 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (146): الغدير والشورى

majed algharbawiخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق12من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الموقف من الشورى

ماجد الغرباوي: لمّا اقتربت وفاته، انتدب عمر بن الخطاب ستة من الصحابة أناط بهم مسؤولية اختيار الخليفة الثالث، وقد اختارهم بشكل يفضي إلى إقصاء علي بن أبي طالب عن الخلافة، مما يؤكد أن عليا ظل يمثّل قلقا وهاجسا كبيرا لعمر بن الخطاب، ربما تراكمات عداء غير مرئي يعود لأيام الجاهلية. وربما صراع قَبلي وموقف عدائي من بني هاشم عامة. أو ديني، حيث كان عمر من أشد المعارضين لدعوة النبي، بينما كان علي متطرفا في نصرة الدين الجديد، فلا شك تحدث حساسية وتوجّس. ولا أعتقد أن الإسلام قد شفى نهائيا صدور من أسلموا بعد حقبة عداء مرير للإسلام (سواء عمر أو غيره)، فضلت بعض أحقاد جاهلية كامنة تتحين. وهي طبيعة بشرية، لا تندثر بسهولة إلا بترصّدها وملاحقتها نقديا، بما يفضي إلى إعادة تشكيل وعي يجافي القيم القَبلية والنوايا الشريرة. وإذا أضفنا حمى التنافس على السلطة بعد ظهور الإسلام، تتضح المواقف الحقيقية من علي بن أبي طالب. فقول عمر بن الخطاب بأن "فيه دعابة"!!!. (تاريخ الطبري، ج5، ص78)، يمثل موقفا من علي، خاصة أنه معروف بمبدئيته وجديته حينما يقتضي الأمر، يشهد لذلك سلوكه في السلطة، وصرامته في العدل. وعندما طالبوا الخليفة الثاني باستخلاف من يراه مناسبا للخلافة، قال: (قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأوّلي رجلا أمركم، هو أحراكم أن يحملكم على الحق – وأشار إلى علي)، (المصدر نفسه، ص77). وأكّد أن في عثمان ليناً. واللين ضعف مضر بالسلطة، التي تقتضي قائدا حازما وشخصية قوية. فكانت نتيجة خلافته ثورة عارمة مزقت أحشاء الدولة الإسلامية وأطاحت بمقوماتها، ومهدت لحكم بني أمية، الذين ابتعدوا عن المنحى الديني في السلطة.

وقال عمر: (وما أظن أن يلي إلا أحد هذين الرجلين: علي أو عثمان، فإن ولي عثمان، فرجل فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة، وأحر به أن يحملهم على طريق الحق). (المصدر نفسه، ص78.).

وبشكل عام هناك انطباع أعلن عنه الإمام علي قائلا: (إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: إن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم). (المصدر نفسه، ص81). وهذا نص تاريخي، يؤكد قوة حضور مبدأي: القريشية والولاء. وليس للدين أي علاقة بالسلطة، مما يؤكد عدم صدور أي نص عن النبي يمثل  بوصلة الحق عند النزاع حول السلطة، سوى روايات الفضائل. وبهذا يتضح مضمون حديث الغديرجليا.

وقائع الشورى

نعود إلى الشورى وتفصيلاتها، لتحري دور المقدّس في اللعبة السياسية. ورصد حركة علي بن أبي طالب فيها، وهل كان حقا يتحرك من وحي عهد معهود له من قبل النبي؟ أما كان يناور سياسيا كغيره من الأشخاص. وهذا لا يمنع أن تكون له مبادئه وشعاراته التي يمتاز بها على غيره. لأن مهمتنا الكشف عن أصداء الغدير في اللعبة السياسية، وأحداث الشورى في هذه المرحلة، بعد أن لم نعثر على أثر واضح له خلال أحداث البيعة، عندما آلت الخلافة إلى قريش، المناوئ اللدود للبيت الهاشمي، وامتداده في العصر الأموي. تقول الرواية:

( ... عليكم هؤلاء الرهط الذين قال عنهم رسول الله "ص": إنهم من أهل الجنة: سعيد بن زيد بن عَمرو ابن نُفيل منهم، ولست مُدخله، ولكن الستة: علي وعثمان إبنا عبد مناف. وعبد الرحمن وسعد خالا رسول الله "ص". والزبير بن العوام حواري رسول الله "ص" وابن عمته. وطلحة الخير بن عبيد الله. فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولّوا واليا فأَحسِنوا مؤازرته وأعينوه، إن إئتمن أحدا منكم فليؤد إليه أمانته.

وخرجوا، فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم، قال: أكره الخلاف. قال: إذا ترى ما تكره.).(المصدر نفس، ص77). ومازالت السلطة تسير وفق منطق قبلي براغماتي، لا علاقة لها بالدين، ولا تنتمي لأي نص مقدس، سوى إرادة شخصية لعمر بن الخطاب، وسطوة قريش، وسجال بين الطرفين، وفق ذات الموازين السياسية، القريشية والولاء.

ثم يعود عمر ليضع ضابطة لهؤلاء الشورى وكيفية اختيارهم للخليفة، وهي ضابطة تعسّفية لا تنتمي للدين الحنيف، ضابطة مفعمة بالعنف، تبيح قتل المعارض، وصاحب الرأي الآخر، ولا تسمح بالتحفّظ، وتطالب بالانصياع، بحكم القوة والسيف. يقول عمر في ضابطته: (وقال – أي عمر- للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة أن قَدِم، وأحضر عبد الله بن عمر ولا شي له من الأمر، وقم على رؤسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدج رأسه – أو اضرب رأسه بالسيف – وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى إثنان، فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم، فحكّموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس). (المصدر نفسه، ص78)، وهو خطاب رعب، عنيف، يجرى وفق قيم العبودية، وقيم المجتمع الأبوي. والرجل معروف بغلظته وخشونته. لكن كيف يحكم على أصحاب رسول الله وفق هذا المنطق و(الإيمان قيد الفتك)؟.

ربما عدم وجود مرجعيات دينية لحسم الخلافة حول السلطة، وخشية عمر من انفراط السلطة، وتشتت الصحابة، وراء قسوته وشدته، فكان في مقام التهديد لردعهم وتقويم سلوكهم. وقد يقال بصواب هذا التبرير، لكن هل يبيح له هذا السبب سفك دماء الصحابة لمجرد اختلافهم بالرأي؟. وسأبقى أتساءل بأي مبرر شرعي يشرّع عمر قتل المخالفين له بالرأي؟ حتى لو أن أحد السياسيين خالف إجماع الأمة فهل سيكون مصيره القتل؟ ما هو الدليل والمبرر الشرعي على ذلك؟. ثم متى كان الاختلاف مدعاة لقتل المعارض في آية: "وشاورهم في الأمر". وآية: و"أمرهم شورى بينهم"؟.  فهل الشورى فخ لاستدراج المعارض ومن ثم استباحة دمه؟ أم أن مقتضى الشورى احترام رأي المستشارين، اتفقوا أم اختلفوا؟. بل أن معنى الشورى والتشاور اختلاف الآراء، والجلوس للتقريب بين وجهات النظر. سبق أن كتبت عن القيم القَبلية، واستمرارها بعد الرسالة، بغطاء شرعي، وهنا أؤكد أن موقف عمر بن الخطاب في هذه الحادثة بالذات، يعد مصداقا واضحا لما قررته في محله، بأن المسلمين لم يغادروا خلفياتهم القَبلية تماما، وإن اختيار الخليفة جرى وفقا للمنطق السائد آنداك، وهي مبادئ قبلية، استطاع الخليفتان الأول والثاني ترسيخها (القريشية) شرطا في خليفة المسلمين.

تضيف الرواية: فخرجوا – أي رجال الشورى- (فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا.

 وتلقاه العباس، فقال: عدلت عنا، قال وما علمك؟

قال، أي علي بن أبي طالب: قُرِن بي عثمان، وقال كونوا مع الأكثر، فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو يوليها عثمان عبد الرحمن. فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بله إني لا أرجو الا أحدهما. وعلي هنا يقرأ الحدث وفق المنطق السياسي. يدرس جميع الاحتمالات، ثم يخطط ويتخذ الموقف المناسب.

فقال العباس (مخاطبا علي): لم أرفعك في شي إلا رجعت إلي مستأخرا بما أكره، أشرت عليك بعد وفاة رسول الله "ص" أن تسأله فيمن هذا الأمر، فأبيت. وأشرت عليك بعد وفاته أن تعاجل الأمر فأبيت. وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى ألا تدخل معهم فأبيت. أحفظ عني واحدة: كلما عرض عليك القوم، فقل لا، إلا أن يولوك، واحذر هؤلاء الرهط، فإنهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الأمر حتى يقوم لنا به غيرنا، وأيم الله لا يناله إلا بشر لا ينفع معه خير.

 فقال علي: أما لئن بقي عثمان لأذكرنه ما أتى، ولئن مات ليتداولنها بينهم، ولئن فعل ليجدني حيث يكرهون ..)، (المصدر نفسه).

ثم بدأت مداولات الشورى برئاسة عبد الرحمن بن عوف على مدى ثلاثة أيام، إلا أن الجميع كان يريدها لنفسه، فخاطبهم عبد الرحمن: أيكم يخرج منها نفسه ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟ فلم يجبه أحد. فقال أنا أنخلع منها. فقال عثمان: أنا أول من رضي فإني سمعت رسول الله "ص" يقول "أمين في الأرض أمين في السماء". فقال القوم: قد رضينا، وعلي ساكت. فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ قال: أعطني موثقا: لتؤثرن الحق، ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألوا الأمة ..). (المصدر نفسه، ص79.). وفي لباقة عالية حكيمة استطاع علي أن يحرج محاوره، ويفرض شروطا، تعارض تكريس الولاء والتوجهات القَبلية، (ولا تخص ذا رحم)!!. فحدد بشروطه متبنياته السياسية، وأعلن عن معالم مشروعه، مما يؤكد ثمة مشروع سياسي قد نضج واكتمل، يجلّي معالم التشيّع في مرحلة التأسيس. ويصدق كما مر أن عليا، كما أفهم من روايات الفضائل واهتمام الرسول به ومواقفه ومبدئيته، أفهم أنه قدوة في السوك، ومرجعا فكريا وسياسيا، ومؤهلا بامتياز للسياسة والحكم. وهذا هو مسار التشيّع قبل أن تطرأ عليه الخرافات والأسطرة المرّة، التي شوهّت معالمه، وصفق لها أعداؤهم، لتكون حجة ضدهم. وربما والله العالم، هذا ما كان يطمح له محمد بن عبد الله صاحب الرسالة.

ثم جاءت مرحلة اختيار الخليفة الثالثة فحضر وجوه المسلمين في المسجد، جاء في الخبر: ( فدعاهما – عبد الرحمن – فبدأ بالزبير في مؤخر المسجد في الصفة التي تلي دار مروان، فقال له: خل ابني عبد مُناف وهذا الأمر، قال: نصيبي لعلي، وقال لسعد: أنا وأنت كلالة، فاجعل نصيبك لي فأختار، قال أن اخترت نفسك فنعم، وإن اخترت عثمان فعلي أحب إلي. (المصدر نفسه، ص80.). فمازالت المشاورات تدار بذات المنطق السياسي السائد، بعيدا عن مرجعية أي نص ديني مقدس. تستمد شرعيتها من الصحبة ومن ضرورة وجود خليفة للمسلمين، ومن ورائهم وصية عمر بن الخطاب، مما يؤكد أن المراد بأحاديث الفضائل وحديث الغدير  خاصة، أفضلية علي، وليس النص على خلافته، كي يحكم بغصبية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان فيما بعد، كما يذهب لذلك فقهاء الشيعة. وهذه نقطة مهمة جدا، تترتب عليها أحكام شرعية.

فلما صلوا الصبح جمع الرهط، وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله، كما تقول الرواية.

فقال سعيد بن زيد: إنا نراك لها أهلا، فقال: أشيروا علي بغير هذا.

فقال عمار – ابن ياسر- إن أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا.

فقال المقداد بن الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا قلنا: سمعنا وأطعنا.

قال ابن أبي سريج: إن أردت ألا تختلف قريش فبايع عثمان.

فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق، إن بايعت عثمان قلنا: سمعنا وأطعنا

فشتم عمار ابن أبي سريج، وقال متى كنت تنصح المسلمين؟. فتكلم بنو هاشم وبنو أمية.

فقال عمار: أيها الناس، إن الله عزوجل أكرمنا بنبيه، وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم؟.

فقال رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها.

فقال سعد بن أبي وقص: يا عبد الرحمن، أفرغ قبل أن يفتتن الناس، فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا. ودعا عليا فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده؟ قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي. ودعا عثمان، فقال له مثل ما قال لعلي، قال نعم، فبايعه.

وهو أسلوب ماكر، لاستبعاد علي الرقم الصعب في المعادلة السياسية، فكان يستبدل خططه خلال مداولاته مع الشورى، حتى فرض شرطا، خمن بدهائه، رفض علي له، وقد صدق ظنه، ورفض علي، واكتشف خطته.

فقال علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرون فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك، والله كل يوم هو في شأن.

فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله.

فقال المقداد: يا عبد الرحمن، أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.. ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم. إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول أن أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل. أما والله لو أجد عليه أعوانا .. فقال عبد الرحمن: يا مقداد، اتق الله، فإني خائف عليك الفتنة، فقال رجل للمقداد: رحمك الله من أهل هذا البيت، ومن هذا الرجل؟ فقال: أهل البيت بنو عبد المطلب، والرجل علي بن أبي طالب.

فقال علي: إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها، فتقول: أن ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم). (المصدر نفسه، ص81)

وفي رواية أخرى: (ثم تكلم، أي عبد الرحمن بن عوف: .. فقم إلي يا علي، فقام إليه، فوقف تحت المنبر، فأخذ عبد الرحمن بيده، فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي ...). (المصدر نفسه، ص84).

كان ذلك سنة 23 هـ، عندما توفي عمر بن الخطاب، وعقدت الشورى جلساتها التداولية، فانتهى الأمر بإقصاء علي وتتويج عثمان بن عفان خليفة ثالث للمسلمين. وقد اتضح جليا أن القريشية والولاء القَبلي كانا المبدأ في الخلافة، وليس ثمة وصية ونص عليها. وأنظر إلى دقة تعبير الإمام علي: (إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها). وهذا ما أكدت عليه طوال البحث، إذ لا يمكن لخلافة أبي بكر أن تتم مع وجود الأنصار لولا وجود أرضية وقبليات قَبلية مهدت للقريشية مبدأ للحكم، يؤكده كل من كتب في النظام السياسي الإسلامية، ولا يتجاوزه الفقه السلطاني. فعن أي شريعة يتحدثون، وأمامنا أحداث ممسرحة، جسدت مرجعيات القوم في السلطة والحكم. إنها مبادئ قَبلية وولاء قبلي، تنتمي إلى قيم العبودية. كما أن عليا بقوله: (ليس هذا أول يوم تظاهرون فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)، أكد عمق الصراع على السلطة، واحتدامه بين بيوتات قريش وفق مبدأ الولاء، في عهد عثمان خاصة، وهذا ما كان يخشاه علي، ويعلم أن الأمر سيخرج من بني هاشم، إضافة إلى خوفه أن تؤول السلطة لمن هو ليس أهل لها، لذا هدد في كلامه: إنك ستجدني حيث تكره. فلم يكن صراعا بين الحق والباطل، بل صراعا أي رموز قريش أحق بها، إذ لا أحد شكك بتقواهم ورمزيتهم وعدم تمسكهم بالحق. ولا أخذهم أحد بعمل سيء أو تهمهم بجريمة. كل ما في الأمر مجموعة رموز قريشية يتصارعون حول السلطة بحكم قربهم من رسول الله. فالقرابة / القريشية هي المبدأ ثم فرض الولاء القبلي نفسه بقوة، لذا خاطب علي عبد الرحمن بن عوف: (والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر اليك). وفي كلامه إضافة إلى التشكيك بمصداقية عبد الرحمن وصدقه، تأكيد على خطورة مبدأ الولاء، فقد وضع عبد الرحمن خطته محكمة لتؤول إليه بعد عثمان لا محال!!!!!. فهم عصبة تتحكم بهم مصالحهم الشخصية، وولع قريش بالسلطة. وإلا لو كان هدفهم إقامة خلافة دينية مثالية، فيكيفهم ما يعرفونه عن علي وما شهد به عمار بن ياسر والمقداد بن الأسود، حيث تألم إذ لم يجد معه من يناصره (... أما والله لو أجد عليه أعوانا)، فحذره عبد الرحمن من الفتنة. فالمقداد وهو صحابي جليل معروف، كان مستعدا للحرب من أجل انتزاع السلطة، وتقليد الخلافة، والسبب كما ذكره في خطبته المتقدمة: (أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.. ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم). فكان التوجس من مستقبل السلطة وانحراف مبدئية الخلافة واضحا في كلام علي وعمار والمقداد، رموز المبدئية الدينية العقدية الإسلامية، والطامحين بدول العدل الإلهي وضمان عدم عودة سلطة الملأ من قريش على حساب المعدمين والمستضعفين. 

وأخلص أن مبدأ القريشية والولاء القبلي ومنطق الغنيمة وإرث الأباء، قد طغى على تصريحات الصحابة. وهو منطق براغماتي بشكل أساس، لا يمنع من وجود أجندة مبدئية كما بالنسبة للإمام علي، الذي كان يحذر كما تقدم من تقديم الولاء على الكفاءة، وهذا ما حصل مع عثمان. وتحققت نبؤته، لأنه خبير بقريش وولعها بالسلطة، واعتزازها بنفسها وكبريائها ونرجسيتها. فعلي يريد سلطة وفقا للمبادئ الدينية، فخسر معاركه السياسية، وقريش فهمت السلطة فهما براغماتيا، ومِلكا عضوضا، فكانت على رأس السلطة دائما. ومازالت خطاب الخلافة يندب قريشا لخلافة المسلمين!!!!!.

المنطق القبلي الحاكم

أنظر للمنطق القَبلي، والزعامة المقدسة لقريش في كلام (رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها.)، فهل ساهم الخطاب الدينيفي تكريسها؟ هناك عدد من الروايات تنسب للرسول إشادته بقريش وكفاءته وقيادتها: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام. غير أني ناقشت رواية أبي بكر: "الخلافة أو الإمامة في قريش" وبيّنت نقاط ضعفها وتعارضها مع الكتاب الكريم.

وأنظر لكلام علي "ليس هذا أول يوم تظاهرون فيه علينا"، إنه يعكس بوضوح صراع السلطة بين بيوتات قريش. مع الاتفاق على مبدأ القريشية في السلطة. فعلي هنا لم يتكلم باسم المسلمين كما فعل عمار بن ياسر والمقداد حينما قالا: "إن أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا"، بل تكلم وفق الواقع الموضوعي، أن السلطة للبيت الهاشمي، وسرقتها قريش. وهذا يؤكد ما أكدت عليه مرارا بأن صراع السلطة كان صراعا بين بيوتات قريش. وليس صراعا بين نص مقدس بتنصيب علي، وتمرّد قريش، ليتحول كما في الخطاب الشيعي المغالي، إلىى صراع بين الإسلام والكفر. بين الحق والباطل. إنه صراع بين قريش. قال الرجل المخزومي مخاطبا عمار، كما تقدم:" وما أنت وتأمير قريش لأنفسها". عمار لا ينتمي لقبيلة تتنافس على السلطة فيفكر بالمسلمين، ويرى عليا المؤهل الوحيد لها، لأنه يعرف أنه رجل مبدئي، والقريشية ليس عيبا، يتقبلها الذوق القَبلي السائد. وهو ذات الذوق الذي تقبّل رواية أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وحسم الخلافة لقريش مدى الحياة، حينما روى عن النبي: "أن الخلافة أو الإمامة في قريش"، رغم لم يروها أحد غيره، غيرأن ثقافة الصحابة والذوق القَبلي السائد أمضاها، وعمل بها. فعمار يجهل لعبة السلطة القَبلية، وكيفية إدارتها، لكنه لا ينكر ثوابت الوعي القبلي السائد، لذا قال المقداد: " إني لأعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول أن أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل". فالرجل لم يتمرد على القريشية لأنها خط أحمر، وهو يدرك ذلك، فقال إني لأعجب من قريش، ولم يقل إني لأعجب من المسلمين، ولا إني لأعجب من الأمة الوسط!!!. المسلمون هم الهامش وسيبقون ما لم يتداركهم الوعي، يطوفون حول قريش / المركز،/ العائلة المقدسة!!). وقداسة قريش تابو، والاختلاف حول سعتها، فهل القداسة شاملة لكل بيوتات قريش، أم خصوص أهل البيت؟. وهكذا توزعت العقائد  وسفكت الدماء واختلفت الآراء الكلامية تبعا لصراع السلطة بين بيوتات قديسة لا يطالها النقد، ولا تقاربها المراجعة النقدية. وهكذا كانت قريش وراء دكتاتورية القبيلة، والسبب الأساس وراء ترسيخ قيم الاستبداد والتبعية والانقياد داخل المنظومة القيمية للفقه الإسلامي.فاكتسب الاستبداد قدسية استمدها من قدسية قريش أولا ومن ثم من الشريعة وفقها السلطة الثانية بعد كتاب الله وسنة نبيه.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

بارك الله فيك السيد المحترم ماجد الغرباوي
حقيقة إن مقال الغدير والشوري فيه عرض كامل علي الاحداث السياسية في الشوري الستة. فالصراع كما اشرت اليه هو صراع في بيوت القرشية لكن الأولي أن نقول من جانب علي يتمثل على حد قول الشاعر:
إدا لم تكن الا الاسنة مركبا فما حلية المضطر الا ركوبها"
أو من باب المشاكلة كما يطلق الخطاب القرآني
فعلي هو مضطر في الصراع في دائرة القبلية القرشية لكنه لم يخرج قيد أنملة من الحق فالصراع ادن كان جانبا يمثل الحق والحقيقة وهو جانب علي وجانب آخر لا يهمه الا الحكم والسلطة وكانت تمثل قريش بزعامة ابي بكر وعمر.
وما دا تنفع النصوص حتي ولو جد علي بن ابي طالب بعد أن رفض الوصية والكتابة من النبي صلى اله عليه وسلم في يوم الرزية حيث تركه النبي بعد مقوله عمر "هجر النبي" انقادا للإسلام وعقيدته من تشكيك المنافقين القرآن

فالأولي بدءا من السقيفة ان نبين حانب الصواب من الخطأ في القضية و إلا فالتخليط بين الحق والباطل استمر ويستمر الي ان يرث الله الارض ومن عليها
وخير ميثالي أن معاوية كان مجتهدا في قتاله مع علي حتى يومنا الاختطاط ما زال له وقع في العالم الاسلامي وخاصة الصراع بين الاسلامين أنفسهم أو مع خصومهم من العلمانيين واليبراليين.

مع الإخترام والتقدير

الدكتور بدر الدين شيخ رشيد
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية خالصة لجناب الدكتور بدري الدين الشيخ راشد، وشكرا لقراءته الحوار والتفاعل معه. إن الهدف وراء البحث أبعد من سرد الأحداث، لتقصي آليات تنصيب الخليفة، ومدى تأثرها بالنصوص المقدسة، لمعرفة دلالات حديث الغدير بشكل أعمق. والارتكاز للأيديولوجيا يتعارض مع مهمة البحث. وليس أمامي كي أحقق هدف البحث سوى الموضوعية وعدم الانحياز لأي من الأطراف. كما أني لست بصدد تزكية طرف وإدانة آخر، ويكفي أن شهادات الحضور وأقوالهم تكفي لمن يريد ذلك. وقوع البحث في فخ الأيديولوجية يفقده قيمته الموضوعية، ويكرس المشاعر الطائفية والمذهبية، ونبقى ندور في مداراتها، ونحسب أننا نحسن صنعا، وما هي سوى أوهام الحقيقة، التي ستبقى عبئا ما لم نمارس معها النقد وملاحقة مرجعياتها بصرامة. سددك الله أيها الباحث الجدير. مع احترامي وتقديري

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً للأخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذه المقالة الرائعة التي توضح ما دار في عصر الخلفاء الراشدين من خلاقات على "السلطة" وليس على "امور الدين". وشكراً للدكتور بدر الدين شيخ رشيد على تعليقه.
من خلال متابعة الحلقات السابقة وهذه الحلقة ومتابعة آيات القرآن استطيع ان استنتج بشكل واضح وصريح "و هذا رأي شخصي".
ان الخلاف بين الخلفاء الراشدين جميعهم انعكس على واقع المسلمين الى الوقت الحاضر. كانوا المفروض بهم ان يكونوا مثالاً يقتدى به يمثل ارادة السماء بدلاً من التفكير في مصالحهم الشخصية. انهم حولوا الدين من دين "ايماني سماوي" الى حزب "سياسي" وهذا افقد الدين ماهيته؟؟؟.
هذا يقول "الخلافة او الامامة في قريش"؛ وذلك يقول الخلافة او الامامة في "بني هاشم". هل هذا هو فهمهم للدين الذي اراده الله للعالم اجمع؟؟؟؟؟.
و ان الله يقول في كتابه " لا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان".
علماً ان الدين الاسلامي ليس ديناً قبلياً او وراثياً.
" ان اكرمكم عند الله اتقاكم" وليس انتمائكم الى قريش او بني هاشم؟؟؟.
هل فهموا آيات الدين الاسلامي من خلال وجودهم مع الرسول؟؟؟.
كيف نقتل المخالف بالرأي؟؟؟. هل هذا هو معنى الشورى في الدين الاسلامي. ؟؟
الله يقول للرسول "امرهم شورى"؛ " و"شاورهم في الامر" وكذلك "لست عليهم بمصيطر". وهنالك الكثير من الايات في هذا الاتجاه.
و السؤوال المهم جداً الذي يطرح نفسه علينا بقوة لماذا اهمل رأي "الانصار" بالرغم من تضحياتهم الهائلة؟؟؟. ولولا وجود الانصار ودعمهم للمهاجرين لما انتصر الدين الاسلامي.
اليس كان من الافضل ان يكون هنالك مجلس مكون من المهاجرين والانصار وغيرهم وهم الذي يقرروا امور الدين بعيداً عن القبلية؟؟؟. وشكراً.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر والتقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا الأخ ثائر عبد الكريم باضافاتك ومداخلاتك الرائعة في بداية الاسلام انتشر بتنازل بيتي الأنصار والهاشمي لصالح الاسلام والمسلمين لكن بنو هاشم بقيادة علي لعبوا دورهم في المنافشة مع رعاية جوهر الاسلام لكن الأنصار امتثلوا بأسى النبي صلى الله عليه وسلم ووصيته بقوله ستجدون بعدي أثرة فاصبرو حتى تلقو علي الحول ودعائهم لهم الله ارحم الاصار وابناء الانصار وابناء ابناء الانصار.

الدكتور بدر الدين شيخ رشيد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4870 المصادف: 2020-01-05 04:07:26