 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (154): فلسفة الخلق بين نظريتين

majed algharbawiخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

ماجد الغرباوي: إن الفهم التراثي للقرآن، والجمود على ظواهر الآيات، بات عبئا على الوعي العقلاني، وتسبب في كوارث دموية نسبت للدين. مثاله تمسك الحركات الإسلامية المتطرفة بآيات القتال، رغم عدم فعلية موضوعاتها، وانصرافها لقضايا خارجية محددة، فأهلكوا الحرث والنسل. ومثلها، تمسّك العقل التراثي بظواهر آيات تكرّس الاتكالية والتنصّل عن المسؤولية عندما تنسب الفعل لله، كقوله: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا)، (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا). فيبدو الإنسان وفقا لهاتين الآيتين مجبرا، لا مخيرا في أفعاله وسلوكه، وبالتالي فهو غير مسؤول عنهما، باعتبارهما أمرا إلهيا مكتوبا لا يمكن مخالفته، فيقع الفعل مهما كان قبيحا تحت إرادة خارجة عن إرادته، فلا معنى لمؤاخذته. وقديما أستُغل مفهوم الجبر من قبل الحكومات الاستبدادية القديمة التي ترى في الملوك آلهة أو ظلاً لها أو خيارها. ثم استغل الحكم الأموي ومن جاء بعده، الجبر لتبرير سلوك الخليفة، والارتفاع به فوق النقد والمحاسبة، في الدنيا والآخرة، بعد أن أصّل له المتكلمون، وغدا من مسلمات العقل التراثي لطيف واسع من المسلمين. فالتراث المثقل بالتبعية والاستبداد ليس أقل خطرا حينما يعطّل العقل، ويشل إرادة الفرد والمجتمع، ويكرّس التخلّف باسم الدين وآيات الكتاب. قرأت لطبيب أمريكي يتحدث عن تجربته في المستشفيات السعودية، يقول: عندما كان يموت شخص، أسأل، ما سبب وفاته؟ يقولون: جاء أجله من عند الله ومات. فأسألهم ثانية، لا بأس، لكن ما سبب موته؟ وما طرأ عليه قبل وفاته، فيردون: لا اعتراض على أمر الله. لقد جاء أجله ومات!!!!. ثم أخذ يقارن الوضع في المستشفيات الأمريكية، وكيف يدرسون حالة المريض للبحث عن أسباب الوفاة، لتداركها في المرات اللاحقة. فجواب الموظف السعودي، جواب عقل تراثي منغلق، أدمن التلقي، بعيدا عن العقل والنقد. إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وقد مرّ التفصيل كيف يمكن تحديد الملاك من خلال مبادئ ومقاصد الجعل، والتفصيل في محله.

مَن لا يعرف حقيقة العقل التراثي، يدين النص القرآني، ويحمّله مسؤولية تخلّف المسلمين، وهذا تسرّع، ما لم يدرك آياته، وفق منطقه الداخلي. فثمة آيات محكمات، تحدد فهم المتشابه منها. كالآيات التي تصفه: "ليس كمثله شيء"، وحينئذٍ أي قياس بشري لصفات الله وأفعاله يتقاطع مع آيات الكتاب المحكمات. وكذا الآيات التي تقول: إن كل شيء خُلق بقدر، وكل شيء قدرناه تقديرا. وهي آيات تعكس صرامة الأنظمة والقوانين الكونية. وبالتالي ما ينسبه الله له، لا يلغي علله المباشرة والثانوية، وعندما ينسب خلق الإنسان له، يؤكد أيضا مراحل خلقه صريحا كي لا يلتبس الأمر على المتلقي، فهو علة أولى، تنتهي إليه جميع العلل، وبإمكانه أن ينسب الشيء له أو لإحدى علله. فكل الأمور تسير وفق سننها وقوانينها، سواء سنن إلهية أو تكوينية. يؤيد هذا المعنى قوله: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا). فالآية هنا لا تتحدث عن الحسنة والسيئة بما هي فعل بشري، لأن كل نفس بما كسبت رهينة، وكل إنسان يوم القيامة مرتهن لعمله، فلماذا يحسابه أساسا إذا كانت الحسنات والسيئات من عند الله؟ لكن الآية تتحدث عما هو أبعد من ذلك، لذا لم تقل: ما لهؤلاء القوم لا يعلمون أو لا يعرفون، بل عبرت بـ"ما لهؤلاء القوم لا يفقهون حديثا". والفقاهة غير المعرفة والعلم الظاهري. تعني الفقاهة إدراك ما وراء النص، في إطار ذات المنطق القرآني. وفقه آياته، يتطلب عدة معرفية وأدوات تساعد على فقهه. فالآية ناظرة إلى الأسباب التكوينية، وتبقى الحسنة والسيئة فعلا مسؤول عنه فاعله. فالآية تقصد حتميات السنن والقوانين الكونية، فمن يُطلق النار على شخص يرديه قتيلا حينما تصيب منطقة حساسة في جسده كالقلب والدماغ. وهذه حتمية لا تتخلف، وعندما ينسب الفعل لله، فباعتباره علة أولى لجميع العلل، فيصدق نسبة الفعل له. أي نسبة ذات الحتمية الكوينية، لا عملية إطلاق النار، فهي إرادة شخصية مسؤول عنها فاعلها.  وبالتالي ما لم تفقه الآيات تنسب كل شيء لله، وتستدل عليه بهذه الآية وغيرها. وتُرمى بالكفر حينما تنفي الفهم المبتسر لكتاب الله وآياته. لست أدافع عن القرآن، بل أقاربه بمعزل عن العقل التراثي، في إطار رؤية مغايرة، تأخذ بنظر الاعتبار الهدف الكلي للدين، ومركزية الإنسان في الحياة، وردّ المتشابه من الآيات إلى المحكم منها، وفقا للمنطق القرآني، ودراسة موضوعات الأحكام وشروط فعليتها، والسعي لإدراك ملاكاتها ومصالحها. وكل هذا من خلال العقل والأدوات المعرفية اللازمة لفقه النص، المقدس وغيره.

ومن الآيات التي يحتج بها بعض الناس لتبرير سلوكه السلبي تجاه تحديات الطبيعة والحياة، هي: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا). فالآية ظاهرا تؤسس لمفهوم الجبر، وأن الإنسان مسير وفق ما كتب الله له. والكتابة سابقة على وجوده، فيقتصر دوره على تنفيذ إرادة الله في حسناته وسيئاته، وسلوكه وأفعاله. لا يبالي ولا يتحرز من الأمراض والمخاطر، فإنها ستصيبه إذا كانت مكتوبة عليه، ولا تضره إذا لم تكن كذلك، وهو وقوع آخر في فخ التخلّف، يكرّس الجهل والأمية واللامبالاة والبطالة والتنازل الطوعي عن العقل والمعرفة وترك الأمور على عواهنها، فيدان الكتاب من جديد. وهذه الآية تجدها على الألسن عند كل نائبة وكارثة طبيعية. وقد يغامر في المعركة وفقها ويقتل من جراء فهمه السقيم حينما لا يكون مستعدا لها بالطرق الصحيحة. ومن السهولة معرفة سذاجة هذا الرأي عندما تقرأ سياقها، فقد جاءت الآية في سياق المعركة بين المسلمين وقريش: (وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ، قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا). الآية تشير إلى السنن الإلهية والكونية التي تحكم سير الأحداث. فالرسول قد خسر معركة أُحد، وكاد يخسر حياته، عندما أنشغل المسلمون بالغنائم، وتركوا ظهورهم مكشوفة للعدو، فسارت المعركة وفقا للسنن الطبيعية، ألتف العدو وتوغل من ثغرة الجبل، فيجب أن ينتصر. والسنن لا تعرف نبيا أو شخصا عاديا، فهي قوانين صارمة تسري على الجميع. وعندما أخل المسلمون بتوازن القوى خسروا الحرب، وعادوا منكسرين. وهذا ينطبق على جميع الحتميات التي ذكرت في الكتاب. كقوله: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً)، عندما تكتمل شروطها، وليس مطلقا، فما لم تتسلح بالإيمان والصبر والثبات والسلاح والتدريبات اللازمة، لا تغلب الفئة الكبيرة، ولا تهزمها. فثمة سنن تتحكم بمعادلة الفوز والخسارة في الحروب. لذا مع تفاوت موازين القوى العسكرية لا يمكن الاستشهاد بالآية، كمن يريد محاربة الأسلحة المتطورة جدا بأسلحة قديمة، ارتكازا لهذه الآية. فيصدق هناك شرط مضمر في المعادلة القرآنية، مفاده: يجب أن لا يكون تفاوت موازين القوى مخلا جدا بالمعادلة العسكرية، فهنا تأتي الآية كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. حيث كانت الأسلحة آنذاك محدودة، والقوى الجسدية للمتحاربين متكافئة، أما بموازين اليوم فالأمر مختلف تماما، ولا فعلية للآية في المقام لعدم فعلية موضوعها وشروطها وقيودها. كمن يعرض نفسه لنيران كثيفة أو أسلحة كيمياوية بحجة لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. الآية لا تسلب عقل الإنسان، ولا تغامر به، وتتحدث عن شيء أعمق من ظاهرها، ينبغي إدراكه قبل الارتكاز لها.

كانت تجربة معركة أُحد قاسية استفاد منها النبي والمسلمون في معاركهم اللاحقة واستعدوا ولم يتقاعسوا بحجة لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا. فعندما تستعد لعدوك تكسب المعركة وفقا للسنن الطبيعية، وهي ما كتبه الله لنا نحن البشر. فإذا كان هناك جبر فهو جبر السنن الإلهية والكونية، وليس جبر الإرادة المباشرة، بمعنى وجود صحيفة أعمال جاهزة للإنسان يسير وفقها، لا يخالفها. بل يبقى الإنسان مخيرا في سلوكه، محكوما للسنن والقوانين الكونية. ويكون مسؤولاً عن عمله. فمفهوم كلمة "الكتابة" لا يسلب إرادة الإنسان، كما يشيع العقل التراثي متأثرا بالفقه السلطاني، الذي أصّل عدم محاسبة الخلفاء، فتمادوا بطغيانهم وظلمهم وجورهم. وهذا مبرر حديثي عن الآية، لأهميتها وارتباطها بموضوع الخطئية، التي وظفت بشكلٍ أدى إلى استغلال الناس واضطهادهم باسم الأديان. فنحن نسعى لتحرير العقل من بؤس التفسيرات التراثية، والانفتاح على العقل في فهم ما يدور حولها. المهمة الأساس للدين ترشيد وعي الناس، لا سلب عقولهم، فالدين يمثل النضوج العقلي ضمن شروطه الموضوعية، ويرقى بالإنسان إلى مستوى الاعتماد على النفس ومواصلة حياته من خلال عقله وتجربته. الدين لا يكون بديلا عن العقل. ويبقى دوره إرشاديا، حتى في أوامره ونواهيه، فقد يجد الخالق أن من مصلحة الإنسان العبادة للتوفر على مستوى من التقوى تقوم سلوك الفرد والمجتمع.

لا يخفى أن كلمة (كَتَبَ) ومشتقاتها كثيرة في القرآن، فقد تأتي للتوكيد

(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)، وهنا لا يشترط بالغلبة الغلبة المادية، فقط تكون مادية معنوية أو فقط معنوية. باعتباره قويا عزيزا، وقادرا على كل شيء.

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)، في جميع هذه الآيات تأتي كلمة كُتب بمعنى فرض. من الفرض والإلزام والوجوب.

(وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ)، يُحصي، يضبط، يسجل

(ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ)، (وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ). بمعنى الهبة والمنحة.

(كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)، أوجب على نفسه الرحمة بعباده وخلقه.

(وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً)، بمعنى العطاء، واعطنا

(أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ)، رسّخ وثبت، فتجلت آثاره سلوكيا.

(قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا)، أي ما قدره وقضاه من سننه الكونية والإلهية، فهي تسري على الجميع. لذا تجد القرآن يتدارك ما يترتب على السنن من خسائر، يتداركها بثواب أخروي. فعندما يتصدق المؤمن ويدفع حقوق الفقراء، فستنقص أمواله بالضرورة، وهي حتمية الإنفاق. تؤثر سلبا على الإنسان، فيصاب بالبخل، لكن الله يشجعه عندما يطالبه بعدم التبذير، وأن ينفق العفو من أمواله، أي الزائد والقليل، وله في مقابل إنفاقه ثواب الآخرة. فالنسبة لله رغم أنها سنن كونية، تأتي في سياق النظرية التوحيدية، التي تربط كل شيء بالله، ولأنه علة العلل، وعلة أولى. وهذا لا يلغي كونيتها وحتميتها، لذا يسعى العلم للكشف عن القوانين التي تتحكم بالظواهر الطبيعية، سواء كان العالِم مؤمنا أم ملحدا، فهو أمام منظومة قوانين يمكنه اكتشافها من خلال التجربة والدراسات الحديثة في الفيزياء والرياضيات. فالمسلمون ليسوا عاجزين عن الدراسات العلمية، غير أن ثقافة التخلف راسخة برسوخ الفهم التراثي لآيات الكتاب.

لا يمكن للمسلمين النهوض ما لم تتحرر عقولهم من سلطة النصوص والتراث، ويفهمون الدين ومقاصده وأهدافه وغاياته، بعيدا عن الروايات التي تعكس فهماً آخر، يمثل زمن الرواية بأبعادها المختلفة. فهي روايات محترمة إلا أنها تعبّر عن ظروف وبيئة وثقافة مختلفة. فللرواية ظروفها ولنا ظروفنا، وبإمكاننا العودة للكتاب الكريم وفهم رسالته فهماً صحيحا.

للأسف لم أجد من يهتم بآيات الخلق التي ترسم معالم هدف الرسالات والأديان، وهذا خطأ كبير في فهم الدين. بل وأحد أسباب جميع الانحرافات العقائدية والسلوكية، خاصة ما تمارسه الحركات الإرهابية باسم الدين والقرآن. وما تبثه حركات الغلو من ثقافات تكرس الجهل والأمية والتكاسل في الحياة الدنيا.

فلسنا بحاجة للروايات إلا بشكل محدود، وعلينا الاقتصار عليه، وعدم التمادي في التمسك بجميع الروايات، لأنها تعكس فهماً للدين والكتاب المبين في ضوء ظرفها، وحاجات وتطلعات زمن الرواية. ثم لا يوجد نص عدا القرآن وبعض الأحاديث النبوية الصحيحة فوق التاريخ، أو عابرة للتاريخ والأزمان، فلماذا الاصرار على التمسك بالتراث في فهم الكتاب، وهو نص مفتوح للقراءة والتأويل. وهذه ليست دعوة للقطيعة التامة مع التراث، بل التخلي عن التراث غير المنتج، الذي يكرّس التبعية والانقياد والتخلف، ويغلق آفاق التأمل في الكون والنفس البشرية: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ).

بين نظريتين

استعرضنا فيما سبق نظريتين حول أصل الإنسان وفلسفة الخلق، وهما النظرية الوضعية التي لا تؤمن بحياة ما بعد الموت، ولا بوجود فلسفة وراء خلق الإنسان، ويبقى الفرد مسؤولا عن مصيره وخَلاصِه، فشق طريقه وبنى حضارة بعيدا عن الدين. وهي تعتقد أيضا أن أصل الإنسان قرد، تبعا لدارون في كتابه: (سلف الرجل وعلاقة الإنتقاء بالجنس) المنشور عام ١٨٧١. في مقابل النظرية الدينية التي استغرقنا في تفصيلاتها، حيث تعتقد أن الإنسان مخلوق من طين، وأن وراء خلقه فلسفة وهدفا، ولم يأت للدنيا اعتباطا بل كان مخططا له في السماء. وهي تعتقد بمركزية الإنسان في الحياة، مثلها مثل النظرية الوضعية لكنها تختلف عنها جوهريا، حيث أن الإنسان وفقا للنظرية الثانية خليفة الله في أرضه، ليقيم العدل، وأن خلاصه يوم القيامة مرتهن لعمله، ثوابا وعقابا. أما النظرية الأولى فترتهن مصيره له، لذا كرّس جهده لتطوير حياته في الدنيا، بعيدا عن تعاليم الأديان باستثناء ما هو مشترك إنساني. ليس بالضرورة أن يكون موقفها سلبيا من الدين، لكنها لا ترهن مصيرها بمعارفة، بل وحتى لا تعد المعرفة الدينية جزءا من مصدار المعرفة. وتعتبر الدين قضية شخصية بين الإنسان وربه، وله حق ممارسة طقوسه وشعائره، دون المساس بالآخرين.

مازالت الجهود مستمرة لإثبات أو نفي نظرية دارون، وهناك جملة اعتراضات عليها، منها: لا أثر للأدلة الافتراضية، غياب الحفريات الوسطية، عدم تكرر التجربة، العثور على آثار بشرية تعود لملايين السنين وغيرها يمكن مراجعتها في مظانها. (أنظر مثلا: ويكبيديا). ومع ثبوت تطور الخلايا تصاعديا، فلماذا لا نفترض أن  كل نوع خُلق مستقلا، وحينئذٍ لا تضارب بين النظريتين؟ ولماذا الاصرار لى التطور والقفزات الوراثية، ولا يوجد دليل قطعي عليه لحد الآن؟. وكل هذا خارج عن الموضوع، وجاء استطرادا. لكن لو ثبت التطور بأدلة علمية، وثبت أن الإنسان ينحدر عن أصل حيواني، القرد أو السلالة الأعلى، أو حلقة مفقودة بين القرد والإنسان، فهل ثمة تقاطع بين النظريتين؟ وكيف نفهم الآيات الصريحة في المقام؟ وكيف تتقاطع المعرفة الدينية مع المعرفة العلمية؟. هذا ما سأتناوله في موضوع لغة الدين والقراءة التأويلة.

يأتي في الحلقة القادمة 

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

بعد تقديم ايات الشكر للأستاذ الغرباوي على هذا العراك التأويلي لمسائل لا تنتهي ما دامت الأرض تدور، و دورة الحياة و الموت و الاكتشافات مستمرة، اود ان اذكر نقطتين:
ا- عن الكتاب. لماذا لا يجب ان ندافع عنه و هو خلاصة لحكمة الانسانية في تلك الفترة. و بعيدا عن المماحكات. يتقاطع الكتاب مع اهم افكار التكرين في العهدين القديم و الجديد. و مع الكثير من توصيات المونوسمرتي كتاب الهندوس المقدس. و مع تعاليم كريشنا. و لا اوحي بوجود اقتباس و اننا تراكم معرفة انسانية لخصها الوحي و اعاد ترتيبها بهذا الشكل الذي قاوم الفناء لعدة قرون. تبقى المشكلة في طريقة القراءة و في التعنت بمعنى الالتزام و الأمانة خلال التفسير.
٢- لم يكن دارن انسانا احمق او قليل الخبرة و الدراية. و هو لم ينطلق من مشكلة الانسان و علاقته بالبرايمات. و انما تكلم عن اصل الانواع بشكل عام. و من وحيدات الخلية و الطيور و البرمائيات وصولا للثديات و الفقاريات. و كان له باع طويل في تحديد معنى التنافس على مصادر الضوء و الغذاء. و رؤيته لآلية تطاول الخلايا و تشكل النباتات العملاقة و الطويلة تنم عن نفاذ بصيرة لم يتوقف عندها احد. ان المعركة حول تقريد الانسان هامشية. و الهدف هو ضرب نظرية التطور و ليس اصل الانسان. و لنفهم دارن يجب ان ننظر له في سياق عموم الانواع بخلاياها النباتية و الحيوانية.
وهنا فكرة عن المخطط العام لنظرية دارون
https://ar.m.wikipedia.org/wiki/أصل_الأنواع
لماذا نهاجم دارون و نحتفل بابن طفيل الاندلسي و الذي ترك الانسان برعاية غزالة شاردة في الغابة؟..
و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ د. صالح الرزوق مرحبا بك، واهلا وسهلا. شكرا لتفاعلك وتعليقك. إن المنهج التأويلي لا يعني طعنا بالكتاب، بل فقها للنص بما هو أبعد من ظواهر النصوص، لتدارك ملابسات المتشابه من الايات. والقران قد اسس لهذا المنهج عندما رد المتشابه للمحكمة، مما يعني تأويل المتشابه في ضوء المحكم فلا تجاوز في البين، ويبقى الكتاب متعال، ومقدس بلا ريب.
كما ليس في الحوار موقف سلبي من دارون او من العلم بشكل عام، بل العكس هو الصحيح تماما. ومهما كان دارون ومنزلته العلمية فان مشروعه مازال في طور الفرضية وثمة اشكالات اساسية اشرت لمصدرها. كل ما في الامر انا في مشروع تنويري، ومهمتي البحث عن الاسباب الحقيقية للتخلف، ومعالجتها، واجد في الفهم المتداول لبعض الايات تكريسا له. ومسؤوليتي تقديم قراءة مغايرة، نرفع بها التعارض بين العلم والنص الديني. وهذا غير ممكن فلا تعارض بين المعرفتين في دائرتهما المشتركة. ويختص الدين بما هو غيبي فتكون حقائقه نسبية، مرتهنة للنص والفضاء المعرفي للمتلقي، وهو ما فصلته في كتاب النص وسؤال الحقيقة. شكرا لك ثانية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

بوركت الجهود ...إثراء كبير يستحق كل الشكر والتقدير ...سائلا الله لكم الصحة والسلامة والمزيد من العطاء

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

الله يببارك فيك ويعزك اخي الكريم، شكرا لمتابعتك

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الصديق الباحث الاسلامي الاستاذ ماجد الغرباوي

سلام من الله عليك ورحمة
بودي تبيان رأيك في موضوع الاختيار والاجبار فهل اختيار الانسان حالة
مطلقة في كل اعماله ام انها بين الاختيار والاجبار أم هوحسب ما موضوع له
في السنن ؟

خالص ودّي وتحياتي لك مع التقدير والاحترام

دمت في صحة وعافية

الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

خالص محبتي للشاعر القدير الاستاذ الحاج عطا الحاج يوسف منصور، سؤال مهم، بعد قراءته صارت لديه رغبة بتناوله مفصلا لوجود علاقة بموضوع الحوار. لكن لا ادري سافكر بالامر. هذا السؤال بات عميقا بعد تطور البحوث الفلسفية والفكرية حول المعرفة ودورها في توجيه وعي الانسان. بشكل عام أما الحرية فهي عندي من لوازم الوجود، بل حتى من ذاتياته الوجودية، فلا يصدق الانسان بدونها. فهو حر مطلقا من هذه الناحية، ثم عندما يبدأ بتلقي المعرفة يختلف الامر وتبدا ثقافته وخلفيته تؤثر في سلوكه، حدا يعتقد أن الصح ما طابقها والخطا ما خالفها، وهي تسوقه حيث تريد لا من حيث يريد. اعرف المطلب عميق لكن هذا بشكل مكثف. ثم تأتي السنن التي تحكم سلوك الانسان. فبالتالي هو حر مريد لا توجد اية ضغوط عليه حسب الظاهر، لكن هناك السنن خارجيا والقوانين والانظمة. وداخليا هناك ثقافته. شكرا لك التفاتة قيمة

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المفكر ماجد الغرباوي المحترم تحية طيبة .

نثمن لك هذا المجهود على ايضاح ما التبس على المسلم فيما جاء بالقرأن الكريم .
ولكن قد نعذر بعض المسلمين الذين يتمسكون بقداسة القرأن.. ابو القاسم الخوئي مثالا زعيم الحوزة العلمية في النجف اكثر من اربعين عاما عندما يتعرض لايات القرأن يصبح كأنسان بسيط وكأنه لايفقه منه شيئا بسبب هذا الموروث وهذه القداسة وحتى في شرحه لبعض ايات الغيب لم يقنع القارئ والمتلقي ولربما هو نفسه ايضا غير مقتنع .
وحتى رجال الدين للمذاهب الاخرى لايستطيعون تأويله لتمسكهم بحرفية القرأن ووضعوه داخل عقل مغلق بسبب الكثير من الايات التي يعتبرونها نص ثابت ولايجوز تأويله وبالفعل هناك كثير من الايات صريحة مثل . ( ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون ) المائدة ١٤٤
فهذه الاية مثلا تلزم المسلم ان يحكم بما امر الله به واليوم لانرى من يعمل ولو بجزء بسيط منها .
الربا مثلا نرى اليوم البنوك الاسلامية جميعها تعمل بالربى وهذه الجمهورية الاسلامية كما تدعي جميع بنوكها تعمل بهذا الربا .
وحتى الجزية من المسيحيين على ارضها لاتعمل بها وهذه السعودية ايضا تعمل بنوكها بالربا دون الالتزام بما جاء في النص القرأني وجميع البلدان الاسلامية بدون استثناء تعمل بهذا .
واية الزنا ايضا عطلت واية السرقة والجزية من اهل الكتاب هذه بعض الامثلة سقناها من اجل الايضاح فهؤلاء الاسلاميين المنغلقين على قداسة النص لايستطيعون تخطي هذه التشريعات التي الزموا انفسهم بها ونسوا ان الله سبحانه وتعالى هو نفسه يحدّث بايات القرأن من خلال الناسخ والمنسوخ بما يتناسب مع حركة الحياة وفهم الانسان .
اما مايتعلق بايات القتال فهي ايضا واضحة بلزوم قتال المشرك والكافر وحتى اهل الكتاب باعتبراهم اشركوا بالله عندما اتخذوا لله شركاء المسيح وعزير مثالا .
((وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا 89 النساء))

((سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُواْ فِيهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا 91))
وهذه الاية صريحة بحق اهل الكتاب .
((قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29).))
فبهذه الايات يتمسك بعض المسلمين ويحاذروا تجاوزها.
اما خلق الله الانسان من طين ففي اية اخرى يقول من ماء وهذا مما يشكل للمسلم التباسا في الخلق فلهذا نرى هناك اختلافا في التأويل والتفسير للقرأن من عالم الى عالم ومفسر الى مفسر وبهذا الاشكال مما يؤدي الى انغلاق العقل على النص خوفا من الوقوع في الخطأ كما في ايات القتال .

ودمتم في امان الله

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

ابا سجاد العزيز، شكرا لك دائما، وشكرا لمتابعتك بموضوعية واحاطة، مما ينم عن سعة اطلاعك. نحن بصراحة بحاجة لفهم جديد للدين، نفهم يعيد للعقل مكانته وللانسان مكانته، ونكف بالتعليق غير المجدي بالتراث، باعتباره وليد ظروف مختلفة ولنا مشكلاتنا وحاجاتنا. دمت طيبا معخالص الامنيات

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الغرباوي المحترم
التاريخ دوما بحاجة الى اعادة نظر..والنظرية النقدية التي تعالجها ل اليوم لهي عندي احسن وافيد من الف كتاب يؤلف من قبل جهابذة الفكر المنغلق الذين لا يؤمنون بصيرورة الزمن في التغيير..والنظرة النقدية تحتم عليك تفحص الثوابت حتى في مواجهة النص والرسول(ص) والخلفاء الراشدين وكل من حكم في دولة الاسلام بعد ان رافقها الخطأ منذ بداية التأسيس.وانت لا تهدف من دراساتك العلمية الواقعية التقليل من شأن هذا او ذاك بقدر ما تهدف الى اعادة ترتيب التاريخ وقراءة ما خلف السطور..والقرآن يمهد لك مثل هذه الدراسة التي تحسب لك ايها الفهيم..وسأكتب لك مستقبلا ما يعينك ايها العزيز..

د.عبد الجبار العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الباحث القدير د.عبد الجبار العبيدي، شكرا لشهادتك التي اعتز بها دائما. منهجي قائم على الموضوعية بغض النظر عن اية ايديولوجيا، وامامي اسالة قد لا يستطيع مقاربتها مسلم، حينما يعتقد أنها تفضي الى راي مختلف، يستهجنه العقل التراثي، ولا يبالي حينما يرميك بالكفر. لكني كباحث ساقارب هكذا قضايا وفقا لمناهج علمية، فما تناولته من قضايا حول العقيدة ربما بعضه غير مسبوق. اكرر احترامي وتقديري وشكرا لاهتمامك ومتابعتك

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4926 المصادف: 2020-03-01 01:43:17