة من فئة لها ثقلها الإيماني وقوة حضورها واعتزاز النبي بها. إذاً هي فلتة كما عبّر عمر بن الخطاب، استغلت الفراغ السياسي وعدم وجود تعليمات تخصها، فكانت خطأ جسيما والتفافا لاستباق الأحداث. قال خطيب الأنصار في سقيفة بني ساعدة: (يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب.. فشدوا أيديكم بهذا الأمر فإنكم أحق الناس وأولاهم به)، (الإمامة والسياسية، ج1، ص5). وقال المهاجرون على لسان أبي بكر: (نحن عشيرة رسول الله "ص"، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة)، (الطبري، ج3، ص256). مما يؤكد طغيان المنطق القَبلي.

بل أن تحرك أبي بكر وعمر دليل واضح على وجود فراغ سياسي، لعدم وجود وصية واضحة، لهذا سارعا لحسم الموقف لصالحهما: (قال عمر بن الخطاب: فقلت لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فأنطلقنا نؤمهم فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدرا فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. قالا: فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم فقلنا: والله لنأتينهم فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة. قال: وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا؟ قالوا سعد بن عُبادة. فقلت: ماشأنه؟ فقالوا وجع. فقام رجل منهم، فحمد الله وقال: أما بعد، فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا، وقد دفت إلينا من قومكم دافة - بادرة – قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا، ويغصبونا الأمر..)، ( تاريخ الطبري، ج3، ص256.).

فالحديث أعلاه يؤكد أن موضوع الخلافة كان موضوعا خاضعا للمساومات السياسية، ولم يستشهد أي منهم بآية أو رواية، ولم يسند أحدهم منصب الخلافة لله تعالى، حتى ثار المسلمون على الخليفة الثالث فقال: (والله لا أنزع ثوبا سربلنيه الله)، في محاولة لإضفاء شرعية إلهية على حكمه، غير أن الصحابة والتابعين لم يعبأوا به، وقتلوه. غير أن أدلجة الخلافة وتأصيلها شرعا بدأ فيما بعد، عندم اشتد الصراع الكلامي بين الفِرق والمذاهب الإسلامية.

ويؤكد عدم وجود نص على الخلافة والإمامة أيضا طرق تنصيب الخلفاء، وبيعة الصحابة لهم، فقد عهدها أبو بكر لعمر، دون استشارة أحد من الصحابة، لسطوة الثاني وهيمنته على القرار السياسي والموقف العام للمسلمين. كما عهدها هو لعثمان بشورى تفضي له، بخطة محكمة. وانتخب الناس عليا مباشرة، فكان الناس مصدر سلطته. وهذا يؤكد عدم وجود اهتمام بالموضوع لا من قبل الله ولا من قبل رسوله.

حادي عشر: عندما نتابع مفاصل الحدث، لا نجد ما يؤكد احتجاج الإمام علي بأي نص عن النبي، رغم أن حديث الغدير يرقى لحد التواتر وفقا لكثير من المصادر التاريخية، بل احتج الإمام عليهم بنفس المنطق القَبلي الذي احتج به المهاجرون على الأنصار في سقيفة بني ساعدة. فكان يؤكد قرابته من الرسول، وأحقيته وفقا لهذه القرابة، ولم يحتج بآية أو رواية. فلو كان لحديث الغدير دلالة صريحة كان يفترض الاحتجاج به، لهيمنة النص المقدّس، ولقوة تمسك الصحابة بسنة وأقوال الرسول الكريم.

تقول الرواية: (أُتي به "أي علي بن أبي طالب" إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله، وقيل له بايع أبا بكر. فقال أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي. أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي "ص" وتأخذونه منا أهل البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد منكم فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثلما احتججتم به على الأنصار: نحن أولى برسول الله، حيا وميتا، فانصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر إنك لست متروكا حتى تبايع ... وقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك. فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا ابن عم، أنت حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واضطلاعا به، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر .. فقال علي: الله الله ، يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته الى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدافعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم).(الإمامة والسياسة، ج1، ص12)

فالإمام علي وفقا لهذه الرواية لم يحتج بأي نص، سوى قرابته برسول الله، فكان منطقه منطق القوم في سقيفة بني ساعدة عندما احتجوا على الأنصار بقرابتهم من الرسول. وكان يفترض به الاحتجاج بنص عن النبي. أو لا أقل يحتج على أفضليته بغير قرابته من الرسول. سيما أن سلطة النص سلطة مؤثرة، يذعن لها المسلمون فورا، دون أي اعتراض أو تردد، فكان بإمكانه إسكات جميع معارضيه لو كان لحديث الغدير ما يؤيد أحقيته بالخلافة، أو كانت بيده روايات تؤكد تعيّنه للخلافة دون غيره. فلماذا لم يحتج على الصحابة بحديث الغدير أو أي نص آخر، رغم كثرة من شهد الغدير من الصحابة، وكثرة من سمع قول الرسول "من كنت مولاه فهذا علي مولاه"؟. والجواب مع فرضية صحة الصدور وتعدد رواة هذا الحديث من الفريقين، أن الصحابة بل حتى الإمام علي لم يفهم من الحديث النص والتعيين على إمامته خليفة لرسول الله، كما تقول النظرية الشيعية منذ القرن الرابع الهجري. وإنما فهموا شيئا آخر، فينضم الحديث لجملة الأحاديث التي قالها رسول الله بحق الإمام علي. وهي أحاديث لها مقاصدها التي مرَّ بيانها. علي تلقى تربية نبوية خاصة منذ نعومة أظافره، وإذا كانت له مهام محددة، فلا شك أن الخلافة أحدها، لكنه لم ينص عليها.

ثاني عشر: ينبغي عدم التشكيك بطاعة الصحابة للرسول محمد، فطاعته فرض من الله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، (خذوا ما آتاكم)، فكيف يعصي النبي هذا العدد الكبير من الصحابة ممن حضر الغدير؟ ومع فرض عصيان بعضهم لوصية النبي، فأين باقي الصحابة؟ أين الأرواح التواقة للقاء الله بوجوه بيضاء؟، اين الذين امتدحهم كتاب الله؟ كيف يسكت الجميع عن أمر الهي – نبوي؟ ولماذا لم ينحز عدد كبير ممن سمع حديث الغدير إلى خلافة علي، ضد التوجه السلطوي لقريش؟ لذا نؤكد ثانية أن الصحابة بما فيهم علي لم يفهموا النص والتعيين على خلافته، ربما فهموا أفضليته، أو فهموا شيئا مختلفا. وبالتالي فالصحابة يؤاخذون لتركهم الأفضل. كان ينبغي التأني حتى يفرغ علي وأهل بيت النبي من تجهيز جنازة الرسول ثم يُطرح موضوع الخلافة على جميع الصحابة ليختاروا من هو أفضل وأجدر، لذا وصف عمر بيعة أبي بكر بأنها "فلتة وقى الله شرها" ثم حذر منها. (الطبري، ج3، ص256).

وهناك من يدعي أن جميع الصحابة ارتدوا بعد رسول الله إلا سلمان الفارسي وأبا ذر الغفاري وعمار بن ياسر وهم الحلقة الخاصة من أصحاب علي بن أبي طالب. وهذا بهتان لا دليل عليه، ويتقاطع مع آيات الفضائل التي خص بها الصحابة. التعميم خطأ فادح، يتعارض مع روايات يؤمن بها الشيعة، كحديث الرزية، ولماذا طلب الرسول قرطاسا، كما مرِّ؟ وهذا لا يمنع وجود من كان يتربّص بالخلافة، ويخط ويسعى لها، وهذا أيضا دليل على عدم وجود نص صريح يؤكد أن الخلافة نص وتعيين، كما تذهب لذلك النظرية الشيعية.

ثالث عشر: إن العهد بالخلافة، بموجب حديث الغدير وغيره، تكليف إلهي شرعي، فكيف نتصور عليا، وهو المعروف بالتزامه وصرامته في أحكام الله، يتخلى عن تكليفه الشرعي، ولا يعلن العصيان عليهم؟ فهل من مصلحة المسلمين، وهم في اليوم الأول من بيعتهم لأبي بكر أن يتخلى علي عن مهمته الشرعية؟ لا يمكن تصور ذلك في علي، بل لا يمكن تصوره إطلاقا خاصة وقد توفرت له إمكانية الانتفاض شرعا من خلال نص واضح وصريح (كما يعتقد الشيعة)، ومعه بنو هاشم ومجموعة من الصحابة، بل أن أبا سفيان قال له: (أبسط يدك حتى أُبايعك، والله لأن شئتم لأملأنها خيلا ورجالا) (الطبري، ج3، 258ص). لكن الإمام رفض ذلك!!. وفي رواية أخرى: (قال له العباس بن عبد المطلب: أبسط يدك أبايعك فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله (ص) ويبايعك أهل بيتك.. فأجابه علي: ومن يطلب هذا الأمر غيرنا). وتضيف الرواية: أن العباس سأل أبا بكر وعمر إن كان الرسول قد أوصى بشيء، فأجابا بالنفي. (الإمامة والسياسية، ج1، ص4). وفي كتاب الكافي عن علي: (أتاني رهط يعرضون علي النصر وهم ابنا سعيد والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والزبير بن العوام، والبراء بن عازب فقلت لهم إن عندي من النبي صلى الله عليه وآله وصية لست أخالفه عما أمرني به، فوالله لو خزموني بأنفي لأقررت لله سمعا وطاعة)!. فأين الرهط من العدد الكبير ممن حضر يوم الغدير؟

رابع عشر: لنفترض أن الوضع السياسي لم يسمح للإمام علي الاحتجاج على خلافته بحديث الغدير أو أي حديث آخر عن النبي، فلماذا لم يتمسك بتلك الأحاديث عند مبايعته بل صرّح لاثبات شرعيته، إنه انتخبه الذين انتخبوا الخلفاء من قبله، أهل الحل والعقد من الصحابة. جاء في نهج البلاغة من كتابه عليه السلام إلى معاوية: (إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار. فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضا، وإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى)!. قد يقال لا يلزم منه عدم وجود نص وعهد من رسول الله، وأنا أيضا أقول ذلك، لكن لماذا لم يحتج به علنا ويسكت الجميع بما فيهم معاوية وغيره؟.

خامس عشر: لماذا لم تنتصر فاطمة الزهراء لعلي وتحتج على القوم بحديث الغدير أو أي حديث آخر على خلافة الإمام علي، فتكون شاهد صدق، بينما تمسكت فقط بقضية فدك؟ جاء في رواية الطبري عن عائشة: (إن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله "ص"، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: أما إني سمعت رسول الله يقول: "لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال". وإني والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله يصنعه إلا صنتعه. قال: فهجرته فاطمة فلم تُكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر).(الطبري، ج3، ص57). ولم يرد أي ذكر لحديث الغدير وغيره، ولم تتطرق لموضوع الخلافة أو الإمامة ولم تذكّرهم بحق علي فيها. ولو كانت تملك أي مستمسك نبوي لأشهرته على رؤوس الأشهاد.

سادس عشر: لماذا لم يوصِ الإمام علي لابنه الحسن بالخلافة من بعده كحق شرعي منصوص عليه من قبل النبي؟ علما أن وصية الإمام علي لابنه الحسن تخص شؤونه الشخصية لا غير. (إنظر كتاب الإرشاد للشيخ المفيد).

سابع عشر: لماذا لم يذكّر الإمام الحسين الناس يوم عاشوراء بحديث الغدير وغيره كنص نبوي على وجوب خلافته؟ ولماذا رفع شعارا آخر لثورته، وكان الأَولى أن يحتج عليهم بحديث الغدير، بل ويحتج عليهم بحديث الأئمة الاثني عشر لو كان هناك حديث صحيح ويعلم به الحسين؟ لكن رفع شعار: (ما خرجت أشرا ولا بطرا .. إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله لأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر). كما هو الشائع في التراث الشيعي. (أنظر الإرشاد)

ثامن عشر: كل ما تقدم لا يعني أن ما جرى في سقيفة بني ساعدة كان نزيها، غير متهم وغير مدان، بل استغل بعض الصحابة الفراغ السياسي، وسارع لاعلان البيعة لأبي بكر بن أبي قحافة، ليضيّعوا الفرصة على الأنصار وبني هاشم. وهذا ما لخصه عمر بقوله: (كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها). (الطبري، ج3، ص256). فيبدو أن الصحابة تقصدوا إهمال علي وتعمّدوا عدم استشارته بأمر الخلافة، فاستغلوا انشغاله بتجهيز جنازة رسول الله وعقدوا البيعة لأبي بكر ثم بايع الناس، ساقهم العقل الجمعي، أو القبلي وربما لا مبالاتهم بموضوع الخلافة، أو أسباب أخرى خافية علينا، فثمة حلقات تاريخية مفقودة، كان لها أن تسلط الضوء أكثر على هذا الموضوع.

تاسع عشر: الإمامة السياسية جاءت في أعقاب تطور المجتمع المدني وحاجته الى من يدير ويدبر شؤونه، فجاءت الخلافة كحاجة وضرورة اجتماعية، لكنها خلافة قائمة على شريعة الإسلام، وأحكامه في القضاء. وهذا ما فهمه الصحابة فوقع الصراع حولها، وإلا لو كانت أمرا دينيا، لا يمكنهم مخالفته، خاصة أن القضايا الدينية تفصيلية، إما قرآنيا أو قرآنيا ونبويا. أما موضوع الإمامة فلا تجد له أثرا في كلاهما.

عشرون: عندما يفرض الرسول شخصا على صحابته وأمته سيتحمل كل تداعيات ذلك، فليس هناك إنسان معصوم، وستحسب كل سلبيات وأخطاء الخليفة عليه، لهذا قرر إهمال الموضوع، معولا على ما في الكتاب الحكيم من مبادئ، مثل المؤمنون بعضهم أولياء بعض، أو ما جعل الله للكافرين على المؤمنين، وأمرهم شورى بينهم، وغيرها من الآيات. وربما لهذا السبب لم يخلّف الرسول ولدا يتشبث بالسلطة من بعده بحجة انتسابه له!!.

لا يمكن للرسول أن يتبنى أحدا في السلطة، لأن تبنيه تزكية مطلقة، تصادر حقوق الناس وقد تفرض عليهم قرارات تعسفية، وهذا لا يفعله نبي ورسول مرسل. السلطة منزلق خطير، وموقف تتحكم به المصالح والأيديولوجيات، وتختلف حوله الأهواء والاتجاهات. وهذا موقف عام لا يخص صحابيا دون آخر: (ولو ثبت الإطلاق فستدور تزكية الصحابي مدار استقامته، نفيا وإثباتا. فمن مات مستقيما في سلوكه، شملته الآية كقوله تعالى (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ). ومن انحرف عنها بعد وفاة النبي لا تشمله. ولا يوجد ما يدعو لتبرير سلوك الصحابة مطلقا، والاستماتة في تزكيتهم، ويبقى مصيرهم، كأي إنسان مرهونا بعملهم واستقامتهم. فالاستقامة هي ملاك الثناء والتزكية القرآنية، وليست الصحبة وشخص الصحابي. والأهم أن الثناء لا يعني كفاءة الصحابة سياسيا، ولا يعني أولويتهم في السلطة والحكم، لكن خداع السياسة، مرر هذا الفهم من أجل إمضاء سلوك بعض الخلفاء والحكام)،(كتاب النص وسؤال الحقيقة).

***

كل الاسئلة المتقدمة مشروعة، ويبقى ما ذكرته الكتب الشيعية (أو التشيّع التراثي) تأويلات، ودفاعا كلاميا، ولو كانت المسألة واضحة كما يقولون لما احتجنا مئات الاطنان من الكتب حول هذا الموضوع الذي استنزف جهودنا وطاقاتنا وعرضنا للامتهان وسفكنا من أجله الدماء، كل ما نحتاجه أن نكتشف دور علي المناط به حقيقة من قبل النبي وعدم الانجرار لاحتدام طائفي أمتد لأكثر من ألف عام بلا جدوى.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

بعض الأساتذة الأعزاء يشكلون على الاستاذ الغرباوي في ان مناقشة تلك القضايا لايجدي نفعا وأنها مسائل قديمه وأنها درست بمرور الزمن، وياليت ظنهم في محله ...! فأني معتقد ان سبب تخلف آلامه الاسلاميه يرتكز على تلك الخلافات الناشبة منذ قرون والى يومك هذا وما لم تحل تلك العقد في تاريخ آلامه الإسلامي سوف يستمر التناحر والاقتتال فيما بيننا من دون انقطاع، ففي كل حين تجد من يشعل نار الفتنه اعتمادا على تلك المسائل العقديه، فبدلا من التفكير في مسائل تكون سببا في تقدم الحياة يتم الارتكاز على تلك الأحداث ومحاولات اثبات صحة آراء معتقديها من كلا الطرفين وفي نهاية المطاف لايقنعون الا أنفسهم وهكذا دواليك...! ولو راجعت سبب تقدم الأمم الراقيه هو انهم درسوا التاريخ دراسه موضوعيه واستفادوا مما حصل في الازمنه الغابره فأصبحت تلك العقبات بمثابه محطات انطلاق لهم في كيفية تجنبها مستقبلا....! ومايقدمه الأستاذ الغرباوي من دراسه موضوعيه ونقد بناء لاهم قضايا التاريخ هي بمثابة محط نقطة انطلاق لنبذ العنف الطائفي المبني على تلك الأسس الهشه والتي أصبحت بمرور الزمن دعائم كونكريتيه يعتمد عليها ضعاف النفوس في الترويج للعنف الطائفي. اني معتقد لو فعّلت تلك الدراسة وذلك الجهد الجبار الذي يقدمه الغرباوي فسوف تنهض هذه آلامه من سباتها الطويل الذي خيم عليها منذ قرون مضت بسبب العقليه الخرفه لبعض رجالات الدين الذين نصبوا أنفسهم حراس لدين الله مع ان الله تكفل بحفظ دينه ولم يجعل ذلك لاحد من خلقه حتى لنبيه محمد ص (( إنما انت منذر لست عليهم بمسيطر)).

التعديل الأخير على التعليق تم في قبل 10 اشهر بواسطة admin جابر علي مرهون
This comment was minimized by the moderator on the site

صدقت الاخ الاستاذ جابر علي مرهون، لا بد من اعادة قراءة التاريخ يما يخدم حاضرنا ومستقبلنا، ولكي نتخلص من عبء الماضي وسطوته على الوعي. اكرر شكري لمتابعتك وتعليقك، وقبل هذا شكرا لاسئلتك التي فتحت هذه الابواب المهمة.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أجوبة رصينة كالعادة بأدلة مقنعة ومنهج في الرد واضح. قد يعطينا إجابة شافية لا نخالها مجرد عرض لأحداث تاريخية والرجوع إلى حقبة بعينها وإنما تتواري وراءها رؤية متبصرة للتاريخ الذي نعاني إرهاصات فهم خاطئ إلى حد الآن. بل من الناس من يثير الفتنة إلى اليوم بجهل أو تجاهل للحقيقة. يمكن أن تغذيها أطراف أخرى. كل التقدير لمجهوداتك أستاذنا القدير

Khira Mbarki
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقدة والشاعرة الجديرة خيرة مباركي، شكرا لمتابعتك وقراءتك حلقات الحوار، يسعدني رضا باحثة وفنانة تشكيلية تتمتع بحس نقدي، ودقة في التشخيص. خالص محبتي واحترامي لبهاء حضورك.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذه المقالة التنويرية الرائعة. و شكراً للمعلقين.

ان الاخ الغرباوي تطرق في الحلقات السابقة الى موضوع "مهم جداً" و هو اختيار الاشخاص لحمل رسالاته و هو "الاصطفاء الألاهي" للبشر

الحج 75
الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ان الله سميع بصير

و ان النقطة المهمة هنا انه ليس من صلاحية الانبياء و الرسل تعيين خلفاء لهم "الاّ بموافقه الله" و ليس بموافقتهم:
مثلاً ان النبي موسى لم "يستطع " ان يعين اخاه مساعداً له بالرغم من انه لديه عاقة بالكلام ؛ و لذلك طلب من الله "الموافقة و التزكية" على تعيين اخاه هارون مساعداً له كما موضح في الاية ادناه.

القصص 34
واخي هارون هو افصح مني لسانا فارسله معي ردءا يصدقني اني اخاف ان يكذبون

و ان الله استجاب له و ان مكانة هارون اصبحت بمستوى الانبياء.

مريم 53
ووهبنا له من رحمتنا اخاه هارون نبيا

بالنسبة للامام علي لا احد ينكر علمه و معرفته بالقرآن و كذلك شجاعته و لكن ان الرسول لا يستطيع ان "يعينه خليفة له" لان هذا يتعارض كلياً مع مفهوم عالمية الدين الاسلامي.

و كذلك ان الرسول لا يستطيع ضمان نفسية المرشح لانه لا يعرف ما في الغيب و ما تحمله النفس البشرية. ان المقصود في طبيعة احاديثه قد تكون فقهية تماماً و ليس اكثر من هذا.

و علينا ان نفهم ان القرآن اعلى مرتبة من كل الاحاديث مهما كانت صحيحة ام غير صحيحة لانه كلام الله ؛ و لذلك علينا الاستناد عليه فقط في كل الامور الجدلية. علينا الرجوع الى القرآن في كل الامور الدينية و ليس الى احاديث قد تكون مزورة.

ان المذهبية و التفرقة بين المسلمين لم تكن موجودة في زمن الرسول و لا حتى زمن الامام علي و اولاده؛ و لا اعتقد ان احد منهم رفع "لواء الطائفية". الطائفية نشأت ليس في زمنهم لاسباب لا استطيع التطرق لها هنا.

امّا موضوع السقيفة الشائك و الشقاق الذي حصل بين المسلمين لا اعتقد ان المفهوم السائد هو الصحيح ؛ و اعتقد ان الخلفاء تبادلوا الادوار بعد وفاة الرسول؛ قسم منهم ذهب الى تجهيز جنازة الرسول و القسم الاخر اتخذ خطوات سريعة لسد الفراغ و السبب ان الكثير من المسلمين ارتدوا عن الدين بعد سماع نبأ وفاة الرسول ؛ و لذلك جاءت خطبة ابو بكر "من كان يعبد محمداً فأن محمد قد مات و من كان يعبد الله فأن الله حي لا يموت".
و لو كانت هنالك امور مهمة بينهم لما سمي الامام علي ابناءه بأسماء الخلفاء "ابو بكر و عمر و عثمان" كما موضح في الرابط التالي.
آسف على الاطالة ؛ و شكراً مرة اخرى و مزيداً من المقالات التنويرية الرائعة.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D9%84%D9%8A_%D8%A8%D9%86_%D8%A3%D8%A8%D9%8A_%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8

التعديل الأخير على التعليق تم في قبل 10 اشهر بواسطة admin ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

دائما تتابع وتشارك من خلال تعليقاتك، فشكرا لك اخي العزيز الاستاذ ثائر عبد الكريم، نحن بحاجة لرفد الوعي بقراءات نقدية. اكرر احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الى السادةِ الأساتذةِ المُشكّكين بجدوى و نجاعة

وأهميّة المباحث التي يتصدى لها الأستاذ الغرباوي

الفاضل أقولُ بقناعتي المتواضعة :

هو يرفعُ بجدارةٍ وإقتدار تلك الألغام المزروعةِ في ذاكرتنا

الجمعيّة. و ينزع بشجاعةِ و إقدام فتائلَ القنابلِ الموقوتةِ

التي غُرِستْ في لاوعينا بل في وعينا الجمعيّ من

قِبَلِ. حُرّاسِ المعبدِ من كلا الفريقين .

فللغرباوي الشكرُ والأجرُ والثواب

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

دمت مباركا الاخ الشاعر المبدع مصطفى علي. رغم تطاول السنين وترسخ التراث وقيمه في نفوس الناس إلا أن المناهج الحديث سمحت باعادة قراءة التاريخ قراءة نقدية وعدم الاكتفاء بالمنهج القديم، من اجل رؤية تقارب الواقع نحن بامس الحاجة لها مادمنا نروم النهوض الحضاري اكرر احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الف مبارك لفكركم الإنساني استاذنا القدير الباحث المضيء عصور معتمة لانارة طريق الهداية..تحايا طيبة
إنجاز تاريخي مهم ومرجع تفكر لأسئلة مضمورة في النفوس لعقود غارقة بالتشدد والتحيز باسم العقائد والمذهبية وغيرها كبلت الاسلام بالاختلاف والشقاق والتناحر والحروب فقصمت راية الاسلام وتلاعبت بالعقول ..ومما لا يمكن نكرانه فروض المصالح لتكذيب بعض الأحاديث ورسم خطوط الشك لعرقلة التصالح وبث أيادي التسلط والتحكم ليومنا هذا وهو الطارئ الدائم ،وبجهود حكمة رؤاكم بالبحث والتنقيب والشرح والتحليل ببساطة رائقة باثبات مرجعية التداول لإزالة لثام الفتنة ونفض تراب الغموض لتجلي الحقائق وتنوير القاصي والداني من محب او كاره ومسلم ومختلف ..شكرا لجهودكم الرائعة ومنبع الطيبة والتسامح استاذي القدير
دمت بالف خير

إنعام كمونة
This comment was minimized by the moderator on the site

الأديبة والناقدة القديرة إنعام كمونة، مرحبا بحضورك، وبهاء حرفك، وانت تلامسين جرحا عميقا في وعينا. بالفعل ثمة اسئلة ضامرة في النفوس لسنين طويلة، يراد لها أن تتفجر، لنقارب الحقيقة وانت بأمان وسلام. تحية ومحبة خالصة

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4850 المصادف: 2019-12-16 02:27:17