 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (152): فلسفة الخلق وسؤال الوجود

majed algharbawi13احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثانية والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

سؤال الوجود

ماجد الغرباوي: كان سؤال الوجود وراء استعراض قصة الخلق في الكتب المقدسة. ذلك السؤال الذي لازم الإنسان، يستفزه بدهشة، ويطرح عليه أسئلة مصيرية، تارة تكرّس التشاؤم والعدمية واللاجدوى حد اليأس والإنكفاء. وأخرى تدفع باتجاه التأمل والبحث والتنقيب، لمعرفة حقائق الأشياء، فكان ينبغي للخطاب الديني تقديم رؤية وافية تبدد شكوكه، وتجيب على أسئلته، حول حقيقة الوجود والإنسان والموت وحياة ما بعد الموت والخلود، مبدأ الخلق ونهايته وغاياته، وغيرها. فهو قلق يعبّر عن نفسه بأسئلة واستفسارات فلسفية. وقد وصفت الآية قلق الإنسان بالهلع: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً). اختزال مكثف لمعنى القلق المصيري، وهواجس النفس البشرية، التي هي صفة عامة تتفاوت من شخص لآخر. والأنبياء أشد قلقا حول حقيقة الوجود والخلق ومصير الإنسان، وكان كل نبي قد قطع مراحل من الشك والحيرة والاندهاش قبل بلوغه مرحلة النبوة والانفتاح على آفاق الغيب، وطالما اعتكف يبحث ويتأمل، يقلب وجهه في السماء والأرض، وكانت تجاربهم تجارب إنسانية عميقة، تكابد من أجل معرفة الحقيقة وبلوغ مرحلة اليقين والاطمئنان الذي يوازن قلقه المصيري عبر معارج الروح. هذا إضافة إلى همومه الاجتماعية والسياسية، وما يحيط بالناس من ظلم وجور. فالأنبياء لهم تجاربهم، لكن رغم دوام المجاهدة والرقابة الأخلاقية الصارمة وقوة الإرادة والصبر على العبادة، يعصف بهم الشك أحيانا، غير أنه شك في عين المعرفة، وقد استعرض القرآن مشاهد من شكوك دفينة للرسل كإبراهيم وموسى، كي نتمعن بتجاربهم ونفهم أن الشك ظاهرة بشرية تعكس يقظة الوعي، وقدرة فائقة على التأمل والتركيز. يشترك فيها الأنبياء والفلاسفة، غير أن النبوة ترقى بالروح الإنسانية، وتسمو بها في عالم مختلف، فيكون دليلها روحيا وجدانيا راسخا ومشاعر يقينية بفعل مشاهداتها وما تحققه النفس من فتوحات على صعيد الحقيقة والاقتراب من العقل الكلي. ورغم منزلة إبراهيم إلا أنه طرح سؤال الشك: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، وشكه يمثل أعلى درجات اليقين، فهو مؤمن يتوق لتجلي قدرته في الخلق. وأيضا موسى الرسول الكريم: (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ). ولعل أوضح الأمثلة حياة محمد قبل البعثة حيث كان التأمل والتعبد والتحنث يستغرقه، تارة بمعزل عن الناس وهو معهم، وأخرى في خلواته مع نفسه وخالقه، وقد مر بحيرة عاصفة، ذكّره بها القرآن: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ). ولا يعني الضلال الزيغ بالضروة، بل يقصد به خصوص الحيرة، بدليل "فهدى". والحيرة يصدق عليها مفهوم الضلال بمعنى عدم الهداية وقد يفهم منها ذلك بقرائن.

ولما كانت الكتب السماوية رسائل السماء إلى الأرض، ورسائل الخالق لمخلوقه لهدايته وترشيد وعيه، فهي معنية بتساؤلات الإنسان، خاصة سؤال الوجود. فتجد القرآن صريحا لا يقفز على الحقائق، حيث شغلت مسألة وجود الله ووحدانيته والإيمان باليوم الآخر مساحة كبيرة منه في 4000 تقريبا. وكل آية تعالج إشكالا ما. ولم يصدر عن الكتاب توبيخا لغير المعاندين، ممن لخصتهم الآية: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ). واعتبر القرآن جميع الأسئلة والشكوك مشروعة، ينبغي التصدي للإجابة إليها.

فسؤال الخلق عميق في وجدان النبي، وهو سؤال مركزي في جميع الأديان، والشغل الشاغل لجميع التجارب الدينية والروحية. سؤال الحقيقة سؤال إنساني، ينبغي مقاربته برؤية مستنيرة، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فثمة حقيقة متوارية، من الصعب الإمساك بها بعيدا عن الروح واشراقاتها الوجدانية، أو يبقى الإيمان بها نظريا باهتا، لا يتجلى في سلوك وأخلاق الفرد، وهنا يأتي دور الشعائر والطقوس الدينية. وبالتالي فقصة الخلق جاءت صدى لتساؤلات تطفو وتغور. تعصف بالنفس البشرية، وقودها دوامة الشك، وحُجُب الحقيقة. فالكتب المقدسة إذاً معنية بها، باعتبارها مصدر المعرفة الدينية، رغم التفاوت بين التوراة والقرآن، غير أنها جاءت في الثانية مكتنزة بدلالاتها الرمزية، ولم تقف عند مبدأ الخلق ومنتهاه (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى). ولم تكتف بإضفاء معنى لحياة الإنسان ومماته ودوره في الحياة، وتناولت موضوع المعرفة الإنسانية، وكيفية تراكم المعلومة.

وقد اختار القرآن لعرض قصة الوجود أسلوب القصص الرمزي، لضمان أداء دلالي حيوي، يثري تأويل النص، ويحرره من سجن اللغة والتاريخ. والأسلوب القصصي أسلوب قرآني فريد في قدرته على توصيل الأفكار كقوله: (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ)، فهو حوار رمزي، يؤكده افتقارهما لمَلَكَة الكلام. غير أن التأويل قادر على استنطاقهما، وهكذا هو العرض القصصي الحواري لقصة الخلق. لأن الغرض الأساس هو بيان  فلسفة الخلق، فيكون الرمز أوفى وأقدر على كشف أبعاده.

إن سؤال الوجود ليس عبثا بل هو طاقة فكرية - تأملية هائلة عندما يجيد الفرد توظيفه لملاحقة الحقيقة. وهو سؤال النبوة، عندما يستغرق النبي قبل بلوغها في التأمل والتفكير، ويشغله سؤال الوجود، ويستفزه قلق المصير. فسؤال الوجود يحفّز لمواصلة التأمل والاستغراق بحثا عن أجوبة تعمّق روح الإيمان، وتكرّس الشك طاقة روحية تتطلع للمزيد من السمو والابحار ماوراء ظواهر الأشياء. وهذا يفرض فهم قصة الخلق في سياقها القرآني، وعدم ارتهانها لتفسيرات أيديولوجية، فهي تأبى سجون اللغة والتاريخ استجابة لحيويتها.

الخطيئة

جاءت خطيئة آدم في سياق قصة الخلق كدالة على تطور العقل، من التلقي المطلق لدى الملائكة (لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ)، ثم بوادر العقل المريد مع آدم ومعرفة الأسماء كلها، وهي مرحلة وعي الذات وأبعادها الوجودية حينما أنبأهم بالأسماء. وكان قبل ذلك قد تعلمها من الله. وأخيرا مرحلة التجلي الإنساني قبل هبوطه إلى الأرض، وهي مرحلتا الإدراك والإرادة الفعلية. حيث أدرك جوهر التمايز بين الأشياء، الشجرة المحرمة، التي تعني الضد النوعي للإباحة، لسبب ما أثار فضوله، وقد خمّن أنها شجرة مباركة، تفيض عليه وجودا ملائكيا وخلودا دائما، من وحي معارفه المحدودة، مهما كانت درجة احتماله بسبب نقص الخزين المعرفي. ثم قرر بإرادته وتحمل مسؤولية قراراه، وبهذا تجلت بشريته. فكانت الجنة مكانا لاختبار حريته وإرادته كشرط أساس لتحقق إنسانيته ووجوده. وقد عبرتا عن نفسهما بالخطيئة. فالخطيئة ترجمة عملية لحرية الفرد وإرادته المسؤولة. كما أنها تعكس قلق النفس البشرية حينما تواجه مسؤولية قراراتها الشخصية حدَ معصية الخالق.

لقد مثّل آدم دور الطفولة البشرية، وكان استعدادا خالصا، تنقصه المعلومة التي يتمكن من خلالها تشخيص الحقيقة. وكان في مرحلة تأسيس المعرفة من خلال ما يتلقاه من معلومات ليبدأ في ضوئها العقل بممارسة دوره. فكانت أول تجربة حياتية هي تجربة اختبار لإرادته وحريته ومسؤوليته. فهو لم يعرف شيئا عن الشجرة، ولم يعرف لماذا حذّره الخالق من الاقتراب منها: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ). فليس لآدم تصور عن الموضوع سوى ما أخبره به الخطاب الإلهي. بما في ذلك الإيمان، الذي كان هشا بسيطا، لم يصل حد الجزم واليقين الذي يحول دون معصيتهما للآوامر الإلهية. ولو لم يخرجا من الجنة لم يعرفا شيئا عن معنى العقوبة، فقد هبطا للأرض بتجربة غنية جدا رغم بساطتها، حدها الأدنى هناك حسن وقبح، وخير وشر، ثواب وعقاب. فكانت تجربة ضرورية، عاشها آدم مع هواجسه، التي وصفت بالشيطانية لسلبيتها في مقابل هواجس الخير: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). فآدم لم يعرف شيئا عن حقيقة الشجرة سوى أنها منهي عن أكلها، وقد لا يعرف شيئا واضحا عن مفهوم النهي وعواقبه الوخيمة عندما يكون نهيا إلهيا. والآن قدم لهما الشيطان أو التصورات النفسية معرفة جديدة عنها، معرفة مغرية: "خلد، وملك لا يبلى". فكانت التجربة السبيل الوحيد أمام آدم للوقوف على حقيقة الأمر: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ). فالتجربة كانت مصدرا لمعرفته حينما عجز العقل عن إدراك الحقيقة سوى تخمينات أولية، وبعد أن ذاق ثمرها عرف ثمة آثار تكوينية تترتب على أكلها، فكان النهي إرشادا لهذه الآثار، حيث أخرجته من الجنة، عندما تفجرت مشاعره وأحاسيسه وغرائزه الجنسية، وصيرورته إنسانا ببعديه العقلي والعاطفي. فهو لم يرتكب عملا يستحق عقوبة جزائية كما في كثير من الآيات التي ترتّب عقوبة أخروية على إرتكاب المعاصي، وكان النهي تحذيرا من عواقب ما يطرأ عليه من تحولات فسيولوجية. لذا فإن القائلين بعصمة الأنبياء ذهبوا إلى أن آدم ترك الأولى ولم يرتكب معصية حقيقية. ومن يرد ظاهر اللفظ يمكنه ذلك، لأن القرآن يصفه بـ"غوى"، "عصى". وللتأويل دلالاته، فالخطاب السماوي لم يقل إذا اقتربت فجزاؤك كذا، بل كان خطابا تحذيريا مما سيترتب عليه من آثار تكوينية، تنتقل به من فضاء اللجنة، التي تتطلب وجودا ملائكيا، إلى الأرض التي تستدعي إنسانا يواكب الحياة ويتطور، وسيكون مقامه مختلفا ند الله وفقا لما جاء في الخطابات القرآنية.

فالخطيئة جاءت في سياق تطور العقل البشري، وكان يجب أن تقع، لتعبر عن حقيقة الإنسان، غير أنها غدت ركيزة الفهم التراثي لمفهوم الدين. وصار مفهوم الخلافة رغم ثرائه ورمزيته وقوة دلالاته، اختبارا بسيطا لآدم، لكنه غوى، وكان جزاؤه الخروج من الجنة. هذا الفهم لا يريد التدبر في آيات الكتب السماوية، فقد جاء في القرآن الكريم: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ). فالتوبة قد تحققت قبل الهبوط وتولي مقام الخلافة، بل في آية ثانية الأمر أوضح:

(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). فرغم خطيئته تاب الله عليه واصطفاه ليكون خليفة فعليا للأرض، وهي المهمة الكبرى له. وهذا لا يتنافى مع قوله: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى). لأنك سترتكب المعصية باختيارك، فتتحمل وزرها، وهي الخروج من الجنة، وهذا لا يعني بالضرورة أن هبوطه للأرض جزاء معصيته، مهما كانت رمزيته، فقد تاب الله عليه واصطفاه. لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، ويتعلم من أخطائه كيف يتصرّف مستقبلا.

وبالتالي فالتوقف عند حدود الخطيئة لا ينسجم مع مفهوم الخلافة. إذ قال ربك إني جاعل في الأرض خليفة. والخليفة هو آدم الإنسان، بكل ما تعنيه كلمة إنسان، واستعداده الفطري لعمل الخير والشر (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). فالخليفة لا يتعالى على شرطه الإنساني، ولا تضر بصدقيته الخطيئة، ولن تكون هي المقصودة في الآية، لأنها بصدد بيان كيفية ممارسة حريته وإرادته كشرط أساس لصدقية مفهوم الخلافة الأرضية. فهو لم يستبعد من الجنة لخطيئته بل هبط إلى الأرض ليمارس دوره الخلافي، بعد خوضه تجربته الإنسانية. وبالفعل أن لازم الخروج من الجنة الهبوط إلى الأرض، ومهمة شاقة، وسيشقى فيها الإنسان: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فالهبوط للأرض شرط خلافة الإنسان. بل ليس المقصود بالجنة جنة الخلد أو جنة أرضية، كما شغل الخطاب التراثي نفسه بها، وألف ووضع قصصا عجيبة حولها. فهي هنا تعني كمال البقعة التي استوطنها آدم وزوجه، كما هو دارج لدى الناس حينما يصفون بيتا يقولون: بيت كأنه جنة، وصف لمثاليته في خدماته وإمكانياته: (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). أي أن كل هذا مشروط بعدم المعصية، التي تعني استخدام العقل وهامش الحرية والإرادة التي هي لوازم وجودة للإنسان، فيخطئ عندما يستجيب لرغباته ونزواته.

المعرفة البشرية

ثمة بعد آخر في قصة الخلق متعلق بالمعرفة يمكن رصدها من خلال سياق حركة آدم، فتعّلم آدم للأسماء كلها، تعبير آخر عن استعداده التكويني للتعلم واكتساب المعرفة، التي هي عملية مركبة، ليست بسيطة تقف عند حدود التلقي والطاعة المطلقة. فهي تلقٍ وإدراك لمعاني الأسماء، وطريقة استخدامها، مما يتطلب تشخيص الواقع وتحديد اللفظ المناسب. أو تحديد المفهوم كصورة ذهنية وتخصيص لفظ منتزع من ذات الصورة، قياسا بغيرها من الصور الذهنية الأخرى. وهي عمليات تلقائية لا شعورية، تقف وراء معرفة الإنسان وكيفية توظيفها. وهذه هي مرحلة وعي الذات، حينما يعي الإنسان ذاته.

ليس هناك خصوصية للأسماء وما هي حقيقتها كما هو دأب العقل التراثي الذي يهتم بجزئيات لا علاقة لها بجوهر الأشياء. وكل الأسماء لا تعني بالضرورة كل مفردة من أسماء الوجود أو أسماء ما يحيطه من أشياء وصور ذهنية، بل تعني القابلية والقدرة على التحليل والتشخيص وانتزاع الصفات وتسمية الأسماء. نفهم هذا من كلمة "علّم"، ولم يقل أخبره بالأسماء كلها، فيكون دوره دورا مرآتي، يردد ما سمعه. بل كان ينبئهم بها من خلال ما أودع الله فيه من قابليات المعرفة، وتعدد الطرق لاكتسابها. والعمليات الإدراكية تعمل لا شعوريا بشكل معقد جدا، حيث تترابط المعرفة، وتنتقل من المجهول إلى المعلوم، لتبدأ مرحلة الشعور.

وأما في الجنة، فكان آدم بكامل استعداداتها الفطرية والإدراكية فعلا. إضافة إلى استعدادات كامنة بانتظار شرطها لتنتقل من القوة إلى الفعل. وهذا ما حصل بعد أن مارس آدم حريته واختار بإرادته.  فالجنة كانت مثالية في شروطها المادية، وله أن يعيش رغدا بلا عناء ومسؤولية وشقاء، كما تصف الآية. لكنها لم توفر له المعرفة التي تشبع فضوله، وتجيب على أسئلته، فالإنسان مجبول على التفكير، توّاق لمعرفة حقائق الأشياء، واكتشاف المجهول، وهي نزعة إنسانية، ساعدت على تطور الإنسان في الحياة الدنيا.

لا شك أن الجنة أدهشت آدم بتنوعها وغناها، لكنه عاش نوعا من الاغتراب بفعل النهي عن أكل الشجرة، فأراد التحرر من أسره واكتشاف الحقيقة بنفسه، فبدأ تلقائيا يدرس أطراف القضية، ويضع احتمالات ممكنة لمبررات النهي، فانتهت هواجسه / الشيطان إلى أن النهي ليس نهيا تحريميا، بل هو حرمان من تكامل بشري، قياسا على الملائكة ومكانتهم: (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى). فسقط في فخ الحيرة والامتحان. هل يلتزم بالنهي أم يأكل الثمرة ويحقق آماله في الخلد وملك لا يبلى؟. أما بالنسبة للنهي، فتقول الآية: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا). سواء كان النسيان بمعنى عدم التذكّر، أو نسى ما ينطوي عليه التحذير من تداعيات. وبما أنه في بداية المعرفة فربما كان يعرف أنها منهي عنها، لكن لا يدرك مآلات النهي حداً تنقطع معها هواجسه وشكوكه ودهشته. فلجأ للتجربة سبيلا لمعرفة الحقيقة، بعد أن أخبره الشيطان أو هواجسه النفسية إنه أمام شجرة الخلد. فالتجربة كانت ثاني مصادر معرفته بعد الحس. فاتخد من التجربة دليلا لمحاكمة معارفه الحسية. وبهذا يتضح دور التراكم المعرفي في تطور المعرفة لدى الإنسان، وهو درس مهم جدا في قصة الخلق. وهنا آدم لم يكتف بالمعرفة الدينية ودشن التجربة دليلا لمعرفة الحقيقة!!. والكلام حول المعرفة، لا حول الخطيئة.

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com


 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

بورك القلم ...اثراء جميل ، دمت معطاء مع بالغ التحايا والتقدير

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

احترامي لحضورك مع خالص الامنيات

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

ابداع متميز واستنتاجات تكاد تكون جديدة لقراءة النص المقدس ومن المؤكد ان كتاباتكم القيمة هي كتابات معاصرة قد استوحيت من موروث قديم وارى ان تدعمون افكاركم بنصوص وكتابات سبقتكم في الطرح وقد تكونوا قد استفدتم منها لعصرنتها ومطابقتها للواقع لحل ازمة فكرية باسلوب معاصر يتلاءم مع الايديولوجية الحديثة
وهناك للاسف خطأ طباعي يبدأ بالسطر الآتي :
لقد مثّل آدم دور الطفولة البشرية، وكان استعدادا خالصا، ....
ولكنها مكتوبة بحروف اخرى تحتاج الى اخراج مرة اخرى وهذا ما ظهر عندي في الجهاز فعندما اخذتها استنساخ كالسطر المذكور انفا (لقد مثّل آدم دور الطفولة البشرية، وكان استعدادا خالصا،) ظهرت كلمات غير مقروءة وحين استنسختها عادت طبيعية ارجو ملاحظة ذلك
وادامكم الله كتاباتكم جريئة وافكاركم معاصرة تعالج حيرة الشباب وتطلعاتهم

فاضل الشمري / ابو علي البغدادي
This comment was minimized by the moderator on the site

سعدت بحضورك وتعليقك اخي الكريم الاستاذ الجليل فاضل الشمري / ابو علي البغدادي. شكرا لحسن ظنك وثقتك. بلا شك الافكار تتجدد والواقع يفرض نفسه، وللقراءات اثرها. اكرر احترامي وشكرا. اما بالنسبة للملاحظة فلا يظهر عندي اي خطا. تحياتي

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4912 المصادف: 2020-02-16 04:01:55