 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (150): فلسفة الخلق

majed algharbaw10

احمد مانع الركابيالمثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (150):  فلسفة الخلق

خاص بالمثقف: الحلقة الخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: احمد مانع الركابي. 

احمد مانع الركابي: مدرس وشاعر / العراق: الأستاذ الفاضل ماجد الغرباوي، حين قرأت الحلقة (79) الفقيه ومنطق العبودية، وجدت فكرا قيمته الوعي والإخلاص لكسر قيود الجمود الفكري وتحفيز العقل للحركة بخطى التجديد الفكري. فدارت في مخيلتي عدة أسئلة أود أن أبدأها بسؤال حول العبودية وفلسفة خلق الإنسان، وهذه الأسئلة تشكل هاجسا وجوديا طالما تناوله العقل الجمعي، وأوجد لها فلسفات عدّة، وهنا أحببت أن أطرحها على جنابكم الكريم لبيان وجهة نظركم:

فلسفة الخلق

س137: احمد مانع الركابي: ماهي وجهة نظركم لخلافة الإنسان للأرض؟ حيث أن المعنى اللغوي للخليفة، هو أن يخلف شخص شخصا آخر في حال غيابه، مع العلم أنّ الله سبحانهُ وتعالى موجود وحاضر!؟.

ج137: ماجد الغرباوي: أرحب بالأخ الأستاذ الشاعر القدير احمد مانع الركابي، وأشكره على تفاعله وأسئلته المهمة.

الحديث عن الإنسان تارة يكون عن أصله ومنشأ وجوده. وأخرى يُقتصر الكلام على فلسفة خلقه، وبيان هدفه في الحياة الدنيا، باعتباره كائنا بشريا تميّز بعقله وقدرته على تطوير حياته. أو بامتيازه بعقل خلاق مبدع. فتكون الحرية والإرادة والمساواة لوزم وجودية في ضوئها يواصل مسيرته، ويرسم هدفه.

أما بالنسبة للأول، فثمة اختلاف بين النظريتين الدينية والوضعية حول أصل الإنسان. الثانية "نظرية التطور" تعتقد أن أصل الإنسان من القرد (دارون). وثمة من يعتقد بانحدارهما من أسلاف سابقة.

 في مقابل النظرية الدينية التي تؤكد استقلالية البشر في أصله الترابي (الكتب المقدسة): وجاء في القرآن: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ)، فكان آدم وكانت حواء، ثم تناسلت البشرية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). وتحري هذا البعد خارج عن موضوع السؤال.

النظرية الوضعية

وأما البعد الثاني: "فلسفة الخلق وهدف الإنسان في الحياة"، فإن النظرية الوضعية لا تؤمن بما وراء الطبيعة. أو تؤمن لكن ترى أن أصل الإنسان حيوان، وثمة ثالث يعتقد بوجود خالق يختلف عن إله الأديان، فيكون الإنسان مسؤولا عن مصيره (سبينوزا). لا يرهن وجوده لوصايا فوقيه أو ميتافيزيقية. ولا أولوية سوى أولوية مصالحه، وليست هناك فلسفة محددة وراء خلقه، وهناك عوامل عدة تتحكم بمصيره، ليس الدين أحدها، حتى وإن كان مؤمنا بوجود خالق. وكان قدر الإنسان أن يجد نفسه محاطا بالحياة وتحدياتها، فانطلق بدوافع حب الذات لتأمين أمنه وسلامته ومواصلة حياته، عبر مراحل تاريخية معروفة، بدأت بالمرحلة البدائية والآن يخوض الإنسان فتوحات علمية وتكنلوجية مهولة. وقد سنَّ أنظمة سياسية واقتصادية وتعليمية تكفل سعادته، حينما تستوفي شروطها. وتصدى بنفسه أيضا لتشريع قوانين يعتقد أنها تضمن آمنه واستقراره، من وحي تجاربه، ومحاولاته الجادة لفهم ما يدور حوله، بعد أن جرّب الأنظمة الدينية ردحاً طويلا من الزمن. فانتهى إلى فصل الدين عن السياسة، واعتباره أمرا شخصيا، لا علاقة له بالحياة.

وبالتالي فهذه النظرية لا تؤمن بالخلاص الأخروي، ولا ترهن مصير الفرد لعالم ميتافيزيقي. ترفض سلطة المؤسسات الدينية، وتؤمن بمركزية الإنسان وقدرته على اتخاذ القرارات الصائبة كي يواصل المجتمع مسيرته، ثم تنتهي حياته بالموت، كقدر محتوم على البشرية جمعاء. وبهذا أوصدت الثقافة العلمانية الباب أمام وصايا رجل الدين، وأية وساطة يدعيها بين الإنسان وربه، وتركت الفرد يواجه مصيره بنفسه، اعتمادا على عقله وتجاربه العلمية، لا تثنيه المقولات الدينية عن مواصلة اكتشافاته وفتوحاته المعرفية. ومن ثم طوّر مناهجه ونظرياته، وغدا الغرب الذي يتبنى النظريات الوضعية نموذجا للرقي الحضاري، من خلال تكريس ثقافة التسامح، والاعتراف الحقيقي بالآخر وحقه في الحياة وممارسة حرياته بما فيه الحريات الدينية.

وهناك من فسّر التاريخ تفسيرا ماديا بعد اكتشافه لقوانينه (ماركس)، الذي يعتقد ثمة صراع طبقي يقود الإنسان، ووسائل انتاج تتحكم بمستقبله، وعليه المكابدة لإلغاء الملكية الشخصية التي هي سبب الصراع، وسبب تعاسته وشقائه في ظل نظام رأسمالي يتبناها ويوفر لها الحماية اللازمة. ليعيش الناس مساواة حقيقية وحياة مثالية بعد إضمحلال حب الذات!!. والنظرية مفرطة بمثاليتها. كيف يتخلى الإنسان عن نوازعه الفطرية، كحب الذات؟. ولماذا ينظر إلى بعده المادي دون بعده الروحي؟. وهناك آراء ترتهن التطور التاريخي لعوامل أخرى.

النظرية الدينية

تُقدم الأديان تفسيرا دينيا لفلسفة الخلق، وهدف الإنسان في الحياة، في إطار نظرة كونية، تؤمن بوجود خالق حكيم لهذا الكون، وتؤكد وحدته وقصديته وخضوعه لإرادة وعناية إلهية. (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ). والآية تؤكد ترابط أجزاء الكون، ترابطا عضويا، فيكون وجود الإنسان شرطا ضمن حركيته وقصديته، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ). وهذا لا يسلب الفرد حريته واستقلاليته، ولكن يؤكد وجود دور وجودي للإنسان، ينتظم في حركة الكون، ضمن شرطه الوجودي.

وتعتقد النظرية الدينية أيضا بوجود حياة ثانية بعد الموت، يحاسب فيها الفرد عن جميع أعماله وسلوكه في الدنيا، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ). فهي فلسفة  تربط الحياة الدنيا بالآخرة، وترهن مصير الفرد أخرويا بعمله، لامتصاص تداعيات النظرة المادية للحياة، بدلا من مكافحة الملكية الشخصية وتفتيت حب الذات، الذي هو قضية مستحيلة، لأنها قضية فطرية. وبهذا الشكل يضفي الدين معنى على حياة الإنسان حينما يعده بيوم الجزاء جزاء لاستقامته ومشاركته في استباب العدالة الاجتماعية، من خلال تضحياته بجهده وماله ورغباته. فالإيمان بخلود الفرد بعد الموت، وارتهان مصير الإنسان لعمله في الدنيا، يدفعان باتجاه العمل، وتحرير النفس من اليأس والقنوط والكآبة. تضمحل في أعماقه مشاعر اللاجدوى واللامبالاة. ودائما ثمة آمل يرتهن له مصيره، فثمة حياة خالدة، هناك توفى كل نفس بما كسبت: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). ففكرة الحياة الأخرة (إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا)، تخلق مشاعر إنسانية تحد من جشع المال والسلطة والظلم والاستبداد، ولا حاجة حينئذٍ لإلغاء حب الذات، الذي هو نازع فطري لدى الإنسان. فالنظرية الدينية تراهن على التقوى والإيمان في مقابل النظرية الماركسية التي تراهن على إلغاء حب الذات، وهو مستحيل. لذا فالأولى تؤمن بأن الصراع تاريخيا كان وما يزال صراعا فكريا – عقديا. صراع بين الحق والباطل. بين الله والطاغوت. فتجد الكتب المقدسة تتحدث عن تاريخ الرسالات، ومكابدات الأنبياء مع أقوامهم، ومشاهد انتصار الحق على الباطل، وفق ثنائية مؤمن / كافر. فالخلاص ينحصر بالإيمان بالله ورسوله وملائكته وكتبه، وتبني قيم السماء وتشريعاتها وفق نظرة كونية توحيدية. فثمة فكرة تحرك التاريخ وليس الصراع الطبقي كما تذهب لذلك النظرية المادية.

وترى النظرية الدينية ثمة فلسفة وراء خلق الإنسان: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ)، (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ)، (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). ويراد للإنسان أن يحقق غاية الخلق، كما تبيّنها مصفوفة آيات زاخرة برمزيتها ودلالاتها التي لا تقف عند حدود الماديات، بل قد يؤثر التفسير الحرفي سلبا عليها: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ). ثم راح يستعرض قدرات وإمكانيات خليفته / آدم / الإنسان (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ). ثم طلب من الملائكة السجود لآدم (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)، في إشارة بليغة جدا، إذ معنى السجود الخضوع لمبرر رمزي أو مادي، وآدم بعد أن تعلم الكلمات، التي هي تجلٍ للعقل، استحق التبجيل لا تشريفا واعتبارا فقط، بل بمعنى الإذعان للعقل وقدراته الخارقة. وقد جاء في الخبر: (لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وعليك أثيب). وفي خبر آخر: (بك أثيب وبك أعاقب). فالإذعان للعقل ليس تشريفا بل هو حقيقة الإنسان / آدام، فسجود الملائكة يرمز للتفاعل الإيجابي مع العقل ومعطياته، في مقابل إبليس الذي تنكر للعقل: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). فالاستكبار مكابرة من وحي غطرسته وتشبثه بأولويات لا تمت للحقيقة، لذا عبرت الآية: وكان من الكافرين. والكفر هو الإنكار والستر. هو يعرف حقيقة العقل، لكنه استعلى. فهو يرمز هنا للمغالطة، حينما رفض الإذعان للعقل. كل هذا يدل عليه، مجيء طلب السجود بعد أن أنبأهم آدم بالأسماء، فالإنباء تجلٍ للعقل الذي فرض عليهم الإذعان، بعد الاعتراف بحقيقة جديدة اسمها الإنسان العاقل، الذي يشبه العقل الكلي / الله.

وكان الحوار في جزئه الأول متقدما على الخلق الفعلي. حوار على مستوى التصور، تناول اعتراضات وإشكالات محتملة، لتعذر الحوار المباشر بين الله والملائكة، باستثناء من جوّزوا رؤية الخالق. أو أنه حوار بلسان الحال، وعلى لسان الملائكة، وكأنه حوار مباشر: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ). فكان سرّ عظمة آدم / الإنسان في عقله، وهي قدرة خارقة،  لم تألفها باقي المخلوقات باستثناء الإنسان، الذي بعقله المطلق يمكنه استخلاف الأرض وإعمارها. بل ويصدق أنه تجلٍ للعقل الكلي / الله، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). فهو نفحة الله، لذا لم يستعرض من أبعاد شخصيته أمام الملائكة حتى أذعنوا وسجدوا له سوى بعده العقلي. لم يشر لإيمانه، ولا لتقواه، ولا لعبادته، بل تباهى بعقله، القدرة التي تستوفي شرط الخلافة. فالإنسان نال شرفها بعقله أولا وقبل كل شيء. ويبقى العقل رهان نجاح الإنسان، حينما يرتكز له الإنسان ويتخلى عن الخرافة واللامعقول.

لقد كان قوله: (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) مفاجئا للملائكة، فهو يعلم عجزهم عن ذلك، وقالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا. فلما(أَنبَأَهُمْ [آدم] بِأَسْمَآئِهِمْ)، أذعنوا لحقيقة مفادها أنهم أمام مخلوق يتمتع بعقل هو تجل للعقل الكلي / الله. فسجدوا جميعا، بمعنى الإذعان والإقرار. وبسجودهم للعقل، الذي هو تجلٍ للعقل الكلي فقد سجدوا لخالقه. ولم يسجدوا لآدم الشخص، إذ لا يجوز السجود لغير الله. وبالعقل كرّم الله الإنسان: وكرّمنا بني آدم. وعلى أساسه يثيب ويعاقب.

ثم بعد ذلك حرص الكتاب على استعراض مراحل خلقه، ليبين لنا رمزياً قيمة الحرية في صدقية فعلية إنسانية الإنسان، وإرادته التي تعبر عنها، كي لا ننسى ذلك: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ). وهي مرحلة حضانة، عبّر عنها بالجنة، في إشارة إلى مثاليتها، ليغلق الباب أمام أي مبرر مادي لارتكاب المعصية، سوى نفسه. فالجنة أو الحياة المثالية كانت أرضا خصبة لاختبار العقل، وإرادة الإنسان، وهما شرطا الخلافة، التي كانت الهدف الأساس وراء خلق الإنسان. لذا بعد (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا)، تجلت عظمة الله في خلقه، واستخدم المخلوق البشري عقله بحريته وإرادته، وتحمل مسؤولية عمله واختياره، وغدا مؤهلا للنزول للأرض، لمواجهة تحديات الواقع، والقيام بدوره المنشود: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) لكنه  ليس هبوطا آمنا، فالعقل لا يؤدي دوره الحيوي بمعزل عن عقلانية توازن الحياة وفق مصالح مشتركة، وإرشاد رباني ينبع من فطرته أو من خلال كتبه ورسله، لذا استبقت الآية نزولهما بتوضيح: (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ). ولم تكن الخطيئة هي التي أخرجت آدم من الجنة كما يصرّ على ذلك العقل التراثي، بل نضوجه العقلي وقدرته على مواجهة الحياة واتخاذ قراره بحرية تامة وراء ذلك، وقد تحمّل وزر عمله، فقد عصا بارادته، لذا سرعان ما تاب عليه الله: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). بل كيف تنسجم العقوبة مع الخلافة. إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة. والخليفة هو آدم الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة إنسان، واستعداده الفطري لعمل الخير والشر (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالخليفة لا يتعالى على شرطه الإنساني، ولا تضر بصدقيته الخطيئة، ولن تكن هي المقصودة في الآية. المقصود بيان كيفية ممارسة حريته وإرادته كشرط أساس لصدقية مفهوم الخلافة الأرضية. فهو لم يستبعد من الجنة لخطيئته بل هبط إلى الأرض ليمارس دوره الخلافي.

إن آدم وزوجه قد نالا جزاءهما، حينما أخرجهما الشيطان مما "كانا فيه"، حيث كانا في بحبوبحة العصمة عن الخطأ قبل استخدامهما للعقل وممارسة حريتهما: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، والإخراج هنا باختيارهما، الذي تمثل بعصيان تحذير الخالق: ولا تقربا هذه الشجرة. ومهما قلنا فهي تحسب معصية، وقد تاب الله عليه بعد أن تلقى منه الكلمات وانتهى الأمر. فالخروج مما كانا فيه، ليس بالضرورة أن يكون المقصود بها الخروج من الجنة. وحتى مع هذا الاحتمال فإن المقصود بالجنة هو الحالة الملائكية والقدسية قبل اقتراف المعصية.

فالمعصية تجلٍ للحرية والإرادة شرطا الخلافة  الأرضية. وعلى أساسهما يجزى المرء على عمله وسلوكه في الحياة الدنيا. أما مسألة الهبوط في الآية فمستأنفة، لها علاقة بمسألة الخلافة، لأن الإنسان / آدم مخلوق للأرض، ويجب أن يهبط لها، وكان بانتظار نضوجه العقلي، وبالتالي فهنا مسألتان، منفصلتان. ثم بدأت حياة الإنسان الفعلية، بعد اختبار العقل والمعصية: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.). فمصفوفة الآيات تبين بوضوح هدف خلق الإنسان، ومراحل خلقه، ومهمته في الحياة الدنيا وما هي رهاناته التي يتحدد وفقها مصيره في الدار الآخرة. وقد عبّرت الآية عن هذه المهمة بالخلافة. إني جاعل في الأرض خليفة. فالإنسان هو رهان الخالق مع ملائكته عندما احتجوا على خلافته خوفا من فساده وسفكه للدماء (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ). واحتجوا أيضا أنهم أولى بها يسبحون بحمده ويقدسونه (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ)، لكنه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة وجود الإنسان على الأرض ومدى قدراته وقابلياته، فاقتصر نظرها على البعد الإيماني. بينما خلافة الإنسان أبعد، وقد أشار لها تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، لكنها لم تدرك مراده. فهم لم يعاصروا الإنسان ولا يعرفون عن قدراته الخلاقة سوى سفك الدماء قياسا على تجربة سابقة أو تصور له مبرراته، بينما أثبتت الإنسانية قدرتها على مواجهة كثير من تحديات البيئة والحياة، واستطاعت استخلاف الأرض بجدارة، وقد حققت تطورا حضاريا كبيرا. وكان المؤهل الوحيد بين مخلوقاته لمهمة الخلافة، وتحمّل أعباء الرسالة الربانية: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالإنسان للأسف يجهل حقائق الخلق، ويظلم نفسه حينما يتخلى عن رسالته. تلك الرسالة التي عبر عنها في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ). فالربوبية تشير هنا إلى منظومة القيم والمبادئ الدينية والأخلاقية النابعة من الرؤية الكونية التوحيدية. فالاشهاد إشهاد بفطرة الإنسان باعتبارها جزءا من الكون، تدور في مدارات قصديته، والدوران ضمن مساراتها التكوينية. فالآية تشير إلى لحظة الخلق ووحدة الأصل التكويني، حيث كل شيء يدل فيها على وجود قدرته المتمثل بنظام الخلق. فالإشهاد داخلي، ضمني،  نابع من صميم النفس البشرية في دورانها التكويني، لا يمكن تكذيبه، لكن قد يغفل الإنسان وينسى. والأمر دقيق ولطيف يحتاج إلى تدبر وتأمل عميق.

وبالتالي، فمفهوم الخلافة الربانية

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

مشكلة اصل الانواع مشكلة علمية و رمزية، و يمكن ان تتبدل في اية لحظة تكتشف بها التكنولوجيا اكتشافات لم نصل اليها من قبل،
حتى الان هناك الفكرة السائدة ان الخلية اما نباتية او حيوانية، و لكل منهما شكل محدد مع قانون للانقسام و التكاثر، اضف لذلك ان العضويات غير العناصر المعدنية المتوفرة في التراب، لكنها تدخل في بناء جدران خلايا النوعين. اما بالنسبة للفكر الماركسي الذي تفضل الاستاذ ماجد بالاشارة إليه، هناك فهم ميكانيكي و قسري له، و نظريات و تفسيرات متطورة و مرنة و قابلة لاستيعاب المستجدات، كل شيء يتدرج بالتغير، و الطفرات لها قوانينها الطبيعية او القسرية، و كما أعتقد ان التداخل بين الروحي و المادي سيبقى هو محور كلامنا عن النشوء و نظريات التطور إلى نهاية الخليقة،
و انا مع الاستاذ ان حكاية الخروج من الجنة هي كناية عن تطور العقل البشري من غوامض الطبيعة و الكون الى فهم قوانين الواقع و التحكم به الى حد ما، او التدخل في تحوير مصير الانسان و لو لأجل قصير، كالاستشفاء بالدواء و ليس الادعية، او استعمال ادوات جديدة لتبديل ما تقدمه الطبيعة من هبات و ليس انتظار ما توفره فقط،
و حتى باللغة الانكليزية ان معنىdown to earth يدل على الواقعية و الحقيقة ( و ليس بمعنى الهبوط و النزول كما هو ترجمته حرفيا).
ان مشكلة الفردوس المفقود مثل مشكلة الجنة و النار، تحتمل عدة تأويلات حسب موقع كل انسان من نظام انتاج الافكار،
و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

خالص احترامي لحضورك وتفاعلك الاخ الاستاذ د. صالح الرزوق. سيأتي ما يساهم في تسليط الضوء على بعض الجوانب. قصة الخلق مشترك ديني، لكن غايتنا فهم فلسفة الخلق من زاوية دينية مقارنة مع النظريات الأخرى. لفهم كيف يقدم لنا الدين الانسان؟ فثمة خطاب ديني كرس عبوديته واحتقاره. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر الاستاذ ماجد الغرباوي تحية حب واحترام
ان مشيئة الله هي التي تسبق كل شيء ،، معناه انشاء الله فعل وان شاء لا يفعل فلو شاء الله للملائكة ان ينبؤنه بالاسماء لفعلوا ولكن هنا مشيئة الله سبقت ولم ينبؤنه . وحتى ادم لولا مشيئة الله ماانبئهم بالاسماء فأين التفضيل بذلك فهي المشيئة التي ارادة ذلك . اما قولك لذا بعد (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا)، تجلت عظمة الله في خلقه، واستخدم المخلوق البشري عقله بحريته وإرادته، وتحمل مسؤولية عمله واختياره، وغدا مؤهلا للنزول للأرض، لمواجهة تحديات الواقع، والقيام بدوره المنشود: (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)
اين تجليات العقل هنا ،، اليس من المفترض ان العاقل والذي نفخ الله فيه من روحه وجعل فيه الكمال ان لايخطأ بهذا القدر من الخطيئة الم نلام اذا مااخطأنا بحق الاله ونحن بشر هنا نستطيع ان نقول لو كان في كمال عقله لما عصى ادم ربه . وهل من المعقول ان يختار ادم ان يعاقب من خالقه ويخرج من جنات النعيم حتى يهبط الى الارض ويشقى وتشقى الانسانية بسبب خطيئته لكن نستطيع ان نقول لم يخطأ ولم يعصي ربه ولكن شاء الله ان يكون كما اراد حتى تتم عملية الخروج من الجنة.
وحتى ابليس في اعتقادي لولا مشيئة الله لما عصى ابليس ربه وكان من الكافرين فان الله قادر على ان لايعصيه ابليس ولكن المشيئة سبقت .
وان الله قال للملائكة قبل ان يكون ادم خليفة بقوله تعالى (قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) معناه كتب وشاء وفعل ان يكون ادم خليفة .
وحتى في هذه الاية لم يقل اني جاعله خليفة في الجنة بل قال في الارض فلماذا امهله حتى يرتكب الخطيئة لكي يخرجه منها. اليس من الاجدر ان يهبط به الى الارض قبل ان يعصيه الا اذا كان الله لايعلم مايكون عليه ادم لكونه حرا وحتى لايتنافى علمه مع حرية المخلوق .
فاعتقد انه ليس من الحكمة ان يعصي ادم ربه ونقول عنه وصل نضوجه العقلي .فأين هذا العقل واين هذا النضوج .
شكرا لكم يا استاذ ودمتم سالمين

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضور الاخ الاستاذ ابا سجاد، وشكرا لاثارته. سياتي في الحلقة القادمة تفصيلات اضافية لبيان بعض الافكار، كي تتضح الفكرة بشكل جلي. كلامك حول المشيئة صحيح تصورا، من حيث أنه قادر على كل شيء، ومتى شاء شاء، لكن مشيئته ربطت الاسباب بالمسببات، وانتظم الكون بقوانين لا تتبدل ولا تتغير، حتى الخالق تعالى لا يتدخل بها. هذه هي مشيئته وارادته. وقد شاء ارادته ان يخلق ملائكة ليس لها استعداد للتعلم وربما تقتصر امكانيتها على الاستجابة لنداء الله فقط وتنفيذ اوامره، وبالتالي فهي لا تعلم. وآدم بفضل عقله لديه استعداد للتعلم، فتعلم ما أملت عليه الإرادة الإليه. لذا تفاجأت الملائكة عندما طلب منهم ذكر الاسماء.بالتالي فقصة الخلق قصة رمزية، عندما تقف على حدود ظواهر الألفاظ واللكمات، لا تستطيع مغاردة المعنى الحرفي، ويهان الانسان، مع ان الله كرمه بالخلافة، وهي منصب ومهمة عظيمة فهل يصلح لها انسان تسقط قيمته لمجرد معصية؟ كلا، بل ان قوة وجوده في ارادته وتدارك خطئه. كما أنك تنظر فقط للخطئية، وتتجاهل ابعاد اخرى تنسجمع مع فلسفة الخلق. أهمها أن مصداقية الخليفة تتوقف على وجود انسان حر مريد قادر على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية عمله. لم تركز القصة على الخطيئة وتلقى آدام من ربه كلمات وتاب الله ، وانتهى الامر. لكن فعلية الخلافة تحققت من خلال التجربة الاولى في الجنة. وسيأتي كلام اخر ربما يزيل بعض الالتباس مع الاحترام

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

طرح جميل ...وأنا في انتظار الاجابة على بقية الاسئلة لكي يكون محور الفكرة متكامل ...بالغ التحايا وشكرا لهذه الجهود

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا الجليل ابا حيدر
ما تطرقتَ اليه في مقالتك من ان نزول ادم كان بسبب نضوجه وليس
لعصيانه لا اراه يتفق مع قول الاية الكريمة بالعصيان ولو كان بسبب
النضوج لقالها الباري عزّوجل من غير مواربه .

احترامي وتقديري لك ودمتَ بصحة وعافية .

الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

حياك الله الاخ الكبير الشاعر عطا الحاج يوسف منصور. بعد قراءة تعليقك انبتهت لوجود قطع فاعدت نشر الحلقة من جديد. اما ما يخص اشكالك، تجده في النسخه المصححة وسياتي مزيد من البيان:
إن آدم وزوجه قد نالا جزاءهما، حينما أخرجهما الشيطان مما "كانا فيه"، حيث كانا في بحبوبحة العصمة عن الخطأ قبل استخدامهما للعقل وممارسة حريتهما: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ)، والإخراج هنا باختيارهما، الذي تمثل بعصيان تحذير الخالق: ولا تقربا هذه الشجرة. ومهما قلنا فهي تحسب معصية، وقد تاب الله عليه بعد أن تلقى منه الكلمات وانتهى الأمر. فالخروج مما كانا فيه، ليس بالضرورة أن يكون المقصود بها الخروج من الجنة. وحتى مع هذا الاحتمال فإن المقصود بالجنة هو الحالة الملائكية والقدسية قبل اقتراف المعصية.

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4898 المصادف: 2020-02-02 01:59:52