 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (158): فلسفة الخلق وسياقات التأويل

majed algharbawi5احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

سياقات التأويل

ماجد الغرباوي: إن موضوعية الباحث شرط أساس في تفسير وفهم النص، وشروطها في الحقل الديني، هي:

أولاً: النأي عن إملاءات التراث والروايات التي تُسقط رغباتها على تفسير النص، وتقوّل القرآن ما لم يقله، وتسعى جاهدة لعصمة مصادرها، لتكتسب قدسية تحول دون مساءلتها. وأما حقيقتها فمراكمة شواهد قرآنية لإثراء الرصيد الرمزي في الصراع المحتدم بين الخصوم السياسيين وامتداداتهم حول أحقية الخلافة، فيفقد التأويل بعده الإيجابي المتمثل بموضوعيته. فاستبعاد التأويل السلبي بهذا المعنى شرط في فهم قصة وفلسفة الخلق، كالتصورات التي تختزل مفهوم "خلافة الإنسان" بالإنسان الكامل، المتعين ببضعة أفراد، وفقا لسياقات عقدية، تخضع الناس لرغباتها. بينما النص مطلق، لا قرينة على تخصيصه أو اختزاله بهذا أو ذاك. والكلام يدور في قصة الخلق عن خلافة النوع الإنساني، وما آدم سوى مصدق له.

ثانياً: عدم تبعيض النص تفاديا لأي انتقائية أو تحيّز أيديولوجي لا شعوري، يخرج المتلقي عن موضوعيته. فثمة سياق يحكم مشاهد قصة الخلق، وعلى الباحث استيعابه، في ضوء الهدف الكلي لوجود الإنسان ومحوريته.

ثالثاً: تقديم العقل والفهم العقلاني من خلال دراسة جميع العوامل المؤثرة فيه، رغم صعوبة الانسلاخ عن قدسية النص. ولازمه طرح جميع الروايات الدينية والتراثية التي تقدّم تفسيرات مسكونة بالخرافة واللامعقول والتأويلات الغرائبية. بل حتى التفسيرات المعتدلة والمعقولة يجب عدم  تعاليها، مادامت تعكس وعي المفسّر وقبلياته ومرجعياته، فتبقى نصوصا تنتمي لبيئتها وإكراهات العقل الجمعي. لذا ينبغي توظيف كافة المناهج الحديثة الممكنة لتدبّر القرآن وتأويله لتفادي أي تعارض بينه وبين العلم، وعدم انجراره للخرافة ومجافاة العقل والقيم الإنسانية الرفيعة. أو استغلاله لتكريس الاستبداد ومصادرة الحريات، وسلب الفرد إنسانيته وحيثيته. فينبغي بقاء النص مفتوحا لتأتي القراءة زاخرة بالتأويل، حينما تنقّب في أعماقه، وتكتشف طبقاته المتوارية في طياته. فما من نص إلا ويخفي عدداً كبيراً من النصوص والأنساق المضمرة. إن سلطة العقل لا تتجاوز سلطة النص بقدر ما تقدم فهما مغايرا له، وقراءة جديدة في ظل معطيات العلوم والمعارف الحديثة، فلماذا الحساسية المفرطة لدى الاتجاه التراثي من العقل واكتشافاته المعرفية؟.

رابعاً: ينبغي التمييز بين هدر القداسة وتعاليها. الأول يقطع النص عن سياقاته، ويهمّش سلطته. فقصة الخلق تبدو خرافة أو مجرد نص أدبي يمكن تأويله. أما تعالي النص أو قداسته فتعني كما مرَّ: "صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس". وأضيف ترابط النص وانسجامه مع فلسفة الخلق ودور الإنسان في الحياة. ولازمه أن  قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. وقد تقدم أن القداسة سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، تسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، ويخضع لا شعوريا لسلطته وقدسيته، باعتباره مطلقا. بل تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فتغدو القداسة حجابا يحول دون رؤية المتواري والمضمر في متاهات النص، حينما ينحاز للتبرير دون النقد والتفكيك. ويعود ثراء النص إلى ثراء دلالته، وإمكانيات تأويله، فيما يضمره ويستبعده، من خلال تقنيات اللغة وقدرتها على توظيف المجاز والتورية. كما تلعب قداسته دورا كبيرا في توجيه فهم النص، بحكم سلطتها وهيمنتها، حداّ يستبعد المتلقي كل ما يتقاطع معها، ويغفل عن كثير من الدلالات التي يمكن استدعاؤها لولا قداسة النص. ولعل في النصوص الغرائبية مثالا واضحا للفرق بين القراءتين، حيث يبالغ الباحث الديني في قداسة النص ومصدره، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته. بينما ينتزع الباحث المتحرر قدسية النص، ويرفض غرائبيته المستهجنة عقلاً ومنطقاً، ويتجاهل القضايا التي يتعذر اختبارها تجريبيا. فالعقل لا يتخلى عن دوره أمام المقدّس، ولا يكف عن أسئلته واستفهاماته. ويطالب بأدلة مقنعة يستدل بها على غرائبية النص. وبالتالي فالنص المقدّس يفرض حقيقته على الباحث الإسلامي، ويرغمه على الإيمان بها. بينما يرتهن الإيمان بقبول النص بالنسبة للباحث المتحرر على أدلته ومدى صدقيته ومطابقته للواقع ونفس الأمر.

شروط المنهج

هناك شرطان منهجيان لفهم دلالات النص الديني:

الشرط الأول: فهم النص ضمن الإطار العام للقرآن ولغته ورمزيته وتعاليه وقصديته، لا خارجه. وهذا لا يحد من حرية الباحث بل يمهّد لقراءة منتجة في ضوء منطقه الداخلي، فعندما يأمر القرآن برد المتشابه إلى المحكم من الآيات فهو يعترف ضمناً بعجز اللغة الدينية عن استيعاب المعاني المفارقة، فتأتي النصوص متشابهة، وليس أمام الباحث سوى الآيات المحكمة لاستنطاقها، تفاديا لأي تعارض بحكم التعارض القائم بين ظواهر الآيات، كما بالنسبة للآيات التي تجسّم الخالق مثلا، فتعكس صورة لجبار متغطرس، تشبيها بجبابرة الأرض، بينما الآية المحكمة تقول ليس كمثله شيء!، وحينما نرتكز لها نفهم أننا أمام آيات متشابهة فرضتها ضرورة اللغة الدينية لتقريب معنى مجرد لذهن بشري مادي، لا يدرك معاني الأشياء بعيدا عن مصاديقها المادية أو تمثّلاتها بينما يعجز عن إدراك القضايا الماورائية. فاشتراط التقيّد بالمنطق القرآني ينير الفضاء المعرفي للباحث الموضوعي، لتكون قراءته منتجة، لا تتراجع أمام استفاهامات القرآن نفسه. فكل تعارض ظاهري بين آيات الكتاب هو علامة استفهام أمام الباحث، وتحدٍ لمنهجه في تفسير الكتاب. وليس من حق الباحث أن يقوّل النص القرآني ما لم يقُل، لذا نحن لسنا مع شرطية حضور الروايات الدينية والتاريخية إلا بقدر ما يساعد على فهم أجواء الآية، ويبقى الباحث واجتهاده في فهمها وتفسيرها وتقصي الممكن من  آياته عقليا. فيكون العقل فوق النص، قادرا على مقاربته وفق شروطه. لكن هل العقل معيار لكل شيء؟ ومن ثم نقع في إشكالية ماهية العقل وأحكامه ومرجعياته ومدياته؟.

والجواب بما أن القرآن نص مفتوح للقراءة، ومن حق الباحث استنطاق آياته، شريطة أن يكون متمكنا من أدواته، خبيرا بلغة الدين، يؤمن بوجود قضايا نسبية ماورائية لا حقيقة لها خارج النص والفضاء المعرفي للمتلقي. يكون الإيمان بها متفرعا على الإيمان بصدقية النص ومصدره لا بدليل خارجي. فهي قضايا مفارقة غير خاضعة لأحكام العقل كي يبت في حقيقتها، وبالتالي من حق الباحث الحرث والتنقيب في الممكن من النص، دون المتعذّر لوجود امتناع ذاتي، كماهية الخالق وحقيقة الملائكة أو الجن. فهو عالم محجوب عنا، وعالم مفارق، ويبقى الإنسان حرا (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). ومن يرد مقاربة النص الديني يلتزم بشروط فهمه، مادام يتحدث عن قضايا غيبية مجردة ومفارقة، لا يمكن التحقق منها بأي دليل، سوى تكهنات وتمثلات. وقد أضاع اللاهوت الديني قرونا في مسائل دينية عصية على الفهم، لأنها قضايا مفارقة، الموقف منها هوالتسليم المطلق بالنسبة للمؤمن أو الرفض لغيره.

الشرط الثاني: القراءة التأويلية، المحكومة بذات المنطق الداخلي، لعجز اللغة المتداولة والعرفية عن استيعاب القضايا المفارقة والماورائية، وفهم الدلالات الرمزية للنص الديني. وهذا اللون من القراءة يتطلب التعرّف على طبيعة النص المقدس، هدفه، روحه الكلية، سياقاته التاريخية، علاقته بالواقع، كل هذا يبدو شرطا لفهم الدلالات التأويلية. التأويل لا يعني فقط إطلاق اللفظ وإرادة معنى مغاير لظاهره، بل يقصد به التوغل في أعمق النص لاكتشاف دلالات جديدة، تتناسب طرديا مع حجم ثرائه الدلالي، من خلال سياقاته وتحديد تقنياته اللغوية واكتشاف أسلوبه في تمرير رسالته. والغاية الأساسية هي الكشف عن مداليل النص، بما ينسجم مع إطاره الكلي وترابط آياته، خاصة النصوص القصصية كقصة الخلق، التي تنطوي على معان عميقة ترتبط بإنسانية الإنسان، ويخطئ من يحط من إنسانيته وعقله خلال تفسيره لها، إذ ثمة آيات محكمة وصريحة تعتبر محددات لفهم القصة كقوله وكرمنا بني آدم. وما تصرّح به ذات قصة الخلق بأن الغاية الأساس من خلق الإنسان هي خلافة الأرض، وهي منزلة عظيمة أن يواجه الإنسان بعقله وإرادته واستقلاليته تحديات الظروف، ويواصل تقدمه الحضاري.

تنبيهات ومقدمات

النص أي نص ليس منقطعا عن سياقاته التاريخية، ولا يتعالى على تاريخيته، لكن ثمة نظرة خاطئة، واضحة في المنهج الفقهي حينما يتعامل مع النصوص منفصلة عن سياقها القرآني والتاريخي، فلا يخرج عن التقليد دون الاجتهاد، لأن الثاني لا يقف على حدود المعنى اللغوية الذي يعني بذل الجهد لمعرفة دلالة الدليل الشرعي، بل يعني بذل الجهد لفقه النص ضمن سياقه التاريخي وظرف نزوله. النص جاء ليقدم رؤيته عن الواقع الموضوعي، فهو استجابة لسؤال واقعي أو مقدّر، لذا لا يمكن فهم قصة الخلق وتحريرها من سجون اللفظ إلا بهدر الفهم التراثي والسلفي، وتوظيف المناهج الحديثة لفهمه، فينبغي مراعاة ما يلي لمعرفة سياقات قصة الخلق وهدفها وغاياتها وقصديتها، فثمة قضايا مهمة، تصلح منطلقات أو مقدمات، تتوقف عليها القراءة التأويلية المنتجة، هي:

أولاً- تختلف نتائج أي مقاربة تأويلية لنصوص القرآن باختلاف مفهوم الوحي:

- بين من يرى القرآن وحياً من الله لفظاً ومعنى، وما الرسول سوى واسطة في النقل والتبليغ والبيان والتفصيل. وبعض يتسامح فيمنح النبي دورا محدودا كتعليم الكتاب. لكنه خارج مفهوم الوحي.

- وبين من يقصر الوحي على المعنى دون اللفظ. وما يوحى للنبي معاني الآيات دون ألفاظها. وهو ما يؤكده القرآن، أن ما يتلقاه الأنبياء وحي. وللوحي دلالاته بعيدا عن المباشرة والأصوات المسموعة، لوجود امتناع ذاتي بين الموحي والمتلقي / الأنبياء. (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ). وكان النبي يتلو فهمه للوحي، لا نقلا حرفيا لألفاظه ومعانيه. وفهم الرسول حينئذٍ فهمّ بشري يتأثر بقبلياته وثقافته وبيئتة. وهذا لا يخدش قدسية الوحي، ويسمح بهامش كبير لتقصي دلالات النص وعلاقته بالواقع. وبالتالي فأية قراءة لذات النص / القرآن تتأثر بقبليات القارئ وثقافته وبيئته وحجم التطور الحضاري، خاصة أن النبي كان يرتكز لثقافة المجتمع في تلاوته للكتاب، ولم يعمد لتفسيره إلا القليل من آياته. فالمرونة العالية صفة النص المقدس، مما يؤهل المتلقي لفهمه وفقا لثقافته وقبلياته، لكن لا يعني إسقاط رغباته على فهم النص. وبالتالي، لا جمودا على حرفية النص ولا خضوعا مطلقا للعقل التراثي، وسيكون الملتقي شريكا في فهم النص ودلالالته. وسبقت الإشارة: "يمكن تناول النص بمعزل عن مؤلفه، لاكتشاف إيحاءاته ومضمراته، وما يبدي ويخفي من دلالات، وإحالات مرجعية، مهما تعالى. لكن لا يمكن تجاهله عندما يتعلق الأمر بتحديد سلطة النص، لتوقف حقيقتها وفعليتها على معرفة مصدره. وهذا يختلف تبعا لزاوية النظر، ومضمون النص، وما يريد أن يقوله ويؤسس له... لا دلالة للنص وسلطته خارج الفضاء المفاهيمي للمتلقي. فينبغي للنقد، كي يكون نقدا معرفيا منتجا، أن لا يكتفي بتفكيك النص، وتحليل ثوابته، ومقوماته، ومعرفة طبيعة علاقته بالمتلقي، بل يجب عليه التوغّل أيضا في أعماق المتلقي، وتقصي مداراته المعرفية، وكشف تقنياته وأدواته في وعي النص، والأسباب المؤثرة فيه. فخلفية المتلقي لا تنفك عن النص وتقنياته في وعي حقيقته وسلطته.

- وثالث يعتقد ببشرية الوحي، وفي أفضل الأحوال عبقرية النبي أفضلأفشضأأ. يتعامل مع النصوص على أساس بشريتها، فتخرج لغة النص من كونها لغة دينية رمزية تتحدث عن قضايا مفارقة إلى لغة عرفية يحاكم على أساسها النص، فتبدو القضايا الغرائبية هلوسات، لا معنى لها، خارج التجربة والدليل العلمي، لا فرق بالنسبة له بين القضايا الممكنة والممتنعة ذاتا. وحينما يكون منصفا يقبل ما وافق عقله، دون الغيب وعوالمه. وتقدم أن الإيمان بعالم الغيب مرتهن بإيمان الشخص: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، فالتقوى مأخوذة شرطا في هدايته. ولا قناعة خارج الهاجس الديني والخشية من اليوم الآخر، فتجد الكتب المقدسة تؤكد على الجانب الشعوري لترويض تمرد النفس البشرية، وتهيئتها للإيمان بعوالم الغيب.

- ورابع يعتقد أن النبوة تجربة روحية، والوحي اشراقات تفتح للنبي آفاقا معرفية، وما يتلوه من آيات تجل لتلك الإشراقات. وهذا يختلف عن سابقه. الثالث، يعتقد ببشرية النبوة جملة وتفصيلا (وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلً)، وهو إشكال قديم عاصر نزول الوحي. وهنا الأمر يختلف فالقرآن ليس مدونة بشرية، وليست وحيا من الله للنبي، وإنما اشراقة روحية تطل على عوالم الغيب وتنهل من معارفها، كعالم الذر عند بعضهم، والعقل الفعّال عند غيرهم. وبالتالي فنتائج البحث تختلف باختلاف مفهوم  الوحي لدى الباحث.

ثانياً: أن قصة الخلق جاءت في سياق سؤال الوجود، الذي أرق الإنسان، وتركه في حيرة عبرت عن نفسها بقلق وجودي وسؤال الحقيقة الذي لازمه طوال حياته، للبحث عن نجاته وخلاصه، وفهم ما يحيطه وما وراء الطبيعة، فهو بحاجة ماسة لخطاب متعالٍ يرسم له طريق الخلاص. وعندما نمعن في قراءة قصة الخلق تلوح الأسئلة الوجودية، عندما يزيح الملتقي غشاوة ظواهر الألفاظ، ويتوغل بعيدا في أعماقها. فثمة عالم تتحدث عنه قصة الخلق، هي قصة الإنسان ووجوده على الأرض، وما هي المهمة التي تنتظره. وما لم تقرأ قصة الخلق في سياق الأسئلة الوجودية التي تناولتها، يجفو النص ويتمرد ويترك المتلقي نهما لتفسيرات تراثية، تجافي الحقيقة.

ثالثاً: ينبغي فهم قصة الخلق في ضوء الإطار الكلي للقرآن، والهدف الأساس من بعثة الأنبياء، وإمكانيات التأويل التي تستفيد من مرونة النص وثراء دلالاته، ليدور التأويل مدار هدفه. وعندما نتدبر مشاغل الكتاب الكريم نجدها تركز على: وجود الله، وحدانيته، واليوم الآخر، وهي خلاصة العقيدة الدينية التي استعرضتها آية: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ)، فيكون الإنسان محورها، وهذا تحصيل حاصل لا يحتاج إلى دليل، لأنه المقصود بالخطاب أساسا. فقصة الخلق نزلت في ظل مجتمع (كافر، وثني، مشرك، لا ديني، حنفي، ..) وكان النبي منذ أن صدح بدعوته دعا إلى الإيمان بالله ووحدانيته واليوم الآخر، الذي قد يبدو غير مهم لغيرهم غير أنه رهان وازع التقوى الذي هو هدف أساس للأديان، ضمن مجموعة أهداف. فالواقع يفرض نفسه، وهو ما يفسّر المساحة التي تحدثت عن وجود الله ووحدانيته واليوم الآخر. فلا يحق للباحث الابتعاد عن مشاغل القرآن في فهم النص، لأنك ستقوّله ما لم يقله وما لم يصرّح به، وهذا ما تفعله التفسيرات التراثية والطائفية التي راحت تركز على قضايا هامشية أو لا علاقة لها بقصة الخلق، كخلق حواء من ضلع آدم، والحية التي أغرته، والأسماء التي علمها الله تعالى لآدم، وطبيعة الجنة.

ثمة ملاحظة جديرة أيضا أن الآيات تعكس صراعا مريرا بين العقائد والأديان، وصعوبة إيمان قريش ومن حولها بوحدانية الخالق ويوم المعاد. أما الأول فلأن أغلبهم وثنيون، لا يجدون مبررا للتخلي عن أصنامهم وأوثانهم التي فيها عزتهم وتميزهم وشرفهم، والتوحيد يسلبهم إحدى خصائص التفاضل القبلي، الذي هو رصيد رمزي يصعب التخلي عنه، فهو قيمة اجتماعية فضلا عن قيمته الدينية والرمزية، لذا استماتوا في الدفاع عنها. وأما العدد الكبير من الآيات التي تحدثت عن اليوم الآخر فسببها عدم وجود أرضية وثقافة قبلية تؤهل للإيمان به. والفرد إبن بيئته ووليد ثقافته، وعندما يتقبل شيئا جديدا يتقبله بقدر ما يحمل حوله من ثقافة. واليوم الآخر كما يبدو لم يكن مطروحا ضمن المنظومة الدينية. الأصنام وجودات محسوسة يلجأ لها في حاجاته، يقدسها ويقدم لها قرابينه ونذوره، ويمارس في حضرتها طقوسه، فتنعكس آثارها الروحية والنفسيه عليه مباشرة، لا يوجد شيء مؤجل مه الثواب والعقاب، لأنها ترافقه دائما. بينما تحيل آيات المعاد على واقع غيبي، يتطلب استعدادا ثقافيا لقبلوله، لا بمعنى التصديق به فقط، بل الجزم والاعتقاد الذي يضبط الأداء السلوكي للفرد والمجتمع.

رابعاُ: ثمة تراث لاهوتي زاخر بنصوصه الدينية سبق نزول القرآن، لها رؤيتها الكونية وتفسيراتها الماورائية، وهي بجملتها تتقاطع مع دعوة النبي التوحيدية. بينهما عموم وخصوص مطلق، كما يعبّر أهل المنطق، فثمة نقاط التقاء، وهناك نقاط اختلاف. وكان الصراع على أشده حول احتكار الحقيقة وسبل الخلاص، ومن الطبيعي أن يثير الطرف الآخر أسئلة واستفهامات لاختبار مدى صدقية نبوة محمد، وأيضا من الطبيعي أن تكون له رؤيته الكونية لمظاهر الطبيعة وماوراء الطبيعة. فتأتي الآيات لتكذيب بعض ما يدعون وتصحيح بعضها الآخر، مع الإبقاء على المشتركات، كأرضية للتفاهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ). فقصة الخلق القرآنية تأتي في مقابل قصة الخلق التوراتية، لتصحيح مفهوم فلسفة الخلق. إذ المعلوم أن قصة الخلق في التوراة متهمة في انتسابها للوحي ولموسى النبي، لوجود تطابق بينها وبين قصة الخلق في الألواح السومرية، وقالوا إنها نسخة مترجمة من قصة الخلق البابلية. فالقرآن طرح رؤية تتضمن فلسفة وراء خلق الإنسان، وبيان مكانته ومحوريته ودوره الذي عبرت عنه القصة بالخلافة.

وبالتالي عندما نراعي ما تقدم سنتوفر على رؤية مغايرة لقصة الخلق.

يأتي في الحلقة القادمة.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (9)

This comment was minimized by the moderator on the site

فقط من باب المشاركة اود ان انوه لمعنى الموضوعية.
اي موضوع لا يمكن ان بنفصل عن طريقة فهمنا له. و بالتالي هي موضوعية مخصصة.
و هذا ما تؤكد عليه الأمسيومات.. ماذا تعني ان تبدأ من الصفر. و ما معنى ان تصفر مرحلة من مراحل العقل لتبدف مجددا من لا شيء.
لكل انسان ظروفه و هي ظروف نوعية و خاصة (موضوعية بمعنى انها وقعت فعلا) و لذلك اي ظاهرة وراءها سبب. و السبب ناجم عن عدة حالات تحدد اسلوب ظهوره في هذه اللحظة و في التاريخ ( هنا و الآن، و هناك فيما بعد).
و بعيدا عن هذه التعقيدات الألسنية و الوجودية التي اضفى عليها هيدغر شكلها المعروف لدينا، يمكن ان نصل الى مشكلة تأويل النص و منه المقدس او الديني.
التأويل له سياق و له موضع. بمعنى انه ساكن و متحرك.
و جهود الاستاذ الغرباوي تفيد بتخفيف هذه المتاهة و ارجاع غير المفهوم للمعروف في زمنه و اطاره.
ليس عندي امثلة اضيفها فهذا منوط بجهد الاستاذ الغرباوي. فهو الخيير بحيثيات النص الديني و سياقاته و مناسبة نزوله. او تجليه..
شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

المشكلة انني كنت اقرأ اليوم في كتاب لسالم حميش عن ابن خلدون و ذكر كيف ان الغزالي يهاجم التأويل لأنه محدود بنصه بينما الحدث ( الواقع العياني) غير متناه. و لا يمكن ان يحيط المتناهي بغير المتناهي.
و برأيي انه عكس الحقيقة. فالواقع بمجرد ان يحدث ينتهي. و النص يمكن ان ينظر له من عزة زرايا و يغنيه. الظاهريون لا يمكنهم أبدا ان يروا ماذا يوجد خلف المرآة و هذه مشكلتهم.

صالح الرزوق ٢
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة أستاذ ماجد وشكرا لزخم هذا العطاء الذي لا يلتزم سوى بقواعد المعرفة والتجرد لصوت العقل بعيدا عن كم ما ورثه العقل من ثراث يجمد حركة الفكر الحر الذي يبحث عن فضاءات أوسع .
وهنا أود أن أطرح سؤال ينسجم مع ما ذكرت من أن النبي ص لم يفسر آيات القرآن في الغالب لكي يحافظ على زخم ما يحمله النص من مرونة تفسير تمتمد مع حركة التأريخ المتجدد ، ومن هنا ترى بعض المدارس في الآيات المنسوخة حالة تشريع لم تتلائم مع عصر تأريخي محدد ، لذا نسخت بحكم الزمنية وأنها قابلة للتطبيق في زمن آخر قد يتناسب مع مادة ذلك التشريع .

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتعليق الاخ الاستاذ احمد مانع الركابي. وشكرا لمداخلتك. كما تفضلت ان النبي لم يفصر آيات الكتاب ليحافظ على زخم مايحمله النص من مرونة تفسير تمتمد مع حركة التاريخ. وقد اشرت في بحوث سابقا، لا يوجد نسخ كما هو الشائع للايات ونعم هناك موضوعات فعلية تتطلبا حكما فعليا، والعكس عندما لا يكون الموضوع فعليا، فلا فعلية لحكم الآية. ولكل اية موضوعها المحدد ولا تاخي ناسخة لاية تشريعية اخرى. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المفكر ماجد الغرباوي المحترم تحية طيبة .
وانا اتابع هذه السلسلة من مقالاتك الفكرية اكون في قمة المتعة والسعادة . واسمح لي بمداخلة لااريد من خلالها اطالة التعليق .
تقول حضرتك بين من يرى القرآن وحياً من الله لفظاً ومعنى.
وبين من يقصر الوحي على المعنى دون اللفظ.
ومن يعتقد ببشرية الوحي، وأنها اشراقات روحية. يتعامل مع النصوص على أساس بشريتها.
وهناك اشكال في ايات القرأن مرة يقول
((انه لقول رسول كريم ))
ومرة يقول
(( انه لقرأن كريم
في كتاب مكنون
لايمسه الا المطهرون
تنزيل من رب العالمين))
اليس هذا اشكال يضع المسلم في حيرة من امره
الاول يشير الى بشرية القران والثاني الى رب العالمين .
وسؤال اذا سمحت ما الدليل على ان القرأن من الله فجبريل يقول للرسول ص اني رسول من الله كيف يثبت انه حقا جاء من الله وكيف يثبت صدقيته قد يكون ملكا صالحا وقد يكون من الجن والجن له قدرات خارقة كما نقرأ عنه في القرأن فما هو الدليل على ذلك .

أبو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

ابا سجاد الاخ العزيز، شكرا لمتابعتك، سعيد لسعادتك، لا داعي للالقاب في مخاطبتي يا صديقي. المقصود بالرسول الكريم في اية: انه لقول رسول كريم، هو جبرائيل، وليس النبي محمد.
واما كيف استدل النبي ان القرآن من الله، وان جبريل هو الملك المرسل وليس الجن مثلا، فتعتمد على المعجزة، وتوقع ما لم يتوقع، واخباره بخصوصياته. وكل هذا بناء على ان الوحي وحي إلهي، وإلا فالكلام يتغير مع مفهوم الوحي، خاصة الرابع. تحياتي وسنواصل البحث، ولا رأي نهائي الى ان نصل اسئلة الوحي باذنه تعالى.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والاستاذ القدير ماجدالغرباوي تحية واحترام
امتنانا الكبير لجهودكم النيرة في التفسير والبحث والاستقصاء..
عندي سؤال يتعلق بقصة الخلق وهو اذاكان ادم ابو البشر واول انسان نزل على الأرض وادم كما نعلم يعلم الاسماء كلها اي انه ملم بعلوم السموات والأرض حسب الاية القرآنية"وعلم ادم الاسماء كلها ...البقرة ٣١
السؤال الذي يطرح نفسه من اين اتى الانسان القديم الذي تميز بالجهل والوحشية ؟
فاذا كان ادم اول انسان نزل على الأرض وهو نبي ويعلم كل شئ فمن هو الانسان القديم اذن؟
هل هو من أبناء ادم؟
فاذاكان من ابناء ادم لما كان يعيش بطريقة بدائية لاتمت بصلة لبنوة ادم وقد استغرق ازمانا ليتطور
مع فائق الاحترام والتقدير

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

احترامي وتقديري لحضور الاستاذة القديرة مريم لطفي. وشكرا لمتابعتك الحوار. إشكال في محله، وكان ينبغي طرحه، فلا داعي للتوقف عن طرح اي سؤال حول الدين. بالنسبة للاسماء التي تعلمها آدام فلهم آراء: بين من ادعى وهم الشيعة بانها اسماء الائمة!!!، ولهم أدلتهم. وهناك من قال اسماء الاشياء التي كانت من حوله. واما ما جاء في حلقة سابقة من هذا الحوار فقد ذكرت وساعيد ذكره في الحلقة القادمة او التي يليها، بأن المراد وعلم ادم الاسماء كلها، قابلية التعلم، والقدرة على التعلم، او ما يعبر عنه منطقيا بملكة التعلم، والا ليس من المعقول ان يراد بالاسماء كله، كل ما احتوى الوجود من اسماء. الفرق بين طرح الحوار والتراث، ان الثاني جعل من الانسان كائنا محنطا تتحكم به الاقدار. اما حلقات الحوار فتحركت مع كائن انساني، خلق ليكون انسانا وخليفة، وما السجود الذي طالب الله الملائكة سوى الاذعان للعقل، الذي له قابلية التعلم والادراك واصدار الاحاكم فهو كما مر تجلي للعقل الكلي الذي هو الخالق تعالى. وسياتي الكلام شكرا لك مجددا

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4954 المصادف: 2020-03-29 06:04:43