 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (148): الغدير والعترة

majed algharbawi9خاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على (ق14من س135) من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

الغدير والعترة

ماجد الغرباوي: تقدم أن حديث الغدير قد اشتمل على فقرتين، الأولى قول النبي: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، والتي استدل بها الشيعة على أحقية علي بن أبي طالب بالخلافة، واعتبروا الإمامة السياسية نصا وتعيينا من قبل الله تعالى على لسان النبي، وعلى هذا الأساس قامت نظريتهم في السلطة والحكم، بعد أن حكموا بغصبية سلطة الخلفاء، غير أن سيرة علي مع الخلفاء، لا تدل على تشكيكه بشرعيتها، وكان يتعامل مع الخلافة كأي نظام شرعي ديني، يجب الدفاع عنه ومساندته، يمارس حياته اليومية كغيره من المسلمين. وقد تزوج من جواري حروبهم، وله كما لغيره حقوق من بيت المال هو وأبناؤه وعياله، فكيف يتصرف بأموال مغتصبه؟ وكيف يمارس حياة طبيعية في ظلها؟ ما يهوّن الخطب أن التراث الشيعي تراث متأخر، ونتاج فترة صراع مرير مع الأمويين والعباسيين. وقد مرَّ الحديث مفصلا عن موضوع فقرة الولاية، "من كنت مولاه فعلي مولاه". ولم يعد هناك مزيد من البحث بعد التطرق لجميع أبعادها وتفصيلاتها ومحتملاتها، وسنغادرها إلى الأبد، دون الالتفات إلى الوراء ثانية، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). فما لم نتخلص من سلطة التراث، سنبقي ندور في حلقة مفرغة، يتحكم بنا عقل تراثي دائري مغلق على نفسه، يجافي العقل والعقلانية، التي هي سر تقدم الأمم. ليس هناك ما يتوقف على التراث، ولم يرتهن القرآن العقل المسلم له إلا بحدود القيم الإنسانية والأخلاقية. إضافة إلى بعض تفصيلات الأحكام، ليست السلطة وشؤون الحكم من ضمنها، سوى مبادئ وقيم تضبط أداءها. وهذا لا يعني التنكر للظواهر الإيجابية، والجهود الفكرية، والمنجز العقلي لعلماء المسلمين، بل يعني الوقوف مع التراث موقفا ناقدا، يتحرى ما يعزز نهضتنا والتخلي عن مطلقاته التي ترتهن إرادتنا ووعينا.

ثانيا: العترة

الفقرة الثانية في رواية الغدير تتحدث عن العترة ودورها إلى جانب الكتاب الكريم، وهي قضية مهمة، تتوقف عليها جملة آثار تشريعية، وليس عقدية فقط. قال النبي، بعد قوله "من كنت مولاه فهذا علي مولاه": (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله و"عترتي" أو "وسنتي"). وقد اختلفت الروايات حول هذه الفقرة بالذات،  هل المراد بعِدل الكتاب عموم سُنة النبي أم سُنة أهل البيت خاصة؟. وهل قال النبي: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وسنتي) أم قال: (إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي)؟. ولا يخفى الفارق وحجم الآثار المترتبة عليه. وبالتالي فكلا الفريقين  قد أهمل رواية ثالثة لم يرد فيها سوى القرآن: "إني تارك فيكم كتاب الله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا"، كما تقدم بيانه. وهذا يدفعنا للسؤال عن إمكانية أن يكون للقرآن عِدل، تتوقف عليه حجيته، ومعرفة مقاصده. وهو سؤال يتفرع على سؤال يسبقه: هل القرآن مكتفٍ بذاته أم لا؟ وما معنى اكتمال الدين حينئذٍ في ضوء حديث العترة؟ وما هو دور السُنة النبوية في ضوئها؟.

الحديث أحد الأدلة على حجية السُنة أو حجية سُنة أهل البيت، بل وولايتهم التشريعية، كما هي النظرية الشيعية، التي تعتقد بامتداد عصر التشريع حتى نهاية الغيبة الصغرى (329 هـ)، وتتعاطى مع روايات أئمة أهل البيت بمستوى روايات النبي. وبالتالي فتتوقف على هذه الفقرة من حديث الغدير قضايا عقدية مهمة، تدعو للتمسك به والدفاع عن صحته وحجيته، مما يتطلب رؤية تأملية، لتحري دلالته، بناء كما أكدت مرارا على صحة صدور الحديث عن النبي، وأنه فعلا، صرّح بهذه المضامين. وحتى لو لم نقطع بصحة صدورها فنتناولها لقوة حضورها، وهذا يكفي وفقا للمنهج المعتمد. وينبغي التنبيه إلى وجود ثلاثة نسخ من الحديث، بعضها جعل السُنة عِدلاً للكتاب، والآخر جعل العترة عِدله. وثالث اكتفى بالقرآن!!!. ويمكن الاستعانة بقرائن الروايتين لحسم الجدل الدائر حول الصيغتين (العترة / السُنة): فهناك روايات سنية بصياغة أخرى تدعم الصيغة التي تروي خصوص العترة عِدلاً للكتاب. وهو ما تصرّ عليه الرواية الشيعية، التي اكتفت بجملة "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا". وفي رواية "فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض". وجاء في رواية الشيخ المفيد المتقدمة: فقال عليه وآله السلام: (إني قد دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوف من بين أظهركم، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). وصيغتها مغلقة، تحد من تأويل النص. بينما الروايات السنية أوردت الخبر بشكل آخر، وقد ذكرتها سابقا، نأخذ منها محل الشاهد:

-  (عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيباَ، بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به». فحَثَّ على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي"..). (رواه مسلم في صحيحه (2408)، وأحمد في مسنده (19285)...). ولا يخفى اختلاف الدلالة بين قوله "إني تارك فيكم  كتاب الله وأهل بيتي"، التي تضع أهل البيت في موازاة الكتاب، ومرجعية لا يمكن تجاهلها لمن يعتقد بصحة صدور الرواية، ويعتقد بحجية قول النبي. وأما قوله "أذكركم الله في أهل بيتي"، فهي رجاء والتماس، تكشف عن هواجس تراود النبي حول مستقبل أهل بيته، وكأنه يخشى الثأر والانتقام منهم. أو استضعافهم، وهدرهم حقوقهم، فهو يوصيهم بهم بعد وفاته، فيكون مدلول الرواية احترازيا، ومن باب ذكّر إن نفعت الذكرى.

من جهة أخرى، فإن قول النبي في كما في الرواية الأخيرة: (وأهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي، أذكركم اللهَ في أهل بيتي)، أتت منسجمة مع أسباب صدور الحديث، الواردة في الروايات السنية، والتي ربطت قول النبي "من كنت مولاه فعلي مولاه"، برواية بُريده، وموقفه التشكيكي بمصداقية علي بن أبي طالب، الذي وصل اليمن لاستيفاء خمس غنام غزوة خالد بن الوليد، فكان بُريدة حانقا عليه، يعتقد أنه أخذ أكثر من استحقاقه، وتصرف بطريقة إستعلائية بسبب قربه من الرسول. ولم يَخفِ انزعاج النبي من كلام بُريده، حينما سأله النبي: "أتكره علياً يا بُريده؟". قال نعم. قال الرسول: "لا تكرهه". وبقى ممتعضاً، حتى اعتلى المنبر وخطب بالناس، معرّفاً بمكانة علي التي مرَّ الحديث حولها. وهذه الرواية إذاً لا تتحدث عن عترة النبي باعتبارهم عِدلاً للكتاب، بل أن قوله: "الله الله في أهل بيتي"، يكشف عن قلق عميق يراوده أزاء مستقبل أهل بيته من بعده، ويخشى الانتقام منهم حقدا أو ثأرا أو حسدا، وهو يعلم أن أهل بيته الحلقة الأضعف بين بيوتات قريش. مما يؤكد أن كلام بُريدة شكل صدمة للنبي، رغم رحابة صدره، وتعامله بهدوء معه. يعلم النبي أن السلطة ستكون محورا لتقاطع الإرادات، وسببا لتحالفات قَبلية، ويعلم جيدا أن القوم  يرفضون اجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم، كما صرح بذلك فيما بعد عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حينما عاتبه، فقال عمر: "تكره العرب اجتماع النبوة والخلافة فيكم". وهو كلام دقيق، عبر عن وجهة نظره، ولو باسم العرب. وقد أكد النبي لعمه العباس حين سأله عن مستقبلهما السياسي، هو وعلي، فكان جوابه واضحاً في حديث الرزية الرزية: حيث أجابه بصراحة: (أنتما المستضعفان بعدي). النبي يتوقع كل هذا، فهو خبير بالعرب وتوجهاتهم وتحالفاتهم، لكن يخشى الانتقام والثأر والاقصاء التام لأهل بيتهم، خاصة علي الذي تربى في مدرسته، وربما كان  يعوّل عليه فعلا للخلافة من بعده، فضلا عن أهليته للإمامة الدينية. وكل هذا يبرر للنبي قلقه، ويبرر قوله: الله الله بعترتي. وهذا يذكّرنا بقول النبي: "الله الله في الأنصار". فهو يعلم جيدا، ماذا يعني وجود قريش إلى جانب الأنصار، ويعلم أنهم سيلتفون على السلطة، ويستبعدون الأنصار، عمق النبي في المدينة، ورهانه المستقبلي. وسبق أن نزل قوله تعالى على لسان النبي: (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَ). بل أكتشف من أجواء بعض الروايات حساسية قريش من النبي وآله، حتى في حياته.

من هنا نستنتج أن النبي بحكم القرائن، وفي ضوء ما تقدم من تفصيلات حول آية التبليغ ودلالات كلمة مولى، كان بصدد بيان منزلة أهل بيته، ويطالب بحمايتهم من عداء يتستر تحت غطاء الصحبة. ولم يقصد بكلامه تأسيس مرجعية موازية للكتاب الكريم، لأنه مكتف بذاته، يهدي للتي أقوم، وتبيان لكل شيء.

ولو سلّمنا أنه كان بصدد الإعلان أو  التشريع لعدِلٍ مع القرآن، أو أنه كان بصدد تأسيس مرجعية ثانية مع القرآن، سواء سُنته أو عترته، بشكل تكون صنواً للكتاب الكريم في حجيتها، وربما تتقدم عليه في حالات التعارض، ماداما على مستوى واحد من الحجية، فهنا تبرز علامات استفهام، وفقا لآرائي، التي أختلف في بعضها مع علماء الكلام والفقهاء، ولا ريب في ذلك لا ختلاف المرجعيات، وزاوية النظر ومقدمات الاستدلال.

1- يلزم من اعتبار السُنة أو العترة عِدلاً للكتاب ثبوت جعل الولاية التشريعية للنبي، فضلا عن أهل بيته، ممن يعتقدون باستمرار عصر النص إلى نهاية الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر عندهم، ولازمه حجية جميع روايات أئمة أهل البيت، متى ما استوفت شروط الحجية. وقد عرضت الأدلة القرآنية في أكثر من مناسبة، وبينت بما لا يقبل الشك، أن الولايتين التكوينية والتشريعية لله أصالة، ولم يجعلهما لأحد بنص صريح واضح لا ريب ولا شك فيه إطلاقا. وما أدلة القائلين بحجية السُنة سوى تأويلات، لا تقوى على مقاومة النقد المعرفي، خاصة أن آيات الكتاب بشأن وظيفة النبي صريحة، محكمة، يُرجع لها في فهم الآيات الملتبسة أو المتشابهة كما في المصطلح القرآني، وليس العكس كما يفعل الفقهاء!!. وبالتالي لا حجة للروايات النبوية إلا ما كان له جذر قرآني، فيكون من باب البيان، أو من باب تطبيق الكلي على مصاديقه. ومع انتفاء الولاية التشريعية للنبي فضلا عن أهل بيته وصحابته، فلا دليل على إرادة تأسيس مرجعية تشريعية ثانية مع الكتاب. وعلينا تقصي دلالات أخرى من كلام النبي في حديث الغدير.

وخلاصة ما تقدم لا يمكن الاستدلال بحديث العترة على إرادة تأسيس مرجعية ثانية مع الكتاب، سواء كانت العترة أو السُنة. ولا يمكن الاستدلال بها على حجية أي منهما. ولا يمكن رفع اليد عن أصالة الولاية التشريعية لله وحده، ولا يمكن دعوى جعلها لغيره بدون آية صريحة واضحة بينة وبالاسم، وإلا يبقى الأصل عدمها.

2- إذا كان المقصود من كلامه جعل الحجية لسيرته أو سيرته وسيرة أهل البيت، فهنا نسأل عن حدود المفاهيم؟

- ما المراد بكتاب الله في قوله: إني تارك فيكما كتب الله؟، هل قصد عموم القرآن، أم بعضه، فتكون السيرة حجة للثاني دون الأول؟ إذ أن مفهوم الكتاب في القرآن يختلف وفقا لسياق الآيات، والقرآن بعدُ لم يُجمع بين دفتين في حينه، كي يشير له بدلاً عن الكتاب!!. ولماذا عبّر بالكتاب ولم يذكر القرآن؟ ثم إن اختلاف دلالة الكتاب وفقا لسياق الآيات لا يدل على ترادفه مع لفظ القرآن.

- ما المراد بالسُنة، هل مطلق سُنة النبي أم خصوص السنن التشريعية؟. ورغم أنهم حكموا بحجية مطلق السُنة، وقد تطرف السلفيون حينما قالوا بحجيتها حتى فيما يخصه. علما أن سُنة النبي تنقسم إلى خمسة أقسام، فيها أحكام تشريعية، لبيان أحكام الشريعة وفقا لمتطلبات الزمان والمكان، فتكون حجة في موردها. وبعضها أحكام ولائية، تنتهي بموته، وهناك أحكام أخلاقية، باعتباره مثالا للأخلاق، وإنك لعلى خلق عظيم. وهناك سلوكه كبشر، يحب هذا اللون من الغذاء واللباس ويكره ذاك، وهناك أحكام قرآنية خاصة به كوجوب صلاة الليلة. فالقسم الأول هو الحجة متى كان له جذر قرآني، وفقا لرأينا في المقام. فأي أقسام السُنة هو عِدل للكتاب؟.

- عندما جعل العترة عدلاً للكتاب وفقا للرواية الشيعية، فمن هي العترة؟ هل أطلق اللفظ وأراد خصوص علي، كما هي مناسبة الحدث، وبقرينة قوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه".؟ وهذا ممكن إذ لا معنى لإقحام غيره، ولا مناسبة لشمولها للزهراء، مهما كانت منزلتها، لأن العِدل القرآني لا يتعالى على شروطه، والزهراء غير معروفة بروايتها عن النبي. على عكس علي الذي رافقه قبل وبعد البعثة، يستمع الوحي، ويتلقى من النبي مباشرة. ولا معنى لإقحام الحسن والحسين، فكلاهما كان صغيرا، غير مكلّفٍ. والنبي لا يقحم نفسه بالقضايا المستقبلية، ويحكم بموجب ظواهر الناس، كما في حديث القضاء، وتصريحه: أنه لا يعلم الغيب، ويحكم بين المتخاصمين وفقا للبينة والشهود، وحذّر من أكل مال الناس بالباطل لهذه الأسباب لعدم علمه بالغيب. وأما غير الدائرة الخاصة من أهل بيت النبي، فلا دليل على ذلك، ولم تتطرق الروايات لهم. وغاية ما جمعته الكتب الحديثية السنية عن علي 500 رواية في القضاء، إضافة لعدد آخر. وأما الكتب الشيعية، فحديث علي قليل فيها. فكيف سرت الولاية التشريعية إلى باقي أئمة الشيعة؟ وهذا إشكال مهم، لأن حديث العترة هو عمدة الأدلة في المقام. ومع انتفائه ينتفي الدليل.

- إذا استبعدنا إرادة الولاية التشريعية من حديث العترة، واستبعدنا رواية بُريدة، تبقى أن الرواية بصدد جعل الولاية والقيمومة لعترته، الأعم من علي، على شؤون الدين والكتاب الكريم، بل راح بعضهم يستدل بهذا الحديث على عصمتهم، رغم أن مفهوم العصمة ظهر متأخرا مع هشام بن الحكم بعد سُنة 150 هـ. وهنا نسأل ما المراد بولاية وقيمومة علي. أو ما المراد بهيمنة علي على الكتاب، ومن ثم هيمنة باقي الأئمة؟ أما الشيعة فقد اعتبروا أئمة أهل البيت بما فيهم علي بن أبي طالب مرجعية نهائية لمعرفة الأحكام الشرعية وتفسير آيات الكتاب واختصاصهم بالإمامتين الدينية والسياسية. أو كما يعبرون: علي شريك القرآن. وهي دعاوى، لا تدعمها آية صريحة، سوى رغبات وتأويلات كلامية وظفت الحديث لتعزيز قبلياتهم. فهم لم يستدلوا به على آرائهم ومعتقداتهم، إذ لا دلالة له على ذلك بمفرده. غير أنهم استدلوا على ما يبغون بضميمة مقدمات كلامية أو روايات ضعيفة. ثم في مرحلة لاحقا غدا وكأنه دليل على عقيدتهم بالأئمة، والصحيح أنهم أسقطوا رغبتاهم عليه، وتم توظيفه. ولو سلّمنا جدلا بدلالة حديث العترة، فتختص بعلي أو به ومن عاصر النبي من الدائرة الخاصة لأهل بيته، لكن كيف تم تعميم هذه الأحكام لباقي الأئمة؟. الأسئلة تلاحق الباحث الموضوعي، ولا مجال للمجاملة والتحيّز هنا، فالرواية واضحة لا تتحمل أكثر من دلالتها، إلا بدليل جديد وهو مفقود بالضرورة. الروايات الضعيفة لا تعني لنا شيئا، فهي تلبي كل ما تحتاجه الفِرق والمذاهب الكلامية آنذاك، بلا وازع وخوف من الله تعالى. حيث كان الكذب على الله ورسوله أقصر الطرق لبناء العقائد، وإفحام الخصم. وهذا الاستدلال لا ينقص من شأن ومكانة وعلمية وورع علي بن أبي طالب، والكلام حول دليلية الدليل، وما يترتب عليها من نتائج ملزمة للفرد المؤمن.

- لو كان النبي بصدد تأسيس مرجعية يرتهن لها فهم الكتاب من خلال حديث العترة، فكيف يكتف برواية واحدة غير صريحة؟. أليس مقتضى خطورتها وأهميتها، أن يواصل التبليغ حولها؟. ومن باب أولى أن نقول لماذا لم يبين الكتاب الكريم ذلك، ويرتهن فهمه لهم؟. ولماذا لم يلتزم علي قبل غيره بذلك ويعلن عدم جواز الرجوع لغيره في تفسير القرآن وبيان الأحكام؟ وكيف تصدى "العبادلة" الثلاثة المعاصرون له لتفسير الكتاب وبيان الأحكام ورواية سنن النبي، وهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وآثارهم تملأ التراث؟. هناك أسئلة لا يمكن القفز عليها لمجرد وجود رواية، مهما كانت صحيحة. ولا قيمة لتراث يعجز عن رد الأسئلة المطروحة.

العترة والرسالة

لا أحد يلتفت لنقطة خطيرة جدا، تنخرم معها حجية حديث العترة لو ثبت صحة صدوره تواترا كما يقولون، لأن هذا الحديث يربط القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة، يربط فهمه نهائيا بعقل زمني، محدود، فليس من الممكن ربط القرآن بسُنة النبي مطلقا، ولا يمكن ربطه بعقول بشرية محدودة كأهل البيت رغم جلالتهم وعلمهم وتقواهم وورعهم، لكن المسألة أعمق بكثير مما يتصورون، مادامت ترتبط بنظام اللغة والمعرفة البشرية. ففي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته والمهيمنات الفكرية والعقدية، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة. فينبعي تأويل الحديث وفهمه ضمن ظرفه، وضروراته. وهذا رأي خاص يعتمد، على فهم فلسفة الدين، وعلاقته بالعقل والمعرفة البشرية، وليس بالضرورة أن يقتنع به العقل التراثي، بل يتوقف قبوله على اختراق جملة يقينيات. من هذا المنطلق تبدو مقارنة نسخ الحديث ضرورية، للتعرف على خصوصيات كل منها، ومدى توافقها مع الشرط المتقدم، فكما هناك نسخه تربط القرآن بالسُنة، وأخرى تربطه بعترتي أو أهل بيتي، هناك نسخه ثالثة، لا تخدم أحدا، تستبعد دائما. نسخه مجردة، تكتفي بالقرآن: (تركت فيكم كتاب الله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا)، وهي النسخة التي تربط القرآن بظرفه الزماني، وبمتغيرات ضرورات الإنسان ومواكبة العصر. وهذه النسخة التي يجب التركيز عليها ودراستها. بل حتى نفس الروايات تجد الاهتمام بالقرآن مميزا، وكأن الجملة التالية، مقحمة أو منفصلة عن فقرة القرآن.

إشكالات دلالية

تقدم أن الفهم المتداول للحديث يدفعنا للسؤال عن إمكانية أن يكون للقرآن عِدل، تتوقف عليه حجيته، ومعرفة مقاصده. وهو سؤال يتفرع على سؤال يسبقه: هل القرآن مكتفٍ بذاته أم لا؟ وما معنى اكتمال الدين حينئذٍ في ضوء حديث العترة؟ وما هو دور السُنة النبوية في ضوئها؟. وقد تقدم مرارا أن آية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، تؤكد كمال الدين، وهو شامل للعقيدة والشريعة، فهو مكتفٍ بذاته، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ). وليس في الآية إطلاق خارج حدود الدين بمعنى العقيدة والشريعة، وهو بيان لهما. ويقتصر دور النبي على ما حدده الكتاب الكريم: بشير، نذير، مبلغ، هاد، مفصل، شارح، مبين. وترك له هامشا لفهم النص وفقا لظرفه الزماني والمكاني، وما يفرضه الواقع عليه، كما في تفصيلات الصلاة. وإذا كان هناك دور بعد النبي فهو في حدود بيان الأحكام وهداية الناس لله وللدين، فينحصر بالهداية: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). فنخلص إلى نتيجة نهائية أن وجود عِدل للقرآن غير متصور في حد ذاته، لاكتمال الدين، واكتفاء الكتاب بنفسه. فيكون الحديث مع صحة صدوره بيان أهمية الكتاب كمرجع حجة على الناس، مكتفٍ بذاته، فأغلق النبي بذلك أية ولاية تشريعية قد تُدعى من بعده، فهو حبل الله الممدود بين السماء والأرض كما جاء في النص، فيتفرّد بمرجعيته.

وعندما أوصى النبي بأهل بيته في ذات الحديث فلسببين: الأول التشكيك بمصداقية علي بن أبي طالب، وصيه ومعتمده، خضع لتربيته الخاصة، واعتنى به. كما أن الطعن بمصداقيته، مؤشر خطير حول الموقف من أهل بيته مستقبلا، مما اضطره للقول: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه". فهو وصيه من بعده، وحافظ سره، وقدوة للناس في سلوكه وأخلاقه. ومن يطعن بعلي يطعن به، ومن لا يحترم علي لا يحترمه.

والسبب الثاني: دفع شبهة محتملة، لمن يعتقد بشراكة أهل البيت للنبي بنبوته، التي هي أمر ألهي، فطالبهم بموقف إيجابي منهم، وحفظ مكانتهم من بعده. ولم يفصّل القول حول دورهم. فالكتاب الكريم واضح دوره لدى المسلمين وأما دور أهل البيت فغير واضح، كي يقول تركت فيكم كتاب الله وأهل بيتي ويسكت. وكان ينبغي له أن يفصّل للناس ما هو دورهم بالضبط بالنسبة للقرآن، فالمسألة ليست مسألة عواطف، كي يتحدث بهذه اللغة، وهو أجلى مصاديق قوله: (ولا يخافون لومة لائم). لكن الرواية لم تتحدث سوى عن إشارة عابرة، وكأنها تحيل على على قضية ناجزة، مثلها مثل القرآن، وهذا منتفٍ بالضرورة، فلم يتحدث الرسول عن أي دور ديني لأهل بيته في هذا الشأن خلال حياته. ولازم الحديث نفي أي دور مرجعي لهم بموازاة الكتاب باستثناء الهداية والإمامة الدينية بمعناه البسيط، وليس بمعناها وفقا للعقيدة الشيعية. وبالتالي يكون علي وأهل بيت النبي قدوة في السلوك، ومرجعا فكريا، لكن لا بمعنى القيمومة وارتهان تفسير وفهم القرآن بهم. بل باعتبارهم علماء والأقرب لفهمه، بحكم صلتهم الرسالية بالرسول.

فالحديث بعد تحليل دلالاته، يفضي إلى عكس دعواهم. وبهذا ينتهي البحث حول حديث الغدير. وللمرة الأخيرة أؤكد أن حجية الحديث مرتهنة لصحة صدوره، وعلى هذا الأساس تمت مناقشته، إضافة إلى قوة حضوره التي تستدعي وفقا لمنهجنا دراسته وتحليل دلالته أيضا.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

يمكن. اختصاره بعبارة لفيتغنشتاين قرأتها في كتاب ما بعد الحداثة: لا تستمع للمعنى و ركز على استعماله.
و كان لورنس يقول ايضا: لا تثق بالكاتب، و لكن ثق بالنص.
بمعنى انه لا يجوز ان تفرض على الكتابة ثوابت شخصية.
و ربما هذه هي مشكلتنا. اننا نتعامل مع الشيء كمعطيات مستقرة لا يؤثر بها احد العوامل المتبدلة. كالزمان و الجغرافيا. و الظرف او قانون اللحظة.
و شكرا.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

حيث الثقلين من حيث الثبوت لااشكال فيه أما من حيث الدلالة وكون العترة عدل الكتاب فهو ان فهم العترة في الكتاب على الوجه الصحيح متلزمان لا يفترقان بمعنى ان النبي حث المسلمين باتباع فهم العترة في الكتاب وهدا فعلا يؤسس مرحعية دينية ولدا ربط النبي بتمسكهما وعدم الضلال .
مع فائق الاحترام والتقدير

الدكتور بدر الدين شيخ رشيد
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً للاخ اللاستاذ ماجد الغرباوي على هذه المقالة الرائعة المتعلقة بحديث الغدير و حديث الثقلين . و شكراً للاخوة المعلقين الدكتور صالح الرزوق و الدكتور بدر الدين شيخ رشيد.
فق مع الاخ ماجد على كل ما جاء في هذه الحلقة و الحلقات السابقة المتعلقة بهذا الموضوع؛ و احب ان اضيف التعليق التالي:
ان الدين الاسلامي دين "ايماني" و ليس دين "سياسي" و لا توجد به مذاهب اطلاقاً اطلاقاً و ليس وراثياً ابداً ابداً. كما موضح في الاية التالية:
الحجرات 13
يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير
و المقياس الوحيد لكسب رضاء الله هو "التقوى" و هي جانب ايماني و ليس سياسي. و لا تعتمد على قرب او قرابة للرسول قبلياً او وراثياً. ان الجنة اعدت "للمتقين" كما مبين ادناه:
آل عمران 133
وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض اعدت للمتقين
و هذه الاية كذلك تؤكد على مبدأ "التقوى" لدخول الجنة و هنالك الكثير من الايات في هذا الصدد.
للاسف الشديد تحول الدين الاسلامي في زمن الخلفاء الراشدين الى "حزي سياسي قبلي" كل واحد يريد الحكم لنفسه بأسم قبيلته او قرابته للرسول. و هذا يتعارض كلياً مع مغزى رسالة الدين الاسلامي العالمية.
و في الحقيقة انني الوم الخلفاء الراشدين جميعهم لانهم هم الذين اسسوا لهذا النظام الذي دمرالدين و الذي دفعنا و لا زلنا ندفع و سنبقى ندفع ثمنه الى يوم الدين الاّ في حالة مراجعة انفسنا بكل شيء تعلمناه من الدين و مذاهبه للرجوع الى كتاب الله فقط لا غيره لا غيره لا غيره.
البقرة 2
ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين
و الاية اعلاه تؤكد كذلك على ان القرآن هداً "للمتقين".
المفروض انهم اكثر فهماً لآيات القرآن و الاحاديث و تمسكاً بها ايمانياً كما ارادها الله و ليس كما يريدونها هم في استلام الحكم.
لماذا الدين الاسلامي يقرر مصيره على اسس قبلية من قبل 6 اشخاص من قريش؟؟؟. و الايات القرآنية تدعوا الى نبذ القبلية "بأس الاسم الفسوق بعد الايمان".
اين هو اجماع المسلمين على تولية "الانسان التقي" لقيادتهم؟؟. لماذا كل واحد منهم يدعو الى احياء قبلياته؟؟؟. هل هذا هو فهمهم للدين؟؟؟.
و ان الدين الاسلامي ليس ديناً واثياً و لا قبلياً ابداً ابداً و لا يتعلق بقريش و لا ببني هاشم اطلاقاً و لا يوجد به معصمومين و شعائر و مشتقاتها و غيرها من الامور ما عدا "شعائر الله".
و ان حكمة السماء لم تعطي للرسول ذرية لخلافته لكي لا يكون الدين و راثياً و لا قبلياً.
كل المرجعيات الدينية هي مرجعيات سياسية و الدلالة على ذلك مثلاً ان الشيعة لهم مرجعتين في ايران و النجف و السنة كذلك لهم مرجعيات كثيرة في مصر و السعودية و غيرها.
اتفق مع الاخ الغرباوي في توضيح حديث الغدير و حديث الثقلين كلياً. بما ان الرسول لا توجد لديه ذرية لتخلفه فأوصى بالامام علي لكي يتبنى كل اموره بعد وفاته و يكون مرجعية ايمانية في الدين.
و ان النقطة المهمة التي اريد ان اؤكدها علينا ان نترك فقه السلف الصالح و فقه آل البيت و لا نقيد عقولنا بهذا ابداً و حتى تفسير و تأويل آيات القرآن "متغير" حسب الاية "لا يعرف تأويله الاّ الله و الراسخون بالعلم" و لم يذكر اسم الرسول. و هذا معناه ان تأويل الايات تركه الله مفتوحاً عبر الاجيال. و شكراً
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لكل من تفاعل مع الحوار مع خالص الامنيات لكم جميعا

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4884 المصادف: 2020-01-19 02:50:00