 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (153): فلسفة الخلق وتزوير الوعي

majed al gharbawi

خاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

منطق الخطيئة

اتضح أن النهي في قصة الخلق نهياً إرشاديا للآثار التكوينية المترتبة على أكل الثمرة، وبالفعل (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ)، فهو لم يرتكب عملا يستحق العقوبة عليه. وقد تاب الله عليهما، غير أن التوبة لا تسقط الآثار التكوينية، مما يستدعي فهم دلالات الخطيئة في إطار فلسفة الخلق، ومركزية الإنسان. حيث كانت مؤشرا على استخدام  العقل كشرط أساس لخلافة الأرض، وأنها سلوك بشري، يمكن تداركها بالتوبة التي تعني الندم والاقلاع عن الخطئية بسلوك قويم. وهذا ما فعله آدم: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى). بلا شفاعة ولا واسطة، بل قضية خاصة بين الإنسان وربه أو بينه وبين نفسه. الشفاعة لا تُسقط الآثار التكوينية المترتبة على ارتكاب المعاصي، ولا علاج لها سوى تداركها بفعل يقوّم سلوك الفرد، كي يواصل مسيرته. ويفترض أن لا يستغل من قبل رجال الدين، لكنه استسلم لغوايتهم، وسقط أسيرا للعبة الشفاعة. وبالتالي يفهم من القصة أن العقل والحرية والإرادة يقابلهما وسوسة النفس البشرية / الشيطان، وثمة عداء ينشب ما لم يتدارك الإنسان نفسه. وكل عنصر من هذه العناصر سيكون ضروريا لاكتمال المشهد البشري، أو مسيرة الإنسان التي هي مسيرة تضاد وصراع دؤوب بين الخير والشر. الحق والباطل، وليس صراعا طبقيا ماديا فقط. ولما تاب الله على آدم، طالبه بالخروج من الجنة لتبدأ مرحلة الخلافة على الأرض، وقد بين له أو غرز في فطرته حتى قبل بعثة الأنبياء حتميات دينية: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). بهذا رسمت الآية ضابطة، حددت دور الهداية عنصرا فاعلا لتقويم سلوك الإنسان، وتركت له حرية الحركة واتخاذ ما يراه مناسبا. فوفقا للآية بات الإنسان يعي ذاته ويعي ثمة محددات لسلوكه بعضها يمكن للعقل البشري إدراكه فطريا، وآخر يتوقف على وجود هداية وقيم أخلاقية. وهناك هداية داخلية يعبّر عنها بالفطرة أو العقل الباطني، ويعني بها الخطاب القرآني قدرة النفس البشرية على التمييز ما لم تحيطها الوساوس. إضافة إلى مصادر معارفه الطبيعية: الحس والعقل والتجربة والخطاب الإلهي (والأخير وفقا للنظرية الدينية التي تجعل منه مصدرا للمعرفة). فالله في قصة الخلق يشير للخير مطلقا كما أن الشيطان يشير للمراوغة والتحايل على النفس البشرية، التي هي خليط من النزوات والرغبات، تعلو وتهبط: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّ)، ومن جهة أخرى فالنفس قادرة على تدارك نفسها من خلال النقد والمراجعة المستمرة، فتجدها تلوم صاحبها وتسعى لتدارك ما صدر منها: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)، شريطة التحرر من نوازع الشر، التي لها انعكاساتها السلبية على الإنسان وفقا لقوله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ). فتصل النفس حد الانغلاق: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). فعبّرت الآية ضمن قصة الخلق عن الخير بانتسابه لله، ينبغي الإلتزام  به أو تحمّل عواقب مخالفته، لإحاطته بكل شيء: (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ). فالأوامر والنواهي تابعة لملاكاتها، وعندما نهاه عن الشجرة، فثمة مصلحة وراء نهيه، وآثار تكوينية لم يدركها آدم.

ثم الخطيئة في بعدها الثالث خط تمايز بين المقدس والمدنس، فقبل اقترابه كان آدم كائنا ملائكيا مؤهلا للعيش في الجنة، التي ترمز للكمال الإنساني المجبول على الطاعة وعدم اقتراف المعصية. وبعد اقترابه منها أصبح مؤهلا لعالم آخر يمارس فيه حريته، ويواصل سيره التكاملي. كما أن ارتكاب الخطيئة تجاوز لخطوط القداسة الإلهية، التي تمثلت بآوامره ونواهيه. كما أنها تفرز المؤمن عن العاصي، وقد اختلفوا حول مرتكب الكبيرة، هل هو كافر أم لا. فإن الالتزام الواعي وفاء لقدسية المقدس، يلزم منه السمو والرفعة، بينما ينتج عن الخطيئة الاستبعاد عن ساحة القداسة. فنخلص أن خطيئة آدم / الإنسان تضمر ثلاث دلالات:

1- الخطيئة، بمفهومها اللغوي: ارتكاب ذنب يستحق العقوبة، سواء عقوبة تشريعية أم تكوينية.

2- الخطيئة كدالة على نضوج العقل البشري، بعد خروجه من ملائكيته ليغدو إنسانا يتحمل مسؤولية عمله.

3- الخطيئة باعتبارها مائزا بين المقدس والمدنس، بين الملائكي والبشري.

يفهم من قصة الخلق أن آدم لم يُخلق ليعيش حياة مثالية بلا جهد ولا شقاء، بل خُلق ليصنع جنته بيده، ويسمو بجهده ومجاهدته، ويرقى لمنزلة تحسده عليها الملائكة: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ). فهو مخلوق لحياة دنيوية وستأتي دلالات القصة رمزيا.

الخطيئة والفكر الديني

لا تختلف الديانتان اليهودية والمسيحية عن القرآن حول جوهر قصة الخلق، فآدم والخطيئة عناصر أساسية فيها، غير أن الخطاب الكنسي شيّد قاعدة الاعتقاد المسيحي على مفهوم الخطيئة. وأن البشر قد توارثوا خطيئة آدم، وأرجعوا ضمن متبنياتهم العقدية كل شيء للخطيئة، وما من ظاهرة سيئة إلا وسببها الخطيئة الأولى، هكذا الحال بالنسبة للأوبئة والكوارث الطبيعية والحروب فهي عقوبات، يمكن دفعها بالاعتراف بين يدي الكاهن، وشموله ببركته بعد شراء صكوك الغفران ومشاركة المؤمنين طقوسهم، وحضور القدّاس في أيام الآحاد. وهو مبدأ الوساطة بين العبد المذنب وربه، فالكنيسة وبابا الكنيسة وسيط بين الله وعبده، ووسيلة لغفران الذنوب، ولا طريقا آخر للخلاص. فغدا الفرد يلهث لضمان رضا الله بشراء صكوك الغفران والانهماك بطقوس الكنسية. فكانت قداسة الطقوس قد وفّرت للكنيسة مصدرا ماليا راكم ثروات هائلة اختصت بها الكنيسة ورجالها.

تعتبر العقيدة الكنسية أن سبب خطيئة آدم ما خرج من أعضائه الجنسية، وراح بعد أن أكل من الثمرة يستر عورته. وخطيئة آدم موجودة لدى كل إنسان يضمر شهوته، وقد ولد من "منيّ يمنى"، باستثناء عيسى الذي لم يولد من سائل منوي. لذا لا مخلّص سواه. وللخطيئة في الفكر الكنسي مستويات، بعضها بسيط وبعضها قاتل، وبينهما من الكبائر. ومكمن الخطر في هذه العقيدة أنها تحمّل الإنسان وزر عمل لم يرتكبه ظلما وعدوانا، ولا يعرف عن تفاصيله شيئا. كما أنها تكرّس عقدة الذنب لدى الإنسان، وتقتل فيه روح التفاؤل والأمل، ويصبح الذنب مهما كان بسيطا شبحا يقوض طمأنينته. وما من كارثة إلا وسببها الذنوب، وكل شر يلحق به بفعل ارتكاب المعاصي. وهذا اللون من التفكير قد قتل روح التطلع للحقيقة واكتشاف الأسباب الحقيقية للأمراض. غير أن النهضة الأوربية بدأت حربا ضد الفكر الكنسي ومحرماته، فشقوا طريقا للعلم والمعرفة وانتصروا على خرافاتها.

كما أنها تكرّس سلطة الكنيسة ورجل الدين، وتجعل منهما الممثل الوحيد للرب، وواسطة خلاص ثمنها استعباد الإنسان وارتهان إرادته وتفكيره، خاصة أن الكنيسة تحتكر تفسير النص المقدس، وتوظفه لتكريس مصالحها، وأهدافها، ومشاريعها، بهذا الشكل توغّلت الكنيسة وحكمت قرونا طويلة، وزجت الشعوب في حروب دينية طويلة، راح ضحيتها خلق كبير.

وقد سادت الكنيسة الكاثولكية الديانة المسيحية حتى انشقاق البروتستانتية التي كانت ثورة ضد العقيدة الكاثوليكية، وتعاليم البابا، ودوغمائيات الكنيسة، تعود أصولها إلى حركة الإصلاح في القرن السادس عشر، وكان هدفها إصلاح الكنيسة في أوروبا الغربية، على يد مارتن لوثر. وأبرز مقومات فكر البروتستانت اللاهوتي هي:

- الخلاص هبة إلهية تتأتى بالإيمان بيسوع المسيح المخلّص، ولا يتأتى من الكنيسة وطقوسها.

- لا يتوقف الغفران على عمل صالح أو تكفيري، كمباركة البابا وصكوك الغفران وغير ذلك من طقوس الاعتراف والتكفير.

- رفض احتكار الحقيقة وسلطة تفسير النص بالكنيسة الكاثوليكية واعتبرت تفسير الكتاب المقدس أمرا متاحا للجميع.

- أن الكتاب المقدس المصدر الوحيد للمعرفة الدينية، وبهذا سلب اللاهوت الكاثوليكي سلطته وقدسيته، باعتباره تفسيرا بشريا للكتاب.

- أن جميع المسيحيين يتمتعون بدرجة الكهنوت المقدسة، ولا خصوصية لسلطة الكهنوت.

- إباحة الزواج وممارسة الجنس للقس.

وبهذا الشكل حررت البروتستانتية العقل المسيحي من سلطة الكنيسة، وارتهانات الإيمان اللاهوت الكاثوليكي ليعيش الفرد إيمانه منفردا بعيدا عن أية سلطة دينية. وبالتالي فالخطيئة كانت أس العقيدة الكاثوليكية، ونفي تداعياتها أس العقيدة البروتستانتية.

في مقابل الخطاب الكنسي هناك الخطاب القرآني الذي ينفي وراثة الخطئية: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). ويبقى الإنسان مرتهنا لعمله وفق ضابطة قرآنية: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). فسواء عمل صالحا أو سيئا هو المسؤول عن عمله، ولا يؤخذ أحد بجريرة غيره، مهما كانت درجة القرابة بينهما. (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى). ولم يكلف الله الإنسان أكثر من طاقته: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)، وقد اعتبر فقهاء المسلمين القدرة على الفعل شرطا في فعلية العبادات والتكاليف الشرعية.

الخطيئة والعقوبة الإلهية

مع كل كارثة تحل في العالم ينقسم المسلمون حول تفسيرها، بين من يعتبرها كارثة طبيعية ومن يعدها عقوبة إلهية، ويبقى الجدل محتدما بانتظار كارثة جديدة. وبعض ممن يقول بالعقوبة لا ينكر الأسباب الطبيعية، لكن تبقى عقوبة ومؤاخذة دنيوية بما كسبت أيدي الناس،.يستدلون على ذلك بمجموعة آيات، مما يجعل الأمر ملتبسا، بحاجة إلى تحري مداليلها. وهل العقوبة سنة كونية أو إلهية، وكيف تفسّر الآيات التي اعتبرت الكوارث عقوبات إلهية؟.

وتقدم أن الخطاب الكنسي قد سبق المسلمين بتفسير الكوارث وما يحل بالناس بأنها عقوبات إلهية، يمكن دفعها بالاعتراف وضمان تكفيرها بشراء صكوك الغفران. وبشكل عام جميع الأديان تشير لذلك بشكل وآخر. مما يعني توقف فهم الحدث على فهم النص الديني.

عندما نعود لآيات الكتاب وأحكام الشريعة نجدها تتحدث عن أربعة أنواع من العقوبات:

1- دنيوية فقط: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

2- أخروية فقط: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)، (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ).

3- دينيوية وأخروية: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

4- عقوبات جماعية: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). وهناك آيات تفصّل ما حدث كما بالنسبة لقوم نوح وصالح وهود وسبأ: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ، فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ).

واضح أن العقوبات الدنيوية عقوبات تشريعية، كأحكام السرقة والزنا والقتل، لا تسقط وهناك تفصيلات مرّت بنا. وأما المؤاخذات الأخروية فهي أيضا جزائية: (ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا). لكن قد يشملها العفو الإلهي. فكما هناك جزاء للكافر هناك جزاء للمؤمن: (أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).

وفي جميع الحالات فهي عقوبات مشرّعة، يتوقف ثبوتها على وجود نص صريح بشأنها، لا يمكن القياس عليها، كأن تقطع يد الزاني مثلا. فالحكم وموضوعه كلاهما محدد. لذا يلجأ القاضي حينما يريد قمع المعارضة السياسية إلى آيات مرنة في مفاهيمها، كمفهوم محاربة الله ورسوله، ومفهوم الفساد في الأرض، وكلاهما يجيز هدر دم الجاني. والجناية هنا مرنة، يمكن للحاكم الشرعي البت بها وفقا لأيدلوجيته، فيعتبر المعارض السياسي مفسدا في الأرض في مقابل شرعية سلطته مطلقا، كما في الدول الدينية: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). لذا أدعو دائما لوجود ضوابط صارمة لتحديد مفهوم المحارب لله ورسوله ومفهوم الفساد في الأرض وأن لا تبقى الآية عصا لقمع الرآي الأخر.

وأما بالنسبة للعقوبات الجماعية التي وردت فيها مجموعة آيات فهي ليست من صنف الأحكام الشرعية، بل حلول كارثة كالزلازل ومطر السوء والأمراض والسيول: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ). فهل هي  حتمية تكوينية أو قانون تكويني، تتوقف فعليتها على فعلية موضوعها. أو لا هذا ولا ذاك بل سنة إلهية، كما في قوله: (وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً، سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً).

ذهب الذين قالوا بالعقوبات الإلهية إلى وجود بعد آخر في  الكارثة هو تخويف الناس (يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ). فتكون من قبيل الفتنة (أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ)، تأتي من باب التنبيه، لعلهم يعودون لله ويتوبون. أو تأتي اختبارا لإيمان المؤمن، فيكون بديلها أجرا عظيما: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ). وهناك آيات استدل بها القائلون بالعقوبات الإلهية، كقوله: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ). (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا). (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ).

وهنا ملاحظات مهمة تتضح من خلالها الإجابة:

أولاً: إن الكون ومساره منضبط وفق سنن تكوينية، وقوانين كونية صارمة، حتى في مفاجآتها، فتجد ثمة أسبابا وراء كل حادثة، كالمنخفضات الجوية، والتيارات الباردة في طبقات مرتفعة تتسبب في غزارة الأمطار أو حركة الغازات داخل الأرض. وحتى غير المكتشفة منها. فاليوم يلعب الاحتباس الحراري دورا سلبيا في تغيّر المناخ ورفع درجة حرارة الأرض. أو التجارب النووية والبايلوجية التي تركت آثارا تكوينية، فيصدق عليها قوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). فما تطرأ من آثار تكوينية يصدق عليها مفهوم الفساد، وهي بما كسبت أيدي الناس، حينما لا تراعي الدول الكبرى مصالح الشعوب، وتغامر لاختبار أسلحة محرّمة على حساب صحة الناس. أو تستمطر السماء كيمياويا فتغرق أراضٍ واسعة وتسبب في موجة من السيول، أو تستخدم أسلحة تبيد البشرية. وكل هذا بات متوفرا في ترسانات تلك الدول. فأي كارثة تحصل بسبب الإنسان يتحمل وزرها، بعيدا عن العقوبة الإلهية، ويصدق أنها فعله. كمن يطلق النار على نفسه ويموت،  فهنا لا توجد عقوبة  إلهية بل هي حتمية لإطلاق النار. فالكوارث قد تحصل بسبب الإنسان، ولا علاقة للعقوبة الإلهية بها، لأن آثارها تقع ضمن حتميات تكوينية، خارجة عن إرادته. وبالتالي: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ).

ثانياً: إن الكوارث التي حلت بأقوام سابقة بسبب كفرهم ومحاربتهم للأنبياء والرسل يتوقف تصديقها على الإيمان بالله وبكتابه، فتختص بها ولا يمكن القياس عليها، لأن تشخيصها ومعرفة موضوعاتها يحتاج إلى كشف تام، يختص به الله المحيط بكل شيء والعالم بكل شيء. بمعنى أدق أن حصول الكوارث يتوقف على فعلية أسبابها التكوينية، وعندما يكون السبب غير تكويني كالموقف من الرسالات، فيحتاج إلى دليل قرآني صريح في مورده كي نرفع به اليد عن الأصل. وفي هذه الحالة لا يخترم القانون الكوني، بل ربما سرت الأمور بموجب قوانين نجهلها.

ثالثاً: ما يؤكد خصوصية تلك الحالات التي ربطت بين الكفر والكوارث قوله: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ). وبهذا لا يجوز تفسير أية كارثة طبيعية بالعقوبة الإلهية، مع وجود آية تنفي أي عذاب جماعي: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). وهاتان الآيتان آيات محكمة صريحة لا لبس فيها، فتكون حاكمة على الآيات المتشابهة وفقا للمنطق القرآني: (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ).

رابعاً: لا شك إن كل شيء يجري وفقا للمشيئة الإلهية، وأن الخالق هو علة العلل، لكن ذلك لا يلغي تسلسلها، فعندما ينسب لنفسه فعلا من الأفعال، لا يعني حصوله من غير سبب تكويني. غير أن من  يقل بالعقوبات الإلهية يُسقط علل الحدث، والأسباب الطبيعية للكارثة. وأيضا لا يمكن تعميم الأسباب والمسببات، ولا تفسير أية كارثة على أنها عقوبة إلهية ما لم يستدل بآية صريحة، وهي مفقودة بالضرورة.

خامساً: يبقى مفهوم الوحي قضية حاسمة في هذه الأمور، بين من يعتقد بإلهية القرآن لفظاً ومعنى، ويقتصر دور النبي على التبليغ والبيان، وبين من يعتقد أن القرآن وحي، كما تنص الآيات، وما موجود بين دفتيه فهم بشري للمعنى، فيخضع لشروطه الموضوعية، وحينئذ يختلف تفسير الكوارث بين الإخبار والتفسير. ففي الحالة الثانية يكون تفسيرا بشريا لما حدث، بعد وقوعه. ولا يقدح هذا اللون من فهم الوحي بقدسية القرآن وإلهية مضامينه.

وبالتالي، ثمة أبعاد مضمرة في قصة الخلق، وتوظيف للنص لغايات أيديولوجية، ينبغي ملاحقتها ونقدها.

يأتي في الحلقة القادمة

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

جهود خلاقة ورؤية حداثوية تكسر الأطر التقليدية المتوارثة ...بوركت الجهود

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر الاستاذ ماجد الغرباوي المحترم تحية طيبة

في صحيح البخاري باب الانبياء : في يوم القيامة احتج موسى ادم وقال له انت ادم الذي خلقك الله وبث فيك من روحه واسجد لك ملائكة السماء واسكنك الجنة وعلمك الاسماء جميعا ثم اهبطت الناس بخطيئتك الى الارض فرد ادم.. أأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته واعطاك الالواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت قد كتب في التوراة أن ادم عصى ربه قال موسى باربعين عاما قبل ان تخلق فقال ادم افتلومني على عمل قد كتبه الله عليّ قبل ان أخلق . فهذا يدل على ان المشيئة الالهية سبقت ارادة ادم فأخرج من الجنة وهبط الى الارض دون ارادته وانما بارادة وفعل ومشيئة الله تعالى هذا مجرد مثال وانا مقتنع جدا بمبرراتك وادلتك العقلية التي طرحتها من خلال هذه السلسلة الفكرية .
اما قولك: ان الاحتباس الحراري له دورا سلبيا في تغيّر المناخ ورفع درجة حرارة الأرض. أو التجارب النووية والبايالوجية التي تركت آثارا تكوينية، فيصدق عليها قوله: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). فما تطرأ من آثار تكوينية يصدق عليها مفهوم الفساد، وهي بما كسبت أيدي الناس، حينما لا تراعي الدول الكبرى مصالح الشعوب، وتغامر لاختبار أسلحة محرّمة على حساب صحة الناس .
في السابق لم تكن هناك تجارب نووية ولابايالوجية لماذا عُوقبت تلك الاقوام بالزلازل والفيضانات والرجز من السماء وغيرها وكما جاء في القرأن
(( وامطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين )) الشعراء ١٧٣ قوم لوط (( فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة انه كان عذاب يوم عظيم )) الشعراء ١٨٩ قوم شعيب (( فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين )) ٣٧ العنكبوت قوم مدين كما جاء في القران الكريم فهل هذه الاية تختص بالحاضر والمستقبل دون الماضي .


ودمتم بخير وعافية

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بك دائما الاخ الجليل ابا سجاد. شكرا لتفاعلك مع كتاباتي. بالنسبة للثانية لا تحصر المفهوم في مصاديق مرت بل يبقى المفهم يتسع لحالات جديدة فتكون قاعدة، وهي تتكلم عن الاثار التكوينية. اما ما ذكرته من ايات فقد ذكرت ان هذا النوع من العقوبات لا يعلم حقيقته الا الله، لانه يحتاج كشف تام لموضوعه، وهو ممتنع على غيره بالضروة. فلا يمكن قياس ما وقع بانه عذاب. ليس لنا دليل جازم، لاننا بحاجة لجزم ومن يجرأ على الله ويقول هذا غضبه او عدم غضبه. فاية الفساد عامة، تصدق دائما. ام الايات الاخرى فكل واحد بحاجة لدليل قرآني يمكن تصديقها.
واما بالنسبة للرواية، فيكفي في ضعفها انها تتحدث عن قضايا غيبية مستقبلية يوم القيامة، وهذا ليس ممكنا وتوجد اية تنفيه مفادها ان الله يسال الانبياء اانتم قلتم للناس هكذا ؟ اضافة الى ضعف سندها. وهل من المعقول ان نبي بمنزلة موسى لم يكلم الله احد غيره، يسال هكذا اسئلة؟
تبقى اراؤك محترمة، دمت بعافية

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4919 المصادف: 2020-02-23 06:20:57