 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (149): من مات ولم يعرف

majed algharbawi10خاص بالمثقف: الحلقة التاسعة والأربعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على ما تبقى من أسئلة الأستاذ جابر علي مرهون:

 

وجوب معرفة الإمام

س136: جابر علي مرهون: ما مدى صحة الحديث القائل: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميته جاهلية). وكيف ينسجم هذا القول مع الإمامه السياسية ووضعنا الراهن؟!

ج136: ماجد الغرباوي: ورد في المصادر الشيعية مرسلا عن الرسول: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). كما في كتاب الكافي، للشيخ الكليني، والبحار والمحاسن وغيرها. بينما ذكرت المصادر السنية أحاديث مغايرة، كحديث مسلم أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية). وحديث: (من مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية). والاختلاف واضح بين الحديثين، رغم تأكيد بعض الكتب الشيعية على وحدة مضمونهما وشهرتهما. مفهوم الإمامة لدى الشيعة، مفهوم عقدي، له دلالات أوسع من البيعة وشؤون الحكم، وقد انبثقت عنه منظومة مفاهيم كالعصمة، وعلم الغيب، والولاية التشريعية، وبعضهم أضاف الولاية التكوينية أيضا. بينما الروايات السنية تتحدث عن وجوب بيعة الخليفة، والتحذير من خلعها، لأسباب تتعلق بالسلطة، وضرورة حفظ النظام، وعدم وقوع الفوضى، مما يشكل قرينة لفهم حديث آخر ورد في المصادر السنية أيضا: (في كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 489: "من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية"..). فثمة اشتراك بين موضوعي الحديثين، عندما يكون الإمام في السلطة، ويفترق الحديث الشيعي، ليؤسس لنفسه منظومة مفاهيم عقدية في ضوء مجموعة أحاديث هذا أحدها. ولا يخفى أن الحديث يستبطن موقفا دينيا وسياسيا، يؤكد شرعية الإمام المعصوم، وعدم شرعية خلافة غيره في السلطة، وهو الفهم الذي تأسس عليه المفهوم كما مرَّ الكلام. وهناك رواية في كتاب الكافي: (عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: قلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له أمام، فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم.). ولا يخفى دلالة الحديث على الإمامة بمفهومها الشيعي من خلال قرائنه الداخلية. الإمامة السياسية لا تقتضي كفر وضلال من خلع بيعة الخليفة. كل ما في الأمر سيكون معارضا سياسيا. أو غير مهتم بالسياسة أساسا كأغلب الناس. (أصول الكافي، ج1،ح2، ص282، طبعة: دار المرتضى)

فقه النص

لا تخفى دلالات النصوص. كلاهما تفوح منه رائحة السياسة، وتوظيف الديني لصالح السياسي. أما الرواية التي تتحدث عن البيعة، وتحذّر من خلعها، فإنها تجرّد البيعة من مضمونها الذي يعني فسخها في حالة الإخلال بشروطها. فبيعة الخليفة تعاقد على شروط ملخصها "أن يلتزم المبايع ببيعته متى ما التزم الخليفة بها، وهي أن يحكم بالحق والعدل، ولا يستأثر بالسلطة، ولا يقدّم الولاء على الكفاءة، وعدم الظلم والجور ومراعاة مصالح الناس". ولازمها فسخ العقد إن أخلَّ بالشرط. وقد ذكر الرسول شروطه عند بيعة العقبة وبيعة الرضوان، وقد بايعه الصحابة عليها. بينما الرواية تريد تمضي البيعة الشكلية التي جرت للخليفتين الأول والثاني، حيث حسمت السقيفة بيعة أبي بكر، وعيّن أبو بكر عمر خليفة من بعده. فكانت بيعة الصحابة للأول والثاني بيعة إمضاء. وهي بيعة شكلية، أَلزم الصحابي نفسه بشروط فرضت عليه، دون استشارته وأخذ رأيه، فلم تطرح خلافة للأوَلَين للتصويت المباشر، ولم يشارك الصحابة بانتخابات حرة، نزيهة، وفق شروط محددة. وكانت العملية السياسية برمتها جديدة عليهم، غير أن ثقافة المجتمع سهّلت الأمر، إذ جرت العادة، مبايعة اللاحق بعد وفاة السابق، بدون أي استشارة قبلية. فالروايات جاءت لتدارك تداعيات هشاشة البيعة، خاصة بيعة الثاني، التي كانت مرشّحة للانفجار لولا صرامة شخصية عمر وسطوته وخشونته. فجاءت الرواية لتجعل من البيعة مصدرا لشرعية الخلافة، بشكل ينتهي دور الفرد بالبيعة، وتتحول إلى عقد بين الفرد وخالقه، حتى إذا خلع بيعته "لقي الله يوم القيامة ولا حجة له"!!!، كما تقول الرواية. لكن ماذا لو خلع بيعته نتيجة لإخلال الخليفة بشروط بيعته، فهل ينتقض العقد، ويصبح من حق المتعاقد / الناخب فسخه؟. هنا الرواية لا تسمح بذلك، وتحذّر مَن "خلع يدا بايعتها"، وتعتبر ميتة من فارق الجماعة ميتة جاهلية. وهذا واضح جدا في ثنايا الروايتين: (من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية)، (من مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية). فالرواية تقمع المعارضة وتضمن استمرار سلطة الخليفة. والإنصاف أن عمر بن الخطاب كان أعدل من الرواية، وألصق بروح العدل، فقد قام خطيبا، وطالب تقويمه بالسيف إذا انحرف عن شروط البيعة، وهي القيام بالحق وعدم استغلال المنصب. (أيها الناس من رأى فيَّ اعوجاجا فليقومه..). وعندما اعترض عليه سلمان الفارسي: (من أين لك هذا البُرد الذي ائتزرت به، وقد نالك بُرد واحد كبقية المسلمين، وأنت رجل طوال لا يكفيك بُرد واحد)، لم يغضب عمر بل نادى على  ولده ليشهد بعائدية القطعة الثانية له. وهذا هو الفهم الحقيقي للبيعة الفعلية والإيجابية. والغريب أن راوي الحديث عن الرسول هو ابن عمر!. وبالتالي الرواية تتدارك إشكالية السلطة، وعدم شرعيتها، وتريد فرضها أمرا واقعا. فعمر الذي اعتبر بيعة أبي بكر "فلتة". وأوصى: "لا تعودوا لمثلها"، يقصي شرعية خلافته عن المساءلة، فكان سكوته إمضاء لهذا اللون من البيعة بنظر التابعين ومن جاء بعدهم. ويكون الأمر أكثر وضوحا في عصر الدولتين الأموية والعباسية، حيث تجاوز الخلفاء قيم الدين، واستغلوا السلطة وثروات المسلمين، واستباحوا الدماء وهتكوا الأعراض، والتاريخ شاهد بأرقامه المرعبة. فمقتضى الروايات حرمة خلع البيعة، ومن باب أولى عدم جواز محاسبته، ووجوب طاعته مطلقا.

ولو صح صدور الرواية عن النبي فهي ناظرة لبيعة: "العقبة الاولى والثانية والرضوان"، وفق مفهومها العرفي: التزام الطرفين بمضمون العقد، وفسخه عند الإخلال بشروطه. ولا يقصد شرعنة السلطة من خلال البيعة مطلقا، حتى مع عدم وفاء الخليفة بشروطها. لان العقود عرفية، متفق عليها، وقد حث القرآن على الوفاء بها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). وليست البيعة السياسية أول عقد كي يختلف حول مفهومه الناس. بل أن الحياة قائمة على العقود والمواثيق، خاصة آنذاك. والمسلمون أيضا يفهمون هذا المعنى من البيعة، فتخلوا عن بيعتهم وخلعوا عثمان عن الخلافة، بعد عدم وفائه بشروطها، وطالبوه بالتنازل عن الخلافة فرفض، وسعى لشرعنة خلافته خارج حدود البيعة، عندما قال: (لا أخلع قميصا سربلنيه الله)، وأيضا فشلت محاولاته، وانتهى الأمر بخلعه قتلا. السلطة بعد الرسول مثلت إشكالية، فراحت الروايات تتدارك هذه المشكلة، بروايات منسوبة للرسول، وبالتالي فالرواية تصنّف ضمن الروايات الكثيرة التي ظهرت فيما بعد لتعضيد السلطة، ونزع مشروعية المعارضة، ابتداء من السلطة الأموية، مستفيدة من سلطة النص، وهيمنة الرواية على الوعي، فما أن ينسب الحديث للرسول يمتثل المسلم تلقائياً. أو لا أقل يتوقف عن رفضه، ويخشى رده، ثم يأتي العقل الجمعي، ليسوّقه ثابتاً دينياً، فيغدو حقيقة دينية، تترتب عليها أحكام تصل حد القتل. لقد لعب النص دورا هائلا في توطيد السلطة، منذ وفاة الرسول، ومازال يلعب دورا مستقلا أو بضميمة مقدمات تمهّد لشرعيته وهيمنته.

وأما الإمامة بالمفهوم الشيعي وفق رواية: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). فلها دلالتها، التي تشترك مع الأولى عندما يكون الإمام في السلطة، وتفترق عندما يكون خارجها، بمقتضى إطلاقها، سواء كان في السلطة أم خارجها، فالحكم واحد لمن لا يعرف إمام زمانه، أن ميتته ستكون ميتة جاهلية. فالرواية تؤسس للإمامة في موازاة الخلافة، فتكون معرفة الإمام فرضا لتفادي ميتة الجاهلية، التي تسلب المرء إسلامه فضلا عن إيمانه، وتحبط أعماله، مهما كانت صالحة، بحيث تكون معرفة إمام الزمان شرطا في قبول الأعمال، وهذا أحد لوازم الرواية. بل أن ظاهر الرواية باستخدامها كلمة "معرفة"، تذهب إلى ما هو أبعد من معرفة اسم الإمام، أو الإكتفاء بكونه إماماً، وتطالب بمعرفة يعي من خلالها الفرد مدى شرعية سلطة غيره، على الصعيد السياسي. ودلالات أكبر على الصعيد العقدي، نقاربها في ضوء محددات دينية وعقلية، هي:

- إن مفهوم الإمام الوارد في الرواية مفهوم مبهم، غير معروف في زمن صدور النص (عصر الرسالة)، باستثناء دلالاته اللغوية في سياق الآيات التي ذُكر فيها لفظ الإمام. ولم تحدد الرواية معالمه وخصائصه وصفاته وآلية معرفته.

- تشتمل الرواية على بعد تشريعي، فهي تؤسس لمفهوم الإمامة، وتشرعن سلطات الإمام. والتشريع وفقا لمنهجنا مقتصر على الله تعالى، وليس لأحد أية ولاية تشريعية، كما ذكرت ذلك بأدلة مفصلة.

- إذا كان مفهوم الإمام مبهما في الرواية، فهي إما أن تحيل على الإمامة السياسية التي تعني إمامة أمور المسلمين، أو أنها تحيل على مفهوم الإمامة ضمن نسق عقدي خاص، فتكون حجة على من يؤمن به، وهم خصوص الشيعة، فلماذا نعممها لغيرهم؟. وأما إذا كانت تحيل على المعنى العرفي، فلا يعدو معناه السياسي في أحسن الأحوال. وأما دلالاته اللغوية المتداولة عندهم: الإمام من أمَّ الناس، قادهم، وتزعمهم. بينما مفهوم الإمام في الفكر الشيعي شيء مختلف وإن تضمن دلالته اللغوية.

- الإمامة اصطفاء، كما مرَّ الكلام مفصلا، ولم يتحدث القرآن عنها، سوى إشارة مجملة لإمامة إبراهيم. ولا معنى أن تحيل الرواية عليها، لأنها تتحدث عن إمامة يعيشها المسلم فعلا.

- لم يعتبر القرآن الإمامة جزءا من العقيدة، ولم يشترطها النبي على من بايعه، سوى أن يشهد المسلم بالشهادتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فكيف يموت المرء ميتة جاهلية إذا لم يعرف إمام زمانه؟. (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ). وكتبه لم تتحدث حولها، كما هي مفهوم ومتداول الآن.

- لم يعتبر القرآن الإمامة شرطا في قبول الأعمال، بينما تحبط أعمال العباد إذا جهلوا الإمام، ويموتون ميتة جاهلية وفقا لهذه الرواية وغيرها. "وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار"، كما جاء في بعض الروايات.

- لو صح صدور الرواية جدلا، فهل الرواية شاملة لعصر النبي؟ فلماذا لم يشترطها الخلفاء من بعده بما فيهم علي بن أبي طالب، عندما انهال عليه الناس يبايعوه؟. ولماذا لم يتذكرها الصحابة خلال بيعة الخلفاء من بعده؟.

- تحيل الرواية الثانية، رواية عبد الله بن أبي يعفور عن الإمام الصادق، على قول للنبي لم يذكر مصدره. لكن قد تكون مسلّمة عند الإمام الصادق فتفاعل معها، وأبدى رأيه فيها: (عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: قلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له أمام، فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم.). وهي تختلف مضمونا عن الروايات الشيعية التي تفتتح بعنوان "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية". رواية بن أبي يعفور تتحدث عن ارتباط فعلي بالإمام فضلا عن معرفته، فـ"من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية". وهو ارتباط أعم من الحضور والبيعة المباشرة. وقد يشمل انعقاد القلب على إمامته ولو بمعرفة اجمالية، وإلا سيهلك الشيعي قبل غيره.

الملاحظة الأساس على هذه الرواية أن عبد الله بن أبي يعفور ليس شخصية عادية ليسكت على مضمون الرواية. بل هو من كبار أصحاب الإمام الصادق، وقد انتسبت له فرقة اليعفورية، المعتدلة والعقلانية، التي تم قمعها فور ظهورها، بسب رؤيتها للإمامة والإمام. إذ الثابت تاريخيا أن عبد الله بن أبي يعفور، معروف باعتداله، ورفضه للغلو بكل تفصيلاته، ولا يزيد على بشرية الإمام وعلمه كفقيه، ومن العلماء الأبرار لآل محمد. وقد ذكرت في مناسبة، مناظرته مع المعلى بن خنيس شيخ الغلاة، بحضور الإمام الصادق وقد تعالت الأصوات والإمام يتبسّم!!، ولو لم ينحز في نهاية الأمر لعبد الله بن أبي يعفور، لكان شرخا كبيرا في صفوف أصحابه، حيث كان المعلى بن خنيس يضع الإمام موضع الرسول، ويمنحه جميع خصائصه، وكان بن أبي يعفور يرفض ذلك بقوة، ويبرهن على بشرية الإمام. (كان بن أبي يعفور يقول: "الأوصياء علماء أبرار أتقياء". وكان المعلى بن خنيس يقول: "الأوصياء أنبياء"... أنظر الكشي، ترجمة بن أبي يعفور: 125).

وفي حينها سجلت ملاحظة: كيف يجالس الإمام المعلى بن خنيس وكبار الغلاة، ويعتبرهم من كبار أصحابه، وعلى ماذا يدل هذا؟؟. وغيرها من أسئلة استفزازية. والسؤال هل يعقل عدم اعتراض عبد الله بن أبي يعفور على الرواية التي تصادر أعمال الناس مهما كانت صالحة، بسبب الإمامة التي يعلم هو والصادق أنها ليست شرطا في قبول الأعمال؟. يبدو لي أن نسبة الرواية لعبد الله بن أبي يعفور، كانت محسوبة جدا من قبل الغلاة، حيث كان أحد أساليبهم لتسويق الروايات الضعيفة، استبدال السند الضعيف بسند صحيح. كل هذا اضافة على ما يسجل على سند الروايات في باب: من مات ولم يعرف إمام زمانه. فقد ورد في سند رواية عبد الله بن أبي يعفور، "معلى بن محمد". قال عنه النجاشي: "مضطرب الحديث والمذهب"!!!. وقال الغضائري، "يُعرف حديثه ويُنكر". ولا يلتفت لتوثيق الخوئي في كتاب رجال الحديث، لانه اجتهاد عبد 1400سنة لا رواية. والنجاشي حجة في توثيق الرواة لدى الشيعة، وكتابه مدار التوثيق، بل ويقدم على غيره في حالات التعارض. ووجود راوٍ مضطرب الحديث والمذهب في قضية عقدية، يجعل منه متهماً.

دلالات ضمنية

ثمة دلالات ضمنية في رواية عبد الله بن أبي يعفور، تكشف دقة صياغتها، لتعكس اتجاها عقديا، يرتهن كل شيء للإمام. ولا ريب فالتشيع موقف سياسي، ثم غدت الإمامة محوره التي شغلت جميع المناظرات السياسية والكلامية فيما بعد. بل أن الإمامة أحد أهم إشكاليات السلطة السياسية في موازاة الخلافة. وقد اضطر الجدل المحموم حول شرعية السلطة / الخلافة / الإمامة إلى تأويل الآيات، ومن ثم التشبث بروايات الفضائل، ونسبة روايات للرسول، وعندما بدأ التأسيس للمقولات الكلامية، كانت الإمامة في صلب موضوعاتها، ابتداء من خلافة معاوية. يقول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل: (وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُل على الإمامة في كل زمان).

لقد واكب مفهوم الإمامة كل التطورات التاريخية، وفي كل مرة يعيد تشكيل العقل الشيعي، وراحت الإمامة تفرز فِرقاً ومذاهب، اختلفت حول: شخص الإمام، قدسيته، مكانته، عصمته، علمه، شرعيته، إلوهيته، غيبته، ولايته السياسية ومن ثم الدينية، دوره السياسي والديني، وكيفية انتقال الإمامة، وماهي شروطها، وهل هي نص وتعيين أم انتخاب؟. والأكثر تعقيدا الاختلاف حول: صفات الإمام، ومدى علمه وقدراته وخوارقه، ودوره التشريعي والوجودي. فشكلت الفِرق الشيعية غالبية الفرق الإسلامية، رغم اندثار أغلبها. وبالتالي فجميع هذه الاجتهادات أثرت وتأثرت بمفهوم الإمام والإمامة. فخط الاعتدال الذي لم يرتفع بالإمام فوق بشريته، ولم يمنحه عصمة أكثر من العصمة السلوكية، ولم يشهد له بعلم الغيب والخوارق والخرافات، كان في موازاته خط الغلو الذي راح يرتفع بالإمام إلى مصاف الخالقية ويرتهن له الوجود فضلا عن التشريع، وكانت الولاية التكوينية بالنسبة لهم تحصيل حاصل. ورغم قوة رموز خط الاعتدال، وهم الفقهاء وكبار أصحاب الأئمة كـ(زارة بن أعين، محمد بن مسلم، عبد الله بن أبي يعفور ويونس بن عبد الرحمن، وغيرهم)، لكن تاريخ التشيع سار بعد الغيبة الصغرى مغاليا بشكل وآخر، وبات الخط المعتدل من الفقهاء يتكلم همسا، رغم أنهم لا يتنازلون عن عصمة الإمام وعلمه، كخط فاصل بين قدسية الإمام والإنسان العادي، وهو فارق رمزي أكثر منه حقيقيا، وقد تناولت مفهوم العصمة وبينت حقيقته، وعدم إمكانيته بذاته. غير أن الفقه الشيعي بات مرتهنا لها فلا يمكنهم التخلي عنها. فضلا عن الجانب العقدي الذي جعل من الإمامة مشروع خلاص، فيتطلب مثالية الإمام التي تتقوم بالكمال والعصمة.

وبالتالي، عندما يطالب الحديث بمعرفة الإمام لا يقصد معرفة اسمه فقط. أو معرفة مشخصاته كونه إماما ابن إمام، بل يريد خط الغلو من خلال هذا النمط من الأحاديث ارتهان كل شيء للإمامة، بما فيها، وهو الأخطر، مصيره الأخروي، الذي يخشى عليه الشخص المؤمن دائما، فيضعه في حرج، ويضطر للتنقيب عنه، حتى يتلبّس قداسته، وتغدو المفاهيم حقائق في مخياله. فرمزية الحديث أقوى من ظاهر ألفاظه. لذا بدأت الإمامة سياسية، وعندما يئس الشيعة من السلطة، بعد توالى الثورات والانتفاضات، ظهر مفهوم دولة العدل الإلهي، ودولة المهدي المنتظر، وهي دولة مثالية، محرّمة على غير الشيعة، حيث تلبي جميع رغباته وأمنياته، والتي منها الاقتصاص من خصوم أهل البيت، وبالفعل يعادون ويحاسبون ويقتلون مرات عديدة، وفق مفهوم "الرجعة"!!. وكإجراء احترازي لتدارك مفهوم الإمامة التي راحت تفقد بريقها، بل ومضمونها، بدأ التأسيس لمفهوم الولاية الدينية، ولم يعد مفهوم الإمامة مرتهنا بالسلطة، بعد ترحيل مشروعها لما بعد ظهور المهدي، وأصبح مدار الإمام ولايته الدينية، سواء كان في السلطة أو خارجها. حاضرا أم غائبا. ثم تطرف الغلاة ليقولوا بولايته التكوينية. (أنظر كتاب النص وسؤال الحقيقة).

أرى أن خط الاعتدال، خط الفقهاء من أصحاب الأئمة، هو الأقرب للواقع، وأكثر التصاقا بالدين، بعيدا عن الغلو، فينبغي إحياؤه، وتقديم فهم جديد للتشيع، واقصاء كل مفهوم يتقاطع مع الدين والعقل، رغم صعوبة المهمة، لسببين:

الأول: أن الارتفاع بقدسية الإمام إلى درجة المثل الأعلى والإنسان الكامل رسم صورة مثيولوجية ارتهن لها العقل الشيعي. فالإمام اليوم مشروع خلاص، لا يحتاج إلى أدلة وبراهين بقدر حاجته إلى إيمان نفسي، فكانت الطقوس والشعائر الخاصة وهيمنة العقل التراثي على منابر الخطابة، كفيلة بترسيخه. وهذا أحد الأسباب وراء نقد عقيدة الغلاة، فيحتاج إلى ثقافة نقدية متواصلة، تجرأ على اقتحام الأبواب الموصدة، للكشف عن حقيقة تفصيلات العقيدة، ومدى صدق ما يشاع من خوراق وقدرات فوق بشرية عنهم.

الثاني: مثّل الإمام منذ بداية الانتفضات الشيعية رمزا للعدل في مقابل ظلم السلطات، وملاذا للمحرومين في مقابل المسرفين، وأملا مستقبليا في مقابل مستبد يضطهدهم. فكان الإمام رمزا يستلهمون منه روح الثورة والفداء والاصرار على المبادئ. ويستلهمون من الحسين شهادته في سبيل الحلق، وصبره ومواصلته للثورة والفداء.

أما عن: كيف ينسجم هذا القول مع الإمامة السياسية ووضعنا الراهن، كما جاء في السؤال؟!.

بلا شك أن الإمامة السياسية راهنا، والتي تتمثل بولاية الفقيه، تتشبث بكل دليل لتعضيد متبنياتها العقدية والفقهية، لأن الولاية نيابة عامة عن المعصوم، وللولي الفقيه ذات صلاحيات الرسول كما مرَّ بنا، وأي تعزيز لمقام الإمام مهما كان مثيولوجيا يصب في صالح الولاية. لكنك عرفت قيمة الحديث متناً وسنداً، ولا يمكن الاستدلال به في المقام، غير أن لخطاب الغلو والعقل التراثي ضروراته، فيتنازل عن ضوابط صحة الحديث لغرض هدف أكبر، وهذا ما يحصل حاليا بالنسبة لأدلة ولاية الفقيه، التي "دونها خرط القتاد" كما يصف استحالتها الشيخ مرتضى الأنصاري، كبير فقهاء الشيعة وما يزال.

مرجعية الإمام

اتضح مما تقدم، كما تصدق الإمامة السياسية، تصدق الإمامة الدينية بمعناها البسيط (بيان الأحكام، وتطبيق كلياتها على مصاديقها، والدعوة إلى الله)، بعيدا عما تطرحه نظرية الإمامة الشيعية، التي تقدم تصورا للإمام يتداخل فيه اللاهوت بالناسوت، وتمتد ولايته على السياسة والتشريع والتكوين. لكن هذا لم يثبت بعد مناقشة مستفيضة لحديث الغدير. ولم نجزم بوجود نص على إمامة علي بن أبي طالب، الذي لازمه سلب شرعية خلافة الخلفاء. فعلي ترشّح للخلافة وفقا لمبدأ القرشية وكفاءته الشخصية، وهو أهل لذلك. وأما الأئمة من بعد علي فعلماء أبرار وفقا لرؤية خط الاعتدال، يتعاملون مع الأئمة بإجلال واحترام وتقدير. لا يقولون بعصمتهم ولا بولايتهم التشريعية فضلا عن التكوينية. وكانوا يجادلونهم في بعض المسائل الفقهية، ويعارضونه بوجهات نظرهم، والأدلة متعددة، ذكرت بعضها سابقا. فجميع الشواهد الموثقة تؤكد عقيدة الاعتدال الشيعي. وبالتالي فدور الإمام ينحصر بالهداية، التي يتطلبها المجتمع في كل وقت وزمان (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وهي تارة هداية سلوكية من خلال أفعاله وتعامله مع الناس (سلوكية أخلاقية)، وأخرى من خلال علمه ومعرفته، فهم علماء أبرار، وقد اعترف لهم جميع من ذكر سيرتهم، بما فيهم مخالفيهم، خاصة الإمام الصادق، يقول: (قُلْ لِشِيعَتِنَا كُونُوا دُعَاةً إِلَيْنَا بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اَللَّهِ، وَ اِجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَاِتِّبَاعِ رِضْوَانِهِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ اَلنَّاسُ إِلَيْنَا مُسَارِعِينَ). (كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ لِيَرَوْا مِنْكُمُ اَلْوَرَعَ وَاَلاِجْتِهَادَ وَاَلصَّلاَةَ وَاَلْخَيْرَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ). ولا يوجد دليل قرآني صريح يجعل ولاية على فهمه وتفسيره، بعد أن وضع مبادئ وضوابط لهما، كرد المتشابه للمحكم من  الآيات. فهو بلاغ للناس.       

لكن السؤال الإشكالي: هل يلزم من حاجة المجتمع للهداية حصرها بمجموعة أفراد هم الأئمة؟ أم هي مطلقة؟. وهل يلزم من الهداية أن تكون للهادي صفات خارقة، كالعصمة وعلم الغيب وغير ذلك؟

لا شك أن الآية مطلقة فلا يمكن حصر الهداية بالإمام. بل وتفترض تعدد الهداة استجابة لظروف الناس وحاجاتهم: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، فمهمة الرسول الكريم هي الإنذار والتبليغ، أما الهداية فلا تنحصر بشخص، ولا تختص بمصداق واحد، ولا تتوقف على وجود إمام. بل يتعدد الهداة بتعدد الأقوام، ولكل قوم هادٍ، مراعاة لظروفهم، وثقافتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ومستوى وعيهم. ويستحيل أن يحيط شخص واحد بظروف جميع الأقوام والمجتمعات، فالهداية متجددة بتجدد المجتمعات ووعي شعوبها، ويتجدد الهداة مع تجددها. فالآية لم تقل لكل أمة هادٍ، كي يقتصر مصداقها على واحد بعينه، بل لكل قوم هاد. فالأئمة مصاديق للهداة، لكن لا يلزم منه عصمتهم، وتفرّدهم بالهداية. (أنظر كتاب: مدارات عقائدية ساخنة)

غير أن بعضا أراد الاستدلال بآية: "إنما أنت منذر ولكل قوم هادٍ"، على ضرورة وجود إمام معصوم هادٍ، حاضر أم غائب. وبهذا الشكل يكون الإمام مرجعية لفهم النص، وتحديد دلالاته، لا يمكن تجاوزه أو معارضته. وقد ذكرت أن الآية مطلقة، كما ذكرت في الحلقة السابقة، لا يمكن ربط  فهم وتفسير وبيان القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة بعقل زمني محدود، "السُنة أو العترة"، والقضية مرتبطة بنظام اللغة وقبليات المتلقي. الهداية تختلف عن التبليغ. وفي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته والمهيمنات الفكرية والعقدية، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة.  وبهذا نفهم أن مرجعيات فهم النص تختلف عن مرجعيات العلوم الطبيعية، كما أن الحقيقة بالنسبة للعلوم الطبيعية حقيقة ثابتة، بينما الحقيقة في فهم النص حقيقة نسبية، تتأثر بقبليات المتلقي وأيديولوجيته وزاوية نظره. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة).

وبالتالي فتعدد وجهات النظر في فهم وتفسير النص مرتهنة لقبليات المتلقي وزاوية نظره، وهي تتجدد باستمرار، والمعصوم مهما قيل في قداسته، يبقى بشرا محكوما بقوانين فهم النص، فينظر للواقع، ويفهم النص وفقه. يتضح هذا  من وجود أكثر من 800 تفسير للقرآن، تتباين في بعض الآراء، ووجهات النظر رغم وحدة الروايات التي يرتكزون لها. ويكفي الاختلاف في الوضوء دليلا، وغيره من الآيات. كما يكفي وجهات النظر والاجتهادات المختلفة في فهم الآيات، فهناك تفسير ثوري للقرآن، بلاغي، لغوي، صوفي، علمي، وغير ذلك. وهنا ملاحظات:

- لا معنى للاجتهاد في مجال العلوم الطبيعية، مادامت مجموعة قوانين وقواعد علمية مرتهنة للدليل العلمي، فيكون المتخصص دالة عليها. آراؤه ملزمة ولا يمكن الاستغناء عنه. بينما الاجتهاد هو الأساس في فهم النص، فتتعدد وجهات النظر، فلا معنى لاقتصار فهم النص على مجتهد دون آخر، بما في ذلك الأئمة والصحابة والتابعين. فالحاجة للمتخصص في مجال فهم النص حاجة محدودة ومؤقتة.

- الحقائق في القضايا العلمية مطلقة، بينما الحقيقة في القضايا الميتافيزيقية نسبية، ليس لها وجود خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي، فتتأثر بقبليات الفرد وتحديات الواقع، وضرورات الزمان والمكان، فهي بحاجة إلى مرجعية متحركة تواكب العصر ومتطلبات الواقع، وهذا يؤكد الحاجة إلى تجدد مرجعيات فهم النص، عكسا للعلوم الطبيعية. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة).  

- لو كان القرآن بحاجة إلى تفسير آياته كلها، لكان النبي أولى بتفسيره، والجميع يعلم أنه لم يترك تفسيرا للكتاب، سوى بيانات بسيطة.

- لوكان النص القرآني بحاجة لتفسيرات محددة، لكان القرآن أولى  بذلك، لكنه لم يتنزل منه سوى ما موجود بين دفتيه. بل عدم ضمّ السيرة النبوية إليه يدل على وجود مغايرة جوهرية بين  آيات الكتاب وأحاديث النبي، فضلا عن غيره. مغايرة تقتضي استقلالهما. نص قرآني ثابت. وفقه متحرك تمليه حاجات الواقع وضروراته وتحدياته، وتطور مفاهيم اجتماعية وثقافية بمرور الوقت.

- القائلون بضرورة وجود مرجعية ثابتة محصورة بأئمة أهل البيت، عليهم الكف عن مقولة الإسلام صالح لكل زمان ومكان. لأن مقتضى تحديد مرجعيات فهم النص المكوث في القرون الأربعة الأولى. وللزمان والمكان أحكامهما التي تفرض على المتلقي فهما يتناسب معهما.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الأخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال الرائع والمهم المتعلق بالامامة والخلافة. واحب ان اضيف التعليق التالي:
ورد في بداية المقالة ما يلي:
"ورد في المصادر الشيعية عن الرسول: (من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). كما في كتاب الكافي، للشيخ الكليني، والبحار والمحاسن وغيرها".
و كذلك ورد في في المقالة- في المصادر السنية:
"(من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية). وحديث: (من مات مفارقا للجماعة، مات ميتة جاهلية)".
و كذلك ورد في المقالة:
وهناك رواية في كتاب الكافي: (عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: قلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال، قلت: فمن مات اليوم وليس له أمام، فميتته ميتة جاهلية؟ فقال: نعم.).
و كذلك ورد في المقالة:
الإمام الصادق، يقول: (قُلْ لِشِيعَتِنَا كُونُوا دُعَاةً إِلَيْنَا بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اَللَّهِ، واِجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَاِتِّبَاعِ رِضْوَانِهِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ اَلنَّاسُ إِلَيْنَا مُسَارِعِينَ).
في الحقيقة ان الاحاديث اعلاه منسوبة الى الرسول والى جعفر الصادق ولكن لو قارنا هذه الاحاديث مع آيات القرآن لا تصمد اطلاقاً اطلاقاً.
"من مات ولَم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية".
و آخر" من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية".
احب ان ادون بعض الملاحظات على فقه السلف الصالح والاحاديث المنسوبة للرسول او لغيره من الفقهاء. ملاحظات بشكل مختصر جداً:
1- الدين الاسلامي اكمل في زمن الرسول " اليوم اكملت لكم دينكم—الخ".
2- ان الله اكد على اتباع كتابه " ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين". ؛ " ان الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم" –الخ.
3- الرسول هو المكلف الوحيد بحمل الرسالة السماوية ولا يشاركه بها احد. وهذا واضح من آيات القرآن "ارسلناك"؛ "بلغ ما انزل اليك"؛ "يسألونك" ---الخ. المناداة بصفة المفرد.
4- الرسول لا يعلم ما في الغيب "لا اعلم ما في الغيب" " يسألونك عن الروح قل الروح من علم ربي –" "يسألونك عن الساعة--- " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الاّ هو " –الخ. الاّ هو يقصد بها الله.
اذا كان الرسول لا يعلم الغيب فكيف ان الانسان الذي لا يعرف امامه يموت ميتة جاهلية؟؟؟؛ "او ان الذي لم يبايع خليفته يموت ميتة جاهلية".
و الشيء الاخر كيف نحكم على ان الانسان الذي عاش قبل الاسلام "المسمى عصر الجاهلية" ضال او يدخل النار؟؟؟. وقت لا توجد به اديان؟؟؟. وهل ان السومريين والبابليين والفراعنة الذين انشأؤا ارقى الحضارات لأسعاد الانسان يدخلون النار؟؟؟. ماذا يقول القرآن في هذه الاقوام التي سبقت الاسلام:
البقرة 134
تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون
الحج 17
ان الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله على كل شيء شهيد
الاية تشير الى انه حتى المجوس "عبدة النار" والمشركين الله يفصل بينهم يوم القيامة وليس لنا علاقة بهم او نعتهم انهم على ضلال او يدخلون النار. هل نريد اكثر من هذا الوضوح.
5 -ان الدين الاسلامي في زمن الرسول كان ديناً واحداً موحداً لكل المسلمين شعاره " لا الاه الاّ الله محمد رسول الله". ولكن للاسف الشديد تحول في زمن الخلفاء الراشدين الى "حزب سياسي" وبدأت النعرات والكره والتفرقة بعد فترة الخلفاء الراشدين. دفعنا ثمناً باهضاً ولا زلنا ندفع هذا الثمن لحد الان .
6 - انا مستغرب جداً من قول الامام جعفر الصادق: "قُلْ لِشِيعَتِنَا كُونُوا دُعَاةً إِلَيْنَا بِالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِ اَللَّهِ، واِجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ وَاِتِّبَاعِ رِضْوَانِهِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا كَذَلِكَ كَانَ اَلنَّاسُ إِلَيْنَا مُسَارِعِينَ". مع احترامي لرأيه ولكن السؤوال الذي يطرح نفسه علينا بقوة: هل يوجد شيعة وسنة في القرآن؟؟؟.
كان الاولى به "بصفته من سلالة الرسول!!" ان يكون اكثر الناس التزاماً بوحدة الدين ووحدة المسلمين لا ان يكون اداة للتفرقة – حسب قوله "شيعتنا"!!!. هل يوجد في الدين سنة وشيعة؟؟؟؟.هل هذا هو فهمه للدين؟؟؟.
و من الذي اعطاه صفة العصمة والقداسة والكرامات ---الخ ؟؟؟؟؟. الرسول ليس لديه عصمة الاّ وقت نزول الرسالة السماوية وكذلك وقت تبليغها. ولذلك ان الله يناديه عبر الوحي"بلّع ما انزل اليك والله يعصمك". وهذا يدل على انه غير معصوم.
7- على جميع رجال الدين ومرجعياتهم النزول من ابراجهم العاجية واتباع القرآن وما يتلائم معه من السنة النبوية فقط وترك كل الامور الاخرى. عليهم التركيز على وحدة الاسلام والمسلمين وترك المذاهب لانها صناعة بشرية تدميرية انشأت لاغراض سياسية وتجارية. دفعنا ولا زلنا ندفع ثمناً باهضاً من هذه المذاهب. والله يقول لنا "اعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا". علينا ان نعيش حياتنا ونركز على كتاب الله ونترك قال فلان وذكر علان. بغير هذا سنبقى ندور في حلقة مفرغة الى يوم الدين.
وشكراً مرة اخرى الى الاخ المفكر الرائع الاستاذ ماجد الغرباوي على هذه المقالات التنويرية الرائعة.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر والتقدير

ثائر عبدالكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

جميل شكري وتقديري للاستاذ د. ثائر عبد الكريم، وشكرا لمتابعته وتفاعله من خلال تعليقاته واضافاته. دمت اخا واستاذا جديرا

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

كان هذا الحديث بمثابة حجر الزاويه الذي تعتمد عليه كلتا الطائفتين في اثبات نظرية الامامه بمفهوميها السني والشيعي والظاهر ان الأستاذ الغرباوي اخَّر هذا الركن الشديد الى اخر حلقاته كي يكون بمثابة الضربة القاضيه لمفهوم الامامه. والحق والإنصاف انه ابدع بنهجه في تفنيد تلك المزاعم من خلال طرح اسئله لم تكن تخطر لي على بال ....! كيف يعقل ان يحبط عمل امرء للصالحات وفعل الخيرات لمجرد انه لايعرف امام زمانه، او ليس برقبته بيعة لإمام ...! بل ماذا لو اخل الأمام بشروط البيعه...! والأدهى من ذلك كيف غفل القران عن تلك المسألة التي أصبحت عدلا لكل افعال الإنسان مع ان القران ذكر مرارا وتكرارا حثه على العمل الصالح وفعل الخيرات مع ذكر الصلاة والزكاة ....! وبغض النظر عن الأسانيد لذلك الحديث الا ان متنه يناقض كتاب الله جملتا وتفصيلا ...! وواضح جدا من خلال ما عرضه الأستاذ القدير الغرباوي ان الامر لا يخلو من خدعه سياسيه توالى عليها الحكام في استغفال الشعوب على مدى سنين طويله ....! شكرا للأستاذ ماجد الغرباوي على هذا الجهد الكبير الذي استنزف منه الوقت الكثير وكان مثمرا جدا ....جزيل شكري وامتناني لك

جابر علي مرهون
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي وخالص الاحترام لك الاستاذ جابر علي مرهون، كنا معنا خلال مجموعة حلقات دارت حول أسئلتك، ودفعت للكتابة والبحث والتنقيب. وهذه الحلقة الاخيرة، وهي سؤال مستقل. شكرا لتفاعلك مع الاجوبة مع محبتي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4891 المصادف: 2020-01-26 01:54:35